تسجيل الدخول

القانون



الموجز

القانون هو مجموعة قواعد عامة مجرّدة وملزمة تنظم سلوك الأفراد في المجتمع، وتقترن بجزاء توقعه السلطة العامة المختصة على من يخالفها. ولا يقتصر نطاقه على الأفراد الطبيعيين، بل يشمل الأشخاص المعنويين كذلك، ويمتد إلى تنظيم كيفية سنّ القواعد القانونية وتطبيقها.

ورغم أن تدخل القانون في تنظيم السلوك قد يبدو مناقضًا للحرية الشخصية، فإنه ضرورة لقيام مجتمع منظم، إذ يحفظ الأمن والسلامة عبر التجريم والعقاب وإجراءات الملاحقة والمحاكمة وفق فكرة العقد الاجتماعي، ويرسّخ السلم الاجتماعي عبر القضاء ووسائل تسوية النزاع البديلة، مثل التحكيم والتفاوض. ويحقق أيضًا استقرار المعاملات ويتيح للأفراد التنبؤ بالنتائج القانونية، بما يشكل ركيزة للنشاط الاقتصادي، فضلًا عن استعماله أداةً لتوجيه السلوك وإحداث تحولات اجتماعية واقتصادية.

ومن ثم تتحدد غاية القانون في تحقيق الاستقرار وحماية الحقوق الخاصة وكفاءة السوق، وتحقيق العدل بحماية الطرف الضعيف وضمان تكافؤ الفرص، وحماية المصلحة العامة، مثل البيئة وتنظيم المدن، وتعزيز السلم عبر عدالة ناجزة وإجراءات فعالة. وغالبًا ما ينشد القانون توازنًا بين اعتبارات متعارضة، مثل سرعة الفصل القضائي وضمانات الدفاع، أو حماية المصلحة العامة وصون الحقوق الفردية.

يتسم القانون بأنه قديم قدم المجتمع، إذ تشهد بذلك تقنينات مبكرة مثل قانون حمورابي، والقواعد العرفية والمكتوبة عند الإغريق مع إسهامهم في فلسفة العدالة وحكم القانون، وتطور القانون الروماني من الألواح الاثني عشر ودور البريتور إلى تقنين جستنيان وتأثيره في النظم الأوروبية الحديثة. وعرفت أيضًا الحضارة الصينية والمجتمعات الأفريقية نظمًا قانونية قديمة تطورت إلى عصر التقنين. وفي المجتمع العربي قبل الإسلام سادت الأعراف القبلية، ثم جاء التشريع الإسلامي من مصادر الوحي (القرآن والسنة) وتبلورت قواعده عبر تاريخ الفقه وأصوله والاجتهاد ومقاصد الشريعة، وصولًا إلى التقنين الحديث مثل مجلة الأحكام العدلية، وامتداد أثر الفقه الإسلامي في دساتير وتشريعات عربية.

تتسم القاعدة القانونية بخصائص العمومية والتجريد والاجتماعية، والإلزام المقترن بجزاء مادي توقعه سلطة عامة، سواء أكان جنائيًا أم مدنيًا أم إداريًا. وهي تتشابه مع الأخلاق في تنظيم السلوك الاجتماعي، غير أن الأخلاق أوسع نطاقًا ولا تقترن بجزاء مادي، وقد تتطابق بعض القواعد القانونية مع الأخلاق أو تتعارض معها أحيانًا، مثل فكرة تقادم الدعوى. وتختلف كذلك علاقة القانون بالدين باختلاف المجتمعات وتطورها التاريخي، فمن نماذج ثيوقراطية ارتبطت بالقانون الكنسي، إلى الشريعة الإسلامية التي يُعد النص الديني مصدرها مع خضوع فهمه للاجتهاد، فيكون ما يتبناه المشرّع من أحكام الفقه قانونًا نافذًا، في حين تبقى الأحكام الأخرى قواعد دينية غير مقترنة بجزاء مادي. وفي النظم العلمانية يضعف الارتباط بين القانون والدين بدرجات متفاوتة، مع بقاء دور القانون في حماية الحرية الدينية ودور العبادة.

وتُصنَّف القواعد القانونية بحسب علاقتها بإرادة الأفراد إلى قواعد آمرة لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، وقواعد مكملة تسري عند سكوت العقد عما يخالفها. وتُقسم أيضًا إلى قواعد موضوعية تحدد الحقوق والالتزامات، وقواعد إجرائية/ شكلية ترسم طرق حماية الحقوق والمطالبة بها، وتغلب عليها الصفة الآمرة لارتباطها بتنظيم مرفق العدالة. وينقسم القانون إلى عام وخاص وفق معيار المصلحة المحمية ومركز الدولة بوصفها سلطة عامة. ومن أبرز فروع القانون العام هي القانون الدستوري، والقانون الإداري، والقانون الجنائي، والقانون المالي، والقانون الدولي العام، أما أهم فروع القانون الخاص فهي القانون المدني، والقانون التجاري، وقانون الأحوال الشخصية، وقانون المرافعات المدنية، والقانون الدولي الخاص. بيد أن المجالين يتداخلان في ميادين، مثل القانون الاقتصادي وتنظيم الأسواق المالية والعمل وشركات القطاع العام.

يُستمد القانون من مصادر مادية اجتماعية أو دينية أو تاريخية، لكن القواعد الواجبة التطبيق في الدول العربية تقوم على مصادر رسمية أهمها التشريع بتدرجه، والعرف، والشريعة الإسلامية بصيغ دستورية وتشريعية تختلف بين الدول، إلى جانب مصادر استرشادية، مثل القضاء والفقه والمبادئ العامة والعدالة والإنصاف وفق ترتيب يختلف بين النظم القانونية. أما النظم القانونية الكبرى فيمثلها: نظام القانون المدني/ اللاتيني (Civil Law) القائم على التشريع والتقنين وعدم إلزامية السوابق غالبًا مع شيوع ازدواج القضاء وإسناد دور إيجابي للقاضي في توجيه الإجراءات، ونظام القانون العام الأنكلوسكسوني (Common Law) القائم على السابقة القضائية الملزمة إلى جانب التشريع مع قضاء موحد وإجراءات ذات طابع اختصامي، والنظام القانوني الإسلامي ذو المرجعية النصية من القرآن والسنة وما يُستنبط منهما بمنهجية أصول الفقه.

مفهوم القانون

يشير لفظ القانون في اللغة إلى علاقة مطردة بين سبب ونتيجة[1]، فيُقال: تتمدد المعادن بالحرارة، أي كلما وُجد معدن وعُرِّض إلى الحرارة فإن حجمه يتمدد. وبهذا المعنى يُستعمل لفظ القانون في الاقتصاد، مثل قانون العرض والطلب[2]، وفي قواعد النحو مثل الفاعل مرفوع، والمفعول به منصوب. يدل القانون إذًا على "كليّ منطبق على جميع جزئياته التي يتعرف أحكامها منه"[3]. ويُعرّف القانون بوصفه أحد العلوم الاجتماعية بأنه مجموعة قواعد عامة تنظم سلوك الأفراد في المجتمع وتتمتع بالإلزام بحيث يتعرض من يخالفها لجزاء توقعه السلطة العامة المختصة عند الحاجة. يلتقي معنى القانون بوصفه قواعد اجتماعية مع المعنى اللغوي في أن القواعد القانونية تُطبَّق بالطريقة ذاتها كلما تحققت شروط تطبيقها في الظروف المتماثلة[4]، فمن يسرق يُعاقَب، ومن يخل بالتزامه الناشئ عن عقد يلزم بالتعويض، وهكذا كلما ارتكب أحد سرقة وكلما أخل متعاقد بعقده. لكن القواعد القانونية تختلف عن القوانين الطبيعية في أن الأولى يمكن أن تخضع لاستثناءات وتتعرض للتغيير لأنها من وضع سلطة مختصة. ويُستخدم لفظ القانون للدلالة على علم دراسة القواعد القانونية كما في المؤهلات الأكاديمية في القانون، غير أن المعنى المقصود عند تعريف القانون هو القانون من حيث هو قواعد عامة تنظم السلوك.

نظرًا لأن القواعد القانونية تنظم سلوك الأفراد، فإنها تحكم نشاط الفرد في مناحي الحياة المختلفة، مثل قواعد المرور التي تحدد قيادة المركبات على اليمين أو اليسار، وقواعد صحة العقود وتنفيذها، وتنظيم الوظيفة العامة. يشمل سلوك الأفراد الذي تحكمه القواعد القانونية السلوك الإرادي، مثل إبرام عقد أو تأسيس جمعية أو شركة، إذ يجب أن ينظم الأفراد نشاطهم وفق القانون. ويشمل سلوك الأفراد، كذلك، ما يفرضه القانون إزاء حدوث وقائع معينة، مثل ولادة إنسان أو موته، إذ يرسم القانون إجراءات الإبلاغ عن المواليد والوفيات وتسجيل واقعة الولادة أو الوفاة وإثباتها بوثيقة رسمية.

غير أن تنظيم السلوك لا ينحصر في سلوك الأفراد، أي الأشخاص الطبيعيين، بل يمتد ليشمل الأشخاص المعنويين (مثل الشركات ومؤسسات الدولة)[5]. وكما تحكم القواعد القانونية نشاط الأشخاص، فإنها ترسم كذلك إجراءات وضع القواعد القانونية ذاتها وإصدارها من خلال قواعد تنظيم عمل سلطات الدولة المختصة بسن القوانين، وإجراءات تطبيقها، مثل إجراءات المحاكم وكيفية تنفيذ الأحكام القضائية.

ضرورة القانون

إذا قاد الناس مركباتهم من دون قواعد مرور وأن تقاطعات الطرق من دون إشارات ضوئية، فغالبًا ما سيميل كثير منهم إلى كسب الوقت وعبور التقاطعات قبل غيرهم معتمدين على مهاراتهم، وربما يضطر السائقون الأكثر حذرًا إلى الانتظار طويلًا قبل عبور التقاطعات. لذلك، فالإشارة الضوئية تجسد قاعدة المرور القانونية، فحسب لون ضوئها توضح للسائق متى يمكنه العبور، ويترتب على الالتزام بها تنظيم المرور الآمن وتجنب الحوادث. ولضمان التزام السائقين بهذه القواعد، يتعرض من يخالفها لجزاء مثل الغرامة المالية. توضح هذه الصورة المتخيلة أن القانون ضروري لتحقيق النظام في المجتمع بما يحفظ الأمن ويكفل السلامة ويتجنب الفوضى[6].

فالقانون يحفظ الأمن والسلامة[7] من خلال قواعد قانونية جنائية تعرّف السلوك المحظور الذي يُعد جريمة وتحدد العقوبة التي تُطبق على مرتكبه، إلى جانب القواعد القانونية التي تنظم ملاحقة المجرمين والتحقيق مع المتهمين ومحاكمتهم. وجود مثل هذه القواعد القانونية الملزمة التي تعمل السلطة العامة المختصة على إنفاذها يحقق ردعًا ضد ارتكاب الجريمة.

تبرز ضرورة القانون، كذلك، من حيث إرساء السِّلم المجتمعي[8] من خلال توفير طرق سلمية للمطالبة بالحقوق ومواجهة الاعتداء عليها، فينظم القانون السلطة القضائية وينص على ضمانات استقلالها وطرق رفع الدعاوى وتنفيذ الأحكام القضائية. ويعترف القانون أيضًا بوسائل سلمية أخرى لتسوية المنازعات خارج المحكمة، مثل التحكيم، أي إحالة النزاع إلى طرف محايد باتفاق الأطراف ليُحكم فيه بقرار ملزم. ويضع القانون كذلك إطارًا للتفاوض وإبرام التسويات الودية.

وإن كان حفظ الأمن والسلم المجتمعي ضروريًا لممارسة الناس حياتهم، فإن القانون الملزم والمعلن يُمكّنهم من تدبير شؤونهم وترتيب نشاطاتهم الاجتماعية والاقتصادية وفق أحكامه، مثل إنشاء المتاجر وتأسيس الشركات وتشييد البنيان مع معرفة ما الذي يسمح به وما الواجبات التي تترتب على الفرد عند مزاولة نشاط معين. وبشكل خاص، فإن التنظيم القانوني للعقد وقوته الملزمة للأطراف يُعد ركيزة للمبادلات المالية، إذ تستطيع الأطراف من خلال العقد تنظيم العلاقة بينهم للمستقبل وتحديد الحقوق والالتزامات المتبادلة، مثل موعد توريد مواد البناء إلى المقاول ليتمكن المقاول من تنفيذ مشروعه الإنشائي وفق الجدول الزمني الذي وضعه، إذ لن يجد المقاول ضمانًا لتلقي مواد البناء في الميعاد إلا بفضل اعتراف القانون بقوة العقد وإلزام الطرف الذي يخرقه بالتعويض. وهكذا يُعد القانون أساسًا للتمكين الاقتصادي من خلال احترام القوة الملزمة للعقد، والاعتراف بحقوق الملكية الفكرية، مثل براءات الاختراع {{براءة الاختراع: وثيقة تصدر عن الجهة المختصة لمالك الاختراع الذي ينجح في طلب تسجيله وتخوله استئثار استغلال الاختراع حصريًا، عادة، لمدة عشرين سنة.}}، وحمايتها، إلى جانب توفير وسائل حماية الدائنين سواء في الظروف العادية أم عند إفلاس{{الإفلاس: نظام قانوني لإجراءات في مواجهة المدين المتعثر ماليًا تهدف إلى تحقيق المساواة بين الدائنين في فرصة تحصيل ديونهم من خلال إجراءات جماعية، وتشمل قوانين الإفلاس الحديثة إجراءات لمحاولة إنقاذ المشروع المتعثر ماليًا من خلال إعادة التنظيم المالي والصلح مع الدائنين.}} المدين.

يكتسب القانون أهمية إضافية من حيث هو أداة لتوجيه السلوك وإحداث تحولات اجتماعية أو اقتصادية. مثلًا يمكن اتباع سياسة ضرائب وإعفاءات توجه الأفراد إلى الاستثمار في قطاع معين أو منطقة جغرافية معينة.

