تسجيل الدخول

الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة (كتاب)

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

عنوان الكتاب

الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة

المؤلف

علي بن يوسف الحكيم

زمن التأليف

عهد الدولة المرينية (القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي)

الموضوع

دور ضرب العملة الإسلامية وصناعة النقود


الموجز

الدّوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة، كتاب ألّفه علي بن يوسف الحكيم، في عهد الدولة المرينية بالمغرب الأقصى خلال القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، ويُعَدّ ثالث كتاب مغربي من هذا الصنف زمنيًا، إذ يجمع معلومات تاريخية وتقنية وفقهية تتعلّق بضوابط دار السكة ومعادنها وصناعة النقود.

اختلفت عبارات عنوان الكتاب بين النسخ المخطوطة، إذ أهدى المؤلف نسختين منه إلى السلطان أبي فارس عبد العزيز المريني ووزيره أبي يحيى، مغيّرًا صياغة العنوان بينهما.

عاش المؤلف في فاس، وشغل على الأرجح خطة أمين دار السكة، متأثرًا بخبرة عائلية في المجال، جامعًا بين معرفته العملية بالتعدين وصناعة النقود واطّلاعه على الفقه المالكي.

اعتنى بالكتاب عدة محققين منذ أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، ومن أبرزهم: حسين مؤنس ومحمد علي دبور، اللذان اعتمدا نسخًا مخطوطة من مكتبات المغرب وأوروبا.

يتوزّع الكتاب على 10 أبواب ضمن 3 أجزاء تتناول الذهب والفضة وأحكامهما الشرعية، وضرب الدينار والدرهم عبر العصور وشروط عمال دار السكة، والمعاملات الفقهية بالنقدين، وذلك بمصطلحات يغلب عليها الطابع المحلي المغربي خاصة بصناعة النقود.

الكتاب وتاريخ تأليفه

اعتُمد الدّوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة عنوانًا للكتاب في تحقيقيْن متباعديْن زمنيًا لباحثيْن مصريّيْن، هما: حسين مؤنس (1911-1996) الذي نشر تحقيقه في الأعوام 1958 و1967 [1]1986؛ ومحمد علي دبور الذي نشر تحقيقه عام[2]2022، وقد أثبت كلاهما هذا العنوان رغم وجود ما يشير إلى عنوان آخر من وضع المؤلّف نفسه في حياته، وهو:[3]الدوحة المستكّة في أحكام دار السكّة، (1893-1976)[4]. ويبدو من خلال النسخ المخطوطة المعروفة كلها التي اعتُمِدتْ في التحقيقيْن أنّ ثمة تداخلًا بين العنوانيْن في المخطوط نفسه أحيانًا، مع اختلاف في الموضع بين فاتحة الكتاب وخاتمته[5]. وهذه الاختلافات في العنوان هي:خير الدين الزركلي (1893-1976)[6]. ويبدو من خلال النسخ المخطوطة المعروفة كلها التي اعتُمِدتْ في التحقيقيْن أنّ ثمة تداخلًا بين العنوانيْن في المخطوط نفسه أحيانًا، مع اختلاف في الموضع بين فاتحة الكتاب وخاتمته[7]. وهذه الاختلافات في العنوان هي:

  1. الدّوحة المشتبكة في أحوال[8] دار السكّة، كما كُتِب في ورقة الغلاف في نسخة المكتبة الوطنية بباريس، التي اعتمدها محمد علي دبّور أصلًا في تحقيقه[9].
  2. الدّوحة المستكّة في أحكام دار السكّة، كما كُتِب في مخطوط خير الدين الزركلي، وفي كتاب إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة فاس لعبد الرحمن بن زيدان (1878-1946)[10].
  3. الدّوحة المشتبكة في أحكام دار السكّة، في الورقة 9/أ من مخطوط المكتبة الوطنية بباريس[11].
  4. الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة، في الصفحة الأخيرة من مخطوط المكتبة الوطنية بباريس، ومخطوط محفوظ بالمكتبة الوطنية المغربية تحت رقم 2231 (د)، وأيضًا في كتاب التراتيب الإدارية للكتاني[12].

ومن ثَمَّ فإن الاختلافات في عبارات العنوان تشمل: "أحوال" و"أحكام" و"ضوابط" و"المشتبكة" و"المستكّة"، ولكنّ كِلا المحققين لم يورد تفسيرات لذلك. ويعتقد أنّ حسين مؤنس تنبّه لذلك في مستدركه عام 1960، وفي النشرة المنقّحة الثانية عام 1986، في حين لم يتسنَّ ذلك للمحقّق الثاني محمد علي دبّور، الذي اعتمد على نسختيْن مختلفتيْن نسبيًا لأصل واحد، على خلاف عبد العزيز السّاوري الذي قدّم لتحقيقه، وذكر نسخًا عدة محفوظة بمكتبات المغرب الأقصى.

