القانون الدولي الإنساني (International Humanitarian Law)، ويعرف أيضًا باسم قانون النزاعات المسلحة، هو مجموعة من القواعد القانونية الدولية التي تهدف إلى الحد من آثار النزاعات المسلحة، إذ ينظم هذا القانون سلوك أطراف النزاع، ويحمي الأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، أو الذين كفّوا عن المشاركة فيها، كما يفرض قيودًا على وسائل الحرب وأساليبها.
نشأ القانون الدولي الإنساني مستندًا إلى فكرة واقعية، وهي أنه إذا كان يستحيل منع الحرب نهائيًا، فإنه يتعين الحد من ويلاتها والتخفيف منها.
يهدف هذا القانون إلى تحقيق توازن بين الضرورات العسكرية والاعتبارات الإنسانية في النزاعات المسلحة بنوعيها الدولي وغير الدولي، فهو لا يمنع الحرب ذاتها، بل يسعى إلى تنظيمها من خلال حماية المدنيين والجرحى والمرضى وأسرى الحرب. وحماية الممتلكات المدنية والأعيان الثقافية والحد من استخدام الأسلحة التي تسبب معاناة غير ضرورية.
يرتكز القانون الدولي الإنساني على عدة مصادر اتفاقية، أهمها: اتفاقيات جنيڤ الأربع لعام 1949، والبروتوكولات الإضافية لعام 1977، والمعاهدات الدولية الخاصة بحظر أو تقييد أسلحة معينة. ويقوم على عدد من المبادئ الإنسانية، هي: مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ التناسب ومبدأ الضرورة العسكرية، ومبدأ الإنسانية.
ماهيته
تعريفه
القانون الدولي الإنساني، أو القانون في الحرب (Jus in Bello)، أو قانون النزاع المسلح (Law of Armed Conflict)، أو قانون الحرب (Law of War)، كلها مصطلحات مترادفة في المعنى، وتُشير إلى ذلك الفرع من فروع القانون الدولي العام الذي يفرض لأسبابٍ إنسانية قيودًا على سلوك المتحارِبين، بهدف الحدّ من المعاناة والدمار الناجمَيْن عن اندلاع النزاع المسلح[1].
وإذا كان مصطلحُ "قانون الحرب" أقدمَ هذه المصطلحات ظهورًا، وساد خلال المرحلة التي كان فيها تطبيق القانون الدولي الإنساني مرتبطًا بشكلية إعلان حالة الحرب، فإنه نادرًا ما يُستخدَم حاليًا، إذ حلّ محلّه المصطلح الأكثر قبولًا وانتشارًا، وهو القانون الدولي الإنساني، إضفاءً للطابع الإنساني على قواعده، وتأكيدًا لغايته الأساسية التي تستهدف حماية الأفراد من آثار الحروب وأهوالها[2]. في المقابل، يُفضّل كثير من الأكاديميين ذوي الخلفية العسكرية استخدام مصطلح "قانون النزاع المُسلّح"، بوصفه قانونًا يحكُم سَيْر العمليات العدائية، ويحظر أو يُقيّد وسائل وأساليب قتال مُعيّنة[3].
وبعيدًا عن جدل المصطلحات، يُعرف القانون الدولي الإنساني بأنه "مجموعة من القواعد الدولية التي تُنظّم سير العمليات العدائية، وتحمي الأشخاص الذين لا يشتركون في الأعمال العدائية أو كَفُّوا عن المشاركة فيها"[4]. ويقترب من هذا التعريف، تعريفُ اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي عرّفته بأنه "مجموعة من القواعد التي ترمي إلى الحدّ من آثار النزاعات المسلحة لدوافع إنسانية". ويحمي هذا القانون الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرةً أو بشكل فعّال في الأعمال العدائية، أو الذين كَفُّوا عن المشاركة فيها مباشرةً أو بشكل فعّال. كذلك فإنه يفرض قيودًا على وسائل الحرب وأساليبها[5]. من خلال هذه التعريفات، تتبيّن الأهداف الرئيسة للقانون الدولي الإنساني، وهي:
- حماية الأفراد غير المشاركين بصورة مباشرة في الأعمال العدائية؛ أي المدنيين.
- حماية المقاتلين الذين كَفُّوا عن المشاركة في الأعمال العدائية؛ أي المقاتلين الجرحى أو المرضى أو المنكوبين في البحار والأسرى.
- حماية الأعيان التي لا تدعم الأعمال العدائية؛ أي الأعيان المدنية.
- وضع قيود على حقّ أطراف النزاع في اختيار وسائل القتال وأساليبه.
وبالعودة إلى التاريخ قليلًا، يتبيّن أن القانون الدولي الإنساني صُنّف إلى فرعَيْن أساسيَّيْن: يُسمّى الأول قانون لاهاي، ويتضمّن مجموعة القواعد التي تُنظّم حقوق المحاربين وواجباتهم في أثناء سير العمليات العدائية، والتي تحدّ من وسائل القتال وأساليبه بما لا يتجاوز الضرورة العسكرية. وأهم معاهداته: اتفاقيات لاهاي لعامَي 1899 و1907، ولوائح لاهاي المُلحَقة بها؛ أما الفرع الثاني فيُسمّى قانون جنيڤ، ويتألّف من القواعد التي تحمي ضحايا النزاع المسلح، مثل العسكريين الذين أصبحوا عاجزين عن القتال، والمدنيين الذين لا يشاركون أو الذين كَفّوا عن المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية. وتتركّز أحكامه أساسًا في اتفاقيات جنيڤ الأربع لعام 1949. والواقع أن التفرقة الصارمة بين القانونَيْن لم تعد قائمة الآن إلى حدٍّ كبير، مع اعتماد البروتوكولَيْن الإضافيَّيْن لعام 1977، اللذَيْن مزجا قانونَي لاهاي وجنيڤ، وتضمَّنا قواعدَ تتعلق بوسائل القتال وأساليبه، وأخرى تحمي الأشخاص والأعيان[6].
تطوره التاريخي
ظاهرةُ الحربِ قديمةٌ قِدَم التاريخ، وقد حاولت الحضارات والديانات كلها الحَدَّ من آثارها المدمّرة، عن طريق إخضاع المحاربين لقواعد عُرفية ومدوّنات شرف واتفاقيات محلية أو مؤقتة مع العدو[7]. فالإسلام واليهودية والحضارات الصينية واليونانية القديمة وغيرها[8]، عرفت عددًا من القيود والمبادئ ذات الأبعاد الإنسانية التي يجب مراعاتها في أثناء القتال؛ فقد نصَّ العهد القديم (التوراة) في سفر التثنية على حظر تدمير الأشجار (20: 19-20) أو قتل الأسرى (21: 10-14)، وعلى وجوب توفير الغذاء والماء للأسرى حتى يُطلَق سراحهم (الإصحاح 23)؛ وفي الحضارة الصينية القديمة، أكّد القائد العسكري سون تزو (544-496 ق. م) أن جيوش العدو فقط هي التي يجب مهاجمتها، وأن المدن لا تُهاجَم إلا في حالة عدم وجود بديل[9]؛ وفي الهند القديمة، كانت مجموعة مانو تُحرّم مهاجمة العدو في أثناء نومه أو إذا استسلم أو وقع في الأسر، وتُحرّم تدنيس الجُثث وقتل الأشخاص العاجزين جسديًا أو عقليًا؛ وبالمثل، فقد حرَّمت الحضارة اليونانية استخدام الأسلحة المسمومة[10]؛ أما في أفريقيا القديمة، فكان للمقاتل ميثاق شرف يُحدّد سلوكه في أثناء الحرب، ويُحرّم الاعتداء على الغير ونقض العهد والغدر[11].
أما الشريعة الإسلامية، فتزخر بمجموعة من المبادئ والأحكام التي تستهدف تطبيق الاعتبارات الإنسانية في الحرب، من ذلك أنها كفلت حماية المدنيين وغير المقاتلين، وبيَّنت أن الاستهداف في أثناء القتال لا يكون إلا ضد من يُقاتل من الأعداء[12]. ويتضح ذلك من قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة: 190). وبدا الامتثال لمبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين واضحًا أيضًا عندما فتح المسلمون مكة المكرمة، إذ نهى النبي محمد وقتئذٍ عن قتل الجرحى والأسرى ومطاردة الفارّين، وأمَّن مَن أغلق بابه[13]. كذلك كان النبيُّ إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه قائلًا: "اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا"[14]. إضافة إلى ذلك، حظرت الشريعة التدمير العشوائي لممتلكات العدوّ إذا لم تقتضِه ضرورة عسكرية، وعَدّه الفقهاء المسلمون نوعًا من الفساد في الأرض المنهيّ عنه شرعًا. وهذا ما ذهب إليه الإمام الأوزاعي (88-157هـ/ 707-774م) بقوله: "لا يحلّ للمسلمين أن يفعلوا شيئًا مِمّا يرجع إلى التخريب في دار الحرب، لأن ذلك فساد، والله لا يُحبّ الفساد"[15]. أمرت الشريعة الإسلامية أيضًا بحُسن معاملة الأسرى، ومنعَت إذلالهم أو إهانتهم بما يمسّ كرامتهم، وحرَّمت تعذيبهم للحصول على معلومات عسكرية. ويتبيّن ذلك من قول الرسول: "واستَوْصوا بالأسارى خيرًا"[16].
هنري دونان
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أبراهام لنكولن
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
في المقابل، لم تبدأ قواعد القانون الدولي الإنساني المُدوّن بالظهور إلا بعد منتصف القرن التاسع عشر، مع اعتماد اتفاقية جنيڤ عام 1864 بشأن تحسين حال جرحى الجيوش في الميدان، بمبادرة من رجل الأعمال السويسري هنري دونان (Henry Dunant، 1828-1910)، الذي أرعبه مشهد ساحة معركة سولفرينو[17]، فبادر لإنشاء "اللجنة الدولية لمساعدة الجرحى"، التي أصبحت تُسمى فيما بعد اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والتي كان أوّل إنجاز لها عقد مؤتمر دولي عام 1864، أدّى إلى تبنّي اتفاقية جنيڤ سالفة الذكر[18]. وباعتماد هذه الاتفاقية، وافقت الدول لأول مرة في التاريخ على الحدّ من سلطتها في زمن الحرب لمصلحة حماية الأشخاص في معاهدة إنسانية ذات تطبيق عالمي[19]. وفي الوقت نفسه تقريبًا عام 1863، وعلى وقع أهوال الحرب الأهلية الأميركية، كلّف الرئيس الأميركي الأسبق أبراهام لنكولن (Abraham Lincoln، 1809-1865) المحامي الألماني الأميركي فرانسيس ليبر (بالألمانية: Francis Lieber، 1800-1872) بكتابة القواعد الأساسية للحرب في دليل عسكري لقوّات الاتحاد. وشكَّل هذا الدليل الذي عُرف فيما بعد بـ"مدوّنة ليبر" مصدرَ إلهام وركيزة أساسية لِما سيُعرف لاحقًا بقانون لاهاي، الذي دوَّن القواعد التي تحكُم وسائل الحرب وأساليبها[20].
ولم تكد تمضي أربعة أعوام على توقيع اتفاقية جنيڤ لعام 1864، حتى شهدت مدينة سان بطرسبورغ ولادة إعلان سان بطرسبورغ لعام 1868، بشأن حظر قذائف المُتفجّرات التي يقلّ وزنها عن 400 غرام في زمن الحرب. وما يُميّز هذا الإعلان أحكامُه وعباراته التي ما زال يتردّد صداها حتى اليوم، وتُشكّل مبادئَ أساسيةً للقانون الدولي الإنساني، إذ نصَّ الإعلان على أن "الهدف المشروع الوحيد الذي يتعيَّن على الدول أن تسعى إلى تحقيقه أثناء الحرب، هو إضعاف القوات العسكرية للعدو"، وأنه "يكفي لتحقيق هذا الغرض جعل أكبر عدد ممكن من الجنود عاجزين عن القتال"، وأنه "يُعَدّ تجاوُزًا لهذا الهدف استخدام أسلحة تزيد من دون فائدة معاناة الجنود العاجزين عن القتال، أو تجعل موتهم محتومًا"[21].
وقبل نهاية القرن التاسع عشر، ومع التقدّم العلمي السريع في تطوير الأسلحة والأنفاق المتزايد عددها، عُقد مؤتمر لاهاي الأول للسلام عام 1899 بمبادرة من الحكومة الروسية، من أجل مناقشة قضايا السِّلم والحرب. كان الغرض الرئيس لذلك المؤتمر تهيئة ظروف تَحُول دون نشوب حروب أخرى، من خلال إلزام الدول بعرض منازعاتها على التحكيم الدولي. وناقش عددًا من المسائل المتعلقة بسير العمليات العدائية، ونجح في اعتماد اتفاقية بشأن الحرب البرّية وأعرافها، أُلحقت بها لائحة تضمَّنت عددًا من القواعد المتعلقة بالحرب البرّية، منها على سبيل المثال: تحديد فئات الأشخاص الذين يدخلون في عداد المقاتلين، ومعاملة أسرى الحرب، والقيود المفروضة على اختيار وسائل القتال وأساليبه، وبعض القواعد الأساسية بشأن حماية المدنيين، والقواعد التي يتعيّن احترامها في حالة الاحتلال والحرب. ومن نتائج المؤتمر أيضًا، اعتماده إعلانًا يحظر نوعًا جديدًا من الأعيرة النارية يُعرَف برصاص دمدم، وهي أعيرة تتمدّد أو تتفلطح بسهولة في جسم الإنسان، وقادرة على إحداث إصابات تُماثل في بشاعتها المقذوفات التي حُظرت في إعلان سان بطرسبورغ عام 1868[22].
وفي عام 1907، انعقد مؤتمر لاهاي الثاني للسلام، وحضره مُمثّلون عن 44 دولة. استهدف المؤتمر مواصلة تطوير المبادئ الإنسانية التي استند إليها مؤتمر عام 1899، وأُكِّد خلاله على ضرورة تنقيح الأحكام المُتّفق عليها في مؤتمر 1899 وتطويرها، فضلًا عن تنظيم جوانب أخرى للحرب. وفعلًا، تحقّقت هذه الأهداف، ونُقّحت اتفاقيات عام 1899، مع اعتماد 10 معاهدات جديدة، منها: اتفاقية تسوية النزاعات الدولية بالطرق السلمية (اتفاقية لاهاي الأولى)؛ واتفاقية قوانين وأعراف الحرب البرية (اتفاقية لاهاي الرابعة)؛ واتفاقية تكييف اتفاقية جنيڤ مع الحرب البحرية (اتفاقية لاهاي العاشرة)[23].
وعلى وقع الانتهاكات الجسيمة للاتفاقيات الإنسانية في الحرب العالمية الأولى، تكثَّفت الجهود الرامية إلى تدوين قواعد الحرب وأعرافها وتطويرها، فاعتُمد في عام 1925 بروتوكول حظر الغازات الخانقة أو السامّة أو غيرها من الغازات والوسائل البكتريولوجية في الحرب، وهو أول معاهدة رئيسة تحظر اللجوء إلى سلاح مُعيّن. كذلك أُبرمت في 27 تموز/ يوليو 1929 أول اتفاقية شاملة لحماية أسرى الحرب، هي اتفاقية جنيڤ بشأن معاملة أسرى الحرب، ودخلت حيّز النفاذ في 19 حزيران/ يونيو 1931. وشهدت الفترة ذاتها أيضًا مراجعة اتفاقية جنيڤ لعام 1906، من خلال اعتماد اتفاقية تحسين حال جرحى العسكريّين في الميدان، في 29 تموز/ يوليو 1929[24]. وقد تضمَّنت الاتفاقية أحكامًا جديدة بشأن حماية الطائرات الطبية، واعتُرف بشعارات الهلال الأحمر والأسد والشمس بالنسبة إلى الدول التي كانت تستخدمها بدلًا من شعار الصليب الأحمر[25].
وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، التي شهدت أعمالًا وحشية فظيعة لم تُرتكَب ضد المقاتلين الجرحى والأسرى ومن استسلموا فحسب، بل كذلك ضد ملايين المدنيّين في الأراضي المُحتلّة، اعتمَد المؤتمرُ الدبلوماسيُّ المُنعقد في جنيڤ، بمبادرةٍ من لجنة الصليب الأحمر ودعوةٍ من الحكومة السويسرية، اتفاقيات جنيڤ الأربع، وهي: اتفاقية تحسين حال الجرحى والمرضى في القوات المسلحة في الميدان (اتفاقية جنيڤ الأولى)؛ واتفاقية تحسين حال جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة في البحار (اتفاقية جنيڤ الثانية)؛ واتفاقية معاملة أسرى الحرب (اتفاقية جنيڤ الثالثة)؛ واتفاقية بشأن حماية الأشخاص المدنيّين في وقت الحرب (اتفاقية جنيڤ الرابعة)[26]. وتُعَد الاتفاقيات الأربع من أكثر الاتفاقيات التي صُدّق عليها عالميًا، إذ انضمَّت إليها -حتى عام 2026- 196 دولة، كان آخرها دولة فلسطين عام 2014.