في سبيل تحقيق الأمن والنظام وتجنب الفوضى يفرض القانون قيودًا على سلوك الأفراد، إذ إن القاعدة القانونية تخاطب الفرد بـأوامر (افعل) ونواهٍ (لا تفعل)، ومن ثم فإن الفرد يضحي بقدْر من حريته الشخصية عند خضوعه للقانون الذي يصدر عن سلطة عامة وتتولى السلطة المختصة فرض احترامه. يُفهم تقييد حرية الفرد بالقانون في إطار فكرة العقد الاجتماعي {{العقد الاجتماعي: تصور فلسفي يفسِّر نشوء الدولة والسلطة والقانون بموجب اتفاق افتراضي بين الأفراد على الانتقال من حالة الطبيعة التي تسودها الفوضى إلى مجتمع منظم تحكمه سلطة، بحيث يتنازل الأفراد عن جزء من حريتهم مقابل حماية الحقوق والأمن.}} الذي يفترض تنازل الأفراد عن قدر من حرياتهم مقابل التمتع بالأمن وحماية حقوقهم، ومن ثم تُفهم شرعية السلطة العامة على أساس كونها مقيدة بمبررات العقد الاجتماعي وحدود التنازل الذي وافق عليه المجتمع وفق هذا التصور الفلسفي لفكرة العقد الاجتماعي.

غاية القانون

ينظم القانون سلوك الأفراد في المجتمع، وتبدو الغاية المتوخاة من هذا التنظيم متعددة، وتحقيق إحداها قد ينتقص من أخرى.

فمن غايات القانون تحقيق الاستقرار في المعاملات وحماية الحقوق الخاصة بما يحقق التمكين الاقتصادي وكفاءة السوق[9]، ويتطلب ذلك أن يكفل التنظيم القانوني قدرة الأفراد على التنبؤ بنتائج تصرفاتهم. مثلًا القوة الملزمة لعقد البيع وثقة البائع في الحماية القانونية للحصول على حقه في الثمن، وثقة المشتري في استقرار ملكيته للمبيع.

إلى جانب ذلك، من غايات القانون إرساء العدل[10]، وذلك مثلًا من خلال قواعد قانونية تحمي الطرف الضعيف في العقود التي يكون أحد أطرافها عرضة للاستغلال مثل العامل أو المستهلك. من مظاهر توخي العدل أن يضمن القانون تكافؤ الفرص في الوظائف العامة ويرتب جزاءات تضمن ذلك، مثل إلغاء قرار تعيين موظف، إذا خالفت إجراءات التعيين مبدأ تكافؤ الفرص.

من غايات القانون أيضًا تحقيق المصلحة العامة[11]، مثلًا يتدخل القانون لتقييد سلوك الأفراد الضار بالبيئة، وتحدد قواعد القانون أحكام تنظيم المدن والأبنية لاعتبارات حماية البيئة والسلامة العامة واعتبارات جمالية. تكون مهمة القانون هنا هي "تنظيم المجتمع تنظيمًا من شأنه التوفيق بين مصالح الأفراد وحرياتهم من جهة، وبين الصالح العام للجماعة من جهة أخرى"[12].

ومن غايات القانون المحافظة على السلم من خلال تسوية المنازعات بطرق سلمية عن طريق الدعوى القضائية التي تنتهي بحكم ملزم[13]. ولضمان عدالة فعالة وتعزيز السلم، فإن التنظيم القانوني لإجراءات التقاضي يتوخى تجنب التأخير غير الضروري.

من منظور فلسفي، تغلب بعض الاتجاهات الفلسفية غاية دون أخرى، مثل الأمن والسلم عند توماس هوبز (Thomas Hobbs، 1588-1679)[14]، أو العدالة بالنسبة إلى أفلاطون (Plato، 428ق. م-347 ق. م)[15]، أو المنفعة بمعنى السعادة لأكبر عدد من منظور جيرمي بنتام (Jeremy Bentham، 1748-1832)[16]، أو حماية الحقوق الطبيعية، مثل الحياة والملكية، عند جون لوك (John Locke، 1632-1704)[17].

ومع أن هذه الغايات معقولة، فإنها قد تتعارض أحيانًا، ما يجعل وظيفة المشرّع في غالب الحالات إقامة توازن بين اعتبارات مختلفة. مثلًا تعزيز العدالة الناجزة وضمان السلم يتطلب إجراءات قضائية فعالة وسريعة لحسم المنازعات، بيْد أن السرعة قد تنتقص من حق الأطراف في عرض طلباتهم وحججهم وأدلتهم أمام المحكمة. كذلك فإن القواعد القانونية الهادفة إلى حماية المصلحة العامة قد تقيد ممارسة حقوق خاصة، مثل تقييد قوانين تنظيم المدن والأبنية لحق المالك في الانتفاع بأرضه باستعمالات معينة.

تاريخ القانون

يمثل القانون ظاهرة اجتماعية سبقت نشوء الدولة[18]، وظهرت قبل الكتابة في صورة أعراف، أي قواعد غير مكتوبة[19]. يقسم الباحثون مراحل نشوء القانون وتطوره في المجتمعات البشرية من حيث مصدر القانون إلى مرحلة القوة، إذ لم يُعرف القانون بالمعنى الصحيح، وإنما خضعت العلاقات للقوة والانتقام الفردي، وذلك حتى العصر الحجري[20]، ثم ظهرت القواعد الدينية التي سادت بوصفها قواعد إلهية وارتبطت بظهور سلطة دينية[21]. لاحقًا، ظهرت قواعد عرفية، وأصبح العرف مصدرًا مستقلًا عن الدين في بعض المجتمعات ومهد لظهور فقهاء من خارج السلطة الدينية يشرحون القواعد العرفية[22]. وبعد أن عرف الإنسان الكتابة، ظهر تدوين القواعد العرفية أو الدينية، ولكن لم يبرز التشريع بوصفه مصدرًا رئيسًا للقانون إلا عندما ترسخ مفهوم الدولة[23].

قانون حمورابي

يعود قانون حمورابي إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد، ويتمثل في قواعد دُوّنت على لوح حجري، وعالجت مسائل تخص الملكية والعقود والأسرة ومسائل دينية، ونصت على عقوبات متدرّجة مع إبراز مبدأ المعاملة بالمثل والتعويض. اختلف الجزاء المترتب على المسؤولية تبعًا للمكانة الاجتماعية للطرف المسؤول. لم يعرف قانون حمورابي المسؤولية المدنية بالمعنى الحديث المرتبط بفكرة التعويض بوصفه جزاء مدنيًا، بل تضمن القانون عقوبات قاسية بما فيها الإعدام غرقًا أو حرقًا، فيمكن القول إن قانون حمورابي مزج الجزاء العقابي بالتعويض[24].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


يمثل قانون حمورابي مظهرًا حضاريًا من حيث تدوين القواعد القانونية وإعلانها مسبقًا للأشخاص المكلفين باحترامها. ومع أن التشريع المكتوب ازدهر في عصور الدولة الحديثة، فإن قانون حمورابي يكشف أن سن قواعد قانونية مكتوبة كان معروفًا في التاريخ القديم، بيْد أن بلاد الرافدين عرفت مدونات أقدم من قانون حمورابي، مثل قانون لبت عشتار وقانون أيشنونا والقانون الحيثي والقانون الآشوري[25].

القانون عند الإغريق

عرف الإغريق المدينة-الدولة التي تعاقبت فيها أشكال من السلطة الفردية فالأرستقراطية إلى الديمقراطية. تطور القانون عند الإغريق من الأعراف غير المكتوبة إلى قواعد قانونية مكتوبة. وضع دراكون (Draco) في أثينا أواخر القرن السابع قبل الميلاد مدونة قانونية اتسمت بالعقوبات القاسية[26]. ومع قسوتها فإنها راعت مبدأ المساواة في تطبيق العقوبات وأخضعتها للقضاء وقلصت من الثأر الخاص.

ثم جاءت إصلاحات صولون (Solon) في القرن السادس قبل الميلاد[27]، وتضمنت إصلاحات في الاقتصاد والسياسة والزواج والعقوبات، وقسّمت أثينا إلى خمس طبقات بموجب الملاءة المالية وجعلت الضرائب والالتزامات بحسب الطبقة، وألغت الديون التي ارتبطت برهن الأراضي أو الاسترقاق[28]. وأسهم الفلاسفة الإغريقيون، مثل أفلاطون وأرسطو (Aristotle، 384ق.م.-322ق.م.)، في إرساء فلسفة القانون، لا سيما من خلال كتاب أفلاطون القوانين وآراء أرسطو عن العدالة ودعوته إلى حكم القانون.

ومع أن الحضارة الإغريقية القديمة لم تعرف نظامًا قانونيًا متكاملًا بالمعنى الحديث، فقد تركت إرثًا أسهم في تشكيل النظم القانونية وفلسفة القانون الحديثة.

القانون الروماني

يُعَدّ القانون الروماني من أصول القوانين المعاصرة، لا سيما في النظم القانونية الغربية. تقسم دراسة تاريخ القانون الروماني إلى عصر القانون القديم والعصر العلمي والعصر الإمبراطوري. في العصر القديم سادت القواعد العرفية مع احتكار رجال الدين لتفسيرها، وذلك في مرحلة الحكم الملكي، واتسم القانون الروماني في هذا العصر أيضًا بالشكلية لاعتماده على طقوس وإجراءات إلزامية في التصرفات القانونية[29]. في نهاية العصر القديم بدأ تدوين الأعراف من خلال الألواح الاثني عشر في القرن الخامس قبل الميلاد[30]، ما حقق العلانية المسبقة للقانون.

أما العصر العلمي فقد برز في مرحلة الجمهورية الرومانية، إذ ظهر دور الـبريتور، وهو قاض يعلن مرسومًا قضائيًا كل عام ليحدد، من بين مسائل أخرى، أنواع الدعاوى المقبولة[31]. ويكمل الإعلان البريتوري القانون المدني الذي سُمي قانون الأهالي، في حين عرفت القواعد القانونية الخاصة بالمعاملات مع الأجانب بقانون الشعوب (Jus Gentium)[32].

تنوّعت مصادر القانون الروماني في العصر العلمي بين التشريع (قوانين المجالس الشعبية وقرارات مجلس الشيوخ وأوامر الأباطرة)، والقضاء، وإعلانات البريتور، وفقهاء القانون الذين صاغوا الآراء المعللة واستنبطوا مبادئ عامة[33]. وعالجت القوانين الرومانية بشكل رئيس الأشخاص، مثل الأهلية والوصاية {{الوصاية: نظام قانوني يهدف إلى تمثيل ناقص الأهلية ورعايته، خاصة في شؤونه المالية، بوساطة شخص يُسمى الوصيّ يُعيَّن وفق القانون وتحت رقابة محكمة الأحوال الشخصية، مثل المحكمة الشرعية.}}، والأموال والحقوق العينية، مثل حق الملكية، ونظرية الالتزام{{الالتزام: رابطة قانونية بين شخصين أحدهما مدين للآخر بأداء مبلغ من المال أو نقل حق عيني أو تأدية عمل أو الامتناع عن عمل، ومن مصادر الالتزام العقود والفعل الضار.}}، مثل العقود والمسؤولية التقصيرية، إلى جانب الإجراءات القضائية[34]. تُوِّج تطور القانون الروماني بـتقنين جستنيان في القرن السادس الميلادي، الذي حفظ القانون الروماني.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


أما العصر الإمبراطوري فقد شهد اضمحلال القانون الروماني، إذ انحصرت مصادر القانون في إرادة الإمبراطور[35]. غير أن تقنين جستنيان ظل مطبقًا في أجزاء من أوروبا، وتجددت دراسته في القرن الحادي عشر الميلادي من خلال الجامعات التي أُسست في أوروبا الغربية، بدءًا من جامعة بولونيا، ما أسهم في إحياء القانون الروماني وتأثيره في تطور النظم القانونية الأوروبية الحديثة[36].

القانون في الصين القديمة

تكوّن القانون الصيني القديم من طقوس أو أعراف شدّد عليها الكونفوشيون لضبط السلوك بقواعد أخلاقية ترتكز على الاحترام بين الأفراد في علاقاتهم الأسرية والاجتماعية[37]. بحسب تلك القواعد، تُنظَّم العلاقات على أساس هرمي، مثل علاقة الأب بابنه، وعلاقة الحاكم بالمحكوم، إذ يُعد الحاكم بمنزلة الأب، ومن ثم ينبع الالتزام بأوامره من كونه قدوة أخلاقية. وفي هذا التصور للعلاقات الاجتماعية، امتزجت الأخلاق بالسياسة، وغلب الإرشاد والتعليم على التشريع والإجبار، وعُدّت القواعد القانونية المكتوبة أداة حكم غير مثالية[38]. ثم غلب الاتجاه القانوني في دولة تشين (221ق.م.-206ق.م.)، عبر تقنين صارم وعقوبات قاسية[39]، ثمّ خفّفت أسرة هان التالية حدّته بتركيب يجمع البعد الأخلاقي الكونفوشي مع أدوات الإدارة والعقاب القانونية[40].

بلغ التراث القانوني الصيني ذروته التقنينية في قانون تانغ في القرن السابع الميلادي، الذي صار نموذجًا لشرق آسيا عبر تحديده الدرجات الخمس للعقوبات والجرائم العشر بوصفها أخطر الجرائم[41]، واستمر أثره في التقنينات اللاحقة حتى قانون أسرة تشينغ (1644-1912)، آخر مدونات الصين الإمبراطورية، الذي امتد العمل به في الجمهورية الصينية[42]. ثم شهدت الصين تطورات تشريعية شملت التوسع في إصدار القوانين المكتوبة، مثل قوانين العقوبات والإجراءات الجزائية[43]، ومن ثم القانون المدني الذي صدر سنة 2020 ودخل حيز النفاذ في الأول من كانون الثاني/ يناير 2021[44].

القانون في أفريقيا قبل الدولة الحديثة

اتسم القانون في أفريقيا في العصور القديمة بالطابع العرفي، إذ تكوّن القانون من قواعد غير مكتوبة كان يطبّقها مجلس الوجهاء أو الزعماء المحليون للمحافظة على الانسجام الاجتماعي والسلم الأهلي[45]. تضمنت الأعراف مبادئ مثل التعويض والصلح بدل العقوبة، والملكية الجماعية للأرض على مستوى القبيلة، وأهمية دور النسب والقرابة في مسائل الزواج والأهلية والميراث. استمر العرف في أداء دور في النظم القانونية الأفريقية الحديثة بعد الاستعمار إلى جانب القانون الحديث في بعض الدول[46]، لا سيما في مسائل الأسرة والنزاعات المجتمعية، لكن الدول الحديثة قننت كثيرًا من الأعراف وأخضعتها للمبادئ الدستورية والنظام العام[47].

القانون عند القبائل العربية قبل الإسلام

كان القانون عند العرب قبل الإسلام عرفيًا قبليًا اعتمد تطبيقه على حرص الأفراد على الشرف والسمعة، وعرف العرب التحكيم لدى حكم يختاره الأطراف. وفي المعاملات التجارية ظهرت أعراف للبيع والرهن، ووُجدت أيضًا أعراف اجتماعية، مثل الجوار بمعنى حماية المستجير، واستنكار القتال في الأشهر الحُرُم، إلى جانب اتفاقات جماعية لضبط السلوك في المجتمع، مثل حلف الفضول لنصرة المظلوم.

