الموجز
إرنست ماخ (Ernst Mach، 1838-1916) فيلسوف علوم وفيزيائي نمساوي، من أبرز ممثلي
المذهب التجريبي النقدي الذي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر. جمع في فلسفته العلمية بين البحث التجريبي والتحليلات الفلسفية
وتاريخ العلوم، وأسهم في تأسيس تصور معرفي يقوم على رفض الميتافيزيقا، وعلى إرجاع المفاهيم العلمية إلى معطيات حسية. اعتمد ماخ على مبدأ
الاقتصاد في التفكير بغية صياغة النظريات والنماذج. بدأت مسيرته العلمية من بحوثه في علم الفيزياء والفلسفة والرياضيات في جامعة فيينا، ثم انتقل إلى جامعة غراتس وبراغ ليواصل نشاطه الأكاديمي والبحثي.
ترك ماخ إنتاجًا علميًا مهمًا في مجال علم الميكانيكا، ما تجلّى في مفهوم
العدد الماخي، إضافة إلى إسهاماته الكبيرة في مجال البصريات وهو ما يظهر في أشرطة ماخ، والديناميكا الحرارية، وعلم النفس الفيزيائي، وذلك عبر تحليله للعلاقة القائمة بين المثيرات الفيزيائية والإدراك الحسي. كان لماخ حضورٌ قويٌّ لدى فلاسفة العلوم في
دائرة فيينا (Vienna Circle) ورواد
الفلسفة الوضعانية (Positivist Philosophy) أمثال: شليك وكارناب، الذين أخذوا بطرحه القائل: ما لا يُمكننا التحقق منه عن طريق التجريب ما هو إلا ميتافيزيقا. كما حضرت فلسفته عند
كارل بوبر (Karl Popper، 1902–1994)، ولا سيما في نقده للمطلقات، رغم أنهما اختلفا بشأن اختزال الواقع في معطيات حسية. كما أثر كذلك في فلسفة
هانز ريشنبياخ (Hans Reichenbach، 1891–1953) الذي طور هو الآخر منهجه من خلال إدماج البنى الاحتمالية، إضافة إلى تأثيره البالغ في النظرية النسبية عند الفيزيائي ألبرت أينشتاين (Albert Einstein، 1879–1955)، من خلال نقد ماخ للزمان والمكان عند
إسحاق نيوتن (Isaac Newton، 1642–1727)، ليراجع أينشتاين موقفه، لاحقًا، وينتقد ماخ في رفضه المبكر للذرات. استطاع ماخ أن يجمع، في فلسفته العلمية، بين التجربة والمراجعات المفاهيمية والتاريخية للعلوم ما أسهم بقوة في تأسيس
فلسفة العلوم المعاصرة.
حياته الشخصية والمهنية
إرنست ماخ هو فيزيائي وفيلسوف نمساوي، له بحوث في علم البيولوجيا، ويُعدّ الممثل الرئيس
للوضعية العلمية النقدية (Critical Scientific Empiricism) التي ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، التي يُطلق عليها أحيانًا
النقدية التجريبية (Critical Empiricism)[1].
ولد ماخ بمنطقة مورافيا (Moravia) التي كانت جزءًا من الإمبراطورية النمساوية في ذلك الوقت. وهو الابن البكر لأسرة تتكوّن من ثلاثة أبناء؛ والده هو يوهان نيبو موك ماخ Johann Nepomuk Mach (1805–1879)، الذي كان يعمل مدرسًا خاصًا لأسرة نبيلة كانت تقطن في بلدة زلين (Zlín) التابعة لمورافيا، وقام بشراء مزرعة في قرية أونترزيبنبرون (Untersiebenbrunn)، التي كانت مصدر رزق عائلة ماخ. وقد عمل والده في مجال الصناعات الحرفية، إلى جانب اهتماماته بالتعليم والتعلم وانكبابه على القراءة بلغات مختلفة (اليونانية واللاتينية التقليدية)، وهو ما منح ماخ مناخًا وبيئة تعليمية مريحة، إذ تتلمذ في سنواته الأولى في المنزل على يد والده الذي كان له دور مركزي في صقل شخصيته الفلسفية والعلمية التي ستظهر في المستقبل[2].
تابع ماخ تعليمه في المدارس النظامية الحكومية، إلى أن أتم دراسته في المرحلة الثانوية، وذلك بين 1852-1855 في مدرسة البياريست العامة في مدينة كرومبرج[3]. وهو في سن 15 من عمره، تفتح عقله على دراسة أعمال الفيلسوف
إيمانويل كانط (Immanuel Kant، 1724-1804)، واطلع في شبابه على كتابه
مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة يمكن أن تصير علمًا[4] (1783)، وانهمك في استيعابه. تركت هذه القراءة أثرا في فكره قاده، فيما بعد، إلى دحض ضرورة افتراض وجود
الشيء في ذاته (Ding an sich)، في مقابل وجود الأشياء باعتبارها حقائق موضوعية. من هذا المنطلق، أنكر ماخ الوجود الموضوعي للسببية، معتقدًا أن الترابط بين العلة والنتيجة لا يوجد في الطبيعة، وإنما هو في الأساس قائمٌ بين الصور العقلية المخزنة في عالم الفكر؛ وبذلك، لا يعترف بمشروعية النظريات التفسيرية لأنها تتجاوز حدود الخبرة الحسيّة والملاحظة العيانية والواقع، وهو ما يُخالف حقيقة العلم القائمة على ترجمة الواقع[5].