واستمرّت مسيرة تطوير قواعد القانون الدولي الإنساني وتعزيزها، عندما عُقد في عام 1974 في جنيڤ المؤتمر الدبلوماسي المعنيّ بتأكيد وتطوير القانون الدولي الإنساني واجب التطبيق في النزاعات المسلّحة[27]. وقد عَقد المؤتمر أربع دورات سنوية، وضع خلالها -استنادًا إلى مسودات قدّمَتْها اللجنة الدولية للصليب الأحمر- نصَّ معاهدتَيْن على هيئة بروتوكولَيْن إضافيَّيْن مُلحَقَيْن باتفاقيات جنيڤ الأربع لعام 1949، وهما: البروتوكول الإضافي الأول، ويتعلّق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية؛ والبروتوكول الإضافي الثاني، ويتعلّق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية[28]. ويحتوي كلاهما على مزيج من قانونَي لاهاي وجنيڤ، فضلًا عن قواعد تتعلّق بحقوق الإنسان. وقد اعتُمد البروتوكولان في 8 حزيران/ يونيو 1977، ودخلا حيّز النفاذ في 7 كانون الأول/ ديسمبر 1978[29].
وخلافًا لاتفاقيات جنيڤ الأربع، لم تُحقّق البروتوكولات الإضافية قَبولًا عالميًا، إذ انضمَّت إلى البروتوكول الإضافي الأول 174 دولة، لم يكن من ضمنها عدد من الدول المُهمّة عسكريًا مثل الولايات المتحدة الأميركية وإيران والهند؛ في حين انضمّت إلى البروتوكول الإضافي الثاني 169 دولة؛ أما البروتوكول الإضافي الثالث لعام 2005 بشأن اعتماد شارة مميزة جديدة هي البلورة الحمراء، فكان الأقل من حيث الدول الأطراف بـ76 دولة[30].
ورافقت الجهودَ التي بُذلت لتحسين حماية حقوق ضحايا النزاعات المسلحة، جهودٌ أُخرى تمثَّلت في إبرام عدد من الاتفاقيات والبروتوكولات، التي تحظر أو تُقيّد تطوير أسلحة مُعيّنة أو تخزينها أو استخدامها، مثل اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة الجرثومية (البيولوجية) والسّموم وتدميرها لعام 1972؛ واتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية أو لأي أغراض عدائية أخرى لعام 1976؛ واتفاقية حظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية مُعيّنة يمكن عَدّها مُفرطةَ الضرر أو عشوائية لعام 1980؛ وبروتوكولاتها الخمسة التي حظرت أنواعًا مُعيّنة من الأسلحة التقليدية والذخائر أو قيّدتها، مثل: الشظايا التي لا يمكن الكشف عنها بالأشعة السينية (البروتوكول الأول)، والألغام والأشراك الخداعية والنبائط الأخرى (البروتوكول الثاني)، والأسلحة المُحرِقة (البروتوكول الثالث)، وأسلحة الليزر المُسبّبة للعمى (البروتوكول الرابع)، والمتفجّرات من مخلّفات الحرب (البروتوكول الخامس)؛ واتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين واستعمال الأسلحة الكيميائية وتدميرها لعام 1993؛ واتفاقية حظر استعمال وتخزين وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد وتدميرها لعام 1997؛ واتفاقية الذخائر العنقودية لعام 2008؛ ومعاهدة تجارة الأسلحة لعام 2013؛ ومعاهدة حظر الأسلحة النووية لعام 2017.
وباستثناء المعاهدات التي تناولت وسائل القتال وأساليبه في العقود القليلة الماضية، لم تتمكّن الدول منذ عام 1977 من الاتفاق على مراجعة عامّة للقانون الدولي الإنساني لتكييفه بشكل أفضل مع حقائق الحرب الحديثة[31]. ومع ذلك، في الآونة الأخيرة، أسهم القانون الدولي الجنائي، والاجتهادات القضائية للمحاكم الجنائية الدولية التي أُنشِئت لتطبيقه، فضلًا عن المعاهدات المتعلّقة بقضايا مُحدّدة مثل الأسلحة والأطفال والتراث الثقافي، في التطوير التدريجي لقواعد القانون الدولي الإنساني وآلياته[32].
مبادئه
يقوم القانون الدولي الإنساني أساسًا على الموازنة الدقيقة بين الضرورات العسكرية والاعتبارات الإنسانية. ويتفرّع عن احترام هذه المعادلة عددٌ من المبادئ ذات الطابع العُرفي المُلزِم للدول كافة، التي يجب مراعاتها في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.
مبدأ الإنسانية
يستند مبدأ الإنسانية (The Principle of Humanity) إلى فكرة مفادها أنه بمجرد إنجاز غرض عسكري مُعيّن، فلا يوجد داعٍ للتسبُّب بمزيد من الأذى والمعاناة للأعداء. وعلى هذا الأساس، فمتى أصبح المقاتل عاجزًا عن القتال بسبب إصابته أو أسره، تُحظَر مواصلة توجيه هجمات نحوه. وللسبب نفسه، يُقرِّر مبدأ الإنسانية الحصانة للمدنيّين والأهداف المدنية من الهجوم المباشر، فهم لا يسهمون في العمل العسكري، ولا يؤدي استهدافهم إلى إضعاف القوة العسكرية للخصم[33].
إذن، يؤكد مبدأ الإنسانية أن الخصوم يصبحون عند القبض عليهم أو إصابتهم أُناسًا عاديّين، يجب معاملتهم معاملةً إنسانية. ولا يجوز السماح للغرائز الإنسانية مثل الغضب أو العداوة أو الانتقام، أن تؤثر في معاملة هؤلاء الأفراد الذين لم يعودوا قادرين على مواجهة عدوّهم أو الدفاع عن أنفسهم[34].
مبدأ الضرورة العسكرية
يتطلّب مبدأ الضرورة العسكرية (The Principle of Military Necessity) من أطراف النزاع، أن تتّخذ حصرًا التدابير اللازمة لإضعاف العدوّ وإلحاق الهزيمة به، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تدمير العدو أو قوّاته المسلحة أو ممتلكاته بالكامل[35]، فللتغلُّب على طرف مُعادٍ في الحرب، قد يكون من الضروري من الناحية العسكرية التسبّب في الوفاة والإصابة والتدمير، مع فرض تدابير أمنية أشدّ مِمّا يُسمَح به في زمن السِّلم. ولكنَّ مبدأ الضرورة لا يمنح أطراف النزاع حقًّا مُطلقًا في استخدام ما يشاؤون من وسائل القتال وأساليبه، بل تفرِض الاعتباراتُ الإنسانيةُ قيودًا مُعيّنة على ذلك[36].
من ناحية أخرى، لا يجوز لأي طرف من أطراف النزاع أن يتذرَّع بمبدأ الضرورة العسكرية لتبرير انتهاكات القانون الدولي الإنساني، والانحراف عن قواعده سعيًا لتحقيق مزية عسكرية باستخدام وسائل محظورة {{مثلًا، لا تُبرّر الضرورة العسكرية قتل أسرى الحرب، حتى عندما تَقبِض عليهم خلف خطوط العدو وحداتٌ خاصة لا تستطيع إجلاءهم بالطريقة التي تتطلبها اتفاقية جنيڤ.}}. وهذا ما أكدته المحكمة العسكرية الأميركية في "قضية الولايات المتحدة ضد ليست"، من أن "الضرورة العسكرية أو المصلحة العسكرية لا تُبرّر انتهاك القواعد الموضوعية"[37].
مبدأ التمييز
يستند مبدأ التمييز (The Principle of Distinction) إلى فكرة أن "الغرض المشروع الوحيد الذي تستهدفه الدول أثناء الحرب، هو إضعاف قوات العدو العسكرية"، في حين أن الأشخاص المدنيّين يتمتّعون بحماية عامّة ضد الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية. ومن ثم، يجب على أطراف النزاع أن "تُميّز في جميع الأحوال بين السُّكّان المدنيّين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ومن ثم تُوجّه عملياتها ضد المقاتلين والأهداف العسكرية دون غيرهم"[38]. وعليها أن تحظر الهجمات ضد المساكن المدنية والمحلّات التجارية والمدارس والجامعات ودُور العبادة ووسائل النقل والمستشفيات والمراكز الطبية، ما لم تُستخدَم لأغراض عسكرية.
ويُشكّل مبدأ التمييز أساسًا لكثير من قواعد القانون الدولي الإنساني، مثل حظر الهجمات العشوائية أو استخدام المدنيّين دروعًا بشرية، وإلزام المقاتلين بتمييز أنفُسهم عن المدنيين، من خلال استخدام الزي الرسمي وغيره من الشارات المرئية التي تُميّزهم بوصفهم عسكريّين بطبيعتهم، وتجنّب وضع الأهداف العسكرية داخل المناطق المأهولة بالسكان أو بالقرب منها[39].
الاحتياطات
ينصّ البروتوكول الإضافي الأول على التزام أطراف النزاع ببذل رعاية متواصلة في إدارة العمليات العسكرية، من أجل تفادي السُّكّان المدنيّين والأشخاص والأعيان المدنية[40]. وينطبق واجب اتخاذ الاحتياطات (Principle of Precautions) على الطرف المهاجم الذي يجب عليه عند شَنّ هجمات ضد أهداف عسكرية مشروعة، أن يبذُل قُصارى جهده لضمان تقليل الضرر الذي يلحق بالأشخاص والأهداف المَحميّة إلى الحدِّ الأدنى[41]. كذلك ينطبق على الطرف الذي يتعرّض لهجوم، إذ يتوجّب عليه اتخاذ التدابير اللازمة لحماية ما تحت سيطرته مِن سُكّانٍ مدنيّين وأفرادٍ وأعيانٍ مدنية، من الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية[42].
مبدأ التناسب
يعني مبدأ التناسب (The Principle of Proportionality) أن تكون القوة المستخدَمة لتحقيق هدف مشروع مُعيّن متناسبةً مع الأهمية العسكرية لذلك الهدف. ومن ثم، تُحظَر الهجمات عندما تكون الأضرار أو الخسائر المُتوقّعة مُفرطة[43] مقارنةً بالمزية العسكرية الملموسة والمباشرة، فالأضرار العرضية بين المدنيّين أو الأعيان المدنية -التي لا يمكن تفاديها في معظم الأحيان- يجب أن تكون معقولة قياسًا بالمزية العسكرية المتوقّعة من عملية عسكرية ما[44].
ويرتبط مبدأ التناسب ارتباطًا وثيقًا بمبدأَيِ التمييز والضرورة، من حيث إنه يسعى قدر الإمكان إلى الحدّ من الأضرار والإصابات والوفيات التي تلحق بالمدنيّين والأهداف المدنية، ويسمح في الوقت نفسه بمراعاة احتياجات العمليات العسكرية، بقبول وقوع بعض الخسائر المدنية العرضية[45].
حظر المعاناة غير الضرورية
لا يحمي القانون الدولي الإنساني المدنيّين من آثار العمليات العدائية فحسب، بل يحمي المقاتلين أيضًا من أن يلحق بهم ضرر بدني أو نفسي يتجاوز ما هو ضروري فعلًا لتحقيق المزية العسكرية المنشودة. وهذا ما يُعرف بمبدأ حظر المعاناة غير الضرورية (Unnecessary Suffering)[46]، الذي أُقِرّ لأول مرة في إعلان سانت بطرسبرغ لعام 1868، الذي حظر الأسلحة التي تزيد بلا داعٍ آلام الرجال العاجزين عن القتال، أو تجعل موتهم محتومًا، وقد أُكّد لاحقًا في لوائح لاهاي والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977.
ويُعَد مبدأ حظر المعاناة الضروري مثالًا واضحًا على التوزان الدقيق بين الضرورة العسكرية والاعتبارات الإنسانية، لأنه يعترف بضرورة التسبّب في المعاناة ومشروعيته، بل وحتى الموت لقوات العدو (الضرورة العسكرية)، ولكن بمستوى من المعاناة لا يتجاوز القدر الضروري للانتصار في ساحة المعركة (الاعتبارات الإنسانية)[47].
واستنادًا إلى مبدأ حظر المعاناة غير الضرورية، حُظِر عدد من الأسلحة التي تُسبّب إصابات أو معاناة غير ضرورية، مثل أسلحة الليزر المُسبّبة للعمى، والأسلحة التي يكون أثرها الرئيس الإصابة بشظايا لا يمكن الكشف عنها بالأشعة السينية، مثل البلاستيك والزجاج.
علاقته بفروع القانون الدولي العام
يحكم القانون الدولي الإنساني حالات النزاع المسلّح. وفي الوقت نفسه الذي يُطبَّق فيه هذا القانون، قد تُطبَّق فروع أخرى للقانون الدولي، مثل قانون منع الحرب، والقانون الدولي لحقوق الإنسان. لذا، يبدو ضروريًا التمييز بين هذه القوانين والقانون الدولي الإنساني.
علاقته بالقانون الدولي الإنساني
يهتمّ قانون منع الحرب (Jus ad Bellum) في المقام الأول بحظر الحرب بوصفها وسيلة لتسوية النزاعات بين الدول، ويبحث فيما إذا كان استخدام القوة المسلحة ضد دولة أخرى مشروعًا. وتتركّز مبادئه الأساسية في القانون الدولي العرفي وميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما الفقرة الرابعة من المادة الثانية من الميثاق، التي أوجبت على الدول أن تمتنع في علاقاتها الدولية عن التهديد باستعمال القوة، أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، أو على أي وجه آخر لا يتّفق ومقاصد الأمم المتحدة. وينصّ الميثاق صراحةً على استثناءَيْن لهذا المبدأ، هما: حالة الدفاع الفردي أو الجماعي عن النفس؛ وحالة استخدام مجلس الأمن أو تفويضه لاستخدام القوة، استنادًا إلى الفصل السابع من الميثاق[48].
من ناحية أخرى، يُطبَّق القانون الدولي الإنساني على جميع أنوع النزاعات المسلحة فور اندلاعها، وفي الظروف جميعًا، سواء أكان استخدام القوة مشروعًا أم لا، وبمنأًى عن التوصيف القانوني للأعمال العدائية؛ فالدول سواء أكانت تخوض ما تراه "حربًا عادلة" (وهي فكرة لا وجود لها في القانون الدولي الإنساني الحالي) أم تتعرّض لهجوم غير قانوني، يجب أن تُراعي أحكام القانون الدولي الإنساني، إذ لا يمكن أن يعتمد مصيرُ ضحايا النزاعات المسلحة وحماية حقوقهم، ولا سيما المدنيّين والمُحتجَزين، على دوافع الدول، باللجوء إلى القوة المسلحة ضد دول أخرى[49]؛ فالقانون الدولي الإنساني يقوم على فكرة واقعية، وهي أن الحرب سمة ملازمة للحياة الإنسانية لا يمكن منعُها نهائيًا، وبدلًا من تجريمها أو حظرها يعمل على الموازنة بين الاعتبارات الإنسانية والضرورات العسكرية[50]، فيتوخّى الحدَّ من المعاناة الإنسانية إلى أقصى حدّ، من دون المساس بحق الأطراف المتحاربة في تحقيق أهدافها العسكرية[51].
وخلاصة الأمر، أن القانون الدولي الإنساني لا يُميز عند تطبيق أحكامه بين المعتدي والضحية. وأيُّ محاولة لحرمان المعتدين من المزايا وأوجه الحماية التي يُوفّرها القانون الدولي الإنساني بزعم أنهم هُم من بدؤوا النزاع، من شأنه أن يُقوّض الهدف الحمائي للقانون، فضلًا عن أن الواقع العملي أظهر أنه نادرًا ما يتبيّن أي طرف قد بدأ الحرب، أو ما إذا كانت لدى الأطراف أسباب مشروعة لخوضها[52].
ومن نتائج التمييز بين قانون منع الحرب والقانون الدولي الإنساني، أن الأخير يفرض القواعد ذاتها على الأطراف جميعها المنخرطة في النزاع، ويُوفّر في الوقت نفسه حمايةً متساويةً للأشخاص المتضرّرين جميعًا من النزاع، بصرف النظر عما إذا كانت الأطراف أو الأفراد يُقاتلون من أجل قضية عادلة[53].
علاقته بالقانون الدولي لحقوق الإنسان
يلتقي القانون الدولي الإنساني مع القانون الدولي لحقوق الإنسان في كثير من المسائل، إذ إن لكليهما هدفًا مشتركًا، يتمثّل في توفير الحماية للأفراد من أي اعتداء أو تهديد، والامتثال لحدٍّ أدنى من المعايير المُستمدَّة من مبادئ الإنسانية وصون الكرامة الإنسانية[54]. ولكنهما يختلفان اختلافًا جوهريًا من حيث الأساس الفلسفي، ومجال التطبيق، والبنية الأساسية، والنطاق الموضوعي، وآليات الإنفاذ. فإذا كان القانون الدولي الإنساني لا يسري إلا في حالات النزاعات المسلحة، سواء الدولية أم غير الدولية، فإن القانون الدولي لحقوق الإنسان يُطبَّق أساسًا في زمن السِّلم، وتحتوي صكوكه أحكامًا استثنائية تنطبق في حالات النزاع المسلح. علاوة على ذلك، فإن القانون الدولي لحقوق الإنسان يُنظّم العلاقات بين الدولة ومواطنيها، من خلال تقرير مجموعة من الضمانات التي تكفل عدم انتهاكِ سلطاتِ تلك الدولة حقوقَ رعاياها وحريّاتهم الأساسية، في حين يهتمّ القانون الدولي الإنساني بالعلاقات بين الدولة والرعايا الأعداء .[55]من ناحية أخرى، تكون المسؤولية عن ضمان الالتزام بقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان مُلقاةً على عاتق الدولة فقط، في حين تتحمّل أطراف النزاع المسلح جميعها، بما في ذلك الجماعات المسلحة، مسؤولية الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني[56]. ومن الفروقات الجوهرية بين القانونَيْن، عدم جواز الانتقاص من قواعد القانون الدولي الإنساني ومبادئه تحت أي ظرف، استنادًا إلى حجج من قبيل الضرورة العسكرية أو الدفاع عن النفس. أما قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإنها تقبل الانتقاص من الحقوق المشمولة بالحماية في أوقات الطوارئ العامة[57]. ومع ذلك، فثمة عدد مُعيّن من حقوق الإنسان الأساسية التي لا يجوز الانتقاص منها حتى في حالة الطوارئ العامة، مثل الحق في الحياة، وحظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية أو المُهينة[58].