يتمثّل هذا الأمر في أنّ علي بن يوسف الحكيم أهدى نسختيْن من كتابه إلى كلّ منَ السلطان أبي فارس عبد العزيز المريني (ت. 774هـ/ 1372م)، ووزيره أبي يحيى أبي بكر بن أبي مجاهد غازي الذي انتهتْ وزارته عام 776هـ/ 1374م[13]. وقد أورد حسين مؤنس في الفاتحتين اللتيْن نشرهما في مستدركه أو في نشرته الثانية كلامًا للمؤلف نفسه يفسّر ذلك، إذ أورد المؤلف في النسخة المهداة إلى السلطان العنوان الذي أثبته المحقّقان في الأخير في قوله: "إذ هو منقول من كتب الفقهاء[14] الأعلام، والحكماء أولي النّهى والأفهام، والله تعالى يجعل ذلك من مقام مولانا الموقع الذي تُجنى فائدته، وتحمد إن شاء الله عاقبته، وسمّيتُه بالدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة"[15]. أما في النسخة المهداة إلى الوزير فقال: "ولخّصتُه من ’الرّوضة الغضّة في معرفة الذهب والفضة‘ وسميّته بالدّوحة المستكّة في أحكام دار السكّة"[16]، إذ إن المؤلف غيّر عنوان الكتاب لمّا جهّز نسخة منه للوزير أبي يحيى بعد وفاة السلطان أبي فارس[17]، وأعلمه في فاتحتها بأنّ نظيرًا من الكتاب موجود في خزانة السلطان، أهداه إليه قبل وفاته، إذ يقول: "أردتُ أن أرفع لمقامه هذا الكتاب، رجاء أن أكون في ذلك ممن أصاب، إذ وقد استقرّ نظيره بخزانة مولانا السلطان المقدّس المرحوم المنعّم في جنّات الرّضوان أبي فارس عبد العزيز"[18]. وقد ميّز المؤلّف بين النّسختين في فاتحتهما، إذ أعلم السلطانَ أبا فارس أن الكتاب منقول من كتب الفقهاء والحكماء وغيرهم، في حين أعلم الوزير بأنّه لخّصه من كتاب الرّوضة الغضّة في معرفة الذهب والفضّة.

وأما تاريخ تأليف الكتاب، فقد حاول المحقّق الثاني تحديد تاريخ تأليفه اعتمادًا على النسختيْن اللتيْن استعملهما، فاعتقد أنّ علي بن يوسف الحكيم بدأ كتابته عام 774هـ/ 1372م، في آخر أيام أبي فارس عبد العزيز، ثم أتمّه في عهد ابنه السلطان أبي زيّان محمد بين عاميْ 774هـ/ 1372م و776هـ/ 1374م[19]. ولكن يُرجّح أن النسخة الأولى من الكتاب أهدِيتْ إلى السلطان أبي فارس قبل وفاته، أي قبل عام 774هـ/ 1372م، وهو ما ذكره المؤلّف في فاتحة نسخة الوزير، عندما أبلغه بأنّ نظيرًا للكتاب مستقرّ في خزانة السلطان، أمّا نسخة الوزير فقد كتبها بخطّ يده بعد عام 774هـ/ 1372م، وقبْل انتهاء وزارته عام 776هـ/ 1374م.

خصّص المؤلف هذا الكتاب لضوابط دار السكّة أو أحكامها، وشؤون عمّالها وموظّفيها، ولطُرق تصفية الذهب والفضة ووسائلها، ولتقنيات صناعة النقود منهما. ويتميّز الكتاب بأنه الأقدم في بلاد المغرب عمومًا، والمغرب الأقصى على وجه الخصوص، قبل كتاب الأصداف المنفضة عن أحكام علم صنعة الدينار والفضة للجزنائي. وعلى مستوى الترتيب الكرونولوجي بالنظر إلى تاريخ التأليف، يحتلّ الكتاب المرتبة الثالثة بعد كتاب: الجوهرتين العتيقتين المائعتين من الصفراء والبيضاء للهمداني (ت. 336هـ/ 947م)، الذي ألّفه عام 330هـ/ 942م، وكتاب كشف الأسرار العلمية بدار الضرب المصرية الذي ألّفه ابن بعرة الذهبي في عهد الملك الكامل الذي حكم بين عامَي 615هـ/ 1218م و635هـ/ 1238م. أمّا الكتاب الرابع فهو الأصداف المنفضّة[20].

