الموجز
القانون الدولي العام هو مجموعة من القواعد القانونية الدولية الملزمة للدول والأشخاص الدوليين الآخرين في علاقاتهم المتبادلة. تعود أصول هذا القانون إلى العصور القديمة، أما القانون الدولي المعاصر، فترتبط نشأته بظهور الدولة القومية الحديثة في
أوروبا، في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وبعد أن كان القانون الدولي التقليدي يقتصر في الماضي على تنظيم العلاقات فيما بين الدول، لم تَعُد هذه الأخيرة الفاعل الوحيد في الميدان الدولي، وإن ظلت العنصر الأهم على هذا الصعيد. وفي القرن الحادي والعشرين، ثمة زيادةٌ مطردة في عدد
المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، التي تغطي أنشطتها عمليًّا مناحي الحياة جميعها، فضلًا عن الفاعلين الاقتصاديين الكبار في سياق العولمة الاقتصادية والمالية، وثورة التكنولوجيات الرقمية الحديثة.
يولي القانون الدولي المعاصر عناية بالإنسان، الذي هو غاية المجتمع داخليًّا كان أم دوليًّا، فبعد أن كان موضوع
حقوق الإنسان يقع حتى عهد قريب ضمن الاختصاص الوطني الحصري لكل دولة، أصبح يُنظر إليه على أنه يهم
المجتمع الدولي بأسره. ويتناول القانون الدولي العام بالتنظيم والحماية، حقوق الإنسان في زمن السلم (القانون الدولي لحقوق الإنسان)، وفي أثناء النزاعات المسلحة (القانون الدولي الإنساني)، وقد أصبح الأفراد الذين يرتكبون الجرائم الدولية التي تثير قلق المجتمع الدولي بأسره، مسؤولين عنها بصفتهم الفردية، وعرضة للعقاب عليها في إطار
القانون الدولي الجنائي.
يعد
مبدأ واجب الوفاء بالمعاهدات ومبدأ السلامة الإقليمية، وعدم المساس بسيادة الدول وبوحدة أراضيها، الركيزتين الأساسيتين اللتين يقوم عليهما القانون الدولي، وهو يهتم بالشعوب والجماعات وحقها في التنمية والديمقراطية، وكذلك بالمجموعات البشرية التي تهجّر من أوطانها لأسباب مختلفة.
وقواعد القانون الدولي اتفاقية أو رضائية في الأساس، وهو يشمل مجالات كثيرة، ويلامس معظم جوانب الحياة اليومية، ويؤثر في سلوك الفاعلين جميعهم من الدول، والكيانات من غير الدول، والأفراد العاديين.
لذا، فثمة توسع كبير في قواعد القانون المذكور، الذي يتفرع إلى عدة فروع، مثل: القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي للاجئين، والقانون الدولي للبحار، والقانون الدولي البيئي، والقانون الدولي للتنمية، وغيرها.
تعريفه وخصوصياته
القانون الدولي والمجتمع الدولي
إن مصطلح "القانون الدولي العام" السائد هو المصطلح الوريث لمصطلح
قانون الأمم[1] (بالإنكليزية: Law of Nations؛ وبالفرنسية: Droit des gens) الذي شاع في نهاية القرون الوسطى، وكان يختص بحكم العلاقات بين مواطني
روما والأجانب المقيمين فيها، ولكنه لم يَعُد يستخدمه إلا عدد قليل من الفقهاء[2]، وحل محله ابتداءً من القرن التاسع عشر مصطلح "القانون الدولي العام".
وكان أول من استخدم مصطلح "القانون الدولي" (International Law)، المفكر الإنكليزي
جيرمي بنثام (1748-1832)، في كتابه الشهير
مدخل إلى مبادئ الأخلاق والتشريع، الذي نُشِر في عام 1789[3].
وأضيفت صفة "العام" إلى "القانون الدولي" لأول مرة في الترجمة الفرنسية للكتاب المذكور التي ظهرت في
سويسرا في عام 1802[4]. وينصرف مصطلح "القانون الدولي" عند ذكره من دون اقترانه بصفة العام أو الخاص، إلى القانون الدولي العام. وتضاف صفة "الخاص" إلى مصطلح "القانون الدولي" (القانون الدولي الخاص {{القانون الدولي الخاص: هو مجموعة من القواعد القانونية التي تُعنى بتنظيم العلاقات الخاصة التي يشوبها عنصر أجنبي، من خلال تعيين القانون الواجب تطبيقه في مسائل تنازع القوانين، علاوة على تنظيم مركز الأجانب القانوني من حيث الموطن والجنسية، وبيان شروط الاعتراف بالأحكام الأجنبية وكيفية تنفيذها.}})، عندما يتعلق الأمر بعلاقات القانون الخاص ذات العنصر الأجنبي، التي تستقل الدول، بوصفها أصلًا عامًا، بوضع قواعد القانون الدولي الخاصة بها، سواء في القوانين المدنية أم في قوانين مستقلة[5].
ولا تعني كلمة "العام" أن قواعد هذا القانون عامة أو عالمية التطبيق، فهي كما يمكن أن تكون عالمية، تنطبق على العلاقات بين الدول جميعها، فقد تكون نسبية، بمعنى أنها لا تنطبق إلا في العلاقة بين عدد محدود من الدول، بل قد لا تسري إلا في العلاقة ما بين دولتين فحسب.
وتتعدد تعريفات القانون الدولي بتعدد المشتغلين بدراسته، ونظرًا إلى صعوبة تعريف هذا القانون، فقد آثر بعضهم عدم تعريفه، واستهلوا مؤلفاتهم فيه بالبحث مباشرة في مصادره[6]. ولما كانت
الدولة هي الشخص الوحيد للقانون الدولي فيما مضى، كان الفقهاء يذهبون في تعريفهم إياه إلى أنه "مجموعة القواعد المنطبقة على العلاقات فيما بين الدول"، إذ كان القانون الدولي مقتصرًا على حكم العلاقات فيما بين الدول فقط بِعدّها المالكة الحصرية للسيادة. إلا أن التعريفات هذه لم تعد صالحة بعد أن أصبح القانون المذكور يخاطب أشخاصًا آخرين يمتلكون الصفة القانونية الدولية، مثل المنظمات الدولية الحكومية منها وغير الحكومية (قانون المنظمات الدولية)، والأفراد العاديين (القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي الجنائي)، والشعوب وحركات التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار الأجنبي، والأنظمة العنصرية، والاحتلال الأجنبي.
ومن ثَمَّ، يمكن تعريف "القانون الدولي" بأنه "مجموعة القواعد القانونية التي تحكم العلاقات بين أشخاص المجتمع الدولي"، وإن كان هذا التعريف لا ينفي أن القانون المذكور يظل في الدرجة الأولى قانونًا بين الدول.
القانون الدولي وقواعد السلوك الدولية الأخرى
تختلف قواعد القانون الدولي عن قواعد السلوك الدولية الأخرى التي تهدف بدورها إلى توجيه سلوك الدول في المجتمع الدولي، ولكن من دون أن تتوافر لها صفة الإلزام مثله؛ فقواعد القانون الدولي تختلف عن قواعد الأخلاق الدولية التي يمليها الضمير العام أو المثل العليا على الدول، مثل تقديم المساعدة طوعيًّا للدول التي تتعرض للكوارث الطبيعية أو للأوبئة والمجاعة. وهي تختلف كذلك عن قواعد المجاملات الدولية التي هي عادات مستحبة، يمليها حسن سير العلاقات بين الدول، مثل قواعد البروتوكول في استقبال رؤساء الدول الأجنبية والحفاوة بهم، وتبادل التهاني في المناسبات الوطنية، والتعبير عن مشاعر التعاطف في حالة
الكوارث الطبيعية.
ويختلف القانون الدولي كذلك عن
القانون الطبيعي؛ فالأول قانون وضعي تضعه الدول، أما الثاني فهو قانون مثالي يوحي به العدل والإنصاف والمنطق، ويعكس ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع الدولي، وليس ما هو عليه فعلًا. وفكرة وجود قانون طبيعي سابق للقانون الوضعي وأعلى منه فكرة قديمة؛ فعبر التاريخ، كانت هناك دائمًا علاقة معقدة بين المثالية والواقعية، وبين ما ينبغي أن تكون عليه الأشياء وما هي عليه فعلًا[7].
إلزامية القانون الدولي
خلافًا للقانون الداخلي، ثمة جدلٌ مستمر في القوة الإلزامية لقواعد القانون الدولي، وفاعليتها وإعمالها على أرض الواقع، وفي الأساس الذي تنبني عليه هذه القوة الإلزامية[8]. وفي هذا السياق، يُطرح تساؤل عن فاعلية القانون الدولي في رفع الظلم عن الشعوب المضطهدة، وعن قدرته على إيقاف الحروب، مثل الحرب الإسرائيلية على
قطاع غزة بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
الآراء النافية لإلزامية القانون الدولي
يعد أشهر المعبّرين عن التيار المنكر لإلزامية القانون الدولي هو
جون أوستن {{جون أوستن: (John Austin، 1790-1859) فيلسوف قانوني إنكليزي، ومؤسس المدرسة الوضعية، عرّف القانون بأنه أوامر الحاكم الأعلى الملزمة بالجزاء، وأنكر صفة الإلزام عن القانون الدولي العام، بناءً على أنه مجرد قواعد أخلاقية، أو قانون إيجابي بين الدول لغياب سلطة سيادية عليا تفرضه.}} الذي كان يشترط لوجود القانون وجود سلطة عليا صاحبة سيادة تأمر فتُطاع. وبالنظر إلى عدم صدور القانون الدولي عن سلطة دولية مركزية فوق الدول، تفرض إرادتها عليها بوسائل الإكراه الجبري، فقد خلص أوستن إلى أن ما يسمى "القانون الدولي" ليس قانونًا بالمعنى الدقيق، بل هو مجرد أخلاق دولية تفتقر إلى القوة الإلزامية، ولا تترتب على مخالفتها أي مسؤولية دولية[9].
جون أوستن(1790-1859)
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يفتقر المجتمع الدولي إلى ما يتوفر للمجتمع الداخلي من سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية. وعلى خلاف القانون الداخلي، لا تضع قواعد القانون الدولي سلطة أعلى من الدول، بل تضعها دول متساوية في السيادة، ليس لأحدها نظريًا سلطة على الأخرى، وهي لا تلزم إلا الدول التي ترضى بها. ولا تعدّ
الأمم المتحدة التي يبلغ عدد أعضائها 193 دولة حكومةً عالمية، وهي ليست مشرعًّا دوليًّا. وخلافًا للمجتمع الداخلي، يفتقر المجتمع الدولي إلى جهاز تنفيذي وقوة دولية عليا، تتولى الإشراف على تطبيق قواعد القانون الدولي. ويقوم القضاء الدولي على رضا الأطراف، إذ لا وجود لقضاء دولي إلزامي، ولا تنظر
محكمة العدل الدولية إلا في القضايا التي تعرضها عليها الدول المتقاضية ولا توجد آلية ناجعة توقع الجزاء وتكفل امتثال تلك الدول بأحكام المحكمة وأوامرها.[10]
على نقيض هذا الاتجاه، ثمة رأي سائد في الفقه الدولي يدافع عن إلزامية قواعد القانون الدولي، ووفق هذا الرأي، لا يتطلب وجود القاعدة القانونية وجود سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية مركزية، فالعرف سابق على التشريع، وقد احتل فيما مضى مكان الصدارة، وذلك قبل أن يشهد تراجعًا لصالح التشريع في مختلف الدول، وإن كانت كثير من قواعد القانون الدولي ما تزال قواعد عرفية في الأساس. وبناء عليه، ووفقًا لهذا الرأي، يستمد القانون الدولي قوته الملزمة من أعراف دولية استقر العمل بها مدة طويلة، ومن قواعد آمرة لا يجوز الاتفاق على مخالفتها.
وتُعَدُّ
المعاهدات الدولية في مؤتمرات دولية، أو عن طريق منظمات دولية، ويمكن تشبيه إجراءات عقدها بالإجراءات المألوفة لوضع التشريع في داخل الدولة، وتتمتع بعض قرارات المنظمات الدولية بالصفة الإلزامية، ما يمكن معه مقارنتها بالتشريع الداخلي.
وعدم وجود سلطة قضائية دولية يضعف القانون الدولي، ولكن لا ينفي وجوده، وقد عرف المجتمعان الداخلي والدولي
التحكيم، وذلك قبل نشوء القضاء الدائم في كل منهما. ويتوفر للمجتمع الدولي عشرات المحاكم والهيئات القضائية الدولية التي يأتي في مقدمتها محكمة العدل الدولية (الأداة القضائية الرئيسة للأمم المتحدة)، وعدة محاكم دولية مختصة، مثل
المحكمة الدولية لقانون البحار، ومحاكم حقوق الإنسان، والمحكمة الجنائية الدولية التي أُنشِئت بموجب معاهدة دولية (النظام الأساسي للمحكمة أو
نظام روما) في عام 1998 والتي تختص بمحاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة
الإبادة الجماعية وجريمة
العدوان.
أما مقولة انتفاء الجزاء في القانون الدولي، فيؤخذ عليها أنها تبالغ في دور الجزاء في داخل المجتمع، إذ إن الجزاء شرط لفاعلية القانون لا لوجوده، ويشهد على ذلك أن القانون الدستوري يخلو من الجزاءات المنظمة، ولكن لا أحد يشكك بوجوده، وبأنه القانون الأسمى في الدولة[11].
ويتضمن القانون الدولي آلية لتنفيذه، وهو لا يجيز للدولة بأن تقيم العدالة بنفسها، إلا في حالة الدفاع عن النفس (المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة)، ويشكل اللجوء المنظم إلى القوة في إطار السلطات المخوّلة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بموجب الفصل السابع من
ميثاق الأمم المتحدة، نظامًا للأمن الجماعي، يهدف إلى معاقبة الدول المعتدية. ويُعرّف القانون المذكور عدة أنواع من الجزاءات التي تتلاءم وطبيعة العلاقات الدولية، وتمس هذه الجزاءات الكيان المادي أو المعنوي للدولة، كما في حالات
المقاطعة السياسية {{المقاطعة السياسية: إجراء دولي غير عسكري، تتخذه دولة أو مجموعة من الدول ضد دولة أخرى، يتبعه الامتناع عن إقامة علاقات دبلوماسية أو اقتصادية؛ بهدف الضغط السياسي أو العقابي، لتحقيق هدف معيّن، أو احتجاجًا وتعبيرًا عن رفض سياسات الدولة المستهدفة، من دون اللجوء إلى القوة المسلحة.}}، وقطع العلاقات الدبلوماسية والاحتجاجات الدبلوماسية، والفصل من عضوية المنظمات الدولية أو وقف العضوية فيها. وقد ينصب الجزاء على الذمة المالية للدولة، كما في حالات التعويض عن الضرر، والحجز على أموال الدولة، أو تجميدها والحصار الاقتصادي {{الحصار الاقتصادي: إجراء تتخذه دولة أو أكثر ضد دولة أخرى، يشمل تقييد التجارة والاستثمار والموارد الاقتصادية، بهدف الضغط على الدولة المحاصرة لاتخاذ موقف محدد، أو امتناع عن اتخاذه، أو لتصحيح انتهاكها لقواعد القانون الدولي، أو الالتزامات الناشئة عنه، من دون اللجوء إلى القوة المسلحة.}}. ويأخذ الجزاء شكل المسؤولية الجنائية الفردية لمرتكبي الجرائم الدولية، التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، بموجب المادة 25 من النظام الأساسي للمحكمة.
ويحتوي ميثاق الأمم المتحدة فصلًا كاملًا خاصًا بالتدابير التي يمكن لمجلس الأمن أن يقرر اتخاذها في حالة تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان (الفصل السابع، المواد 39-51). وقد سبق لمجلس الأمن أن فرض جزاءات اقتصادية على عشرات الدول وآلاف الكيانات والأفراد، واتخذت هذه الجزاءات عدة أشكال، مثل حظر الأسلحة، والحظر النفطي، وحظر الاستيراد والتصدير، وقطع العلاقات الدبلوماسية، وتجميد الأموال والأصول، وحظر الطيران[12].
كذلك، ثمة جزاءات معنوية تتمثل في سخط
الرأي العام العالمي {{الرأي العام العالمي: هو مجموع المواقف والاتجاهات الدولية التي تتبناها معظم شعوب العالم والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام، في فترة معينة ونحو قضية معينة، يحتدم بشأنها الجدل، وتمس مصالح الشعوب أو قيمها، وتشكّل ضغطًا معنويًّا على الدول، لتتقيد بالقانون الدولي وتنأى بنفسها عن الإدانات والتنديد بانتهاكه.}} على الدول التي تخرق القانون الدولي. ومن أمثلة ذلك الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة في العالم ضد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وخلافًا للاعتقاد السائد، تراعي الدول عمومًا القانون الدولي، إذ يقول
لويس هنكن {{لويس هنكن: (Louis Henkin، 1917-2010) أحد أبرز العلماء الأميركيين في مجال القانون الدولي، وأحد مؤسسي مجال حقوق الإنسان بوصفه فرعًا قانونيًّا أكاديميًّا، ركّز على سلوك الدول في القانون الدولي، مبرزًا الطابع الواقعي للالتزام الدولي، وتطبيق القانون الدولي على أرض الواقع.}}: "تراعي الغالبية العظمى من الدول، الغالبية العظمى من قواعد القانون الدولي في أغلب الأوقات"[13].
ولا تنكر أي دولة وجود القانون الدولي، بل تحاول جاهدة إقناع الدول الأخرى والرأي العام العالمي والمحلي باتفاق سلوكها مع قواعد القانون الدولي، معوّلة في ذلك على هامش التأويل الذي قد تُتيحه لها المعاهدات الدولية. وقد يطبق القضاء الوطني القانون الدولي، أما القضاء الدولي، فهو لم ينشأ إلا لتطبيق القانون الدولي.
وثمة أهمية للتبادلية أو
المعاملة بالمثل (Reciprocity) في التقيد بأحكام القانون الدولي، فعلى سبيل المثال: من مصلحة الدول احترام مبدأ السيادة الإقليمية للدول الأخرى، لأنها تتوقع منها احترام المبدأ نفسه في علاقتها بها؛ وتراعي الدول حصانة الدبلوماسيين الأجانب، لأنها إن لم تفعل ذلك فهي تعرّض دبلوماسييها في الخارج للخطر[14].
لا تُعدّ كثرة الخروقات للقانون الدولي دليلًا على انتفاء وجوده، فخروقات الدساتير والقوانين الوطنية كثيرة كذلك، ومع ذلك، لا يُشكّك في وجودها وإلزاميتها. ولئن كانت خروقات القانون الدولي تظهر ضعفًا نسبيًّا في فاعلية هذا القانون، فإنها لا تعني نفي وجوده أو نفي الحاجة إليه، أو التشكيك في طبيعته القانونية. إن تطبيق القانون الدولي لا يقوم على رضا الدول وقبولها بالخضوع له فحسب، بل ينبع من الشعور المعنوي بإلزاميته، وتحمّل المسؤولية الدولية في حالة انتهاكه[15].
وكما ذهب
إيان براونلي، فإن الانتقادات الموجهة إلى القانون الدولي أيًا كانت، توفر "بنية معيارية لنظام مجتمع دولي قائم على قواعد، وهو في الوقت الحاضر يخضع للاختبار، وربما للتدمير. ولكنه لو دمر فسنكون جميعًا أكثر المتضررين"[16].
نشأة القانون الدولي
يذهب عدد كبير من الدارسين إلى أن وجود القانون الدولي يعود إلى بدء نشوء الدول الأوروبية الذي تكرس في
معاهدة وستڤاليا التي عقدت في عام 1648، غير أن جذور هذا القانون قديمة، والحضارات جميعها أسهمت في ظهوره إلى حيز الوجود[17].
القانون الدولي قبل نشأة الدول الحديثة
عرفت العصور القديمة، التي تبدأ من الألف الثالث قبل الميلاد وتمتد إلى سقوط
الإمبراطورية الرومانية الغربية في عام 476، مجتمعاتٍ سياسية، مثل
الصين ومصر وفارس وروما، لم تكن فكرة تنظيم العلاقات فيما بينها وخضوعها لقواعد محددة غائبة تمامًا. وعرفت بلاد الشرق الأدنى المعاهدات التي لعلّ أبرزها "المعاهدة اللؤلؤة"، التي عقدت بين
رمسيس الثانيفرعون مصر، وخاتيشار أمير الحثيين في القرن الثالث عشر قبل الميلاد.
وعرفت
اليونان القديمة {{اليونان القديمة: هي حضارة شرقية أوروبية ظهرت قبل الميلاد، مهدت لمفاهيم الديمقراطية المباشرة، وحكم القانون، والفصل بين السلطات، وطورت من خلال فلاسفتها، مثل أفلاطون وأرسطو، مبادئ العدالة والالتزام بالقوانين بين المدن-الدول، وقد أثرت في الفكر القانوني والسياسي الغربي لاحقًا.}} بعض قوانين الحرب وأعرافها، وبعض التنظيمات الدولية والأحلاف العسكرية. أما الرومان فقد عرفوا التفرقة بين الحرب العادلة والحرب غير العادلة، وكان الاعتقاد السائد لديهم أن "قانون الأمم" الذي أوجدوه لتنظيم أنشطة الأجانب في روما، يصلح للتطبيق على الصعيد العالمي.
وشهدت العصور الوسطى في عام 622 ولادة الدولة الإسلامية، التي تمكنت في فترة قياسية من تكوين إمبراطورية وصلت جيوشها إلى مدينة
بواتييه في جنوب
فرنسا في عام 114هـ/ 732م. ولدولة
الإسلام قانونها المتعلق بالحروب، والتفرقة بين المدنيين والمقاتلين، والعناية بالأسرى والمرضى والجرحى، وهو ما يُعرف اليوم بـ"القانون الدولي الإنساني".
عاشت أوروبا خلال شطر كبير من القرون الوسطى التي تبدأ بسقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية، على يد الخليفة العثماني
محمد الفاتح عام 857هـ/ 1453م، حالةً من الظلام والفوضى والحروب. وانتهى الصراع بين البابوية والإمبراطور وأمراء الإقطاع والملوك بانتصار هؤلاء الأخيرين في أوروبا التي ظهرت فيها نواة الدول القومية الأوروبية التي تُعرَف الآن.
وعلى أساس من التفرقة بين الحروب العادلة وغير العادلة، شنّت أوروبا تحت قيادة
الكنيسة الكاثوليكية وبدعوة منها، بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، الحروب الصليبية على العالم الإسلامي التي انتهت بارتداد الجيوش الأوروبية الغازية.
وأنشئت خلال القرون الوسطى القنصليات، وعُقدت اتفاقيات مع العالم غير المسيحي، من بينها معاهدة تحالف بين
فرنسوا ملك فرنسا و"الباب العالي" في عام 1532، ومعاهدة تجارة في عام 1535.
القانون الدولي ابتداءً من نشأة الدول الحديثة حتى الحرب العالمية الأولى
بمرور الزمن، اكتملت العناصر المنشئة للدول الأوربية المستقلة، وظهرت الدولة الإنكليزية إلى الوجود قبل غيرها من الدول الأوروبية، ووضعت معاهداتُ وستڤاليا حدًّا لحرب الثلاثين عامًا، بين الدول البروتستانتية والكاثوليكية، وأرست حجر الأساس لقانون عام أوروبي، يحكم العلاقات فيما بين الدول الأوروبية. وعقدت الدول الأوروبية مع الدول غير الأوروبية المعروفة في ذلك الوقت (الدولة العثمانية والصين واليابان وسيام (تايلندا) وفارس (إيران))، اتفاقيات عُرفت باسم "الامتيازات الأجنبية" التي تعفي الأوروبيين من الخضوع لقوانين تلك البلاد.
وبلورت معاهدة وستڤاليا فكرتين أساسيتين، تُعدَّان اليوم من أهم المبادئ التي يقوم عليها القانون الدولي، وهما:
مبدأ سيادة الدولة، ومبدأ المساواة في السيادة بين الدول، لكنها سيادة في نظر الأوروبيين حينذاك، وهي لا تشمل الشعوب والأمم الأخرى غير الغربية، التي وصفوها بأنها "غير متحضرة"، ورأوا أنها لا تملك الأرض التي تقيم عليها، ما شرعن لهم احتلالها واستيطانها وتقرير مصير أهلها.
وبعدئذٍ، أصبحت المعاهدات الجماعية الوسيلة الفضلى لتنظيم العلاقات بين الدول، وتعززت المؤسسة الدبلوماسية، واستقر مبدأ حرية أعالي البحار.
وتقاسمت الدول الأوروبية من خلال
اتفاقية برلين (1885)[18] القارةَ الأفريقية، ووزعت أراضيها فيما بينها، وظلّت تلك الدول القوة المسيطرة في المجتمع الدولي مدة طويلة من الزمن، وذلك قبل أن تضعف سيطرتها تدريجيًّا.
ووضعت خلال القرن التاسع عشر القواعد الخاصة بالممرات المائية الدولية وحماية الملكية الصناعية. وابتداءً من النصف الثاني من هذا القرن، وُلدت "المرافق العامة الدولية" -التي هي نواة المنظمات الدولية التي تُعرَف اليوم-، ومنها: اتحاد التلغراف العالمي (1865) الذي أصبح
الاتحاد الدولي للاتصالات السلكية واللاسلكية؛ والاتحاد العام للبريد (1874) الذي أصبح
اتحاد البريد العالمي.
وعُقدت عام 1864 أول اتفاقية دولية لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان[19]، وتوصّل مؤتمرا
لاهاي اللذان عُقِدا في عامَي 1899 و1907، إلى عقد عدد من الاتفاقيات الدولية، أبرزها
اتفاقية تسوية المنازعات الدولية بالطرق السلمية التي تضمنت النص على إنشاء "المحكمة الدائمة للتحكيم"، وتدوين قوانين الحرب البرية وأعرافها، في الاتفاقية الرابعة واللائحة المرفقة بها، بما في ذلك تقنين أساليب الحرب ووسائلها.