ورغم التمايُز بين القانونَيْن، فإنّ قانون حقوق الإنسان يأتي ليُكمل القانون الدولي الإنساني، ويُعزّزه في حالات النزاع المسلح، ولا سيما في النزاعات المسلحة غير الدولية[59].
مصادره
لكلِّ قانونٍ مصادرُ يستقي منها قواعدَه وأحكامَه، ولَمّا كان القانون الدولي الإنساني يُعَدّ أحد فروع القانون الدولي العام، فإن مصادر هذا الأخير[60] التي حدّدتها المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، هي ذاتها مصادر القانون الدولي الإنساني.
وبناءً على ما تقدَّم، تتكوَّن المصادر الأساسية للقانون الدولي الإنساني من المعاهدات الدولية، والعُرف الدولي، والمبادئ العامة للقانون. أما المصادر الاحتياطية، فهي: أحكام المحاكم، وآراء الفقهاء.
المصادر الأصلية
تتألّف المصادر الأصلية للقانون الدولي الإنساني، التي يُمكن من خلالها استنباط قواعد مُلزِمة للدول أو الجماعات المسلحة مِن المعاهدات، والعُرف، والمبادئ العامّة للقانون.
المعاهدات الدولية
تُعَد المعاهدات -وهي اتفاقيات مكتوبة بين الدول- أهمّ مصادر القانون الدولي الإنساني، وأكثرها تأييدًا وقَبولًا من الدول، فاتفاقيات جنيڤ الأربع لعام 1949 صدّقت عليها 196 دولة (بما فيها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة)[61].
ولم تحتلَّ المعاهدات الدولية مكانًا مهمًّا في القانون الدولي الإنساني إلا في زمن حديث نسبيًا، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما بدأت تظهر الحاجة إلى تدوين الأعراف الدولية في مجال الحروب والنزاعات، وذلك في اتفاقيات جماعية عامّة[62].
وعلى مدار أكثر من 150 عامًا خلت، تبنّت الدول أكثر من 50 معاهدة تُنظّم جوانبَ مختلفةً من النزاعات المسلحة[63]، ابتداءً من إعلان باريس لعام 1856 بشأن القانون البحري، وصولًا إلى معاهدة حظر الأسلحة النووية لعام 2017. ولكن، لا يعني ذلك أن هذه المعاهدات جميعها لا تزال نافذة ومُطبَّقة إلى اليوم، فبعضها لم يدخل حيّز النفاذ قطّ (مثل المعاهدة المتعلقة باستخدام الغوّاصات والغازات الضارّة لعام 1922)، واستُبدل بعضها الآخر بمعاهدات أخرى أحدث (مثل اتفاقية جنيف لتحسين حال جرحى ومرضى الجيوش في الميدان لعام 1929، التي حلّت محلها اتفاقية جنيڤ الأولى لتحسين حال جرحى ومرضى القوات المسلحة في الميدان لعام 1949)، أو أن التكنولوجيا التي تُنظّمها المعاهدة لم تعد تُستخدَم في النزاعات المعاصرة (مثل إعلان لاهاي بشأن حظر إطلاق المقذوفات والمتفجّرات من المناطيد، أو أي وسائل أخرى جديدة ذات طبيعة مماثلة لعام 1899).
ويمكن تصنيف معاهدات القانون الدولي الإنساني حسب موضوعها إلى عدة أنواع، منها: معاهدات تتعلّق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة، مثل اتفاقيات جنيڤ الأربع لعام 1949، التي تتناول حماية الجرحى والمرضى والغرقى وأسرى الحرب والمدنيّين؛ ومعاهدات تتناول تنظيم وسائل القتال وأساليبه، مثل اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907 بشأن الحرب البرية واللوائح المُلحَقة بها، واتفاقية الأسلحة التقليدية لعام 1980 وبروتوكولاتها؛ ومعاهدات تُنظّم الحرب البحرية والجوية، مثل اتفاقية لاهاي العاشرة لعام 1907 بشأن الحرب البحرية؛ ومعاهدات تتعلّق بحماية الممتلكات الثقافية في النزاعات المسلّحة، مثل اتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية وبروتوكولاتها؛ ومعاهدات بشأن قمع جرائم الحرب، مثل النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998. فضلًا عن هذه المعاهدات، توجد معاهدات أخرى لا تدخل ضمن تصنيف مُعيّن من التصنيفات السابقة، وتتناول تنظيم موضوعات مختلفة. ومن أبرز الأمثلة عليها البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، الذي تضمَّن قواعدَ تتعلّق بحماية ضحايا الحرب، ووسائل الحرب وأساليبها، وحماية الممتلكات الثقافية، والقمع الجنائي للانتهاكات الجسيمة للبروتوكول[64].
وتُصنَّف معاهدات القانون الدولي الإنساني أيضًا إلى معاهدات تُطبَّق على حالات النزاعات المسلحة الدولية، من أهمها: اتفاقيات جنيڤ الأربع لعام 1949، وبروتوكولها الإضافي الأول، واتفاقيات الأسلحة مثل اتفاقية الذخائر العنقودية لعام 2008؛ ومعاهدات تُطبَّق على حالات النزاعات المسلحة غير الدولية، من أهمها: المادة الثالثة المشتركة، والبروتوكول الإضافي الثاني. ويُشار إلى أن المعاهدات المتعلّقة بالنزاعات المسلّحة الدولية أشمل وأكثر تطوّرًا من تلك المتعلّقة بالنزاعات المسلحة غير الدولية، ويرجع ذلك إلى وجهات النظر التقليدية التي كانت شبه متّفقة على أن النزاعات المسلحة الدولية (الحروب) هي التي تخضع وحدها لأحكام القانون الدولي، أما النزاعات المسلحة غير الدولية (الحروب الأهلية) فهي أعمال خيانة وتمرّد غير مشروع على السلطات الشرعية، وتخضع لقواعد القانون الجنائي الوطني[65].
وتمتاز المعاهدات مقارنةً بمصادر القانون الدولي الإنساني الأخرى، بأنها خالية من الغموض نسبيًا، وأن نطاق انطباقها مُحدَّدٌ في النص ذاته، وأن حقوق كل طرف والتزاماته منصوصٌ عليها في أحكامٍ مُحكَمة الصياغة، ويمكن استكمالها بتحفُّظات أو تفاهمات صريحة، وأن الدول الأطراف مُحدَّدةٌ تحديدًا واضحًا من خلال إجراءات التصديق أو الانضمام[66]. إلا أن الإشكالية الرئيسة في المعاهدات، أنها لا تُلزِم إلّا الدول التي صدَّقت عليها، ولا يمتدّ أثرها إلى غير أطرافها، الأمر الذي يُرتّب أثرًا سلبيًا يتمثّل في تضييق نطاق تطبيقها إلى حدٍّ كبير. مثلُ هذا الوضع نشَأ عندما امتنعت عدة دول مهمة عسكريًا، مثل الولايات المتحدة الأميركية والهند وإيران، عن التصديق على البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977[67].
وفي السياق ذاته، دائمًا ما وُجِّه النقد إلى جهود تدوين أحكام القانون الدولي الإنساني، إذ مع كل مأساة إنسانية في النزاعات المسلّحة، كانت تظهر الحاجة إلى تطوير أحكام هذا القانون. لذلك، قيل إن قواعد القانون الدولي الإنساني كانت دائمًا مرتبطة بحرب، فالحرب العالمية الأولى أظهرت الحاجة إلى حماية أسرى الحرب، ودفعت نحو اعتماد اتفاقية جنيڤ لعام 1929 بشأن أسرى الحرب. أما الحرب العالمية الثانية بمآسيها، فقد جعلت مراجعة القانون الدولي الإنساني أمرًا مُلِحًّا، ودفعت نحو اعتماد اتفاقية مبتكَرة لحماية المدنيين، هي اتفاقية جنيڤ الرابعة[68].
العُرف الدولي
يُعَد القانون الدولي الإنساني من أكثر فروع القانون الدولي تدوينًا، ومع ذلك، لا ينبغي التغاضي عن المكانة المتميّزة للعُرف فيه؛ فالعُرف الدولي مَرِنٌ ويتطوّر بوتيرة أسرع من المعاهدات، ويُلزِم الدول كلها، فضلًا عن دوره في سدّ النقص في المسائل التي أغفلت المعاهدات الإنسانية تنظيمها أو لم تُنظّمها بشكلٍ كافٍ، ولا سيما في النزاعات المسلحة غير الدولية التي تُنظّمها قواعد تعاهُدية أقلّ مقارنةً بتلك التي تُنظّم النزاعات المسلحة الدولية[69].
ولا يتشكَّل العُرف الدولي إلا بوجود رُكنَيْن أساسيَّيْن، هما: ممارسة الدولة (State practice)، التي تعني سلوك الدول محليًا أو دوليًا، مثل المراسلات الدبلوماسية والأدلة العسكرية الإرشادية، والأوامر التي تتلقّاها القوات العسكرية، والتشريع الوطني والأحكام القضائية؛ والشعور بالإلزام (Opinion Juris)، أي الاعتقاد بإلزامية ممارسة دولية مُعيّنة من الناحية القانونية.
وعند تحديد القواعد العُرفية، يجب مراعاة عدد من العوامل، مثل مدة الممارسة الدولية واتّساقها وانتظامها وعموميتها[70].
ويتمتع عدد من الأحكام الواردة في اتفاقيات جنيڤ الأربع والبروتوكولَيْن الإضافيَّيْن بالطابع العرفي، فقد أكَّدت اللجنةُ الدوليةُ للصليب الأحمر عام 2005، وبعد دراسة الممارسات الرسمية للدول لمدة 10 سنوات، وجودَ 161 قاعدة من قواعد القانون الدولي الإنساني العُرفي[71].
ورغم أهمية العُرف، فإن عيْبَه الأساسي أنه غير مكتوب، ومن ثم فمِن غير السهل تحديد مدى حصول قاعدة مُعيّنة على وضع القاعدة العرفية[72]. ومع ذلك، فإن للمحاكم والهيئات القضائية الوطنية والدولية دورًا مهمًّا في الكشف عن القواعد العُرفية وتحديد نطاقها[73].
المبادئ العامة للقانون
تُشكِّل المبادئُ العامّةُ للقانون، التي أقرَّتها الأممُ المتمدّنة، المصدرَ الثالث لقواعد القانون الدولي الإنساني، فضلًا عن المعاهدات والعُرف. ويشير هذا المصطلح في جوهره إلى المبادئ القانونية المعترَف بها في النُّظُم القانونية المتطورة جميعها، مثل مبدأ حُسن النية، وعدم رجعية قواعد القانون الجزائي[74].
ورغم أن المبادئ العامة للقانون تتساوى من حيث الحجية مع المعاهدات والعُرف، فإنها فعليًا لا تؤدي سوى وظيفة تكميلية، تتمثَّل في سدّ أوجُه النقص التي تتركها المعاهدات والقواعد العُرفية، فضلًا عن دورها المساعد في تفسير القواعد الاتفاقية والعُرفية وتوضيحها[75].
الدبلوماسي فريدريخ مارتنز
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ويؤكد شرط مارتنز (Martens Clause) على أهمية المبادئ العامة في القانون الدولي الإنساني، إذ نصَّ على أنه: "يظل المدنيون والمقاتلون، في الحالات التي لا تنصّ عليها الاتفاقيات الدولية، تحت حماية وسلطان مبادئ القانون الدولي، كما استقرَّ بها العُرف ومبادئ الإنسانية وما يُمليه الضمير العامّ". ويعني هذا الشرط أن مجرد إغفال مسألةٍ ما في مُعاهدة مُعيّنة لا يعني أن القانون الدولي بالضرورة صامت عن تنظيم تلك المسألة. كذلك يذكر هذا الشرط أن اعتماد معاهدة لا يستبعد أو يُخلّ بالحماية التي تُوفّرها قواعد القانون الدولي العرفي[76].
ويمكن تصنيف عددٍ من المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني على أنها مبادئ عامة للقانون، مثل مبادئ التمييز والتناسب والإنسانية، وحظر وسائل الحرب وأساليبها التي تُحدِث بطبيعتها إصاباتٍ ومُعاناةً غير ضرورية، إذ نُصَّ عليها في مختلف معاهدات القانون الدولي الإنساني، ومعاهدات دولية أخرى، وكثيرًا ما استُشهد بها في أحكام المحاكم الوطنية والدولية، فضلًا عن إعادة تأكيدها مرارًا في قرارات المنظمات الدولية وبيانات المؤتمرات الدولية[77].
وخلال التاريخ الطويل لمحكمة العدل الدولية في الفصل في النزاعات بين الدول، استخلصت في عددٍ من القضايا التزامات القانون الدولي الإنساني مباشرةً، من مبدأ عامّ من مبادئ القانون، وهو "الاعتبارات الإنسانية الأولية"، التي رأت أنها تستوجب المُراعاة في حالة السِّلم أكثرَ بكثيرٍ ممّا تستوجبه في حالة الحرب. واستنادًا إلى هذا المبدأ، أكَّدت المحكمة أن الالتزام الذي يفرضه القانون الدولي الإنساني بالإخطار عن حقول الألغام في زمن الحرب، ينطبق كذلك في زمن السِّلم[78]. كذلك قرّرت المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلاڤيا السابقة، في قضية "المدعي العام ضد كوبريشيتش وآخرين" (The Prosecutor v. Kupreskic et al.)، أن "الاعتبارات الإنسانية الأولية التي أكدت عليها محكمة العدل الدولية في قضايا قناة كورفو ونيكاراغوا، وشرعية استخدام الأسلحة النووية أو التهديد بها، تُعَد مثالًا واضحًا على أحد المبادئ العامّة للقانون الدولي، ويجب استخدامها استخدامًا كاملًا عند تفسير وتطبيق القواعد الدولية الفضفاضة"[79].
المصادر الثانوية
تشمل المصادرُ الثانوية للقانون الدولي الإنساني أحكامَ القضاء والآراءَ الفقهية لكبار عُلماء القانون. وبوصفها مصادرَ ثانوية، فإنها لا تُنشِئ قواعدَ قانونيةً مُلزِمة، بيد أنها تساعد على تحديدها وتفسيرها[80].
أحكام المحاكم
تساعد الأحكام القضائية في إطار القانون الدولي الإنساني في توضيح قواعده وإثرائها. وهذا الأمر مهمّ جدًّا، لأن كثيرًا من مفاهيم القانون الدولي الإنساني ومصطلحاته عامّةٌ أو غامضةٌ إلى حدٍّ كبير[81]، فضلًا عن أن تطبيقها العملي على حقائق وحالات مُعيّنة قد يثير إشكالات وتساؤلات يمكن للأحكام القضائية أن تحسمها وتوضّحها.
وفي العقود الأخيرة، تزايدت الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم والهيئات القضائية المحلية والدولية في القضايا الخاضعة للقانون الدولي الإنساني، ويعود ذلك جزئيًا إلى تطوّر القانون الدولي الجنائي، وإنشاء المحاكم المُكلَّفة بملاحقة مُرتكبي جرائم الحرب، مثل المحاكم الجنائية الدولية الخاصّة المُنشَأة للنظر في نزاعات مُعيّنة (المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلاڤيا السابقة)، والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا، والمحكمة الجنائية الدولية. وقد أسهمت تلك المحاكم في تفسير عدد من المفاهيم والمسائل المتعلّقة بالقانون الدولي الإنساني وتوضيحها، فمثلًا، عرَّفت المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلاڤيا السابقة النزاع المسلح الدولي، والنزاع المسلح غير الدولي، في قراراها المتعلّق بالاختصاص القضائي في قضية تاديش عام 1995. وللمحكمة كذلك اجتهاداتها في تعريف مفهوم التعذيب في النزاعات المسلّحة في قضايا أخرى[82].
الفقه
تُساعد كتابات الفُقهاء والمُحامين الدوليّين في الاستدلال على قواعد القانون الدولي الإنساني وتوضيحها وتفسيرها، إلا أنها غير مُلزِمة بأي حال من الأحوال، ولا تُعَدّ مصدرًا له[83].