القانون في الحضارة الإسلامية

يرتبط القانون في الإسلام بالدين من حيث مصادر القانون الأصلية، وهي القرآن الكريم والسنة النبوية. إلى جانب مبادئ العقيدة الإسلامية والأخلاق والعبادات، تنظم نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المعاملات والعقوبات والأحوال الشخصية، بل وتتضمن مبادئ تخص علاقة الفرد بالسلطة العامة، والقضاء، والعلاقات الخارجية التي تُعرف اليوم بـ "القانون الدولي". نشأ علم الفقه الإسلامي لدراسة أحكام العبادات والمعاملات والعقوبات. ويتضمن الفقه الإسلامي في جانبه الخاص بالمعاملات والعقوبات والأحوال الشخصية قواعد قانونية يطبقها القاضي ويمكن تنفيذها جبرًا، ومن ثم فهي قواعد قانونية بالمعنى المعروف في النظم القانونية الحديثة، وتولى القضاء عبر التاريخ الإسلامي تطبيق هذه القواعد، التي نظمت أيضًا قواعد خاصة بإجراءات التقاضي وتنظيم القضاء والإثبات.

بيْد أن القرآن الكريم والسنة النبوية يقرران غالبًا مبادئ عامة في حين أن الوقائع والمعاملات تتجدد مع الأيام. من هنا انبرى علماء الفقه الإسلامي إلى استنباط أحكام فقهية للوقائع المستجدة من خلال الاجتهاد المنضبط بقواعد تفسير النصوص وعلل الأحكام الشرعية ومقاصد الشريعة الإسلامية في ما أصبح يُعرف بأصول الفقه الإسلامي. كفل ذلك للفقه الإسلامي الاستجابة للمستجدات وظل مصدرًا للقواعد القانونية في كثير من الدول العربية والإسلامية. وأخذ تطبيق أحكام الفقه الإسلامي يجري من خلال تقنين {{التقنين: تجميع القواعد القانونية في تشريع مكتوب بشكل مدونة عامة تتضمن المبادئ والقواعد العامة في فرع من فروع القانون، مثل القانون المدني وقانون التجارة، وهو من سمات نظام القانون المدني/ اللاتيني.}} أحكام الفقه الإسلامي في مدونات رسمية[48]، وكان أول تقنين متكامل هو مجلة الأحكام العدلية التي صدرت في الدولة العثمانية سنة 1286هـ، ونظمت مواد ما يُعرف بالقانون المدني بناء على المذهب الحنفي في الفقه الإسلامي، إلى جانب قواعد إجرائية وقواعد الإثبات[49].

يتجلى القانون المستمد من الفقه الإسلامي في العصر الحديث في كونه مصدرًا للقوانين الحديثة، مثل القانون المدني الأردني لسنة 1976 وقانون المعاملات المدنية الإماراتي لسنة 2025 (وقبله قانون المعاملات المدنية لسنة 1985) وقانون المعاملات المدنية العُماني لسنة 2013، وأن مبادئ الشريعة الإسلامية أيضًا مصدر رئيس للتشريع بموجب المادة الثانية من الدستور المصري لسنة 2014 وتعديلاته، إلى جانب أن الأحوال الشخصية للمسلمين تخضع للشريعة الإسلامية.

في المملكة العربية السعودية تُعد الشريعة الإسلامية مصدر القانون بفروعه المختلفة، وهي الحاكمة على القواعد القانونية التي تصدرها السلطة المختصة باسم "الأنظمة"[50]. واستمر تطبيق الشريعة الإسلامية بوصفها قانون الدولة بوساطة القضاء من خلال الرجوع إلى الكتب المعتمدة في المذهب الحنبلي في الفقه الإسلامي من دون اعتماد على تقنينها في أنظمة (قوانين مكتوبة تصدرها السلطة المختصة)[51]، ثم تبنت الدولة سياسة تقنين الشريعة الإسلامية فأصدرت أنظمة متوافقة مع أحكام الشريعة ومبادئها، مثل نظام الأحوال الشخصية ونظام المعاملات المدنية ونظام الإثبات.

خصائص القاعدة القانونية

من حيث التعريف العام، فالقاعدة القانونية هي قاعدة عامة تنظيم السلوك وتقترن بجزاء توقعه السلطة المختصة عند الحاجة، ولكن كيف تمتاز القاعدة القانونية عن الأوامر القسرية التي قد يفرضها شخص من دون حق على غيره؟ تخيل عصابة من الأشرار تحتجز رهائن في بناء وتصدر إليهم أوامر بالكلام أو السكوت، وألا يتحدث بعضهم مع بعض، وأن يأكلوا فرادى، وهكذا، أوامر العصابة تُطبَّق على جميع الرهائن وتنظم سلوكهم في القاعة، ويستطيع أفراد العصابة إيقاع عقوبة على المخالفين. رغم ذلك كله، فأوامر العصابة لا تُعد قواعد قانونية، والسبب في ذلك هو أن القواعد القانونية تتسم بخصائص معينة تميزها عن غيرها من قواعد السلوك.

العموم

تتسم القاعدة القانونية بالعموم ومعنى كونها عامة هو أنها لا تخص أفرادًا معينين بذواتهم وأسمائهم ولا وقائع بعينها، بل تخاطب أفراد المجتمع كافة وتنظم وقائع بشروط موضوعية[52]، فالقاعدة القانونية التي تقول إنه ممنوع إيقاف المركبات في مكان معين لا تجعل ذلك ممنوعًا على شخص معين باسمه، بل على الأفراد كلهم. كذلك بالنسبة إلى الوقائع، فالقاعدة القانونية التي ترتب على موت شخص انتقال ملكية أمواله إلى ورثته بقوة القانون هي قاعدة عامة لأنها تُطبَّق عند كل واقعة موت.

ولكن عمومية القاعدة القانونية لا تعني أنها تُطبَّق فعلًا على جميع الأفراد، وإنما تتضمن القاعدة القانونية شروطًا لتطبيقها، ويتمثل العموم في أنها تُطبق على كل من تتوفر فيه تلك الشروط في الحاضر والمستقبل ما دامت القاعدة القانونية نافذة المفعول ولم تلغَ[53]. فالقاعدة القانونية التي تنص على مكافأة الموظف العام {{الموظف العام: شخص يُعيَّن بقرار من المرجع المختص في وظيفة في مرفق عام ويتقاضى راتبه من الأموال العامة.}} الذي يحصل على تقدير ممتاز لأدائه هي قاعدة عامة مع أنها تُطبَّق فقط على الموظف العام وبشرط أن يكون تقدير أدائه ممتازًا، ولا تُطبق على غيره.

أما القرار الذي يصدر بترقية شخص أو أكثر يسميهم القرار فهو قرار إداري وليس قاعدة قانونية عامة، لأن مفعوله ينتهي بتنفيذه بالنسبة إلى الأفراد الذين ذكرهم القرار ولا يُتصوَّر تطبيقه على غيرهم. يمكن القول، إذًا، إن ضابط عمومية القاعدة القانونية هو إمكانية تطبيقها المرة بعد المرة كلما تحققت شروط تطبيقها.

بيْد أن القاعدة القانونية تبقى عامة ولو انحصر تطبيقها من حيث الواقع في عدد محصور من الأفراد وإن في فرد واحد ما دام أن هذا الحصر هو نتيجة تحقق شروط تطبيق القاعدة القانونية في ذلك العدد المحصور مع قابليتها للتطبيق كلما تحققت شروطها في غيرهم. مثلًا، القاعدة القانونية التي تحدد مهمات رئيس الدولة وصلاحياته وواجباته تُطبَّق في الواقع على شخص واحد يشغل منصب رئيس الدولة، ولكنها تبقى قاعدة قانونية عامة لأنها لم توضع لشخص بعينه وهي قابلة للتطبيق على كل من تتوفر فيه صفة رئيس الدولة في المستقبل. كذلك قد تُطبق القاعدة القانونية لمدة محدودة من الزمن، مثل قواعد الإعفاء من ضريبة أو رسم بيوع العقارات التي تُبرم خلال مدة معينة. وقد تُطبق القاعدة القانونية أيضًا في جزء من إقليم الدولة، مثل القاعدة القانونية التي تمنح حوافز للمستثمرين الذين ينشئون مشاريع اقتصادية في مناطق نائية في الدولة[54].

تظهر صفة العموم في القاعدة القانونية من خلال صياغتها، إذ تُستخدم ألفاظ العموم فيها، مثل "مَن" في القاعدة القانونية التي تنص على أنه "يُعاقَب مَن يرتكب الأفعال الآتية بالسجن". تؤثر عمومية القاعدة القانونية أيضًا في تفسير النصوص القانونية، إذ يُفترَض أن اللفظ العام، مثل لفظ الجمع "العمال" يشمل جميع أفراده ما لم يرد نص يخصصه، مثلًا بالنص على حكم خاص بالعمال الأجانب.

التجريد

من خصائص القاعدة القانونية أنها قاعدة مجردة، ويعني ذلك أنها توضع لتحقيق مصلحة عامة لا مصلحة شخصية، وأنها تُطبق بالطريقة ذاتها كلما تحققت شروط تطبيقها من دون تمييز[55].

ففي مرحلة سن القاعدة القانونية، توضع القاعدة وتصاغ لتحقيق مصلحة عامة، ومن ثم يتحدد نطاق تطبيقها بموجب شروط موضوعية. مثلًا، إذا نص القانون على أنه يحظر على الموظف العام مزاولة التجارة، فإنه يُفترَض أن هذه القاعدة تتوخى الصالح العام مثل تجنب تعارض المصالح في الوظيفة العامة وضمان تفرغ الموظف لعمله الرسمي. أما إذا افتُرِض أن القانون نص على أنه يُشترط لمزاولة نشاط الاستيراد والتصدير ألا يقل رأس مال المشروع عن عشرة ملايين ريال، وتبين أن أعضاء السلطة التشريعية أرادوا من وراء هذا الشرط الحد من المنافسة في مجال الاستيراد والتصدير لينحصر في يد كبار التجار، فإن هذه القاعدة القانونية تبتعد عن التجريد لأنها تهدف إلى تحقيق مصالح خاصة، وقد وصف الفقيه القانوني عبد الرزاق السنهوري (1895-1971) هذه الحالة بالانحراف في استعمال السلطة التشريعية، ويعني ذلك صياغة نص قانوني لينطبق على واقعة بعينها من دون أن يخدم المصلحة العامة رغم استيفاء إجراءات سن القاعدة القانونية[56].

أما في مرحلة التطبيق، فإن القاعدة القانونية تُطبَّق وفق شروطها الموضوعية من دون تمييز بين الأفراد تحقيقًا لمبدأ المساواة، فالنص القانوني الذي يقضي بترقية الموظف الذي أمضى خمس سنوات في الخدمة يُطبَّق على كل موظف حقق شرط مدة الخدمة بغض النظر عن جنسه أو دينه أو أصله الاجتماعي. ومن ثم، فإن تطبيق القاعدة القانونية بشكل مجرد يكفل العدل والمساواة ما يعزز شرعية القاعدة القانونية.

يقترن التجريد بعمومية القاعدة القانونية، إذ إن عمومية القاعدة القانونية القائمة على معايير موضوعية لتطبيقها هي شرط لتجرد القاعدة القانونية في تطبيقها[57].

الطابع الاجتماعي

تنظم القاعدة القانونية السلوك الاجتماعي فتُعنى بعلاقة الفرد بغيره وبالدولة أو السلطة، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، ومن مقتضى الاجتماع البشري أن تتشابك علاقات الأفراد وأن يمس سلوك الفرد مصالح غيره وحقوقهم[58]، ومن ثم ينشأ تعارض المصالح الذي يسعى القانون إلى تنظيمه لحفظ النظام وحماية الحقوق. لا يُتصوَّر، إذًا، وجود قاعدة قانونية لو وُجد فرد وحيد من دون مجتمع أو سلطة[59].

يشمل سلوك الفرد ما يبرمه من عقود لإشباع حاجاته، مثل عقود البيع والعمل، وما يصدر عنه من أفعال قد تضر بغيره، مثل تسببه بحادث مرور، وأيضًا امتناعه عن أداء واجب، مثل امتناع طبيب عن معالجة مريض. فتحدد القواعد القانونية الشروط والأوضاع التي يجب أن تُبرَم التصرفات وفقًا لها كي تكون صحيحة، مثل شروط صحة عقد البيع، ويحدد القانون أيضًا الآثار المترتبة على الأفعال الضارة {{الفعل الضار: مصدر لا إرادي للالتزام يرتب على من يلحق ضررًا بغيره التزامًا بالتعويض ووقف التعدي وإزالة الضرر، وقد تشترط بعض القوانين أن ينشأ الضرر عن خطأ.}}، مثل التزام المتسبب بحادث مرور بالتعويض، وما يترتب على الامتناع عن أداء واجب، مثل مسؤولية الطبيب.

كذلك تنظم القواعد القانونية المراكز القانونية للأفراد، بحيث تُحدَّد مجموعة من الحقوق والالتزامات للفرد بحسب وضع معين له، سواء أكان وجوده في ذلك الوضع إراديًا أم لا. مثلًا، تحدد القواعد القانونية الحقوق والالتزامات لأعضاء الأسرة، مثل الزوجين والأبناء، ويشمل ذلك الالتزام بالنفقة، والحضانة. ويفرض القانون على الناس كافة واجب احترام حق الملكية وعدم التعرض للمالك في الانتفاع بملكه.

لذلك تتنوع القواعد القانونية بحسب تنوع العلاقات في المجتمع، وتتغير تبعًا لتغير الظروف فيه من زمن إلى آخر[60].

القول بأن القاعدة القانونية هي قاعدة اجتماعية أو تنظم السلوك الاجتماعي يعني أن القاعدة القانونية تهتم بالسلوك الخارجي للفرد ولا تحفل بالنيات[61]. غير أن القانون يعتد بالنية في حالات معينة لتقرير آثار السلوك المرتبط بها[62]. مثلًا، في تحديد المسؤولية الجزائية عن قتل إنسان، يعتد القانون بالحالة الذهنية للفاعل لمعرفة في ما إذا كان ارتكب الفعل قصدًا أو عن غير قصد. كذلك، قد يعتد القانون بحسن النية لترتيب آثار معينة في المعاملات المالية، مثل حماية من يتلقى بحسن نية ورقة تجارية، مثل الكمبيالة، من حاملها، إذا كان متلقيها لا يعلم أنها أُنشئت بمناسبة التزام باطل.