وأدى الرواد الأوائل للقانون الدولي دورًا كبيرًا في إرساء قواعد القانون الدولي، ومن هؤلاء: الإسبانيان
فرانسيسكو دو ڤيتوريا (Francisco de Vitoria، 1480-1546)، وفرانسيسكو سواريز Francise Suarez)، 1548-1617)، والإيطالي
ألبريكو جنتليس (Alberico Gentili، 1552-1608)، والسويسري
إمير دي ڤاتل (Emerich de Vattel، 1714-1767)، إذ دافعوا عن فكرة وجود قانون طبيعي، ينطبق على الثقافات والحضارات جميعها في الأزمان جميعها. وفي هذه الأثناء، ظهر الهولندي
هوغو غروشيوس (Hugo Grotius، 1583-1645) الذي نشر في عام 1625 كتابه المشهور
في قانون الحرب والسلمDe iure belli ac pacis الذي بفضله أُطلق عليه وصف "أبو القانون الدولي". ولا يؤسس غروشيوس قانون الأمم حصرًا على القانون الطبيعي، بل يضيف إليه القانون الإرادي، الناشئ عن إرادة الأمم والمعبّر عنها في الاتفاقيات المعقودة فيما بينها، والأعراف التي تسير عليها، شريطة اتفاقها مع القانون الطبيعي. وهو مدافع عن مبدأ "حرية أعالي البحار"، ومؤيد للسلام، وإن كان قد أبقى على التفرقة بين الحرب العادلة وغير العادلة[20].
كتاب قانون الحرب والسلم، الطبعة الثانية لعام 1631
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وقد بدأ التحول في الفقه في اتجاه
المدرسة الوضعية مع السويسري إمير دي ڤاتيل الذي ميّز في كتابه
في قانون الشعوب أو مبادئ القانون الطبيعي كما هي مطبّقة على سلوك الأمم وأصحاب السيادة وقضاياهم Le droit des gens ou Principes de la loi naturelle appliqués à la conduite et aux affaires des nations et des souverains الذي نشر عام 1758، بين "قانون الضمير" (القانون الطبيعي) و"قانون الواقع" (القانون الوضعي)، وهو لم ينكر القانون الطبيعي، ولكنه وضعه في مرتبة أدنى من القانون الوضعي، المتأتي من إرادة الدول، أي القانون النافذ فعلًا. ومع الإنكليزي جيريمي بنثام رائد
المدرسة النفعية، ترسخت الوضعية القانونية، وفي القرن التاسع عشر، قطعت المدرسة الوضعية للقانون الدولي كل صلة لها مع
مدرسة القانون الطبيعي.
القانون الدولي فيما بين الحربين العالميتين
تراجعت مكانة أوروبا في المجتمع الدولي بعد
الحرب العالمية الأولى، فظهرت إلى جانبها قوتان دوليتان مؤثرتان في العالم، هما:
الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوڤياتي. وأخذت
عصبة الأمم التي أنشئت في عام 1919 على عاتقها المحافظة على السلام، ومنع اندلاع النزاعات المسلحة. غير أن العصبة أخفقت في تحقيق أهدافها لعدة أسباب، لعلّ أبرزها: افتقارها إلى العالمية، إذ ظلت الولايات المتحدة خارج العصبة، ولم ينضم الاتحاد السوڤياتي إليها إلا في عام 1934، وفُصل منها في عام 1939، في إثر اعتدائه على
فنلندا؛ وإخفاقها في منع اليابان من الهجوم على
منشوريا (الصين)، وفي منع
ألمانيا من احتلال
بولونيا عام 1939، وفي منع
إيطاليا من الاستيلاء على
الحبشة (إثيوبيا)، وضمّها إياها في عام 1936.
في حين نجحت العصبة في "مأسسة القضاء الدولي"، وذلك بإنشاء "المحكمة الدائمة للعدل الدولي". ولم يحظر عهد العصبة اللجوء إلى القوة، واكتفى بتضييق الحق في اللجوء إلى الحرب، ولكن الحرب أصبحت "خارج القانون" بمقتضى
عهد برييان- كيلوغ المعقود بين الولايات المتحدة وفرنسا وعدد من الدول الأخرى في 27 آب/ أغسطس 1928.
القانون الدولي منذ الحرب العالمية الثانية
أسفرت
الحرب العالمية الثانية (1939-1945) عن إنشاء الأمم المتحدة في 26 حزيران/ يونيو 1945، واتخذت من مدينة
نيويورك مقرًا لها، وهو ما يعكس انتقال مركز الثقل من أوروبا إلى الولايات المتحدة. وحظر ميثاق الأمم المتحدة في الفقرة الرابعة من المادة الثانية منه "التهديد باستعمال القوة أو استخدامها" لكنه استثنى من ذلك صراحة حالات الدفاع عن النفس، والتدابير الجماعية التي يقررها مجلس الأمن في حالات تهديد السلم والإخلال به، أو وقوع العدوان في إطار السلطات المخوّلة، بموجب الفصل السابع من الميثاق الأممي.
ولم يحقق نظام الأمن الجماعي الذي ابتدعه الميثاق الأهداف المرجوة منه، وذلك بسبب
الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي التي سرعان ما بدأت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
منذ بداية الألفية الثالثة، واجه مجلس الأمن تحديًا بسبب حالة الصراع بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الروسي، والمبالغة في استخدامهما
الحق في النقض (الڤيتو) في مجلس الأمن. وقد باءت بالفشل محاولات إصلاح المجلس المطروحة، منذ انتهاء حقبة الحرب الباردة.
وشهدت الأعوام الأخيرة من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين أحداثًا بارزة، أهمها:
سقوط جدار برلين (1989)، وتفكك الاتحاد السوڤياتي (1991)، والغزو العراقي للكويت (1991)، والغزو الأميركي لأفغانستان (2001)، والغزو الأميركي للعراق (2003).
وشهدت هذه المرحلة زيادة كبيرة في عدد الدول، إذ بفضل حركة تصفية الاستعمار، بلغ عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة 193 دولة حتى عام 2026، وذلك بعد أن كان عدد الدول المشاركة في
مؤتمر سان فرانسيسكو، الذي عقد في عام 1945 والذي أسفر عن ولادة الأمم المتحدة، 50 دولة.
وثمة انتقادات تُوجّه إلى الولايات المتحدة بشأن تعاملها مع قواعد القانون الدولي التي لا تتوافق مع مصلحتها، وكذلك بشأن فرضها عقوبات على الدول والكيانات والأفراد، بناءً على ما تسميه
قانون الولايات المتحدة العابر للحدود (US Extraterritoriality law)، وبشأن موقفها من المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية[21].
وبعد أن اعترفت رسميًا بالقدس المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال ونقلت سفارتها من تل أبيب إليها في 6 كانون الأول/ ديسمبر 2017، اعترفت الولايات المتحدة الأميركية بضم إسرائيل هضبة الجولان السورية في 25 آذار/ مارس 2019، وهي تتخذ موقفًا منحازًا لهذه الأخيرة، وتمدّها بالأسلحة كافة في حربها الإبادية على قطاع غزة، ولا تتوانى عن الانحياز لها أمام القضاء الدولي المتمثل في محكمة العدل، بدليل موقفها من أمر المحكمة بشأن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، والمعاقبة عليها في قطاع غزة الصادر في 26 حزيران/ يونيو 2024، والمحكمة الجنائية الدولية، بدليل موقفها من أوامر الدائرة التمهيدية الأولى فيها باعتقال رئيس وزراء إسرائيل ووزير حربه في 21 تشرين الأول/ نوڤمبر 2024. بل وصل الأمر إلى حد تهديد قضاة المحكمتين ومدعي عام المحكمة الأخيرة ووضع عقوبات عليهما، إذ صرّح رئيس الولايات المتحدة ترمب، بأن المحكمة الجنائية الدولية، انخرطت في أعمال غير مشروعة، تستهدف الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل، ونتيجة لذلك، فرضت الولايات المتحدة عقوبات، تمثلت في تجميد أصول بعض مسؤولي المحكمة، وحظر التعاملات المالية والخدمية معهم، ومنع دخول قضاة وموظفين وأسرهم إلى أراضيها، ما مسّ باستقلالهم وحريتهم وسلامتهم، وأثر في حياد القضاء الدولي وفاعليته.
وتؤدي المنظمات الدولية التي يفوق عددها عدد الدول دورًا على الصعيد الدولي. أما
لجنة القانون الدولي التي أنشأتها
الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1947، فتُعنى بتشجيع التطور المطرد للقانون الدولي وتدوينه (المادة 13 من ميثاق الأمم المتحدة).
وزاد عدد القضايا المعروضة على محكمة العدل الدولية ابتداءً من ثمانينيات القرن العشرين. وقد نظرت في دعوى رفعتها
جنوب أفريقيا في 29 كانون الأول/ ديسمبر 2023 ضد إسرائيل، تتهمها فيها بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة. وقد أصدرت المحكمة رأيًا استشاريًّا في 19 تموز/ يوليو 2024، بشأن "الآثار القانونية الناجمة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية"[22].
وشهد العقد الأخير من القرن العشرين، تطور القانون الدولي الجنائي، الذي أعقبه إنشاء المحكمة الجنائية الدولية في عام 1998 التي تواصل النظر في الوضع في فلسطين، والتحقيقات في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في مناطق مختلفة من العالم.
وخلال هذه المرحلة الزمنية، زادت الميادينُ التي تدخل في دائرة نفوذ القانون الدولي، فبعد أن كان القانون الدولي التقليدي ينحصر في مجالات محددة نسبيًّا، أبرزها قواعد الحرب والحياد، والعلاقات الدبلوماسية والقنصلية، والتسوية السلمية للمنازعات الدولية، أصبح القانون الدولي المعاصر يتفرع إلى عدة فروع: قانون المنظمات الدولية، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي الاقتصادي، والقانون الدولي للتنمية، والقانون الإداري الدولي، والقانون الدولي للبيئة، والقانون الدولي الجنائي، وقانون العمل الدولي، والقانون الدولي للبحار، وقانون الفضاء الخارجي، والقانون الدولي للاجئين.
وشهد القرن العشرون زيادة ملحوظة في عدد فقهاء القانون الدولي الوضعيين، من أبرزهم: النمساوي
هانز كيلسن (1881-1973)؛ والفرنسي
جورج سل (George Scelles، 1878-1961)؛ والإنكليزية
ليزا أوبنهايم (Lisa Oppenheim، 1858-1919). وينتقد عدد من فقهاء دول الجنوب ودول أخرى القانون الدولي، إذ يأخذون عليه أنه من وضع الدول البرجوازية المسيطرة، وأنه غير محايد، وأنه أداة في خدمة
الإمبريالية، ومن هؤلاء: الروسي
غريغوري تونكين (Grigory Tunkin، 1906-1993)؛ والفرنسي
شارل شومون (Charles Chaumont، 1913-2001)؛ والجزائريون
محمد بجاوي (1929-) وأحمد محيو، وعبد المجيد بن شيخ؛ والمغربي
محمد بنونه (1943-)؛ والمصري (السويسري)
جورج أبي صعب (1933-)؛ والنيجيري
تسليم إلياس (Taslim Elias، 1914-1991).
أساس الصفة الإلزامية للقانون الدولي
تُثار مسألة الأساس الذي تنبني عليه القوة الإلزامية للقانون الدولي في القانون عمومًا، أي في القانون الداخلي والقانون الدولي على حدٍ سواء. ويمكن رد النظريات التي تفسر القوة الإلزامية للقانون الدولي إلى نظريات شكلية وأخرى اجتماعية[23].
النظريات الشكلية
تنقسم هذه النظريات إلى مجموعتين: النظريات الإرادية، والنظرية المحضة للقانون.
النظريات الإرادية
تذهب النظريات الإرادية إلى أن إرادة الدولة هي الأساس الوحيد للقوة الإلزامية للقانون، داخليًّا كان أم دوليًّا. وتنقسم هذه النظريات إلى مدرستين أو اتجاهين رئيسين، هما:
- نظرية التقييد الذاتي: تذهب هذه النظرية التي دافع عنها الفقهاء الألمان، إلى أن الإرادة المنفردة للدولة التي ليس ثمة إرادة تفوق إرادتها هي مصدر كل قاعدة قانونية.
- نظرية الإرادة المشتركة: تذهب هذه النظرية التي تبناها فقهاء ألمان وإيطاليون، إلى أن إرادة الدولة المنفردة هي مصدر القانون الداخلي، أما القانون الدولي فيستمد إلزاميته من الإرادة المشتركة أو المتحدة للدول.
وقد أُخِذ على النظريات الإرادية أنها تؤدي إلى نتائج خطرة، فما دامت إرادة الدولة مطلقة بالالتزام أو عدمه، فيكفي ألّا تبدي إرادتها بأي التزام، وهذا أمر يؤسس لغياب تام للقانون الدولي؛ وأنها لا تفسر حقيقة خضوع الدول الحديثة العهد بالاستقلال لقواعد القانون الدولي العرفي السابقة على وجودها؛ وأنه من غير المنطقي أن تُستمَد الصفة الإلزامية للقانون من إرادة الأشخاص الذين يخضعون له.
النظرية المحضة للقانون
تستبعد المدرسة النمساوية الإرادة بوصفها أساسًا لإلزام القاعدة القانونية، وهي ترى أن القواعد القانونية الداخلية والدولية، تشكل نظامًا أو هرمًا قانونيًّا تندرج قواعده من الأدنى إلى الأعلى، حتى تصل إلى ما يسميه كلسن القاعدة الأساس التي تستمد منها القواعد القانونية جميعها قوتها القانونية، وهي قاعدة "العقد شريعة المتعاقدين"[24]. وقد وُجِّه إلى هذه النظرية نقد مفاده أنها تتجاهل حقيقة أن ظاهرة القانون ظاهرة اجتماعية، وأنه لا يجد أساسه في قاعدة خيالية مفترضة.
النظريات الاجتماعية
تنقسم هذه النظريات بدورها إلى مجموعتين: نظرية القانون الطبيعي، ونظرية التضامن الاجتماعي.
القانون الطبيعي
تقوم مدرسة القانون الطبيعي التي هي الأقدم في البحث في أساس الصفة الإلزامية للقانون الدولي، على فكرة وجود قانون سابق على قيام الدول، وهو القانون الطبيعي. وفي حين أن لهذه النظرية أثرًا واضحًا في إرساء
مبدأ خضوع الدولة للقانون، وُجِّه إليها نقد مفاده أنه يصعب التيقن من وجود قانون طبيعي في ظل تباين الحضارات والثقافات في العالم.
النظرية الموضوعية الاجتماعية
تذهب هذه النظرية التي تبناها أساسًا كُتّاب فرنسيون إلى أن القانون يقوم على الضرورات الاجتماعية، فالقانون كما تراه النظرية، ليس ثمرة لإرادة الدولة، وإنما هو نتيجة للحياة الاجتماعية ولضرورات الحياة في المجتمع، وهو ضروري للمجتمع ومن صنعه، ولأنه كذلك، فلا بد أن يكون ملزمًا.
وقد تعرضت هذه النظرية كذلك للنقد، فقد قيل مثلًا إن القانون كما يمكن أن يكون تعبيرًا عن تضامن المجتمع، فقد يكون تعبيرًا عن الصراع بين الفئات والأفراد والدول.
ورغم ذلك، فإن مسألة البحث في أساس إلزامية القانون مسألة خارجة عن القانون الوضعي، ولا تهمه بالدرجة الأولى[25] .
العلاقة بين القانون الدولي والقانون الداخلي
بالرغم من أن القانون الدولي يُعنى بتنظيم العلاقات بين الدول وبقية الأشخاص الذين يتمتعون بالصفة القانونية الدولية، فإن آثاره تمتد لتشمل أفرادًا وجماعات ومؤسسات ممن ليس لهم الصفة الدولية، علاوة على أن تنفيذ الالتزامات الدولية المقررة في إطار القانون الدولي، يتطلب في معظم الأحيان تدخُّل هيئات وطنية، واتخاذ تدابير داخلية (مثل تعديل الدستور، أو سن تشريعات ملاءمة، أو قرارات تنظيمية، وغيرها).
يثير موضوع العلاقة بين القانونين الداخلي (يسمى كذلك القانون المحلي أو القانون الوطني) والقانون الدولي، تساؤلات عديدة تتصل بإدخال القانون الدولي في النظام القانوني الداخلي، وبتطبيق القضاء الوطني له، إضافة إلى السؤال الجوهري: هل يسمو القانون الدولي على القانون الداخلي أم لا؟ وهل يتعلق الأمر بنظام قانوني واحد (نظرية وحدة القانون)؟ أم هما نظامان قانونيان متساويان، منفصلان ويستقل أحدهما عن الآخر (النظرية الثنائية)؟
المذاهب الفقهية
تتلخص هذه المذاهب في تيارين فكريين رئيسين:
مذهب ثنائية (ازدواجية) القانونين
يرى أصحاب مذهب ثنائية (ازدواجية) القانونين (Le Dualism)، أن القانون الدولي والقانون الداخلي نظامان قانونيان مختلفان، مستقل أحدهما عن الآخر، ولا مكان للتنازع فيما بينهما. وتتلخص أسانيد هؤلاء باختلاف مصادر كل من القانونَين، واختلاف الأشخاص المخاطبين بقواعدهما، واختلاف بنية كل منهما أو طبيعته. ويرتب أصحاب المذهب عدة نتائج على هذه المقولات، أهمها: استحالة تمتع أي قاعدة قانونية في أي من القانونين بالصفة الإلزامية في القانون الآخر. ويترتب على الفصل المطلق بين النظامين أن القواعد الدولية لا تكتسب صفة الإلزام، إلا إذا تحولت إلى قوانين داخلية (عن طريق الاستقبال أو التحويل).
مذهب الوحدة بين النظامين القانونيين (Le Monisme)
ينظر أصحاب مذهب الوحدة بين النظامين القانونيين إلى القانون بمجموعه، سواء أكان داخليًّا أم دوليًّا، بوصفه وحدة واحدة أو بوصفه بناءً واحدًا، ولكنهم يختلفون في أولوية أحدهما على الآخر؛ فمنهم من يرى أن القانون الدولي يشتق من القانون الداخلي، وتبعًا لذلك، فهو أقل مكانة منه، وهذا هو الرأي المرجوح؛ أما الرأي الراجح، فيقول باشتقاق القانون الداخلي من القانون الدولي، وتبعًا لذلك فالأخير يسمو على الأول.
موقف القانون الدولي من النظريتين
لا يكرس القانون الدولي أيًا من النظريتين، وهو يأخذ بحلول وسط فيما بينهما، فعلى خلاف ما يذهب إليه أنصار مذهب ازدواج القانون، فهو لا يُلزِم الدولة بالمعاهدة التي تصدّق عليها، على خلاف الأصول الدستورية المتبّعة (مشكلة التصديق الناقص)، شريطة أن يكون التحجج بالتصديق الناقص قائمًا على
مبدأ حسن النية. وعلى خلاف ما يذهب إليه مذهب وحدة القانون، يحدد القانون الدستوري للدولة، لا القانون الدولي، الجهات الداخلية المختصة بإبرام المعاهدات الدولية، وكيفية إدخالها في النظام القانوني الداخلي، والمكانة التي يحتلها القانون الدولي في النظام المذكور، ولا يملك القضاء الدولي إعلان عدم دستورية القواعد الداخلية المخالفة له أو بطلانها، لأنه ليس قضاء إلغاء، بل هو قضاء تعويض فحسب. وتسري القاعدة القانونية الداخلية المخالفة للقانون الدولي داخل الدولة، إلى أن تعدّلها الأخيرة أو تلغيها. ويطبق القضاء الدولي القانون الدولي، ولا يطبق القانون الداخلي إلا في حالات استثنائية، فقد توجب عقود الاستثمار بين الدول والمستثمرين الأجانب، على هيئات التحكيم الدولية المكلفة بفضّ المنازعات المحتملة بين أطراف هذه العقود، تطبيق القانون الداخلي على هذه المنازعات، وقد يتطلب البت في القضايا المعروضة على المحاكم الدولية، البحث في القوانين الداخلية، وما إذا كانت هذه القوانين تُخِل بالالتزامات الدولية للدولة أم لا، وهو مستقر على تغليب القانون الدولي على التشريعات الداخلية الدولية، بما في ذلك القواعد الدستورية فيها[26].
ولا يجوز للدولة أن تحتج بقانونها الداخلي للتهرب من التزاماتها الدولية، وهذا ما توجبه المادة 27 من
اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات، ويُقصَد بالقانون الداخلي للدولة التشريعات فيها كافة، بما فيها دستور الدولة.
ويقع تنفيذ القانون الدولي على عاتق السلطات المختلفة في الدولة، كل منها في نطاق اختصاصها، ويكتفي القانون الدولي بتأكيد سموه على القانون الداخلي، ولكنه يترك لكل دولة حرية اختيار التدابير اللازمة لوضع هذا المبدأ المركزي موضع التنفيذ، وإذا قدّرت الدولة أن قانونها الداخلي متفق مع أحكام المعاهدة، فلها ألّا تتخذ أي تدبير لإدخالها في النظام القانوني الداخلي، ولكنها يمكن أن تتعرض للمسؤولية الدولية، في حال كان هذ التقدير مجافيًا للحقيقة.
إدخال القانون الدولي في النظام القانوني الداخلي
تختلف السلطة المختصة بالتصديق على المعاهدة الدولية من دولة لأخرى، وهذه المسألة ليس لها علاقة بالقانون الدولي، بل يختص بها دستور الدولة، غير أن الاتجاه العام في معظم الدول هو اختصاص السلطة التنفيذية ممثلةً برئيس الدولة بالتصديق، ولكن بعد الحصول على إذن السلطة التشريعية في بعض المعاهدات الدولية التي تنفرد بأهمية خاصة، والمحددة في دستور الدولة.
ففي
المملكة المتحدة، يعّد التصديق على المعاهدات الدولية من امتيازات التاج، ولكن لا بدّ من الحصول على إذن البرلمان قبل التصديق على المعاهدات التي يتطلب تطبيقها تعديلًا في القانون الداخلي، وتلك التي ترتب التزامات مالية على الحكومة، أو تؤثر في الحقوق الخاصة لمواطني المملكة. واشتراط حصول رئيس الدولة على موافقة البرلمان، قبل التصديق على بعض أنواع المعاهدات، هو المعمول به في كل من
هولندا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا.
ولا يختلف الوضع في الدول العربية عنه في الدول الأخرى؛ ففي
الكويت، على سبيل المثال، يبرم الأمير المعاهدات بمرسوم، على أن معاهدات الصلح والتحالف والمعاهدات المتعلقة بأراضي الدولة أو ثرواتها الطبيعية، أو بحقوق السيادة أو حقوق المواطنين العامة أو الخاصة، ومعاهدات التجارة والملاحة والإقامة والمعاهدات التي تُحمّل خزانة الدولة شيئًا من النفقات، يجب لنفاذها أن تصدر بقانون (المادة 70 من دستور دولة الكويت). وفي
قطر، يبرم الأمير المعاهدات والاتفاقيات بمرسوم، على أن بعض المعاهدات يجب لنفاذها أن تصدر بقانون (المادة 68). وفي
تونس، تكون الموافقة على المعاهدات تكون بقانون (الفصل 65)، وكذلك في
المغرب (الفصل 55 من دستور عام 2011)، وفي
الجزائر (المادة (153) من دستور عام 2020)، وفي مصر (المادة (151) من دستور عام 2014). وفي
الأردن، اكتفى الدستور باشتراط موافقة مجلس الأمة على نوعين من المعاهدات فقط، وهما المعاهدات والاتفاقات التي يترتب عليها تحميل خزانة الدولة شيئًا من النفقات، أو مساس في حقوق الأردنيين العامة أو الخاصة (المادة 33 من دستور عام 1952)، أما المعاهدات والاتفاقات الأخرى، فتستقل السلطة التنفيذية بعقدها من دون الحاجة إلى عرضها على المجلس[27].
مكانة القانون الدولي في النظام القانوني الداخلي
لم تكن الدساتير الوطنية في الماضي تولي مسألة العلاقةً بين القانون الداخلي والقانون الدولي أهميةً تُذكر، وقد اقتصر اهتمامها على بيان الجهة المختصة بإبرام المعاهدة. ومع تطور العلاقات الدولية، واتساع دائرة الموضوعات التي تتناولها المعاهدات الدولية، وازدياد عنايتها بحقوق الأفراد في داخل الدولة، ومع رسوخ مبدأ خضوع الدولة للقانون، وعضوية الدولة في عدد متزايد من المنظمات الدولية، كان لزامًا على الدولة أن تحدد نوع العلاقة بين القانون الداخلي والقانون الدولي.
وتتباين الحلول الدستورية لمسألة التعارض بين القانون الدولي والتشريعات الداخلية؛ ففي حين تندر الدساتير التي تقرّ بسمو القانون الدولي على القواعد الدستورية، تساوي بعض الدساتير بين القانون الدولي والقانون الداخلي، وتقرّ دساتير عدد متزايد من الدول بسمو القانون الدولي على التشريعات العادية، ولا تتضمن دساتير أخرى موقفًا واضحًا من هذه المسألة.
في دول القانون العام
يُعدّ القانون الدولي العرفي في الولايات المتحدة الأميركية، جزءًا من قانون البلاد، ويعامل معاملة القانون الاتحادي. أما المعاهدات الدولية التي تكون الولايات المتحدة طرفًا فيها، فهي تُعدّ إلى جانب دستور الولايات المتحدة لعام 1789، وقوانين الولايات المتحدة التي تصدر تبعًا له (وفق الفقرة الثانية من المادة السادسة من دستور الولايات المتحدة) القانونَ الأعلى للبلاد (The Supreme Law of the Land).
ولا يختلف الوضع في المملكة المتحدة عنه في الولايات المتحدة الأميركية، فالمبدأ هناك هو أن القانون الدولي جزء من قانون البلاد (International Law is Part of the Law of the Land)، غير أن تطبيقه ينحصر في القواعد الدولية العرفية، من دون القواعد الدولية الاتفاقية. وليس للمعاهدات الدولية في النظام الإنكليزي قيمة، إلا إذا استقبِلت بتشريع برلماني.