مؤلِّف الكتاب

لا تتوفّر معطيات كثيرة عن مؤلِّف الكتاب أبي الحسن علي بن يوسف بن أبي الحسن علي بن محمد الحكيم المديوني الكومي الفاسي. وقد حاول المحقّقون تحديد الفترة التي عاش فيها، فحسين مؤنس يرى أنه عاش وتولّى دار الضرب في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي[21]. أمّا عبد العزيز السّاوري، فيعتقد أنه كان حيًا في أثناء العقد الثامن من القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي[22]. وقد اعتقد المحقق الثاني محمد علي دبّور أنه توفِّي بعد عام 776هـ/ 1374م، وأنه كان أمينًا لدار الضرب[23].

عاش المؤلّف في مدينة فاس التي تضمّ دار السكّة الرئيسة في العهد المريني[24]، ونقل في كتابه معلومات تعود إلى بداية العهد الموحّدي، وحَدَثِ ضرْب الدراهم المُركَّنة (المربّعة) في عهد أبي عبد الله محمد بن تومرت (474-524هـ/ 1080-1130م)[25]، ثم يركّز في أغلبها على ضوابط دار السكّة بفاس وتقنيات نشاط الضرب فيها، فضلًا عن الشروط المستوجبة في عمال دار السكة وموظفيها خلال العهد المريني، وعن التصوّر الفقهي المالكي للمعاملات بالنقديْن.

كان علي بن يوسف الحكيم ذا خبرة عملية بأحكام التعدين وصناعة النقود بدار الضرب، ويحسن التمييز بين النقود وأوصاف المعادن، وما يصلحها وما يفسدها، كذلك كان عالمًا بالخط المنقوش على الطوابع وأسراره وقواعده، وذا اطّلاع على مختلف الميادين الجغرافية والتاريخية والطبيعية واللغوية، وعلى [26]. إضافة إلى ذلك، كان مطّلعًا على الفقه، ولا سيما الفقه المالكي، وعلى العلوم الشرعية ذات الصلة بالزكاة والصرف والبيع، والمعاملات بالنقود والمعادن الثمينة، علاوة على معرفته بما يتصل بأعمال الغش والتزوير وكيفية التصدي لها، إذ ذكر أنه كان ينحدر من عائلة فقهاء كانوا مُكلَّفين بالإشراف على دار الضرب بفاس[27]. أنه كان ينحدر من عائلة فقهاء كانوا مُكلَّفين بالإشراف على دار الضرب بفاس[28].

ذكر علي بن يوسف الحكيم، في فصل بعنوان: "في الأوصاف المُعتبرة في ناظر السّكة وذلك ممّا لا غنى عنه وما لا بدّ منه"، الأوصافَ (أو الشروط) التي يجب أن تتوفر في الناظر، إذ يقول: "ولمّا كان الذهب والفضة من أشرف الأشياء، كان النّظر في أمورهما من أشرف الأمور، وكما يُعتبر في إمام الصّلاة أن يكون عالمًا بما لا تصحّ الصلاة إلا به قراءة وفقهًا، وكما يُعتبر فيمن أراد أن يتحمّل شهادة أن يكون عالمًا بوجوه التّحمّل والأداء، كذلك ينبغي أن يكون النّاظر في هذا الفن، إذ هو الواجب على كلّ من قُدِّم على أمر أنْ يعلم الحكْم فيه، ويستكمل له النّظر حتّى يستوفيه، ولا يأخذ برأيه فيه على البديهة ولا على الظّن وما يشبهه، بل يشعر في نفسه أنّ الثّواب لمن علم فاقتدى والعقاب لمن ظلم فاعتدى. وإذا كان معروف الأمانة وله بالصناعة الجارية فيها علم ومعرفة، كتمييز النقود وأوصاف المعادن وما يُصلحها وما يُفسدها، وأسباب غشّها وما يزيله مع درْبة بأنواع خطوط الطّوابع وأشكال الفتْح وتصنيفه، والخطّ وهندسته، مع النّزاهة والدّيانة، استوثق النّاس بسكّتهم وكثُر الفايد ونمى العايِد. وإذا دخل فيها من ليس من أهلها ولا عُدّ من رجالها لا سيما مع إهمال دقائقها والإغفال عن وجوه البحث في حقائقها عادت بالخسران وعدم الرّجحان وتعطّل فايدها وقلّ عايدها"[29].