ولمفهوم الفقه خصوصية مُعيّنة في القانون الدولي الإنساني، إذ لا تشمل تعاليمُ كبارِ فُقهاءِ القانون العام من مختلف الأمم المنشوراتِ الأكاديميةَ مثل الكتب والمقالات فقط، بل تشمل أيضًا تعليقات اللجنة الدولية للصليب الأحمر على اتفاقيات جنيڤ لعام 1949 وبروتوكولَيْها الإضافيَّيْن لعام 1977، التي تكتسب أهمية خاصة، نظرًا إلى التفويض الصريح لِلّجنة الدولية للصليب الأحمر بالعمل على "فهم القانون الدولي الإنساني المُنطبق في النزاعات المسلحة، ونشر المعرفة به، وإعداد أيّ تطوير لهذا القانون"[84]. كذلك تندرج ضمن الفئة نفسها الأدلة والمبادئ التوجيهية التي تُصدرُها الهيئات العلمية، مثل الجامعات ومعاهد القانون الدولي وجمعياته، ومن أمثلتها: دليل سان ريمو بشأن القانون الدولي المطبَّق على النزاعات المسلّحة في البحار لعام 1994؛ ودليل جامعة هارڤرد بشأن القانون الدولي المطبَّق على الحرب الجوية والصاروخية لعام 2009؛ ودليل تالين 2.0 بشأن القانون الدولي المطبَّق على العمليات السيبرانية لعام 2017؛ ودليل ووميرا بشأن القانون الدولي المطبَّق على العمليات الفضائية العسكرية لعام 2024.
وفي سياق الحديث عن مصادر القانون الدولي الإنساني، يجب ألّا تُغفَل الإشارة إلى مصدر جديد للقانون الدولي الإنساني يُلاقي قَبولًا واعترافًا واسعَيْن، وهو القانون اللّيّن (Soft Law)[85]، الذي يُشكّل مجموعة من الوثائق غير المُلزِمة، مثل المبادئ التوجيهية، والقرارات والإعلانات الصادرة عن الأمم المتحدة، ومدوّنات السلوك الصادرة عن المنظمات الدولية[86]. ومع أن وثائق هذا القانون غير مُلزِمة قانونًا، فهي تُوفّر تعليمات وتوجيهات مهمة للدول والفاعلين من غير الدول (Non-state actors)، وكثيرًا ما توضح أو تؤكد معايير القانون الدولي القائمة[87].
نطاق تطبيقه
يبدأ تطبيق القانون الدولي الإنساني من حيث المبدأ بمجرد حدوث نزاع مسلّح. وإذا كانت الاتفاقيات الدولية قد أغفلت تعريف هذا المصطلح، فيمكن تعريفه استنادًا إلى أحكام المحاكم الوطنية والدولية، التي تولَّت تفسير أحكام القانون الدولي الإنساني وتطبيقها؛ ففي قضية تاديتش (Tadić)، أوضحت المحكمة الجنائية ليوغسلاڤيا السابقة أنه "يوجد نزاع مسلح كلّما كان هناك لجوء إلى القوة المسلحة بين الدول، أو عنف مسلّح طال أمده بين سلطات حكومية وجماعات مسلحة نظامية، أو بين هذه الجماعات المسلحة ضمن دولة ما"[88]. ويُميّز هذا التعريف بين نوعَيْن من النزاعات المسلحة، هما: النزاع المسلح الدولي، وينشب عند حدوث مواجهات مسلّحة بين دولتَيْن أو أكثر، ويحكمه نظام قانوني متميّز يُسمّى قانون النزاعات المسلحة الدولية، ويندرج ضمنه قانون الاحتلال الحربي؛ والنزاع المسلح غير الدولي، ويندلع عند حدوث عُنف طويل الأمد بين السلطات الحكومية والجماعات المسلحة المنظّمة، أو بين هذه الجماعات داخل الدولة، ويُسمّى القانونُ المنظِّمُ له قانون النزاعات المسلحة غير الدولية. وفي كلتا حالتَي النزاع، لا يُشترَط الإعلان الرسمي للحرب، أو الاعتراف بحالة الحرب من أي طرف من أطراف النزاع، لانطباق القانون الدولي الإنساني. في ضوء ما تقدَّم، يوجد نطاق زمني لتطبيق كلا القانونَيْن:
نطاق تطبيق قانون النزاعات المسلحة الدولية
ينطبق قانون النزاعات المسلّحة الدولية، الذي تتركّز أحكامه أساسًا في اتفاقية لاهاي لعام 1907، واتفاقيات جنيڤ الأربع لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الأول، مع نشوب نزاع مسلّح دولي، حَدَّدت حالاته المادة الثانية المشتركة من اتفاقيات جنيڤ الأربع، والمادة 41 من البروتوكول الإضافي الأول. وهذه الحالات هي:
- الحرب المُعلَنة: تنشأ الحرب المُعلَنة عندما يعترف أحد الأطراف المتحاربة بحالة الحرب عبر إصدار إعلان حرب[89]، الذي يُفسَّر على أنه التعبير الوحيد عن نية الدول الدخول في الحرب. وفي هذه الحالة، تصبح أحكام القانون الدولي الإنساني واجبة التطبيق، حتى وإن لم تعقب ذلك مواجهات مسلّحة بين الدولة المُعلِنة والخصم المُحدَّد من جانبها[90]. إلا أنه، بعد أن أقرَّ ميثاق الأمم المتحدة مبدأ حظر استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، لم يحدث أن أعلنت الدول الحرب إلا نادرًا[91].
- لجوء الدول إلى القوة المسلحة[92]: ينشأ هذا النوع من النزاع المسلّح عندما تُقدِم دولة أو أكثر على اللجوء إلى القوة المسلحة ضد دولة أخرى، بصرف النظر عن أسباب تلك المواجهة أو حدّتها[93]. ويُقرَّر وجود نزاع مسلح دولي في هذه الحالة بناءً على معايير وحقائق واقعية وموضوعية غير مرتبطة بالآراء الذاتية لأطراف النزاع، ولا يهمّ ما إذا كانت الدول المتحاربة ترى نفسها منخرطة في نزاع مسلّح، أو تعترف رسميًا بحالة الحرب، أو تنكر ذلك[94].
- الاحتلال الحربي: ينطبق القانون الدولي الإنساني على جميع حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي لإقليم أحد الأطراف السامية المتعاقدة، حتى لو لم يواجه هذا الاحتلال أي مقاومة مسلحة. وتُعَدّ الأرض مُحتلّةً وفقًا للمادة 42 من اتفاقية لاهاي حين تكون تحت السلطة الفعلية لجيش العدو. ولا يشمل الاحتلال سوى الأراضي التي يمكن أن تمارس فيها هذه السلطة بعد قيامها. والمعيار الأساسي لتقرير وجود الاحتلال هو السيطرة الفعلية على أراضٍ أجنبية كاملة أو أجزاء منها. ويتكوّن معيار السيطرة الفعلية من ثلاثة عناصر، هي: وجود قوات أجنبية على أراضي دولة أخرى من دون رضًا منها؛ وقدرة القوات الأجنبية على ممارسة السلطة على الأرض المَعنيّة بدلًا من السلطات المحلية؛ وعدم قدرة تلك الأخيرة على ممارسة سلطتها على الإقليم[95]. ويشار إلى أن الاحتلال لا يَنتُج من غزو دولة لدولة أخرى فقط، بل يَنتُج أيضًا عند رفض الدولة سحب قواتها المسلّحة من أراضي دولة لم تعُد موافقةً على وجودها فيها[96]. وهذا ما خلصت إليه محكمة العدل الدولية في قضية الأنشطة العسكرية، من "أن أوغندا أصبحت قوة احتلال في مقاطعة إيتوري في جمهورية الكونغو الديمقراطية، عندما أبقت قواتها على الأراضي الكونغولية رغم طلب جمهورية الكونغو من جميع القوات العسكرية الأجنبية مغادرة أراضيها"[97].
- حروب التحرير الوطني: في عام 1977، أضافت الفقرة الرابعة من المادة الأولى من البروتوكول الإضافي حالةً رابعةً إلى النزاعات المسلحة الدولية التي تؤدي إلى تطبيق قانون النزاعات المسلحة الدولية، وهي النزاعات التي تُقاتِل فيها الشعوب ضد الهيمنة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي، وضد النُّظُم العنصرية، في إطار ممارستها حقّها في تقرير المصير. يُشار إلى أن هذا النص وُضِع وفي ذهن من صاغوه ثلاث حالات واقعية قابلة للتطبيق عليه، وهي: الدول التي تُحرّر نفسها من الأنظمة الاستعمارية، والصراع العربي الإسرائيلي، والنضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا[98].
تاريخيًا، كانت النزاعات المسلّحة الدولية تنتهي بإبرام معاهدة سلام، أو على الأقل بإعلانٍ لا بأسَ فيه يُعبّر عن نيّة إنهاء القتال. في المقابل، فإن توقّف الأعمال العدائية الفعلية والعمليات العسكرية غير كافٍ بحد ذاته لإنهاء حالة الحرب، وبناءً على ذلك، فإن أي اتفاقات أخرى مثل وقف إطلاق النار {{وقف إطلاق النار: (Ceasefire) هو تعليق مؤقت للعمليات العسكرية لأغراض إنسانية، مثل جمع الجرحى، أو تقديم المساعدات، أو تسهيل إجلاء المدنيين.}} أو الهدنة {{الهدنة: (Armistice) وهي عادةً ما تهدف إلى التحضير لإنهاء النزاع بشكل دائم.}} تُعَد اتفاقات مؤقتة وتعليقًا للأعمال العدائية، وليست إنهاءً لها[99].
في الوقت الراهن، نادرًا ما تنتهي النزاعات الدولية بإبرام معاهدة سلام، ولكنها غالبًا ما تنتهي بوقفٍ غير مستقرّ لإطلاق النار، وانخفاض بطيء ومتدرّج في شدة القتال، أو تدخّل قوات حفظ السلام[100].
وفي حالة الاحتلال الحربي، يتوقّف تطبيق القانون الدولي الإنساني عندما ينتهي الاحتلال. وأوضحُ طريقةٍ لإنهاء احتلالٍ حربيٍّ هي الانسحابُ الكاملُ والطوعيُّ لقوّات الاحتلال، أو فقدان سلطة الاحتلال سيطرتها الفعلية على المناطق المحتلّة، أو صدور موافقة حقيقية من دولة الإقليم على وجود القوات المسلحة الأجنبية[101].
نطاق تطبيق قانون النزاعات المسلحة غير الدولية
لم يكن قانون الحرب التقليدي يُعنى إلّا بتنظيم الحرب، أي النزاعات المسلّحة بين الدول حصرًا، أما النزاعات التي تجري داخل حدود الدولة بين الدولة وجماعات مسلّحة، أو بين هذه الجماعات، فكانت تعُدّها الدول آنذاك شأنًا داخليًا خالصًا، لا علاقة للقانون الدولي أو قانون الحرب بها[102]. ومع بداية القرن التاسع عشر، برزت ممارسة دولية جديدة، تمثّلت في قَبول تطبيق بعض قواعد القانون الدولي على الجماعات المسلّحة (المتمردين)، إذا اعترفت الدولة الأُمّ أو الدول الأجنبية لها بصفة مُحارِب[103]. وتختلف الآثار التي يُرتّبها الاعتراف حسبما يكون صادرًا عن الدولة الأُمّ أو الدول الأخرى؛ فصدوره عن الدولة الأُمّ يؤدي إلى تطبيق قانون الحرب على التمرّد، مع تمتّع المتمرّدين بشخصية قانونية محدودة تؤهّلهم للتمتع بالحقوق وتحمُّل الالتزامات التي يفرضها قانون الحرب[104]. وعلى هذا الأساس، يُعامَلون بوصفهم مقاتلين شرعيّين، وأسرى حرب عند أسرهم، ويحقّ لهم مصادرة المهرّبات، وإنشاء محاكم للغنائم[105]. أما إذا صدر الاعتراف عن الدول الأخرى، فيؤدي إلى تطبيق قانون الحياد، والتزام الدول الأجنبية المعترفة بأن تتّخذ موقفَ الحيادِ من طرفَي الحرب، وألّا تُقدّم المساعدة لأي منهما. ولا يحقّ لها أن تُحاكم المتمرّدين أو تعدمهم عند أسرهم، أو تعاملهم على أنهم قراصنة، بشرط ألّا يُوجّهوا أعمالهم العدائية إلّا ضد سفن الدولة الأُمّ. في المقابل، يحقّ لهذه الدول بناء علاقات تجارية مع طرفَي الحرب[106].
ولم يعد للاعتراف بحالة الحرب أي وجود، إذ يُعَدّ عدم الاعتراف بصفة مُحاربين للثوار في الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939)، دليلًا لدى كثيرين على انتهاء مفهوم الاعتراف بحالة الحرب[107]. وباستثناء مؤسسة الاعتراف بحالة المُتحارِبين، فقد عارضت الدول حتى منتصف أربعينيات القرن العشرين أي محاولات لتنظيم دولي إلزامي للنزاعات المسلّحة غير الدولية. وتُفسَّر معارضتها بخشيتها من أن يؤثر تنظيم النزاعات الداخلية في قدرتها على قمع أعمال التمرّد ضدها، وفي سيادتها الوطنية، مع تعريض أمنها القومي للخطر[108].
ومع الأهوال والفظائع التي ارتُكبت في الحرب الأهلية الإسبانية، والجرائم التي ارتُكبت ضد الأقليّات في الحرب العالمية الثانية، وتصاعد حركة الحماية الدولية لحقوق الإنسان منتصف أربعينيات القرن العشرين[109]، لم يعُد مقبولًا أن يُعلَّق تطبيق قانون الحرب في الحروب الأهلية على الاعتراف للمتمرّدين بصفة المحاربين، الذي نادرًا ما لُجِئَ إليه، ما جعل ضحايا هذه الحروب من دون أي حماية تُذكر. لذلك، بدأت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية مساعٍ دولية لتنظيم الحروب الأهلية، وفرض التزامات على أطرافها جميعًا، بما فيهم الجماعات المسلحة. وقد بلغت هذه الجهود ذروتها بإبرام اتفاقيات جنيڤ الأربع لعام 1949، التي تضمَّنت نصًّا مُشتركًا بين الاتفاقيات الأربع، هو المادة الثالثة المشتركة التي وضعت حدًّا أدنى من المبادئ الإنسانية الأساسية التي يجب مراعاتها في النزاعات المسلحة غير الدولية.
وتمتاز المادة الثالثة المشتركة، بأنها أول نصّ دولي يُنظِّم ما كانت تراه الدول شأنًا داخليًا لا علاقة للقانون الدولي به، ويفرض التزامات مباشرةً على الجماعات المسلحة، بعيدًا عن الاعتراف ومساوئه[110]. وقد أثبتت العقود اللاحقة أهمية هذه المادة، ذلك لأن غالبية النزاعات المسلّحة الحديثة هي نزاعات غير دولية، وتُولّد قدرًا من المعاناة لا يقلّ عن ذلك الذي تُولّده النزاعات المسلّحة الدولية[111].
وتنطبق أحكام المادة الثالثة المشتركة على النزاعات المسلحة غير الدولية، متى كان هناك عنف مسلّح طال أمده بين سلطات حكومية وجماعات مسلّحة نظامية، أو بين هذه الجماعات المسلّحة ضمن دولة ما[112].
وحتى يُوصَف العنف المسلّح الدائر في دولة مُعيّنة بأنه نزاع مسلح غير دولي خاضع لأحكام المادة الثالثة، لا بُدّ من تحقُّق معيارَيْن أساسيَّيْن تطلبتهما المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلاڤيا السابقة في قضية هاراديناي، وهما:
- أن يصل العنف المسلّح إلى مستوًى مُعيَّن من الشدة. وقد وضعت المحكمة عددًا من العوامل الاستدلالية لتحديد ما إذا كان العنف قد وصل إلى درجة الشدة المطلوبة لقيام نزاع مسلّح غير دولي، أم إنه مجرد أعمال شغب متفرّقة أو اضطرابات داخلية. ومن أهم هذه العوامل: عدد المواجهات الفردية ومُدّتها وشدّتها؛ ونوع الأسلحة والمعدّات العسكرية الأخرى المُستخدمة؛ وعدد أعيرة الذخائر التي أُطلقت؛ وعدد الأشخاص؛ وأنماط القوات المشاركة في القتال؛ وعدد الضحايا؛ ومدى الدمار المادي؛ وعدد المدنيين الفارّين من مناطق القتال[113].
- يجب أن تتمتّع الجماعات المسلّحة بقدر كافٍ من التنظيم حتى تُعَدّ طرفًا في نزاع مسلّح غير دولي. ويُستدَلّ على وجود هذا القدر من التنظيم من خلال عدة عوامل، هي: وجود هيكل قيادي يتولّى تدريب أعضاء الجماعة المسلحة وإرشادهم ومحاسبتهم على الانتهاكات؛ وقدرة الجماعة على الحصول على الأسلحة وغيرها من المعدّات العسكرية وعلى مزيد من المُجنّدين؛ وقدرتها على تخطيط العمليات العسكرية وتنسيقها وتنفيذها؛ وقدرتها على وضع استراتيجية عسكرية موحّدة واستخدام الأساليب العسكرية؛ وقدرتها على توحيد كلمتها والتفاوُض وإبرام الاتفاقيات[114].