في بعض الدول الأوروبية
تقدّم هولندا المثال الأبرز على الأخذ بمذهب وحدة القانون مع سمو القانون الدولي على التشريعات الداخلية، بما في ذلك الدستور (المادة 93 من
الدستور الهولندي). وفي ألمانيا، تعلو الأعراف الدولية على التشريعات الاتحادية (باستثناء الدستور)[28]، أما القواعد الدولية الاتفاقية، فلا تعلو على القانون الاتحادي، بل هي مساوية له فقط مع ضرورة صياغتها على غرار قانون اتحادي (المادة 59 من القانون الأساسي عام 1949). وفي إيطاليا، تتساوى المعاهدة الدولية مع القانون الداخلي (المادة 10 من دستور عام 1948). وفي الاتحاد الروسي، يسمو القانون الدولي العرفي والقانون الدولي الاتفاقي على التشريعات الوطنية السابقة واللاحقة (المادة 15 من دستور الاتحاد عام 1993). وفي فرنسا، تقضي المادة 55 من
الدستور الفرنسي، بأن "يكون للمعاهدات والاتفاقات التي تُصدَّق أو يُوافَق عليها حسب الأصول عند نشرها، قوةٌ تفوق قوانين البرلمان، شريطة أن يطبقها الطرف الآخر في الاتفاق أو المعاهدة"، أي بشرط المعاملة بالمثل. ويمتنع وفقًا للمادة 54 من الدستور الإذن بالتصديق على المعاهدة أو الموافقة عليها، في حال إعلان المجلس الدستوري مخالفتها للدستور، إلا بعد تعديل هذا الأخير. وهذا ما جرى فعلًا في حالتَي
معاهدة ماستريخت (Maastricht) المنشئة للاتحاد الأوروبي لعام 1992، والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998. ومحكمة النقض الفرنسية ومجلس الدولة الفرنسي مستقران على مبدأ "سمو الدستور على المعاهدات والاتفاقيات الدولية"[29].
ويندمج
قانون الاتحاد الأوروبي في القانون المحلي للدول الأعضاء في الاتحاد وينطبق مباشرة فيها، من دون حاجة إلى أي إجراء خاص، وهو يسمو على القوانين الداخلية لها.
في الدول العربية
تتباين الحلول الدستورية العربية لمسألة العلاقة بين المعاهدة الدولية والقانون الداخلي، وذلك على الوجه الآتي:
- تخلو دساتير عدد قليل من الدول العربية من النص على القيمة القانونية للمعاهدة الدولية، ما يصعب معه على القضاء الوطني تطبيق المعاهدة. ولكن قد يعطي القضاء الوطني المعاهدة، من دون سند من الدستور، قيمةً قانونية أعلى من القوانين الداخلية، وهذا هو الوضع في كل من الأردن ولبنان وفلسطين[30].
- تعطي دساتير عدد كبير من الدول العربية المعاهدة الدولية، بعد إبرامها والتصديق عليها ونشرها في الجريدة الرسمية، قوةَ القانون الداخلي[31]. ومصدر النقد الرئيس للنصوص الدستورية التي تعامل المعاهدة بوصفها قانونًا، هو أنه يمكن لقانون داخلي لاحق، أن يعدّل أو ينسخ معاهدة سابقة تتعارض معه، والعكس بالعكس، وذلك بحسب القاعدة العامة المعروفة "اللاحق ينسخ السابق".
- تتقدم المعاهدات الدولية على القوانين العادية الداخلية في كل من
الدستور التونسي لعام 2014 (الفصل 20)؛ والدستور المغربي لعام 2011 (تصدير الدستور والمادة 19 منه)، مع التأكيد على ضرورة احترام ثوابت الهوية الوطنية؛ والدستور الموريتاني لعام 1998 (المادة 80)؛ والدستور الجزائري (المادة 154). ولكنه يُلحَظ أنه حتى في مثل هذه الحالة، قد يتضارب الاجتهاد القضائي بين اتجاه يرجّح القانون الوطني، وآخر يجعل المعاهدة الدولية في وضع أسمى من القانون المذكور[32].
- تحظر دساتير بعض الدول العربية إبرام معاهدة دولية تخالف أحكام الدستور، ومن هذا القبيل
الدستور المصري (المادة 151). وتؤكد مقدمة الدستور المغربي، على جعل الاتفاقيات الدولية تسمو على القانون الداخلي في نطاق الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة. أما الفصل 55 منه، فيوجب عدم التصديق على الالتزام الدولي الذي تصرح المحكمة الدستورية أنه يتضمن بندًا يخالف الدستور إلا بعد مراجعته. وفي الجزائر، يفصل المجلس الدستوري بقرار في دستورية المعاهدات والقوانين والتنظيمات (المادتان 190 و191). وفي موريتانيا، إذا ما أعلن المجلس الدستوري [...] أن التزامًا دوليًّا يتضمن بندًا مخالفًا للدستور، يوقف الترخيص في تطبيق هذا البند أو الموافقة عليه، ما لم تقع مراجعة الدستور (المادة 79).
مصادر القانون الدولي
تُعَدُّ المعاهدات الدولية المصدر الأول والأهم للقانون الدولي، ويليها في الأهمية
العرف الدولي والمبادئ العامة للقانون. وتشمل مصادر القانون الدولي كذلك مصدرين تكميليين أو احتياطيين، هما:
أحكام المحاكم، ومذاهب كبار الفقهاء، فضلًا عن
مبادئ العدل والإنصاف في حال موافقة أطراف الدعوى على ذلك.
هذه هي المصادر التي تطبقها محكمة العدل الدولية التي ورد ذكرها في المادة 38 من
النظام الأساسي لمحكمة العدل {{النظام الأساسي لمحكمة العدل: هو الوثيقة التأسيسية التي تحدد تشكيل المحكمة، واختصاصاتها في تسوية النزاعات الدولية وإصدار الآراء الاستشارية، وتضبط إجراءات عملها. ويُعدّ النظام جزءًا لا يتجزأ من ميثاق الأمم المتحدة، ويشكلان معًا مرجعية قانونية عليا للقضاء الدولي، في تسوية النزاعات بين الدول، وفق أحكام القانون الدولي العام.}}. وإضافة إلى هذه المصادر، غدت الأعمال أو التصرفات التي تصدر عن الإرادة المنفردة للدول أو المنظمات الدولية مصدرًا مهمًا للقانون الدولي، على الرغم من عدم ذكرها في المادة المذكورة.
المعاهدات الدولية
إن القواعد التي تحكم المعاهدات الدولية هي في الأساس قواعد عرفية، ولكنها قُنّنت في اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات لعام 1969[33]، واتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات بين الدول والمنظمات الدولية، أو بين المنظمات الدولية لعام 1986.
التعريف بالمعاهدات الدولية
تتفق اتفاقيتا ڤيينا السابقتا الذكر على تعريف المعاهدة، إذ يقصد بها "الاتفاق المعقود بين الدول (في الاتفاقية الأولى)، وبين دولة وأكثر ومنظمة دولية أو أكثر، وبين منظمات دولية (في الاتفاقية الثانية) في صيغة مكتوبة، وينظمه القانون الدولي سواء أتضمنته وثيقة أو أكثر، وأيًا كانت تسميته الخاصة". ويتضح من هذا التعريف، أن أي صك دولي ينطبق عليه وصف المعاهدة الدولية، لا بد أن يُنسَب إلى دول أو منظمات دولية، أو إلى دول ومنظمات دولية، وأن يعبّر عن إرادتين أو أكثر لإنتاج آثار قانونية، وأن يتخذ الصيغة المكتوبة، وأن يخضع للقانون الدولي. وقد تكون المعاهدة في وثيقة واحدة أو أكثر، وقد يطلق عليها عدة تسميات، مثل الاتفاق والاتفاقية والميثاق والدستور والعهد والبرتوكول، ومذكرة التفاهم والوثيقة الختامية.
تصنيف المعاهدات الدولية
تصنّف المعاهدات الدولية من حيث عدد الدول الأطراف فيها، إلى معاهدات ثنائية وأخرى جماعية أو متعددة الأطراف؛ وتصنّف من حيث طبيعتها إلى معاهدات شارعة، وأخرى عقدية؛ ومن حيث إجراءات إبرامها إلى معاهدات شكلية (مطولة أو ارتسامية)، تمر بثلاث مراحل، هي المفاوضة والتوقيع والتصديق؛ وأخرى مبسّطة أو تنفيذية، تنعقد بمجرد التوقيع عليها ومن دون حاجة إلى التصديق.
إبرام المعاهدات الدولية
تشترك المعاهدات الثنائية والجماعية في عدد من الإجراءات المشتركة، في حين تنفرد المعاهدات الجماعية ببعض الإجراءات الخاصة.
- الإجراءات المشتركة في جميع أنواع المعاهدات
تمر المعاهدات الدولية بمرحلة المفاوضة، وتحرير ما يتوصل إليه المتفاوضون في محرَّر مكتوب، وتهيئته للتوقيع أو التصويت أو التوافق. ويتخذ التوقيع عدة أشكال: التوقيع بالأحرف الأولى، والتوقيع بشرط الرجوع إلى الحكومة، والتوقيع النهائي. وتعبّر الدولة عن رضاها بالمعاهدة بتوقيعها أو بتبادل وثائق إنشائها أو بالتصديق عليها، أو بالموافقة عليها أو بقبولها أو بالانضمام إليها، أو بأي وسيلة أخرى متفق عليها (المادة 11 من اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات). غير أن المعاهدات الدولية الارتسامية، تنص على أن يكون تعبير الدولة عن رضاها النهائي بالمعاهدة بالتصديق، والهدف من هذا الإجراء إعطاءُ الحكومة الوقت الكافي لمراجعة أحكام المعاهدة، قبل الالتزام النهائي بها.
وتختص السلطة التنفيذية ممثلة برئيس الدولة بالتصديق، ولكن بعد أن يأذن لها المشرع، وذلك عندما يتعلق الأمر بالمعاهدات الدولية التي تحظى بأهمية خاصة. وتدخل الاتفاقات المبسّطة في طور النفاذ، بمجرد تعبير الدولة المتفاوضة عن رضاها بالالتزام بالمعاهدة عبر توقيعها، أما المعاهدات الارتسامية الثنائية، فتدخل في النفاذ ابتداءً من تاريخ تبادل وثيقتَي التصديق (أو القبول أو الموافقة)، وقد تنص المعاهدة المفتوحة على الحد الأدنى من عدد المصادقات الضرورية لكي تصبح نافذة، أو من التاريخ الذي تنص عليه المعاهدة.
وتُسجَّل المعاهدة لدى جهة الإيداع المبيّنة فيها، فعلى سبيل المثال، تسجل كل معاهدة أو اتفاق دولي يعقده أي عضو من أعضاء الأمم المتحدة في الأمانة العامة للمنظمة التي تنشره بأسرع ما يمكن (المادة 102 من ميثاق الأمم المتحدة)، على أن عدم التسجيل ليس سببًا من أسباب بطلان المعاهدة، وكل ما له من أثر هو عدم الاحتجاج بالمعاهدة غير المسجّلة، لدى أي فرع من فروع الأمم المتحدة.
- الإجراءات الخاصة بالمعاهدات الجماعية (التحفظ والتسجيل)
يجري إعداد المعاهدات الجماعية في مؤتمرات دبلوماسية تُعقَد لهذا الغرض، بدعوة من الدول أو من المنظمات الدولية، وتساعد مجموعة من الوسائل في توسيع قاعدة الدول الأطراف في هذا النوع من المعاهدات، فللدول التي لم تشارك في المفاوضة على المعاهدة أو شاركت فيها، ولم يوقع مفوضوها عليها، أن توقع عليها في وقت لاحق (التوقيع المؤجل)؛ وللدول التي لم يسبق لها التوقيع على المعاهدة، أن تصبح أطرافًا فيها عن طريق الانضمام إليها؛ ولجميع الدول عند توقيعها أو تصديقها على المعاهدة، أو عند قبولها أو موافقتها عليها أو انضمامها إليها، استبعاد الأثر القانوني لأحكام معينة في المعاهدة، أو تعديله من حيث سريانها على الدولة (التحفظ على بند أو عدة بنود من المعاهدة). ويُعرّف
التحفظ حسب اتفاقية ڤيينا بأنه "إعلان" من جانب واحد، أيًا كانت صيغته أو تسميته، تصدره دولة ما عند توقيعها أو تصديقها أو قبولها أو إقرارها أو انضمامها إلى معاهدة، مُستَهدِفَةً به استبعاد أو تغيير الأثر القانوني لبعض أحكام المعاهدة من حيث سريانها على تلك الدولة، (م/2/1/د من اتفاقية ڤيينا). ولا تهم التحفظات عمليًّا سوى المعاهدات المتعددة الأطراف، ولا يمكن إبداؤها بعد التصديق. ويمتنع على الدولة التحفظ إذا كان ذلك محظورًا في المعاهدة، أو لا يقع ضمن التحفظات التي تجيزها. وفي حالة سكوت المعاهدة، يجوز إبداء التحفظ، شريطة أن يكون متماشيًا مع موضوع المعاهدة أو الغرض منها، ولا يُشترط قبول الدولِ المتعاقدة الأخرى التحفظَ. وتُقابِل عملية تبادل وثائق التصديق في المعاهدات الثنائية، عملية تسجيل المعاهدات الجماعية وإيداعها، ويمكن أن تكون جهة الإيداع دولة أو أكثر، أو منظمة دولية، أو الرئيس الإداري للمنظمة. وتقتصر وظائف جهة الإيداع على المهمات المادية فقط، التي تتطلبها حياة المعاهدة.
يشترط لصحة المعاهدات الدولية توافر شروط ثلاثة، تتصل بالأشخاص الذين يملكون حق إبرام المعاهدات (أهلية التعاقد)، وبسلامة التعبير عن الإرادة (الرضا بالمعاهدة)، وبمحل المعاهدة أو موضوعها (مشروعية محل المعاهدة).
- أهلية إبرام المعاهدات الدولية
أشخاص القانون الدولي الذين يحق لهم إبرام المعاهدات الدولية، هم الدول والمنظمات الدولية. والدول التي تستطيع عقد المعاهدات الدولية هي الدول المستقلة ذات السيادة، غير أنه لا يوجد ما يمنع الدول المستقلة من الدخول في معاهدات دولية مع دول لم تَنَل استقلالها بعد، ومثال ذلك دخول فلسطين في عدد كبير من المعاهدات الدولية. ويَرِدُ النصُّ على أهلية المنظمات الدولية لِعقد المعاهدات في المعاهدات المنشِئَة لها، ولكن هذه الأهلية ثابتة لها حتى في حالة غياب مثل هذه النصوص، وذلك بموجب نظرية السلطات الضمنية، التي تخوّلها عقد المعاهدات اللازمة لتحقيق أهدافها. وتجيز بعض المعاهدات الدولية لحركات التحرر الوطني أن تصبح طرفًا فيها، وقد تدخل هذه الحركات في عضوية المنظمات الدولية.
- سلامة التعبير عن الإرادة (الرضا بالمعاهدة)
عيوب الرضا التي قد تجعل المعاهدة باطلة أو قابلة للإبطال، هي:
الغلط والتدليس، وإفساد ممثل الدولة والإكراه. ويلحظ أن حالات احتجاج الدول بهذه العيوب نادرة في العمل، إذ لا يمكن الاحتجاج بعيبَي الغلط والتدليس إلا وفق شروط ضيقة، وذلك حتى لا يصبحا ذريعة للتحلل من المعاهدات. وتتردد الدول في الاحتجاج بهذين العيبين، لأن كرامتها تفرض عليها عدم الظهور بمظهر المخدوع أو المُغّرر به. كذلك، فإن إثبات حالات إفساد ممثل الدولة ليس أمرًا سهلًا. وفيما يتعلق بالإكراه بوصفه سببًا من أسباب بطلان المعاهدة، يلحظ أنه يمكن أن يقع على ممثل الدولة أو على الدولة ذاتها، ويندر وقوع النوع الأول من الإكراه، أما إكراه الدولة فهو كثير الحدوث، ولا تُعامَل الضغوط الاقتصادية والسياسية التي قد تسفر عن معاهدات غير متكافئة معاملة الإكراه المسلح الذي يبطل المعاهدة[34].
- مشروعية المحل
دخلت فكرة النظام العام الدولي إلى القانون الدولي الوضعي أول مرة في اتفاقيتي ڤيينا اللتين تنصّان على بطلان المعاهدة إذا كانت وقت عقدها تتعارض مع قاعدة آمرة من القواعد العامة للقانون الدولي، والمقصود بالقاعدة الآمرة (Jus Cogens): "القاعدة المقبولة والمعترف بها من قبل المجتمع الدولي ككل، وهي قاعدة لا يجوز الإخلال بها ولا يمكن تعديلها، إلا بقاعدة لاحقة من القواعد العامة للقانون الدولي، لها ذات الطابع" (المادة 53). ومن الأمثلة على القواعد الآمرة: حظر الإبادة الجماعية والتعذيب والرق والتمييز العنصري، والعدوان والأعمال القتالية التي تستهدف المدنيين، والحق في تقرير المصير. ولكنه لم يسبق لمحكمة العدل الدولية أن وصفت، صراحة، قاعدةً ما بأنها قاعدة آمرة، كذلك لم يسبق لها أن قضت ببطلان أي معاهدة لمخالفتها قاعدة آمرة[35].
تُحدِث المعاهدة على الصعيد الدولي آثارًا بالنسبة إلى الدول الأطراف وأخرى بالنسبة إلى الغير، والمبدأ الأساسي في قانون المعاهدات الدولية هو صفتها الإلزامية، ووجوب تنفيذها بحسن النية (المادة 26 من الاتفاقية)[36]. ولا يجوز لطرف في معاهدة أن يحتج بنصوص قانونه الداخلي، بوصفه سببًا مبررًا لإخفاقه في تنفيذ المعاهدة (المادة 27). أما على الصعيد الداخلي، فيقع تنفيذ المعاهدات على عاتق السلطات المختلفة في الدولة، كل منها في نطاق اختصاصها.
وبخصوص آثار المعاهدات بالنسبة إلى الدول الغير (وهي الدول التي ليست طرفًا فيها)، فالمبدأ هو "الأثر النسبي للمعاهدات"، بمعنى أنها لا تنشئ التزامات أو حقوقًا للدول الغير من دون رضاها الصريح بالنسبة إلى الالتزامات، والرضا الضمني بالنسبة إلى الحقوق[37]، ولكن قد ينشأ التزام على الدولة الغير من نص المعاهدة، إذا قصد الأطراف فيها أن يكون النص وسيلة لإنشاء الالتزام، وقبلت الدولة الغير ذلك صراحة وكتابة. وتسري المعاهدات التي تُنشئ أوضاعًا أو مراكز موضوعية على الدول الغير، بصرف النظر عن رضاها الصريح، ومن هذا القبيل: المعاهدات الخاصة بالحدود وبالممرات المائية الدولية. وقد تنشئ معاهدة ما شخصًا قانونيًّا جديدًا يتمثل في منظمة إقليمية أو دولية.
ويستدعي تطبيق النص فهم معناه وتوضيح مداه، وهذا هو المقصود بالتفسير. والجهة المختصة بتفسير المعاهدة هي الدول الأطراف فيها، ولكن التفسير الصادر عنها لا يلزم الدول الأطراف الأخرى، ويتمتع التفسير المتفق عليه بين الدول الأطراف بقيمة أكبر من أي تفسير آخر. ويدخل اختصاص القضاء والتحكيم الدوليين بتفسير المعاهدة، ضمن المهمة العامة لهما، وهي النطق بالقانون، وقد تنص المعاهدات المنشِئَة للمنظمات الدولية، على اختصاص فروع المنظمة بتفسيرها، ولكن هذا الاختصاص ثابت لها حتى في حالة غياب نص من هذا القبيل.
والقاعدة العامة في تفسير المعاهدات، هي وجوب تفسيرها بحسن نيّة، ووفقًا للمعنى المعتاد للنص، مع الاعتداد بسياق هذا الأخير وبالاتفاقات اللاحقة والتعامل اللاحق، وقواعد القانون الدولي القابلة للتطبيق، على العلاقات بين الدول وفي ضوء موضوع المعاهدة والغرض منها (المادة 31). ويمكن للجهة القائمة بالتفسير، أن تلجأ إلى وسائل تكميلية لهذه الغاية، بما في ذلك الأعمال التحضيرية للمعاهدة وملابسات عقدها.
انتهاء المعاهدات الدولية
يؤدي انقضاء المعاهدة إلى انتهاء العمل بها، ولكنها تظل في حالة تعليقها (إيقاف العمل بها) أو تعديلها أو الانسحاب منها.
الهدف من تعديل المعاهدة هو الرغبة في مسايرة أحكامها للظروف التي تستجد مع مرور الزمن، وهي تُعدَّل بالاتفاق الصريح بين أطرافها، ولكن ليس ثمة ما يمنع من تعديلها بالاتفاق الضمني بين الأطراف، المستمد من السلوك أو التعامل اللاحق لهم، وقد يكون تعديل المعاهدات الجماعية باتفاق الأطراف جميعها، وقد يكون باتفاق بعضها من دون بعضها الآخر. وتشير الممارسة الدولية إلى تبني التعديلات بأغلبية الثلثين، ما لم تنص المعاهدة صراحة على خلاف ذلك.
قد يكون انقضاء المعاهدة والانسحاب منها أو إيقافها، لأسباب اتفاقية أو لظروف ووقائع غير اتفاقية، فقد تتضمن المعاهدة نصوصًا صريحة أو ضمنية بشأن انقضائها أو إيقاف العمل بها أو الانسحاب منها. ومن هذا القبيل، النص على توقيت سريانها بأجل معين، على النحو الذي ينتهي فيه العمل بأحكامها بحلول هذا الأجل، أو جراء عقد معاهدة تتناول الغرض نفسه. وتنقضي المعاهدة بطبيعة الحال بتنفيذها تنفيذًا كاملًا، وقد يتفق أطراف المعاهدة في وقت لاحق على انقضائها أو الانسحاب منها أو إيقاف العمل بها. أما الأسباب الخارجية لانقضاء المعاهدة أو الانسحاب منها وإيقاف العمل بها، فقد تنشأ نتيجة لسلوك الأطراف، وقد تنشأ نتيجة لأسباب خارجية مستقلة عن هذا السلوك. وتتمثل الأسباب الخارجية التي تنشأ نتيجة لسلوك الأطراف في الإخلال الجوهري بأحكام المعاهدة[38]، ويشترط في الإخلال بالمعاهدة الذي يؤدي إلى انقضائها أو وقف العمل بها أن يكون جوهريًّا. ويعدّ التنصل من المعاهدة، بما لا تجيزه الاتفاقية، ومخالفة نص أساسي لتحقيق موضوع المعاهدة والغرض منها، إخلالًا جوهريًّا. ويختلف أثر النزاعات المسلحة في المعاهدات الدولية بحسب نوع المعاهدة، ولكن النزاع المسلح لا ينهي بالضرورة المعاهدات المعقودة بين الدول الأطراف في النزاع، أو بين دولة طرف فيه ودولة ثالثة.
أما الأسباب الخارجية المستقلة عن سلوك الأطراف، فتتمثل في استحالة تنفيذ المعاهدة التي يجوز الاحتجاج بها، بوصفها سببًا لانقضاء المعاهدة والانسحاب منها إذا كانت الاستحالة نهائية أو مطلقة. أما إذا كانت الاستحالة مؤقتة، فيجوز الاحتجاج بها بوصفها أساسًا لإيقاف العمل بها فقط.
ويندرج ضمن هذه الأسباب كذلك، التغير الجوهري في الظروف التي أُبرمت المعاهدة في ظلها، إذا كانت هذه الظروف "سببًا رئيسًا لرضا الأطراف بالالتزام بالمعاهدة". غير أنه لا يجوز الاحتجاج بمثل هذا التغير، بوصفه سببًا لإنهاء المعاهدة أو الانسحاب منها إذا كانت تُنشِئ حدودًا، أو إذا كان ناتجًا من إخلال الطرف الذي يتمسك به، إما بالتزام يقع عليه في ظل المعاهدة، وإما بالتزام دولي آخر تجاه أي طرف في المعاهدة (المادة 62 من الاتفاقية).
العرف الدولي
العرف الدولي مصدر أساسي من مصادر القانون الدولي[39]، وهو أقدمها وجودًا، وقد احتل فيما مضى مكان الصدارة من بين هذه المصادر؛ فكثير من القواعد الدولية الراهنة، مثل تلك التي تحكم المعاهدات الدولية، والتحكيم، والمسؤولية الدولية، والحروب، واستعمال البحار واستغلالها، والعلاقات الدبلوماسية والقنصلية، وحصانات الدول والاعتراف بها، وحقوق الأجانب؛ هي قواعد عرفية في الأساس. ولكن، كما شهد العرف تراجعًا لصالح التشريع في مختلف الدول، فإن أهمية العرف الدولي تتراجع أمام ظاهرة المعاهدات الدولية.