ينقسم الكتاب منهجيًا إلى 3 أجزاء: نَقل المؤلف في الجزء الأول منها معطيات عامة عن الذهب والفضة وحرمتهما، وأسمائهما، ومعادنهما، وكيفية استخراجهما وتخليصهما؛ وفي الجزء الثاني أورد معطيات تاريخية تتعلّق بنشأة النقود وتطوّرها عبر التاريخ، ولا سيما ما يتصل بالعالم العربي الإسلامي، ثم تليها معطيات ذات طبيعة عملية، تُحدّد فيها الشروط المطلوبة في عمال دار الضرب وموظفيها؛ وخصّص الجزء الثالث، وتحديدًا من الباب السابع، لكثير من المسائل الفقهية المرتبطة بالتعامل بالنقود الذهبية والفضية، مثل: الزكاة، والصّرف، والبيع وسائر المعاملات. وتعرّض أيضًا في الباب العاشر لمسائل مختلفة من الغِشّ والفساد ودوّن أحداثًا كان شاهدًا عليها في زمانه، وكان لزامًا -من وجهة نظره- أن يخوض فيها ويحذّر الحاكم منها لتجنُّب مشكلات اقتصادية واجتماعية قد تنتج منها.

كانت للمؤلف إحاطة نظرية بمعدنَي الذهب والفضة، وما يتعلّق بهما من أمور التعدين وبعض جوانب صناعة النقود[30]، فاعْتَمد لغة أهل العلْم والصناعة والصياغة في تصْفية الذهب والفضة وتخْليصهما، وفي سَكّ النقود وما يتعلَّق بها من عيارات وموازين وصنج. ويُرجّح أنه شغل خطة أمين دار السكَّة خلال النصف الثاني من القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، وهو منصب شبيه بالذي شغله جده الحكيم أبا الحسن علي بن محمد المديوني الكومي، إذ كان أمين دار الضَّرب بفاس في عهد السلطان المريني أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق مدّة 50 عامًا، منذ 674هـ/ 1275م حتى 724هـ/ 1323م[31].

وفي حديثه عن المعادن وأسمائها والاستفادة منها، اعتمد المؤلف على مصادر أساسية، ولا سيما كتاب الجماهر للبيروني، ورتبة الحكيم للمجريطي (ت. 398هـ/ 1007م)، فضلًا عن بعض كتب فلاسفة العرب الأوائل، كجابر بن حيان (ت. 200هـ/ 815م)، والرازي (ت. 311هـ/ 923م)، وابن وحشيّة (ت. 318هـ/ 930م) وغيرهم من المؤرخين والجغرافيّين والشعراء وأصحاب السّير الذين عدّدهم في كتابه ونقل عنهم[32].

لقد وُضِع كتاب الدوحة المشتبكة ليؤدّي وظيفة عملية، ويكون وثيقة مرجعية، ودليلًا لنُظَّار دُور الضَّرْب، وكلّ من كان له اهتمام بهذا الشأن في المغرب الأقصى، إذ يقول المؤلف في فاتحة النسخة المهداة إلى الوزير أبي يحيى: "يكون تذكرة لمن تقدّم له في ذلك سلوك، وتبْصِرة لمن أُقِيم في خدمة الوزراء والملوك"[33].

ويُرجَّح أن نُسخًا من هذا الكتاب كانت موضوعة على ذمة دُور السكّة في المغرب الأقصى، إذ إن الجزنائي الذي شغل خطة ناظر دار السكة بمراكش في أواخر القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، ينْقل أحيانًا في كتابه، الأصداف، بعض المعلومات من الدَّوْحَة نقلًا حَرْفيًا، فعلى سبيل المثال وردتْ الجملة الآتية في الكتابين:

الدّوحة المشبكة (القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي)[34]

الأصداف المنفضة (القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي)[35]

"فإن كان في وجه السّبيكة تمويج لا تكريش فيه وعروسها أحمر لا دهومة فيه فلينقر بها على زبرة حديد تكون بين يديْه فإن كانت صمّاء فذلك من جودتها[36]، والصّوت دليل تنحيسها".

"فإن كان في وجه السّبيكة تمويج لا تكريش فيه وعروسها أحمر لا دهومة فيه فلينقر بها على زبرة حديد أمامه فإن كانت صمّاء فهي جيّدة، والصّوت دليل تنحيسها".

