تسجيل الدخول

التفاوض



الموجز

التفاوض عملية تفاعلية بين طرفين أو أكثر يسعون إلى الوصول إلى حلول مستدامة لما بينهم من خلافات أو تضارب في المصالح، وذلك عبر الوصول إلى اتفاق مقبول عند الجميع. وتؤكد التعريفات المختلفة أن التفاوض ليس حدثًا عابرًا، بل عملية مستمرة تمر بمراحل عدّة، بدءًا من التحضير وحتى التنفيذ، وتشمل تلك العملية تبادل العروض وبناء التفاهمات. وتتطلب وجود أطراف متعددة ومصالح متعارضة، ويتمحور جوهرها حول صياغة قرار مشترك طوعي.

وثَمّ نظريات عدّة حول التفاوض، إذ ترى نظرية توازن القوى (Balance of power) أن لتوازن القوى دورًا رئيسًا في تحديد نتائج المفاوضات، فحين تكون القوى متقاربة، تزداد فرص التوصل إلى اتفاقات عادلة عبر استراتيجيات "الرابح-الرابح". أما في حال اختلال موازين القوى، فيُرجَّح أن يُفرَض على الطرف الأضعف اتفاقٌ مجحِف. وأما "نظرية الباتنا – أفضل بديل لاتفاق يُتوصَّل إليه عبر التفاوض" (Best Alternative to Negotiated Agreement- BATNA) فتؤكد أهمية وجود بدائل خارج العملية التفاوضية، تُستخدم لتعزيز الموقف التفاوضي، فيكون بإمكان المفاوض رفضُ الاتفاقات غير المجدية. وتُعالج النظريات المتعلقة بتوقيت التفاوض مثل "نظرية النضج" (Ripeness Theory) سؤالًا محوريًا: متى يكون التفاوض مجديًا؟ فبينما يفضِّل بعض المتفاوضين التفاوض الباكر لتقليل الخسائر، يرى آخرون أن التفاوض لا ينجح إلّا بعد استنزاف الأطراف ووصولهم إلى "جمود مؤلم" يفتح باب الحلول.

وفيما يتعلق باستراتيجيات التفاوض والمهارات المطلوبة لإنجاح العملية التفاوضية. ثمّ ست استراتيجيات تفاوضية رئيسة: المعادلة الصفرية (الرابح-الخاسر) (Zero Sum Negotiation)، وفيها يهدف كل طرف لتعظيم مكاسبه على حساب الآخر، حيث ما يكسبه طرف يخسره الآخر، والاستراتيجية التعاونية (الرابح-الرابح) (Integrative Strategy)، ومن خلالها تسعى الأطراف إلى تعظيم المنفعة المتبادلة من خلال التعاون، وتوظَّف في الشراكات طويلة الأمد أو في اتفاقيات السلام، واستراتيجية التكيّف (Accommodative Strategy)، وفيها يُقدّم أحد الأطراف تنازلات لحفظ العلاقات أو لتحقيق مصالح بعيدة المدى على غرار بعض الحالات الوظيفية أو السياسية، واستراتيجية حل المشكلات (Problem Solving) التي تركز على معالجة الأسباب الجذرية للمشكل من خلال التعاون، وتتطلب وقتًا ومواردَ، لكنها تُنتج حلولًا مستدامة، واستراتيجية التهرُّب والمماطلة (Avoidance Strategy) التي تُستخدم لإضاعة الوقت أو لتحقيق مكاسب غير مباشرة، على غرار بعض المفاوضات السياسية المطوّلة، والاستراتيجية الشرطية (Contingency Strategy) حيث تُربَط الخطوات بالتزامات محددة، وفقًا لمبدأ "إذا [...] فإن"، وتُستخدم في الحالات التي تفتقر إلى الثقة.

إضافة لما سبق، تؤدي الثقافة دورًا مهمًا في تشكيل الاستراتيجيات التفاوضية، إذ تختلف التوجهات بين الثقافات الفردانية والجماعية. ومن ناحية أخرى، تعزز المبادئ والقيم الأخلاقية، مثل المصداقية والعدالة، نجاح المفاوضات، خلافًا للأساليب اللاأخلاقية التي قد تُدمِّر مستقبل التفاوض.

تعريف التفاوض

في مقابل اتفاق الباحثين حول العناصر الأساسية التي تقوم عليها العملية التفاوضية، ما تزال ثمّ تباينات طفيفة في تعريف التفاوض. ففي هذا السياق، يعرّف وليام زارتمان ومورين بيرمان المفاوضات بأنها "عملية يشارك فيها طرفان أو أكثر لديهم خلاف ظاهر، ويسعون من خلالها إلى تحقيق نتيجة أفضل عبر عمل مشترك متفق عليه، مقارنة بما يمكنهم تحقيقه بطرق أخرى"[1]. ويعرف روي ليويكي وآخرون التفاوض بأنه "عملية يحاول من خلالها طرفان أو أكثر حلَّ مصالحهم المتعارضة عبر تعديل مطالبهم للتوصل إلى اتفاق مقبول من جميع الأطراف"[2]. على حين يذهب روبن وبراون إلى القول بأن "التفاوض هو عملية صنع قرار مشترك بين طرفين أو أكثر لا يمكنهم تحقيق أهدافهم منفردين"[3].

تُظهر التعريفات الثلاثة السابقة عناصر محورية لا يمكن تجاوزها في أي عملية تفاوضية، ومن أبرزها أن المفاوضات هي في جوهرها "عملية" (process)[4]، أي إنها ليست حدثًا عابرًا أو ظرفيًا مؤقتًا، بل هي سلسلة متتابعة من المراحل والأحداث، تتميز كل مرحلة منها بسمات ووظائف خاصة. وتشمل هذه المراحل، على سبيل المثال، مرحلة التحضير، ثم الشروع في التفاوض، يليها تبادل العروض والعروض المضادة، وصولًا إلى بلورة الحلول والاتفاق على التنفيذ، وغيرها من المراحل التي تندرج ضمن العملية التفاوضية. حتى أبسط أشكال التفاوض، مثل المساومة التجارية بين البائع والمشتري حول سلعة معينة، تضمّن مراحل متعددة، مثل البحث في الأسعار المتاحة في السوق، ثم تقديم عرض من طرف، والرد بعرض مضاد من الطرف الآخر، إلى أن يُتوصل إلى اتفاق نهائي، ما يوضح أن الطابع الإجرائي للمفاوضات يتسم بالاستمرارية والتدرج، لا بالعفوية أو الحدث المنفصل.

يظهر عنصر آخر من عناصر العملية التفاوضية، وفقًا لما توضحه التعريفات السابقة، وجود طرفين على الأقل، وهو الشكل الأبسط للمفاوضات وفقًا لعدد الأطراف المشاركة. غير أنّ المفاوضات قد تتسع لتشمل أكثر من طرفين، فيما يُعرف بـ"المفاوضات المتعددة الأطراف" (Multilateral Negotiations). ويكتسب هذا البُعد أهمية خاصة، لأن اتساع دائرة المشاركين يؤثر بدرجة كبيرة في الديناميات التي تحكم العملية التفاوضية وفي مجرياتها. فكلما زاد عدد الأطراف، تباينت الاهتمامات وتعددت الاحتياجات، ما يجعل نجاح التفاوض مرهونًا بالقدرة على تلبية متطلبات الأطراف جميعها، وهو تحدٍّ معقد وغير بسيط. كذلك فإن وجود أطراف متعددة يفتح المجال أمام نشوء ديناميات إضافية، من أبرزها بناء التحالفات بين بعض الأطراف، ما يؤدي بدوره إلى تغييرات في موازين القوى التي تضبط العملية التفاوضية. وتُعدّ موازين القوى من أهم المحددات التي قد تؤثر بصورة مباشرة في النتائج النهائية للمفاوضات، بل قد يصل الأمر إلى حدّ تحديد مسارها بالكامل.

أما العنصر المحوري الثالث في تعريف المفاوضات فيتمثل في وجود أهداف متناقضة بين الأطراف المشاركة، تسعى العملية التفاوضية إلى معالجتها. وقد تختلف درجة هذا التناقض من طرف إلى آخر، غير أنّ وجود تضارب في الأهداف والمطالب يظل عنصرًا جوهريًا يستدعي عقد المفاوضات ويؤثر بصورة مباشرة في مسارها. ومع ذلك، فإنّ طبيعة هذا التناقض تختلف، إذ تتباين التناقضات بين تناقضات حقيقية موضوعية قائمة بذاتها ومستقلة عن إدراك الأطراف، وتناقضات مدرَكة فقط، بمعنى أنها ليست واقعًا موضوعيًا بقدر ما هي نتاج لتصورات الأطراف وعواملهم الذاتية. وتبعًا لذلك، يستخدم زارتمان وبيرمان في تعريفهما للمفاوضات مصطلح "خلاف ظاهر"، في إشارة إلى أنّ الخلاف قد يبدو قائمًا دون الخوض في عدّه موضوعيًا أو ذاتيًا. ويُعدّ التمييز بين التناقض الموضوعي والمدرك أمرًا بالغ الأهمية في تحديد مسار المفاوضات ومصيرها، فحين يكون التناقض مدرَكًا ذاتيًا، فإن إمكانية حله تكون أكبر، وتكون احتمالية نجاح العملية التفاوضية أعلى بعد معالجة أثر الإدراك على الخلاف، أما التناقض الموضوعي القائم على الواقع، فيتطلب حلولًا إبداعية وآليات تفاوضية قادرة على تلبية احتياجات الطرفين أو إعادة توزيع الأهداف بينهما توزيعًا متوازنًا.