التحق ماخ بجامعة فيينا، حيث تمكّن من دراسة علوم الفيزياء والرياضيات والفلسفة، في الفترة الممتدة ما بين 1855-1860، وحصل على شهادة الدكتوراة عن أطروحة علمية حملت عنوان:
حول الشحنات الكهربائية والتحريض (
Über elektrische Ladungen und Induktion) (1860). أتاح لماخ موضوع أطروحته الانخراط في أبحاث ودراسات علمية معمّقة مُتعلقة بتغير النغمة الموسيقية والألوان المتمخّضة عن الحركة، أو ما يُعرف بتأثير دوبلر (Doppler Effect)، وأسهم في تقديم محاضرات بشأن الفيزياء لطلبة الطب في الجامعة، إضافة إلى محاضراته عن مبادئ الميكانيكا التي تعد أساس كتابه
التطور النقدي والتاريخي لعلم الميكانيكا (1901)[6].
واصل ماخ عمله التدريسي في جامعة فيينا حتى عام 1864، وتعلقت اهتماماته البحثية بدراسة
علم وظائف الأعضاء (Physiology)، متأثرًا بمدرسة
يوهانس مولر (Johannes Müller، 1801–1858)، كما التحق بكلية الطب ودرس علم وظائف الأعضاء والكيمياء. نشر ماخ خلال هذه المرحلة أول أعماله في مجال علم النفس الفيزيائي (Psychophysics)، وتناول فيها إدراك المواضع بحركة العين، مشيرًا إلى أعمال مؤسس
علم النفس الفيزيائيغوستاف ثيودور فيخنر (Gustav Theodor Fechner، 1801–1887)، وحينها برز سعيه في التحقق من نظرية
كريستيان دوبلر (Christian
Andreas Doppler، 1803–1853) بشأن قضية التغيّر في تردد الموجة الصوتية حسب ما يرصده مراقب يتحرك بالنسبة لمصدر الموجة. اخترع ماخ -إثر هذا السعي- جهازًا بسيطًا يُؤكد أثر دوبلر في تردد الموجات الصوتية[7].
التحق ماخ عام 1864 بجامعة غراتس (University of Graz) للعمل أستاذًا للرياضيات والفيزياء، ثم انتقل للعمل مدرسًا للفيزياء التجريبية في جامعة براغ الألمانية (German University in Prague)، حيث مكث فيها حتى عام 1895. كانت هذه المُدّة التي قضاها ماخ في جامعة براغ ذروة إنتاجه الأكاديمي، ليعود بعدها إلى جامعة فيينا في منصب أستاذ كرسي
تاريخ وفلسفة العلوم الاستقرائية (History and Philosophy of the Inductive Sciences).
أبرز أعماله الفلسفية
ترك أرنست إنتاجًا فلسفيًا عميقًا، كان له دور كبير في تجسير العلاقة ما بين البحوث العلمية التجريبية والفلسفة النقدية، وأثر في تطوير فلسفة العلوم الحديثة من خلال أعماله الفلسفية والعلمية، التي من أشهرها:
-
الميكانيكا في تطورها: عرض تاريخي-نقدي (Die Mechanik in ihrer Entwicklung: Historisch-kritisch dargestellt) (1883).
-
تحليل الإحساسات وعلاقة المادي بالذهني (Die Analyse der Empfindungen und das Verhältnis des Physischen zum Psychischen) (1886).
-
محاضرات علمية شعبية (Populär-wissenschaftliche Vorlesungen) (1894).
-
مبادئ نظرية الحرارة (Die Prinzipien der Wärmelehre: Historisch-kritisch entwickelt) (1896).
-
إضافات إلى تحليل الإحساسات (Beiträge zur Analyse der Empfindungen) (1900).
-
المكان والزمان (Raum und Zeit) (1903).
-
المعرفة والخطأ (Erkenntnis und Irrtum: Skizzen zur Psychologie der Forschung) (1905).
-
مبادئ البصريات الفيزيائية (Die Prinzipien der physikalischen Optik: Historisch und skeptisch entwickelt) (1921).
-
حول تطور النظرية الذرية (Über die Entwicklung der Atomtheorie) (1895).
-
مقالات في السيكوفيزياء والبصريات (Aufsätze zur Psychophysik und Optik) (1860–1890).
-
حول تأثير دوبلر (Über den Doppler-Effekt) (1860).
-
حول تأثير التوزيع المكاني للمحفز الضوئي على الشبكية (Über die Wirkung der räumlichen Vertheilung des Lichtreizes auf die Netzhaut) (1865).
إسهاماته في مجال الميكانيكا والبصريات والحرارة
أسهم الفيلسوف ماخ ببحوث مهمة في ميدان الديناميكا الهوائية (Aerodynamics)، ودراسة حركة المقذوفات (Projectile Motion)، وهي دراسات قادته إلى تطوير مفهوم العدد الماخي (Mach Number) الذي يعني مقدار النسبة القائمة بين سرعة الجسم المتحرك وسرعة الصوت في الوسط الذي يتحرك فيه. وأصبح هذا المفهوم المرتكز الأساسي في عملية تصميم الطائرات وفي تحليل الديناميكا الجوية (Atmospheric Dynamics). وقد انبجست عند ماخ هذه الفكرة لمّا درس الظواهر التي ترافق السرعات العالية، ولا سيما تلك التي تقترب في سرعتها من سرعة الصوت أو تتجاوزه؛ فمن خلال الاستعانة بالتصوير الفوتوغرافي فائق السرعة تمكّن ماخ من ملاحظة طبيعة
موجات الصدمة (shock waves) المتمخّضة عن الأجسام المتحركة بسرعات فائقة، وصورة هذه الموجات المخروطية المميزة (Characteristic Conical Waves)، وقد مثّلت هذه التجارب إنجازًا علميًا عظيمًا أسهم في تمكين العلماء من قياس الظواهر الصوتية والظواهر الموجية في منحى ميكانيكي دقيق[8].