هذا فضلًا عن استعمال الجزنائي المصطلحات التقنية والفنية نفسها تقريبًا، واعتماده في الوصف على الطُّرق المتَّبَعة نفسها في التعدين ومراحله، وفي صِناعة النقود بمختلف أقسامها كما ذكرها بن يوسف الحكيم.

تاريخ العناية بالكتاب

تُعَدّ أوّل تجربة تحقيق للكتاب تلك التي أنجزها م. ڤيالا (M. Viala) عام 1939، لمّا ترجم بعض المقتطفات ونشرها ملحقًا في كتالوج جوزف دومينيك بريت، بخصوص النقود المغربية تحت عنوان: مخطوطة غير معروفة للحاج لحسن: النقود الإسلامية لدور الضرب المغربية. وقد انطلق في ترجمته من الفصل الثاني من الباب الخامس، متخيّرًا ما يتماشى مع النقود المغربية، وصولًا إلى الباب العاشر[37].

وفي عام 1958، حقّق حسين مؤنس الكتاب تحقيقًا علميًا لأول مرة، وبذلك يكون أول تحقيق كامل في الفترة المعاصرة لهذا النوع من المصادر المختصة، الموضوعة أساسًا في أحكام دار السكة، وتقنيات صناعة النقود في العالم الإسلامي. ومن ثَمَّ، استفاد من هذا التحقيق باحثون ومحققون مستشرقون وعرب بعد سنوات لتحقيق كتب أخرى، مثل: كشف الأسرار العلمية عام 1966، ثم كتاب الجوهرتيْن منذ عام 1968، ثم كتاب الأصداف المنفضّة.

اعتمد حسين مؤنس عام 1958 على نسخة مخطوطة وحيدة، من أملاك المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد. ثم في عام 1960، حصل على نسختيْن أخرييْن من المغرب الأقصى، استدرك بهما على نصّ الدوحة السابق. وفي عام 1986، أعاد نشر التحقيق معتمدًا على النسخ الثلاث المتوفرة لديه، وجامعًا بين تحقيقه الأول وما استدركه عليه من دون أن يضيف كثيرًا، كذلك تفطّن إليه محمد علي دبّور عام 2022[38]، الذي أعاد بعد 64 عامًا تحقيقَ الكتاب بعد العثور على نسختيْن، واحدة من المكتبة الوطنية بباريس، والأخرى من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، قابل بهما النصّ الذي حقّقه حسين مؤنس، وأكمل النقص فيه، وأصلح الأخطاء الواردة فيه متّخذًا نسخة باريس أصلًا، علمًا أنّ النسختيْن هما من أصل واحد، وهو النسخة التي أهداها علي بن يوسف الحكيم إلى الوزير أبي يحيى.

أعَدّ حسين مؤنس -فضلًا عن تَفسير العبارات الاصطلاحية في التعليقات- فهرسًا للمصطلحات الواردة في المخطوط، مُحيلًا على الصفحاتِ، ومُضيفًا بعض التفاسير والشروح. أمّا تحقيق محمد علي دبّور، فقد أصلح فيه كثيرًا من الأخطاء الناتجة من السهو والتصحيف، والسقط والتحريف من النسّاخ في النسخ التي اعتمد عليها حسين مؤنس، وحاول أن يكون النصّ المُحقَّق مكتملًا، ولا سيما بعد أن تفطّن لنقْص عدد من الفقرات في تحقيق حسين، فأكملها وأخرج نصًا كاملًا تقريبًا، وجهّزه بعدة فهارس[39].

إضافة إلى هذه النسخ، صرّح عبد العزيز السّاوري في تقديمه لتحقيق محمد علي دبور بوجود 7 نسخ مخطوطة مكتبات المغرب الأقصى، من بينها 3 في الخزانة الحسينية بالرباط، هذا من دون اعتبار النسخ الأخرى المتوفّرة في مكتبات عالمية أخرى، كتلك الموجودة في المكتبة الوطنية بباريس ونسخة مدريد[40].