وتُعَدّ صناعة القرار المشترك إحدى السمات الجوهرية للعملية التفاوضية، إذ تتعاون الأطراف كافة للتوصل إلى توافق بشأن القضايا محل الخلاف. ويكتسب هذا البُعد أهميته من حقيقة أن التفاوض، في معظم حالاته، عملية تقوم على المشاركة الطوعية بين الأطراف، بما يمنحها حرية الانسحاب من مسار التفاوض. فهذا الطابع الطوعي للمشاركة في العملية التفاوضية يعكس درجة من الاستعداد عند الأطراف للانخراط في التفكير الإبداعي وتقديم التنازلات المتبادلة للتوصل إلى صيغة مقبولة من الأطراف جميعها. ومن ثمّ، فإن صناعة القرار حول الحل النهائي تُبنى على أسس التوافق والمشاركة الجماعية، بما يعزز فرص التزام الأطراف بتنفيذ الاتفاق، ويحول دون الاكتفاء بتوقيع شكلي عليه. كذلك تُدرِك الأطراف المتفاوضة أن اعتماد مبدأ القرار المشترك يمكّنها من الوصول إلى تسويات قد يتعذر تحقيقها بوسائل أخرى غير المفاوضات، لذا، فهي تختار الدخول طواعية في العملية التفاوضية، مستثمرةً ما يلزم من وقت وجهد لضمان نجاحها واستدامتها.

نظريات التفاوض

دفع الانشغال بشكل التفاوض الناجح وآلياته عددًا من الباحثين إلى محاولة صياغة نظريات واستراتيجيات، وأحيانًا المزج بينهما، للإجابة عن التساؤل المركزي المتعلق بإمكان توصُّل الأطراف المتفاوضة إلى اتفاقيات وحل الإشكالات التي تعترض مسار المفاوضات. وفي هذا السياق، تتمثل وظيفة النظرية في تقديم إجابات منهجية عن تساؤلات المفاوِض حول العوامل المؤثرة في العملية التفاوضية، وتلك التي تحدد فرصَ نجاحها أو فشلها، فضلًا عن كيفية الإعداد الأمثل الذي يمكّنه من زيادة احتمالات النجاح في مهمته التفاوضية.

وقد ركزت نظريات التفاوض على محاور مختلفة تعطي بمجملها الصورة الكلية للعملية التفاوضية، فمنها ما يركز على ديناميات التفاوض مثل نظرية توازن القوى، ومنها ما يدرس الخيارات البديلة للتوصل إلى اتفاق عبر التفاوض مثل نظرية "الباتنا"، منها أيضًا ما يدرس التوقيت الأنسب للتفاوض مثل تلك التي تتعلق بنضوج الصراع للتفاوض.

نظرية توازن القوى

تُعَدّ نظرية توازن القوى من أهم الأطر النظرية المؤثرة في جوهر العملية التفاوضية، إذ تسهم في تحديد مساراتها وفرص نجاحها أو فشلها، بل تسهم أحيانًا في صياغة شكل الاتفاقيات وجوهرها التي قد يُتوصل إليها بين الأطراف[5]. وتُعرَّف القوة في سياق التفاوض بأنها القدرة على التأثير في مخرجات العملية التفاوضية أو نتائجها. ولا يقتصر مفهوم القوة هنا على البُعد العسكري، رغم أهميته البالغة سياقات عدة، بل يشمل أشكالًا متعددة، من أبرزها القوة الناعمة (Soft power)، القائمة على الجاذبية والإقناع[6]، والقوة الذكية (Smart power) التي تمزج بين الأدوات الصلبة والناعمة[7]، إضافةً إلى الخيارات الاستراتيجية المتاحة أمام الأطراف المتفاوضة، وقدرتها على بناء التحالفات وتوظيف الموارد، وغيرها من مصادر القوة التي تُسهم في تشكيل مسار التفاوض ونتائجه.

تفترض نظرية توازن القوى، في سياق المفاوضات، أنّه كلما ازداد اختلال ميزان القوى بين الأطراف، ازدادت هيمنة المعادلة الصفرية على العملية التفاوضية، إذ يسعى الطرف الأقوى إلى فرض شروطه، على حين يجد الطرف الأضعف نفسه مضطرًا إلى تقديم التنازلات، لغياب قوة موازية تمكّنه من الصمود. وفي المقابل، كلما اقترب ميزان القوى من حالة التوازن بين الأطراف، برزت الاستراتيجيات التعاونية خيارًا مهيمنًا على العملية التفاوضية، إذ يتطلّب الأمر تعاونًا متبادلًا للتوصل إلى اتفاقات تحقق مكاسب مشتركة، أو ما يُعرف بصيغ "الرابح-الرابح" أو "كلهم رابح" (Win-Win). وبصياغة أخرى، تُعَدّ المفاوضات ونتائجها انعكاسًا مباشرًا لموازين القوى بين الأطراف في كثير من الأحيان[8]. ومن ثمّ، فإن أي طرف يسعى إلى تحقيق مكاسب تفاوضية معتبرة عليه في البدء أن يعمل على تعزيز رصيده من عناصر القوة، مقارنة بالطرف الآخر، قبل الدخول في العملية التفاوضية.

وتحدد نظرية توازن القوى كثيرًا من المفاوضات الدولية، ولا سيما تلك المرتبطة باختلال كبير في موازين القوى، مثل المفاوضات بين دول الجنوب العالمي والقوى ذات التاريخ الاستعماري الطويل التي تتفوق عسكريًا على تلك الدول. ومن ثمّ، فإن نتيجة المفاوضات بين هذه الأطراف ذات الاختلال الكبير في موازين القوى لا ترتبط بمهارة المفاوض ومكان التفاوض وتوقيته فقط، بل تطرح الأدبيات التفاوضية عوامل أخرى تؤثر في سير المفاوضات ونتيجتها. ويُشار هنا إلى أن القوة ليست تلك المرتبطة بالموازين العسكرية فقط، بل أيضًا سيطرة القوى الكبرى على النظام الدولي وما يتيحه من خيارات، مثل التحكم بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من خلال "حق النقض" (الڤيتو)، والمنظمات الدولية الأخرى، وهو ما لا يترك هامشًا كبيرًا لدول الجنوب العالمي تتحرك من خلاله للتغلُّب على التركيبة البنيوية ذات الاختلال بموازين القوى وتحقيق اتفاقات دولية عادلة لقضاياها ومواطنيها. لذا، فإن الكثير من المهارات والاستراتيجيات التفاوضية التي تتحدث عنها أدبيات التفاوض يجب أن تُؤخَذ في إطار يشهد ولو توازنًا بحدوده الدنيا من القوى ما بين الأطراف حتى تكون فاعلة ومؤثرة.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ومن الأمثلة التي توضح دور توازن القوى في المفاوضات حالةُ التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين. إذ يشهد الصراع بين الطرفين اختلالًا كبيرًا في موازين القوى، فانتهت هذه المفاوضات بتوقيع اتفاقية أوسلو (Oslo I Accord، 13 أيلول/ سبتمبر 1993)[9] التي حققت إسرائيل من خلالها مكاسب لم تحققها في حروب كثيرة، ومنها الاعتراف بها على الأراضي المحتلة عام 1948، على حين لم تسفر المفاوضات عن دولة فلسطينية في الأراضي التي احتلتها عام 1967، أي الضفة الغربية وقطاع غزة، ولا بعد عقود من توقيع الاتفاق، ولم تنسحب إسرائيل من هذه الأراضي، بل زادت فيها وتيرة الاستيطان وسلب الأراضي الفلسطينية بدرجة كبيرة. ويمكن مقارنة ذلك بالمفاوضات المصرية الإسرائيلية عام 1978، حيث كانت موازين القوى بين الطرفين أكثر تعادلًا حينئذٍ، ومن ثمّ، أسفرت عن انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي المصرية التي احتلتها عام 1967، فيما حصلت إسرائيل على اعتراف مصر بها، وكان ذلك أول اعتراف لدولة عربية بإسرائيل[10].

نظرية الباتنا – أفضل بديل لاتفاق يُتوصَّل إليه عبر التفاوض

يرتبط ارتباطًا وثيقًا بنظرية توازن القوى في المفاوضات ما يطلق عليه "نظرية الباتنا – أفضل بديل لاتفاق يُتوصَّل إليه عبر التفاوض"، ويمكن تعريفها بأنها الخيار الأفضل المتاح لطرف ما خارج إطار العملية التفاوضية، يمكنه اللجوء إليها في حال فشل المفاوضات أو عدم تحقيقها نتائج مُرضية. ومن ثمّ، يحدد هذا البديل الحدّ الأدنى المقبول لدخول الطرف إلى التفاوض أو انسحابه منه، ويعزّز قوته التفاوضية من خلال توفير خطة بديلة تمنع القبول باتفاق أسوأ من الخيارات المتاحة[11]. أي ترى هذه النظرية أنه إذا كان ثمّ بديل قوي خارج طاولة التفاوض فإن هذا يجعل المتفاوِض في موقع قوة، أما إذا انعدم البديل أو كان ضعيفًا، فسيكون المتفاوِض أكثر عُرضة للقبول باتفاق سيئ.