وخلال العقود اللاحقة لاعتماد اتفاقيات جنيڤ الأربع، أصبحت غالبية النزاعات المسلّحة ذات طابع غير دولي، مسببةً أعدادًا كبيرة من الضحايا، ومُعاناة لا تقل عن تلك التي تُسبّبها النزاعات المسلحة الدولية. ولم تستطع المادة الثالثة بأحكامها المختصرة والأساسية، أن توفّر الحماية الكافية لضحايا النزاعات المسلّحة غير الدولية[115]. لذلك، بدأت جهود دولية بقيادة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومشاركة الأمم المتحدة، لتبنّي قواعد أكثر تفصيلًا لتنظيم النزاعات المسلحة غير الدولية، بلغت ذروتها مع إبرام البروتوكول الإضافي الثاني الناظم للنزاعات المسلحة غير الدولية لعام 1977[116].
وقد تَحدَّد النطاق المادي لأحكام البروتوكول بالمادة الأولى منه، التي نصَّت على: "يسري هذا البروتوكول الذي يطوّر ويكمل المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيڤ المبرمة في 12 آب/ أغسطس 1949، دون أن يعدّل من الشروط الراهنة لتطبيقها على جميع المنازعات المسلّحة التي لا تشملها المادة الأولى من البروتوكول الإضافي، إلى اتفاقيات جنيڤ المعقودة في 12 آب/ أغسطس 1949، المتعلقة بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة (البروتوكول الأول)، والتي تدور على إقليم أحد الأطراف السامية المتعاقدة بين قواته المسلحة وقوات مسلحة منشقّة، أو جماعات نظامية مسلّحة أخرى، وتمارس تحت قيادة مسؤولة على جزء من إقليمه مِن السيطرة ما يُمكّنها من القيام بعمليات عسكرية متواصلة ومنسَّقة، وتستطيع تنفيذ هذا البروتوكول".
يبدو من النص السابق، أن البروتوكول الإضافي الثاني الذي يُعَد أول وثيقة قانونية دولية مُخصّصة بالكامل لتنظيم النزاعات المسلحة غير الدولية، لا ينطبق على النزاعات المسلحة غير الدولية جميعها، كما هي الحال في المادة الثالثة المشتركة، بل ينطبق على فئة مُعيّنة من هذه النزاعات، وهي النزاعات المسلّحة التي تجري في إقليم الدولة بين الحكومة الشرعية والجماعات المسلّحة المعارضة، والتي يجب أن تتوفّر فيها شروط مُعيّنة حتى تلتزم بأحكام البروتوكول[117]، وهذه الشروط هي:
- أن تكون الجماعة المسلّحة مُنظّمة: ولا يعني تنظيم الجماعة أن تكون بمنزلة جيش نظامي، بل القصد أن تكون لها استراتيجية عسكرية، وأن تكون قادرة على فرض الانضباط على أفرادها[118].
- أن تخضع الجماعة المسلّحة لقيادة عسكرية مسؤولة: وتعني القيادة المسؤولة أن تُمارِس القيادة سلطتها وسيطرتها على الجماعة المسلّحة[119]، بصورة تضمن انضباط أفرادها، وعدم ارتكابهم أعمالًا تنتهك القانون الإنساني[120].
- أن تسيطر الجماعة المسلحة على جزء من إقليم الدولة: تسمح سيطرة الجماعة المستقرّة نوعًا ما على الإقليم بإنشاء مؤسسات لها، تُماثل تلك التي تلتزم الدول بإنشائها مثل المحاكم والسجون، التي تُعَد في كثير من الأحيان ضرورية لضمان الامتثال للأحكام الواردة في البروتوكول الإضافي الثاني[121].
- أن تُنفّذ الجماعة المسلّحة عمليات عسكرية مستمرّة ومتّسقة: وتعني العمليات المستمرّة أن تُنفَّذ العمليات العسكرية باستمرار من دون انقطاع أو توقّف. أما العمليات المتسقة فتعني تنفيذ العمليات بموجب خطط مُحدَّدة سلفًا. تحدّد قدرة الجماعة المسلحة على تنفيذ العمليات المستمرّة والمتّسقة فاعلية سيطرتها على الأرض[122].
- أن تكون الجماعة المسلّحة قادرة على تنفيذ أحكام البروتوكول: من المؤكد أن الشروط آنفة الذكر ما كان ليفرضها البروتوكول لو لم تكن ضرورية لضمان تنفيذ الجماعة المسلّحة للالتزامات الواردة فيه، إذ إن وجود القيادة المسؤولة، والدرجة الكافية من التنظيم الداخلي للجماعة المسلحة، وسيطرتها المستقرة نوعًا ما على الإقليم، هو ما يُمكّنها من تطبيق البروتوكول، فمثلًا، لا يتطلّب احترام حقوق الإنسان الأساسية (مثل تلك التي تتطلّبها المادة الثالثة المشتركة) ضرورة سيطرة الجماعة المسلّحة على جزء من إقليم الدولة. وعلى العكس من ذلك، فإن هذه السيطرة ضرورية لتطبيق التزامات البروتوكول، مثل العناية بالجرحى والمرضى، والمعاملة اللائقة للأشخاص المحرومين من حريّتهم، وضمان المحاكمة العادلة للمتّهمين[123].
ويستمرّ تطبيق قانون النزاعات المسلّحة غير الدولية، الذي تتركّز أحكامه في المادة الثالثة المشتركة والبروتوكول الإضافي الثاني، بمجرد اندلاع نزاع مسلّح غير دولي. ويمتدّ إلى حين التوصُّل إلى تسوية سلمية للنزاع، أو عمليًا عندما يتراجع مستوى حدّة المواجهات المسلحة بين الأطراف إلى ما دون الدرجة اللازمة لنشوء النزاع ابتداءً، أو عندما يتطور النزاع المسلح غير الدولي إلى نزاع مسلح دولي[124].
وإذا كان القانون الدولي الإنساني هو القانون الخاص الذي يُنظِّم أي تصرفات ناشِئة أو مرتبطة بالنزاع المسلح، فلا يعني ذلك أن تطبيقه يُلغي -أو يوقف- تطبيق فروع أخرى للقانون الدولي، مثل القانون الدولي لحقوق الإنسان، أو القانون الدولي البيئي. كذلك فإن تطبيقه بصفة خاصة زمن النزاع المسلّح، لا يعني عدم قابلية تطبيق بعض أحكامه وقت السِّلم، أو استمرارية تطبيق بعض أحكامه بعد انتهاء النزاع المسلّح[125].
آليات تطبيقه
إن مجرد وجود القواعد الإنسانية لا يعني الحدَّ من المعاناة الإنسانية الناجمة عن النزاعات المسلّحة أو التخفيف منها، والدليل على ذلك الانتهاكات الواسعة للقانون الدولي الإنساني التي تُعرَض يوميًا في النشرات الإخبارية أو على صفحات التواصل الاجتماعي. إذن، المشكلة كما لحظت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ليست غياب القواعد الإنسانية أو قصورها، بل الإخفاق في تنفيذ القواعد الحالية واحترامها، بسبب غياب الإرادة السياسية أو لأي سبب آخر[126]. لذلك، من المهم أن يكون ثمة آليات يمكن اللجوء إليها لوضع القواعد الإنسانية موضع التنفيذ. وتتمثّل أهم آليات تطبيق القانون الدولي الإنساني في:
التزام الدول باحترامه وكفالة احترامه
تطبيقًا لمبدأ "العقد شريعة المتعاقدين"، تنصّ اتفاقيات جنيڤ لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، على تعهُّد الدول الأطراف باحترام تلك المعاهدات وكفالة احترامها.
ويعني الالتزام باحترام المعاهدات الإنسانية وجوب أن تبذل الدولة كل ما في وسعها لضمان التزام أجهزتها بالقواعد المنصوص عليها في هذه الاتفاقيات[127]، ومن ثم، فكل دولة مطالبةٌ صراحةً باتخاذ مجموعة من التدابير الوقائية والرقابية والعقابية اللازمة لضمان الاحترام التامّ لتعهُّداتها. وتشمل هذه التدابير:
- دمج أحكام الاتفاقيات الإنسانية في النظام القانوني الوطني، بما يُلزم الجهات كافة في الدولة، بما في ذلك القضاء، باحترام أحكام تلك الاتفاقيات. ولدى إدماج الاتفاقيات الإنسانية، قد تحتاج الدولة إلى سَنِّ تشريعات جديدة أو تعديل بعض التشريعات القائمة، وذلك للتأكد من مواءمة التشريعات الوطنية لهذه الاتفاقيات، ومن أن قانون العقوبات يُجرّم الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني[128]. فوفقًا لاتفاقيات جنيڤ الأربع، والبروتوكول الإضافي الأول، تلتزم الدول صراحةً بـ"سَنّ التشريعات اللازمة لفرض عقوبات جزائية فعّالة على الأشخاص الذين يقترفون أو يأمرون باقتراف إحدى المخالفات للقانون الدولي الإنساني"[129].
- التحقيق في الانتهاكات الجسيمة المزعومة للقانون الدولي الإنساني، وملاحقة المُتّهمين بارتكابها، ومحاكمتهم أو تسليمهم أيًّا كانت جنسيتهم. مع الإشارة إلى وجوب أن تكون التحقيقاتُ التي تُجريها الدول المُتّهمة بارتكاب انتهاكات جادّةً، وأن تُعلن نتائجها للعلن، لإقناع خصومها وغيرهم باستعدادها العامّ لاحترام القانون الدولي الإنساني[130].
- نشر نصوص المعاهدات الإنسانية على أوسع نطاق ممكن، في وقت السِّلم كما في وقت الحرب. وتتعَهّد الدول بصفة خاصة بأن تُدرج دراستها ضمن برامج التعليم العسكري، والمدني إذا أمكن، بحيث تصبح المبادئ التي تتضمّنها معروفة لمجموع السُّكّان.
والغرض من نشر اتفاقيات القانون الدولي الإنساني بين القوات المسلحة، أن تكون لديهم معرفة كاملة بالسلوكات الصحيحة والخاطئة في أرض المعركة، ودراية تامّة بالجزاءات التأديبية والجنائية التي ستترتّب على سلوكاتهم المتناقضة مع مبادئ القانون الدولي الإنساني. مع ضرورة غرس فكرة أن المخالفات المستمرة للقانون تعني تزايد مشاعر الحقد والكراهية، والدخول في حلقات عُنف جديدة تُصعِّد النزاع بدلًا من تحجيمه واحتوائه[131]. أما الغاية من تعريف السّكان جميعًا في الدولة بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، فتتمثّل في خلق بيئة اجتماعية تدعم الامتثال لأحكام القانون الدولي الإنساني وتؤيده[132].
- إصدار الأوامر والتعليمات الكفيلة بتأمين احترام معاهدات القانون الدولي الإنساني، والإشراف على تنفيذها[133]. ويكتسي دَوْر القادة العسكريّين في هذا الصدد أهمية كبيرة، إذ يتعيّن على الدول وأطراف النزاع أن تُكلّفهم بمنع انتهاكات القانون الدولي الإنساني، التي يرتكبها أفراد القوات المسلحة الخاضعون لقيادتهم، وغيرهم من الأشخاص الذين يعملون تحت إشرافهم، وإبلاغ السلطات المختصّة بهذه الانتهاكات[134].
وفي حال فشل الدول المتحاربة في الوفاء بالتزاماتها الإنسانية، يقع على عاتق الأطراف السامية المتعاقدة الأخرى، استنادًا إلى التزامها بكفالة احترام المعاهدات الإنسانية، أن تبذل كل ما في وسعها للحيلولة دون وقوع انتهاكات للقانون الدولي، ووضع حدٍّ لها. ويمكنها أن تتّخذ في هذا الصدد مجموعة من التدابير للتأثير في سلوك أطراف النزاع، منها: ممارسة الضغوط الدبلوماسية، أو حظر توريد الأسلحة، أو فرض قيود مالية أو تجارية، أو إحالة مسائل الانتهاكات إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو الجمعية العامة للأمم المتحدة[135].
وفي السياق ذاته، يجب على الدول الأطراف ألّا تُشجِّع أو تُعاوِن أو تُساعِد على ارتكاب الانتهاكات، وهذا ما أكّدته محكمة العدل الدولية في القضية المتعلقة بالأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا، من "أن الولايات المتحدة مُلزَمةٌ باحترام اتفاقيات جنيف، بل وبكفالة احترامها. وهي بذلك مُلزَمة بعدم تشجيع الأشخاص أو الجماعات المُشاركة في النزاع في نيكاراغوا، على انتهاك المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف الأربع"[136].
الأمم المتحدة
تعاظمت في الآونة الأخيرة أنشطة الأمم المتحدة الرامية إلى ضمان احترام القانون الدولي الإنساني، لأسباب متعددة، منها أن الانتهاكات المستمرة للقانون الدولي الإنساني من شأنها أن تُفاقم النزاعات وتزيد حدّتها، وتؤدي من ثم إلى تهديد الأمن والسلم الدوليَّيْن وتقويضهما، فضلًا عن أن ضمان احترام القانون الدولي الإنساني يقع ضمن أحد أهم أهداف الأمم المتحدة، المتمثّلة في تحقيق التعاون الدولي في حلّ المشكلات ذات الطابع الإنساني[137].
وفي هذا الصدد، يتّسم دَوْر مجلس الأمن بأهمية خاصة، لأعماله المتعددة في هذا المجال، التي تراوحت بين دعوة أطراف النزاعات المسلحة للالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وشجب انتهاكاتها، ونشر قوات لحفظ السلام مهمّتها حماية السكان المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإرسال بعثات تقصّي حقائق، وإقرار عقوبات بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فضلًا عن تشكيل عدد من المحاكم الجنائية الدولية لملاحقة المُتّهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، مثل المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلاڤيا السابقة، والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا[138].
غير أن مجلس الأمن كثيرًا ما تعرّض لانتقادات عدة، من شأنها أن تحُدّ من فاعليته في تنفيذ القانون الدولي الإنساني واحترامه، من أهمها: هيمنة الدول دائمة العضوية التي تتمتّع بحق النقض على قراراته؛ وبناء هذه القرارات على أساس تحقيق مصالحها السياسية بعيدًا عن المعايير الموضوعية أو حتى القانونية؛ فضلًا عن اتهامه بتبنّي معايير مزدوجة عند التعامل مع الحالات المماثلة، فانتهاكات القانون الدولي الإنساني في السودان تُحال إلى المحكمة الجنائية الدولية، في حين لا يُتَّخذ أي إجراء مُماثلٍ ردًّا على الانتهاكات الإسرائيلية الجسيمة للقانون الدولي الإنساني في فلسطين[139].
الدولة الحامية
هي دولة مُحايدة تُكلّفها دولةٌ طرفٌ في نزاع مسلّح دولي برعاية مصالحها ومصالح رعاياها في دولة مُعادية. ويجوز لأطراف النزاع أيضًا أن تتّفق على إسناد مهمات الدولة الحامية إلى أي هيئة تتوفر فيها ضمانات الحياد والفاعلية، مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر. ويتطلّب اضطلاع الدولة الحامية بمهماتها موافقة أطراف النزاع جميعًا، فضلًا عن الدولة المرشّحة لتكون دولة حامية.
وفي سبيل تحقيق أهدافها، تتمتع الدولة الحامية بعدد من الحقوق والواجبات، منها: الإشراف على امتثال أطراف النزاع للقانون الدولي الإنساني؛ وزيارة الأشخاص المَحميّين، ولا سيما أسرى الحرب والمعتقلين؛ والإشراف على توزيع إمدادات الإغاثة الإنسانية؛ ونقل المعلومات والوثائق؛ وبذل المساعي الحميدة لدى أطراف النزاع[140].
عمليًا، لم يُستخدَم نظام الدولة الحامية إلّا نادرًا منذ الحرب العالمية الثانية. وتتضاءل فرصة استخدامه في المستقبل، نظرًا إلى الدور السياسي الحسّاس الذي تتعيّن على الدولة تأديته للاضطلاع بمسؤوليتها بصفتها دولة حامية، إذ من النادر أن تُوافق الدول على الخضوع لإشراف دولة أُخرى في حالة النزاع المسلح. ومع ذلك، انتقلت تدريجيًا معظم مهمات الإنسانية المسندة إلى الدولة الحامية إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر[141].
اللجنة الدولية الإنسانية لتقصّي الحقائق
تنصّ المادة 90 من البروتوكول الإضافي الأول على إنشاء لجنة دولية للتحقيق في الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي الإنساني. وفعلًا، تشكّلت اللجنة عام 1991 في مدينة برن السويسرية، بعد قَبول عشرين دولة اختصاصها، الذي يتحدّد في التحقيق في مزاعم ارتكاب مخالفات جسيمة أو انتهاكات خطرة لاتفاقيات جنيڤ أو البروتوكول الإضافي الأول[142].
ولا يجوز لِلّجنة أن تُجري تحقيقًا إلّا بناءً على طلب أحد أطراف النزاع، وبموافقة الطرف الآخر. ولكن، لا يوجد ما يمنع دولة ثالثة من أن تطلب إلى اللّجنة إجراء تحقيق في مخالفة جسيمة أو انتهاك خَطِر للقانون الدولي الإنساني، شريطة أن يكون الطرف المَعنيّ قد اعترف باختصاصات اللجنة[143]. وفعلًا، فقد اعترفت باختصاص اللجنة -حتى عام 2026- 76 دولة، كان آخرها دولة فلسطين في 26 آذار/ مارس 2018[144].