أركان العرف الدولي
ينشأ العرف الدولي من تكرار أشخاص القانون الدولي سلوكًا أو تصرفًا معينًا، مع الاعتقاد بإلزامية السلوك أو التصرف. وهذه الأركان هي:
- الركن المادي: يتمثل الركن المادي للعرف الدولي في اطّراد أعضاء الجماعة الدولية أو اعتيادها على العمل بسلوك معين، أو الامتناع عن العمل به فترة من الزمن، وهو ما يطلق عليه اصطلاحًا السوابق. ويشترط في العرف الدولي أن يكون منسوبًا إلى شخص من أشخاص القانون الدولي، وأن يكون مستمرًا أو متواترًا في الزمان بشكل ثابت، وأن يكون عامًا بين جماعة الدول (العرف العالمي)، أو جماعة معينة من الدول (العرف الإقليمي مثلًا):
- السلوك أو التصرف المنشئ للعرف الدولي: تنسب السوابق الدولية التي تصلح لتكوين الركن المادي في العرف إلى الدولة أو إلى منظمة دولية، يستوي في ذلك أن تكون طبيعة هذه السوابق إيجابية تأمر بإتيان فعل معين، أو سلبية تأمر بالامتناع عن إتيان فعل معين. وتتصرف الدول في علاقاتها الدولية عادة، عن طريق السلطة التنفيذية المتمثلة في هيئات الدولة المكلفة بالعلاقات الخارجية للدولة (رؤساء الدول ووزارات الخارجية والبعثات الدبلوماسية). فعلى سبيل المثال، كان تصريح رئيس الولايات المتحدة
هاري ترومان {{هاري
ترومان: (Harry S. Truman، 1884-1972) الرئيس الثالث والثلاثون للولايات المتحدة الأميركية، أشرف على نهاية الحرب العالمية الثانية، وأمر باستخدام السلاح النووي ضد اليابان، وأسهم في تأسيس الأمم المتحدة. أطلق "مبدأ ترومان" لاحتواء الشيوعية، مثيرًا جدلًا دوليًّا في شرعية التدخل بالدول الأخرى، بحجة حماية الحرية والاستقلال.}} في عام 1945 بشأن
الجرف القاري أساسًا لنشوء السابقة المكوّنة للعرف في هذا المجال[40]. وقد تنشأ السابقة من تكرار النص على مضمونها في التشريعات الوطنية، وكيفية تفسير هذه التشريعات وتطبيقها، فعلى سبيل المثال، نشأت القواعد التي تحدد عرض
البحر الإقليمي، وتلك التي تعترف بحقوق سيادية للدولة الساحلية على الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة، نتيجة لتكرار النص عليها في التشريعات الوطنية. ويمكن التعرف على سلوك الدول كذلك، من خلال قرارات المحاكم الوطنية التي لها آثار أو انعكاسات دولية، فعلى سبيل المثال، نشأ العرف الخاص بالحصانة القضائية والتنفيذية للدول الأجنبية، نتيجة لاطّراد الأخذ بها في المحاكم الداخلية في عدة دول. وتسهم نصوص المعاهدات الدولية، التي يكون موضوعها مسألة من مسائل القانون الدولي، في إنشاء العرف، فعلى سبيل المثال، يمكن أن يكون النص في الاتفاقيات الدولية لحماية البيئة الذي يوجب تبادل المعلومات والتشاور بين الأطراف، قبل الإقدام على أنشطة يمكن أن يكون لها آثار ضارة في الدول المجاورة، أساسًا لقاعدة دولية عرفية، في حال تكراره والشعور بإلزاميته. وتصلح التصرفات المنسوبة إلى المنظمات الدولية بدورها لإنشاء السابقة المؤدية إلى تكوين العرف الدولي، ويمكن أن يُمثّل على هذا النوع من العرف بما استقر عليه العمل في الأمم المتحدة، من أن مجرد امتناع عضو أو أكثر من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن عن التصويت، أو غيابه، لا يحول دون صدور القرار عن المجلس. وقد تكون إعلانات المبادئ الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، مجرد تسجيل أو ترديد للقانون الدولي العرفي الساري المفعول، وقد تكون بمنزلة نقطة انطلاق لتكوين قاعدة دولية عرفية جديدة، إذا توفرت لدى الدول عقيدة الالتزام بها. ومن بين إعلانات المبادئ التي أدت دورًا كبيرًا في نشأة القواعد العرفية
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة الصادران عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في عامي 1948 و1960 على التوالي.
- تواتر السلوك أو التصرف أو تتابعه في الزمان: إن تكرار الدول أو المنظمات الدولية السلوكَ، بشكل متصل وخلال مدة من الزمن، هو الذي يضفي عليه عنصر الثبات والاستقرار، ويدلّل على القبول النهائي بقوته الإلزامية. وتعتمد المدة اللازمة لنشأة السابقة على ظروف كل حالة على حدة، ولم يعد يشترط اليوم أن تكون الممارسة أو العادة قديمة، إذ لا يعرف على وجه الدقة تاريخ نشوئها. ومن الممكن نشوء العرف بصورة سريعة وبصرف النظر عن المدة التي تستغرقها عملية نشوئه، وذلك حين يكون الانصياع للسابقة من الوفرة، إذ يمكن الجزم باستكمال الركنين المادي والمعنوي المكونين له. ومن أمثلة القواعد العرفية التي لم يستغرق تكوينها زمنًا طويلًا، القواعد الخاصة بالجرف القاري، وحرية استكشاف
الفضاء الخارجي، وتلك الخاصة بتحديد اتساع البحر الإقليمي بـ12 ميلًا بحريًّا، أو بتحديد امتداد المنطقة الاقتصادية الخالصة بـ200 ميل بحري.
- النطاق الجغرافي للعرف: يمكن أن يكون العرف عامًا أو عالميًّا، وقد يكون إقليميًّا أو محليًّا، ولا يشترط لنشأة الركن المادي للعرف اعتياد أعضاء المجتمع الدولي كافة على سلوك معين، ويكفي أن يكون ذلك من جانب معظم الدول، مع عدم استنكار باقي الدول إياه أو اعتراضها عليه، فالعرف الدولي الذي استقر العمل به من معظم دول الجماعة الدولية واستوفى الركنين المادي والمعنوي، يفرض نفسه حتى على الدول التي لم تعترف به، أو التي لم تكن موجودة وقت نشوئه. فعلى سبيل المثال، نشأت قاعدة حرية أعالي البحار على يد الدول البحرية الأساسية، لكنها أصبحت مقبولة تدريجيًّا من مجموع الدول، وأدت قلة من الدول الصناعية دورًا حاسمًا في ظهور القانون العرفي الخاص بالفضاء الخارجي، واستقرت فكرة المنطقة الاقتصادية الخالصة وتحديد امتدادها بـ200 ميل بحري، بوصفها عرفًا على يد دول العالم الثالث، قبل أن تقنّن في
اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في عام 1982. وليس ثمة ما يمنع من نشوء أعراف إقليمية، لا تنطبق إلا بين عدد محدود من الدول المُسهمة في تشكيل العرف؛ فعلى سبيل المثال، كان قانون الحرب البحرية، ولوقت طويل، قانونًا عرفيًّا مقتصرًا على دول أوروبا الغربية، وقد قبلت محكمة العدل الدولية بالأعراف الإقليمية في عدة قضايا.
- الركن المعنوي أو النفسي: لا يكفي لوجود العرف الدولي اعتياد الدول أو المنظمات الدولية على سلوك معين، بل ينبغي فضلًا عن ذلك، أن يقترن هذا الاعتياد بالشعور أو بالاعتقاد بالإلزام، وبوجوب احترام السابقة كما تحترم أي قاعدة قانونية، وقد استقر القضاء الدولي على لزوم الركن المعنوي لتكوين القاعدة العرفية في عدة قضايا. وفي قضية الجرف القاري لبحر الشمال، أوضحت المحكمة أنه: "هناك عدد من التصرفات الدولية في مجال البروتوكول مثلًا، يجري السير عليها بشكل ثابت تقريبًا؛ ولكن ليس شعورًا بالتزام قانوني، وإنما لمجرد اعتبارات مجاملة أو ملاءمة أو من باب التقليد"[41]. ومن أمثلة العادات الرائجة في الدول العربية التي لا ترقى إلى مصاف القواعد العرفية، بسط السجاد الأحمر للترحيب برؤساء الدول، وإطلاق 21 طلقة في بعض المراسم. ولا يشترط لنشوء القاعدة العرفية إجماع الدول على الاعتراف بها، بل يكفي وجود "ممارسة عامة"، وعدم الاعتراض عليها أو الالتزام بالصمت إزاءها، لتوفر الركن المعنوي للعرف. وتثار مسألة الاحتجاج بقاعدة ناشئة من قواعد القانون الدولي العرفي، ضد دولة تعترض بإصرار عليها إبان نشأتها، وتظل متمسكة باعتراضها عليها بعد تبلورها، ويطلق على هذه المسألة مصطلح "المعترض المصر".
العلاقة بين العرف والمعاهدة
يساوي الفقه عمومًا بين المعاهدة والعرف من حيث القوة الإلزامية، وهذا يعني أن العرف يمكن أن يعدّل المعاهدة أو أن يلغيها، والعكس بالعكس، ويستثنى من ذلك القاعدة الآمرة التي لا يمكن تعديلها إلا بقاعدة آمرة أخرى (المادة 53 من اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات)، فالقاعدة الاتفاقية يمكن أن تصبح -نتيجة لعدم استمرار العمل بها أو إهمالها- منتهية فعلًا. فعلى سبيل المثال، سقطت عرفًا المادة 18 من
عهد عصبة الأمم التي تنص على بطلان المعاهدات التي لم تُسَجَّل لدى الأمانة العامة للعصبة، وأصبح جزاء عدم التسجيل هو مجرد عدم جواز الاحتجاج أو الاعتداد بهذه المعاهدات أمام فروع العصبة. وعلى العكس من ذلك، يمكن للمعاهدة أن تعدّل، بل أن تلغي القاعدة العرفية العادية، أي تلك التي ليست قاعدة آمرة من القواعد العامة للقانون الدولي، فقد ألغيت تجارة الرق التي كانت جائزة عرفًا، بتصريح معاهدة ڤيينا الموقع في عام 1815، واتفاقية بروكسل الموقعة في عام 1890.
تقنين العرف الدولي أو تدوينه
أدى الفقه دورًا لا يُنكر في تقنين الأعراف الدولية، وتعود بعض جهود التَّقْنين إلى عدة قرون خلت، من ذلك جهود
محمد بن الحسن الشيباني المنشورة في كتابه
السير (القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي)، ومحاولات جيرمي بنثام في الربع الأخير من القرن الثامن عشر. ولكن جهود التقنين الفردية نشطت في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وأدت بعض المجامع العلمية الخاصة، مثل
معهد القانون الدولي {{معهد القانون الدولي: أنشئ عام 1873 في بلجيكا، بهدف تطوير القانون الدولي، واعترافًا بدوره في التحكيم بين الدول، وقد حصل المعهد على جائزة نوبل، وعقد المعهد آخر دورة له في الرباط في المغرب في شهر آب/ أغسطس 2025.}}، ومجمع القانون الدولي {{مجمع القانون الدولي: أنشئ في مدينة بروكسل في بلجيكا عام 1873، ومقره حاليًا في العاصمة البريطانية لندن، وهو يدرس وفق دستوره القانون الدولي ويوضحه ويطوره، ويعزز التفاهم الدولي واحترام هذا القانون. وقد عقد المجمع آخر مؤتمراته في مدينة أثينا في اليونان عام 2024.}}، وكلية القانون في
جامعة هارڤرد، دورًا متميزًا في تدوين الأعراف الدولية.
جيرمي بنثام (1748-1832)
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وفي عام 1815، تمكّن
مؤتمر ڤيينا[42] من تقنين الأعراف الخاصة بالأنهار الدولية، وتحريم الاتجار بالرق، وحق التقدم أو الصدارة بين المبعوثين الدبلوماسيين. وقنّنت مؤتمراتُ السلام التي عقدت في
لاهاي في عامَي 1899 و1907 في 14 اتفاقية، كثيرًا من القواعد العرفية بشأن تسوية المنازعات الدولية بالطرق السلمية، وقواعد الحرب البرية والبحرية وأحكام الحياد.
وحاولت عصبة الأمم تقنين الأعراف الدولية، ولكنها لم تحقق أي نتائج ذات شأن في هذا المجال. وفي عام 1947، أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة هيئة فرعية دائمة تابعة لها، هي
لجنة القانون الدولي التي أخذت على عاتقها "تشجيع التطوير التدريجي للقانون الدولي وتقنينه"، وقد أعدت اللجنة كثيرًا من المشروعات التي تحولت في إثر مؤتمرات دبلوماسية إلى معاهدات دولية. وإلى جانب المعاهدات الدولية التي تعدّها اللجنة، فهي كثيرًا ما تضع "مشروعات مواد"، و"مشروعات استنتاجات" و"مبادئ توجيهية"، في موضوعات عديدة من موضوعات القانون الدولي[43].
المبادئ العامة للقانون التي أدرجتها المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية ضمن المصادر التي تطبقها المحكمة[44]، هي مصدر مباشر للقانون الدولي، إلى جانب المصدرين الأصليين الآخرين، وهما: المعاهدات الدولية، والعرف الدولي.
يُعرّف النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية المبادئ العامة للقانون بأنها المبادئ "المعترف بها من قبل الأمم المتحضرة" (المادة 38)، وقد يُلمس من عبارة "الأمم المتحضرة" مدى تأثر نشأة القانون الدولي المعاصر بأيديولوجية العنصرية، وعدم الاعتراف للأمم غير الأوروبية بمبدأ السيادة.
أما المقصود اليوم بالمبادئ العامة للقانون، فيتنازعه رأيان يضيّق أحدهما من مجال هذه المبادئ، فيقصرها على المبادئ العامة للقانون السارية المفعول في النظم القانونية الداخلية، في حين يقصر الرأي الآخر هذه المبادئ على تلك التي تحكم العلاقات الدولية فحسب التي تنشأ بالطريق الاتفاقي أو العرفي. وثمة رأي ثالث يوسّع المبادئ العامة للقانون، فتشمل المبادئ المستمدة من النظم القانونية الوطنية، وتلك المتبلورة في إطار النظام القانوني الدولي على حدٍ سواء. وينصرف ما يأتي إلى المبادئ الأولى فقط، من دون أن يعني ذلك التقليل من أهمية المبادئ الثانية[45].
المبادئ العامة للقانون مبادئ قانونية مشتركة في النظم القانونية الداخلية
المبدأ عمومًا هو كل قاعدة تبلغ من العمومية والأهمية ما يجعلها أساسًا لكثير من القواعد التفصيلية أو التطبيقية المتفرعة عنها، ويعزى وجود المبادئ العامة للقانون في مختلف الأنظمة القانونية الداخلية، إلى تشابه المشكلات الإنسانية الذي يؤدي بالضرورة إلى تشابه الحلول القانونية لها. ويمكن العثور على هذه المبادئ في فروع القانون الداخلي جميعها، غير أنه لا يلزم وجود هذه المبادئ في النظم القانونية الداخلية كافة، ويكفي وجودها في الغالبية العظمى من تلك النظم. وتتميز هذه القواعد بعموميتها، وبكونها نتاجًا لعرف مستقر، وبأنها تتجاوز الاختلافات الثقافية بين الدول.
المبادئ العامة للقانون مبادئ قابلة للتطبيق في النظام القانوني الدولي
المبادئ العامة للقانون معدّة في الأساس لإنتاج آثارها القانونية على الصعيد المحلي في داخل الدولة، وتعتمد قابلية الإفادة منها على الصعيد الدولي على مدى مراعاتها لخصوصية الوسط الدولي الذي يراد لها أن تنطبق فيه. وعلى سبيل المثال، لا تعدّ قاعدة التقادم المكسب المعروفة في النظم القانونية الداخلية سببًا لاكتساب الإقليم في القانون الدولي، ولا تنطبق القواعد الداخلية المتعلقة بالحق في التقاضي تلقائيًّا على القضاء الدولي، وهو قضاء اختياري في الأساس، على خلاف الحال في القضاء الداخلي الذي هو قضاء إلزامي.
مجالات تطبيق المبادئ العامة للقانون
ثمة كثير من المبادئ العامة للقانون، المستمدة من النظم القانونية الداخلية والصالحة للانطباق على العلاقات فيما بين الدول، ومن قبيل هذه المبادئ مبدأ حسن النية، وعدم جواز التعسف في استعمال الحق، وعدم جواز إفادة الإنسان من خطئه، ووجوب التعويض عن الإخلال بالالتزام وعن الضرر. هذا في مجال النظرية العامة للقانون؛ أما في مجال النظرية العامة للعقود، توجد كثير من المبادئ العامة الداخلية التي يمكن نقلها إلى دائرة القانون الدولي، وذلك مثل
مبدأ سلطان الإرادة، والأثر النسبي للعقد، والأثر النافع، وعيوب الرضا، والقوة القاهرة، ومبدأ الخاص يقيد العام؛ وأما في مجال النظرية العامة للمسؤولية في النظم القانونية الداخلية، يمكن الاستعانة على الصعيد الدولي بمبادئ عامة، مثل مسؤولية مرتكب الفعل غير المشروع عن الأضرار الناجمة عن فعله، ورابطة السببية بين الفعل والضرر، والتعويض عن الخسارة الواقعة والربح الفائت، والفوائد التأخيرية.
وبالمثل، فإن المبادئ العامة الداخلية المتعلقة بإدارة العدالة، يمكن أن تُعدّ من قبيل المبادئ العامة القابلة للتطبيق على الصعيد الدولي، وذلك من قبيل إلقاء عبء الإثبات على المدعي، والمحاكمة العادلة، وتسبيب الأحكام، وحجية الأمر المقضي به، وعدم جواز الجمع بين صفة الخصم والحكم في شخص واحد، والمساواة بين الخصوم أمام القضاء، وحق الدفاع.
وتتجلّى أهمية المبادئ العامة للقانون في حل المشكلات الناجمة عن ظاهرة التنظيم الدولي؛ فالمبادئ المنطبقة على الوظيفة العامة الدولية مستقاة في جلّها من المبادئ المهيمنة على الوظيفة الداخلية[46]. وعلى سبيل المثال، تملك المنظمة الدولية، كما هي حال الدولة، إنشاء
المحاكم الإدارية الدولية للنظر في المنازعات التي تنشأ بينها وبين العاملين فيها، وكثيرًا ما تستعين المحاكم المذكورة (أبرزها محكمة الأمم المتحدة للمنازعات)، بالمبادئ المعروفة في القضاء الإداري الداخلي. وعيوب القرارات الصادرة عن المنظمات الدولية، هي عيوب القرار الإداري ذاتها المعروفة في القوانين الداخلية. وتنطبق المبادئ العامة للمسؤولية على مسؤولية المنظمات الدولية عن تصرفاتها التي تتسبب في ضرر إحدى الدول الأعضاء، أو الأشخاص الخاضعين لولاية تلك الدول، وعلى مسؤولية الدول عن تصرفاتها التي تلحق الضرر بالمنظمة.
وتعدّ المبادئ العامة للقانون معينًا أو مخزونًا للعقود الدولية التي تعقدها الدول والمنظمات الدولية مع الأشخاص الخاصة الأجنبية، مثل
اتفاقيات القروض الدولية، وعقود الامتياز، وعقود البيوع الدولية والعقود الدولية النفطية.
الفقه والقضاء الدوليان
لا تعدّ أحكام المحاكم ومذاهب كبار الفقهاء[47] من المصادر المنشئة للقانون الدولي، بل هي مجرد وسائل يسترشد بها القاضي الدولي، للاستدلال على وجود القاعدة القانونية وتفسيرها أو تحديد مضمونها.
ويقصد بالفقه مجموع آراء الفقهاء التي يعرضون لها لدى تصدّيهم لشرح القانون الدولي وتفسيره والتعليق عليه، وهو لا يعدو أن يكون مصدرًا استدلاليًّا أو احتياطيًّا، لا يتجاوز دوره الكشف عن قواعد القانون الدولي، أو التثبت من وجودها وتفسيرها وتقييمها أو نقدها، غير أن هذا لا يعني أنه فقد كل دور له، فهو يعين على فهم أحكام القانون واستخلاص أصوله ومبادئه. ورغم ذلك، يندر أن يستشهد القاضي الدولي بالآراء الفقهية، وعلى العكس من ذلك، تزخر قرارات التحكيم، والآراء الفردية والمخالفة التي يصدرها قضاة محكمة العدل الدولية، ومذكرات الدول المتخاصمة ومرافعاتها أمام المحاكم الدولية، بآراء الفقهاء.
وإلى جانب كبار المؤلفين في القانون العام الذين تشير إليهم المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، تؤدي الهيئات العلمية المتخصصة بالقانون الدولي، مثل معهد القانون الدولي ومجمع القانون الدولي، دورًا مهمًا في إثراء الفقه الدولي.
ولا ينشئ القضاء الدولي القاعدة القانونية، بل يعلن وجودها؛ فالآراء الاستشارية لمحكمة العدل الدولية ليست ملزمة قانونًا، أما أحكام المحكمة، فهي ملزمة فقط لأطراف النزاع، وفي القضية التي يفصل فيها الحكم، وفق المادة 59 من النظام الأساسي للمحكمة، وفقًا لمبدأ الحجية النسبية للحكم القضائي، وهي تعدّ مصدرًا احتياطيًّا أو استدلاليًّا، يستدل منها على وجود القاعدة القانونية.
ولا يُعرّف القانون الدولي نظام السوابق القضائية المعروف في الدول التي تتبع النظام الأنكلوسكوني (المملكة المتحدة أساسًا)، فالمحاكم الدولية، مثل محكمة العدل الدولية، غير ملزمة قانونًا بأحكامها السابقة، وهي ليست ملزمة، من باب الأَوْلى، بأحكام المحاكم الدولية الأخرى، غير أنه يندر أن يخرج القاضي الدولي، مثله في ذلك مثل القاضي الداخلي، عن أحكامه السابقة. وتحرص محكمة العدل الدولية، على اتباع ما سبق وما قررته من حلول، وعلى الاستئناس بأحكامها وآرائها الاستشارية السابقة، وبأحكام سلفها المحكمة الدائمة للعدل الدولي وآرائها الاستشارية.
ولأحكام محكمة العدل الدولية والمحاكم الدولية المختصة، مثل المحكمة الدولية لقانون البحار، أهميةٌ خاصة في تكوين السوابق القضائية وترسيخها.
مبادئ العدالة والإنصاف
العدالة صفة ملازمة لعملية تطبيق القاضي الوطني أو الدولي للقانون، ويفترض أن يستلهمها، وأن تكون شغله الشاغل عندما يطبق النصوص القانونية، كذلك يفترض أن تجسّد النصوص القانونية مبادئ العدالة والإنصاف. وتجيز الفقرة الثانية من المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية سلطة الفصل في القضية وفق مبادئ العدالة والإنصاف، شريطة موافقة أطراف الدعوى على ذلك[48].
وكثيرًا ما يتضمن القانون الدولي الاتفاقي الإشارة إلى مبادئ العدالة والإنصاف، وفي المقابل، يندر أن يخوّل القضاء الدولي الفصل في القضايا المعروضة عليه وفق هذه المبادئ[49].
مبادئ العدالة في القانون الدولي الاتفاقي
يرد ذكر العدالة والإنصاف في القانون الدولي الاتفاقي[50] في كثير من المجالات؛ فأحد مقاصد الأمم المتحدة هو التذرع "بالوسائل السلمية، وفقًا لمبادئ العدل والقانون الدولي لحل المنازعات الدولية" (الفقرة الأولى من المادة الأولى من الميثاق). ومن بين المبادئ التي تقوم عليها المنظمة، فض المنازعات الدولية "بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر" (الفقرة الثالثة من المادة الثانية منه). ويرد ذكر هذه المبادئ في دستور
منظمة العمل الدولية، وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، وفي اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وغيرها من المعاهدات الدولية وفي قرارات الأمم المتحدة.
تطبيق القضاء الدولي لمبادئ العدالة والإنصاف
لا يملك القاضي الدولي تطبيق مبادئ العدالة والإنصاف، إلا إذا كان مأذونًا له من أطراف الدعوى بذلك، وتضطلع مبادئ العدالة والإنصاف -في هذه الحالة- بواحد من الأدوار الثلاثة الآتية:
- التخفيف من صرامة القانون الدولي الوضعي أو قسوته، عبر تكييفه حسب طبيعة القضية.
- سد الفراغ أو الثغرات في القانون الوضعي أو استكمال النقص فيه.
- استبعاد القانون المذكور عندما يطلب إلى القاضي الوصول إلى تسوية عادلة تراعي مصالح الأطراف (الإنصاف بوصفه بديلًا للقانون).
والدور الأول للعدالة والإنصاف ملازم لوظيفة القاضي، فهو يملك تفسير القانون، واختيار التفسير الذي يراه ملائمًا له آخذًا بالحسبان الظروف، وموازنًا بين حقوق الأطراف والتزاماتهم، ولكنه لا يملك من تلقاء نفسه اللجوء إلى مبادئ العدالة والإنصاف، بغية تعديل القانون أو استكماله أو إقصائه. ولهذا، فلا غرابة أن تشترط الفقرة الثانية من المادة 38 من النظام الأساسي للمحكمة، موافقة أطراف الدعوى على قيام المحكمة بالفصل في القضية وفقًا لمبادئ العدل والإنصاف.
الأفعال والتصرفات الانفرادية الصادرة عن الإرادة المنفردة
تنسب التصرفات القانونية الصادرة عن الإرادة المنفردة[51] إلى الدول أو المنظمات الدولية، وتتخذ التصرفات الانفرادية الصادرة عن الدولة، كثيرًا من الأشكال والمضامين، ولها من الأهداف ما يتعذر حصرها، ويشترط لكي تنتج هذه التصرفات آثارها القانونية بضعة شروط.
قد يتخذ التصرف الصادر عن الإرادة المنفردة للدولة شكل "التصريح" الذي تعلن فيه الدولة عن موقفها بشأن مسألة دولية معينة، وعن نيتها الالتزام بهذا الموقف، ويكون التصريح عادة مكتوبًا، ولكنه لا يوجد ما يمنع من أن يكون شفويًّا.
وقد يتخذ التصرف شكل الوعد الدولي، وهو "إعلان" تتعهد فيه الدولة بسلوك معين تجاه دولة أخرى، أو تجاه الجماعة الدولية بوصفها كلًّا[52]، أو شكل "الاعتراف" الذي تعبّر فيه الدولة عن قبولها الرسمي بوضع جديد أو بحالة واقعية جديدة، وعن تسليمها بمشروعية هذا الوضع أو الحالة. ومن صوره الاعتراف بالدولة، والاعتراف بالحكومة، والاعتراف بحالة الحرب، أو بقاعدة دولية عرفية، أو بالتبدلات الإقليمية، أو بسيادة دولة على إقليم معين، أو بمشروعية مزاعم معينة. ومن صوره كذلك "الاحتجاج" أو "الاعتراض"، وهو نقيض الاعتراف، و"التنازل" أو "التخلي" عن حق أو اختصاص أو سلطة أو زعم أو ادعاء أو مطالبة معيّنة، ومثاله تنازل الدولة عن الحصانة القضائية والتنفيذية لمبعوثها الدبلوماسي، وتنازلها عن الدعوى أو سحبها، وقرارها التخلي عن جزء معين من الإقليم. ومن صوره أيضًا، "الإبلاغ" أو "الإخطار"، ويقصد به إحاطة دولة أو دول أخرى أو منظمة دولية رسميًّا، علمًا بواقعة معينة أو بوضع دولي معين، ومن قبيل ذلك تصديق الدولة على المعاهدة، أو انضمامها إليها أو تحفظها على نصوصها، أو اعتراضها على تحفظات الدول الأخرى أو سحب تحفظاتها. وأخيرًا، قد يتخذ التصرف الصادر عن الإرادة المنفردة للدولة شكل "الاعتذار"، وفيه تعبّر الدولة عن الأسف أو الاعتذار عن موقف معين[53]، مثل إهانة رموز الدولة الأجنبية، أو سوء معاملة رؤساء الدول أو الحكومات الأجانب، أو الممثلين الدبلوماسيين، وانتهاك حرمة البعثات الدبلوماسية.