تسهم نظرية "الباتنا" في مساعدة المفاوِض في اتخاذ قرار الذهاب إلى المفاوضات من عدمه من جهة، كذلك في إمكان الدخول في اتفاقات قد يراها مجحفة من جهة أخرى. فمن خلال دراسة للخيارات البديلة خارج العملية التفاوضية، بإمكان المفاوض اتخاذ المسار التفاوضي المناسب. وترى نظرية "الباتنا" بأن على المفاوض ألّا يذهب إلى العملية التفاوضية إن لم تكن لديه خيارات أخرى، لأن ذلك يعني أنه ستُفرض عليه اتفاقات مجحفة. وعلى صعيد آخر، يجب على المفاوض تطوير استراتيجية لتقوية خياراته البديلة أولًا، وبعد ذلك يمكنه الذهاب إلى العملية التفاوضية. فالخيارات البديلة لا تكون بالضرورة بناء القوة العسكرية لتعديل موازين القوى، فللقوة أشكال كثيرة ومتعددة، منها بناء التحالفات والدخول في ترتيبات معينة مع أطراف أخرى لإيجاد البدائل، ثم بعد ذلك الدخول في مفاوضات ضمن موازين قوى معدَّلة نسبيًا.

كان لذهاب الفلسطينيين عام 1993 للتفاوض مع إسرائيل، مع إقرارهم بعدم وجود خيارات بديلة، أثرٌ في التوصل إلى اتفاق غير عادل، تمثّل في اتفاقية أوسلو التي حصلت بموجبها إسرائيل على اعتراف دولي بسيادتها على 78 في المئة من أرض فلسطين التاريخية، لكنها لم تعترف بدولة فلسطينية حتى على المتبقي من الأرض (22 في المئة).[12]

نظريات حول توقيت التفاوض

من نظريات التفاوض الأخرى هي تلك التي تتعامل مع توقيت التفاوض، وإن كان يصبح أكثر قابلية للنجاح في بداية الصراع أو بعد استثمار الأطراف المختلفة للمصادر وللوقت وللجهد. فثمّ من يرى أن أفضل توقيت لمفاوضات حل الصراع يكون في البداية، لأن الأطراف لم توظِّف بعد من المصادر ما يكفي لردعها لاحقًا عن التوصل إلى حل يبرر استخدام هذه المصادر[13]. فمن المعلوم أن الصراعات بأشكالها كافة تتطلب استخدام الكثير من المصادر، سواء أكانت بشرية أم مادية، فبعد هذا الاستخدام، تبدأ الأطراف البحث عن حلول تبرر التضحيات البشرية والمادية، أو على الأقل تسوّغها أمام جمهورها، حتى لا يظهر أنها قد خسرت الصراع، لذا تصبح الصعوبة مضاعفة لإيجاد صيغ تفاوضية حول حل يمكنه تبرير الخسائر والتضحيات التي قدمتها الأطراف جميعها. لهذه الأسباب، وقبل أن تتعاظم الخسائر، يرى هذا المنطق أن التفاوض الباكر هو الأسلم للحل وللوصول إلى تسوية عبر المفاوضات.

وعلى صعيد آخر، يرى المنتقدون للمفاوضات الباكرة أن التفاوض في بداية الصراع لا يترك مجالًا للأطراف لاختبار قدراتها الحقيقية، فيتوهَّم كلٌّ منهم أنه يستطيع حسم الصراع بالقوة العسكرية، دون تقديم تنازلات أو حتى التعاون مع الخصم لإيجاد حل، وبذلك تكون فرص النجاح في المفاوضات ضئيلة ويكون التفاوض، حسب هذا المنطق، هدرًا للوقت وللجهد وتعطيلًا للفرص المستقبلية للحل[14].

ويرى المنظرون للمفاوضات المتأخرة مثل وليام زارتمان، فيما يطلق عليه نظرية "نضوج الصراع"[15]، أن التوقيت الأفضل لنجاح المفاوضات يكون بعد اختبار قوة الأطراف ووصولها إلى مرحلة يتعذّر معها الحسم عسكريًا، مع عدم القدرة على مواصلة الاستثمار في الصراع. وتلك المرحلة، يطلِق عليها زارتمان "الجمود المؤلِم للطرفين" (mutually hurting stalemate)، وهي أكثر نقطة تكون مناسبة لتحقيق نجاح في المفاوضات، وذلك حين تقدَّم مقترحات حلول للخروج من المأزق الذي وقعت فيه الأطراف، بما يساعد على نجاح المفاوضات[16].

ويترتب على هذه النظرية آثار أخلاقية كبيرة. فالنظرية تعني ضمنيًا أن على الأطراف أن تخسر الكثير من الأرواح والمصادر الأخرى، وأن تُستنزَف على أكثر من صعيد قبل أن يكون ثمّ فرصة مواتية لنجاح المفاوضات في الحل. ومن ثمّ، فهي لا تشجع المفاوضات الباكرة التي يمكن أن تنقذ الأطراف من حرب مدمرة، وذلك لأنها ترى أن فرصة نجاح هذه المفاوضات غير قوية، وأنه ينبغي أن تبلغ الأطراف التفاوضية مرحلة من الاستنزاف تجعلها عاجزة عن مواصلة القتال، وأن يدخل الصراع في حالة من الجمود يتضرر منها الطرفان بطريقة مؤلمة، ليكون ثمّ مجال بعد ذلك للوساطة وللمفاوضات أن تقدما حلًا تقتنع الأطراف التفاوضية بالموافقة عليه.

لهذه الأسباب الأخلاقية، ينبغي ألا يكون التفاوض في مرحلة النضوج قرارًا أو خيارًا تأخذه الأطراف برفضها للتفاوض في مرحلة باكرة وقبل أن تتكبد الخسائر البشرية والمادية، بل يجب أن يكون وضعًا وجدت الأطراف نفسها فيه، بعد أن استنفدت جميع الجهود للتوصل إلى مفاوضات ناجحة بمرحلة باكرة من مراحل الصراع فيما بينهم.

استراتيجيات التفاوض

تعتمد العملية التفاوضية على استراتيجيات عدّة يحاول كل طرف فيها تحقيق غاياته منها. ومن أهم هذه الاستراتيجيات:

المعادلة الصفرية (التنافسية أو الرابح-الخاسر)

باستخدام هذه الاستراتيجية، يحاول كل طرف تفاوضي الحصول على أفضل نتيجة ممكنة مما يُتفاوَض عليه، وفي الغالب، يكون هذا أمرًا ذا قيمة ثابتة ومحددة[17]، كأن يجري التفاوض على قطعة أرض مثلًا، فما يكسبه الطرف الأول من مساحة الأرض يكون على حساب الطرف الثاني بالضرورة، لذا، تسمى بالمعادلة الصفرية.

من ميزات هذه الاستراتيجية تركيزها على المكاسب الملموسة بصرف النظر عمّا سيحدث من انعكاسات سلبية على العلاقة بين الطرفين. فكل طرف معني بتعظيم القيمة التي سيحصل عليها بصرف النظر عمّا يترك ذلك من أثر في الطرف الآخر، لذا، يلجأ كل طرف إلى حجب المعلومات عن الآخر لتضليله وإبعاده عن موقفه الحقيقي من الغرض المتفاوَض عليه. ويتخلل هذه الاستراتيجية تقديمُ العروض والعروض المضادة، حيث يلجأ الطرفان إلى الذهاب إلى الحدود القصوى من المطالب في البداية، ثم تبدأ التنازلات الطفيفة من كلا الطرفين للتوصل إلى اتفاق فيما بينهما[18].

ومن الأمثلة التي قد تُستخدم لإيضاح هذه الاستراتيجية في المفاوضات مثال شراء سيارة، إذ يحاول كل طرف الحصول على أفضل سعر وكل تقدم يحرزه طرف يكون على حساب الطرف الآخر.

الاستراتيجية التعاونية (الرابح-الرابح)

يلجأ المتفاوضون باستخدام هذه الاستراتيجية إلى خلق قيمة أو غاية عليا من القضية قيد التفاوض، تتعاون الأطراف للوصول إليها إذ تعود بالنفع المتبادل عليهم جميعًا، وليس لفائدة طرف على حساب الطرف الآخر، على غرار استراتيجية المعادلة الصفرية[19]. كذلك يُطلق على هذه الاستراتيجية "تكبير الكعكة" حتى تصبح كافية للجميع، إذ تحصل فيها الأطراف على أكثر مما يمكن أن تحصل عليه لو جرى الاستئثار بالكعكة. والهدف هنا هو النفع المتبادل وتعظيم المكاسب للأطراف جميعها، ومن ثمّ، يطلق عليها معادلة "الرابح-الرابح". وعليه، يركز المتفاوضون على التعاون لا التنافس، مع الاهتمام باستكشاف المصالح المشتركة لا المواقف التفاوضية الجامدة لكل منهم. وللوصول إلى هذا الهدف أو إلى القيمة الجديدة للقضية قيد التفاوض، فإن ذلك يتطلب إيجاد علاقات بناءة فيما بينهم، لأن العلاقات القوية القائمة على الثقة فيما بينهما هي التي ستسمح بالتعاون وبالنجاح في الوصول إلى أهداف جديدة ذات منفعة للجميع. فالمحافظة على العلاقات البناءة القوية للمتفاوضين هنا أهم من المواقف التفاوضية ذاتها.