الإلزام والجزاء

تنظم القاعدة القانونية السلوك الاجتماعي تنظيمًا ملزمًا، إذ إن الإلزام يكفل للقانون تحقيق غاياته[63]. وتتجلى إلزامية القاعدة القانونية باقترانها بجزاء توقعه السلطة المختصة عند الاقتضاء على من يخالف القانون[64]. يتخذ الجزاء في القانون صورًا متعددة تبعًا لنوع القاعدة القانونية، فقد يكون الجزاء مدنيًا أو جنائيًا او إداريًا[65]، فالقاعدة القانونية التي تلزم المتعاقد بتنفيذ التزامه الناشئ عن العقد تقترن بجزاءات مدنية تُطبَّق إذا أخل المتعاقد بالتزامه، مثل إجبار المدين على التنفيذ أو أداء تعويض. ومن الجزاءات المدنية أيضًا جزاء بطلان العقد إذا خالف شروط صحة العقود بموجب القانون[66].

أيضًا، تقترن القواعد القانونية الجنائية التي تحدد الجرائم بعقوبات تُطبَّق على من يرتكب جريمة بالمخالفة للقانون، مثل الحبس أو الغرامة أو الإعدام حسب جسامة الجريمة، وتُعد العقوبات جزاءات جنائية[67].

إلى جانب ذلك، فإن السلطة الإدارية، مثل الوزارات والمؤسسات الرسمية والبلديات، تخضع لقواعد قانونية تنتمي إلى القانون الإداري، فإذا أصدرت قرارات إدارية تخالف القانون، تتعرض لجزاءات مثل إلغاء القرار الإداري بحكم قضائي وتعويض المتضرر من القرارات غير المشروعة. ويخضع الفرد في علاقته بالسلطة الإدارية، مثل الموظف العام أو الحاصل على ترخيص لمزاولة نشاط اقتصادي، لقواعد قانونية يمكن أن يترتب على مخالفتها جزاءات مثل الإنذار أو الفصل أو إيقاف الترخيص أو إلغائه، وتُعد مثل هذه الجزاءات جزاءات إدارية[68].

يتصف الجزاء المقترن بالقاعدة القانونية بأنه جزاء مادي توقعه سلطة عامة مختصة[69]، مثل السلطة القضائية بالنسبة إلى الجزاءات المدنية والجنائية، والسلطة القضائية أو الإدارية المختصة بخصوص الجزاءات الإدارية. يتمثل الأثر المادي إما في انتقاص من الذمة المالية {{الذمة المالية: مفهوم مقترن بالشخصية القانونية يعني مجموع ما يملكه الشخص من حقوق وما عليه من التزامات.}} للشخص نتيجة إلزامه بدفع تعويض مثلًا، وإما في تقييد حريته الشخصية كما في حالة إيقاع عقوبة جنائية بالحبس، وإما في مركزه القانوني مثل تأخير ترقية موظف أو إلغاء رخصة مزاولة نشاط اقتصادي.

تمتاز القاعدة القانونية من خلال الجزاء المادي الذي تختص السلطة العامة بتطبيقه عن قواعد سلوك اجتماعي أخرى، مثل قواعد المجاملات الاجتماعية[70]. مثلًا، قد تتطلب المجاملات الاجتماعية تقديم التهنئة لمن يحقق نجاحًا أو إنجازًا، لكن نكول شخص عن تقديم التهنئة لا يعرضه لجزاء مادي يمكن إيقاعه جبرًا بوساطة السلطة العامة. أما تعرض ذلك الشخص لاستنكار مجتمعي أو نشوء جفاء في علاقته بصاحب الإنجاز الذي يتوقع التهنئة فيُعدّ جزاء أدبيًا مصدره اجتماعي وليس سلطة عامة ولا يترتب عليه أثر مادي يمس المركز القانوني للمخالف.

القانون والأخلاق

تتشابه القاعدة القانونية والقاعدة الأخلاقية في أن كلتيهما تنظمان السلوك الاجتماعي، بيْد أن القاعدة الأخلاقية أوسع نطاقًا، إذ إنها لا تُعنى فقط بعلاقة الفرد بغيره، بل تهتم بالفرد نفسه مثل تخليه عن الحسد والحقد وتحليه بحب الخير للآخرين[71]. إلى جانب ذلك، فإن القاعدة الأخلاقية لا تقترن بجزاء مادي توقعه سلطة عامة، وإنما يتعرض مخالفها لجزاء أدبي من استنكار مجتمعي[72].

ينتمي بحث العلاقة بين القانون والأخلاق إلى فلسفة القانون، إذ يثور جدل بشأن ما إذا كان يجب أن يكون للقاعدة القانونية سند أخلاقي يعزز شرعيتها واحترامها، وهل ينبغي للقانون أن يفرض احترام القواعد الأخلاقية؟ بعيدًا عن الجدل الفلسفي، يجد المرء أن القانون والأخلاق دائرتان متقاطعتان بينهما جزء مشترك ومساحات منفصلة[73]. فمن ناحية، تطابق بعض القواعد القانونية الأخلاق، مثل القاعدة القانونية التي توجب الوفاء بالعقود والقاعدة القانونية التي تجرم الرشوة وشهادة الزور. بيْد أن تبني القانون لقواعد أخلاقية لا يعني بالضرورة أن حماية الأخلاق هي من غايات القانون، فالقانون لا يجرم شهادة الزور لأنها كذب محض، بل لأنها تضليل للمحكمة وتؤثر ماديًا في سير العدالة والمراكز القانونية[74].

من ناحية ثانية، هناك قواعد أخلاقية لا تتضمنها قواعد قانونية، مثل إكرام الضيف والبر بالفقراء[75]، ومن ثم لا يترتب جزاء مادي على مخالفتها، وإنما يواجه المخالف ازدراء الناس له. مثلًا، لا يُتصوَّر رفع دعوى قضائية ضد بخيل للمطالبة بالتعويض عن عدم تبرعه بمال.

من جانب آخر، قد تتعارض بعض القواعد القانونية مع قواعد الأخلاق. مثلًا، لضمان استقرار المراكز القانونية، يسمح القانون للمدين بأن يدرأ عن نفسه المطالبة القضائية من خلال التمسك بمرور الزمن المانع من سماع دعوى التقادم {{التقادم: مرور المدة الزمنية التي يحددها القانون لاتخاذ إجراء معين، مثل رفع دعوى مدنية أو ملاحقة متهم في قضية جزائية أو تنفيذ عقوبة، بحيث يُمتنع اتخاذ الإجراء إذا انقضت المدة المحددة من دون اتخاذه واعترض الشخص المعني على الإجراء.}}، في حين أن الأخلاق تدعو إلى الوفاء بالدين وإن تطاول عليه الأمد[76].

تختلف مساحة التداخل بين دائرتي القانون والأخلاق سعة وضيقًا من مجتمع إلى آخر تبعًا لمدى تدخل القانون لحماية الأخلاق. من ناحية ثانية، تؤثر القيم الأخلاقية لكل مجتمع في تطبيق مفهوم النظام العام الذي يقيد مبدأ سلطان الإرادة، إذ تنص القوانين عادة على عدم صحة العقود المخالفة للنظام العام ومن مكوناته الآداب العامة {{الآداب العامة: الشق الأخلاقي من فكرة النظام العام، وتعني مجموعة القواعد الخلقية التي تدين بها الجماعة، ويُراد بها في السياق القانوني الأصول الأساسية أو حدًا أدنى من القواعد الأخلاقية الأساسية اللازمة لحفظ كيان المجتمع من الانحلال، وليس كل قواعد الأخلاق.}}، ويتحدد ذلك وفق ثقافة كل مجتمع[77].

القانون والدِّين

تنظم القاعدة الدينية سلوك الفرد مثل القاعدة القانونية، ولكن نطاق الدين أوسع، إذ يهتم بعلاقة الفرد بربه وبنفسه إلى جانب علاقات الأفراد في ما بينهم، ولذلك فإن غاية الدين السمو بالفرد، في حين غاية القانون حفظ الاستقرار والأمن. والجزاء في القاعدة الدينية أخروي أيضًا، بعكس القاعدة القانونية المؤيدة بجزاء مادي توقعه السلطة المختصة[78].

مع التمايز بين القاعدة الدينية والقاعدة القانونية من حيث النطاق والجزاء، فقد شغلت العلاقة بين الدين والقانون، من حيث مدى تطابقهما أو تأثر القانون بالدين، حيزًا كبيرًا في تاريخ القانون، وما تزال موضوعًا مهمًا على المستوى التشريعي والفقهي. كانت الشرائع الدينية هي مصدر القواعد القانونية في بعض المجتمعات التي ظهرت فيها دولة دينية (ثيوقراطية)، مثل الدولة البابوية في العصور الوسطى عندما أعطت المحاكم الكنسية لنفسها اختصاصًا في العديد من المسائل[79]. وأدى رجال الدين دورًا بارزًا في بعض عصور القانون الروماني، لا سيما العصر الملكي، إذ احتكروا تفسير القواعد العرفية[80].

وفي الحضارة الإسلامية يُعد النص الديني أو الوحي مصدر الشريعة التي تنظم السلوك والعلاقات الاجتماعية[81]، بيْد أن فهم النص وتطبيقه لا ينحصر في سلطة دينية، بل تولى علماء الشريعة بعد عهد النبوة فهم النصوص واستنباط الأحكام الفقهية التي تمثل قواعد قانونية في ما يختص بالمعاملات والعقوبات، ولا يُعد فهم العلماء للنص معصومًا. تكون الشرائع الدينية مصدرًا تاريخيًا للقانون إذا تبنى المشرّع أحكامًا دينية وضمنها في القانون، مثل القانون الذي يحظر الربا أو يوجب تحصيل الزكاة. أما الأحكام الدينية التي لا يتضمنها القانون، فإنها تبقى قواعد سلوكية تفتقر إلى الجزاء المادي الذي توقعه السلطة العامة، إذ يعززها الإيمان والوازع الديني وتقترن بجزاء أخروي[82].

في مراحل تاريخية لاحقة، اتضحت الثنائية بين القانون والدين بصورة أكبر، إذ لم يعد الدين مصدرًا رسميًا للقانون في كثير من الدول، في حين ظلت الشرائع الدينية مصدرًا رسميًا في بعضها، كما في المملكة العربية السعودية[83]، أو مصدرًا رئيسًا للقانون بموجب دساتير دول أخرى، مثل جمهورية مصر العربية. ويتضح أثر الشرائع الدينية في النظم القانونية الحديثة في استمرار تطبيقها في مسائل الأحوال الشخصية، مثل الزواج والطلاق والميراث، في كثير من الدول[84]. إلى جانب ذلك، فإن القيم الدينية ولّدت معايير لتقييم القانون وتطويره كما في مدرسة القانون الطبيعي{{القانون الطبيعي: مجموعة قيم ومُثل عليا يرى بعض فلاسفة القانون أنها تسمو على القانون الوضعي، مع اختلافهم في كونها تُستمَد من مصدر إلهي أم يتوصل إليها العقل.}} التي تتطلب انسجام القانون مع مبادئ وقيم عليا تجد جذورها في الدين، إذ نشأت فكرة القانون الطبيعي مرتبطة بالدين المسيحي، وانفصلت عنه كونها تقوم على أن العقل يهتدي إلى تلك القيم العليا[85].

أما في النظم العلمانية، فقد انفصل الدين عن القانون رسميًا، وفقد مكانته المرجعية لسن القوانين. غير أن الدساتير العلمانية تتفاوت في درجة الفصل بين القانون والسلطة الرسمية من جهة، والدين من جهة ثانية، من الحياد الصارم، مثل الدستور الفرنسي، إلى الارتباط الشكلي، كما في إنكلترا حيث تُعد الكنيسة مؤسسة رسمية[86].

من ناحية ثانية، فإن القانون يحمي الحرية الدينية، لا سيما من حيث حرية ممارسة الشعائر الدينية وحماية دور العبادة.

علاقة القانون بالعلوم الاجتماعية الأخرى

لا ينفصل القانون عن العلوم الاجتماعية لأنه ينظم العلاقات بين الأفراد في المجتمع وتتغير قواعده لمسايرة تطور الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. يتفاعل تطبيق القانون أيضًا مع الجانب النفسي للفرد، لذلك فإن وضع قواعد قانونية جيدة قابلة لتحقيق أهدافها من خلال التنظيم الاجتماعي يتوقف على فهم الظواهر الاجتماعية التي تدرسها علوم اجتماعية مختلفة.

يستفيد القانون من علم الاجتماع الذي يحلل الظواهر الاجتماعية وأنماط سلوك الأفراد بحيث توضع القواعد القانونية التي تستجيب لمشكلات اجتماعية[87]، مثل جنوح الأحداث أو تشغيل الأطفال. من ناحية ثانية، يمكن دراسة موقف الأفراد من القانون من حيث الامتثال له أو التحايل على أحكامه وسبل إنجاح التدخل التشريعي لتحقيق أهداف معينة، إذ تنتمي هذه الدراسات إلى علم الاجتماع القانوني[88].

للقانون أيضًا علاقة تبادلية مع علم الاقتصاد، فالتطورات الاقتصادية يمكن أن تفسر تغيير القانون، وقد يكون القانون كذلك أداة لتنفيذ السياسة الاقتصادية العامة في الدولة. تبرز العلاقة بين القانون والاقتصاد في أن القانون يوفر الأطر اللازمة للنشاط الاقتصادي والتنمية من خلال ضمان القوة الملزمة للعقد وحماية حقوق الملكية الفكرية والإطار المؤسسي لتنظيم السوق وحماية المنافسة[89]. من هنا، ظهرت منهجية التحليل الاقتصادي للقانون التي تدرس كيف يؤثر التنظيم القانوني في تحفيز النشاط الاقتصادي. مثلًا، إذا كان قانون الإفلاس يتشدد في شروط إشهار الإفلاس، فإن هذا قد يضعف فرصة تحصيل الديون من منظور الدائنين فيدفعهم إلى طلب تأمينات عينية تزيد كلفة التمويل والائتمان الذي يحصل عليه التجار، إذ يهدف التحليل الاقتصادي للقانون إلى تقييم منافع التنظيم القانوني وأضراره من منظور النفع الاقتصادي والموازنة بينها وبين مقتضيات رفاه المجتمع والعدالة[90].

كذلك فإن علم التاريخ يساعد في فهم تطور القانون، لا سيما أن هناك اتجاهًا يدرس القانون بوصفه وليد عوامل تاريخية[91].

ويتقاطع القانون أيضًا مع علم السياسة في دراسة مفهوم الدولة والنظم السياسية والدستورية وحماية الحقوق والحريات السياسية، فالقانون ليس مجرد انعكاس للسياسة، إنما يكون أيضًا أداة لضبطها وتعزيز المشاركة السياسية وتقييد السلطة[92].