ذكر المهندس
جون أندرسون في مقالٍ له حمل عنوان
البحث في الطيران فوق الصوتي واختراق حاجز الصوت (1998)، أن ماخ التقط أول صور موجات الصدمة التي كانت تحيط بطلقة طائرة سرعتها أقوى من سرعة الصوت، وذلك عبر استعمال تقنية
التصوير الظلي (Shadowgraphy)، وذلك عام 1887، مما اُعتبر إثباتًا مرئيًا لحقيقة هذه الموجات، وعُدّ هذا الإنجاز بداية فهم لظاهرة
حاجز الصوت (The Sound Barrier)، ومنح تطويرًا كبيرًا لمجال الديناميكا الهوائية الحديثة (Modern Aerodynamics)[9].
ساهم ماخ في مجال البصريات والموجات بدراسات مهمة في بحث الظواهر البصرية، إضافة إلى إسهامه المركزي فيما يسمى بأشرطة ماخ (Mach bands)[10] التي كان لها دور في تطوير علوم
البصريات الذي تتجلى تطبيقاته في العدسات والمجاهر والتلسكوبات،
وتقنيات التصوير الطبي مثل التصوير بالأشعة السينية، والتصوير بالموجات فوق الصوتية، والتصوير بالرنين المغناطيسي وغيرها. وتُعدّ الأشرطة ظاهرة إدراكية تبيّن الكيفية التي يعتمدها النظام البصري لتفسير التباينات في الإضاءة. وقد أدى هذا العمل إلى تعميق نظرة ماخ السيكوفيزيائية، فحاجج أن عملية الإدراك الحسي لا تنقل الواقع بطريقة آلية، وإنما تتمظهر من خلال التفاعل المعقد بين المثيرات الحسية والمعالجة العصبية. وانتقلت دراسات ماخ إلى مجال تحليل انتشار الموجات في الغازات والموائع، وهو الأمر الذي جعله يربط
الديناميكا الميكانيكية (Mechanical Dynamics) بالخواص الإدراكية، بما يحقق التكامل بين البحث التجريبي والتحليل المفاهيمي[11].
ومع نهاية القرن التاسع عشر، قدّم العالم الفيزيائي لودفيغ ماخ (Ludwig Mach، 1868-1951) نجل الفيلسوف ماخ تحسينًا على جهاز التداخل الضوئي المسمى بجهاز ماخ زيندر (Mach–Zehnder Interferometer)، وذلك بالتعاون مع صديقه العالم في مجال البصريات التجريبية لودفيغ زيندر (Ludwig Zehnder، 1854–1949)، إذ يعمل هذا الجهاز عبر تقسيم الشعاع الضوئي إلى مساقين باستعمال المكثف الضوئي (Optical Condenser) الذي يعد اليوم أساسًا في
المجاهر الضوئية، ثم دمجهما مرة أخرى من خلال مرورهما في مسارات متباينة، وهو ما يتمخّض عنه نمط تداخلي يُستعمل بدقة كبيرة في عملية قياس الطور في الضوء[12].
بحث ماخ في مجال الديناميكا الحرارية انتقالَ الحرارة وطريقة انتشارها، وناقش حدود القوانين الحرارية في سياق قابليتها للامتحان التجريبي؛ إذ رفض التفسيرات التي تتجاوز مجال الملاحظة المحسوسة، مؤكّدًا أن أي نموذج نظري في هذا الجانب ينبغي أن يبقى متجذِّرًا في الظواهر التي تقبل القياس. وقد كان لهذه الدراسات تأثير في طرحه الفلسفي المنكر للمفاهيم المطلقة، والمنادي بضرورة صياغة العلم وفق طريق اقتصادي متعلق بالخبرة الحسية المباشرة، وهو ما جعل ماخ أحد أهم ممثلي النزعة التجريبية النقدية في نهاية القرن التاسع عشر[13]. وأسهمت أعماله النظرية في الديناميكا الحرارية في تطوير أدوات قياس الكفاءة الحرارية، التي استعملت في تطوير أدوات المحركات البخارية التي كانت موجودة في القرن التاسع عشر.
الأسس المعرفية والتجريبية لفلسفة ماخ
تنبني المبادئ المعرفية لفلسفة ماخ على نقض جذري
للميتافيزيقا، ليعيد تشييد المعرفة العلمية على قواعد تجريبية مباشرة. وينطلق ماخ من رؤية وضعية تُنكر بصرامة أي مفاهيم لا ترد إلى المعطيات الحسية، محاججًا أن مهمة الفكر العلمي تكمن في قدرته على تنظيم التجربة الحسية في أبسط تمثل ممكن لها، وليس من خلال تقديم تأويلات تستند إلى فرضيات ميتافيزيقية مثل الجوهر والماهية. وبناءً عليه، تكون مفاهيم علم الفيزياء، مثل مفهوم الكتلة، ومفهوم القوة، عبارة عن وسائل رمزية مناسبة لترتيب الملاحظات. وبذلك يؤسس ماخ منظورية معرفية ترسخ اقتصاد التفكير (Economy of thought) معيارًا معرفيًا، إذ تحوّل النماذج إلى أبسط تمظهر يُمكنه أن يفي بمتطلبات التنبؤ والاتساق مع الشواهد التجريبية[14].