وخلافًا لاستراتيجية المعادلة الصفرية التي تحجب فيها الأطرافُ المعلوماتِ، بعضُها عن بعض، يلجأ المتفاوضون في الاستراتيجية التعاونية إلى مشاركة المعلومات فيما بينهم، حتى يفهم كل طرف ماذا يريد الآخر بالتحديد، ثم يُفكّر بصيغ جديدة تلبّي احتياجات الأطراف جميعها واهتماماتها. وتحاول الأطراف باستخدام هذه الاستراتيجية الدخول معًا في تمارين من العصف الفكري والتفكير خارج الصندوق والنقاش لمقترحات وصيغ جديدة، حتى تتمكن من الوصول إلى غايتها، وتكون الاتصالات فيها بنّاءة ومتدفقة، لتسهيل عملية الاستكشاف للحلول الجديدة[20]. ففي مفاوضات السلام مثلًا، تزيد الأطراف من البنود المتفاوض عليها، مثل الحدود، والوصول إلى الموارد، والتمثيل السياسي، إذ يمكن الموازنة بين التنازلات في مجالٍ ما والمكاسب في مجال آخر.

ومن الأمثلة البارزة على الاستراتيجية التعاونية اتفاقيةُ السوق الأوروبية المشتركة بين دول الاتحاد الأوروبي، التي تهدف إلى إزالة الحواجز الجمركية وحرية التجارة والخدمات والأفراد، كذلك اتفاقات الشراكة التي يعقدها الاتحاد الأوروبي مع دول منفردة أو مجتمعة، واتفاقيات الشراكة الثنائية بين الدول والجامعات والمؤسسات وغيرها، إذ إن التعاون بين أطراف الشراكة لجلب المنفعة للجميع هو الهدف الأكبر الذي تتفاوض الأطراف للوصول إليه.

ومثال آخر من سوق العمل، أن يخبر المستأجر المالك بأنه يحتاج إلى خفض الإيجار لا للتوفير حسب، بل من أجل الاستثمار في تجديدات المتجر. فيعرض المالك تخفيض الإيجار مدة ستة أشهر مقابل عقد إيجار طويل الأجل، ما يحقق فائدة للطرفين.

استراتيجية التكيف

تركز هذه الاستراتيجية على بناء علاقات إيجابية بين الأطراف بوصفها أولوية على القضايا المتفاوَض عليها، كأن يقوم أحد الأطراف بتقديم مصالح طرف آخر على حساب مصالحه الخاصة، من أجل المحافظة على علاقات ودية أو تقليل التوتر بينهم، أو أن يتنازل عن مصالح آنية من أجل تحقيق فوائد استراتيجية بعيدة المدى[21]. وجوهر هذه الاستراتيجية افتراضها أنها وإن خسرت الأطراف على المدى المنظور فإن العلاقات الإيجابية التي يجب المحافظة عليها وتقويتها كفيلةٌ بأن تحقق مكاسب أكبر بكثير مما قد تخسره الأطراف في المستقبل، فضلًا عن أن التنازل الآنيَّ، ولو مع خسائر، سيوفر الثمن الذي ستدفعه الأطراف في حال استمرار التوتر وعدم الوصول إلى اتفاقية. فللتوتر وللصراع ثمنٌ تشترك الأطراف جميعها في دفعه في حالة استمرار الصراع. فاستراتيجية التكيف تساعد على بناء الثقة التي تمكّن الأطراف التفاوضية من أن تنجز الكثير عوضًا عن انعدام الثقة الذي يعطل الكثير من المشاريع المستقبلية.

ومن الأمثلة التقليدية على هذه الاستراتيجية قبول الموظف راتبًا أقل في المؤسسة التي سيعمل بها في مفاوضاته معها لأنه يؤمن برسالة المؤسسة، ويرى أن ثمّ أفقًا كبيرًا في المستقبل للتطوير المهني معها، ولتأمله أيضًا في النجاح بالمستقبل مع هذه المؤسسة، الذي سيؤهله للحصول على عوائد مادية أكبر بكثير من التي يتنازل عنها عند التعاقد.

كذلك قد يلجأ في الحروب أحدُ أطراف الصراع إلى التنازل، بالإعلان عن وقف أحادي لإطلاق النار مثلًا، في بادرة حسن نية وخطوة لبناء الثقة[22]، وذلك حتى يمهد لإيجاد أجواء إيجابية لمفاوضات مستقبلية.

استراتيجية حل المشكلات

تعتمد هذه الاستراتيجية على تعاون الأطراف بالدرجة الأولى لتحديد الأسباب الجذرية للمشكلة قيد التفاوض، والعمل معًا لإيجاد حلول تعالج المسببات، وهي بذلك تختلف عن الاستراتيجيات الأخرى، التي تقدّم تنازلات من الأطراف، في أنها استراتيجية علاجية للأسباب الجذرية للمشكلة، ما يؤدي إلى توفير حلول توصف في الغالب بأنها حلول مستدامة طويلة الأمد. وبما أنها استراتيجية علاجية للجذور، فهي تتطلب التعاون الفاعل من الأطراف من جهة، ومن جهة أخرى قد يُلجأ إلى تشكيل لجان عمل ولجان لتقصي الحقائق، ثم إلى الخبراء، للمساعدة على إيجاد الحلول المناسبة للمسألة قيد التفاوض[23].

في عملية التفاوض ضمن هذه الاستراتيجية، وبعد أن يُتعرف إلى الأسباب الجذرية للمشكلة التفاوضية، تصمم الأطراف حلولًا تراعي احتياجات الأطراف واهتماماتها، ضمن أسلوب تعاوني، لكي تضمن حرص الأطراف على التعاون في تنفيذ الحلول واستمراريتها في المستقبل.

ومن الميزات الإيجابية لهذه الاستراتيجية أنها تترك عند الأطراف حالةً من الرضا عن الحلول التي يُتوصّل إليها، بوصفهم المشاركين في تصميمها، وبذلك يدافعون عنها ويحمونها ويوفرون لها فرص النجاح مستقبلًا.

غير أن من أبرز التحديات التي تواجه هذه الاستراتيجية، بوصفها تعالج الجذور وتبحث عن حلول مستدامة، أنها تتطلب الكثير من الوقت والموارد المخصصة لإتمامها بنجاح، ولا سيّما إذا قُورنت باستراتيجيات تقاسم التنازلات والتكيُّف التي تُنجز الحلول بها في وقت قصير نسبيًا.

ومن الأمثلة على هذه الاستراتيجية اتفاقية "الجمعة العظيمة" (1998) التي استطاعت إيجاد حل للصراع في إيرلندا الشمالية، إذ قامت على تعاون كل من الطرفين البريطاني والإيرلندي.

استراتيجية التهرُّب والمماطلة

في استراتيجية التهرُّب والمماطلة، تتحول المفاوضات من وسيلة إلى هدف، أي من وسيلة لحل إشكاليات والوصول لاتفاقيات معينة إلى غاية بذاتها، إذ يهدف طرفٌ ما أو أطراف، من استمرارها، إما لإضاعة الوقت من أجل تحقيق أهداف أخرى، أو للحصول على معلومات من المتفاوضين، أو لإيصال رسالة سياسية باستعداد هذا الطرف للتفاوض وللوصول إلى حل سلمي، أو إلى أهداف أخرى خاصة بمن يستخدم هذه الاستراتيجية[24].

وفي هذه الاستراتيجية، يلجأ المتفاوضون إلى تكتيكات مثل التسويف وإغراق برنامج الاجتماعات بالتفاصيل الكثيرة، ووضع أهداف غير قابلة للتحقيق، وأحيانًا قد يلجؤون إلى اتهام الأطراف الأخرى بعدم الجدية في التفاوض أو عدم الحصول على التمثيل المناسب، وتحويل النقاش إلى منتدى للخطابات عوضًا عن مفاوضات جادة للوصول إلى تسوية معينة. ومن ثمّ، يغلَّف الجوُّ التفاوضي بمثل هذه الحالات السلبية من انعدام الثقة فيما بين الأطراف والأجواء المشحونة والنقاش العقيم والدوران في حلقات مفرغة.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ومن الأمثلة الشهيرة على هذه الاستراتيجية المفاوضاتُ الإسرائيلية-الفلسطينية التي قال فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحق شامير (Yitzhak Shamir، 1915-2012) في مقابلة مع صحيفة معاريف ​(Maariv) عام 1992، عن مشاركته في مؤتمر مدريد للسلام (Madrid Peace Conference، 30 تشرين الأول/ أكتوبر - 1 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1991) بسبب الضغط الدولي ولكي يتجنب عزلة دولية ويشتري وقتًا من أجل بناء المزيد من المستوطنات في الأراضي الفلسطينية: "كنت سأقوم بإجراء مفاوضات الحكم الذاتي مدة عشر سنوات، وفي تلك الأثناء كنا سنصل إلى نصف مليون نسمة في يهودا والسامرة [التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية]"[25]. لم يكن الهدف من المشاركة في المفاوضات ومؤتمر السلام، إذن، هو التوصل إلى اتفاقية وإنما المشاركة فقط في المفاوضات لتضليل الأطراف الدولية والحصول على مزيد من الوقت لبناء المزيد من المستوطنات. وبالفعل، استمرت المفاوضات لا عشر سنوات فحسب، بل عقودًا، دون التوصل إلى اتفاق سلام، وبقي الهدف هو المفاوضات ذاتها. وقد ارتفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس من 140 ألفًا وقت توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 إلى حوالي 700 ألف عام 2023[26].