وإذا كان القانون الجنائي يحدد الجرائم وعقوباتها، فإن القانون يستفيد من علم الإجرام في فهم أسباب الجريمة ودوافع مرتكبيها ونفسياتهم[93]. يترتب على دراسات علم الإجرام مبادئ تفريد العقوبة بحيث يراعي القاضي الظروف الفردية لكل مجرم، ويستفيد القانون من هذه الدراسات أيضًا في رسم سياسة العقاب المناسبة بحيث تزيد فرصة تحقيق العقوبة غايتها في الإصلاح والردع إلى جانب سبل إدماج المجرمين في المجتمع بعد تنفيذ العقوبة[94].

يتطلب تطبيق القانون في جوانب مختلفة فهم الجوانب النفسية للأفراد، كما في إجراءات التحقيق مع المتهمين وسماع أقوال الشهود وتقدير مصداقيتهم وطرق إقناع القاضي[95]. كذلك، ترتبط بعض أحكام العقود بالجانب النفسي للأطراف، مثل تقدير بعض عوارض الأهلية التي تثبت بتقرير طبي[96].

كذلك يرتبط القانون بالفلسفة وعلم الأخلاق، وذلك من خلال البحث في أساس طاعة القانون ودراسة في ما إذا كان ينبغي أن يكون للقاعدة أساس أخلاقي حتى تكون قاعدة قانونية صحيحة، إذ تختلف الاتجاهات في فلسفة القانون بين مؤيد للأساس الأخلاقي كما في مدرسة القانون الطبيعي ومنكر لهذا الأساس كما في المدرسة الوضعية[97].

أنواع القواعد القانونية

مع اشتراك القواعد القانونية في خصائصها من حيث العمومية والتجريد والإلزام والاجتماعية، فإنها تُصنف من عدة نواح: الأولى هي تصنيفها من حيث علاقتها بسلطان إرادة الأفراد إلى قواعد آمرة وقواعد مكملة، والثانية هي من حيث علاقتها بتحديد الحقوق والمراكز القانونية، فالقواعد الموضوعية تحدد الحقوق والمراكز القانونية في حين ترسم القواعد الشكلية طرق المطالبة بالحقوق وتحصيلها.

القواعد القانونية الآمرة

القاعدة القانونية الآمرة هي القاعدة القانونية التي لا يملك الأفراد حرية الاتفاق على مخالفتها ولا التنازل عنها، لأن المشرّع يضعها لتحقيق مصلحة عامة من خلال تنظيم موضوعها على نحو معين[98]. على سبيل المثال، تنص قوانين العمل عادة على أن أي اتفاق يتنازل العامل بموجبه عن حق من حقوقه المقررة في قانون العمل يكون باطلًا. مثل هذا النص يجعل القواعد القانونية التي تقرر حقوقًا للعامل بموجب نصوص قانون العمل قواعد آمرة، لأنها تهدف إلى حماية العامل الذي يُعد الطرف الأضعف في العقد ويتعرض إلى شبهة الاستغلال بسبب حاجته إلى العمل. فالقاعدة الآمرة تفرض نفسها على أطراف العلاقة القانونية، ما يؤدي إلى استبعاد أي اتفاق مخالف لها بينهم[99].

يمكن التعرف في ما إذا كانت القاعدة القانونية آمرة أم لا بموجب أحد معيارين رئيسين: المعيار الأول هو صياغة النص التي تفيد الوجوب بطرق مختلفة[100]، منها استخدام ألفاظ الوجوب، مثل "يجب، يتعيَّن، [...]"، ومنها عبارات تمنع الاتفاق على مخالفة النص القانوني صراحة، مثل "بالرغم من أي اتفاق مخالف [...]"، ومنها عبارات ترتب جزاء على مخالفة النص المتضمن للقاعدة القانونية، مثل "يكون اتفاق التحكيم مكتوبًا وإلا كان باطلًا". أما المعيار الثاني فهو المصلحة المحمية بالقاعدة القانونية، فإذا كانت المصلحة عامة لا يجوز للأطراف الاتفاق على مخالفتها[101]. مثلًا النص القانوني الذي يحظر على موردي السلع والخدمات أن يبيعوا منتجاتهم بأقل من كلفتها، فمثل هذا النص لا يهدف إلى حماية المورد والمتعاقد معه، بل يتوخى حماية المنافسة في السوق، لذلك تُعد القاعد القانونية آمرة. وبصورة عامة، إذا كان مضمون القاعدة القانونية يتعلق بالنظام العام، فإنها تكون آمرة[102].

يمكن أن يتضمن القانون بفروعه المختلفة قواعد آمرة، بيْد أنها تُعد سمة غالبة على بعض فروع القانون مقارنة بغيرها[103]، فقانون العقوبات الذي يحدد الجرائم وعقوباتها يجسد نموذجًا للقواعد القانونية الآمرة، إذ إن رضا المجني عليه لا يزيل الصفة الجرمية عن الفعل بصفتها قاعدة عامة. وتحريك الدعوى الجزائية أيضًا لا يتوقف على إرادة المتضرر من الجريمة إلا في حالات استثنائية ينص عليها القانون، إذ يراعي القانون أحيانًا اعتبارات خاصة وعائلية فيجعل الدعوى الجزائية متوقفة على شكوى من المتضرر، مثل جريمة التحقير التي يراعي فيها القانون إرادة المجني عليه وجريمة السرقة بين الأصول والفروع التي تراعي فيها قوانين بعض الدول الاعتبارات الأسرية فلا تفرض الملاحقة الجزائية إلا بناء على شكوى المتضرر.

وتغلب القواعد الآمرة، كذلك، على القوانين المتعلقة بحماية مصالح اقتصادية أو اجتماعية، مثل قانون حماية المنافسة وقانون العمل وقانون حماية المستهلك والتشريعات الضريبية وتشريعات الوظيفة العامة. مثلًا، لا يمكن بالاتفاق بين مؤسسة حكومية وموظف عام تعديل حقوق الموظف وامتيازاته المالية سواء بالزيادة أو الخفض عما هو محدد بموجب القانون.

أما في القوانين التي تحكم المعاملات المالية فإن المشرّع يخفف من القيود على إرادة الأفراد، ومن ثم يقلل من القواعد الآمرة[104]. كذلك، تقل القواعد الآمرة في القوانين الحديثة التي تحكم الوسائل البديلة لتسوية المنازعات مثل الوساطة والتحكيم، إذ تكاد تقتصر القواعد الآمرة على ضمانات المحاكمة العادلة، مثل حق الدفاع للأطراف في التحكيم والمساوة بين الخصوم.

قد يجيز القانون، أحيانًا، لأطراف العلاقة التنازل عن تطبيق القاعدة الآمرة بعد ثبوت سبب تطبيقها لا قبله. مثلًا، يجوز للعامل التنازل عن حقوقه من خلال تسوية ودية مع صاحب العمل بعد انتهاء عمله، إذ تكون شبهة استغلال العامل زالت أو ضعفت كثيرًا.

ويُعرِّف القانون الدولي بدوره فكرة القاعدة الآمرة[105]، وهذا ما قننته اتفاقية ڨيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 في المادة (53) التي تكون المعاهدة بموجبها "باطلة إذا كانت وقت عقدها تتعارض مع قاعدة آمرة من القواعد العامة للقانون الدولي". وتضيف المادة المذكورة "لأغراض هذه الاتفاقية يقصد بالقاعدة الآمرة من القواعد العامة للقانون الدولي، القاعدة المقبولة والمعترف بها من قبل المجتمع الدولي للدول ككل على أنها القاعدة التي لا يجوز الإخلال بها ولا يمكن تعديلها إلا بقاعدة لاحقة من القواعد العامة للقانون الدولي التي لها ذات الطابع".

القواعد القانونية المكملة

القاعدة القانونية المكملة هي قاعدة قانونية تُطبَّق بشرط عدم اتفاق أطراف العلاقة على استبعادها أو مخالفتها. بعبارة أخرى، يجوز للأطراف الاتفاق على مخالفة القاعدة القانونية المكملة[106]، فمجال القواعد القانونية المكملة الرئيس هو العقود، بحيث تُطبَّق هذه القواعد لتنظيم مسائل تفصيلية لم ينص عليها العقد، أما إذا نص على ما يخالفها فيسري ما اتفق عليه الأطراف. من هنا تُسمى هذه القواعد قواعد مكملة من حيث إنها تكمل اتفاق الأطراف، وتُسمى أيضًا بالقواعد المفسرة من حيث إنها تفسير للإرادة الضمنية للأطراف إذ يُفترَض من خلال إغفالهم تنظيم بعض المسائل أن إرادتهم اتجهت إلى تطبيق القواعد القانونية المكملة[107].

على سبيل المثال، قد يغفل عقد البيع تفاصيل مثل تحديد مكان تسليم البضاعة المبيعة في موطن البائع أو عنوان المشتري، وكيفية دفع الثمن، أيُدفع قبل تسليم المبيع أم بعده، وما إلى ذلك. فتسري القواعد القانونية المكملة التي قد تنص مثلًا على أن يكون تسليم المبيع في موطن البائع. يفيد تطبيق القواعد القانونية المكملة في تجنب المنازعات بشأن تنفيذ العقود.

كذلك يوظف المشرّع القواعد القانونية المكملة في القوانين التي تنظم الوسائل البديلة لتسوية المنازعات، مثل التحكيم. وقوانين التحكيم الحديثة تعطي مجالًا واسعًا لسلطان إرادة أطراف اتفاق التحكيم لتحديد قواعد إجراءات التحكيم، في حين تتضمن قوانين التحكيم قواعد مكملة تسري على المسائل التي لم ينظمها اتفاق التحكيم، مثل كيفية تبليغ الأطراف ومهل تقديم اللوائح والطلبات.

كذلك ينص القانون على قواعد مكملة بشأن الشركات، لا سيما شركات الأشخاص {{شركات الأشخاص: شركات تتميز بوجود اعتبار شخصي بين الشركاء فيخضع دخول شريك أو انسحابه منها لموافقة باقي الشركاء، ويبرز أيضًا الاعتبار الشخصي في الشريك تجاه الغير إذ يكون الشريك كفيلًا لديون الشركة، كما في شركة التضامن.}}، إذ ينص قانون الشركات مثلًا على أحكام إدارة الشركة ونسب توزيع الأرباح ما لم ينص النظام الأساسي للشركة أو عقد تأسيسها على أحكام مختلفة.

يمكن تمييز القواعد المكملة عن القواعد الآمرة من خلال صياغة النص القانوني. بخلاف القاعدة الآمرة يستخدم النص القانوني المتضمن قاعدة مكملة ألفاظًا تدل على الجواز[108]، مثل "للأطراف [...]" أو "يجوز للبائع [...]"، أو يستخدم عبارات تفيد بوضوح إمكانية الاتفاق على ما يخالف النص القانوني، مثل "ما لم يتفق الأطراف على غير ذلك". يُستدل أيضًا على الطبيعة المكملة للقاعدة القانونية من خلال فهم المصلحة المحمية بالنص القانوني، فإذا كانت مصلحة خاصة دل ذلك على جواز التنازل عن تطبيق القاعدة القانونية. مثلًا، قد ينص القانون على تضامن المدينين{{تضامن المدينين: أن كل مدين يكون مسؤولًا تجاه الدائن عن الوفاء بقيمة الدين كاملة مع احتفاظ المدين الموفي بالدين بحقه في الرجوع على باقي المدينين بمقدار حصة كل منهم في الدين.}} للوفاء بالدين، وبما أن تضامن المدينين مقرر لمصلحة الدائن لتيسير المطالبة بحقه وتحصيله كاملًا من أي مدين، فإنه يجوز للدائن أن يتنازل عن تضامن المدينين من خلال شرط في العقد يقضي بأن يكون كل مدين ملزمًا بالوفاء بنصيبه من الثمن فقط.

قد يثور لَبس بشأن مفهوم القاعدة القانونية المكملة من حيث مدى إلزاميتها، إذ إن القاعدة القانونية المكملة هي قاعدة قانونية ملزمة بالمعنى الدقيق، وأما جواز الاتفاق على مخالفتها فهو قيد يحدد نطاق تطبيقها، فلا تُطبَّق إلا إذا لم يتفق الأطراف على خلافها[109]. وتتجلى إلزامية القاعدة القانونية المكملة أنها تُطبَّق عند سكوت العقد عن بعض المسائل ولا يُقبل من أحد الأطراف الاحتجاج بجهله بها.

القواعد القانونية الموضوعية

القواعد القانونية الموضوعية هي القواعد التي تحدد الحقوق والالتزامات والمراكز القانونية[110]. على سبيل المثال، يحدد القانون شروط صحة عقد البيع، والتزامات البائع والمشتري وحقوقهما، وأركان جريمة السرقة وعقوبتها، وشروط تعيين الموظف العام وحقوقه وواجباته.

تشمل المسائل التي تنظمها القواعد القانونية الموضوعية: تقرير المشروعية، مثل شروط مشروعية قرار إداري، أو تقرير صحة، مثل صحة عقد أو بطلانه، أو آثارًا قانونية، مثل آثار الفعل الضار من حيث مسؤولية مرتكب الفعل الضار وأركانها ونطاق التعويض وأسس تقديره.

قد تكون القواعد القانونية الموضوعية قواعد آمرة أو مكملة. في مقابل القواعد الموضوعية هناك القواعد القانونية الإجرائية أو الشكلية. ويُستعمل مصطلح القواعد الموضوعية كذلك في مقابل قواعد تنازع القوانين التي تُعرف بقواعد الإسناد، وهي قواعد لا تحدد الحقوق والمراكز القانونية بطريق مباشر، وإنما ترشد إلى القانون الوطني الواجب التطبيق على علاقة قانونية مرتبطة بغير دولة، الذي بدوره يحدد المراكز القانونية بموجب قواعده القانونية الموضوعية[111].

القواعد القانونية الإجرائية/ الشكلية

عندما يتبين أن شخصًا له حق بموجب القواعد القانونية الموضوعية، يرسم القانون طريقًا لحماية هذا الحق والمطالبة به وتحصيله إذا لم يقم المدين بالوفاء طوعًا. تُسمى القواعد القانونية المختصة بالمطالبة بالحق وتحصيله بالقواعد الإجرائية أو الشكلية. تبين القواعد القانونية الإجرائية أو الشكلية كيفية المطالبة بالحق عن طريق رفع دعوى قضائية أو الحصول على حماية مؤقتة باللجوء إلى قاضي الأمور المستعجلة {{قاضي الأمور المستعجلة: القاضي المختص بإصدار أوامر قضائية باتخاذ تدابير مؤقتة في مسائل يُخشى عليها من فوات الوقت، وذلك من دون حسم موضوع النزاع، مثل الأمر ببيع بضاعة سريعة التلف ريثما تفصل المحكمة المختصة في النزاع حول ملكيتها.}} أو تنفيذ حكم قضائي جبرًا[112]. كذلك، تشمل القواعد الإجراءات حماية الحق العام، مثل قواعد إجراءات التحقيق في الجرائم وملاحقة المجرمين ومحاكمتهم وتنفيذ العقوبات الصادرة بحقهم.