شروط صحة التصرفات الصادرة عن الإرادة المنفردة للدولة
يشترط لصحة التصرفات الصادرة عن الدولة من جانب واحد، أن تكون متفقة مع قواعد القانون الدولي الاتفاقي والعرفي التي تحكم موضوع التصرف؛ فعلى سبيل المثال، يمكن للدولة أن تحدد من جانب واحد امتداد مياهها الإقليمية أو منطقتها الاقتصادية الخالصة، ولكن هذا التصرف لا ينفذ دوليًّا، ولا يحتج به على الدول الغير، إلا إذا جاء ضمن الحدود التي يقرّها القانون الدولي العرفي أو الاتفاقي. وتحدد المعاهدات الدولية شروط انضمام الدول إليها، وإبداء التحفظات على نصوصها، والانسحاب منها أو التخلي عنها، وبالمثل، تحدد المعاهدات المنشئة للمنظمات الدولية شروط العضوية فيها والانسحاب منها.
ويشترط للاعتداد بالتصرف الصادر عن الإرادة المنفردة للدولة، أن يصدر ممن يتمتع بأهلية إصداره، وأن يعبّر عن نية إلزام الدولة قانونيًّا، وأن يكون سليمًا من عيوب الرضا المعروفة كافة، وأن يكون مشروعًا، وأن يصل إلى عِلم الدول غير صاحبة المصلحة.
شكل التصرفات الصادرة عن الإرادة المنفردة للدولة
يمكن أن يُعبَّر عن هذه التصرفات في وثيقة مكتوبة، وقد يقع التعبير عنها شفهيًّا في خطاب أو في مؤتمر صحافي، أو في أثناء لقاء رسمي، أو خلال المفاوضات الدولية. وسبق للمحكمة الدائمة للعدل الدولي، أن احتجت بتصريح شفوي صادر عن وزير خارجية
النرويج، بشأن السيادة الدنماركية على جزيرة
غرينلاند الشرقية وعدّته ملزمًا للنرويج[54]. أما محكمة العدل، فقد سبق لها الاحتجاج بتصريحات صادرة عن رئيس فرنسا، وعن وزير خارجيتها بشأن وقف التجارب النووية في الجو، وعدتها ملزمة لها[55].
ولا يشترط في الإرادة المنفردة أن تكون صريحة، فهي قد تكون ضمنية إذا كانت مواقف الدولة لا تدع مجالًا للشك في التعبير عن إرادتها. ومثال ذلك، اعتراف دولة بأخرى عن طريق إقامة علاقات دبلوماسية معها، دونما حاجة إلى تصريح بهذا الشأن، أو الاعتراف بسيادة دولة ما على إقليم معين من خلال فتح قنصلية في هذا الإقليم.
وإلى جانب هذه التصرفات الإيجابية، يمكن أن تعبّر الدولة عن إرادتها بشكل سلبي، ففي
قضية معبد برياه ڤيهير (Préah-Vihear)، ذهبت محكمة العدل الدولية إلى أن امتناع تايلندا عن الاحتجاج على خرائط ترسيم حدودها مع
كمبوديا، مدة طويلة من الزمن، يعني قبولها بهذا الترسيم ضمنيًا[56].
أشخاص القانون الدولي: الدولة
كان القانون الدولي يقتصر على تنظيم العلاقات فيما بين الدول فقط، أما الآن، فلم تعد الدولة الشخص الوحيد للقانون الدولي، وإن كانت هي الشخص الذي يحتل المكانة الأولى والأبرز فيما بينهم، إضافة إلى أشخاص آخرين، مثل: المنظمات الدولية، والفرد العادي.
أركان الدولة
تقوم الدولة على أركان أربعة؛ فلا دولة من دون شعب يقيم على إقليم معين، وسلطة وسيادة أو استقلال[57].
شعب الدولة
يتكون شعب الدولة من مواطنيها، بصرف النظر عن عددهم، والمواطنون هم حاملو جنسية الدولة التي تنفرد الأخيرة بوضع أحكامها، وهي قد تكون أصلية أو مكتسبة. وتملك الدولة حماية مواطنيها في الخارج عن طريق
الحماية الدبلوماسية، غير أنه لا بد لهذه الغاية من استيفاء المتضررين منهم لشرط استنفاد طرق الطعن الداخلية التي توفرها الدولة المنسوب إليها العمل غير المشروع دوليًّا، علاوة على اشتراط أن يكون المتضرر نظيف اليد[58]، ويحدد القانون الداخلي للدولة المركز القانوني للأجانب فيها. والشعب مفهوم قانوني وسياسي، ويرتبط بالدولة القائمة فعليًا، أما الأمة فهي مفهوم ثقافي وروحي وقد توجد دون دولة[59].
إقليم الدولة
لا بد من وجود إقليم يخضع للسيطرة الفعلية لسلطة الدولة، ويشمل إقليم الدولة الأرض وما تحت الأرض وما فوقها، علاوة على بحرها الإقليمي. ويحدد إقليم الدولة بحدود طبيعية أو مصطنعة بموجب المعاهدات الدولية. وليس ثمة حد أدنى وحد أعلى لمساحة إقليم الدولة، ما يسمح بقبول دول صغيرة، مثل
سان مارينو وموناكو في الأمم المتحدة؛ وليس مطلوبًا أن تكون حدوده محددة المعالم تمامًا، ما يسمح بقبول دولة مثل إسرائيل في عضوية الأمم المتحدة، على الرغم من عدم نصّها على حدود دولية لها. ولا تنتقص النزاعات الدولية الحدودية من سيادة الدول واستقلالها.
- مكونات إقليم الدولة
يتكون إقليم الدولة من إقليمها الأرضي وإقليمها البحري وإقليمها الجوي[60].
إقليم الدولة اليابس هو المكّون الأهم فيه، وهو يشغل الأرض اليابسة وما عليها من معالم، بما في ذلك المياه الداخلية التي تشمل البحار المغلقة والبحيرات، والأنهار الوطنية والمواني والخلجان الوطنية التي تعود شواطئها إلى دولة واحدة[61].
ينحصر الإقليم البحري للدولة ببحرها الإقليمي ولا يمتد لأعالي البحار، غير أن حقوق الدول الساحلية وصلاحياتها تمتد إلى الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة. وتطالب الدول جميعها، ولا سيما النامية منها، بالإفادة من موارد قيعان البحار والمحيطات، وباطن أرضها خارج حدود الولاية الوطنية (المنطقة).
تمتد سيادة الدولة إلى ما وراء إقليمها اليابس لجهة البحر، حيث البحر الإقليمي الذي يتوسط بين البحر العالي من جهة، وإقليم الدولة من جهة أخرى. كذلك تمتد إلى الحيز الجوي الذي يعلو البحر الإقليمي وكذلك إلى قاعه وباطن أرضه. وتحدد الدولة عرض بحرها الإقليمي بمسافة لا تتجاوز 12 ميلًا بحريًّا، مقيسةً من خطوط الأساس التي يقاس البحر المذكور ابتداءً بها.
وتملك الدولة الشاطئية حصر الصيد في البحر الإقليمي بمواطنيها فقط، وهي تملك كذلك وضع قوانين وأنظمة خاصة بالملاحة في بحرها الإقليمي، غير أنها ملزمةٌ بمراعاة حق السفن المدنية والحربية للدول جميعها، ساحليةً كانت أم غير ساحلية، بالمرور البريء أو غير الضار خلال البحر الإقليمي. ويكون المرور بريئًا ما دام أنه لا يضر بسلم الدولة الساحلية أو بحسن نظامها أو بأمنها، بما في ذلك أمنها البيئي والصحي، وأن يكون "سريعًا ومستمرًا" (المواد 2، و3، و17، و19).
وتمارس الدولة الساحلية في منطقة ملاصقة لبحرها الإقليمي، تُعرف بالمنطقة المتاخمة أو المجاورة، السيطرةَ اللازمة من أجل منع خرق قوانينها وأنظمتها الجمركية أو الضريبية، أو المتعلقة بالهجرة أو الصحة داخل إقليمها أو بحرها الإقليمي، والمعاقبة على أي خرق للقوانين والأنظمة المذكورة، يحصل داخل إقليمها أو بحرها الإقليمي. ولا يجوز أن تمتد المنطقة المتاخمة إلى أبعد من 24 ميلًا بحريًّا من خطوط الأساس السابقة الذكر (المادة 33).
يُقصد بأعالي البحار أجزاء البحار والمحيطات جميعها التي تلي مباشرةً الحد الخارجي للبحر الإقليمي، وهي لا تقع ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة أو البحر الإقليمي، أو المياه الداخلية لدولة ما. والمبدأ الذي يحكمها هو مبدأ الحرية؛ فأعالي البحار مفتوحةٌ للدول جميعها، ساحليةً كانت أم غير ساحلية. وتشتمل هذه الحرية على حريات الملاحة والتحليق، ووضع الكابلات وخطوط الأنابيب المغمورة، وإقامة الجزر الاصطناعية، وصيد الأسماك والبحث العلمي (المادتان 86 و87).
وتخضع السفن الحربية في أعالي البحار حصريًّا لاختصاص دولة علم السفينة، ولكنه يستثنى من ذلك السفن التي تعمل في القرصنة أو في تجارة الرقيق، أو في الاتجار غير المشروع في المخدرات، أو التي تستخدم في إذاعات غير مأذون بها، أو التي تكون من دون جنسية. وتملك كل دولة في هذه الحالات حجز السفينة، وإجراء محاكمة الفاعلين أمام محاكمها وحسب قوانينها (المادتان 108 و110).
- امتداد حقوق الدول الساحلية وصلاحياتها
طالبت الدول الساحلية خلال النصف الثاني من القرن العشرين بتوسيع المناطق البحرية، بهدف الاستغلال الاقتصادي واستثمار الموارد الطبيعية، وتشمل هذه المناطق المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وتتمتع الدول الساحلية بحقوق سيادية على المنطقتين، وبالتحديد في المجال الاقتصادي واستغلال الموارد الطبيعية.
- المنطقة الاقتصادية الخالصة
والمقصود بالمنطقة الاقتصادية الخالصة المنطقة الواقعة وراء البحر الإقليمي والملاصقة له. وليس للدولة الساحلية سيادة إقليمية كاملة على هذه المنطقة، بل لها حقوق سيادية لغرض استكشاف الموارد الطبيعية، الحية منها وغير الحية، واستغلال للمياه التي تعلو قاع البحر ولقاع البحر وباطن أرضه، وحفظ هذه الموارد وإدارتها، واتخاذ التدابير المناسبة لحمايتها ضد الاستنزاف، وكذلك فيما يتعلق بالأنشطة الأخرى للاستكشاف والاستغلال الاقتصاديين للمنطقة، مثل إنتاج الطاقة من المياه والتيارات والرياح. ولا تمتد المنطقة المذكورة إلى أكثر من 200 ميل بحري من خطوط الأساس التي يقاس عرض البحر الإقليمي ابتداءً بها (المواد 55 و56 و57).
الجرف القاري لأي دولة ساحلية هو جزء من الكتلة البرية للدولة الساحلية، تغمره مياه البحر العالي أو المنطقة الاقتصادية الخالصة، وهو "يشمل قاع أرض المساحات المغمورة وباطنها التي تمتد إلى ما وراء بحرها الإقليمي، في جميع أنحاء الامتداد الطبيعي لإقليم تلك الدولة البري، حتى الطرف الخارجي للحافة القارية، أو إلى مسافة 200 ميل بحري من خطوط الأساس التي يقاس ابتداءً منها عرض البحر الإقليمي، إذا لم يكن الطرف الخارجي للحافة القارية يمتد إلى تلك المسافة". أما إذا كان الجرف القاري يمتد إلى مسافة أبعد من ذلك في أعالي البحار، فإن الدولة الساحلية نفسها تحدد المسافة، على ألا تتعدى في الأحوال كلها 350 ميلًا بحريًّا. وتمارس الدولة الساحلية عليه "حقوقًا سيادية لأغراض استكشافه، واستغلال موارده الطبيعية". وهذه الحقوق خالصة؛ بمعنى أنه إذا لم تستكشف الدولة الساحلية الجرف القاري أو تستغل موارده الطبيعية، فلا يجوز لأحد أن يقوم بهذه الأنشطة من دون موافقة صريحة منها (المادتان 76 و77). ولا تمس حقوق الدول الساحلية على الجرف القاري النظام القانوني للمياه العلوية، أو للحيز الجوي فوق تلك المياه (المادة 78/1).
وتتضمن الاتفاقية المذكورة نصوصًا خاصة بتعيين حدود البحر الإقليمي بين دولتين متقابلتين أو متجاورتين، وحدود المنطقة الاقتصادية الخالصة الواقعة بين دولتين متلاصقتين أو متقابلتين، وحدود الجرف القاري بين دولتين متقابلتين أو متلاصقتين (المادة 137/2).
وقد خصّت الاتفاقية السابقة الذكر "قاع البحار والمحيطات، وباطن أرضها خارج حدود الولاية الوطنية"، التي سمّتها "المنطقة"، بنظام خاص كان محل الجزء الحادي عشر منها. وقد امتنع عدد من الدول الصناعية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، عن التوقيع على الاتفاقية، وذلك بسبب تبرّمها أساسًا من القيود التي تفرضها على استغلال الموارد المعدنية في المنطقة، مثل النيكل والكوبالت والنحاس والمنغنيز. وكانت وجهة نظر الولايات المتحدة، هي أن فكرة "التراث المشترك للإنسانية"، لا تنطبق على قاع البحار والمحيطات، وأنها تنصرف إلى الإنجازات الكبرى للإنسانية، مثل الأدب والمسرح وغيرهما.
ووفقًا للاتفاقية، "ليس لأي دولة أن تدّعي أو تمارس السيادة أو الحقوق السيادية على أي جزء من المنطقة أو مواردها، وليس لأي دولة أو شخص طبيعي أو اعتباري، الاستيلاء على ملكية أي جزء منها"، و"جميع الحقوق في موارد المنطقة ثابتة للبشرية جمعاء" (المادة 140 من الاتفاقية)[62]، وتقوم السلطة الدولية لقاع البحار، وهي هيئة حكومية دولية، بـ"جميع أنشطة استكشاف واستغلال موارد المنطقة"، وتجري الأنشطة المذكورة لصالح الإنسانية جمعاء، مع إيلاء مراعاة خاصة لمصالح الدول النامية والشعوب واحتياجاتهما، التي لم تنل الاستقلال الكامل أو غيره من أوضاع الحكم الذاتي.
وقد استُكملت الاتفاقية في عام 1994 باتفاقية قاع البحار العميقة التي عدلت بعض جوانب الجزء الحادي عشر منها، وذلك من أجل التعامل مع الاعتراضات التي أثارتها الولايات المتحدة الأميركية وغيرها[63].
يخضع الإقليم أو الفضاء الجوي للدولة الذي يعلو إقليمها اليابس وبحرها الإقليمي للسيادة الكاملة لهذه الدولة، وأقرت اتفاقية باريس المعقودة في عام 1919، واتفاقية شيكاغو الطيران المدني الدولي، الموقّعة بتاريخ 7 أيلول/ سبتمبر 1944، بالسيادة الحصرية للدولة على الفضاء الجوي الذي يعلو إقليمها. وتطبّق الاتفاقية الأخيرة على الطائرات المدنية فقط، ولا تطبّق على طائرات الدولة، ومن بينها الطائرات الحربية التي يلزمها الحصول على ترخيص للطيران فوق إقليم الدولة أو الهبوط عليه. وتعالج الاتفاقية الطيران في غير الخطوط الجوية المنتظمة، والخطوط الجوية التي لا يجوز لها الطيران فوق إقليم الدولة المتعاقدة من دون إذن صريح أو ترخيص من تلك الدولة. وقد استقر مبدأ حرية العبور من دون توقف، وحرية التوقف غير التجاري للطائرات المدنية. وللدولة أن ترفض الإذن للطائرات التابعة للدول المتعاقدة الأخرى، بأن تأخذ ركابًا أو بريدًا أو بضائع من أي نقطة داخل إقليمها، لنقلهم بمقابلٍ إلى نقطة أخرى داخل الإقليم نفسه. وأنشئت بمقتضى الاتفاقية منظمة دولية تدعى "منظمة الطيران المدني الدولي"[64]، وعهد إليها بمهمة العمل على تطوير المبادئ والقواعد الفنية المتعلقة بالملاحة الدولية، وتشجيع النقل الجوي الدولي. ويختص مجلس المنظمة بالسهر على الملاحة الجوية المدنية الدولية، كذلك يمكنه ممارسة صلاحية قضائية عند البتّ في شكاوى الدول، بشأن الإخلال بتنفيذ الاتفاقية.
ولمعالجة الاستيلاء على الطائرات وتغيير وجهتها، اعتمدت عدة اتفاقيات دولية، من بينها "اتفاقية قمع الاستيلاء غير المشروع على الطائرات" الموقّعة في عام 1970، و"اتفاقية منع الأعمال غير المشروعة الموجّهة ضد سلامة الطيران المدني" الموقّعة في
مونتريال في عام 1971، وقد استُكملتا في بروتوكول بيجين التكميلي لعام 2010[65].
ويتميز الإقليم الجوي للدولة عن
الفضاء الخارجي لها، وهو حيّز من الأمكنة اللامتناهية التي ينعدم فيها الهواء وتنعدم جاذبية الأرض، وهو نطاق دولي يسوده نظام الحرية. وقد أطلق الاتحاد السوڤياتي أول رحلة بشرية إلى الفضاء الخارجي، فاتحًا بذلك السبيل أمام استكشاف الفضاء. وفي عام 1966، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة "معاهدة المبادئ المنظمة لأنشطة الدول، في مجال استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي، بما في ذلك القمر والأجرام السماوية الأخرى". وتكرس المادة الأولى من الاتفاقية مبدأ حرية الفضاء، أما المادة الثانية منها، فتعلن مبدأ عدم جواز تملك الفضاء الخارجي، وتحظر الاتفاقية وضع أسلحة نووية أو أي نوع آخر من أسلحة الدمار الشامل فيه (المادة الثالثة). ووفقًا للاتفاقية، تعُدّ الدول الأطراف في المعاهدة، روادَ الفضاء مبعوثي الإنسانية إلى الفضاء الخارجي، وتتعهد بتقديم كل مساعدة ممكنة لهم، في حالة وقوع حادث أو مجابهة خطر، أو الهبوط الاضطراري فوق إقليم الدولة أو في أعالي البحار. وتخضع المركبات الفضائية للاختصاص المانع لدولة التسجيل، وتتحمل دولة الإرسال (الإطلاق) المسؤولية الدولية عن أي أضرار تتسبب بها تلك المركبات[66].
وتوجب اتفاقية أخرى وهي "اتفاقية تنظيم نشاط الدول على القمر أو الأجسام الفضائية الأخرى" (اتفاقية القمر) التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 كانون الأول/ ديسمبر 1979، أن يتوافق النشاط المذكور مع القانون الدولي، وقد دخلت الاتفاقية النفاذ في عام 1984، ولكن عدد الدول الأطراف فيها لم يتجاوز 17 دولة حتى شهر أيار/ مايو 2024[67]، ليس من بينها أي من الدول التي بوسعها الوصول إلى القمر، مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند واليابان.
- طرق اكتساب الإقليم
ثمة عدة أشكال لاكتساب الإقليم أو إدماج إقليم بإقليم دولة، فهو قد يكون أصليًا، وذلك عندما يكون الإقليم محل الاكتساب لا مالكَ له (Terra Nullius)، أو لا سيادة لأي دولة أخرى عليه. وكان مؤتمر برلين الذي عقد في عام 1885، بحضور 14 دولة أوروبية، علاوة على
الدولة العثمانية والولايات المتحدة، قد شرعن الاستعمار الأوروبي للقارة الأفريقية التي وصفت بأنه "لا مالك لها". وقد اشترطت الاتفاقية التي تمخض عنها المؤتمر لاكتساب الإقليم وضع اليد أو الاستيلاء عليه، ومزاولة سلطة فعلية كاملة ومنفردة فيه، مصحوبة بنية التملك وإشهار الاستيلاء، أو إعلانه إلى الدول الأخرى. ولم تشترط الاتفاقية الحصول على رضا السكان المعنيين، بل أجازت الحرب على الحكام المحليين الذين يعارضون الغزو، ومن دون أن تخضعها لأي من القيود المطبّقة على الحروب الدولية[68].
واليوم، لم يبقَ على وجه الأرض مكان لا تمتد إليه سيادة أو سلطة دولة ما. وسبق لمحكمة العدل الدولية، أن وجدت في قضية
الصحراء الغربية أنها لم تكن أرضًا مباحة وقت الاستعمار الإسباني في تسعينيات القرن التاسع عشر[69].
وقد يكون الاكتساب الأصلي بطريق الالتصاق أو الإضافة (Accretion) الإقليمية نتيجة عوامل الطبيعة، مثل الطمي وظهور جزر أو جزيرات في البحر، أو ترك النهر مجراه القديم.
أما الاكتساب المشتق، فيكون عن طريق بيع الدولة صاحبة السيادة الإقليم إلى دولة أخرى أو تنازلها عنه، كما وقع لولاية
ألاسكا التي تنازلت عنها الإمبراطورية الروسية للولايات المتحدة، مقابل 7.2 مليون دولار في عام 1867. ولم يعد اكتساب الإقليم ممكنًا في الوقت الحالي من دون موافقة السكان المعنيين. ويكون الاكتساب أيضًا عن طريق قرارات التحكيم والقضاء الدوليين، كما حدث في حالة
جزيرة بالماس التي تنازلت عنها إسبانيا للولايات المتحدة في معاهدة عُقدت في عام 1898[70]. وقد تنشأ الدولة الجديدة نتيجة لتفكك الدولة (Dissolution)، كما جرى في حالات الاتحاد السوڤياتي ويوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا السابقتين في تسعينيات القرن العشرين، أو عن طريق الاندماج (ألمانيا الاتحادية الغربية وألمانيا الديمقراطية الشرقية بموجب معاهدة عام 1990).
وبعد أن أصبحت الحربُ "خارجَ القانون" بمقتضى عهد باريس (يسمى كذلك عهد برييان-كيلوغ)، المعقود بين الولايات المتحدة وفرنسا في 26 آب/ أغسطس 1928، وأصبح "التهديد باستعمال القوة أو استخدامها" محظورًا بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة (الفقرة الرابعة من المادة الثانية)، فإنه لم يعد من الجائز اكتساب الأراضي عن طريق القوة، سواءً أكان استخدامها قانونيًّا أم لا، ففي أعقاب غزو اليابان منشوريا في عام 1931، أعلن وزير خارجية الولايات المتحدة في ذلك الوقت، عدم اعتراف الولايات المتحدة بالأوضاع الناجمة عن الغزو لمخالفة ذلك للعهد المذكور. وما يؤكد ذلك أيضًا، قرار مجلس الأمن 242، الصادر في 22 تشرين الثاني/ نوڤمبر، في أعقاب العدوان الإسرائيلي على الدول العربية الثلاث: الأردن ومصر وسورية، الذي أقر "عدم جواز اكتساب الأراضي عن طريق القوة"، وطلب إلى إسرائيل سحب قواتها المسلحة من الأراضي التي احتلتها في حزيران/ يونيو 1967. وأكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 2625 (25)، الذي صدر في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 1970، عدم جواز "اكتساب إقليم أية دولة من قبل دولة أخرى نتيجة للتهديد باستعمال القوة أو لاستعمالها"، وعلى عدم جواز "الاعتراف بشرعية أي اكتساب إقليمي ناتج عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها"[71].
وقد أدان مجلس الأمن في قراره رقم 478، الصادر في 20 آب/ أغسطس 1980، ضم إسرائيل للقدس الشرقية، وأكد على عدم اعترافه بالقانون الإسرائيلي الذي أعلن القدس الموحدة عاصمة إسرائيل {{القانون "الإسرائيلي" الذي أعلن القدس الموحدة عاصمة إسرائيل: هو القانون الذي صدر عن الكنيست الإسرائيلي عام 1980، تحت اسم "قانون أساس: القدس عاصمة إسرائيل"، ونُصَّ فيه على أن القدس الكاملة والموحدة هي عاصمة إسرائيل، وأصدر مجلس الأمن قراره برفض هذا القانون وعدم الاعتراف به، بعدِّه مخالفًا لقواعد القانون الدولي التي لا تجيز اكتساب الأراضي بالقوة.}}، ودعا الدول التي أقامت بعثات دبلوماسية فيها إلى سحب هذه البعثات منها.
ودعا مجلس الأمن في قراره رقم 497، الصادر في 17 كانون الأول/ ديسمبر 1981، إسرائيلَ إلى إلغاء ضم
الجولان[72]، ووصف الضم بأنه "لاغٍ وباطل وليس له أثر قانوني". وفي عام 1990، وصف المجلس ضم العراق للكويت[73] بأنه "باطل وكأن لم يكن" (القرار 662 (1990)).
ولم تفقد ألمانيا سيادتها في أعقاب هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، وتقاسم قوى الحلفاء السلطة العليا فيها.
وأكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري[74] بشأن النتائج القانونية لبناء الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة، الالتزامَ بعدم جواز الاعتراف بالاكتساب غير الشرعي للأراضي، بعدّه قانونًا دوليًّا عرفيًّا[75]. وعلى خلاف الحق في الملكية الذي تقر القوانين الداخلية إمكانية اكتسابه عن طريق التقادم، فإنه لا يوجد في القانون الدولي العام قاعدة تقر بإمكانية اكتساب السيادة على الإقليم بمضي المدة أو بمرور الزمن.
السلطات العامة أو الحكومة
لا تقوم الدولة من دون سلطة عامة أو حكومة تؤدي وظائف الدولة في الداخل بمن فيه وبما فيه، وبتمثيل الدولة على الصعيد الخارجي. والذي يهم القانون الدولي هو السيطرة الفعلية للسلطة العامة، أي قيامها الفعلي، وقدرتها على حفظ النظام داخل الدولة، وتنفيذها التزاماتها الدولية نحو الخارج. ولا تؤثر الصراعات الأهلية في وجود الدولة، فقد تعرضت أكثر من دولة عربية في الأعوام الأخيرة لحروب أهلية، ولكن ذلك لم يؤدِّ إلى فناء أي منها. ولا شأن للقانون الدولي في شكل الحكم في الدولة، ولا في التطورات التي تطرأ على نظام الحكم أو على أشخاص الحكام فيها؛ إذ تجيء الحكومات في كثير من الدول وتذهب عن طريق الثورة أو الانقلاب، ومن دون سند من دستور الدولة، ولكن هذا لا يؤثر في شرط فعلية السلطة ما دامت السلطة المركزية تسيطر فعليًّا على الإقليم الذي تستأثر به، وقادرة على أداء وظائفها فيه.