ويقتصر اختصاص اللجنة على تقصّي الحقائق، فلا يجوز لها أن تخلُصَ إلى استنتاجات ترتبط بالمشروعية الدولية للحقائق المستقرّة، أو إصدار أحكام قضائية، أو إعلان نتائجها على الملأ من دون موافقة أطراف النزاع المعنيّة كافة[145].
ولغاية عام 2026 لم تطلب الأطراف إلى اللّجنة إجراء تحقيق إلا مرة واحدة، عندما طلبت إليها منظمة الأمن والتعاوُن الاقتصادي في أوروبا عام 2017 التحقيق في حادثٍ وقعَ في شرق أوكرانيا، عندما تعرَّضت مركبة تابعة لبعثة المراقبة الخاصة التي أرسلتها المُنظّمة، لانفجارٍ أدّى إلى مقتل مُراقب وإصابة اثنَيْن من زملائه[146].
مسؤولية الدولة عن انتهاكه
تُسأل الدولة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني التي ترتكبها قُوّاتها المسلحة. وتُعَدّ هذه القاعدة جزءًا من القانون الدولي العُرفي، وقد وردت لأول مرة في المادة (3) من اتفاقية لاهاي لعام 1907، الخاصّة باحترام قوانين الحرب البرية وأعرافها[147]. وأُعيد النصّ عليها في المادة (91) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977. وهي تطبيق للقاعدة العامّة بشأن مسؤولية الدولة عن الأعمال غير المشروعة دوليًا، التي تُعَدّ الدولة وفقًا لها مسؤولة عن تصرُّفات أجهزتها. وتُعَدّ القوات المسلحة أحد أجهزة الدولة، مثل أي جهاز آخر من أجهزة الدولة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية[148].
ويقع على عاتق الدولة المسؤولة التزامٌ بجبر الأضرار التي أصابت ضحايا الانتهاكات، وهذا ما ذهبت إليه المحكمة الدائمة للعدل الدولي في قضية معمل شورزو عام 1927، من "أن من مبادئ القانون الدولي أن انتهاكَ التزامٍ يستتبع التزامًا بجبر الضرر بشكل ملائم. وبالتالي، فإن الجبر عنصر تكميلي، لا غنًى [عنه] عند التقصير في تطبيق اتفاقية، ولا حاجة إلى النص عليه في الاتفاقية نفسها"[149]. ويتّخذ جبر الأضرار وإصلاحها أشكالًا عدة، منها:
- الردّ: يقع على الدولة المسؤولة -إذا كان ذلك ممكنًا- الالتزام بالردّ، أي إعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل ارتكاب الفعل غير المشروع دوليًا، مثل الإفراج عن الأشخاص الذين تعرّضوا للاحتجاز ظُلمًا، وإعادة الممتلكات التي استُولي عليها بشكل غير شرعي، وإلغاء أي تدبير قضائي ظالم[150].
- التعويض النقدي: يُعَد الشكل الأكثر ملاءمة لجبر الضرر وإصلاحه، عندما تستحيل إعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل ارتكاب الفعل غير المشروع، أو عندما يكون الالتزام بالردّ مرهقًا للأطراف المسؤولة. ويُعرّف التعويض النقدي بأنّه "دفع مبلغ مالي يعادل قيمة الأصول المتضرّرة بفعل العمل غير المشروع"[151]. ويشمل التعويض الأضرار التي لحقت بالدولة المضرورة أو برعاياها، والقابلة للتقييم ماليًا، مثل التكاليف التي تتكبّدها الدولة لمواجهة الأضرار الناتجة من التلوث، من دون أن يهدف إلى معاقبة الدولة المسؤولة أو التنكيل بها[152]. إلا أن التعويض النقدي قد يُشكّل عبئًا ماليًا ثقيلًا على اقتصاد الدولة، ولا سيما مع مواردها المالية المحدودة التي استنزفتها الحرب، والأضرار الكبيرة الناجمة عنها، وسعي الدولة لإعطاء أولوية لإعادة الإعمار بعد انتهاء النزاع[153].
- الترضية: هي صورة من صور التعويض عن الأضرار المعنوية، ومن أشكالها: الاعتراف بالانتهاك، أو التعبير عن الأسف، أو الاعتذار الرسمي، أو تقديم ضمانات بعدم تكرار الانتهاك، والوعد بمعاقبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإعادة التأهيل[154]. ومن أشيع طرائق الترضية، إعلانُ إحدى المحاكم أو الهيئات القضائية المختصة عدمَ مشروعية الفعل؛ ففي قضية كورفو، أكدت محكمة العدل الدولية أنّ إعلانها عدم مشروعية عملية إزالة المملكةِ المتحدة الألغامَ البحرية في سواحل ألبانيا، يُمثّل في حد ذاته ترضيةً مناسبة لألبانيا[155].
ومن الحالات المعاصرة لدول التزمت بدفع تعويضات عن أضرار الحرب وانتهاكات القانون الدولي الإنساني:
- لجنة الأمم المتحدة للتعويضات (United Nations Compensation Commission): أُنشئت اللجنة بقرار من مجلس الأمن، للفصل في مطالبات التعويض عن الخسائر والأضرار الناجمة مباشرةً عن احتلال العراق للكويت في المدة الممتدّة بين عامَي 1990 و1991. وبلغت قيمة التعويضات التي دفعتها اللّجنة للضحايا لغاية انتهاء عملها رسميًا في نهاية عام 2022، 52.4 مليار دولار أميركي[156].
- لجنة المطالبات الإريترية الإثيوبية: أُنشئت بموجب اتفاقية الجزائر للسلام (2000)، التي أنهت النزاع المسلّح بين إريتريا وإثيوبيا، تحت إشراف محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي، للنظر في مطالبات التعويض عن الخسائر أو الأضرار أو الإصابات التي ترفعها إحدى الحكومتَيْن الإريترية أو الإثيوبية ضد الأخرى، أو يرفعها مواطنو إحدى الدولتَيْن ضد حكومة الطرف الآخر، أو الكيانات المملوكة أو الخاضعة لسيطرته، التي تتعلّق بالنزاع، وتنشأ عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني. وخلال عملها الذي استمرَّ من عام 2004 حتى عام 2009، أصدرت اللجنة 17 حُكمًا، جميعها -باستثناء 3 أحكام- تتعلّق بانتهاكات مزعومة للقانون الدولي الإنساني[157].
المسؤولية الجنائية الفردية عن انتهاكه
تقع مسؤولية محاكمة المُتّهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني (جرائم حرب) على القضاء الوطني. ولكن، إذا لم تكن الدولة في وضع يسمح لها بالمُقاضاة، فإن المحاكم الجنائية الدولية يمكن أن تضطلع بهذا الدور، حتى لا يُفلِت مُرتكبو هذه الجرائم من العقاب[158].
دوغلاس آرثر
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وقد عملت الدول بعد الحرب العالمية الثانية على إنشاء محاكم جنائية دولية لمحاكمة المُتّهمين بارتكاب جرائم حرب. وكانت البداية مع إقامة الحُلفاء للمحكمة العسكرية الدولية بمدينة نورمبرغ، بموجب ميثاق لندن في 8 آب/ أغسطس 1945، لمحاكمة مُجرمي الحرب الرئيسين ومعاقبتهم من دول المحور الأوروبي عن ثلاث جرائم، هي: الجرائم ضد السلام، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية. وبعد مدة وجيزة من إنشاء محكمة نورمبرغ، أصدر الجنرال الأميركي دوغلاس آرثر (Douglas MacArthur، 1880-1964)، بصفته قائدًا أعلى لقُوات الحلفاء في الشرق الأقصى، بيانًا بتاريخ 19 كانون الثاني/ يناير 1946، يقضي بتشكيل المحكمة العسكرية الدولية للشرق الأقصى، ومقرّها في طوكيو، لمحاكمة مُجرمي الحرب في الشرق الأقصى، عن الجرائم ذاتها التي وردت في نظام محكمة نورمبرغ[159].
ويُؤخَذ على المحكمتَيْن أنهما كانتا تطبيقًا فجًّا لعدالة المنتصر على المهزوم، وافتقدتا الحيادية والاستقلالية، فقُضاة كلتيهما -حتى المُدّعين- عيَّنَتْهم القوى المنتصرة، ويعملون وفقًا لتعليمات الدولة التي عيَّنتهم. فضلًا عن التجريم والمعاقبة عن أفعال لم تكن موجودة في القانون الدولي سابقًا، مثل الجرائم ضد السِّلم والجرائم ضد الإنسانية، بما يخالف مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات[160]. ولكن رغم هذه الانتقادات، نجحت المحكمتان في إقرار عدد من القواعد التي تُشكّل مرتكزات أساسية للقانون الدولي الجنائي، مثل عدم الاعتداد بأوامر الرؤساء، وجعلها عاملًا مُخفّفًا لا يُعفي المُتّهم من المسؤولية عن الجرائم المُقترَفة، وتكريس مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية، الذي يعني بعباراتِ محكمة نورمبرغ "أن الجرائم ضد القانون الدولي تُرتكَب على يد رجال، وليس من قبل كيانات مجردة، ولا يمكن تطبيق أحكام القانون الدولي إلا بمعاقبة الأفراد الذين ارتكبوا هذه الجرائم"[161].
ومع نهاية الحرب الباردة وتفكُّك جمهورية يوغسلاڤيا السابقة، ارتُكبت مذابحُ ضد المسلمين في البوسنة والهرسك، تمثَّلت في إبادة آلاف الأشخاص، واعتقال النساء واغتصابهن بشكل مُنظّم ومنهجي وواسع النطاق، ما دفع مجلس الأمن إلى الإقرار بأن الحالة تُشكّل تهديدًا للأمن والسِّلم الدوليَّيْن، وأصدر بتاريخ 25 أيار/ مايو 1993 القرار رقم 827، القاضي بتشكيل المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلاڤيا السابقة، لمُقاضاة الأشخاص المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، المرتكَبة في إقليم يوغسلاڤيا السابقة مند عام 1991. وفي إثر الحرب الأهلية والإبادة الجماعية في رواندا، عمد مجلس الأمن بتاريخ 8 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1994 إلى إصدار القرار رقم 955، القاضي بتشكيل المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، لمُقاضاة الأشخاص المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، المرتكَبة في إقليم رواندا. كذلك أعطاها سُلطة مُقاضاة المواطنين الروانديين المسؤولين عن الانتهاكات المرتكَبة في إقليم الدول المجاورة، بين 1 كانون الثاني/ يناير 1944 و31 كانون الأول/ ديسمبر 1994، وفقًا لأحكام هذا النظام الأساسي[162].
ويُؤخَذ على المحكمتَيْن أن اختصاصهما كان محدودًا زمنيًا وجغرافيًا بنزاع مُحدَّد. لذا، كان العالم بحاجة إلى محكمة دولية دائمة لمُحاكمة مُرتكبي انتهاكات القانون الدولي الإنساني، بصرف النظر عن زمان ارتكابها أو مكانه. وهذا ما تحقَّق فعلًا، عندما اعتمد المؤتمر الدبلوماسي المنعقد في روما عام 1998 النظامَ الأساسيَّ للمحكمة الجنائية الدولية، الذي دخل حيّز النفاذ في 1 تموز/ يوليو 2002[163]. وتختصّ المحكمة بملاحقة الأشخاص الذين يرتكبون أشد الجرائم خطورة، وهي: جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة، وجريمة العدوان[164]. وللمحكمة أن تمارس اختصاصها في ثلاث حالات، هي:
- إذا كان المُتّهم مِن رعايا دولة طرفٍ في نظام روما الأساسي.
- إذا وقعت الجريمة المزعومة في إقليم دولة طرف.
- إذا أحال مجلس الأمن استنادًا إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة القضيةَ إلى المحكمة[165].
واختصاص المحكمة مكمّل لاختصاص المحاكم الوطنية، ولا تجوز ممارسته إلّا في الحالات التي تكون فيها المحاكم الوطنية غير راغبة أو غير قادرة على تحمُّل مسؤوليتها الأساسية في التحقيق والمحاكمة[166]. وتواجه المحكمة الجنائية الدولية عددًا من الانتقادات التي تحدّ من فاعلية أثرها، منها: التكاليف الباهظة لتشغيلها؛ واستغراقها وقتًا طويلًا للفصل في القضايا؛ فضلًا عن اتهامها بالتحيُّز لمحاكمة قادة الدول الأفريقية، كما هي الحال في السودان وكينيا؛ وتجاهلها للجرائم التي يرتكبها قادة الدول الكُبرى والغنية[167].
المراجع
العربية
ابن حنبل، أحمد. مسند الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق شعيب الأرنؤوط [وآخرون]. إشراف عبد الله بن عبد المحسن التركي. بيروت: مؤسسة الرسالة، 2001.
أبو داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق. سنن أبي داود. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. صيدا/ بيروت: المكتبة العصرية، 1431هـ [2009م].
"اتفاقية جنيف الأولى". 1949.
بارتلز، روجيه. "الجداول الزمنية والحدود والنزاعات: التطور التاريخي للتقسيم القانوني بين النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية". مختارات من المجلة الدولية للصليب الأحمر. مج 91، العدد 873 (آذار/ مارس 2009). ص 5-39.
"البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1949". 1977.
بسيوني، محمود شريف. القانون الدولي الإنساني. القاهرة: دار النهضة العربية، 2016.
بفنر، توني. "آليات ونهج مختلفة لتنفيذ القانون الدولي الإنساني وحماية ومساعدة ضحايا الحرب". مختارات من المجلة الدولية للصليب الأحمر. مج 91، العدد 874 (حزيران/ يونيو 2009).
بيجيتش، يلينا. "نطاق الحماية الذي توفره المادة 3 المشتركة: واضح للعيان". مختارات من المجلة الدولية للصليب الأحمر. مج 93، العدد 881 (آذار/ مارس 2011). ص 1-38.
جويلي، سعيد سالم. المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني. القاهرة: دار النهضة العربية، 2002.
جيلارد، إيمانويلا–شيارا. "إصلاح الأضرار الناتجة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني". المجلة الدولية للصليب الأحمر. العدد 851 (2003).
حولية لجنة القانون الدولي. الوثيقة رقم A/CN.4/SER.A/2001/Add.1 (Part 2) (2001).
خليفة، عبد الكريم عوض. القانون الدولي الإنساني مع الإشارة إلى أحكام الشريعة الإسلامية. الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة، 2015.
الداودي، أحمد. "الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني: مقدمة إلى المبادئ الأساسية". المجلة الدولية للصليب الأحمر. مج 99، العدد 3 (2017). ص 995-1018.
دوبوي، بيار ماري. القانون الدولي العام. ترجمة محمد عرب صاصيلا وسليم حداد. ط 8. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2008.
دورمان، كنوت [وآخرون]. تعليق على اتفاقية جنيف الأولى. ترجمة اللجنة الدولية للصليب الأحمر. جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2016.
دورمان، كنوت وخوسيه سيرالفو. "المادة (1) المشتركة بين اتفاقيات جنيف والالتزام بمنع انتهاكات القانون الإنساني الدولي". المجلة الدولية للصليب الأحمر. مج 96، العدد 895/896 (2014). ص 707-736.
ديكو، إيمانول. "تعريف الجزاءات التقليدية: نطاقها وخصائصها". مختارات من المجلة الدولية للصليب الأحمر. مج 90، العدد 870 (حزيران/ يونيو 2008). ص 31-40.
الزمالي، عامر. مدخل إلى القانون الدولي الإنساني. تونس: المعهد العربي لحقوق الإنسان، 1997.
الزيد، زيد بن عبد الكريم. مقدمة في القانون الدولي الإنساني في الإسلام. جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2004.
ساسولي، ماركو [وآخرون]. كيف يوفر القانون الحماية في الحرب. ترجمة اللجنة الدولية للصليب الأحمر. جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، [د. ت.].
الشلالدة، محمد فهاد. القانون الدولي الإنساني. الإسكندرية: منشأة المعارف، 2005.
الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد. المعجم الكبير. تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي. القاهرة: مكتبة ابن تيمية، 1994.
عامر، صلاح الدين. مقدمة لدراسة القانون الدولي العام. القاهرة: دار النهضة العربية، 2007.
عبد السلام، جعفر (محرر). القانون الدولي الإنساني: دراسات مقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي. القاهرة: دار الكلمة، 2011.
عتلم، شريف. محاضرات في القانون الدولي الإنساني. القاهرة: بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2001.
علام، وائل أحمد. القانون الدولي الإنساني. الشارقة: جامعة الشارقة، 2018.
________. القانون الدولي العام. القاهرة: دار النهضة العربية، 2022.
علوان، محمد يوسف. القانون الدولي العام: المقدمة والنظرية العامة. عمّان: دار وائل للنشر والتوزيع، 2022.
"العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966".
كاسيزي، أنطونيو [وآخرون]. القانون الجنائي الدولي. ترجمة مكتبة صادر. ط 3. بيروت: مكتبة صادر ناشرون، 2015.