تقوم فلسفة ماخ -فيما يتعلق بالجانب التجريبي- على تعظيم منزلة الملاحظة العيانية المباشرة، بحجة أنها المنبع الأوحد للمعرفة العلمية. فالتجربة العلمية لا تعد فقط أداة لامتحان النظريات العلمية، وإنما هي أيضًا بمنزلة القاعدة الأساسية التي تقوم عليها كل المفاهيم العلمية. وعليه، نادى ماخ بضرورة إعادة صياغة مفاهيم علم الفيزياء، إذ تتطابق مع ما يُمكن قياسه، مع التشديد على مبدأ مفاده أن نتائج التجربة العلمية ينبغي أن تفهم باعتبارها علاقات بين ظواهر علمية. وبذلك أنكر فكرة الذرات (The Atomic Theory) في مرحلته العلمية المبكرة كونها لم تكن قابلة للقياس والرصد المباشر في ذلك الوقت، مؤكدًا أنها عبارة عن فرضية ميتافيزيقية. لكن هذه الرؤية تغيرت عنده فيما بعد بفضل التطورات التي حصلت في علم الفيزياء[15].
انبنت الأطروحة التجريبية عند ماخ على رؤية إبستيمولوجية متأثرة بنظرية الإحساس الفيزيولوجي (Physiological Theory of Sensation).؛ حيث رأى أن عملية الإدراك هي تفاعل قائم بين البنية الحسية للجهاز العصبي للإنسان والمؤثرات الخارجية، وأن المعارف العلمية تتأسس عبر هذا التفاعل، ما يجعلها عبارة عن نسق مواضعاتي اصطلاحي متآلف مع حدود إحساساتنا وأدواتنا. وعليه، يظهر تأثير ماخ في التحليل النقدي الذي يطال مفاهيم المكان والزمان المطلقين، إذ نظر إليهما على أنهما بنائين عقليين مستمدين من انتظام الخبرة الحسية، وهو ما مهد الطريق أمام ظهور
نظرية النسبية عند عالم الفيزياء أينشتاين[16].
للبنية التجريبية في فلسفة ماخ علاقة متينة برفضه لأي قطيعة بين النظرية والملاحظة، إذ يعد أن النظرية العلمية تعميمات مجردة للخبرة التجريبية المترابطة، وأن أهميتها وقيمتها تقاس بناءً على قدرتها في تبسيط واقع الظاهرة وتصويرها بكل دقة. وبهذا، تكون التجربة العلمية هي المنبع الحقيقي المباشر لتوليد النظريات العلمية، إذ تظل كل صياغة نظرية مُعرَّضة للمراجعة أو الإقصاء في حالة عدم تلبيتها لحاجات التنظيم الاقتصادي للمعطيات الحسية والتجريبية. وعليه، تعد رؤية ماخ أحد مرتكزات
النزعة الوضعانية المنطقية (Logical Positivism)، والنقد المعرفي لمفاهيم العلم التقليدي[17].
فلسفة العلم عند ماخ
سلك الفيلسوف ماخ طريقًا فريدًا في دراسته لفلسفة العلوم يتأسّس على دمج التحليل المفاهيمي بالدراسة التاريخية المتعلقة بتطورية العلوم، محاججًا بعدم إمكانية فهم التوليفة الراهنة للمفاهيم العلمية من دون القيام بتقصّي سيرورة نشأتها وتحولها عبر الأزمنة. وفي كتابه المركزي:
الميكانيكا في تطورها؛ عرض تاريخي-نقدي (Die Mechanik in ihrer Entwicklung: Historisch-kritisch dargestellt) (1883)، قدم نقدًا تاريخيًا لتطور علم
الميكانيكا منذ إرهاصاته اليونانية الأولى وصولًا إلى فيزياء نيوتن، مؤكدًا بأن العديد من المفاهيم المسيطرة لم تكن نتاجًا للتجربة العلمية المحضة، وإنما هي تمخّض عن مسارات فلسفية وثقافية متشابكة، تغلغلت إليها مفاهيم ميتافيزيقية من الموروث الفلسفي. ومن خلال هذا التتبّع التاريخي، عمل ماخ على تحرير العلوم من هذه العوالق، وإرجاعها إلى أساسها التجريبي المتين[18].
غلاف كتاب الميكانيكا في تطورها؛ عرض تاريخي-نقدي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
استعان ماخ بأمثلة تاريخية بغية إظهار أن النظريات العلمية هي صيغ مؤقتة تطالها المراجعة وإمكانية التحقق في الوقت الذي تظهر فيه معطيات علمية تجريبية جديدة، مفاهيمية أكثر اقتصادًا. وضرب مثالًا ليوضح أن مفاهيم، مثل مفهومي القوة والمكان المطلق، حصّلت سيطرة شبه بدهية في الميكانيكا التقليدية، على الرغم من أن جذورها ترجع إلى مجرد فرضيات فلسفية سالفة[19].
تتعالق هذه الرؤية التاريخية عند ماخ مع مبدأ الاقتصاد في التفكير الذي جعله مقياسًا لإبستيمولوجيا العلوم الرصينة، إذ كشف عرضه لسيرورة تطور المفاهيم عن أن العلم يتطوّر ويتقدّم عندما يفلح في اختزال النعت النظري إلى أبسط البنى التي تلتزم بأغراض التأويل والتنبؤ، وتقوم مباشرة على المعطيات الحسية التجريبية. وبهذا، تعامل ماخ مع التاريخ متجاوزا كونه خلفية سردية، ومتخذا منه وسيلة نقدية تعمل على إعادة تقييم الحمولة المفاهيمية للعلوم، وتنقيته من اللواحق الميتافيزيقية وإرشاده إلى صيغ أكثر اقتصادًا وتوافقًا مع التجربة العلمية[20].