غير أن ثمة وجهات نظر أخرى في المسألة؛ فقد سبق لوزير خارجية
الإكوادوركارلوس توبار أن دعا في عام 1907 إلى عدم الاعتراف بالحكومات الواقعية المتأتية من انقلاب على النظام الدستوري، ما دامت لم تَحُزْ رضا الشعب. ولكن نظرية طوبار لم تلقَ آذانًا صاغية من وزير خارجية
المكسيكجينارو إسترادا الذي أتى في عام 1930 بنظرية مناقضة، دعا فيها إلى وجوب استناد الاعتراف بالحكومات على وجودها الفعلي، لا على شرعيتها.
استقلال السلطة أو السيادة
- التعريف بسيادة الدولة أو استقلالها
يُستخدَم مفهوم "السيادة" مصاحبًا لمفهوم "الاستقلال"، وهو قديم قدم الدولة ذاتها؛ فمن الناحية الفقهية، تبلورت نظرية السيادة لأول مرة بوصفها ركنًا من الأركان التي تقوم عليها الدولة، على يد الفيلسوف الفرنسي
جان بودان {{جان بودان: (Jean Bodin، 1530-1596) هو فقيه وقانوني فرنسي، يُعدّ من أبرز منظّري الدولة في عصر النهضة، اشتُهر بشكل أساسي بصياغته نظرية السيادة، وتطويره مفهومها في كتابه
الكتب الستة للجمهورية (1576)، إذ عرّف السيادة بأنها السلطة العليا والمطلقة الدائمة في الدولة، التي لا تخضع لأي سلطة أخرى داخلية أو خارجية.}} في مؤلفه
الكتب الستة للجمهورية (Les Six Livres de la République) الذي نشره في عام 1576[76]. أما من الناحية الرسمية، فقد ظهر مفهوم سيادة الدولة لأول مرة في معاهدة وستڤاليا المعقودة في عام 1648.
ويحتل "مبدأ المساواة في السيادة" مكان الصدارة بين المبادئ التي تقوم عليها الأمم المتحدة، بل إن جميع قواعد القانون الدولي تنطلق منه. ويتضمن مفهوم السيادة بعدين: الأول داخلي، ويعني أن للدولة سلطة عليا على الأفراد والكيانات جميعها على أراضيها، وتباشر وحدها اختصاصات الدولة على إقليمها وعلى سكان الإقليم، ولا توجد إرادة فوق إرادتها، وتختار نظام الحكم الذي تراه مناسبًا لها؛ أما البعد الثاني، فيرتبط بالعلاقات الخارجية للدولة مع الدول الأخرى التي تستند قانونًا إلى مبدأ تساوي الدول في السيادة، وكذلك إلى مبدأ "عدم التدخل في الشؤون الداخلية"، وعدم خضوع سلطات الدولة لسلطة دولة أو دول أخرى. أما مظاهر الاستقلال على الصعيد الدولي، فتتمثل في حق الدول في عقد المعاهدات الدولية، والدخول في عضوية المنظمات الدولية، وإيفاد الممثلين الدبلوماسيين واستقبالهم، وتحميل المسؤولية الدولية عن الأضرار التي تتسبب فيها الدول الأخرى لها ولمواطنيها، وتحمّل المسؤولية الدولية عن الأضرار التي تتسبب بها هي للدول الأخرى أو لمواطنيها.
غير أن استقلال الدولة لا يعفيها من الخضوع للقانون الدولي، فليس ثمة سيادة مطلقة للدولة، بمعنى أنها سلطة تأمر ولا تؤمر من دون قيد، فمثل هذا القول يضع الدولة فوق القانون[77].
وثمة عدد من الدول يعاني التبعيةَ الفعلية، والصراعات الداخلية الدموية؛ وثمة دول تبدو في ظاهرها مستقلة، ولكنها تكاد تخضع خضوعًا تامًا لدولة أو دول أخرى؛ وثمة دول غارقة في الديون، وتابعة اقتصاديًّا، ولا تسيطر على مواردها الطبيعية[78]، ولا تملك الاضطلاع بأوليات وظائف الدولة من دون مساعدات خارجية من الدول الأخرى أو من المؤسسات المالية الدولية، مثل
صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير. ومع ذلك، فإن تلك الدول التي تُعدّ المساعدات الخارجية شرطًا لوجودها الفعلي تظل دولًا مستقلة، لأن ما يهم القانون الدولي هو الاستقلال القانوني وليس الاستقلال الفعلي.
ووجود قواعد عسكرية أجنبية في أراضي كثير من دول العالم، ومن بينها دول عربية، يفقدها قدرًا من استقلالها، ولكن لا يؤثر في اعتبارها دولًا كسائر الدول الأخرى. ولا يؤثر وضع الدولة تحت الحماية في وجودها بوصفها دولة، ففي قضية المواطنين الأميركيين في المغرب، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أنه على الرغم من إنشاء محمية فرنسية في المغرب بمقتضى
معاهدة فاس المعقودة في عام 1912، فإن المغرب "يبقى دولة سيادية"[79]، وهذا يعني أن المغرب قد حافظ على شخصيته القانونية الدولية رغم الحماية الفرنسية. ومنذ عام 2012، تتمتع فلسطين بوضع "دولة مراقب غير عضو" في الأمم المتحدة، وذلك بمقتضى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 19/67 الصادر في 29 كانون الأول/ ديسمبر 2012، وهذا على الرغم من أنها كانت في ذلك الوقت -وما تزال- خاضعة للاحتلال الإسرائيلي[80].
- المبادئ القانونية الضامنة لاحترام سيادة الدولة واستقلالها
- مبدأ عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى
مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، هو أحد أبرز المبادئ التي تقوم عليها الأمم المتحدة، وهو بمنزلة الضمانة القانونية لمبدأ احترام سيادة الدولة أو استقلالها. وقد ورد النصُّ على المبدأ في الفقرة السابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة[81]، غير أن إرهاصات المبدأ تعود إلى عشرينيات القرن التاسع عشر، وذلك عندما رفض رئيس الولايات المتحدة آنذاك
جيمس مونرو في رسالته إلى
الكونغرس الأميركي في عام 1823 أي تدخل من جانب الدول الأوروبية، ولا سيما فرنسا وبريطانيا، في شؤون القارة الأميركية، وأي محاولة منها لمساعدة إسبانيا والبرتغال على استرداد مستعمراتها الثائرة هناك منذ عام 1808[82].
وتدخل في هذا السياق نظرية وزير خارجية
الأرجنتين آنذاك
لويس دراغو (Luis María Drago، 1859-1921) التي عرضها في بداية القرن العشرين (29 كانون الأول/ ديسمبر 1902)، وذلك في أعقاب الحصار البحري الذي نفذته ثلاث دول أوروبية –هي المملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا– ضد المواني الڤنزويلية، من أجل إرغام
ڤنزويلا على سداد الديون المترتبة عليها لمواطني تلك الدول. وملخص هذه النظرية، أن استخدام القوة لسداد الديون التعاقدية يخالف القانون الدولي، ويتعارض مع سيادة الدولة المدينة. وقد تكرست هذه النظرية في "الاتفاقية المتعلقة بحظر اللجوء إلى القوة لسداد الديون التعاقدية" التي توصل إليها
مؤتمر لاهاي الثاني في عام 1907[83]. وقد غدا اليوم مبدأ عدم التدخل جزءًا من القانون الدولي العرفي، وهو لا يعدو أن يكون نتيجة لمبدأ وجوب احترام السيادة الإقليمية للدول[84].
لويس دراغو
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
والتدخل المحظور هو عمل تباشره دولة أجنبية بطريقة الإرغام والضغط، لتملي إرادتها على دولة مستقلة في أمر داخلي أو خارجي، يعود إلى اختصاص هذه الأخيرة. ويتخذ التدخل شكل الضغوط السياسية، أما إذا اتخذ شكل التدابير القسرية العسكرية التي تضطلع بها دولة أو أكثر ضد دولة أخرى، فحينئذٍ ينطبق
مبدأ حظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها المنصوص عليه في الفقرة الثانية من المادة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة.
وتتوقف مسألة تحديد المسائل التي تُعدّ من قبيل الشؤون الداخلية للدول، على درجة تطور كل من المجتمع الدولي والقانون الدولي الذي يفترض خضوعه له، وهذا ما سبق أن أوضحته المحكمة الدائمة للعدل الدولي، في قضية مراسيم الجنسية في كل من تونس والمغرب، إذ قالت: "إن مسألة تقرير ما إذا كان أمر ما مثل منح الجنسية، هو أمر يقع في نطاق الاختصاص الحصري للدولة، هي مسألة نسبية بالضرورة، إذ إنها تعتمد على تطور العلاقات الدولية"[85].
ومن ثَمَّ، فإن التدخل محظور في المسائل التي يترك أمر تقديرها واتخاذ القرار بشأنها بحرية للدولة، وهي تشمل، كما ذهبت محكمة العدل الدولية، اختيار الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وإدارة علاقاتها الخارجية[86].
ولكن قرارات الأمم المتحدة التي تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان وحق تقرير المصير، لا تعد من قبيل التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وذلك لأن مثل هذه الانتهاكات، تتعارض مع مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها، وهي قد "تعرّض السلم والأمن الدوليين للخطر"، الأمر الذي يستدعي تدخل المنظمة.
وثمة دول تتذرّع بمنع انتهاكات حقوق الإنسان لتبرير تدخلاتها في الشؤون الداخلية لدولة أخرى من دون رضاها. وقد شُهِدت في الأزمنة جميعها محاولات لشرعنة التدخلات في الشؤون الداخلية للدول، باسم حماية السكان وحقوق الإنسان، وابتدعت لهذه الغاية على التوالي مفاهيم "الحرب العادلة"، و"التدخلات باسم الإنسانية"، و"الحق في التدخل" أو "واجب التدخل" و"مسؤولية الحماية". وتدور هذه المفاهيم حول الفكرة نفسها، وهي إضفاء الصفة الأخلاقية، وإن أمكن القانونية، على التدخلات العسكرية في الدول الأخرى[87].
تتمتع الدولة بحكم شخصيتها القانونية الدولية بعدد من الامتيازات والحصانات، وهي امتيازات وحصانات أساسية لأداء الوظائف الموكولة إليها. وتجد هذه الامتيازات والحصانات أساسها في مبدأ المساواة بين الدول، وعدم سيادة الندّ على ندّه (Imperium non Habet Par in Parem).
ويشمل مصطلح "حصانات"، كل ما له علاقة بالحصانة الشخصية، ولا سيما الحرمة الشخصية، والحصانة القضائية الجزائية أو المدنية، علاوة على الحصانة التنفيذية. أما مصطلح "امتيازات"، فيشمل كل ما له علاقة بالإعفاءات المالية، من ضرائب ورسوم وحقوق وجمارك، وجميع الإعفاءات الأخرى من ضمان اجتماعي وخدمات أخرى، يقررها القانون الدبلوماسي[88].
فالدولة تتمتع بالحصانة القضائية في الدول الأخرى، وتشمل هذه الحصانة كبار المسؤولين في الدولة، مثل رئيس الدولة ورئيس الوزراء، ووزير الخارجية والمبعوثين الدبلوماسيين، وهم لا يخضعون لقضاء الدول الأجنبية حتى في الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات، وكل ما يستطاع بشأنهم هو طلب مغادرتهم الإقليم.
ولكن حصانة الدولة ليست مطلقة، وثمة دول تفرق بين أعمال الإدارة (Acta Jure Gestionis) وأعمال السيادة (Acta Jure Imperri)، وتقصر الحصانة على الأعمال الأخيرة، وتنكرها في حالة التصرفات التي ليست لها علاقة بأهداف الدولة التي تعمل فيها الدولة في مجال القانون الخاص، وتساوي فيها نفسها بأشخاص القانون المذكور.
ويجوز للدولة التنازل عن الحصانة القضائية، سواء أكان ذلك صراحًة أو ضمنًا. وللدولة عمومًا أهلية المثول أمام المحاكم الأجنبية بصفتها مدعية، وهي كثيرًا ما تفعل ذلك[89]، وقد تقبل الاحتكام سلفًا إلى قضاء دولة أجنبية في عقود الدولة التي تعقدها مع الأشخاص الأجانب. أما الحصانة التنفيذية، فللدولة التنازل عن هذه الحصانة صراحةً أو ضمنًا، ولكن مجرد تنازلها عن الحصانة القضائية لا يعني تنازلًا من جانبها عن الحصانة التنفيذية[90].
الاعتراف هو تصرف قانوني من جانب واحد، تعبّر فيه الدولة عن قبولها الرسمي بواقع معين، وعن تسليمها بقانونية هذا الواقع، ومن صوره: الاعتراف بالدولة، والاعتراف بالحكومة، والاعتراف بالأمة، والاعتراف للثوار بمركز المحاربين.
واعتراف دولة بأخرى يعني الموافقة على قبولها شخصًا دوليًّا جديدًا في مجتمع الدول، وهو المدخل الضروري إلى إقامة علاقات دولية معها، بيد أن غياب العلاقات الدبلوماسية ليس دليلًا على عدم الاعتراف بالدولة، كذلك فإن عدم اعتراف دولة بأخرى، لا يعني انعدام أي صلة أو علاقة قانونية معها؛ فعلى سبيل المثال، عقدت كل من الأردن ومصر وسورية والأردن ولبنان
اتفاقات هدنة مع إسرائيل في عام 1949 {{اتفاقات الهدنة مع إسرائيل في عام 1949: هي سلسلة اتفاقات الهدنة الموقعة عام 1949 في جزيرة رودس، برعاية الأمم المتحدة بين إسرائيل وكل من مصر والأردن ولبنان وسورية، بهدف وقف الأعمال العدائية، من دون أن تشكّل اتفاق سلام نهائي.}}، مع أن هذه الدول جميعها لم تكن تعترف حينئذٍ بإسرائيل[91].
والاعتراف قد يكون صريحًا وهو الغالب، وقد يكون ضمنيًّا، ولكن دخول دولة غير معترف بها طرفًا في معاهدة جماعية، لا يعني الاعتراف بها من الدول الأطراف الأخرى في المعاهدة. وقد اعتادت الدول العربية إبداء تحفظات على المعاهدات التي تكون طرفًا فيها، مفادها أن انضمامها إلى المعاهدة لا يعني اعترافًا بدولة إسرائيل ولا إقامة علاقات اتفاقية من أي نوع معها[92].
كذلك، فإن انضمام دولة جديدة إلى الأمم المتحدة، لا يعني اعترافًا ضمنيًّا بها من الدول الأعضاء جميعها فيها، فعلى سبيل المثال، دخلت إسرائيل في عضوية الأمم المتحدة في عام 1949، ولكن الدول العربية وغيرها ظلت لا تعترف بها رسميًّا لأعوام طويلة بعد ذلك. وأخيرًا، لا يمكن استنتاج الاعتراف من مجرد المشاركة مع الدولة غير المعترف بها في مؤتمر دولي، ولكن التهنئة بعيد استقلال دولة غير معترف بها، والدخول في علاقات رسمية معها، وابرام معاهدة ثنائية أو أكثر معها، قد يعني اعترافًا ضمنيًّا بها.
وفي هذا الصدد، لا يتضمن القانون الدولي قائمة مغلقة للأعمال التي تعني الاعتراف، ووفقًا للتقرير السادس للجنة القانون الدولي عن الأعمال الانفرادية للدول[93]، فإن الدولة يمكن أن تعترف بحالة واقعية أو قانونية معينة، أو بمطلب قانوني معين، لا بتعبير عن الإرادة المنفردة فحسب، بل بتصرفات أو أعمال مختلفة، تنمّ عن اعتراف ضمني أو مضمر أو قاطع. ومن ثَمَّ، فإن الاعتراف بحالة أو مطلب بتصرف غير إيجابي، من قبيل السكوت، له أهمية في القانون الدولي، وينتج آثارًا قانونية لا سبيل إلى إنكارها، وذلك على غرار ما يتبين من الممارسة والفقه الدوليين[94].
والاعتراف عمل سياسي طوعي واستنسابي يعود تقديره إلى الدولة وحدها، وهي التي تختار وحدها الوقت المناسب لذلك، ولا صحة للقول بوجوب الاعتراف، فمثل هذا الرأي لا تقره الممارسات التي تجري عليها الدول، وهو أيضًا ما أشار إليه معهد القانون الدولي منذ عام 1936[95].
وقد اختلف الرأي في طبيعة الاعتراف، وما إذا كان معلنًا أم كاشفًا لوجود الدولة الفعلي أم منشئًا لها. غير أن الرأي الراجح هو أن شخصية الدولة لا تعتمد على القرار السياسي للدول الأخرى[96]، ويُنتِج الاعتراف بالدولة أو بالأوضاع السيادية بشأن إقليم معين آثارًا قانونية والتزامات متبادلة تشمل العلاقات الثنائية، وذلك شريطة عدم تعارض الاعتراف مع قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي، من قبيل الاستعمال غير المشروع للقوة.
وقد يكون الاعتراف مشروطًا، ومن هذا القبيل الشروط التي وضعها
الاتحاد الأوروبي بشأن الاعتراف بالدول الجديدة الناشئة نتيجة تفكك كل من الاتحاد السوڤياتي ويوغسلافيا[97].
يقصد بمصطلح "خلافة الدول": "حُلول دولة محل دولة أخرى في المسؤولية عن العلاقات الدولية للإقليم"، والحُلول المقصود هو الحُلول القانوني. أما الاحتلال الحربي للإقليم أو ضمّه، فلا ينقل السيادة عليه إلى الدولة القائمة بالاحتلال أو الضم[98]. وتسمى الدولة التي تحل محلها دولة أخرى لدى حدوث خلافة الدول "الدولة السلف"، أما الدولة التي تحل محل دولة أخرى لدى حدوث الخلافة فتسمى "الدولة الخلف".
وينتقل إقليم الدولة أو جزء منه من سيادة دولة إلى سيادة دولة أخرى بطرق مختلفة، منها: تفكك الدولة إلى دولتين (حالة انشقاق
جنوب السودان عن
السودان مثلًا) أو أكثر (انبثاق عدة دول عقب تفكك كل من يوغوسلافيا والاتحاد السوڤياتي)؛ واندماج دولتين أو اتحادهما، مكونتين دولة جديدة (مثلًا اتحاد جمهورية ألمانيا الديمقراطية وجمهورية ألمانيا الغربية في إطار دولة واحدة عام 1990)؛ ونيل شعب الدولة الخلف الاستقلال بعد أن كان تحت سيادة الدولة السلف (حالة الدولة الناشئة نتيجة تصفية الاستعمار)[99].
وتختلف حالة خلافة الدول عن فكرة الميراث المعروفة في القانون الخاص، فالميراث للشخص الطبيعي المتوفى، أما الدولة فلا تموت ولكن تحلّ محلّها دولة أخرى، وهي تختلف عن حالة التغيير الذي يطرأ على النظام السياسي في الدولة، وليس له أي أثر في سيادتها، طبقًا لمبدأ استمرارية الدولة.
وتثير مسألة خلافة الدول عدة تساؤلات، فعلى سبيل المثال، يُثار التساؤل حول ما إذا كانت الدولة الخلف ملزمة بالمعاهدات التي تكون الدولة السلف طرفًا فيها؟ وما مصير الديون العامة للدولة الآفلة السلف، وممتلكاتها العامة ومحفوظاتها؟ وما جنسية سكان الإقليم المعني بالخلافة؟ وإلى أي مدى سيستمر النظام القانوني للدولة السلف في الدولة الخلف؟
واقع الحال هو أنه لا يوجد قواعد قانونية دولية متفق عليها تطبق على مختلف حالات خلافة الدول، ورغم أن الجمعية العامة للأمم المتحدة توصلت إلى 3 اتفاقيات في ڤيينا على الجوانب المختلفة للموضوع، هي:
اتفاقية ڤيينا لخلافة الدول في المعاهدات (1978)، واتفاقية ڤيينا لخلافة الدول في ممتلكات الدولة والسجلات والديون (1983)، واتفاقية ڤيينا على جنسية الأشخاص الطبيعيين في حالة خلافة الدول (2000)، فإن الاتفاقية الوحيدة التي دخلت في النفاذ من بين هذه الاتفاقيات هي الاتفاقية الأولى، وذلك حينما توفر النصاب اللازم لسريانها بإعراب 15 دولة عن رضاها الالتزام بها عام 1996[100]. ولعلّ سبب هذا النقص في القواعد القانونية الدولية الملزمة، هو أنه كثيرًا ما تكون الآثار القانونية الناشئة عن خلافة الدول موضع اتفاقيات دولية بين الدولة السلف والدولة أو الدولة الخلف[101].
خلافة الدول في المعاهدات الدولية
في هذا السياق، ثمة فرق بين حالة الدول حديثة العهد بالاستقلال وحالة اتحاد الدول أو انفصالها.
- خلافة الدول حديثة العهد بالاستقلال
يقصد بالدولة حديثة العهد بالاستقلال: "دولة خلف كان إقليمها قبل تاريخ خلافة الدول مباشرة إقليمًا تابعًا تتولى الدولة السلف مسؤولية علاقاته الدولية"، فهذا النوع من الدول، وُلد ونال الاستقلال نتيجة تصفية الاستعمار، بعد أن كان مستعمرًا أو تحت الانتداب أو الوصاية أو الحماية.
والقاعدة العامة التي تحكم هذا النوع من الخلافة فيما يتعلق بالمعاهدات الدولية الذي كرسته المادة 16 من اتفاقية ڤيينا لخلافة الدول في المعاهدات عام 1978، هو
مبدأ الصحيفة البيضاء (Clean Slate، أو Tabula Rasa)، فالدولة الخلف ليست ملزمة بقبول المعاهدات التي سبق أن أبرمتها الدولة السلف التي كانت تابعة لها وجزءًا منها.
وهذه القاعدة التي اكتسبت صفة القاعدة العرفية، تجد أساسها في
حق الشعوب في تقرير مصيرها؛ فالدول المستقلة حديثًا لم تكن في وضع يمكن لها معه المشاركة في سياسة الدول المستعمرة السابقة لها، ومن ثَمَّ فإنها ليست ملزمةً بالمعاهدات الدولية التي تبرمها الدول المذكورة. ويستثنى من القاعدة العامة السابقة المعاهدات العينية ذات الطابع الإقليمي، مثل معاهدات الحدود والمعاهدات المتعلقة بالممرات المائية الدولية، مثل
اتفاقية القسطنطينية عام 1888 المتعلقة بقناة السويس، والمعاهدات المنشئة لمناطق منزوعة السلاح، وتلك المنشئة لحقوق ارتفاق دولية (المادتان 11 و12 من الاتفاقية السابقة الذكر). غير أن هذا الاستثناء لا ينطبق على المعاهدات التي تعقدها الدولة السلف التي تقضي بإقامة قواعد عسكرية أجنبية في الإقليم المتوارث بين الدول، فهذه لا تلتزم بها الدولة السلف (المادة 12، الفقرة الثالثة). وليس في الاتفاقية ما يؤثر في مبادئ القانون الدولي التي تؤكد السيادة الدائمة لكل شعب وكل دولة على ثروتها ومواردها الطبيعية (المادة 13 من الاتفاقية ذاتها).
ولا يعني ما سبق أنه يمتنع على الدولة الخلف أن تصبح طرفًا في المعاهدات التي سبق للدولة السلف إبرامها، فللدولة الخلف، أي الدولة حديثة العهد بالاستقلال، الخيار بين الإبقاء على المعاهدات الثنائية أو التحلل منها، ولكن يشترط في حالة الإبقاء على المعاهدة موافقة الدولة الثالثة التي سبق أن أبرمت المعاهدة مع الدولة السلف صراحةً أو ضمنًا (المادة 24). ويمكن لها أن تصبح طرفًا في المعاهدات الجماعية التي عقدتها الدولة السلف، شريطة موافقة الدول الأطراف الأخرى فيها في بعض الحالات، كما لو كانت المعاهدة مغلقة أو شبه مغلقة، أو كانت شخصية كما في معاهدات التحالف (المادة 27). وتصبح الدولة المستقلة حديثًا طرفًا في معاهدة متعددة الأطراف، سبق أن كانت الدولة السلف طرفًا فيها، عن طريق "إشعار الاستمرارية" أو "إعلان الخلافة". ولكن الدولة الخلف لا تملك حق الخيار في الحالات الثلاث الآتية:
- حالة عدم التوافق مع موضوع المعاهدة والغرض منها (عندما يتبين أن مشاركة دولةٍ مستقلةٍ حديثًا في معاهدة متعددة الأطراف، يتعارض مع موضوع المعاهدة والغرض منها).
- المعاهدات المتعددة الأطراف المقيّدة (التي يراد بها، بحسب نية أطرافها، أن تظل محصورة في عدد محدود من الدول، وتخضع مشاركة الدول الجديدة فيها لموافقة الأطراف الأصلية والقائمة).
- المعاهدات المنشئة للمنظمات الدولية.
- خلافة الدول في حالة الاتحاد أو الانفصال
المبدأ في حالة نشوء دولة جديدة نتيجة لاتحاد دولتين قائمتين أو أكثر هو استمرارية المعاهدات التي كانت قد عقدت قبل تحقق حالة الاتحاد، وذلك ما لم يقرر أطراف المعاهدة خلاف ذلك، أو حينما يبدو أن نفاذ المعاهدة بالنسبة إلى الدولة الخلف، لا يتفق مع موضوع المعاهدة أو الغرض منها، أو يمكن أن يؤدي إلى تغيير جوهري بالنسبة إلى شروط إبرامها وتطبيقها.