أقسام الكتاب ومواضيعه

قسّم علي بن يوسف الحكيم كتابه إلى 10 أبواب، تنوّعت فيها المعلومات ومصادرها، وتراوحت بين ما هو نظري، وما هو عملي تطبيقي، وما هو فقهي وشرعي. ويمكن تقسيم موضوعات الكتاب كما يأتي:

  1. الذهب والفضة قبل سكّهما: يتطرّق المؤلّف في الأبواب الخاصّة بذلك إلى مسائل مرتبطة بهما، كالانتفاع بهما من وجهة نظر شرعية، وأسمائهما ومواضعهما (معادنهما)، وعلاقة الكواكب بهما، وكيفية غسلهما بطُرق مختلفة، وكذلك التداوي بهما، وتمييز المغشوش منهما (الأبواب من 1 إلى 4).
  2. ضرب الدينار والدرهم من القديم مرورًا بالدولة الأموية (41-132هـ/ 662-750م)، ثمّ الدولة الموحّدية (515–667هـ/ 1121–1269م) التي اخترعتْ الدراهم المربّعة، وصولًا إلى الدولة المرينية زمن المؤلف (الباب الخامس). قسّم المؤلّف هذا الباب إلى 12 فصلًا، وهو يُعَدّ من أهم الأبواب المتعلّقة بالجوانب التاريخية والعملية والتقنية والفنية الخاصة بدار السكّة، بدءًا بالناظر والشروط المطلوبة فيه، ثم الشاهديْن والفتّاح (النقّاش)، ثم بقية طاقم الموظفين والعملة الذين يصطلح على تسميتهم بـ"السكّاكين"، ويقسّمهم إلى مُعلّمين وعمال ومتعلّمين. وفي هذه النقطة تحديدًا وضع ضوابط للتعامل مع المعادن الثمينة الداخلة إلى الدار، ولا سيما التي يجلبها أصحابها، وأيضًا ضوابط للتحرّي في أوزانها، وتقييد ما يدخل الدار كل يوم بشهادة الشاهديْن، علاوة على حُسن طبْع النقود تجنّبًا للغش والتلف. وتحدّث أيضًا عن كيفية عمل العيارات التي تحتاجها الدار لتعْيِير الذهوب الواردة عليها، ووصف الميزان ومكوّناته وصِنجه، وضرورة تفقّدها واختبارها مرة في الأسبوع أو في الشهر. وذكر أيضًا أن الذهب الوارد على دار السكة يكون إمّا تبرًا وإما حلْيًا، ولكلّ نوعٍ طُرق في تحريره وإعداده للسكّ. وينتقل من ذلك إلى وصف أفضل الطّرق لتجهيز القِطع النقدية، وطبْعها الطّبع الحسن، وتفقّدها، وحذْف الدّنانير السيّئة السكّ. وهذه الخدمات كلها التي تقدّمها الدار تكون بمقابل مادّي يسمّى "الفايد". وأكّد أيضًا على ضرورة تدوين الأعمال والأنشطة كلها في أزمّة، يُحدَّد فيها التاريخ وكميات ما دخل إلى الدار وما خرج منها بالوزن، وتتضمّن أسماء الشهود والعمّال وطالبي الخدمات وغير ذلك من المعطيات الدقيقة.
  3. المعاملات والاستعمالات اليومية للذهب والفضة من وجهة نظر فقهية شرعية، وتحديدًا الصرف والمراطلة، وتجنّب الوقوع في الرّبا من وجوه عدة، فضلًا عن الاستعمالات الاجتماعية اليومية للمعدنيْن في الحليّ، والأثاث، والإنفاق، والابتعاد عن أوْجُه الغش المختلفة (الأبواب من 7 إلى 10).

خصوصيات الكتاب

لقد شمل كتاب الدّوحة المشتبكة نوعيْن من المعطيات: النوع الأول كان نظريًا يطغى عليه الجانب الفقهي، ويتعلّق بمعدنَي الذهب والفضة وتكوّنهما في الطبيعة واستعمالاتهما؛ والنوع الثاني تقني وعملي، يتعلّق بصناعة النقود وما تحتاجه والمراحل التي يمرّ بها.

ورغم معرفة علي بن يوسف الحكيم باللغة العربية التي ألّف بها كتابه، تضمّن الكتاب أيضًا مصطلحات متأثّرة بالثقافة المحلية المغربية التي يغلب عليها الطابع البربري، إذ ذكر كثيرًا من الآلات والأدوات والأواني المتأثرة بالطابعَيْن العربي والبربري. وقد اشترك الكتاب مع كتابيْ الجوهرتين وكشف الأسرار في ذكر عددٍ من المصطلحات، التي ربما كانت تروج في المغرب الأقصى أيضًا بالتسميات المشرقية نفسها، مثل: الأسرب، والإقليميا، والإبريز، والبورق، والتبر، والأتون، والمبرد، وغيرها. وقد استعمل عددًا من المصطلحات العامية الرائجة بين الصنّاع والفنّيين والتقنيّين المحليّين، وذكر كثيرًا من العبارات والأفعال الرائجة ولا سيما في المغرب الأقصى، ومن ذلك[41]:

الكلمة

المعنى

البَهرجة

التزييف

التّجريش

المبالغة في الطبع حتّى يسوء

الجُرْم

جسم له وزن محدّد

الجورة

الحفرة

الجُولق

الصندوق

الحروشة

الخشونة

محفوز

مستوٍ

حَلْي

حليّ

الخارج

ما خرج من دار الضرب

خارجيّ

النقود التي هي من خارج دار السكة

التخليص

التصفية

الخيط

خيط الذهب

دُبُوسة

غير صافية

درس

سوء الطبع

الدّلْسة

التدليس

الدُّولة

مرّة بمرّة

ريَّش

ضرب بريشة المطرقة

الزُّبرة

السندان

مَياوِمَة

ما يتقاضاه العامل بشكل يومي

تزوير

غشّ

مسكوك

مضروب ومطبوع بالطابع

صيرفي

الصرّاف

المراجع

العربية

ابن بعرة الذهبي الكاملي، منصور. كشف الأسرار العلمية بدار الضَّرْب المصرية. تحقيق عبد الرحمن فهمي. القاهرة: لجنة إحياء التراث الإسلامي، 1966.

الجزنائي، حمدون بن محمد. الأصداف المنفِضَّة عن أحكام علم صنعة الدِّينَار والفِضَّة. تحقيق خالد بن رمضان وعبد الحكيم القفصي. في: تحية وفاء وتقدير للأستاذ روبار منتران. زغوان: مركز البحوث والدراسات العثمانية والموريسكية والتوثيق والمعلومات، 1987. ص 29-72.

الحكيم، علي بن يوسف. "الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة". مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد. مج 6، العدد 1-2 (1958)، ص 163-185.

________. الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة. تحقيق حسين مؤنس. ط 2. القاهرة: دار الشروق، 1986.

________. الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة. تحقيق محمد علي دبور. تقديم عبد العزيز الساوري. القاهرة: دار إشراقه، 2022.

الغضبان، محمد. معجم دار السكة في العالم الإسلامي الوسيط. تونس: مؤسسة GLD، 2021.

 مؤنس، حسين. "مستدرك على نص كتاب الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة لأبي الحسن علي بن يوسف الحكيم". صحيفةالمعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد. العدد 14 (كانون الثاني/ يناير 1967). ص 231-240.

الهمداني، الحسن بن أحمد. كتاب الجوهرتين العتيقتين المائعتين من الصفراء والبيضاء. تحقيق وتقديم كرستوفر تول. ترجمة يوسف محمد عبد الله. ط 2. صنعاء: وزارة الإعلام والثقافة، 1985.

الأجنبية

Ben Romdhane, Khaled. “Sources arabes sur la technique monétaire.” Africa. vol. XXI (2007). pp. 187-210. 

________. Contribution à l’étude des monnaies de l’Ifriqiya (fin Ier s.-fin Xe s./fin VIIe s.-milieu XVIe s.). Tunis: Institut National du Patrimoine, 2008.

Brethes, Joseph Dominique. Contribution à l’histoire du Maroc par les recherches numismatiques, monnaies inédites ou très rares de notre collection. Casablanca: Imprimerie des Annales marocaines, 1939.

[1] علي بن يوسف الحكيم، "الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة"، مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد، مج 6، العدد 1-2 (1958)، ص 163-185؛ علي بن يوسف الحكيم، الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة، تحقيق حسين مؤنس، ط 2 (القاهرة: دار الشروق، 1986)؛ حسين مؤنس، "مستدرك على نص كتاب الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة لأبي الحسن علي بن يوسف الحكيم"، صحيفةالمعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد، العدد 14 (كانون الثاني/ يناير 1967)، ص 231-240.

[2] علي بن يوسف الحكيم، الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة، تحقيق محمد علي دبور، تقديم عبد العزيز الساوري (القاهرة: دار إشراقه، 2022)، ص 7.

[3] يقول محمد علي دبور أنّ المستكّة تعني الملتفّة أشجارها. تُنظر الإحالة الأولى، في: الحكيم (2022)، ص 15.

[4] مؤنس، ص 240؛ الحكيم (1986)، ص 11-12؛ الحكيم (2022)، ص 15.

[5] مؤنس، ص 234؛ الحكيم (2022)، ص 15.

[6] الواضح أنّ عبارة "أحوال" هي تصحيف من الناسخ لعبارة "أحكام".

[7] الحكيم (2022)، ص 15.

[8] المرجع نفسه، ص 16.

[9] المرجع نفسه، ص 15.