الاستراتيجية الشرطية

تقوم الاستراتيجية الشرطية على مبدأ "إذا [...] فإن"، بمعنى أنه إذا حقق الطرف الأول وضعًا ما فيترتب على ذلك إجراء أو خطوات محددة من الطرف الآخر، وقد لا يكون ذلك مقتصرًا على خطوة واحدة يقابلها رد واحد من الطرف الآخر، بل تمتد أحيانًا إلى سلسة من الخطوات المرتبطة بردود معينة. وتتميز هذه الاستراتيجية بأنها تتعامل مع المستقبل، إذ تُستخدم في حالات اللايقين في الوقت الحاضر، بالإضافة إلى أن التنازلات فيها مرتبطة بالأداء[27]. فهي بذلك تتيح الفرصة لمراجعة التقدم في التنفيذ، وفي إمكان التعديل في الاتفاقيات أيضًا لتكون متناسبة مع الأداء الفعلي الممكن تطبيقه. كذلك تستخدم هذه الاستراتيجية على نحو خاص حين يكون ثمّ غياب للثقة بين الأطراف، أو حين تكون التسويات معقدة وطويلة الأمد، فيُلجأ إلى تجزئة الحل على خطوات ومراحل عدة ترتبط فيها التنازلات بالأداء، وذلك حتى يجري التأكد، بسبب غياب الثقة، من أن الطرف الأول ينفذ خطوات معينة، فيستجيب الطرف الثاني بإجراءات متناسبة مع فعل الطرف الأول وحسب المتفق عليه بينهما. ويُشار إلى أن "بناء الثقة" يحصل عندما تنجح الأطراف في تنفيذ الخطوات والمراحل التي اتُفق عليها، وبذلك، تنتقل المفاوضات من اللاثقة إلى بناء الثقة، في حالة النجاح، أو إلى تعميق اللاثقة في حالة الفشل.

ومن الأمثلة على هذه الاستراتيجية اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، التي نصت على مرحلة انتقالية مدة خمسة أعوام يتعاون فيها الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي للوصول إلى انسحاب إسرائيلي من الضفة الغربية وقطاع غزة وبناء السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية التي تسهم أيضًا في الحفاظ على أمن إسرائيل. وإذا نجح الطرفان في هذه المرحلة، ينتقل إلى نقاش قضايا الوضع النهائي المتمثلة بالقدس وباللاجئين وبالمستوطنات. وقد أظهرت التطورات اللاحقة أن المرحلة الانتقالية فشلت، وتعمّقت حالة انعدام الثقة بين الطرفين، ومن ثمّ، لم يُتوصل إلى اتفاق بشأن قضايا الوضع النهائي[28].

من الأمثلة الأخرى على هذه الاستراتيجية الاتفاقُ الإطاري عام 1994 بين الولايات المتحدة الأميركية وكوريا الشمالية، الذي بموجبه وعدت الولايات المتحدة بتوفير زيت الوقود الثقيل والمساعدة في بناء مفاعلَين نوويين يعملان بالماء الخفيف، مقابل أن تجمِّد كوريا الشمالية برنامجها البلوتونيومي وتفكّكه في النهاية إذا أوفَت الولايات المتحدة بتلك الالتزامات. لذا، فقد كان الاتفاق مشروطًا بأداء الطرفين، وفور أن يتهم أحدهما الآخر بعدم الالتزام تنعدم الثقة ثم ينهار الاتفاق[29].

عند الحديث عن هذه الاستراتيجية، لا بد أيضًا من استحضار مثال الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران عام 2015 الذي بُني الاشتراط فيه على أنه إذا التزمت إيران بتخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 3.65 في المئة، وسمحت لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالدخول إلى المنشآت النووية، فإن الولايات المتحدة سترفع العقوبات عن إيران تدريجيًا[30].

مهارات التفاوض

للتفاوض مهارات يجب أن يتحلى بها المفاوِض للنجاح في العملية التفاوضية. فضلًا عن أن من المهم الإشارة إلى أن كل استراتيجية مما أشير إليه سابقًا تتطلب مهارات خاصة بها، فاستراتيجية التهرُّب تحتاج إلى مفاوض يتقن المماطلة والتأجيل وعدم الحسم، واستراتيجية حل المشكلات تحتاج إلى مفاوضٍ يفكر خارج الصندوق، وهكذا. ومع ذلك، يتطلب التفاوض، عمومًا وبصرف النظر عن الاستراتيجية المستخدمة، مهاراتٍ يُفترض أن يتحلى بها المفاوض حتى ينجح بمهمته.

تعدّ مهارات التواصل الفاعل من أهم الصفات للمفاوض الناجح، وتضمّن القدرة على إيصال المعلومات والرسائل على نحو واضح وفاعل، والقدرة على قراءة الرسائل من الطرف الآخر، سواء أكانت الشفهية أم تعبيرات الجسد. إضافة إلى ذلك، يحتاج المفاوض إلى مهارات "الاستماع النشط"[31] (active listening)، أي القدرة على التفاعل مع المفاوضين الآخرين من خلال توجيه الأسئلة وإعادة الصياغة وقراءة المشاعر، لا الاستماع دون تعليق، وهي مهارة تساعد على بناء الثقة والمصداقية للمفاوض، بوصفها مؤشرًا على أنه يهتم ويسمع ويتفاعل، ويأخذ الطرف الآخر بجدية لا بإهمال أو تظاهر بالاستماع[32].

ويحتاج المفاوض الناجح أيضًا إلى مهارات التحليل والتفكير النقدي، التي تتطلب تجاوزه المواقفَ المسبّقة والصورَ النمطية، مع التوصل إلى حلول إبداعية ومفيدة للطرفين. فالمفاوض هنا بحاجة إلى أن يفكر لا في المواقف التفاوضية المعلنة للآخرين فحسب، وإنما في الاهتمامات والأسباب التي تحركها، وكيف له أن يتوصل إلى صيغ وتفاهمات تلبي احتياجات الأطراف جميعها من خلال التفكير بحلول إبداعية تتجاوز المواقف الرسمية للتفاوض. ويساعد العملُ على جمع البيانات والمعلومات والبحث عن الحقائق وتوقُّع السيناريوهات المحتمَلة المفاوض على النجاح في التحليل والتفكير النقدي[33].

ومن أهم المهارات التي يتسلح بها المفاوض الناجح أيضًا القدرة على الإقناع والتأثير. وهذا يضمّن إعادة تأطير المشكل قيد التفاوض وتعريفها، والقدرة على تقديمها للطرف الآخر بصورة تتوافق مع مصالحه واهتماماته[34]. فالمفاوض المقنِع يعيد صياغة فهم المشكلة إذ يمكِّن الطرف الآخر من رؤيتها من زوايا أخرى لم تكن واضحة له. كذلك تمتد القدرة على التأثير إلى أطراف أخرى معنية بالمشكل، ولا تقتصر على مفاوِضي الطرف الآخر فحسب، فينسج المفاوض التحالفات التي يمكنها التأثير في الطرف الآخر. فضلًا عن أن القدرة على الإقناع والتأثير لا تنفصل عن المصداقية التي على المفاوض التحلي بها، والتي تؤهله لعقد الاتفاقيات والدخول في ترتيبات لتنفيذها، إذ إن من الصعب جدًا على الأطراف المتفاوضة الدخول في اتفاقيات والتزامات مع من لا يمتلك المصداقية والثقة للالتزام بها وتنفيذها.

ومن المهارات الرئيسة الأخرى التي على المتفاوض امتلاكها الصبرُ والمثابرة وعدم اليأس، لأن طبيعة العملية التفاوضية شاقة وطويلة ومرهقة ذهنيًا وجسديًا، ولا بد للمفاوض أن يكون ذا نفس طويل فيبذل أقصى جهده ويعيد الكرة مرات ومرات. يرتبط بذلك أيضًا القدرة على ضبط النفس وضبط المشاعر، إذ لا يُستفَز المفاوض بسهولة، ولا تفضحه مشاعره وتعبيرات وجهه. وعلى المفاوض أن يحافظ على هدوئه وتوازنه حتى في أكثر المراحل تحديًا وصعوبة[35]. فهو هنا لا يعمل بمفرده، بل في الغالب مع فريق، ما يتطلب امتلاك مهارة التنسيق والعمل مع الفريق، لكي يكون الأداء متناغمًا والمخرجات تصب في مصلحة الفريق بوصفه كلّاً. إضافة إلى ذلك، لا بد للمفاوض من امتلاك قيم التعامل الحميد، مثل الصدق والاحترام والتقدير لمن هم حوله، حتى يظل الفريق متماسكًا ولتحقيق المصداقية التي قد تدفع الخصم إلى الدخول في اتفاقيات ومعاهدات. وربما يجد المفاوض نفسه في كثير من الأحيان يفاوض أشخاصًا من ثقافات مختلفة، لذا، عليه الإلمام بالجوانب الثقافية للفريق الآخر، ما سيؤهله لكسب ثقة الطرف الآخر واحترامه، والتركيز على محتوى الاتفاقية والجوانب الثقافية المتعلقة بها أيضًا.