نظرية ماخ في الإدراك الحسي والبعد السيكوفيزيائي
يعد البعد السيكوفيزيائي أحد الأبعاد الجوهرية التي يمكن من خلالها فهم نظرية ماخ في فلسفة الإحساس، إذ بحث منذ بدايات إنتاجه الفلسفي والعلمي، في العلاقة الكمية القائمة بين المثيرات الفيزيائية والاستجابات الحسية التي تنتج عنها. استهل ماخ ذلك البحث بالانطلاق من افتراض مفاده أن الإدراك هو نتاج متمخّض عن تفاعل مركّب ومعقّد بين خصائص المثيرات وهيكلية الجهاز العصبي، بما يحتويه من آليات استقبال ومعالجة للمعلومات الحسية التجريبية. مكنت هذه الرؤية ماخ من ربط العلاقة بين مقاييس موضوعية، مثل شدّة الصوت، وخبرات تجريبية ذاتية لها قابلية المقارنة، ما رسخ مبادئًا لقياس الظواهر الإدراكية وفقًا لمنهجية علمية رصينة[21].
أثرت دراسات ماخ في مجال السيكوفيزياء في طريقته المنهجية التجريبية، وهو ما جعله يؤكّد ضرورة بحث الظواهر العلمية، استنادًا إلى المعطيات الحسية المباشرة، بعيدًا عن الانطلاق من مفاهيم علمية نظرية مسبقة قد تقوم بتغطية طبيعة التجربة العلمية في حد ذاتها. في هذا السياق، كان ماخ يرى وجوب أن يبقى أي بناء تجريبي متعلقًا بالتجربة الحسية ولديه قابلية التحقق التجريبي؛ فانتقد المفاهيم العلمية التي تتخطى الملاحظة العيانية المباشرة أو تستند إلى فرضيات ميتافيزيقية. وكانت هذه النزعة التجريبية المتينة امتدادًا لموقفه الفكري القائم على أولوية الإحساس في تحصيل المعرفة[22].
أسهم انخراط ماخ في علم النفس الفيزيائي في إعادة صوغ تعريفه لعدد من المفاهيم العلمية الأساسية؛ فتعامل مع مفاهيم المكان والزمان والقوة، بوصفها قوالب وصفية تتأسس على الخبرة المحسوسة، ولا تحمل في طياتها أي ضرورة ميتافيزيقية. من خلال هذه النظرة، تمكن ماخ من طرح تصور نقدي يجمع بين الاقتصاد في التفكير العلمي ومحدودية الجهاز الإدراكي الإنساني، محاججًا بأن صوغ المفاهيم العلمية ينبغي أن يكون أقرب إلى البساطة التي تمنحها الفعالية في عملية التفسير والتنبؤ العلمي، وفي الآن عينه تفي بالتواشج المتين مع المجال التجريبي[23].
تأثيره في فلسفة العلوم المعاصرة
كان للفيلسوف ماخ تأثير واسع في كثير من فلاسفة العلوم المعاصرين، من أبرزهم:
موريتس شليك (Moritz Schlick، 1882–1936)، وأوتو نويراث (Otto Neurath، 1882–1945)، وفيليب فرانك (Philipp Frank، 1884–1966)، ورودلف كارناب (Rudolf Carnap، 1891–1970). ومن أبرز المدارس الفلسفية التي كان لماخ دور فاعل في التأثير فيها
مدرسة الوضعية المنطقية المنبثقة عن دائرة فيينا، إضافة إلى
الفلسفة الأداتية، وفلسفة الفيزياء الحديثة، فماخ أحد أهم المصادر الفلسفية لدائرة فيينا ومشروعها الفكري؛ وحينما قررت جامعة فيينا إنشاء كرسي فلسفة العلوم التجريبية، وتأكدت ضرورة أن يتقلد هذا المنصب أحد علماء الطبيعة ذوي الميول الفلسفية، كان أرنست ماخ أول من تقلد هذا الكرسي، ثم اعتلاه لاحقًا شليك، زعيم هذا المذهب التجريبي[24].
موريتس شليك
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يرجع اهتمام الفلاسفة بماخ إلى منهجيته العلمية ونزعته المناهضة لكل ميتافيزيقا، ما جعل مذهبه يتوافق وطموحات دائرة فيينا في إعادة تشييد صرح العلم على مبادئ عقلانية تجريبية محضة. إضافة إلى أن تبني دائرة فيينا للمبدأ القائل: كل عبارة علمية لا يُمكن التحقق منها تجريبيًا هي نوع من الميتافيزيقا، هو في الأساس امتداد لطرح ماخ الذي جعل التحقق الحسي مقياسًا جوهريًا للمعنى العلمي. وبذلك، كان حضور الفيلسوف ماخ عند
الفلاسفة الوضعيين المنتظمين في دائرة فيينا هو الطريق لإسهامه المفاهيمي الجوهري في تحديد معيارها الفلسفي وخطابها العلمي[25].