[10] مؤنس، ص 236؛ الحكيم (1986)، ص 12-13؛ الحكيم (2022)، ص 15.

[11] الحكيم (1986)، ص 12؛ الحكيم (2022)، ص 7-8.

[12] كلمة "الفقهاء" لم يتوصّل إليها حسين مؤنس في حين أثبتها محمد علي دبور. يُنظر: الحكيم (2022)، ص 52.

[13] مؤنس، ص 236؛ الحكيم (1986)، ص 31.

[14] مؤنس، ص 240؛ الحكيم (2022)، ص 53.

[15] للاطلاع على أسباب تغيير العنوان، يُنظر: الحكيم (2022)، ص 13.

[16] المرجع نفسه، ص 52.

[17] المرجع نفسه، ص 14.

[18] الحسن بن أحمد الهمداني، كتاب الجوهرتين العتيقتين المائعتين من الصفراء والبيضاء، تحقيق وتقديم كرستوفر تول، ترجمة يوسف محمد عبد الله، ط 2 (صنعاء: وزارة الإعلام والثقافة، 1985). وثمة تحقيقات أخرى لحمد الجاسر (1987)، ويوسف محمد عبد الله (2003)، وأحمد فؤاد الباشا (2009)؛ منصور بن بعرة الذهبي الكاملي، كشف الأسرار العلمية بدار الضَّرْب المصرية، تحقيق عبد الرحمن فهمي (القاهرة: لجنة إحياء التراث الإسلامي، 1966)؛ حمدون بن محمد الجزنائي، الأصداف المنفِضَّة عن أحكام علم صنعة الدِّينَار والفِضَّة، تحقيق خالد بن رمضان وعبد الحكيم القفصي، في: تحية وفاء وتقدير للأستاذ روبار منتران (زغوان: مركز البحوث والدراسات العثمانية والموريسكية والتوثيق والمعلومات، 1987)، ص 29-72؛ ويُنظر:

Khaled Ben Romdhane, Contribution à l’étude des monnaies de l’Ifriqiya (fin Ier s.-fin Xe s./fin VIIe s.-milieu XVIe s.), vol. 1 (Tunis: Institut National du Patrimoine, 2008), pp. 384-389.

[19] الحكيم (1986)، ص 14.

[20] الحكيم (2022)، ص 8.

[21] يُنظر الغلاف، في: المرجع نفسه.

[22] المرجع نفسه، ص 13، 119 وما بعدها.

[23] المرجع نفسه، ص 119-120.

[24] الحكيم (1986)، ص 15.

 

[25] Khaled Ben Romdhane, “Sources arabes sur la technique monétaire,” Africa, vol. XXI (2007), p. 187; Ben Romdhane, op. cit.

[26] الحكيم (1986)، ص 69-70؛ الحكيم (2022)، ص 122-123.

[27] الحكيم (1986)، ص 14-16.

[28] المرجع نفسه، ص 14؛ الحكيم (2022)، ص 12.

[29] الحكيم (1958)، ص 71، 93؛ الحكيم (2022)، ص 31-32. وقد ذكر المحقق أنه رجع إلى كل الكتب التي استعملها المؤلّف وهي الآن محققة ومنشورة؛ الجزنائي (1987)، ص 30-31.

[30] مؤنس، ص 239؛ الحكيم (2022)، ص 52.

[31] الحكيم (1986)، ص 88؛ الحكيم (2022)، ص 154.

[32] الجزنائي (1987)، ص 67-68.

[33] هذه الكلمة حقّقها حسين مؤنس في النشرتين "حدّتها"، في حين حقّقها محمد علي دبور "جودتها"، وهو ما يستقيم بالمقارنة بما أورده الجزنائي.

[34] Joseph Dominique Brethes, Contribution à l’histoire du Maroc par les recherches numismatiques, monnaies inédites ou très rares de notre collection (Casablanca: Imprimerie des Annales marocaines,

 1939), pp. 253-267; Ben Romdhane, “Sources arabes sur la technique monétaire,” p. 188.

[35] الحكيم (2022)، ص 17-18.

[36] المرجع نفسه، ص 33-35. واكتفى المحقّق بذكر 3 أمثلة على أن يشير في الحواشي إلى أمثلة أخرى.

[37] المرجع نفسه، ص 8-9.

[38] يُنظر: محمد الغضبان، معجم دار السكة في العالم الإسلامي الوسيط (تونس: مؤسسة GLD، 2021). وقد جمع فيه كل المصطلحات الخاصة بدار السكة.

المحتويات

الهوامش