تقنن القواعد الإجرائية في قوانين المرافعات المدنية والجزائية التي تحدد قواعد الاختصاص القضائي وإجراءات تسيير الدعاوى المدنية والجزائية. تتسم القواعد الإجرائية غالبًا بأنها قواعد آمرة، لأنها تتعلق بتنظيم مرفق العدالة وتهدف إلى تحقيق مصلحة عامة في إقامة العدل وتعزيز الثقة في القضاء[113].

تقسيم القانون

تحكم القواعد القانونية العلاقات في المجتمع على تنوع موضوعاتها واختلاف أطرافها وتباين مصالحهم. وتبعًا لذلك، ينقسم القانون إلى قسمين رئيسين، هما: القانون العام الذي يرمي إلى حماية المصلحة العامة، والقانون الخاص الذي ينظم علاقات تمثل مصالح خاصة لأطرافها. تعود جذور هذا التقسيم إلى القانون الروماني[114]، الذي فرّق بين القانون المُطبَّق على الدولة ومؤسساتها ونظامها المالي ورجال الدين والعقوبات، من ناحية، والقانون المُطبق على الأفراد في علاقاتهم الخاصة، مثل حق الملكية الخاصة والأسرة والالتزامات. امتد تأثير هذا التقسيم إلى النظم القانونية الحديثة، لا سيما نظم القانون المدني اللاتيني. لأن تقسيم القانون إلى قانون عام وقانون خاص يقوم على الفصل بين علاقات الدولة بوصفها صاحبة السلطة وعلاقات الأفراد الخاصة، فإن الحدود بين القسمين تأثرت بالمذهب الاقتصادي السائد في الدولة، فعندما ساد المذهب الاجتماعي كما كان في الاتحاد السوفياتي السابق، فقد هيمن طابع القانون العام إذ خضعت جميع العلاقات القانونية للفكرة السياسية[115]. وبالعكس، فإن انتشار مذهب الاقتصاد الحر يساعد على توسيع نطاق القانون الخاص لملاءمته لحرية التجارة وسلطان إرادة الأفراد[116].

القانون العام

يمثل القانون العام مجموعة القواعد القانونية التي تنظم السلطة العامة من حيث تشكيلها واختصاصاتها وتحكم علاقاتها بالأفراد بوصفها سلطة عامة تتمتع بامتيازات ووسائل القسر والإجبار، أي إنها في مركز أقوى من الفرد. مثلًا، عندما تقرر السلطة العامة المختصة نقل موظف من مكان إلى آخر أو هدم بناء أو نزع ملكية أرض، فإن إصدار هذه القرارات وإلزاميتها لا يتطلب موافقة مسبقة من الأفراد المتأثرين بها.

تمنح قواعد القانون العام للدولة ومؤسساتها وسائل سلطوية لإصدار القرارات والتعليمات وتنفيذها جبرًا عند الحاجة تحقيقًا للصالح العام[117]. فإغلاق مطعم مخالف للاشتراطات الصحية يتطلب السرعة لحماية الصحة العامة، ولذلك يمكن للسلطة المختصة إغلاقه بأسلوب التنفيذ المباشر من دون حاجة إلى أمر قضائي. يُفترَض أن الدولة ومؤسساتها تمارس السلطة الممنوحة لها بحسن نية في سبيل المصلحة العامة المنشودة، إذ تقضي القاعدة الفقهية العامة أن التصرف على الرعية منوط بالمصلحة. بما أن قواعد القانون العام تتعلق بالمصلحة العامة، فإنه تسود فيه القواعد الآمرة، فلا يجوز تعديل أحكامه باتفاق أطراف العلاقة[118].

في المقابل، تكتنف ممارسة السلطة العامة مخاطر التعسف والانحراف عن الغاية المشروعة المستهدفة، لذلك تهتم قواعد القانون العام بإقامة توازن بين المصلحة العامة التي تمثلها الدولة وسلطاتها والفرد لضمان حمايته من تغول السلطة على حقوقه وحرياته تحت ستار المصلحة العامة.

من هنا ينظم القانون العام، أيضًا، الرقابة على نشاط السلطة العامة بإخضاعها لمبدأ المشروعية، وفحواه أن يكون عمل السلطة العامة موافقًا للقانون. نشأت في بعض النظم القانونية محاكم خاصة للرقابة على عمل السلطة العامة من خلال القضاء الإداري المنفصل عن المحاكم المختصة بالمسائل المدنية والتجارية، كما في فرنسا ومصر، في حين تختص المحاكم المدنية بمراجعة أعمال السلطة العامة في دول مثل المملكة المتحدة.

يتفرع القانون العام إلى فروع رئيسة هي القانون الدستوري، والقانون الإداري، والقانون الجنائي الذي يشمل قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية، والقانون التجاري. هذه الفروع تنتمي للقانون الداخلي للدولة، لكن القانون العام يشمل أيضًا القانون الدولي العام[119]، وموضوعاته الرئيسة العلاقات بين الدول وقت السلم، مثل أحكام إبرام المعاهدات الدولية، ووقت الحرب والمنازعات المسلحة، مثل القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي.

يمكن، بشكل عام، تمييز العلاقة القانونية الخاضعة للقانون العام من خلال معايير، أهمها معيار المصلحة المحمية، إذ يحمي القانون العام مصلحة عامة، والمعيار العضوي أو الشخصي الذي ينظر في ما إذا كانت الدولة أو إحدى مؤسساتها الرسمية طرفًا في العلاقة بصفتها صاحبة امتيازات السلطة العامة، فتُعد العلاقة حينئذ من موضوعات القانون العام. أما إذا كانت العلاقة بين أفراد أو مؤسسات خاصة أو بين فرد ودولة لا بصفتها صاحبة امتيازات سلطة عامة، فتكون العلاقة خاضعة للقانون الخاص. على سبيل المثال، العقد الذي تبرمه وزارة الصحة مع مقاول لإنشاء مستشفى حكومي يُعد عقدًا إداريًا يخضع للقانون العام، إذ يتضمن عادة امتيازات للجهة الإدارية مثل سلطة تعديل العقد بالإرادة المنفردة مع احتفاظ المتعاقد بحقه في التعويض وفق ضوابط وشروط معينة. في المقابل، إذا استأجرت وزارة الصحة مبنى لاستعماله سكنًا للموظفين، من دون أن يتضمن عقد الإيجار أي امتيازات خاصة، فإن العقد يُعامَل وفق أحكام القانون الخاص[120]. بيْد أن القانون العام يشمل مسائل تخص الدولة من دون أن تظهر بوصفها صاحبة امتيازات وسلطة، مثل قواعد مسؤولية الدولة التي تلزمها بالتعويض عن الأضرار الناشئة عن أعمال السلطة العامة[121].

معايير تمييز القانون العام تكاملية، إذ قد لا يكون معيارًا واحدًا منها حاسمًا في تصنيف قواعد قانونية معينة ضمن القانون العام[122]. مثلًا، يُصنف قانون العقوبات، الذي يحدد الجرائم وعقوباتها، في الدوائر الأكاديمية الفرنسية ضمن القانون الخاص[123] على أساس أن العقوبات تهدف إلى حماية الحقوق الخاصة، مثل تجريم السرقة حمايةً لحق الملكية. وبالعكس، كثيرًا ما يُصنف قانون العقوبات في التطبيق والدراسة الأكاديمية في نظم قانونية أخرى ضمن القانون العام بموجب معيار أساليب السلطة العامة، لأن إنفاذه يتوقف على ممارسة السلطة العامة لأساليب القسر والإجبار في التجريم والعقاب.

القانون الخاص

القانون الخاص هو مجموعة القواعد القانونية التي تحكم العلاقات الخاصة بين الأفراد أو بين الأفراد والدولة أو إحدى مؤسساتها لا بصفتها صاحبة امتيازات السلطة العامة. ما يميز العلاقات الخاضعة للقانون الخاص، أنها تربط أطرافًا متساوين، من حيث المبدأ، في المراكز القانونية، ويسعى كل منهم إلى تحقيق مصلحته الخاصة، لذلك لا يملك أحد الأطراف التنفيذ المباشر. مثلًا لو استعمل مستأجر العقار المأجور لغاية غير تلك المحددة بموجب عقد الإيجار، فإن المؤجر لا يملك سلطة التنفيذ المباشر لإغلاق المأجور أو استرداده، بل عليه أن يلجأ إلى القضاء ليثبت المخالفة أولًا.

بما أن العلاقات الخاضعة للقانون الخاص تمثل مصالح خاصة، فإن قواعده غالبًا هي قواعد مكملة، أي يجوز لأطراف العلاقة الاتفاق على ما يخالفها بما يرونه أفضل لمصالحهم.

يتفرع القانون الخاص إلى فروع رئيسة، هي: القانون المدني، والقانون التجاري، وقانون الأحوال الشخصية، وقانون المرافعات المدنية، والقانون الدولي الخاص[124].

تداخل أقسام القانون

مع تطور العلاقات الاقتصادية وقواعد تنظيم السوق أصبحت الحدود الفاصلة بين القانون العام والقانون الخاص غير واضحة دائمًا، وأضحت بعض العلاقات القانونية تتردد بين القسمين. ظهر، مثلًا، ما يمكن تسميته بالقانون الاقتصادي، مثل تشريعات حماية المنافسة التي تهدف إلى تحقيق مصلحة عامة في السوق لضمان المنافسة العادلة وحماية المستهلك، في حين أنه يقرر أيضًا مصالح خاصة لمزاولي النشاطات الاقتصادية للاعتراض على الممارسات المخلة بالمنافسة وطلب التعويض. كذلك، القوانين الخاصة بتنظيم سوق رأس المال، إذ تحمي مصلحة عامة في تشجيع الاستثمار وحماية المتعاملين في البورصة، وفي الوقت نفسه تنظم عقود تداول الأوراق المالية، مثل الأسهم وأسناد القرض، التي تمثل مصالح خاصة لأطرافها.

يتضح التداخل بين القانون العام والقانون الخاص أيضًا في إطار قانون العمل، إذ يحكم قانون العمل عقد العمل الذي يمثل مصالح خاصة، ولكنه يخضع لقواعد آمرة هدفها حماية العامل تحقيقًا لمصلحة اجتماعية، إلى جانب الدور الرقابي للجهة المختصة التي لها صلاحية تفتيش مكان العمل والاطلاع على سجل الموظفين. وظهرت أيضًا شركات القطاع العام المملوكة للحكومة وفي الوقت ذاته تمارس نشاطًا اقتصاديًا خاضعًا للقانون الخاص.

لذلك وُجّهت انتقادات إلى هذا التقسيم للقانون على أساس أنه تاريخي ولم يصمد أمام وحدة القانون[125]. بالرغم من ذلك، فإن تقسيم القانون إلى عام وخاص ظل متبعًا في بعض الدوائر الأكاديمية، إذ تُنظَّم كليات القانون عادة ضمن أقسام أكاديمية للقانون العام والقانون الخاص. ومن الناحية التطبيقية، حافظ كثير من النظم القانونية على اختصاص قضائي منفصل للرقابة على أعمال السلطة الإدارية العامة[126].

مصادر القانون

تُفهم مصادر القانون من زوايا مختلفة. من ناحية، قد يُراد بها المادة التي يستقي منها المشرّع مضمون القواعد القانونية التي يضعها، وتُسمى المصادر المادية[127]. قد تكون المصادر المادية اجتماعية، مثل الأعراف والعادات والتقاليد، أو مصادر دينية، مثل الفقه الإسلامي بالنسبة إلى القانون المدني الأردني، أو مصادر تاريخية، مثل القانون الروماني بالنسبة إلى القانون الفرنسي. تفيد معرفة المصادر المادية للقانون في تحديد عوامل تطوره لفهم كيف أصبح القانون على ما هو عليه اليوم، وتفيد أيضًا في تفسير نصوص القانون عند غموضها، إذ يمكن بالرجوع إلى المصادر المادية فهم النصوص في ضوء أصولها الاجتماعية أو الدينية أو التاريخية[128].

من ناحية ثانية، يُقصد بمصادر القانون الوعاء الذي تُستفاد منه القواعد القانونية الواجبة التطبيق عند إعطاء رأي قانوني أو الحكم في نزاع. هذا المعنى يخص المنهجية القانونية التي يجب اتباعها لمعرفة الحكم القانوني لمسألة ما وإعطاء رأي فيها أو عند الحكم في نزاع معين. بهذا المعنى تكون المصادر رسمية أو غير رسمية، وطنية أو دولية.

المصادر الرسمية هي المصادر الملزمة في النظام القانوني، وتشمل التشريع والعرف، وفي نظام القانون العام الأنكلوسكسوني تُعد السوابق القضائية مصدرًا رسميًا أيضًا[129]، وفي بعض الدول تشمل مصادر القانون الدين، مثل الشريعة الإسلامية[130].

إلى جانب المصادر الرسمية والملزمة، هناك مصادر استرشادية غير ملزمة ولكن يُستأنس بها للتوصل إلى حكم في المسائل التي لم يرد فيها نص في التشريع، وتشمل اجتهاد القضاء وفقهاء القانون ومبادئ العدالة والإنصاف والمبادئ العامة للقانون، ويمكن للقاضي أيضًا أن يستأنس بالقانون المقارن.

مصادر القانون المذكورة معروفة في النظم القانونية المختلفة، لكن ترتيب أولويتها في التطبيق يختلف من نظام قانوني إلى آخر. مثلًا، الأحكام القضائية السابقة هي مصدر ملزم في نظام القانون العام الأنكلوسكسوني (common law) الذي يأخذ بالسابقة القضائية الملزمة للمحكمة التي أصدرت الحكم السابق والمحاكم التي في درجتها أو أدنى منها[131].

النظم القانونية الرئيسة

توجد نظم قانونية رئيسة في العالم يمكن تصنيف النظم القانونية الوطنية وفقًا لها. تختلف النظم القانونية من حيث ترتيب مصادر القانون الملزمة وكيفية تطبيقها.