كارل بوبر
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
كان لماخ تأثير واضح في فلسفة بوبر، على الرغم من أن هذا الأخير لم يكن من جماعة ماخ ولا أحد أتباعه. وقد برز هذا التأثير في طريقة نقد بوبر للمفاهيم المطلقة وإنكاره للثقة الكبيرة في الاستقراء العلمي باعتباره أساس بلوغ اليقين العلمي. ومع إقرار بوبر بقيمة هذا الانتقاد، فقد اتخذ مسافة نقدية من نزعة ماخ التي تقوم على اختزال الواقع في مجرد معطيات حسية خالصة، كما رفض أطروحة ماخ التي يشكك فيها بوجود الذرات قبل البرهنة عليها تجريبيًا. وفق منظور بوبر، تجسد فلسفة أرنست ماخ نموذجًا لمذهب واقعي حسي يجمع المعرفة العلمية بوثاقة مع الملاحظة العيانية المباشرة، لكنه، في الآن عينه، يقيّد النظرية العلمية في حدود ما هو قابل للتحقق والإثبات الحسي المباشر، بينما دعا بوبر إلى مُجاوزة هذا القيد من خلال تقديم معيار القابلية للدحض، بدلًا من معيار التحقق الصارم الذي تعالق بفلسفة الوضعية المنطقية، مُؤكدًا أن قيمة النظرية تتجلى في قدرتها على المجازفة بالتعرض للدحض التجريبي، وليس في انحسارها في سياق دائرة الملاحظات المؤكِدة[26].
وكان لماخ حضوره القوي في فلسفة هانز رايشنباخ (Hans Reichenbach، 1891- 1953) ولا سيما في منهجية راشنباخ التجريبية ونقده للميتافيزيقا، وإثباته للعلاقة المتينة الجامعة بين المفاهيم العلمية والخبرة الحسية. فقد أكد راشنباخ ضرورة أن يرتكز العلم على أساسات قابلة للملاحظة العينية والتجريبية، وهو ما يؤكد بوضوح تصوّر ماخ الإبستيمولوجي، إلّا أن رايشنباخ أنكر التبسيط الظاهري لنزعة ماخ؛ وردّ عليها عبر إثراء فلسفة العلوم بالاستعانة بوسائط منطقية واحتمالية بالغة التعقيد. إذ أدرج رايشنباخ مفاهيم الاحتمالات بوصفها قاعدة تبرّر المعرفة العلمية، وعمل على تشييد أطر نظرية شاملة تقوم بمجاوزة المجال التجريبي المحض، ما جعله يصنع جسرًا بين التزامه الإمبريقي وتطلعاته نحو الصرامة والدقة البنيوية في تحليل العلوم. وبالرغم من اعتماد رايشنباخ على بعض المقتضيات الماخية في سبيل إنكار الميتافيزيقا، فإنه قام بتجاوزها لاحقًا، من خلال تطوير ضرب معرفي أكثر اتساقية، يقوم على الإمبريقية المنطقية إضافة إلى البنيوية الإحصائية[27].
ارتبطت فلسفة أينشتاين، ولا سيما في مرحلة شبابه، بالاعتقاد الكبير في التجربة من منطلق كونها أساس كل المعارف العلمية، وهو ما يُعبر عن امتداد للوضعية الماخية. كما أن أينشتاين نفسه كان يؤكد، في أكثر من مناسبة، أهمية كتابات ماخ وتأثيره[28]، ولا سيما فيما يتعلق بمفاهيم الزمان والمكان عند نيوتن، حيث قدّم ماخ مجموعة من الحجج القوية ضد فضاء نيوتن وزمانه المطلقين[29]. فأخذ أينشتاين فكرة أن الحركة والمعنى الفيزيائيين ينبغي أن يُفهما في إطار العلاقات القائمة بين الأجسام، وليس بمعنى مطلق. وهو ما سمح بتأسيس تصوّر نسبوي نادى به أينشتاين، وتبلور في نظريتيه للنسبية، ولا سيما في النسبية الخاصّة. وقد برهن على ذلك في إقراره بأنه نهل من فلسفة ماخ، في سبيل تشكيل نقطة انطلاقه الفلسفي، بُغية إعادة النظر في مبادئ الميكانيكا الكلاسيكية. لكن هذا التأثير الماخي لا يعني أن أينشتاين قد تبنى فلسفة ماخ بالمطلق، لأنه في سيرورة تطوّر فلسفته في الفيزياء بدأ يُميز بين ما هو رصين ومفيد، للأخذ به من فلسفة ماخ، وما رآه متشددًا وغير واقعي، مثل نظرية
اتجاه الفرضيات غير المبرهنة (The Trend of Unsubstantiated Hypotheses) التي أقصت الذرة من مجال الفيزياء. ومن هذا الموقف، سلك أينشتاين سبيله نحو إقرار رؤية جريئة في تفسير الظواهر الفيزيائية، منتقدًا إلحاح ماخ على إنكار الذرات قبل توفير أدلة كافية محسوسة، بوصفه طريقًا مفرطًا في الحذر. كما نأى أينشتاين بنفسه عن المنهج الماخي المبني على الاقتصاد في التفسير وإعادة ترتيب الوقائع في الفيزياء، واعتنق مفهومًا بشأن الواقعة (Fact) يتباين بصورة راديكالية عن فهم الفيلسوف ماخ. وفي عام 1916، وأثناء تقديم نظرية النسبية العامة، أشار أينشتاين إلى تكافؤ الكتلة العطالية (Inertial Mass) مع الكتلة الثقالية (Gravitational Mass). وذلك التكافؤ هو ركن أساسي من أركان النظرية النسبية، وقد تأكد تجريبيًا على نطاق واسع[30].
قبر ماخ في ميونيخ
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وفاته
أصيب ماخ بسكتة دماغية إقفارية (Ischemic Stroke) عام 1898، ما حتّم عليه التقاعد عام 1901، وتوفِّي قرب مدينة ميونخ في عام 1916، ودفن فيها.[31]
المراجع
العربية
البناي، يوسف. النظرية النسبية الخاصة والرجال الذين صنعوها. ط 3. تونس: مركز العلوم الطبيعية، 2016.