كالسهوفن، فريتس وليزابيث تسغفلد. ضوابط تحكم خوض الحرب: مدخل للقانون الدولي الإنساني. ترجمة أحمد عبد العليم. جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2004.
كروفورد، جيمس (محرر). مبادئ القانون الدولي العام لبراونلي. ترجمة محمود محمد الحرثاني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022.
لاروزا، آن ماري وكارولين فوزنر. "الجماعات المسلحة والعقوبات وإنفاذ القانون الدولي الإنساني". مختارات من المجلة الدولية للصليب الأحمر. مج 90، العدد 870 (حزيران/ يونيو 2008).
اللجنة الدولية للصليب الأحمر. ما هو القانون الدولي الإنساني. جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2022.
لجنة القانون الدولي. التقرير الثالث عن مسؤولية الدول مقدم من السيد جيمس كروفورد. جنيف: 2000.
محكمة العدل الدولية. "القضية المتعلقة بالأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا". 27 حزيران/ يونيو 1986.
________. "فتوى محكمة العدل الدولية بشأن مشروعية التهديد بالأسلحة النووية أو استخدامها". الوثيقة رقم A/51/218. 1996.
________. "الأنشطة المسلحة في أراضي الكونغو". 19 كانون الأول/ ديسمبر 2005.
مكي، عمر (محرر). القانون الدولي الإنساني في النزاعات المسلحة المعاصرة. جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2016.
ميلتسر، نيلس. القانون الدولي الإنساني: مقدمة شاملة. تنسيق إتيان كوستر. جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2016.
"نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية". 1998.
هنكرتس، جون ماري ولويز دوزوالد-بك. القانون الدولي الإنساني العرفي. جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر؛ مطابع جامعة كمبريدج، 2005.
الأجنبية
“A Brief Overview.” IHFFC. at: https://acr.ps/1L9B9RV
Bretton, Philippe. Droit international humanitaire. Paris: Dalloz, 2000.
Cerone, John. "Review Article." Elgaronline. 18/7/2017. at: https://acr.ps/1L9F2Uw
Clapham, Andrew & Paola Gaeta (eds.). The Oxford Handbook of International Law in Armed Conflict. Oxford: Oxford University Press, 2014.
Corn, Geoffrey S. "Humanity, Principle of." Oxford Public International Law. at: https://acr.ps/1L9F2g0
Crawford, Emily. "Geneva Conventions Additional Protocol II (1977)." Oxford Public International Law. at: https://acr.ps/1L9F31I
Crawford, Emily & Alison Pert. International Humanitarian Law. 2nd ed. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2020.
“Establishment and Mandate of the United Nations Compensation Commission (UNCC),” United Nations, accessed on 18/3/2026, at: https://acr.ps/1L9B9Px
Fleck, Dieter (ed.). The Handbook of International Humanitarian Law. 4th ed. Oxford: Oxford University Press, 2021.
Fleck, Dieter & Michael Bothe (eds.). The Handbook of International Humanitarian Law. 4th ed. Oxford: Oxford University Press, 2021.
Gasser, Hans-Peter. "Humanitarian Law, International." The Max Planck Encyclopedia of Public International Law. at: https://acr.ps/1L9F3cD
Henriksen, Anders. International Law. 4th ed. Oxford: Oxford University Press, 2023.
International Criminal Tribunal for the former Yugoslavia (ICTY). “The Prosecutor v. Kupreskic et al.” Case. no. IT-95-16-T. Judgment (Trial Chamber). 14/1/2000.
Jabbari-Gharabagh, Mansour. "Type of State Responsibility for Environmental Matters in International Law." Revue Juridique Themis. vol. 33, issue 1 (1999). pp. 59-121.
Liivoja, Rain & Tim McCormack (eds.). Routledge Handbook of the Law of Armed Conflict. London: Routledge, 2016.
Rodenhäuser, Tilman. Organizing Rebellion: Non State Armed Groups under International Humanitarian Law, Human Rights Law, and International Criminal Law. Oxford: Oxford University Press, 2018.
Rose, Cecily et al. (eds.). An Introduction to Public International Law. Cambridge: Cambridge University Press, 2022.
Sandoz, Y. et al. Commentary on the Additional Protocols of 8 June 1977 to the Geneva Conventions of 12 August 1949. Geneva: ICRC; Nijhoff, 1987.
Sassòli, Marco. International Humanitarian Law: Rules, Controversies, and Solutions to Problems Arising in Warfare. Cheltenham, UK: Edward Elgar Publishing Limited, 2024.
Saul, Ben & Dapo Akande (eds.). The Oxford Guide to International Humanitarian Law. Oxford: Oxford University Press, 2020.
Shelton, Dinah L. (ed.). Encyclopedia of Genocide and Crimes against Humanity. Detroit: Thomson Gale, 2005.
Sivakumaran, Sandesh. The Law of Non-International Armed Conflict. Oxford: Oxford University Press, 2018.
Teferra, Zelalem Mogessie. "National Security and the Right to Liberty in Armed Conflict: The Legality and Limits of Security Detention in International Humanitarian Law." International Review of the Red Cross. vol. 98, issue 3 (2016). pp. 961-993.
UK Ministry of Defence. The Manual of the Law of Armed Conflict. Oxford: Oxford University Press, 2005.
UNESCO & Institute Henry- Dunant. International Dimensions of Humanitarian Law. The Hague: Nijhoff, 1988.
[1] Hans-Peter Gasser, "Humanitarian Law, International," The Max Planck Encyclopedia of Public International Law, accessed on 14/1/2026, at: https://acr.ps/1L9F3cD
[2] ظهر مصطلح القانون الدولي الإنساني لأول مرة في عناوين المؤتمرات المختلفة ووثائقها، التي انعقدت بين عامَي 1974 و1977، وأدّت إلى اعتماد البروتوكولَيْن الإضافيَّيْن لعام 1977. ويلقى هذا المصطلح قَبولًا واستحسانًا واسعَيْن لدى هيئات الأمم المتحدة ومؤسساتها، والمنظمات الإنسانية والأوساط الأكاديمية المدنية. يُنظر:
Ibid., para. 3.
[3] Robert Heinsch, "International Humanitarian Law," in: Cecily Rose et al. (eds.), An Introduction to Public International Law (Cambridge: Cambridge University Press, 2022), p. 230.
[4] John Cerone, "Review Article," Elgaronline, 18/7/2017, accessed on 14/1/2026, at: https://acr.ps/1L9F2Uw
[5] اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ما هو القانون الدولي الإنساني (جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2022)، ص 1.
[6] Heinsch, p. 231.
[7] نيلس ميلتسر، القانون الدولي الإنساني: مقدمة شاملة، تنسيق إتيان كوستر (جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2016)، ص 3.
[8] تكشف المراجعة التاريخية لتنظيم النزاعات المسلحة أن الحضارات المختلفة على مدى أكثر من خمسة آلاف عام، حظرت أو على الأقل دانت الاستخدام غير الضروري للقوة والعنف ضد فئات معينة من الأشخاص وضد أهداف معينة. وتكشف هذه الوقائع التاريخية عن تقارب القيم الإنسانية الأساسية في الحضارات المتنوعة، في ضوء حقيقة مفادها أن المجموعات المنفصلة جغرافيًا توصّلت إلى الاستنتاجات والقيود الإنسانية نفسها، من دون أي دليل في بعض الحالات على انتقال مثل هكذا أفكار من حضارة إلى أخرى. يُنظر:
- Cherif Bassiouni, "Humanitarian Law," in: Dinah L. Shelton (ed.), Encyclopedia of Genocide and Crimes against Humanity (Detroit: Thomson Gale, 2005), p. 469.
[9] أحمد الداودي، "الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني: مقدمة إلى المبادئ الأساسية"، المجلة الدولية للصليب الأحمر، مج 99، العدد 3 (2017)، ص 1000.
[10] شريف عتلم، محاضرات في القانون الدولي الإنساني (القاهرة: بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2001)، ص 13.
[11] عامر الزمالي، مدخل إلى القانون الدولي الإنساني (تونس: المعهد العربي لحقوق الإنسان، 1997)، ص 8.
[12] الداودي، ص 1001.
[13] أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق، سنن أبي داود، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ج 3 (صيدا/ بيروت: المكتبة العصرية، 1431هـ [2009م])، الحديث 3022، ص 162.
[14] أحمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط [وآخرون]، إشراف عبد الله بن عبد المحسن التركي، ج 38 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 2001)، الحديث 23030، ص 136.
[15] الداودي، ص 1007.
[16] أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الكبير، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، ج 22، ط 2 (القاهرة: مكتبة ابن تيمية، 1994)، الحديث 1096، ص 393.
[17] في عام 1859، شهد هنري دونان، الذي أراد مقابلة الإمبراطور الفرنسي آنذاك نابليون الثالث، صدفةً معركةً دارت رحاها في قرية سولفرينو في شمال إيطاليا بين القوات الفرنسية والإيطالية والنمساوية. وقد صُدم وقتئذٍ من العنف المروّع الذي ساد ساحات القتال، فضلًا عن المصير البائس الذي لاقاه آلاف الجرحى المتروكين في ساحة المعركة من دون أي رعاية، فحاول مع نساءٍ من القرى المجاورة التخفيف من مُعاناتهم وآلامهم. وبعد عودته إلى جنيڤ، نشر كتابًا قصيرًا عام 1862 بعنوان تذكار سولفرينو، واقترح فيه إنشاء جمعيات إغاثة مستقلة لتقديم الرعاية الطبية إلى الجنود الجرحى في ساحات القتال. كذلك ناشد الدول للتوصّل إلى اتفاقية دولية تمنح الاعتراف الدولي لتلك الجمعيات في سعيها لتقديم الرعاية الطبية للجنود الجرحى في الميدان. وبعد بضعة أشهر من نشر كتابه، أُسّست لجنة صغيرة في جنيڤ لدراسة جدوى مقترحاته، وتحديد الطرق لإضفاء الطابع الرسمي عليها. وبعد تشاورها مع الخبراء العسكريّين والطبيّين عام 1863، أقنعت اللجنة الحكومة السويسرية بعقد مؤتمر دبلوماسي. وفعلًا، عُقد المؤتمر في جنيڤ في آب/ أغسطس 1864، وأسفر عن اعتماد اتفاقية جنيڤ لتحسين حال جرحى الجيوش في الميدان. يُنظر:
Marco Sassòli, International Humanitarian Law: Rules, Controversies, and Solutions to Problems Arising in Warfare (Cheltenham, UK: Edward Elgar Publishing Limited, 2024), p. 7.
[18] بيار ماري دوبوي، القانون الدولي العام، ترجمة محمد عرب صاصيلا وسليم حداد، ط 8 (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2008)، ص 685.
[19] Sassòli, op. cit.
[20] Heinsch, p. 230.
[21] فريتس كالسهوفن وليزابيث تسغفلد، ضوابط تحكم خوض الحرب: مدخل للقانون الدولي الإنساني، ترجمة أحمد عبد العليم (جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2004)، ص 24.
[22] المرجع نفسه، ص 25-27.
[23] Emily Crawford & Alison Pert, International Humanitarian Law, 2nd ed. (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2020), p. 12.
[24] Gasser, para. 12.
[25] Jean-Marie Henckaerts, "History and Sources," in: Ben Saul & Dapo Akande (eds.), The Oxford Guide to International Humanitarian Law (Oxford: Oxford University Press, 2020), p. 4.
[26] ميلتسر، ص 35.
[27] أتاح المؤتمرُ الدبلوماسيُّ الذي عُقد بين عامَي 1974 و1977 في جنيڤ، والذي تمخَّض عنه اعتماد البروتوكولَيْن الإضافيَّيْن لعام 1977، للدول المستقلة حديثًا في ذلك الوقت التعبيرَ عن رأيها، والانتصارَ في عدد من القضايا المهمة لها، مثل توسيع نطاق تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني المنظّمة للنزاعات المسلحة الدولية، لتشمل حروب التحرير الوطنية، وحرمان المرتزقة من وضع مقاتل حرب وأسير حرب. يُنظر:
Sassòli, pp. 11-12.
[28] في المفاوضات المطوّلة بشأن البروتوكول الإضافي الثاني، أعربت عدد من الدول عن قلقها من أنَّ مثل هذه معاهدة قد تؤثر في سيادة الدولة، وتمنع الحكومات من الحفاظ على القانون والنظام داخل أراضيها، أو قد يُستنَد إليها لتبرير التدخل الأجنبي. ولكن في نهاية المطاف، اتفقت على مجموعة من الأحكام، وإن كانت في الأصل أقلَّ بكثير مما رغب أنصارها فيه. يُنظر:
Crawford & Pert, p. 18.
[29] كالسهوفن وتسغفلد، ص 40.
[30] Dieter Fleck & Michael Bothe (eds.), The Handbook of International Humanitarian Law, 4th ed. (Oxford: Oxford University Press, 2021), p. 37.
[31] يمكن تفسير ذلك بحقيقة أن إحدى القضايا الرئيسة التي تشغل بال العالم اليوم، لم تعد فقط الافتقار إلى قواعد موضوعية كافية لحماية ضحايا النزاعات المسلحة، بل الفشل في تأمين احترام هذه القواعد، فضلًا عن عدم استعداد الدول للموافقة على قواعد جديدة تحُدّ من قدرتها على شن الحرب، ولا سيما في سياق النزاعات المسلحة غير الدولية. يُنظر:
Sassòli, p. 13.
[32] Ibid, p. 5.
[33] UK Ministry of Defence, The Manual of the Law of Armed Conflict (Oxford: Oxford University Press, 2005), p. 23.
[34] Geoffrey S. Corn, "Humanity, Principle of," Oxford Public International Law, accessed on 14/1/2026, at: https://acr.ps/1L9F2g0
[35] Crawford & Pert, p. 44.
[36] ميلتسر، ص 17.
[37] Fleck & Bothe (eds.), p. 45.
[38] ميلتسر، ص 16.
[39] Crawford & Pert, op. cit.
[40] "البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1949"، 1977، المادة 57.
[41] Michael N. Schmitt, "International Humanitarian Law and the Conduct of Hostilities," in: Ben Saul & Dapo Akande (eds.), The Oxford Guide to International Humanitarian Law (Oxford: Oxford University Press, 2020), p. 152.
[42] "البروتوكول الإضافي الأول"، المادة 58.
[43] أكد دليل هارڤرد للحرب الجوية والصاروخية أن الهجوم يتسبّب في أضرار جانبية مفرطة عندما يُحدث اختلالًا كبيرًا في التوزان بين المزية العسكرية المتوقعة، والأضرار الجانبية المحتملة بين المدنيين والأهداف المدنية. يُنظر:
Schmitt, p. 153.
[44] Gasser, para. 26.
[45] Crawford & Pert, p. 47.
[46] فسَّرت محكمةُ العدل الدولية في رأيها الاستشاري بشأن الأسلحة النووية المُعاناةَ غيرَ الضرورية، بأنها ذلك الضرر الذي يزيد على الضرر الذي لا يمكن تجنّبه لتحقيق الأهداف العسكرية المشروعة. يُنظر: محكمة العدل الدولية، "فتوى محكمة العدل الدولية بشأن مشروعية التهديد بالأسلحة النووية أو استخدامها"، الوثيقة رقم A/51/218، 1996، الفقرة 87.
[47] Schmitt, p. 170.
[48] ميلتسر، ص 27.
[49] Gasser, para. 2.
[50] يرى بعض الفقهاء أن القانون الدولي الإنساني، بوصفه يمنع السلوك الأكثر فظاعةً في الحرب، وينظر إلى الحرب على أنها ظاهرة اجتماعية لا مفرَّ منها، من شأنه أن يجعل الحرب أكثر قَبولًا وحدوثًا، ويُساعِد على إدامتها، وقد يُضفي الشرعية على استخدام القوة. إلا أن هذا الرأي يتجاهل حقيقة أن التاريخ البشري يُخبِر أن الحروب تُشَنّ بغض النظر عن وجود نظام قانوني يحكم سلوك المتحاربين، فضلًا عن أن قلة من السياسيّين تأخذ في الحسبان القانون الدولي الإنساني عند اتخاذ قرار شنّ الحرب من عدمه، فالحروب تُخاض رغبةً في اكتساب الأراضي أو الموارد، أو تدمير العدو لأسباب سياسية أو دينية أو عنصرية أو غيرها من الأسباب. يُنظر:
Heinsch, p. 231.
[51] Anders Henriksen, International Law, 4th ed. (Oxford: Oxford University Press, 2023), p. 284.
[52] Heinsch, p. 232.
[53] Sassòli, p. 2.
[54] Heinsch, p. 234.
[55] جان بكتيه، "القانون الدولي الإنساني: تطوره ومبادئه"، في: عمر مكي (محرر)، القانون الدولي الإنساني في النزاعات المسلحة المعاصرة (جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2016)، ص 18.
[56] محمد حسن القاسمي، "العلاقة بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان مع المقارنة بأحكام الشريعة الإسلامية"، في: جعفر عبد السلام (محرر)، القانون الدولي الإنساني: دراسات مقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي (القاهرة: دار الكلمة، 2011)، ص 81.