نظام القانون المدني/ القانون اللاتيني

يتميز نظام القانون المدني أو القانون اللاتيني في الاعتماد على التشريع مصدرًا للقانون. ترجع جذور هذا النظام إلى القانون الروماني الذي عرف المدونات مثل مدونة جستنيان في القانون المدني. وظهرت المدونات القانونية في الدول الحديثة، وأهمها القانون المدني الفرنسي المعروف بقانون نابليون سنة 1804. وتنتمي لعائلة هذا النظام القانوني الدول الأوروبية، باستثناء إنكلترا، والدول العربية.

تقوم منهجية التشريع في هذا النظام على وضع قوانين عامة، مثل القانون المدني الذي ينظم الأشخاص والأهلية والعقود والحقوق العينية والتركات، وتُسن أيضًا مدونة عامة لقانون التجارة، وقانون العقوبات. وبما أن التشريع هو مصدر القانون، يكون دور القضاء هو تفسير التشريع وتطبيقه، إذ لا تترك القوانين العامة مجالًا واسعًا لاجتهاد القاضي والمصادر الاسترشادية. ولا تكون الأحكام القضائية ملزمة للمحاكم في القضايا اللاحقة، وإن كان لأحكام المحاكم العليا قيمة أدبية.

يسود في هذا النظام القانوني ازدواج القضاء، بحيث تنشأ محاكم إدارية للمنازعات الإدارية إلى جانب المحاكم العادية التي تختص بالمنازعات المدنية والتجارية[132]. ويمارس القاضي في نظام القانون المدني بصورة عامة دورًا في توجيه الدعوى وطلب البينات والمستندات التي يراها ضرورية للفصل في النزاع وتكييف الدعوى وتحديد القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع، ولا يكتفي بالنظر في ما يقدمه أطراف الدعوى، وإنما يتدخل القاضي في إدارة الدعوى ليتحرى عن مسائل الواقع والقانون التي يرى أنها ضرورية للفصل في النزاع (inquisitorial proceedings)[133].

نظام القانون العام الأنكلوسكسوني (common law)

ارتبط نظام القانون العام الأنكلوسكسوني بإنكلترا[134] وانتشر منها مع الاستعمار البريطاني في دول مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والهند. يختلف نظام القانون العام الأنكلوسكسوني من حيث ترتيب مصادر القانون ومنهجية تطبيقها، إذ تُعد الأحكام القضائية المصدر الرئيس للقانون وليس التشريع. لعل نضج القانون العام الأنكلوسكسوني غير المكتوب، قبل إحياء القانون الروماني في النظم القانونية الأوروبية، هو الذي يفسر ضعف تأثير القانون الروماني فيه[135]، فقد نشأ القانون الإنكليزي نشأة قضائية، وكان دور الفقه في تكوينه ضئيلًا للغاية[136].

مر القانون العام الأنكلوسكسوني بمراحل تاريخية ساد في أولها العرف وأوامر مكتوبة كان يصدرها الملك، وتُعرف بالمرحلة الأنكلوسكسونية[137]، ثم جاءت مرحلة الفتح النورماندي التي شهدت توحيد النظام القانوني تحت سلطة الملك المركزية[138]. وفي إطار هذه الوحدة القانونية بدأت مرحلة تكون القانون العام الأنكلوسكسوني أو الشريعة العامة، ومن هنا اكتسب هذا النظام القانوني اسمه للدلالة على قانون عام التطبيق في الدولة بدل الأعراف والقوانين المحلية. "وبوجه عام، فمنذ هنري الثاني 1154م تبلورت الشريعة العامة، فقد بدأت سيادة القضاء الملكي وانحسار القضاء الديني والمحلي والإقطاعي"[139]. وبسبب غلبة الطابع العرفي على القواعد القانونية برزت أهمية السوابق القضائية الملزمة. ومع التطبيق الآلي للسوابق القضائية "ظهرت حالات تتناقض فيها قواعد الشريعة العامة مع الواقع الاجتماعي"[140]، وأدى ذلك إلى إنشاء محكمة مستشار الملك (Chancery Court) التي نظرت في تظلمات من أحكام القضاء كانت تُرفع إلى الملك[141]، وتولد من قرارات محكمة مستشار الملك قواعد قانونية سُميت قواعد الإنصاف أو العدالة (Law of Equity)، ثم وُحِّد القضاء بموجب إصلاحات 1873-1875[142].

يصنع القاضي القواعد القانونية بناء على وقائع كل قضية، وهكذا تنشأ قاعدة قانونية خاصة، ثم تُستنبط القواعد العامة من مجموع القضايا الفردية[143]، لذلك لم تظهر في نظام القانون العام الأنكلوسكسوني مدونات قانونية عامة مثل مدونة للقانون المدني أو الجنائي، وإنما تصدر تشريعات لتنظيم مسائل محددة. مثلًا لا يوجد في إنكلترا قانون مدني مكتوب يحكم الأشخاص والأهلية والعقود والحقوق العينية والحقوق الشخصية، لكن يجد المرء قانونًا للأشخاص القاصرين (Minors’ Act) وقانونًا خاصًا بعقد بيع البضائع (Sale of Goods Act) وليس قانونًا عامًا يتضمن أحكام نظرية العقد من حيث الأهلية وعيوب الرضا{{عيوب الرضا: أسباب تضعف أو تفسد رضا المتعاقد أو اختياره وتجعل العقد باطلًا أو قابلًا للإبطال، ومن أمثلتها الغلط والتدليس والإكراه.}}، فتبقى المسائل غير المنظمة بموجب تشريع خاضعة للقواعد القانونية المستمدة من السوابق القضائية الملزمة. بيْد أنه إذا صدر تشريع عن السلطة التشريعية (البرلمان) فإن القاضي ملزم بتطبيقه ولو خالف سوابق قضائية[144]، وذلك بموجب مبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ سيادة البرلمان أو سيادة الأمة. ويشار إلى القانون المستمد من السوابق القضائية بقانون السوابق (case law) وتُسمى القواعد القانونية المكتوبة بالمدونات (statute law).

غير أن التشريع يزداد في إنكلترا منذ القرن التاسع عشر، إذ صدرت تشريعات مثل قانون الشركات وقانون الإفلاس وقانون التحكيم[145]، وظهرت أيضًا مدونة عامة للقانون التجاري في الولايات المتحدة هي قانون التجارة الموحد (Uniform Commercial Code)، وهي ليست قانونًا اتحاديًا وإنما قانون نموذجي استرشادي قد تتبناه ولايات أميركية.

من خصائص نظام القانون العام الأنكلوسكسوني أيضًا أن القاضي يتجنب دور التحري والتدخل في توجيه الخصوم، إذ تتخذ الإجراءات طابعًا اختصاميًا يعتمد على ما يقدمه الخصوم من مذكرات وأسانيد واقعية وقانونية، ويناقش القاضي ذلك ويُرجِّح ويبتّ في المسائل المتنازع فيها، وظل هذا الطابع الاختصامي للإجراءات مهيمنًا إلى أن صدرت قواعد الإجراءات المدنية لسنة 1998 التي خولت القاضي صلاحيات إضافية في إدارة الدعوى[146]. ويسود في هذا النظام القضاء الموحد أيضًا، إذ تمارس المحاكم العادية اختصاص مراجعة أعمال السلطة الإدارية، وحتى إن وُجدت هيئات قضائية خاصة فإن أحكامها تقبل المراجعة أمام المحكمة العليا نفسها[147].

القانون الإسلامي

يستخدم فقهاء الشريعة الإسلامية مصطلح الأدلة الشرعية في مقابل مصطلح مصادر القانون. ونشأ علم الفقه الذي يدرس الأحكام العملية المستمدة من الأدلة الشرعية من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية[148]. ولفهم هذه النصوص نشأ علم أصول الفقه الذي أوضح قواعد تفسير النصوص إلى جانب الأدلة الفرعية التي أشارت إليها نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، وأهمها القياس والإجماع، التي هي محل اتفاق بين جمهور مذاهب أهل السنة والجماعة، وخالفهم بشأن القياس وشروط الإجماع مذاهب أخرى، منها الشيعة الاثنا عشرية. من الأدلة الفرعية أيضًا المصالح المرسلة والاستصحاب والاستحسان وسد الذرائع وغيرها.

يتميز القانون الإسلامي من حيث منهجية تطبيقه في أنه ظل على طوال قرون قانونًا قضائيًا، إذ يعلن القاضي القاعدة القانونية عن فصله في المنازعات المعروضة عليه، من دون أن يوجد تقنين لأحكام الفقه الإسلامي في شكل مواد قانونية[149]. يشبه ذلك ظاهريًا منهج القضاء في نظام القانون العام الأنكلوسكسوني، بيْد أن الفرق بين النظامين يتمثل في أن القاضي في النظام القانوني الإسلامي يطبق القانون وفق مرجعية النصوص الدينية وما استنبطه الفقهاء منها من مبادئ عامة وقواعد كلية، في حين يمارس القاضي في نظام القانون العام الأنكلوسكسوني سلطة تقديرية في اجتهاده اختلفت اتجاهات فلسفة القانون في حدودها أو مرجعيتها. ثم بدأت جهود تقنين الشريعة الإسلامية في الدول الحديثة، لا سيما في مجال القانون المدني والأحوال الشخصية.

ويتجلى دور الفقه الإسلامي أيضًا بوصفه أساسًا للقانون في مجال التمويل الإسلامي، إذ تطورت منتجات مصرفية وفق مبادئ الشريعة الإسلامية[150].

المراجع

العربية

أبو طالب، صوفي حسن. تاريخ النظم القانونية والاجتماعية. القاهرة: دار النهضة العربية، 1977.

بشير، عادل حامد. الوجيز فيعلم الإجرام والعقاب. القاهرة: دار النهضة العربية، 2019.

الجرجاني، علي بن محمد بن علي. التعريفات. بيروت: دار الكتب العلمية، 1983.

حسين، فايز محمد، وأحمد أبو الحسن. الموجز في نظرية الالتزامات في القانون الروماني. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2010.

الحسيني، محمد طه حسين. "تطور نظام القضاء الموحَّد باتجاه القضاء المزدوج: إنكلترا والولايات المتحدة الأمريكية نموذجًا". مجلة مركز دراسات الكوفة. مج 1، العدد 55 (2019). ص 211-262.

الخطيب، محمد عرفان. "التحليل الاقتصادي لنظرية العقد من منظور قانوني "الممكن والمستبعد!": دراسة نقدية مقارنة من منظور المدرسة اللاتينية". مجلة كلية القانون الكويتية العالمية. مج 7، العدد 1 (مارس 2019). ص 119-162.

الدواليبي، محمد معروف. المدخل إلى التاريخ العام للقانون. دمشق: منشورات جامعة دمشق، 1963.

السنهوري، عبد الرزاق أحمد. "مخالفة التشريع للدستور والانحراف في استعمال السلطة التشريعية". مجلة مجلس الدولة المصري. العدد 3 (يناير 1952). ص 1-116.

السنهوري، عبد الرزاق. علم أصول القانون. القاهرة: مطبعة فتح الله إلياس نوري وأولاده، 1936.

الصده، عبد المنعم فرج. أصول القانون. القاهرة: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1965.

الصراف، عباس وجورج حزبون. المدخل إلى علم القانون. عمان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2001.

الصهيل، ياسر بن عبد العزيز بن محمد. "إلزام القاضي بالقضاء بأقوال يختارها الإمام في المسائل الخلافية: دراسة وصفية تحليلية". مجلة الأندلس للعلوم الاجتماعية والإنسانية. مج 12، العدد 136 (أكتوبر 2025). ص 156-189.

الصيفي، عبد الفتاح مصطفى. القاعدة الجنائية: دراسة تحليلية لها على ضوء الفقه الجنائي المعاصر. الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية، 2019.

العاني، وسام صبار. القضاء الإداري. بغداد: مكتبة السنهوري، 2015.

عبد العال، عكاشة محمد. تنازع القوانين: دراسة مقارنة. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2007.

العبيدي، عواد حسين. "البعد الأخلاقي للقاعدة القانونية في التشريعات العربية: الالتزام التعاقدي أنموذجًا". مجلة الباحث العربي. مج 5، العدد 2 (2024). ص 48-84.

عثمان، عمرو. "موقع (القانون الإسلامي) من فلسفات القانون التقليدية والحديثة". المجلة العربية للعلوم الإنسانية. مج 43، العدد 172 (2025). ص 11-35.

علوان، محمد يوسف. القانون الدولي العام: النظرية العامة والمصادر. ط 4. عمان: دار وائل للنشر، 2021.

علي، يحيى قاسم. المدخل لدراسة العلوم القانونية: نظرية القانون ونظرية الحق دراسة مقارنة. القاهرة: كوميت للتوزيع، 1997.

العمر، عدنان. "المكانة القانونية للأنظمة كمصدر للقاعدة القانونية في النظام القانوني السعودي: دراسة مقارنة". المجلة العلمية لجامعة الملك فيصل (العلوم الإنسانية والإدارية). مج 18، العدد 2 (2017). ص 263-276.

عمر، نبيل إسماعيل. أصول المرافعات المدنية والتجارية. الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة، 2003.

فاضل، شروق عباس، وسرى محمد هوبي. "الدور التكميلي للقواعد القانونية ذات المنشأ القضائي في القانون الإنكليزي". مجلة جامعة الأنبار للعلوم القانونية والسياسية. مج 14، العدد 1 (2025). ص 901-921.

فرج، توفيق حسن. تاريخ النظم القانونية والاجتماعية: القانون الروماني. بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1985.

________. المدخل للعلوم القانونية: النظرية العامة للقانون. بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1993.

قايد، أحمد محمد. مدخل إلى علم النفس الجنائي وعلم النفس القضائي. صنعاء: مكتبة خالد بن الوليد، 2019.

المحبشي، محمد عبد الملك. "الظاهرة النفسية للتنظيم القانوني (علم النفس القانوني): دراسة في ضوء فلسفة القانون". مجلة جامعة صنعاء للعلوم الإنسانية. مج 4، العدد 6 (2025)، ص 217-237.

محمد، فايز محمد حسين. التقاء الشرائع القانونية وتقارب القوانين. الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية، 2016.

المختار، ولهي. "المبادئ العامة للقانون كمصدر للقانون الدولي بين الجدل الفقهي والاجتهادات القضائية الدولية". مجلة الدراسات والبحوث القانونية. مج 9، العدد 2 (2024). ص 115-134.

المساوي، محمد. "مصادر القانون في الفلسفة الإسلامية: الفارابي نموذجًا". المجلة العربية للعلوم السياسية. مج 22، العدد 12 (2025). ص 185-206.