الجابري، محمد عابد. مدخل إلى فلسفة العلوم: العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي. ط 5. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002.
الخولي، يمنى طريف. فلسفة كارل بوبر، منهج العلم ... منطق العلم. المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2020.
زيادة، معن [وآخرون]. الموسوعة الفلسفية العربية. مج 2، العدد 2. بيروت: معهد الإنماء العربي، 1986.
المالكي، علي. الأسس العلمية والفلسفية لنظرية النسبية المحدودة عن ألبار إينشتاين. سلسلة دراسات فلسفية. تونس: الدار التونسية للكتاب، 2013.
الأجنبية
Adams, Zetie & R. M. Tocknell. “How Does a Mach–Zehnder Interferometer Work?” Physics Educatin. vol. 35, no. 1 (2000). at: https://acr.ps/hBy5Oh0
Banks, Erik. “Metaphysics for Positivists: Mach Versus the Vienna Circle.” Discipline Filosophiche. vol. 23, no. 1 (2013). pp. 57-77.
Banks, Erik. “The Philosophical Roots of Ernst Mach's Economy of Thought.” Synthese. vol. 139, no. 1 (2004). pp. 23-53.
Banks, Erik. The Realistic Empiricism of Mach, James, and Russell: Neutral Monism Reconceived. Cambridge: Cambridge University Press, 2014.
Dub, Petr & Jana Musilová (eds.). Ernst Mach – Fyzika – Filosofie – Vzdělávání. Brno: Masaryk University Press, 2010.
“Ernst Mach.” Encyclopedia.com. 17/5/2018. at: https://acr.ps/hBy5OkH
“Ernst Mach.” Stanford Encyclopedia of Philosophy. 3/3/2019. at: https://acr.ps/hBy5OXv
Guzzardi, Luca. “Epistemology in Practice: Ernst Mach’s Experiments on Shock Waves and The Place of Philosophy.” Journal for General Philosophy of Science. vol. 54 (2023). pp. 79- 98.
Kant, Immanuel. Prolegomena zu einer jeden künftigen Metaphysik: die als Wissenschaft wird auftreten können. Riga: Johann Friedrich Hartknoch, 1783.
Kitcher, Philip. “Philosophy of Science.” Encyclopaedia Britannica. 29/5/2026. at:https://acr.ps/hBy5Pdd
Lee, Sarah. “Understanding Mach Bands in Electrophysiology: A Comprehensive Guide to Visual Perception and Electrophysiology.” Number Analytics. 15/6/2025. at: https://acr.ps/hBy5Osy
Mach, Ernst. “Über die Wirkung der räumlichen Verteilung des Lichtreizes auf der Netzhaut.” Sitzungsberichte der mathematisch-naturwissenschaftlichen Classe der kaiserlichen Akademie der Wissenschaften. vol. 52 (1865). pp. 303-322.
________. Die Mechanik in ihrer Entwicklung historisch-kritisch dargestellt. Leipzig: F. A. Brockhaus, 1901.
________. The science of mechanics; a critical and historical account of its development. Philip E. B. Jourdain (Trans). Chicago/ London: The Open Court Publishing Company, 1915.
________. “On Thought Experiments.” Philosophical Forum. vol. 4, no. 3 (1973). pp. 449-457
________. The Analysis of Sensations and the Relation of the Physical to the Psychical. C. M. Williams & Sydney Waterlow (trans.). at: https://acr.ps/hBy5P9w
Mack, Pamela (ed.). From Engineering Science to Big Science: The NACA and NASA Collier Trophy Research Project. chap. 3. Washington, DC: NASA, 1998.
Paty, Michel, “Biographie d’Ernst Mach (1838–1916).” Encyclopædia Universalis. 14/3/2009. at: https://acr.ps/hBy5P1F
Preston, John (ed.). Interpreting Mach: Critical Essays. Cambridge: Cambridge University Press, 2021.
Roure, Pascale. “Logical empiricism in Turkish exile: Hans Reichenbach’s research and teaching activities at Istanbul University (1933–1938).” Synthese. vol. 200, no. 3 (2022). pp. 1-37.
Schlick, Moritz. “The Scientific Conception of the World: The Vienna Circle.” rreece.github.io. at: https://acr.ps/hBy5OoR
Stuewer, Robert (ed.). Historical & Philosophical Perspectives on Science. vol. 5. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1970.
Uebel,Thomas. “Ernst Mach’s Enlightenment Pragmatism: History and Economy in Scientific Cognition,” in: John M. Preston (ed.), Interpreting Mach: Critical Essays. Cambridge: Cambridge University Press, 2021, pp. 84-102.
Waal, Elske de & Sjang ten Hagen. “The Concept of Fact in German Physics around 1900: A Comparison between Mach and Einstein.” Physics in Perspective. vol. 22, no. 3 (2020). pp. 55-80.
[1] معن زيادة [وآخرون]، "أرنست ماخ"، الموسوعة الفلسفية العربية، مج 2، العدد 2 (بيروت: معهد الإنماء العربي، 1986)، ص 1553.
[2] “Ernst Mach,” Encyclopedia.com, 17/5/2018, accessed on 6/7/2026, at:
https://acr.ps/hBy5OkH
للاستزادة، يُنظر أيضًا:
Emilie Těšínská, “Ernst Mach, His Prague Physics Students and Their Careers,” in: Petr Dub & Jana Musilová (eds.), Ernst Mach – Fyzika – Filosofie – Vzdělávání (Brno: Masaryk University Press, 2010), pp. 75-117.