وينطبق مبدأ الاستمرارية في المعاهدات التي أبرمتها الدولة السلف كذلك في حالة انفصال جزء أو أجزاء من إقليم الدولة، وتكوين دولة جديدة أو أكثر، مع بقاء دولة الأصل أو زوالها، فالمعاهدات التي تكون نافذةً وقت حدوث الخلافة بالنسبة إلى كامل إقليم الدولة السلف تظل نافذةً بالنسبة إلى كل دولة خلف. أما إذا كانت المعاهدة النافذة وقت حدوث الخلافة مقتصرةً على جزء من إقليم الدولة السلف، فإنها لا تظل سارية إلا بالنسبة إلى الدولة الخلف التي آلَ إليها هذا الجزء من الإقليم. وهذا ما عبّرت عنه المادة 34 من الاتفاقية، وإن كانت قد أجازت الاتفاق على خلاف ذلك صراحةً أو ضمنًا. وعمومًا، تكرس الممارسة الدولية في الحالتين مبدأ عدم قابلية المعاهدات السياسية، مثل معاهدات التحالف العسكري، للتوريث[102].
خلافة الدول في غير المعاهدات الدولية
- خلافة الدول في حالة ممتلكات الدولة وأموالها
يقصد بممتلكات الدولة السلف "حقوق الملكية وفوائدها التي كانت في وقتِ تحقق خلافة الدول، وطبقًا للقانون الداخلي للدولة السلف مملوكة لتلك الدولة" (المادة الثامنة من اتفاقية ڤيينا لخلافة الدول في ممتلكات الدولة والسجلات والديون عام 1983). والقاعدة هي انتقال أموال الدولة السلف كافة إلى الدولة الخلف، من دون تمييز بين المال العام أو الخاص، سواء أكانت الدولة الخلف تحل محل الدولة السلف على كامل إقليمها، أم إذا كانت الدولة السلف تندمج بكامل إقليمها في الدولة الخلف. أما في حالة قيام الدولة الخلف على جزء من إقليم الدولة السلف، فتنتقل العقارات المملوكة للدولة السلف، والكائنة في الإقليم الذي انتقل إلى الدولة الخلف، والمنقولات المملوكة للدولة السلف والمرتبطة بنشاطها في الإقليم، إلى ملكية الدولة الخلف، وهذا كله ما لم يكن ثمة اتفاق مغاير بين الأطراف (المادة 14 من الاتفاقية الأخيرة). وبناءً عليه، فالمباني الحكومية مثل المدارس والجسور والطرق، تنتقل من الدولة السلف إلى الدولة الخلف، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأموال الخاصة، مثل السيارات والعربات والأسلحة والذخائر.
ووفق المادة 15 من الاتفاقية المذكورة، تصبح العقارات والمنقولات المملوكة للدولة السلف، والكائنة في الإقليم مملوكة للدولة الخلف الحديثة العهد بالاستقلال، أما العقارات والمنقولات المملوكة للدولة السلف والموجودة خارج إقليم الدولة الخلف المذكورة، فتنتقل إلى ملكية هذه الأخيرة بالنسبة التي يكون الإقليم قد أسهم بها في إنشاء حقوق الملكية على مثل هذه العقارات أو المنقولات. وفي حالة الاتحاد بين دولتين أو أكثر في دولة اتحادية واحدة، فمن الطبيعي أن تصبح أموال الدولة وممتلكاتها أو الدول السابقة مملوكة للدولة الجديدة.
وفي حالة تفكك الدولة إلى دولتين أو أكثر، كما في حالة الاتحاد السوڤياتي والاتحاد اليوغسلافي، فيسوّى الأمر عن طريق الاتفاق بين الدولة السلف والدولة أو الدول الجديدة المنبثقة عنها. ويسهل الأمر إذا كان ثمة اتفاق على أن دولة ما تُعدّ امتدادًا قانونيًّا للدولة السلف، كما حدث في حالة الاتحاد السوڤياتي، إذ اتفق على خلافة هذا الأخير؛ غير أنه يصعب في حالة عدم الاتفاق على ذلك، كما حدث في حالة الاتحاد اليوغسلافي، إذ لم يقع الاتفاق على عدّ
صربيا والجبل الأسود امتدادًا ليوغسلافيا السابقة[103].
وفيما يتعلق بمحفوظات الدولة أو أرشيفها من وثائق وعملات، ووثائق مصورة وفوتوغرافية وأفلام، فتنتقل إلى الدولة الخلف من دون التزام الأخيرة بأي تعويض، فوفق المادة 27 من اتفاقية عام 1983، فإنه "في حالة انتقال جزء من إقليم دولة سلف إلى دولة خلف، وعند عدم وجود اتفاق خاص، فأي محفوظات في الدولة السلف، متعلقة بهذا الجزء من الإقليم يؤول إلى الدولة الخلف". ويطبّق الحكم ذاته في حالة الدول الحديثة العهد بالاستقلال، ويجب نقل المحفوظات المتعلقة بالإقليم التي أصبحت محفوظات الدولة السلف في فترة تبعية الإقليم إلى الدولة الخلف. وفي حالة اندماج دولتين أو أكثر لتشكيل دولة واحدة، فمن الطبيعي أن تؤول محفوظات الدول السابقة إلى الدولة الجديدة التي تصبح خلفًا للدولتين، أو للدول التي أنشأتها (المادة 29). وفي حالة انفصال جزء من إقليم دولة قائمة ليشكل دولة جديدة، تؤول محفوظات الدولة السلف المتعلقة بالإدارة العادية للإقليم إلى الدولة الجديدة الخلف، ما لم يكن ثمة اتفاق خاص (المادة 30). وتطبّق القواعد العامة السابقة الذكر، في حالة تفكك دولة قائمة إلى دولتين أو أكثر، وبخصوص المحفوظات العائدة لدولة أخرى، فإنها تؤول إلى الدولة الخلف بطريقة عادلة.
وفي الأحوال كلها، فإن الحلول التي تضعها الاتفاقية، لا تمنع الدول الوريثة والموروثة من الالتزام باتفاقيات خاصة منعقدة فيما بينها، مع احترام الحق الأصيل للدول وللشعوب في التنمية وفي تحصين سيادتها الاقتصادية.
- خلافة الدول في حالة الديون العامة
تعالج اتفاقية عام 1983 ديون الدولة السلف العامة للدول الأخرى أو للمنظمات الدولية، ولا تتطرق الاتفاقية إلى ديون الدولة لأشخاص القانون الخاص، وتنتقل هذه الديون من الدولة السلف إلى الدولة الخلف، عند انتقال جزء من الإقليم إلى دولة أخرى، وذلك بنسبة عادلة، ما لم يكن ثمة اتفاق على غير ذلك (المادة 37). وتعفى الدولة الخلف الناشئة نتيجة لتصفية الاستعمار من أعباء ديون الدولة الاستعمارية السلف كافة، بما فيها الديون المتعلقة مباشرةً بالإقليم الذي يحصل على الاستقلال، وذلك ما لم يكن ثمة اتفاق على عكس ذلك (المادة 38).
وفي حالة اتحاد دولة أو أكثر وإقامة دولة جديدة، تتحمل الدولة الجديدة ديون الدولة السابقة (المادة 39). وفي حال انفصال جزء من إقليم دولة وتكوينه دولةً مستقلةً، توزع ديون الدولة السلف بينها وبين الدولة الخلف الجديدة بنسب عادلة (المادة 40). وتطبّق القاعدة ذاتها على حالة زوال الدولة السلف، وقيام دولتين أو أكثر على أنقاضها (المادة 41).
ويتمثل المبدأ العام الذي يحكم توارث المسؤولية الدولية عن أفعال غير شرعية، في مبدأ عدم قابلية نقل المسؤولية من الدولة السلف إلى الدولة الخلف[104].
تنشأ المسؤولية الدولية للدولة[105] عندما ترتكب فعلًا غير مشروع دوليًّا، قد يكون عملًا أو امتناعًا عن عمل. ووصف فعل الدولة بأنه غير مشروع دوليًّا أمر يحكمه القانون الدولي، بصرف النظر عمّا إذا كان الفعل مشروعًا أم لا في القانون الداخلي. وحتى ينسب الفعل غير المشروع دوليًّا إلى الدولة، يجب أن يصدر عن أجهزتها أو الأشخاص الذين يتصرفون بموجب تعليمات من أجهزتها التي تمارس وظائف تشريعية أو تنفيذية أو قضائية أو أي وظائف أخرى، أو بتوجيهات منها أو تحت رقابتها، أي بصفتهم وكلاء للدولة[106]. ومن ثَمَّ لا ينسب تصرف الأفراد العاديين بهذه الصفة إلى الدولة، ولكن الدولة تكون مسؤولة عن الأفعال الصادرة عن هؤلاء، إذا اعترفت بهذه الأفعال وعدتها صادرة عنها[107]. وتخرق الدولة التزامًا دوليًّا متى كان السلوك المنسوب إليها يشكل تخلفًا من جانبها عن الامتثال لالتزام دولي عليها. وتنسب تصرفات أجهزة الدولة إليها، حتى لو تجاوز الجهاز حدود سلطته أو خالف التعليمات.
وتنتفي مسؤولية الدولة عن ارتكاب الفعل غير المشروع دوليًّا إزاء دولة أخرى في حال موافقة تلك الدولة، إذ تنفي موافقة دولة ما على تصرف معين تفعله دولة أخرى عدم مشروعية ذلك التصرّف إزاء الدولة الموافقة، كذلك في حالة كون هذا الفعل يشكل تدبيرًا مشروعًا للدفاع عن النفس، وفي حالة تشكيل هذا الفعل تدبيرًا مضادًا[108]، وعندما يكون مرد ذلك الفعل راجعًا إلى
قوة قاهرة {{القوة القاهرة: هي حدوث ظرف استثنائي، يتمثل في قوة لا سبيل إلى مقاومتها، أو حدوث حدث غير متوقع ولا يمكن دفعه أو تفاديه، ما يجعل أداء الالتزام الدولي مستحيلًا ماديًّا بصورة مطلقة. ومتى قامت علاقة السببية بين الحادث واستحالة التنفيذ، عُدَّت سببًا مشروعًا للإعفاء من المسؤولية الدولية.}}، أو إذا كان مرتكب الفعل في
حالة الشدة {{حالة الشدة: هي سبب من أسباب الإعفاء من المسؤولية الدولية، وهي الحالة التي يكون فيها مرتكب الفعل الذي تنسب أفعاله إلى الدولة، لا يملك أي وسيلة أخرى معقولة لإنقاذ حياته، أو حياة الأشخاص الذين عهدت إليه الدولة رعايتهم، شريطة ألّا يتسبب فعله في خطر مساوٍ أو أكبر، وألّا تكون الشدة ناشئة عن سلوك الدولة نفسها.}} أو
الضرورة {{الضرورة: الضرورة (في القانون الدولي) هي أحد أسباب الإعفاء من المسؤولية الدولية، وتتحقق عندما يُرتكَب فعل غير مشروع لحماية مصلحة أساسية ضد خطر جسيم ووشيك، بشرط أن يكون هذا الفعل هو الوسيلة الوحيدة المتاحة، وألّا يضر بالمصالح الأساسية للدول الأخرى أو المجتمع الدولي، وألّا تكون حالة الضرورة ناتجة من إسهام الدولة نفسها التي صدر عنها هذا الفعل غير المشروع.}}. غير أنه لا يمكن التذرع بأي من هذه الظروف إذا كان ذلك يخلّ بقاعدة قطعية من قواعد القانون الدولي العام، فعلى سبيل المثال، لا يبرر ارتكاب جريمة إبادة جماعية ارتكاب جريمة إبادة جماعية مضادة[109].
وقد آثرت لجنة القانون الدولي في عام 2001 عدم الإشارة إلى مفهوم "الجنايات الدولية" التي ترتكبها الدولة الذي كان مقترحًا في مسودة مشاريع المواد المعدّة في عام 1996، واستعاضت عنه بمفهوم "الإخلالات الخطرة بالتزامات بمقتضى القواعد القطعية للقانون الدولي العام"؛ وتشمل هذه القواعد بوجه خاص قاعدة حظر كل من العدوان والإبادة الجماعية، والرق وتجارة الرقيق، والتمييز والفصل العنصري والتعذيب. وعمومًا، فهي كل القواعد الهادفة إلى حماية النظام الدولي العام، وواجب التطبيق الكوني والدفاع عن القيم الإنسانية الأساسية للمجتمع الدولي[110]. وعلى الدول التعاون في سبيل وضع حد بالوسائل المشروعة لأي إخلال خطر، كذلك عليها ألّا تعترف بشرعية وضع ناجم عن إخلال من هذا القبيل، وألّا تقدّم أي عون أو مساعدة للحفاظ على ذلك الوضع.
ويقع على الدولة المسؤولة عن الفعل غير المشروع دوليًّا الكف عن الفعل إذا كان مستمرًا، وجبر الضرر الناجم عنه، وذلك عن طريق الرد، أي إعادة الحالة إلى ما كانت عليه قبل ارتكاب الفعل غير المشروع دوليًّا، والتعويض عن أي ضرر يكون قابلًا للتقييم من الناحية المالية، بما في ذلك ما فات من الكسب، والرد الذي قد يتخذ شكل إقرار بالخرق، أو يكون تعبيرًا عن الأسف، أو اعتذارًا رسميًّا، أو أي شكل آخر مناسب.
يحدد القانون الداخلي للدولة الأشخاص الذين يمثلونها في علاقاتها مع الدول الأخرى؛ وهم أساسًا رئيس الدولة، ويعاونه في ذلك وزير الخارجية، علاوةً على المبعوثين الدبلوماسيين للدولة[111]، غير أنه إلى جانب الأبعاد الداخلية للعلاقات الخارجية للدولة، ثمة أبعاد دولية لها، يتدخل القانون الدولي في وضع القواعد القانونية المنطبقة عليها[112].
رئيس الدولة ورئيس الوزراء ووزير الخارجية
يؤدي رئيس الدولة الدور الأساسي في العلاقات الدولية مع الدول الأخرى، ولكنه ينفرد في الدول الدكتاتورية والشمولية بالشؤون كلها التي تتصل بهذه العلاقات. وتختلف اختصاصات رئيس الدولة من دولة إلى أخرى، ولكن دساتير الدول تعطيه سلطات واسعة في هذا المجال، فهو الذي يعقد المعاهدات الدولية، ويعلن الحرب ويعقد الصلح، ويعتمد البعثات الدبلوماسية لدولته لدى الدول الأخرى، ويقبل اعتماد البعثات الدبلوماسية الأجنبية الموفدة لدى دولته. ويباشر رئيس الوزراء في الأنظمة البرلمانية الاختصاصات الدولية لرئيس الدولة، ويتمتع رئيس الدولة عمومًا بالحصانة الشخصية والحصانة القضائية في حال وجوده في الدول الأخرى، وتستمر الحصانات ما دام الرئيس على رأس عمله، وتزول بمجرد انتهاء مدة رئاسته، وإن كان يحتفظ بها في بعض الدول على سبيل المجاملة.
ويتمتع رئيس الوزراء بالحصانة الجنائية عندما يكون في دولة أخرى، ويعاون وزير الخارجية رئيس الدولة، ويشاركه في تصريف أمورها الخارجية، وهو الذي يعتمد القائمين بالأعمال الذين يتولون رئاسة البعثات الدبلوماسية، وتعتمد لديه هذه الفئة، وهو أيضًا الناطق باسم دولته في ميدان العلاقات الدولية. ويتمتع وزير الخارجية خلال وجوده في بلد أجنبي في مهمة رسمية بامتيازات مماثلة لتلك المقررة لرئيس الدولة.
البعثات الدبلوماسية وموظفوها
شهدت البعثات المؤقتة أو العارضة للدول الأخرى التطور الأبرز لها في مؤتمر وستڤاليا الذي عقد في عام 1648، وقد أقر فكرة البعثات الدبلوماسية الدائمة. والعرف الدولي هو المصدر الأول للتمثيل الدبلوماسي الدائم، وتعبّر اتفاقية ڤيينا للعلاقات الدبلوماسية المعقودة في 8 نيسان/ أبريل 1961[113]، التي دخلت حيز النفاذ في 24 نيسان/ أبريل 1964، إلى حد كبير عن هذا العرف[114]. وكما جاء في ديباجة الاتفاقية، يستمر سريان القانون الدولي العرفي على المسائل التي لا تنظمها الاتفاقية صراحةً.
وموظفو البعثة الدبلوماسية، هم الموظفون الدبلوماسيون، والموظفون الإداريون والفنيون، ومستخدمو البعثة (المادتين 1/ب و81 من الاتفاقية). وينحصر وصف المبعوث الدبلوماسي برئيس البعثة الدبلوماسية وموظفيها الدبلوماسيين (المادة 1). ورئيس البعثة الدبلوماسية، هو الشخص الذي تكلفه الدولة المعتمدة بالتصرف بهذه الصفة (المادة 1/أ من الاتفاقية). ووفق المادة 14 من الاتفاقية، تقسّم البعثات الدبلوماسية إلى 3 فئات، هي:
- السفراء والقاصدون الرسوليون لدى رؤساء الدول ورؤساء البعثات الآخرون ذوو المرتبة المماثلة.
- المندوبون والوزراء المفوضون، والقاصدون الرسوليون الوكلاء المعتمدون لدى رؤساء الدول.
- القائمون بالأعمال المعتمدون لدى وزارة الخارجية.
وتتفق الدول فيما بينها على الفئة التي ينتمي إليها رؤساء البعثات، ويرتب تقدم رؤساء البعثات المنتمين إلى فئة واحدة حسب تاريخ توليهم وظائفهم وساعته (المادة 16). ويحدد القانون الداخلي للدولة الشروط المطلوبة في أعضاء السلك الدبلوماسي، غير أنه لا بد من موافقة الدولة المعتمد لديها على الشخص المزمع تعيينه رئيسًا لبعثة الدولة المعتمدة، ولا تلزم حكومة الدولة الأولى بإبداء أسباب عدم الموافقة (المادة 4). ويجوز للدولة المعتمد لديها كذلك أن تعلن أنّ رئيس البعثة أو أي موظف دبلوماسي فيها شخص غير مرغوب فيه، أو أن أي موظف فيها غير مقبول (المادة 9).
إقامة العلاقات الدبلوماسية ومهمات البعثات الدبلوماسية
يعدّ دخول دولة في علاقات دبلوماسية مع الدول الأخرى مظهرًا من مظاهر الشخصية القانونية الدولية لها، غير أن العلاقات الدبلوماسية بين الدول تقوم على الرضا المتبادل (المادة 2)؛ فالدول حرة في إقامة هذه العلاقات أو عدمها، والاعتراف شرط لإنشاء العلاقات الدبلوماسية، ولكنه لا يستلزم بالضرورة إقامة مثل هذه العلاقات. وفي أحوال نادرة، تقيم الدول غير المستقلة علاقات دبلوماسية مع الدول المستقلة التي ترتضي إقامة مثل هذه العلاقات معها، كما هي الحال في دولة فلسطين التي أقامت علاقات دبلوماسية مع الدول العربية ومع غيرها من الدول.
وتتلخص وظائف البعثة الدبلوماسية، وفق المادة الثالثة من الاتفاقية، في تمثيل الدولة المعتمدة لها، وحماية مصالح تلك الدولة ومصالح مواطنيها لدى الدولة المعتمد لديها، والتفاوض مع حكومتها، وتقديم التقارير عن الأحوال فيها، وتعزيز العلاقات الودية بين الدولتين المعنيتين. وقد درجت العادة أن تباشر البعثة الدبلوماسية الوظائف القنصلية.
امتيازات البعثات الدبلوماسية وحصاناتها
تتعدد النظريات التي قيلت في الأساس القانوني لهذه الحصانات والامتيازات. وقد هُجِرت نظرية الامتداد الإقليمي للبعثة الدبلوماسية، لتسود النظرية الوظيفية. وهذا ما عبّرت عنه ديباجة الاتفاقية التي تعلن بأن الهدف من الحصانات والامتيازات ليس إفادة أفراد البعثة الدبلوماسية، بل ضمان الأداء الفعال لوظائفها بوصفها ممثلة للدولة.
حصانة دار البعثة
تنص المادة 22 من الاتفاقية على حصانات دار البعثة وامتيازاتها، فوفق المادة المذكورة، تكون حرمة دار البعثة مصونة، ولا يجوز لمأموري الدولة المعتمد لديها دخولها إلا برضا رئيس البعثة، ويترتب على الدولة المعتمد لديها، التزام خاص باتخاذ التدابير المناسبة جميعها لحماية دار البعثة من أي اقتحام أو ضرر، ومنع أي إخلال بأمن البعثة أو مساس بكرامتها. وتعفى دار البعثة وأثاثها وأموالها الأخرى الموجودة فيها، ووسائل النقل التابعة لها، من إجراءات التفتيش أو الاستيلاء أو الحجز أو التنفيذ.
وفي هذا السياق، ثمة تساؤل يُطرح عن طبيعة الحصانة القضائية للبعثة الدبلوماسية، وما إذا كانت مطلقة أم نسبية، وعن إمكانية إنصاف الغير إذا كانت مطلقة، خاصة الأفراد العاديين الذين يدخلون معها في علاقات ومعاملات كثيرة، والذين قد يتأثرون سلبًا من حصاناتها. ويغلّب القضاء الوطني في عدة دول الحقَّ في اللجوء إلى القضاء على الحصانة الدبلوماسية عندما يتعلق الأمر بالدعاوى العمالية[115].
ويُحظر على البعثة الدبلوماسية قبول إيواء المجرمين العاديين فيها. أما اللاجئون السياسيون، فقد أثيرت المسألة أمام محكمة العدل الدولية في القضية المعروفة بقضية هايا دولا تور، بين
البيرو وكولومبيا، فقررت المحكمة إلزام كولومبيا التي منحت سفارتها في
ليما عاصمة البيرو، للشخص المذكور، حقَّ اللجوء الدبلوماسي فيها بإنهاء الملجأ، ولكنها لم تلزمها بتسليمه لدولته المطالبة بتسليمه[116].
وفي 16 آب/ أغسطس 2012، منحت سفارة الأكوادور في لندن حق اللجوء لجوليان أسانج {{جوليان أسانج: (Julian Assange، 1971-) محرر وناشر وناشط أسترالي، وُلد عام 1971، أسس منصة ويكيليكس التي تهدف إلى نشر الوثائق الحكومية والسرية، للكشف عن الفساد والانتهاكات. ارتبط اسمه بالقضايا الدولية المتعلقة بحرية الصحافة، وحماية المصادر، وحقوق الانسان. أثارت ملاحقاته القضائية تساؤلات عن التسليم بين الدول، والحصانة الدبلوماسية، ومسؤولية الدول في حماية حقوق الأفراد وفق القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان.}} الذي تتهمه الولايات المتحدة الأميركية بالتجسس عليها، ولكن الأكوادور سحبت حق اللجوء في 11 نيسان/ أبريل 2019، ما أدى إلى توقيف السلطات البريطانية إياه[117].
حصانة المبعوثين الدبلوماسيين
ذات المبعوث الدبلوماسي مصونة[118]، فلا يجوز توقيفه أو القبض عليه أو احتجازه إداريًّا أو قضائيًّا (المادة 29 من الاتفاقية). وللمبعوث الدبلوماسي حصانة قضائية فيما يتعلق بالقضاء الجنائي للدولة المعتمد لديها، والقضاء المدني والإداري فيها، وتُستثنى من ذلك الدعاوى العينية المتعلقة بالعقارات الخاصة، وتلك المتعلقة بشؤون الإرث والتركات، أو بأي نشاط مهني أو تجاري يمارسه خارج وظيفة رسمية (المادة 31).
ويجوز للدولة المعتمدة أن تتنازل عن حصانة رئيس البعثة، ولهذا الأخير التنازل عن حصانة المبعوث الدبلوماسي، غير أن التنازل عن الحصانة القضائية لا ينسحب أثره إلى الحصانة التنفيذية، وتظل نافذة ما لم يُتنازل عنها صراحة. وأخيرًا، توجب المادة 41 من الاتفاقية على المتمتعين بالامتيازات والحصانات جميعهم، احترام قوانين الدولة المعتمد لديها وأنظمتها، ويجب عليهم كذلك عدم التدخل في شؤونها الداخلية.
كان استخدام الدول للقوة أو التهديد باستعمالها حقًا من حقوق الدول، وشكلًا من أشكال تسوية النزاعات الدولية، ولكن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي للدول، أصبح محظورًا تدريجيًّا ابتداءً بعهد عصبة الأمم (المادة 19) الذي وضع قيودًا إجرائية على اللجوء إلى الحرب، ومرورًا بعهد برييان-كيلوغ (1928) الذي أدان اللجوء إلى الحرب من أجل حل الخلافات الدولية، وانتهاءً بميثاق الأمم المتحدة (1945) الذي تكرِّس الفقرة الرابعة من المادة الثانية[119] منه الحظرَ المذكور. وبعدما أصبح استخدام القوة أو التهديد باستعمالها أمرًا محظورًا، كان لا بد من بدائل سلمية لتسوية المنازعات الدولية تقوم على أساس التراضي؛ ولهذا، فقد أوجب الميثاق على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تسوية منازعاتها الدولية بالوسائل السلمية، على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر (الفقرة الثالثة من المادة الثانية). وأفرد الميثاق فصلًا خاصًا بحل النزاعات الدولية بالطرق السلمية هو الفصل السادس[120].
والنزاع الدولي هو "خلاف حول مسألة أو واقعة قانونية، وتضارب في وجهات النظر القانونية أو المصالح بين دولتين"[121]. وهكذا، فالمنازعات الدولية تكون إما منازعات سياسية وإما قانونية[122]؛ أما الأولى فيناسبها الوسائل الدبلوماسية أو السياسية، وأما الثانية فتصلح لها
التسوية القضائية.
الوسائل الدبلوماسية لتسوية المنازعات الدولية
أوردت المادة 33 من الميثاق الطرق الدبلوماسية لتسوية المنازعات الدولية التي تتمثل في المفاوضة والوساطة، والتحقيق، والتوفيق، والتحكيم، والتسوية القضائية، والتسوية عن طريق المنظمات الدولية، ولكنها تركت الباب مفتوحًا أمام اختيار أي وسائل أخرى يقع عليها اختيار الدول أطراف النزاع، ويضاف إلى هذه الوسائل
المساعي الحميدة التي لم يرد لها ذكر في الميثاق.
- المساعي الحميدة
المساعي الحميدة هي مساعٍ ودية يبذلها طرف ثالث (دولة، أو منظمة دولية، أو شخصية سياسية مرموقة) بغية إقناع الدول المتنازعة بالدخول في مفاوضات، أو لاستئنافها في حال انقطاعها لتسوية المنازعات القائمة فيما بينها. وينتهي دور القائم بهذه المساعي بجلوس الأطراف على طاولة المفاوضات التي لا يشترك فيها في العادة، ولا يقدّم أي مقترحات للدول المتفاوضة لتسوية النزاع، ولا تلتزم الدول أطراف النزاع بقبول المساعي الحميدة.