الثقافة والتفاوض

إن الثقافة، وفقًا لما يعرفها فاور وروبن، هي "مجموعة المعاني والقيم والمعتقدات المشتركة والدائمة التي تميّز المجموعات الوطنية أو العرقية أو غيرها من الجماعات"[36]. وبهذا المعنى، لا يمكن الفصل بين المفاوضات والثقافة، التي تقوم بدور العامل المستقل الذي يؤثر في العملية التفاوضية بوصفه عاملًا تابعًا أو متغيرًا. فالثقافة تتفاعل تقريبًا مع كل مراحل العملية التفاوضية، بدءًا بمرحلة التحضير للتفاوض، مرورًا بتنفيذ العملية التفاوضية ذاتها، وانتهاءً بالمخرجات التي يسفر عنها تفاوض الأطراف فيما بينها. بل إن أدير وبريت وآخرون يذهبون للقول إن الثقافة هي التي تشكل الاستراتيجية التفاوضية التي تستخدمها الأطراف المختلفة وتحددها[37]. وبناءً عليه، فإن من الخطأ الفادح للمفاوض الذهاب إلى العملية التفاوضية دون الإلمام بالجوانب الثقافية للأطراف الأخرى، أي الاهتمامات المصلحية والعادات والتقاليد والأعراف والدين والسلوك والأولويات وغيرها من جوانب الحياة التي تتداخل بها الثقافة وتؤثر بها.

وعلى العموم، يمكن التفريق بين الثقافة الجماعية (collectivism) التي تتميز بها المجتمعات في البلدان العربية وبلدان شرق آسيا، مثل الصين، والثقافة الفردانية (individualism) التي تغلب على المجتمعات الغربية، الأوروبية منها والأميركية. إذ تعرف الثقافة الجماعية بأنها تلك التي يرى فيها الأفرادُ أنفسَهم جزءًا من مجموعةٍ (مثل العائلة، أو القبيلة، أو المجتمع، أو الأمة)، لا أفرادًا مستقلين. وفي الثقافات الجماعية، تُعدّ قيمُ الولاء للجماعة، والحفاظ على الانسجام، وأداء الأدوار الاجتماعية، وإعطاء الأولوية لأهداف المجموعة على المصالح الشخصية قيمًا أساسية[38]. أما الثقافة الفردانية فهي تلك التي يرى فيها الأفرادُ أنفسَهم مستقلين وذاتيي القرار، إذ يكون التركيز على الأهداف وعلى الحقوق وعلى الإنجازات الشخصية أكثر من مصالح الجماعة. وفي هذه الثقافة، تُعرَّف الهوية بدرجةٍ أكبر من خلال الصفات الشخصية، لا من خلال الانتماء إلى الجماعة، ويُقدَّر التعبير عن الذات وعن المنافسة وعن المبادرة الفردية تقديرًا عاليًا[39]. ولهذين النوعين من الثقافة تأثير مباشر في المفاوضات على مستويات مختلفة.

أما من ناحية الأهداف، فتركز المفاوضات في الثقافة الفردانية على تحقيق نتائج ملموسة، مثل الحصول على عقود وامتيازات مالية ومنافع واضحة، كذلك يمتد التركيز على تحقيق المكاسب الفردية والأهداف الشخصية. على حين أن الأهداف التفاوضية في الثقافة الجماعية تتركز على بناء العلاقات والثقة والانسجام والروابط طويلة الأمد، ونجاح التفاوض في هذه الثقافة يُقاس بتعزيز الروابط الاجتماعية وإن كان على حساب المكاسب الفورية، غير أن من الضروري هنا توضيح أن ذلك لا يعني أن المكاسب الملموسة ليست مهمة في ثقافة التفاوض الجماعية، وإنما يعني أن الروابط الاجتماعية أهم ولا يُفترض التضحية بها لتحقيق مكاسب آنية[40].

كذلك تختلف الثقافتان في أساليب التواصل التفاوضية، إذ تعتمد الثقافة الفردانية أسلوب التواصل المباشر والصريح غير المعتمد على التفسيرات الإطارية للمعنى، فرفض العروض مباشرة لا يعدّ أمرًا مستهجنًا ثقافيًا. أما في حالة الثقافة الجماعية، فإن الاتصالات التفاوضية تتم بشكل ضمني وغير مباشر، وتعتمد التفسيرات الإطارية الثقافية، ويبتعد المفاوض عن المواجهة المباشرة ويعبر عن الرفض للعروض بطريقة سلسة تتجنب الإحراج وتحافظ على العلاقات[41].

وفي مجال الاستراتيجيات والتكتيكات التفاوضية، تميل الثقافة الفردانية إلى استخدام معادلة الرابح-الرابح، وإلى التفكير بحلول "خارج الصندوق"، وإلى استخدام البيانات والإحصائيات والعقود القانونية، وإلى استخدام استراتيجية الإقناع والجدل للتوصل إلى اتفاقية. وعلى صعيد آخر، تميل الثقافة الجماعية إلى التركيز على استراتيجيات التكيف والتسوية وحفظ ماء الوجه والاعتماد على الثقة عنصرًا أساسيًا لأي تسوية، فبناء العلاقات وتمتينها بين المفاوضين استراتيجية تفاوضية مهمة في الثقافات الجماعية حتى لو خسرت الأطراف بعض المكتسبات المادية. كذلك فإن تمكين المكانة الاجتماعية للمتفاوضين واحترامها عامل لا ينفصل عن العملية التفاوضية. فإذا أعطى المفاوض كلمة شفهية إلى الأطراف الأخرى، سيكون لها القوة ذاتها التي يتصف بها العقد المكتوب، الذي تشدد عليها الثقافات الفردانية، لأن احترام الكلمة والوفاء بالوعد يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالمكانة الاجتماعية للمفاوض[42].

حتى في عامل الوقت التفاوضي، يلاحظ أن الثقافة الفردانية تميل إلى استغلال الوقت واستخدامه على المدى القصير، إذ يأخذ المفاوض في الحسبان إنجازَ اتفاق بأسرع وقت ممكن وأقصر أوان، لأن "الوقت مالٌ" عنده، على حين تركز الثقافة الجماعية على الوقت على المدى الطويل، إذ تبنى علاقات متينة بين المفاوضين قبل الشروع بنقاش المواضيع قيد التفاوض، ومن ثمّ، فهي تتعامل مع الوقت بمرونة أكثر من الثقافة الفردانية.

ومن الضروري الانتباه إلى أنه لا يمكن افتراض أن أبناء الثقافة الواحدة، سواء أكانت فردانية أم جماعية، جميعهم سيتصرفون تمامًا الطريقة ذاتها، إذ إن الثقافة متحركة وليست جامدة، فهي تتأثر بالمكان والتاريخ والإطار الذي تجري فيه المفاوضات، بالإضافة إلى الفروق الفردية بين الأشخاص التي قد تؤثر بالأساليب التفاوضية للمفاوضين[43].

الأخلاق والتفاوض

كثيرًا ما تظهر في التفاوض بعض "المآزق الأخلاقية"، مثل الموازنة بين قول الحقيقة والتضليل الاستراتيجي، والموازنة بين المكاسب الشخصية والنتائج الجماعية، إضافة إلى التعامل مع الاختلافات الثقافية في المعايير الأخلاقية، وهي تحديات لا يسهل التعامل معها في حال الالتزام بالمعايير الأخلاقية في التفاوض[44].

تكتسب المفاوضات سمعة في النقاش العام بأنها عملية غير أخلاقية تمتاز باستخدام أساليب ملتوية وتكتيكات غير أخلاقية من أجل هزيمة الخصم وتحقيق مكاسب كبيرة من خلال المفاوضات. ويصعب إنكار أن كثيرًا من المفاوضات في العالم الواقعي، سواء أفي المجالات السياسية أم الاقتصادية أم غيرها، يسودها الكثير من الممارسات والمنهجيات غير الحميدة، ويستطيع مَن يلجأ إلى مثل هذه التكتيكات -إن استخدمها بمهارة عالية- أن يحقق مكاسب مادية ولا سيّما على المستوى القصير.

ومن الممارسات اللاأخلاقية الشائعة في التفاوض الكذب حول الموضوع الخلافي ومدى الاهتمام به، والخداع بعرض معلومات مضللة، واستغلال الطرف الآخر (ولا سيّما في أوضاع تفاوضية تختل فيها موازين القوى)، وتوظيف المشاعر واستغلالها للحصول على مكاسب معينة، والتنمر والإرباك للطرف الآخر خلال التفاوض. وقد تحقق هذه الممارسات مكاسب آنية للمفاوض، غير أنها تحمل آثارًا سلبية كبيرة على من يمارسها، تصل أحيانًا إلى درجة تدمير مستقبله التفاوضي. ومن أهم هذه الآثار أنها، أولًا، تُفقِده سمعته ومصداقيته، إذ يصعب على العديد من الأطراف الأخرى الدخول معه في مفاوضات جادة أو التوصل إلى اتفاقيات معه. ثانيًا، تُلحِق هذه التكتيكات اللاأخلاقية ضررًا بالغًا بالعلاقات بين الأطراف التفاوضية، وهي العلاقات التي بإمكانها، إذا كانت متينة، حل كثير من المشاكل المستعصية. ثالثًا، تؤدي اللاأخلاقيات التفاوضية إلى انعدام الثقة فيمن يمارسها، وهو ما يركز عليه كثير من الأدبيات التفاوضية مع التشديد على أهمية بناء الثقة بالمفاوض من أجل نجاح المفاوضات. آخرًا، تعاني الكثير من الاتفاقيات التي يُتوصَّل إليها عبر ممارسات لاأخلاقية عدمَ القدرة على الصمود والاستمرارية، إذ تنهار سريعًا ولا سيّما بعد الكشف عن ممارسات لاأخلاقية ما شابت العملية التفاوضية[45].