[57] ميلتسر، ص 28.
[58] "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966"، المادة 4، الفقرة 2.
[59] من الأمثلة على التكامل والتعاضد بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، أن كلا القانونَيْن يحظر بشدة الاعتقال التعسُّفي للأفراد، وينظر إليه على أنه يتنافى مع متطلبات المعاملة الإنسانية التي يجب الامتثال لها في السِّلم والنزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية على حدٍّ سواء. وبما أن القانون الدولي الإنساني لم يتطرّق صراحةً إلى الاعتقال التعسُّفي، فإنه يمكن الرجوع إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يستمرّ تطبيقه في أثناء النزاعات المسلحة، لبيان متى يُعَدّ الاعتقال تعسُّفيًا. ويعتمد هذا القانون في عَدِّ الاعتقال تعسُّفيًا من عدمه على مقبولية أسبابه، وما إذا كان له أساس قانوني، ومدى مُراعاة الإجراءات المتعلقة بالاعتقال. يُنظر:
Zelalem Mogessie Teferra, "National Security and the Right to Liberty in Armed Conflict: The Legality and Limits of Security Detention in International Humanitarian Law," International Review of the Red Cross, vol. 98, issue 3 (2016), p. 964.
[60] محمد يوسف علوان، القانون الدولي العام: المقدمة والنظرية العامة (عمّان: دار وائل للنشر والتوزيع، 2022)، ص 159.
[61] Jann Kleffner, "Sources of the Law of Armed Conflict," in: Rain Liivoja & Tim McCormack (eds.), Routledge Handbook of the Law of Armed Conflict (London: Routledge, 2016), p. 71.
[62] سعيد سالم جويلي، المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني (القاهرة: دار النهضة العربية، 2002)، ص 154.
[63] غالبًا ما دُوِّنت قواعد القانون الدولي الإنساني وطُوِّرت على خلفية معارك مُعيّنة، كشفت قصور الإطار القانوني القائم وضعفه من جهة، واستجابةً للتطوّرات في وسائل الحرب وأساليبها من جهة أخرى. يُنظر:
Henckaerts, p. 2.
[64] Kleffner, pp. 71-73.
[65] Crawford & Pert, p. 39.
[66] ميلتسر، ص 21.
[67] القاسمي، ص 60.
[68] عتلم، ص 26.
[69] Crawford & Pert, p. 38.
[70] جيمس كروفورد (محرر)، مبادئ القانون الدولي العام لبراونلي، ترجمة محمود محمد الحرثاني (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص 90-93.
[71] Kleffner, p. 79.
[72] من المشكلات التي تعترض تحديد العُرف أيضًا، أن الدول أحيانًا تفعل عكس ما تُعلِن؛ فمثلًا ادَّعت الولايات المتحدة أنها لا تمارس التعذيب، ومع ذلك، فقد تبيَّن أنها لجأت إلى عدد من التقنيات التي تصل إلى مستوى التعذيب، مثل الإيهام بالغرق. ينظر:
Crawford & Pert, p. 40.
[73] ميلتسر، ص 22.
[74] المرجع نفسه، ص 24.
[75] Henckaerts, p. 21.
[76] Fleck & Bothe (eds.), p. 42.
[77] Kleffner, p. 81.
[78] ميلتسر، ص 24.
[79] International Criminal Tribunal for the former Yugoslavia (ICTY), “The Prosecutor v. Kupreskic et al.,” Case. no. IT-95-16-T, Judgment (Trial Chamber), 14/1/2000, para. 524.
[80] Henckaerts, p. 23.
[81] فسَّرت محكمة العدل الدولية في عدد من القضايا كثيرًا من نصوص معاهدات القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيڤ الأربع؛ ففي قضية الأنشطة العسكرية في نيكاراغوا، أوضحت المحكمة أن نطاق المادة الأولى المشتركة من اتفاقيات جنيڤ، يشمل التزام الدول بعدم تشجيع الأشخاص أو الجماعات المُشترِكة في النزاع في نيكاراغوا على انتهاك أحكام المادة الثالثة المشترَكة. يُنظر: محكمة العدل الدولية، "القضية المتعلقة بالأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا"، 27 حزيران/ يونيو 1986، ص 219، الفقرة 220.
[82] Henckaerts, pp. 23-24.
[83] وائل علام، القانون الدولي العام (القاهرة: دار النهضة العربية، 2022)، ص 90.
[84] Kleffner, p. 84.
[85] ثمة تعريف آخر للقانون اللّيّن، وهو أنه مجموعة من المبادئ والقواعد والمعايير التي تحكُم العلاقات الدولية، وغير نابعة عن أيٍّ من مصادر القانون الدولي المنصوص عليها في المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية. يُنظر:
Henckaerts, p. 27.
[86] من أمثلة وثائق القانون اللّيّن في القانون الدولي الإنساني: وثيقة مونترو بشأن الشركات العسكرية والأمنية الخاصة؛ وعملية كوبنهاغن بشأن التعامل مع المعتقلين في العمليات العسكرية الدولية. وقد اعتُمدت الوثائق السابقة بمبادرة من إحدى الدول، وتبنّتها دول أخرى في مرحلة لاحقة. وعلاوة على هذا النوع من الوثائق، فثمة وثائق أخرى صادرة عن منظمات دولية، وخصوصًا الأمم المتحدة، مثل المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن النزوح الداخلي، والمبادئ الأساسية والتوجيهية بشأن الحقّ في الانتصاف والجبر لضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطرة للقانون الإنساني الدولي. يُنظر:
Ibid., p. 28.
[87] Crawford & Pert, p. 38.
[88] ماركو ساسولي [وآخرون]، كيف يوفر القانون الحماية في الحرب، ترجمة اللجنة الدولية للصليب الأحمر (جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، [د. ت.])، ص 322.
[89] إعلان الحرب هو تصرّف من جانب واحد يُنشِئ حالةَ الحرب، بغض النظر عن موقف أو سلوك من وُجِّه إليه أو إليهم. يُنظر: كنوت دورمان [وآخرون]، تعليق على اتفاقية جنيف الأولى، ترجمة اللجنة الدولية للصليب الأحمر (جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2016)، الفقرة 203.
[90] المرجع نفسه، الفقرات 203-204، 206.
[91] Dieter Fleck, "Scope of Application of International Humanitarian Law," in: Dieter Fleck (ed.), The Handbook of International Humanitarian Law, 4th ed. (Oxford: Oxford University Press, 2021), p. 54.
[92] اختلف الفقهاء بشأن هذا النوع من النزاع المُسلّح، ومتى تنطبق أحكام القانون الدولي الإنساني عليه؛ فأنصار نظرية الطلقة الأولى (First-shot’ theory) يرون أن قانون النزاع المسلح الدولي ينطبق منذ اللحظة الأولى التي تَستخدم فيها دولةٌ ما القوّةَ المسلحةَ ضد دولة أخرى، مهما كانت شدة القوة أو شكلها أو مدتها، وبغض النظر عمّا إذا كانت دولةٌ ما تستخدم القوة من جانب واحد ضد أخرى، أم كانت كلتا الدولتَيْن تستخدمان القوة ضد بعضهما؛ في حين يرى فقهاء آخرون أنه للقول بوجود نزاع مسلح، بما في ذلك النزاعات التي تحدث بين دولتَيْن أو أكثر، فلا بد أن تنخرط الأطراف المتحاربة في عنف بمستوًى مُعيَّن من الشدة. ومن ثم، ووفقًا لهذا الرأي، لا يكفي لتطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني اللجوء إلى القوة المسلحة بين الدول فقط، بل لا بد أن يصل استخدام القوة إلى مستوًى مُعيَّن الشدّة. ومن ثم، فإن المناوشات الحدودية البسيطة أو اختطاف أحد أفراد القوة المسلحة لدولة أو احتجازه من دولة أخرى، لا ترقى لمستوى النزاع المسلح الدولي. ومثل هذا الرأي كان محلّ انتقاد شديد، بوصفه ينطوي على خطر خلق فراغ قانوني، ويُفقِد المتأثرين بالعمليات العدائية حماية القانون الدولي الإنساني. والرأي الأول هو الأقرب للصّواب، لتوافقه مع الغرض الأسمى لاتفاقيات جنيڤ، المُتمثِّل في كفالة أقصى قدر من الحماية لضحايا النزاعات المسلحة. يُنظر:
Ibid, p. 52.
[93] دورمان [وآخرون]، الفقرة 218.
[94] Fleck, p. 53.
[95] دورمان [وآخرون]، الفقرة 303.
[96] Henriksen, p. 288.
[97] محكمة العدل الدولية، "الأنشطة المسلحة في أراضي الكونغو"، 19 كانون الأول/ ديسمبر 2005، ص 154-156.
[98] Heinsch, p. 237.
[99] Henriksen, pp. 287-288.
[100] دورمان [وآخرون]، الفقرة 276.
[101] ميلتسر، ص 59.
[102] صلاح الدين عامر، مقدمة لدراسة القانون الدولي العام (القاهرة: دار النهضة العربية، 2007)، ص 720.
[103] Tilman Rodenhäuser, Organizing Rebellion: Non State Armed Groups under International Humanitarian Law, Human Rights Law, and International Criminal Law (Oxford, UK: Oxford University Press, 2018), pp. 27-28.
[104] Y. Sandoz et al., Commentary on the Additional Protocols of 8 June 1977 to the Geneva Conventions of 12 August 1949 (Geneva: ICRC; Nijhoff, 1987), p. 1321, para. 4345.
[105] Sandesh Sivakumaran, The Law of Non-International Armed Conflict (Oxford: Oxford University Press, 2018), p. 16.
[106] Ibid., pp. 14-15.
[107] روجيه بارتلز، "الجداول الزمنية والحدود والنزاعات: التطور التاريخي للتقسيم القانوني بين النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية"، مختارات من المجلة الدولية للصليب الأحمر، مج 91، العدد 873 (آذار/ مارس 2009)، ص 22.
[108] Rodenhäuser, p. 33.
[109] Georges Abi- Saab, "Non- International Armed Conflicts," in: UNESCO & Institute Henry-Dunant, International Dimensions of Humanitarian Law (The Hague: Nijhoff, 1988), p. 219.
[110] من الالتزامات التي فرضتها المادة الثالثة المشتركة على جميع أطراف النزاعات المسلحة غير الدولية، بما فيها الجماعات المسلحة:
- حظر عدد من الأفعال تُجاه الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرةً في الأعمال العدائية، أو لم يعودوا مشتركين فيها، مثل: الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وأخذ الرهائن، والاعتداء على الكرامة الشخصية، وإصدار الأحكام، وتنفيذ العقوبات من دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مُشكَّلة تشكيلًا قانونيًا.
- جمع الجرحى والمرضى والاعتناء بهم.
[111] دورمان [وآخرون]، ص 130-131.
[112] ساسولي، مرجع سابق.
[113] يلينا بيجيتش، "نطاق الحماية الذي توفره المادة 3 المشتركة: واضح للعيان"، مختارات من المجلة الدولية للصليب الأحمر، مج 93، العدد 881 (آذار/ مارس 2011)، ص 4.
[114] Andrew Clapham, "Focusing on Armed Non-State Actors," in: Andrew Clapham & Paola Gaeta (eds.), The Oxford Handbook of International Law in Armed Conflict (Oxford: Oxford University Press, 2014), p. 786.
[115] Sandoz et al., p. 1325, para. 4360, 4362.
[116] Emily Crawford, "Geneva Conventions Additional Protocol II (1977)," Oxford Public International Law, accessed on 14/1/2026, at: https://acr.ps/1L9F31I
[117] Eric David, "Internal (Non-International) Armed Conflict," in: Andrew Clapham & Paola Gaeta (eds.), The Oxford Handbook of International Law in Armed Conflict (Oxford: Oxford University Press, 2014), p. 356.
[118] Ibid, pp. 360-361.
[119] Rodenhäuser, p. 49.
[120] David, p. 361.
[121] آن ماري لاروزا وكارولين فوزنر، "الجماعات المسلحة والعقوبات وإنفاذ القانون الدولي الإنساني"، مختارات من المجلة الدولية للصليب الأحمر، مج 90، العدد 870 (حزيران/ يونيو 2008)، ص 72.
[122] Sandoz et al., p. 1353, paras. 4468-4469.
[123] Rodenhäuser, pp. 52-53.
[124] Heinsch, p. 238.
[125] Fleck & Bothe (eds.), p. 50.
[126] توني بفنر، "آليات ونهج مختلفة لتنفيذ القانون الدولي الإنساني وحماية ومساعدة ضحايا الحرب"، مختارات من المجلة الدولية للصليب الأحمر، مج 91، العدد 874 (حزيران/ يونيو 2009)، ص 41.
[127] كنوت دورمان وخوسيه سيرالفو، "المادة (1) المشتركة بين اتفاقيات جنيف والالتزام بمنع انتهاكات القانون الإنساني الدولي"، المجلة الدولية للصليب الأحمر، مج 96، العدد 895/896 (2014)، ص 708.
[128] وائل أحمد علام، القانون الدولي الإنساني (الشارقة: جامعة الشارقة، 2018)، ص 351.
[129] "اتفاقية جنيف الأولى"، 1949، المادة 49.
[130] Sassòli, p. 85.
[131] Fleck & Bothe (eds.), p. 47.
[132] ميلتسر، ص 258.
[133] "البروتوكول الإضافي الأول"، المادة 80، الفقرة 2.
[134] "البروتوكول الإضافي الأول"، المادة 87، الفقرة 2.
[135] دورمان [وآخرون]، الفقرتان 154، 181.
[136] محكمة العدل الدولية، "القضية المتعلقة بالأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا".
[137] Sassòli, p. 105.
[138] Ibid, p. 106.
[139] Ibid., p. 107.
[140] Crawford & Pert, pp. 275-276.
[141] بفنر، ص 49.
[142] Crawford & Pert, p. 279.
[143] بفنر، ص 48.
[144] للحصول على تحديثات بشأن الدول الأطراف في اللجنة، يُنظر:
“A Brief Overview,” IHFFC, accessed on 18/3/2026, at: https://acr.ps/1L9B9RV
[145] ميلتسر، ص 286.
[146] Philippe Bretton, Droit international humanitaire (Paris: Dalloz, 2000), para. 41.
[147] نصّت المادة (3) من اتفاقية لاهاي لعام 1907 على أنّه: "يكون الطرف المتحارب الذي يُخلّ بأحكام اللائحة المذكورة مُلزَمًا بالتعويض إذا دعت الحاجة، كما يكون مسؤولًا عن جميع الأعمال التي يرتكبها أشخاص ينتمون إلى قواته المسلحة".
[148] جون ماري هنكرتس ولويز دوزوالد-بك، القانون الدولي الإنساني العرفي، المجلد الأول: القواعد (جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر؛ مطابع جامعة كمبريدج، 2005)، ص 463-464.
[149] لجنة القانون الدولي، التقرير الثالث عن مسؤولية الدول مقدم من السيد جيمس كروفورد (جنيف: 2000)، الوثيقة رقم A/CN.4/507، الفقرة 24، ص 17.
[150] إيمانويلا–شيارا جيلارد، "إصلاح الأضرار الناتجة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني"، المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد 851 (2003)، ص 2.
[151] Mansour Jabbari-Gharabagh, "Type of State Responsibility for Environmental Matters in International Law," Revue Juridique Themis, vol. 33, issue 1 (1999), p. 109.
[152]حولية لجنة القانون الدولي، الوثيقة رقم A/CN.4/SER.A/2001/Add.1 (Part 2)، (2001)، ص 138-139.
[153] بفنر، مرجع سابق.
[154] عبد الكريم عوض خليفة، القانون الدولي الإنساني مع الإشارة إلى أحكام الشريعة الإسلامية (الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة، 2015)، ص 116.
[155]حولية لجنة القانون الدولي.
[156] “Establishment and Mandate of the United Nations Compensation Commission (UNCC),” United Nations, accessed on 18/3/2026, at: https://acr.ps/1L9B9Px
[157] David Turns, "Implementation of International Humanitarian Law," in: Ben Saul & Dapo Akande (eds.), The Oxford Guide to International Humanitarian Law (Oxford: Oxford University Press, 2020), p. 367.
[158] علام، القانون الدولي الإنساني، ص 371.
[159] محمود شريف بسيوني، القانون الدولي الإنساني (القاهرة: دار النهضة العربية، 2016)، ص 145، 151.
[160] أنطونيو كاسيزي [وآخرون]، القانون الجنائي الدولي، ترجمة مكتبة صادر، ط 3 (بيروت: مكتبة صادر ناشرون، 2015)، ص 467.
[161] إيمانول ديكو، "تعريف الجزاءات التقليدية: نطاقها وخصائصها"، مختارات من المجلة الدولية للصليب الأحمر، مج 90، العدد 870 (حزيران/ يونيو 2008)، ص 34.
[162] محمد فهاد الشلالدة، القانون الدولي الإنساني (الإسكندرية: منشأة المعارف، 2005)، ص 367-370.
[163] كالسهوفن وتسغفلد، ص 221-222.
[164] "نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية"، 1998، المادة 5.
[165] المرجع نفسه، المادتان 12-13.
[166] المرجع نفسه، المادة 17.
[167] Crawford & Pert, p. 288.