[3] Philip Kitcher, “Philosophy of Science,” Encyclopaedia Britannica, 29/5/2026, accessed on 14/8/2025, at: https://acr.ps/hBy5Pdd
[4] Immanuel Kant, Prolegomena zu einer jeden künftigen Metaphysik: die als Wissenschaft wird auftreten können (Riga: Johann Friedrich Hartknoch, 1783).
[5] محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم: العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي، ط 5 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص 292.
[6] Erwin Hiebert, “Mach’s Philosophical Use of the History of Science,” in: Robert Stuewer (ed.), Historical & Philosophical Perspectives on Science, vol. 5 (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1970), p. 185;
يُنظر أيضًا:
Ernst Mach, Die Mechanik in ihrer Entwicklung historisch-kritisch dargestellt (Leipzig: F. A. Brockhaus, 1901); Ernst Mach, The science of mechanics; a critical and historical account of its development, Philip E. B. Jourdain (Trans) (Chicago/ London: The Open Court Publishing Company, 1915).
[7] Hiebert, p. 185.
[8] Luca Guzzardi, “Epistemology in Practice: Ernst Mach’s Experiments on Shock Waves and The Place of Philosophy,” Journal for General Philosophy of Science, vol. 54 (2023), p. 79.
[9] John Anderson,“Research in Supersonic Flight and the Breaking of the Sound Barrier,” in: Pamela Mack (ed.), From Engineering Science to Big Science: The NACA and NASA Collier Trophy Research Project, chap. 3 (Washington, DC: NASA, 1998).
[10] يُنظر:
Ernst Mach, “Über die Wirkung der räumlichen Verteilung des Lichtreizes auf der Netzhaut,” Sitzungsberichte der mathematisch-naturwissenschaftlichen Classe der kaiserlichen Akademie der Wissenschaften, vol. 52 (1865), pp. 303-322.
[11] Sarah Lee, “Understanding Mach Bands in Electrophysiology: A Comprehensive Guide to Visual Perception and Electrophysiology,” Number Analytics, 15/6/2025, accessed on 6/7/2026 at: https://acr.ps/hBy5Osy
[12] Zetie Adams & R. M. Tocknell, “How Does a Mach–Zehnder Interferometer Work?” Physics Educatin. vol. 35, no. 1 (2000), accessed on 6/7/2026, at: https://acr.ps/hBy5Oh0
[13] Michel Paty, “Biographie d’Ernst Mach (1838–1916),” Encyclopædia Universalis, 14/3/2009, accessed on 6/7/2026, at: https://acr.ps/hBy5P1F
[14] Erik Banks, “The Philosophical Roots of Ernst Mach's Economy of Thought,” Synthese, vol. 139, no. 1 (2004), p. 23.
[15] Ernst Mach, “On Thought Experiments,” Philosophical Forum, vol. 4, no. 3 (1973), p. 449.
[16] Ernst Mach, The Analysis of Sensations and the Relation of the Physical to the Psychical, C. M. Williams & Sydney Waterlow (trans.), accessed on 14/08/2025, at: https://acr.ps/hBy5P9w
[17] Moritz Schlick, “The Scientific Conception of the World: The Vienna Circle,” rreece.github.io, accessed on 6/7/2026, p. 8, at: https://acr.ps/hBy5OoR
[18] Luca Guzzardi, “Holding the Hand of History: Mach on the History of Science, the Analysis of Sensations, and the Economy of Thought,” in: John Preston (ed.), Interpreting Mach: Critical Essays (Cambridge: Cambridge University Press, 2021), p. 164.
[19] Thomas Uebel, “Ernst Mach’s Enlightenment Pragmatism: History and Economy in Scientific Cognition,” in: John M. Preston (ed.), Interpreting Mach: Critical Essays (Cambridge: Cambridge University Press, 2021), pp. 86-87.
[20] Ibid., pp. 93-94.
[21] “Ernst Mach”.
[22] Erik Banks, The Realistic Empiricism of Mach, James, and Russell: Neutral Monism Reconceived, (Cambridge: Cambridge University Press, 2014), p. 30.
[23] Ibid.
[24] يمنى طريف الخولي، فلسفة كارل بوبر، منهج العلم ... منطق العلم (المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2020)، ص 220.
[25] Erik Banks, “Metaphysics for Positivists: Mach Versus the Vienna Circle,” Discipline Filosophiche, vol. 23, no. 1 (2013), pp. 56- 57.
[26] Guzzardi, “Epistemology in Practice: Ernst Mach’s Experiments on Shock Waves and The Place of Philosophy,” pp. 80-81.
[27] Pascale Roure, “Logical empiricism in Turkish exile: Hans Reichenbach’s research and teaching activities at Istanbul University (1933–1938),” Synthese, vol. 200, no. 3 (2022), p. 265. pp. 1-37
[28] يُنظر: علي المالكي، الأسس العلمية والفلسفية لنظرية النسبية المحدودة عن ألبار إينشتاين، سلسلة دراسات فلسفية (تونس: الدار التونسية للكتاب، 2013)، ص 172.
[29] يوسف البناي، النظرية النسبية الخاصة والرجال الذين صنعوها، ط 3 (تونس: مركز العلوم الطبيعية، 2016)، ص 41.
[30] Elske de Waal & Sjang ten Hagen, “The Concept of Fact in German Physics around 1900: A Comparison between Mach and Einstein,” Physics in Perspective, vol. 22, no. 3 (2020), p. 69.
[31] “Ernst Mach,” Stanford Encyclopedia of Philosophy, 3/3/2019, accessed on 6/7/2026, at: https://acr.ps/hBy5OXv