وعلى صعيد آخر، تؤدي الممارسات الأخلاقية في العملية التفاوضية، مثل الأمانة والسمعة الحسنة والإنصاف، إلى عكس ما ذُكر آنفًا، إذ تعزز الثقة بين الأطراف، وهي عامل يسهم بدرجة كبيرة في نجاح المفاوضات، وفي بناء المصداقية للمفاوض الأخلاقي، ما تساعده على التوصل إلى اتفاقات وحلول، وإن كانت صعبة، فضلًا عن تشجيع الأطراف للدخول معه في مفاوضات جادة بسبب مصداقيته. إضافة إلى ذلك، تسهم الممارسات الأخلاقية التفاوضية في بناء علاقات متينة طويلة الأمد تساعد المفاوض على تحقيق مكاسب كبيرة في محطات تفاوضية مستقبلية. وعليه، يمكن التمييز بين النهجين الأخلاقي واللاأخلاقي في المفاوضات من خلال القول إن النهج اللاأخلاقي قد يساعد المفاوض على تحقيق مكاسب آنية، لكنه يجعله يواجه صعوبة كبيرة في الدخول في مفاوضات مع أطراف لا تثق به. أما المفاوض الذي يتبع النهج الأخلاقي فسيجد دومًا مَن يفاوضه ويدخل معه في اتفاقيات، ومن ثمّن يمكنه تحقيق مكاسب عديدة وطويلة الأمد[46].

إضافة لذلك، فإن من أهم ميزات التفاوض الأخلاقي الإنصاف، بوصفه مفهومًا محوريًّا في عملية التفاوض، لا يقتصر على النتائج التوزيعية (مَن يحصل على ماذا)، بل يشمل أيضًا شرعية العملية (أي اتسامها بالشفافية، والاحترام، والشمولية، والعدالة الإجرائية)[47]. وحصول عملية التفاوض على الشرعية يعزز الثقة بمخرجاتها ويجعلها أكثر قابلية للاستمرار والديمومة.

وللتفاوض الأخلاقي مناهجَ مهمة، منها التركيز على القواعد وعلى القوانين العادلة التي تحكم العملية التفاوضية، والتركيز على المبدأ في عملية التفاوض، وهو أهم من التركيز فقط على الموضوع محل الخلاف، وكذلك على حقوق المفاوضين بوصفها قضايا مصانة بصرف النظر عن المكاسب المحدودة. كذلك من المهم الإيفاء بالوعود التي قد تُعطى خلال العملية التفاوضية فلا يُتنكَّر لها لاحقًا. ولا بد من السعي إلى التوصل إلى حلول عادلة إلى حد ما، نظرًا لأن العدالة تزيل كثيرًا من العقبات التي ربما تواجهها العملية التفاوضية.

ومن المناهج الأخرى التي تسهم في بناء مفاوضات أخلاقية تركيز المفاوض على محاولة التوصل إلى اتفاقيات تستفيد منها الأطراف التفاوضية جميعها، أو ما يسمى بصيغة الرابح-الرابح. إذ يعزز التوصل إلى اتفاقيات فيها منفعة الجميع دورَ القيم والأخلاق في المفاوضات، ويشجع على ديمومة الاتفاقية مع تحسين فرصها في التنفيذ. كذلك يعزز المفاوض من الاستمرار في إجراء مفاوضات تحكمها القيم والأخلاق، من المهم أن يتسم بالصفات الشخصية الأخلاقية في عملية التفاوض، مثل الأمانة والثقة والصدق والاحتكام للمبادئ[48].

وعند الحديث عن التفاوض والأخلاق، فلا بد من التطرق الى الجدل الدائر حول التفاوض الآلي والذكاء الاصطناعي واتصاله بالعدالة التفاوضية في السياق الرقمي. فقد شهدت السنوات الأولى من العقد الثالث في القرن الحادي والعشرين انتقالاً من التفاوض البشري الى دخول نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل مصالح الأطراف وتصميم عروض تفاوضية وتكييف لاستراتيجيات التفاوض وجمع بيانات عن سلوك المتفاوضين. ومع أن هذه النماذج تعد بكفاءة وانتاجية عاليتين، فإنها تثير تساؤلات أخلاقية كثيرة تتركز بمعظمها على ثلاث إشكاليات: أولاً، العدالة الإجرائية المتعلقة بمدى شفافية العملية التفاوضية وعدم فهم الكيفية التي يتخذ بها التفاوض الآلي قراراته. ثانيًا، عدالة التوزيع وفيما إذا كان الذكاء الاصطناعي يوزع توزيعًا عادلًا أم أن الكفة تميل إلى صالح الطرف الأقوى الذي لديه بيانات أكثر ونفوذ تقني أكبر. ثالثًا، عدالة الاعتراف التي تعنى بمدى احترام الخوارزميات للهويات وللعادات وللأعراف وللخصوصيات وللسياقات الثقافية لأطراف التفاوض أو ما إذا كانت تعمل وفقًا لنماذج غربية مسيطرة لا تتلاءم مع ثقافات محلية أخرى. بالإضافة إلى ما تقدم فإن التفاوض أصلًا هو افتقاد التفاوض الآلي للمشاعر الإنسانية، فالتفاوض ليس عملية ميكانيكية ومصالح فقط وإنما مشاعر وعواطف وهوية وثقة متبادلة وفهم لأسباب الطرف الآخر ومعاناته[49].

وفي الوقت ذاته، لا بدّ من الاعتراف بأن التفاوض الآلي مسألةٌ حديثة العهد ظهرت في السنوات الأخيرة ومن البديهي أنه سيسودها كثير من الشوائب ولا سيّما المحاذير الأخلاقية منها. وعليه، فلا بد من خضوع العملية برمتها للتطوير وللتعامل مع الجوانب الأخلاقية فيها، فلا تترك للشركات المتحكمة في تصميمها ولا يفرز انحياز الخوارزميات تسويات تغلب مصلحة الطرف الأقوى، ولا بد أيضًا من أخذ السياقات الثقافية والمحلية في الحسبان فلا تتحول العملية الى أداة جديدة للهيمنة وللعولمة الثقافية للجهة المسيطرة على عملية التصميم والإنتاج.

المراجع

“30 Years After Oslo – The Data That Shows How the Settlements Proliferated Following the Oslo Accords.” Peace Now. 11/9/2023, at: https://acr.ps/hByaQXj

Adair, Wendi et al. “Culture and Negotiation Strategy.” Negotiation Journal. vol. 20, no. 1 (2004). pp. 87-111.

Adler, Nancy J. & Zeynep Aycan. “Cross-Cultural Interaction: What We Know and What We Need to Know.” Annual Review of Organizational Psychology and Organizational Behavior. vol. 5 (2018). pp. 307-333.

Bara, Corinne, Govinda Clayton & Siri Aas Rustad. “Understanding Ceasefires.” International Peacekeeping. vol. 28, no. 3 (2021). pp. 329-340.

Brett, Jeanne M. & Tetsushi Okumura. “Inter- and Intracultural Negotiation: U.S. and Japanese Negotiators.” Academy of Management Journal. vol. 41, no. 5 (1998). pp. 495-510.

Faure, Guy Olivier & Jeffrey Z. Rubin (eds.). Culture and Negotiation: The Resolution of Water Disputes. Newbury Park, CA: Sage Publications, 1993.

Fawcett, Louise (ed.), International Relations of the Middle East (Oxford: Oxford University Press, 2005).

Fisher, Roger, William Ury & Bruce Patton. Getting to Yes: Negotiating Agreement Without Giving In. New York: Penguin Books, 2011.

Gibin, Marta, Emmanouil Krasanakis & Kęstutis Grumodas. “Negotiating AI Fairness: A Call for Rebalancing Power Relations.” AI & Society, vol. 41, (2025). pp. 2119-2136.

Hoffman, David. “Shamir Plan Was to Stall Autonomy.” TheWashington Post. 26/6/1992, at: https://acr.ps/hByaQHG

Hofstede, Geert. Culture’s Consequences: Comparing Values, Behaviors, Institutions, and Organizations Across Nations. Newbury Park, CA: Sage Publications, 2001.

Irmer, Cynthia & Daniel Druckman. “Negotiation Outcomes: Process or Context?” Negotiation and Conflict Management Research. vol. 2, no. 3 (2008). pp. 209-235.

Jensen, Keld. The Elements of Negotiation: 103 Tactics for Everyone to Win in Each Deal. Hoboken: Wiley, 2024.

Kalin, Ilker & Malek Abduljaber. “The Determinants of Negotiation Commencement in Civil Conflicts.” Journal of Conflict Transformation & Security. vol. 8, no. 1 (2020). pp. 86-112.

Lewicki, Roy J., David M. Saunders & Bruce Barry. Negotiation. New York: McGraw-Hill Education, 2023.

Martin, Curtis H. “Rewarding North Korea: Theoretical Perspectives on the 1994 Agreed Framework.” Journal of Peace Research. vol. 39, no. 1 (2002). pp. 51-68.

Menkel-Meadow, Carrie & Michael Wheeler, (eds.). What’s Fair: Ethics for Negotiators. San Francisco: Jossey-Bass, 2004.

Moore, Christopher W. The Mediation Process: Practical Strategies for Resolving Conflict, 4th ed. San Francisco, CA: Jossey-Bass, 2014.

Nye, Joseph S. Jr. Soft Power: The Means to Success in World Politics. New York: PublicAffairs, 2004.

Nye Joseph S. Jr, The Future of Power. New York: PublicAffairs, 2011.