الأجنبية

Andrews, Neil. “English Civil Procedure: A Synopsis.” Ritsumeikan Law Review. no. 25 (2008). pp. 25-61.

Bashayreh, Mohammad. “The Authority of Judges under Shariah: Perspectives on Recent Legal Reforms in Saudi Arabia.” Manchester Journal of Transnational Islamic Law and Practice. vol. 18, no. 2 (2022). pp. 42-67.

“Civil Code of the People’s Republic of China.” The National Council of the People’s Republic of China. at: https://english.www.gov.cn/archive/lawsregulations/202012/31/content_WS5fedad98c6d0f72576943005.html

“Criminal Law of the People’s Republic of China.” The National People’s Congress of the People’s Republic of China. at: http://www.npc.gov.cn/zgrdw/englishnpc/Law/2007-12/13/content_1384075.htm

Gayoye, Martha. “The Coloniality and Evolution of African Customary Law.” Oñati Socio-Legal Series. vol. 15, no. 6 (2025). pp. 1922-1946.

Jolowicz, J. A. “Adversarial and Inquisitorial Models of Civil Procedure.” International & Comparative Law Quarterly. vol. 52, no. 2 (2003). pp. 281-295.

Kamali, Mohammad Hashim. Shari’ah Law: An Introduction. Oxford: One World, 2008.

Modood, Tariq. “Is There A Crisis of Secularism in Western Europe?.” Sociology of Religion. vol. 73, no. 2 (2012). pp. 130-149.

Posner, Richard A. Economic Analysis of Law. 9th ed. New York: Wolters Kluwer Law & Business, 2014.

Wacks, Raymond. Law: A Very Short Introduction. Oxford: Oxford University Press, 2008.

Windrow, Hayden. “A Short History of Law, Norms, and Social Control in Imperial China.” Asian-Pacific Law & Policy Journal. vol. 7, no. 2 (Summer 2006). pp. 244-301.

Xiaoqun, Xu. “The Fate of Judicial Independence in Republican China 1912-37.” The China Quarterly. no. 149 (March 1997). pp. 1-28.

[1] يحيى قاسم علي، المدخل لدراسة العلوم القانونية: نظرية القانون ونظرية الحق دراسة مقارنة (القاهرة: كوميت للتوزيع، 1997)، ص 9.

[2] المرجع نفسه؛ توفيق حسن فرج، المدخل للعلوم القانونية: النظرية العامة للقانون (بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1993)، ص 15-17.

[3] علي بن محمد بن علي الجرجاني، التعريفات (بيروت: دار الكتب العلمية، 1983)، ص 171.

[4] عبد المنعم فرج الصده، "القسم الأول"، أصول القانون (القاهرة: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1965)، ص 11-12.

[5] علي، ص 16.

[6] فرج، المدخل، ص 13؛ الصده، ص 5-6.

[7] علي، ص 8.

[8] المرجع نفسه.

[9] الصده، ص 12-13؛

Raymond Wacks, Law: A Very Short Introduction (Oxford: Oxford University Press, 2008), p. 21, 27.

[10] Wacks, p. 22.

[11] Ibid, p. 27.

[12] فرج، المدخل، ص 14-15.

[13] Wacks, p. 27.

[14] Ibid, p. 21.

[15] Ibid, p. 22.

[16] Ibid, p. 23.

[17] محمد المساوي، "مصادر القانون في الفلسفة الإسلامية: الفارابي نموذجًا"، المجلة العربية للعلوم السياسية، مج 22، العدد 12 (2025)، ص 188.

[18] فرج، المدخل، ص 23؛ صوفي حسن أبو طالب، تاريخ النظم القانونية والاجتماعية (القاهرة: دار النهضة العربية، 1977)، ص 7-8.

[19] Wacks, p. 3.

[20] أبو طالب، ص 23.

[21] المرجع نفسه.

[22] المرجع نفسه، ص 24.

[23] المرجع نفسه.

[24] محمد معروف الدواليبي، المدخل إلى التاريخ العام للقانون (دمشق: منشورات جامعة دمشق، 1963)، ص 383.

[25] المرجع نفسه، ص 63-66، 487-488، 492.

[26] المرجع نفسه، ص 121-123، 129.

[27] المرجع نفسه، ص 133.

[28] Wacks, p. 5.

[29] فايز محمد حسين وأحمد أبو الحسن، الموجز في نظرية الالتزامات في القانون الروماني (بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2010)، ص 12-13.

[30] الدواليبي، ص 226؛

Wacks, p. 5.

[31] توفيق حسن فرج، تاريخ النظم القانونية والاجتماعية: القانون الروماني (بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1985)، ص 65-66.

[32] المرجع نفسه، ص 69؛ محمد يوسف علوان، القانون الدولي العام: النظرية العامة والمصادر، ط 4 (عمان: دار وائل للنشر، 2021)، ص 52.

[33] الصده، ص 160؛ حسين وأبو الحسن، ص 13.

[34] يُنظر: فرج، تاريخ.

[35] حسين وأبو الحسن، ص 13.

[36] Wacks, p. 7-8.

[37] Ibid, p. 19; Hayden Windrow, “A Short History of Law, Norms, and Social Control in Imperial China,” Asian-Pacific Law & Policy Journal, vol. 7, no. 2 (Summer 2006), p. 248-249.

[38] Windrow, pp. 253-254.

[39] Ibid, pp. 258-259.

[40] Ibid, pp. 269-270.

[41] Ibid, pp. 283, 287-290.

[42] Xu Xiaoqun, “The Fate of Judicial Independence in Republican China 1912-37,” The China Quarterly, no. 149 (March 1997), pp. 1-28.

[43] “Criminal Law of the People’s Republic of China,” The National People’s Congress of the People’s Republic of China, accessed on 14/5/2026, at: http://www.npc.gov.cn/zgrdw/englishnpc/Law/2007-12/13/content_1384075.htm

[44] “Civil Code of the People’s Republic of China,” The National Council of the People’s Republic of China, accessed on 14/5/2026, at: https://english.www.gov.cn/archive/lawsregulations/202012/31/content_WS5fedad98c6d0f72576943005.html

[45] Martha Gayoye, “The Coloniality and Evolution of African Customary Law,” Oñati Socio-Legal Series, vol. 15, no. 6 (2025), p. 1925.

[46] Wacks, p. 18.

[47] Gayoye, pp. 1931-1940.

[48] ياسر بن عبد العزيز بن محمد الصهيل، "إلزام القاضي بالقضاء بأقوال يختارها الإمام في المسائل الخلافية: دراسة وصفية تحليلية"، مجلة الأندلس للعلوم الاجتماعية والإنسانية، مج 12، العدد 136 (أكتوبر 2025)، ص 164-165.

[49] Mohammad Hashim Kamali, Shari’ah Law: An Introduction (Oxford: One World, 2008), pp. 250-252.

[50] عدنان العمر، "المكانة القانونية للأنظمة كمصدر للقاعدة القانونية في النظام القانوني السعودي: دراسة مقارنة"، المجلة العلمية لجامعة الملك فيصل (العلوم الإنسانية والإدارية)، مج 18، العدد 2 (2017) ص 269-271.

[51] المرجع نفسه، ص 271 هامش 1.

[52] علي، ص 18.

[53] فرج، المدخل، ص 20-21.

[54] المرجع نفسه، ص 21.

[55] علي، ص 18-19.

[56]عبد الرزاق أحمد السنهوري، "مخالفة التشريع للدستور والانحراف في استعمال السلطة التشريعية"، مجلة مجلس الدولة المصري، العدد 3 (يناير 1952)، ص 102.

[57] فرج، المدخل، ص 22.

[58] المرجع نفسه، ص 23.

[59] علي، ص 19.

[60] الصده، ص 14-15؛ علي، ص 16-17.

[61] علي، ص 16.

[62] فرج، المدخل، ص 24.

[63] علي، ص 20.

[64] فرج، المدخل، ص 25.

[65] الصده، ص 20-21؛ علي، ص 22-23.

[66] فرج، المدخل، ص 26.

[67] المرجع نفسه.

[68] المرجع نفسه.

[69] علي، ص 23-24.

[70] فرج، المدخل، ص 29.

[71] عواد حسين العبيدي، "البعد الأخلاقي للقاعدة القانونية في التشريعات العربية: الالتزام التعاقدي أنموذجًا"، مجلة الباحث العربي، مج 5، العدد 2 (2024)، ص 51-52.

[72] المرجع نفسه، ص 58؛ فرج، المدخل، ص 31.

[73] علي، ص 28.

[74] العبيدي، ص 53-54.

[75] فرج، المدخل، ص 33.

[76] عباس الصراف وجورج حزبون، المدخل إلى علم القانون (عمان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2001)، ص 38-39؛ فرج، المدخل، ص 32؛ العبيدي، ص 53-54.

[77] فرج، المدخل، ص 81-82.

[78] علي، ص 28.

[79] Wacks, p. 15.

[80] فرج، تاريخ، ص 26.

[81] فرج، المدخل، ص 183.

[82] علي، ص 28.

[83] العمر، ص 70.

[84] فرج، المدخل، ص 183.

[85] عمرو عثمان، "موقع (القانون الإسلامي) من فلسفات القانون التقليدية والحديثة"، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، مج 43، العدد 172 (2025)، ص 15-16.

[86] Tariq Modood, “Is There A Crisis of Secularism in Western Europe?,” Sociology of Religion, vol. 73, no. 2 (2012), pp. 135-136.

[87] عبد الفتاح مصطفى الصيفي، القاعدة الجنائية: دراسة تحليلية لها على ضوء الفقه الجنائي المعاصر (الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية، 2019)، ص 20.

[88] علي، ص 29.

[89] المرجع نفسه، ص 30.

[90] محمد عرفان الخطيب، "التحليل الاقتصادي لنظرية العقد من منظور قانوني "الممكن والمستبعد!": دراسة نقدية مقارنة من منظور المدرسة اللاتينية"، مجلة كلية القانون الكويتية العالمية، مج 7، العدد 1 (مارس 2019)، ص 119، 122؛ يُنظر:

Richard A. Posner, Economic Analysis of Law, 9th ed. (New York: Wolters Kluwer Law & Business, 2014).

[91] علي، ص 30.

[92] المرجع نفسه، ص 30-31.

[93] الصيفي، ص 19.

[94] الصيفي، ص 23؛ يُنظر: عادل حامد بشير، الوجيز فيعلم الإجرام والعقاب (القاهرة: دار النهضة العربية، 2019).

[95] الصيفي، ص 22؛ يُنظر: أحمد محمد قايد، مدخل إلى علم النفس الجنائي وعلم النفس القضائي (صنعاء: مكتبة خالد بن الوليد، 2019).

[96] محمد عبد الملك المحبشي، "الظاهرة النفسية للتنظيم القانوني (علم النفس القانوني): دراسة في ضوء فلسفة القانون"، مجلة جامعة صنعاء للعلوم الإنسانية، مج 4، العدد 6 (2025)، ص 234-235.

[97] علي، ص 36، 38؛ الصيفي، ص 17-18.

[98] علي، ص 74.

[99] الصده، ص 67.

[100] علي، ص 77.

[101] المرجع نفسه، ص 78.

[102]الصده، ص 67-68؛ علي، ص 79.

[103] علي، ص 76.

[104] المرجع نفسه، ص 75.

[105] علوان، ص 309-321.

[106] علي، ص 74.

[107] فرج، المدخل، ص 72.

[108] علي، ص 78.

[109] المرجع نفسه، ص 76.

[110] المرجع نفسه، ص 52.

[111] عكاشة محمد عبد العال، تنازع القوانين: دراسة مقارنة (بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2007)، ص 138.

[112] علي، 52.

[113] يُنظر: نبيل إسماعيل عمر،أصول المرافعات المدنية والتجارية (الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة، 2003).

[114] علي، ص 53.

[115] المرجع نفسه.

[116] المرجع نفسه.

[117] فرج، المدخل، ص 39؛ الصراف وحزبون، ص 23.

[118] الصده، ص 38-41؛ علي، ص 57.

[119] علي، ص 57.

[120] المرجع نفسه، ص 57.

[121] المرجع نفسه، ص 54-56.

[122] المرجع نفسه، ص 56.

[123] الصراف وحزبون، ص 24 هامش 1.

[124] علي، ص 67.

[125] المرجع نفسه، ص 53.

[126] المرجع نفسه، ص 57.

[127] فرج، المدخل، ص 178.

[128] علي، ص 83.

[129] فرج، المدخل، ص 181.

[130] علي، ص 84.

[131] الصده، ص 80؛ علي، ص 120-121؛ شروق عباس فاضل وسرى محمد هوبي، "الدور التكميلي للقواعد القانونية ذات المنشأ القضائي في القانون الإنكليزي"، مجلة جامعة الأنبار للعلوم القانونية والسياسية، مج 14، العدد 1 (2025)، ص 904.

[132] وسام صبار العاني، القضاء الإداري (بغداد: مكتبة السنهوري، 2015) ص 104-107.

[133] J. A. Jolowicz, “Adversarial and Inquisitorial Models of Civil Procedure,” International & Comparative Law Quarterly,vol. 52, no. 2 (2003), pp. 289-291.

[134] Wacks, p. 32.

[135] Ibid, p. 11.

[136] عبد الرزاق السنهوري، علم أصول القانون (القاهرة: مطبعة فتح الله إلياس نوري وأولاده، 1936)، ص 139.

[137] فايز محمد حسين محمد، التقاء الشرائع القانونية وتقارب القوانين (الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية، 2016)، ص 229.

[138] المرجع نفسه، ص 230-231.

[139] المرجع نفسه، ص 233.

[140] المرجع نفسه، ص 234.

[141] السنهوري، أصول القانون، ص 142.

[142] المرجع نفسه؛ السنهوري، أصول القانون، ص 140-141.

[143] فاضل وهوبي، ص 910.

[144] المرجع نفسه، ص 911.

[145] محمد، ص 235-236.

[146] Neil Andrews, “English Civil Procedure: A Synopsis,” Ritsumeikan Law Review, no. 25 (2008), pp. 6-7.

[147] يُنظر: محمد طه حسين الحسيني، "تطور نظام القضاء الموحَّد باتجاه القضاء المزدوج: إنكلترا والولايات المتحدة الأمريكية نموذجًا"، مجلة مركز دراسات الكوفة، مج 1، العدد 55 (2019)، ص 211-262.

[148] عثمان، ص 22.

[149] Mohammad Bashayreh, “The Authority of Judges under Shariah: Perspectives on Recent Legal Reforms in Saudi Arabia,” Manchester Journal of Transnational Islamic Law and Practice, vol. 18, no. 2 (2022), pp. 44-46.

[150] Kamali, pp. 238-239.


المحتويات

الهوامش