Pruitt, Dean G. & Peter J. Rubin. Social Conflict: Escalation, Impasse, and Resolution. New York: Random House, 1986.

Rahim, M. Afzalur. Managing Conflict in Organizations, 4th ed. New Brunswick, NJ: Transaction Publishers, 2011.

Rubin Jeffrey Z. & Bert R. Brown. The Social Psychology of Bargaining and Negotiation. New York: Academic Press, 1975.

Sandole, Dennis J. D. & Hugo van der Merwe (ed.). Conflict Resolution Theory and Practice: Integration and Application. Manchester: Manchester University Press, 1993.

Stern, Paul C. & Daniel Druckman (ed.). International Conflict Resolution after the Cold War. Washington: National Academy Press, 2000.

Shell, G. Richard. Bargaining for Advantage: Negotiation Strategies for Reasonable People. New York: Penguin, 2018.

Siagian, Erwin I., Muhammad C. Nurkarim & Nadia Maharani. “Persuasive Communication in Business Negotiations: Strategies and Techniques.” Ilomata International Journal of Social Science. vol. 5, no. 2 (2024). pp. 428-443.

Thompson, Leigh L. The Mind and Heart of the Negotiator. London: Pearson, 2020.

United Nations Treaty Series Collection. Treaty of Peace Between the Arab Republic of Egypt and the State of Israel. Washington, D.C., March 26, 1979. 1136. no. 17813.

United Nations. Israeli-Palestinian Interim Agreement on the West Bank and the Gaza Strip (Oslo II). 28/9/1995.

Valadbaygi, Kayhan. “Unpacking the 2015 Iran Nuclear Deal (JCPOA): Internationalisation of Capital, Imperial Rivalry and Cooperation, and Regional Power Agency.” Politics. vol. 45, no. 2 (2023). pp. 202-222.

Yassine-Hamdan, Nahla & Frederic Pearson. Arab Approaches to Conflict Resolution: Mediation, Negotiation, and Settlement of Political Disputes. Abingdon, UK: Routledge, 2014.

Zartman, I. William & Maureen R. Berman. The Practical Negotiator. New Haven: Yale University Press, 1982.

Zartman, I. William & Jeffrey Z. Rubin, (eds.). Power and Negotiation. Michigan: University of Michigan Press, 2000.

[1] I. William Zartman & Maureen R. Berman, The Practical Negotiator (New Haven: Yale University Press, 1982).

[2] Roy J. Lewicki, David M. Saunders & Bruce Barry, Negotiation (New York: McGraw-Hill Education, 2023).

[3] Jeffrey Z. Rubin & Bert R. Brown, The Social Psychology of Bargaining and Negotiation (New York: Academic Press, 1975).

[4] Roger Fisher, William Ury & Bruce Patton, Getting to Yes: Negotiating Agreement Without Giving In (New York: Penguin Books, 2011)

[5] I. William Zartman & Jeffrey Z. Rubin, (eds.), Power and Negotiation (Michigan: University of Michigan Press, 2000).

[6] Joseph S. Nye Jr., Soft Power: The Means to Success in World Politics (New York: PublicAffairs, 2004).

[7] Joseph S. Nye Jr., The Future of Power (New York: PublicAffairs, 2011).

[8] Lewicki, Saunders & Barry, op. cit.

[9] United Nations, Israeli-Palestinian Interim Agreement on the West Bank and the Gaza Strip (Oslo II), 28/9/1995, accessed on 21/6/2026, at: https://acr.ps/hByaQE8

[10]United Nations Treaty Series Collection, Treaty of Peace Between the Arab Republic of Egypt and the State of Israel. Washington, D.C., March 26, 1979, 1136, no. 17813.

[11] Fisher, Ury, & Patton, op. cit.

[12] يُنظر:

United Nations, Israeli-Palestinian Interim Agreement on the West Bank and the Gaza Strip (Oslo II),op. cit.

[13] Ilker Kalin & Malek Abduljaber, “The Determinants of Negotiation Commencement in Civil Conflicts,” Journal of Conflict Transformation & Security, vol. 8, no. 1 (2020), pp. 86-112.

[14] I. William Zartman, “Ripeness: The Hurting Stalemate and Beyond,” in: Paul C. Stern & Daniel Druckman (ed.), International Conflict Resolution after the Cold War (Washington: National Academy Press, 2000).

[15] Zartman, “Ripeness: The Hurting Stalemate and Beyond,” op. cit.

[16] Ibid.

[17] Lewicki, Saunders & Barry, op. cit.

[18] Ibid

[19] Dean G. Pruitt & Peter J. Rubin, Social Conflict: Escalation, Impasse, and Resolution (New York: Random House, 1986).

[20] Fisher, Ury, & Patton, op. cit.

[21] M. Afzalur Rahim, Managing Conflict in Organizations, 4th ed. (New Brunswick, NJ: Transaction Publishers, 2011).

[22] Corinne Bara, Govinda Clayton & Siri Aas Rustad, “Understanding Ceasefires,” International Peacekeeping, vol. 28, no. 3 (2021), pp. 329-340.

[23] Cynthia Irmer & Daniel Druckman, “Negotiation Outcomes: Process or Context?” Negotiation and Conflict Management Research, vol. 2, no. 3 (2008), pp. 209-235.

[24] Lewicki, Saunders & Barry, op. cit.

[25] David Hoffman, “Shamir Plan Was to Stall Autonomy,” TheWashington Post, 26/6/1992, accessed on 21/6/2026, at: https://acr.ps/hByaQHG

[26] “30 Years After Oslo – The Data That Shows How the Settlements Proliferated Following the Oslo Accords,” Peace Now, 11/9/2023, accessed on 21/6/2026, at: https://acr.ps/hByaQXj

[27] Lewicki, Saunders & Barry, op. cit.

[28] Avi Shlaim, “The Rise and Fall of the Oslo Peace Process,” in: Louise Fawcett (ed.), International Relations of the Middle East (Oxford: Oxford University Press, 2005).

[29] Curtis H. Martin, “Rewarding North Korea: Theoretical Perspectives on the 1994 Agreed Framework,” Journal of Peace Research, vol. 39, no. 1 (2002), pp. 51-68.

[30] Kayhan Valadbaygi, “Unpacking the 2015 Iran Nuclear Deal (JCPOA): Internationalisation of Capital, Imperial Rivalry and Cooperation, and Regional Power Agency,” Politics, vol. 45, no. 2 (2023), pp. 202-222.

[31] Christopher W. Moore, The Mediation Process: Practical Strategies for Resolving Conflict, 4th ed (San Francisco, CA: Jossey-Bass, 2014).

[32] Leigh L. Thompson, The Mind and Heart of the Negotiator (London: Pearson, 2020).

[33] Fisher, Ury, & Patton, op. cit.

[34] Erwin I. Siagian, Muhammad C. Nurkarim & Nadia Maharani, “Persuasive Communication in Business Negotiations: Strategies and Techniques,” Ilomata International Journal of Social Science, vol. 5, no. 2 (2024), pp. 428-443.

[35] Keld Jensen, The Elements of Negotiation: 103 Tactics for Everyone to Win in Each Deal (Hoboken: Wiley, 2024).

[36] Guy Olivier Faure & Jeffrey Z. Rubin (eds.), Culture and Negotiation: The Resolution of Water Disputes (Newbury Park, CA: Sage Publications, 1993).

[37] Wendi Adair et al., “Culture and Negotiation Strategy,” Negotiation Journal, vol. 20, no. 1 (2004), pp. 87-111.

[38] Geert Hofstede, Culture’s Consequences: Comparing Values, Behaviors, Institutions, and Organizations Across Nations (Newbury Park, CA: Sage Publications, 2001).

[39] Ibid.

[40] Nancy J. Adler & Zeynep Aycan, “Cross-Cultural Interaction: What We Know and What We Need to Know,” Annual Review of Organizational Psychology and Organizational Behavior, vol. 5 (2018), pp. 307-333.

[41] Nahla Yassine-Hamdan & Frederic Pearson, Arab Approaches to Conflict Resolution: Mediation, Negotiation, and Settlement of Political Disputes (Abingdon, UK: Routledge, 2014).

[42] Jeanne M. Brett & Tetsushi Okumura, “Inter- and Intracultural Negotiation: U.S. and Japanese Negotiators,” Academy of Management Journal, vol. 41, no. 5 (1998), pp. 495-510.

[43]Kevin Avruch & Peter W. Black, “Conflict Resolution in Intercultural Settings: Problems and Prospects,” in: Dennis J. D. Sandole & Hugo van der Merwe (ed.), Conflict Resolution Theory and Practice: Integration and Application (Manchester: Manchester University Press, 1993).

[44] Carrie Menkel-Meadow & Michael Wheeler, (eds.), What’s Fair: Ethics for Negotiators (San Francisco: Jossey-Bass, 2004).

[45] Lewicki, Saunders & Barry, Negotiation, pp. 155-184

[46] G. Richard Shell, Bargaining for Advantage: Negotiation Strategies for Reasonable People (New York: Penguin, 2018).

[47] Menkel-Meadow & Wheeler, op. cit.

[48] Lewicki, Saunders & Barry, op. cit.

[49] Marta Gibin, Emmanouil Krasanakis & Kęstutis Grumodas. “Negotiating AI Fairness: A Call for Rebalancing Power Relations,” AI & Society, vol. 41, (2025), pp. 2119-2136.

المحتويات

الهوامش