- الوساطة
على خلاف الحال في المساعي الحميدة، لا يقتصر دور الطرف الثالث عندما يتعلق الأمر بالوساطة على حث الدول المتنازعة على التفاوض، بل يشترك في المفاوضات التي تدور بين المتنازعين، وقد يسهم في وضع الأساس الذي يقوم عليه حل النزاع، غير أن أطراف النزاع ليسوا ملزمين بقبول عرض الوساطة، ولهم الحق في رفض الحلول التي يبديها الوسيط لتسوية النزاع، وهذا ما يميز الوساطة عن الطرق القضائية لتسوية النزاعات.
وقد عرفت القضية الفلسطينية كثيرًا هذا النوع من طرق تسوية المنازعات الدولية، ومن ذلك وساطة الكونت
فولك برنادوت الذي كلّفه مجلس الأمن في عام 1947 التوسطَ لإنهاء النزاع العربي–الإسرائيلي، والذي اغتيل على يد المنظمات الصهيونية في عام 1948[123]. وفي إثر ذلك، اختار المجلس
رالف بانش خلفًا له.
ومن هذا القبيل كذلك وساطة الولايات المتحدة في مباحثات السلام بين مصر وإسرائيل التي انتهت بإبرام
معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في عام 1979؛ ووساطتها ومعها النرويج التي تمخضت عن إبرام إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي، المعروف باتفاقية أوسلو في عام 1993؛ ووساطتها للتوصل إلى
معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل في عام 1994.
- التحقيق
يُلجأ إلى التحقيق عندما يكون ثمة خلاف بين أطراف النزاع على الوقائع المتعلقة بالنزاع، فهو ليس في حد ذاته وسيلة من وسائل تسوية المنازعات الدولية، بل هو وسيلة للتحقيق في الوقائع المختلف عليها التي يتعذر حل النزاع من دون التعرف عليها. واللجوء الى التحقيق اختياري، وليس للنتائج التي يتوصل إليها القائم عليه، فردًا كان أو لجنةً، أي صفة إلزامية. ويأخذ التحقيق طابعًا مؤسسيًّا في إطار المنظمات الدولية.
وعرفت القضية الفلسطينية عشرات لجان التحقيق؛ ففي عام 1947، أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة لجنة خاصة بفلسطين، وعلى أساس التقرير الذي وضعته اللجنة قررت الجمعية العامة في 29 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1947 خطةً لتقسيم فلسطين إلى دولتين: إحداهما عربية، والأخرى يهودية[124].
وفي عام 2009، أنشأ
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بعثة لتقصي الحقائق بشأن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، برئاسة القاضي الجنوب أفريقي
ريتشارد غولدستون (Richard Goldstone، 1938-)، وأصدرت اللجنة نتائج تحقيقها في 575 صفحة[125].
وقد أعدّت
لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة بما في ذلك القدس الشرقية، التي شكّلها مجلس حقوق الإنسان للتحقيق في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي بدأت بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، عدة تقارير خلصت فيها إلى ارتكاب السلطات الإسرائيلية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على نطاق واسع[126].
-
التوفيق
تحقق لجان التوفيق، كما هي حال لجان التحقيق، في الوقائع موضوع النزاع، ولكنها لا تكتفي بذلك، بل تشمل مهمتها كذلك التقدم بمقترحات للتسوية، يمكن لأطراف النزاع قبولها أو رفضها. ويرد النص على التوفيق في معاهدات دولية، مثل اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات عام 1969، ومعاهدة ڤيينا لتوارث الدول في المعاهدات عام 1978، واتفاقية ڤينا لقانون المعاهدات بين الدول والمنظمات الدولية، أو بين المنظمات الدولية عام 1986.
- دور المنظمات الدولية للتسوية السياسية للمنازعات الدولية
تتضمن الصكوك المنشئة للمنظمات الدولية العالمية منها أو الإقليمية نصوصًا خاصة بالتسوية السلمية للمنازعات الدولية (ومن هذا القبيل المواد من 12-15 من عهد عصبة الأمم). وقد نجحت العصبة فعلًا في تسوية بعض المنازعات الدولية، وفي مقدمتها
النزاع السويدي الفنلندي في عام 1923 في
جزر آلاند (Aland)، والنزاع بين اليونان وبلغاريا في عام 1926، والنزاع بين يوغسلافيا والمجر عام 1934.
ويبيّن الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة دور مجلس الأمن والجمعية العامة في حل المنازعات الدولية، فالجمعية العامة تملك مناقشة أي مسألة تكون لها صلة بحفظ السلم والأمن الدوليين (المادة 11/2 من الميثاق)، ولها أن توصي باتخاذ التدابير لتسوية أي موقف تسوية سلمية (المادة 14 منه). ويدعو مجلس الأمن الدول المتنازعة إلى تسوية منازعاتها بالطرق السلمية (المادة 33)، وله أن يوصي بما يراه ملائمًا من شروط لحلّ النزاع (المادة 37). ويوجب الميثاق على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الداخلة في التنظيمات الإقليمية، أن تبذل جهدها كله لتدبير الحل السلمي للمنازعات المحلية، عن طريق هذه التنظيمات التي هي عضو فيها، وذلك قبل عرضها على مجلس الأمن (الفقرة الثانية من المادة 52).
ويتضمن ميثاق
جامعة الدول العربية في المادة الخامسة منه، نصًا خاصًا بالتسوية السلمية للمنازعات بين دول الجامعة، وكذلك الحال في القانون الأساسي للاتحاد الأفريقي (المادة 4).
التسوية القضائية
يقصد بالتسوية القضائية الدولية التحكيم الدولي والقضاء الدولي، وفي الحالتين تُحَلّ المنازعات على أساس القانون.
- التحكيم الدولي
الفكرة الأساسية في التحكيم، الذي هو أسبق من حيث النشأة[127] من القضائين الداخلي والدولي، هي الفصل النهائي في النزاعات بقرار يصدر عن أشخاص، يختارهم أطراف النزاع. وخلافًا للقضاء، يترك التحكيم لأطراف النزاع حريةً كاملة في تشكيل هيئة التحكيم وتحديد اختصاصها، واختيار القانون الواجب التطبيق على إجراءات التحكيم وعلى موضوع النزاع.
وقد تتكون هيئة التحكيم من فرد واحد أو من لجنة مختلطة[128]. وإلى جانب الهيئات العارضة أو المؤقتة للتحكيم التي ينتهي وجودها بمجرد إصدار أحكامها، ثمة محاكم تحكيم دائمة، أبرزها[129]: المحكمة الدائمة للتحكيم التي تعود أصولها إلى مؤتمر السلام الأول الذي عقد في لاهاي في عام 1899. ويقتصر اختصاص المحكمة في الأساس على التحكيم بين الدول (المادة 37 من اتفاقية لاهاي عام 1899)، ولكن اختصاصها لم يعد مقتصرًا على المنازعات بين الدول، بل امتد ليشمل المنازعات التي يكون أحد أشخاص القانون الخاص طرفًا فيها.
والواقع أن المحكمة الدائمة للتحكيم ليست محكمة بالمعنى الدقيق، وهي ليست دائمة، والشيء الوحيد الدائم فيها هو المكتب الدولي في لاهاي، وهو يؤدي المهمات الإدارية، ولا يتعدى دوره توفير قائمة بأسماء أشخاص ترشحها الدول المتعاقدة، ليختار المتنازعون من بينهم من يشاؤون ليحكم في النزاع، وينتهي دور هيئة التحكيم التي تختارها الدول المتنازعة بإصدار حكمها في القضية محل النظر.
ومن بين النزاعات التي سويت عن طريق المحكمة النزاع في
منطقة أبيي (Abei) بين السودان وجنوب السودان (2009)، والنزاعات بين قطر وكل من
الإمارات العربية المتحدة والسعودية والبحرين ومصر في التحكيم وفق المادة 32 من دستور اتحاد البريد العالمي (2020)[130].
واللجوء إلى التحكيم اختياري، وقد يتفق عليه في اتفاق التحكيم (يسمى كذلك مشارطة التحكيم)، إذ تتفق الدولتان المتنازعتان على إحالة النزاع الماثل، أو الذي يمكن أن يقع في المستقبل بينهما إلى التحكيم، أو في شرط التحكيم (يسمى كذلك البند التحكيمي)، وهو شرط يرد في معاهدة دولية، يقضي بعرض النزاع الذي يمكن أن يقع بين الدول الأطراف، بشأن تفسير المعاهدة أو تنفيذها على التحكيم.
ويستمد المحكم سلطاته من اتفاق التحكيم أو شرط التحكيم، وهما اللذان يحددان القانون الواجب التطبيق على إجراءات التحكيم وعلى موضوع النزاع، وتصدر أحكام التحكيم بالشكل الذي تصدر فيه أحكام القضاء. وقرار التحكيم نهائي، وهو ملزم لأطراف النزاع، غير أنه لا يوجد في الوضع الحالي للقانون الدولي، جهة تنفذه جبرًا.
- القضاء الدولي الدائم
تعد محكمة العدل المثال الأبرز على الهيئات القضائية الدولية[131]، وهي كما وصفتها المادة 92 من ميثاق الأمم المتحدة: "الأداة القضائية الرئيسة للأمم المتحدة"[132].
- سند إنشاء المحكمة وصلتها بالأمم المتحدة
محكمة العدل هي وريثة المحكمة الدائمة للعدل الدولي التي أُنشئت في عهد عصبة الأمم، وقد أُدرج نظامها الأساسي في برتوكول اعتُمد في عام 1920، ودخل حيز النفاذ في عام 1921. وقد أصدرت المحكمة خلال حياتها لغاية عام 1940، عشرات الأحكام والآراء الاستشارية. وجاء النص على إنشاء المحكمة الجديدة في ميثاق المنظمة العالمية، وفي النظام الأساسي الملحق به، وهو جزء لا يتجزأ منه. والمحكمة فرع من الفروع الرئيسة الستة للأمم المتحدة (المادة 7 من الميثاق). وكما كان الوضع في المحكمة الدائمة للعدل الدولي، عهد الميثاق إلى كل من الجمعية العامة ومجلس الأمن بمهمة انتخاب قضاة المحكمة، وميزانية المحكمة هي جزء من ميزانية الأمم المتحدة. ولكنه على الرغم من الصلة الوثيقة التي تربط بين المحكمة والأمم المتحدة، فإن الأولى هيئة قضائية، وهي مستقلة قانونيًّا عنها، ولذا فهي الوحيدة من بين الفروع الرئيسة التي ترفع تقارير سنوية عن أنشطتها إلى الجمعية العامة، ومن دون أن تكون هذه التقارير محل أخذ ورد في هذه الأخيرة.
اختصاص المحكمة قضائيًّا مقتصر على النظر في النزاعات الناشئة بين الدول فحسب (المادة 34/1 من النظام الأساسي)؛ فهي لا تنظر في منازعات بين دولة ومنظمة دولية، أو بين منظمتين دوليتين، ولا في قضايا يكون أحد أطرافها أو أكثر الأفراد أو الكيانات الخاصة. والدول المعنية هي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، التي هي تلقائيًّا أطراف في النظام الأساسي للمحكمة (المادة 93/1 من الميثاق). ويمكن لأي دولة ليست عضوًا في الأمم المتحدة أن تنضم إلى النظام الأساسي للمحكمة، وفقًا لشروط تقررها الجمعية العامة لكل حالة، بناءً على توصية مجلس الأمن (المادة 93/1 منه).
ويجوز لأي دولة ليست عضوًا في الأمم المتحدة، وراغبة في التقاضي أمام المحكمة، في نزاع معين أو في مجموعة من النزاعات، من دون أن تصبح طرفًا في النظام الأساسي للمحكمة، المثول أمامها بشروط يحددها مجلس الأمن (المادة 35/2 من النظام)[133]. وعلى هذا الأساس، أودعت فلسطين، وهي ليست عضوًا في الأمم المتحدة، قلمَ المحكمة عريضةَ دعوى ضد الولايات المتحدة في 4 أيلول/ سبتمبر 2018، وذلك في أعقاب نقل الأخيرة مقر سفارتها من تل أبيب إلى
القدس في 14 أيار/ مايو 2018[134]، ولكنها عادت وسحبت عريضتها في 12 نيسان/ أبريل 2021.
- الولاية الاختيارية للمحكمة
"تشمل ولاية المحكمة جميع القضايا التي يعرضها عليها المتقاضون" (المادة 36/1 من النظام الأساسي لها). ويكون ذلك بعدة طرق، هي:
- يمكن للدول في اتفاق خاص فيما بينها أن تعبّر عن رضاها في أن تنظر المحكمة في النزاع الواقع فيما بينها، والمبيّن في الاتفاق.
- وقد تتعهد الدول الأطراف في معاهدة دولية بقبول اختصاص المحكمة، في النظر في أي نزاع يمكن أن ينشب فيما بينها في المستقبل، في تفسير المعاهدة أو تنفيذها[135].
- ومن بين السبل التي تجيز للمحكمة ممارسة ولايتها، أسلوب التصريحات أو الإعلانات الانفرادية، وتُسمى أيضًا "البنود الاختيارية"، الصادرة عن الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة[136]، وهي تودعها لدى الأمين العام للأمم المتحدة، وتصرّح فيها وفي أي وقت، بأنها بتصريحها هذا ومن دون حاجة إلى اتفاق خاص، تقر للمحكمة بولايتها الجبرية في النظر في المنازعات القانونية جميعها، وتقوم بينها وبين دولة تقبل الالتزام نفسه، بموجب إعلان مماثل.
- الاختصاص الإفتائي
تختص المحكمة أيضًا بإصدار الفتاوى، أو ما يُعرف بالآراء الاستشارية، فالنظام الأساسي لها يجيز للجمعية العامة ومجلس الأمن أن يطلبا إليها إفتاءهما في أي مسألة قانونية، وهي تجيز لسائر فروع المنظمة والوكالات المتخصصة المرتبطة بها، ممن يجوز أن تأذن لها الجمعية العامة بذلك، أن تطلب أيضًا إلى المحكمة إفتاءها فيما يعرض لها من المسائل القانونية الداخلة في نطاق عملها (المادة 96 من الميثاق). ويجوز حاليًا لثلاثة أجهزة أخرى تابعة للأمم المتحدة (هي المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ومجلس الوصاية، واللجنة المؤقتة التابعة للجمعية العامة)، و16 وكالة متخصصة أن تطلب إلى المحكمة إفتاءها في المسائل القانونية التي تواجهها في سياق اضطلاعها بأنشطتها[137]، ويمكن للدول تقديم رأيها ودعم طرحها في موضوع الرأي الاستشاري إذا رأت أن المسألة تخصها. ويجوز للمحكمة أن ترفض إصدار الفتوى المطلوبة، إذا تعارض ذلك مع صفتها القضائية أو القواعد الأساسية التي توجه أنشطتها بوصفها محكمة.
والمسائل التي يُطلَب إلى المحكمة إبداء الرأي الاستشاري فيها هي "أي مسائل قانونية"، إذا كان مقدم الطلب هو الجمعية العامة أو مجلس الأمن، و"المسائل القانونية الداخلة في نطاق أعمال سائر فروع المنظمة والوكالات المتخصصة المرتبطة بها"، عندما يأتي الطلب من هذه الفروع والوكالات (المادة 96 من الميثاق).
ويُثار التساؤل عمّا إذا كانت المسألة المطلوب إبداء الرأي فيها مسألة "قانونية" أم "سياسية"، ولكنه لم يسبق للمحكمة أن رفضت إعطاء الرأي الاستشاري المطلوب، بسبب الطابع السياسي للسؤال المطروح[138].
وخلافًا للأحكام الملزمة، فالفتاوى التي تصدرها المحكمة غير ملزمة قانونًا، ولكن هذا لا يعني أنها تخلو من أي أثر قانوني[139]، وذلك نظرًا إلى ما تتمتع به من قوة معنوية.
المراجع
العربية
أبو الوفا، أحمد.
الوسيط في القانون الدولي العام. القاهرة: دار النهضة العربية، 1996
أبو هيف، علي صادق.
القانون الدولي العام. ط 17. الإسكندرية: منشأة المعارف، 1992-1993.
الأمم المتحدة.
حولية لجنة القانون الدولي 2001. جنيف: 2007. في:
https://legal.un.org/ilc/publications/yearbooks/arabic/ilc_2001_v2_p2.pdf
________. "تقرير محكمة العدل الدولية". 1 آب/ أغسطس 2022-31 تموز/ يوليو 2024. A/80/4.
الأمم المتحدة. الجمعية العامة. "اتفاقية الأمم المتحدة لحصانات الدول وممتلكاتها من الولاية القضائية". 2 كانون الأول/ ديسمبر 2004، في:
https://acr.ps/1L9F2Rq
براونلي، إيان.
مبادئ القانون الدولي العاملبراونلي.تحرير جيمس كروفورد. ترجمة محمود محمد الحرثاني. ط 8. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022.
توام، رشاد وعاصم خليل. "إنفاذ الاتفاقيات الدولية في فلسطين والإشكاليات القانونية والحلول الدستورية". جامعة بيرزيت. سلسلة أوراق عمل جامعة بير زيت. الدراسات القانونية. أوراق المؤتمرات والنشاطات العامة (1/2019).
دوبوي، بيير-ماري.
القانون الدولي العام. ترجمة محمد عرب صاصيلا وسليم حداد. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2008.
سرحال، أحمد.
قانون العلاقات الدولية، ط 2. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1993.
الشامي، علي حسن.
الدبلوماسية نشأتها وتطورها وقواعدها ونظام الامتيازات والحصانات الدبلوماسية. ط 3. عمّان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2007.
الشيشكلي، محسن. "تغيرات الدول واتفاقية فيينا لخلافة المعاهدات".
مجلة الحقوق. مج 9، العدد 2 (1985).
عامر، صلاح.
مقدمة لدراسة القانون الدولي العام. القاهرة: دار النهضة العربية، 1995-1996.
عبد الحميد، محمد سامي.
أصول القانون الدولي العام:
القاعدة الدولية. ط 6 الإسكندرية: الدار الجامعة، 1984.
علوان، محمد. "المركز القانوني للقدس في القانون الدولي".
المجلة الأردنية في القانون والعلوم السياسية. مج 5، العدد 3 (2013).
________. "النظام القانوني لقاع البحار والمحيطات وباطن أرضها خارج حدود الولاية الوطنية".
المجلة المصرية للقانون الدولي. مج 41 (1985).
________. "مسؤولية الحماية: إعادة إحياء التدخل الإنساني".
مجلة سياسات عربية. العدد 23 (تشرين الثاني/ نوڨمبر 2016).
________.
القانون الدولي العام: النظرية العامة والمصادر. عمّان: دار وائل للنشر، 2021.
________. القانون الدولي العام: وثائق ومعاهدات دولية. عمّان: منشورات الجامعة الأردنية، 1978.
________. قانون المنظمات الدولية. عمّان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2022.
الغنيمي، محمد طلعت.
الوسيط في قانون السلام: القانون الدولي العام أو قانون الأمم زمن السلم. الإسكندرية: منشأة المعارف، 1982.
المجذوب، محمد.
القانون الدولي العام. ط 5. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2004.
الموسى، محمد. التسويات السلمية المتعلقة بخلافة الدول وفقًا لأحكام القانون الدولي. أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2005.
________.
موسوعة تاريخ القانون الدولي: القانون الدولي والإمبراطورية عند هوغو غروشيوس. عمّان: دار الثقافة، 2023.
الوردي، عادلة. "مكانة الاتفاقيات الدولية في الدستور المغربي".
العلوم القانونية. 25/3/2013. في:
https://acr.ps/1L9F2HA
الأجنبية
“Advisory Opinion of 19 July 2024.”
International Court of Justice. at:
https://acr.ps/hBya0z5
“Agreement Governing the Activities of States on the Moon and Other Celestial Bodies.”
UNOOSA. at:
https://acr.ps/hBya0Up
Andenaes, M. et al. (eds.).
General Principles and the Coherence of International Law. Leiden: Brill, 2019.
Austin, John.
The Province of Jurisprudence Determined. H. L. A. Hart (ed.). London: Weidenfeld & Nicolson, 1954.
Batifol, Henri & Paul Lagarde.
Traité de Droit International Privé. 6th ed. Paris: L. G. D. J., 1974.
Bedjaoui, Mohammed (ed.).
International Law: Achievements and Prospects. Paris: Unesco, 1991.
Bentham, Jeremy.
An Introduction to the Principles of Morals and Legislation. London: T. Payne & Son, 1789.
Cassese, Antonio.
International Law in Divided World. Oxford: Clarendon Press, 1986.
Costello, D.
Legal Consequences of Peremptory Norms in International Law. Cambridge: University Press, 2012.
Craven, Matthew. “Between Law and History: The Berlin Conference of 1884-1885 and the Logic of Free Trade.” London Review of International Law. vol. 3, issue 1 (2015). pp. 31-59.
Dinh, Nguyen et al.
Droit International Public. 8th ed. Paris: L. G. D. J., 2009.
Dixon, Martin.
International Law. 4th ed. Oxford: Blackstone Press Limited, 2000.
Fitzmaurice, Gerald. “The Foundations of the Authority of International Law and the problem of Enforcement.”
The Modern Law Review. vol. 19, no. 1 (1956). pp. 1-13.
Francioni, Francesco. “Equity in International Law.” in:
Max Planck Encyclopedia of Public International Law. Oxford: University Press, 2020.
Gaurier, Dominique.
Histoire du Droit International. Rennes: Presses Universitaires de Rennes, 2005.
Heijer, Maarten Den. “Diplomatic Asylum and the Assange Case.” Leiden Journal of International Law. vol. 26, issue 2 (2013).
Henkin, Louis.
How Nations Behave. 2nd ed. New York: Columbia University Press, 1979.
Jamnejad, Maziar & Michael Wood. “The Principle of Non-Intervention in Contemporary International Law.”
Leiden Journal of International Law. vol. 22, issue 2 (2009). pp. 345-381.
Kassoti, E. “Interpretation of Unilateral Acts in International Law.”
Netherland International Law Review. vol. 69 (2022). pp. 295-326.
Kelsen, Hans.
Théorie pure du droit. Paris: Dalloz, 1962.
Koh, Harold Hongju. “Why do Nations Obey International Law?.” The Yale Law Journal. vol. 106, no. 8 (1997). pp. 2599-2695.
Lauterpacht, H.
Recognition in International Law. Cambridge: The University Press, 1947.
Malanczuk, Peter.
Akehurst's Modern Introduction to International Law. London/ New York: Routledge, 1997.
Mallerson, Rein. “The Continuity and Succession of States by Reference to the Former USSR and Yugoslavia.” International and Comparative Law Quarterly. vol. 42, issue 3 (1993).
Mériboute, Zaidan.
La codification de la succession d’États aux traités: Décolonisation, sécession,
unification. Paris: Presses Universitaires de France, 1984.
“North Sea Continental Shelf (Federal Republic of Germany/Netherlands).”
International Court of Justice. at:
https://acr.ps/hBya0JK
Nussbaum, Arthur.
A Concise History of the Law of Nations. New York: The Macmilan co., 1954.
O'Connell, Daniel Patrick.
International Law. London: Stevens & Sons, 1970.
Ordoua, A. “La Cour de Cassation et La Place Respective de La Constitution et des Traités dans La Hiérachie des normes.” Revue General de Droit International public (RGDIP). no. 4 (2004).
Romano, Cesare (ed.).
The Sword and the Scales: The United States and the International Courts and Tribunals. Cambridge: Cambridge University Press, 2009.
Rousseau, Charles.
Droit International Public Paris: Sirey, 1970.
Show, Malcolm N.
International Law. 6th ed. Cambridge: Cambridge University, Press, 2008.
The Oxford Handbook of the Sources of International Law. Oxford: Oxford University Press, 2017.
Ultrich, Gerhard.
The Law of the International Civil Service: Institutional Law and Practice in International Organisations. Berlin: Duncker und Humblot, 2018.
[1] استخدم فقهاء كبار من أمثال هوغو غروشيوس (Hugo Grotius، 1583-1645) وإيمير دي فاتيل (Emer de Vattel، 1714-1767) هذا المصطلح مدةً طويلةً من الزمن. يُنظر: إيان براونلي،
مبادئ القانون الدولي العاملبراونلي، تحرير جيمس كروفورد، ترجمة محمود محمد الحرثاني، ط 8 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص 61.
[2] يُنظر: محمد طلعت الغنيمي،
الوسيط في قانون السلام: القانون الدولي العام أو قانون الأمم زمن السلم (الإسكندرية: منشأة المعارف، 1982).
[3] Jeremy Bentham,
An Introduction to the Principles of Morals and Legislation (London: T. Payne & Son, 1789).
[4] Nguyen Dinh et al.,
Droit International Public, 8th ed. (Paris: L. G. D. J., 2009), p. 45.
[5] تندرج ضمن قواعد القانون الدولي الخاص أساسًا، قواعد تنازع القوانين، وقواعد تنازع الاختصاص القضائي. ويضيف بعضهم إلى هاتين المجموعتين القواعد الخاصة بالجنسية وبالموطن والمركز القانوني للأجانب. يُنظر:
Henri Batifol & Paul Lagarde,
Traité de Droit International Privé, vol. 1, 6th ed. (Paris: L. G. D. J., 1974).
[6] Daniel Patrick O'Connell,
International Law, vol. 1 (London: Stevens & Sons, 1970).
[7] عن مدرسة القانون الطبيعي، يُنظر: محمد الموسى،
موسوعة تاريخ القانون الدولي: القانون الدولي والإمبراطورية عند هوغو غروشيوس (عمّان: دار الثقافة، 2023).
[8] تُثار هذه المسألة الأخيرة بالنسبة إلى القانون الداخلي والقانون الدولي على حدٍ سواء، غير أن المسألة أدق في القانون الدولي منه في القانون الداخلي. وتبحث بعض النظريات في تفسير الصفة الإلزامية للقانون الدولي في القانون نفسه، في حين ترجع نظريات أخرى هذه الصفة إلى اعتبارات أو عوامل اجتماعية خارجة عن القانون. وثمة عدد من النظريات في المسألة، أبرزها: النظريات الإرادية، والنظرية المحضة للقانون، ونظرية القانون الطبيعي، ونظرية التضامن الاجتماعي. يُنظر: محمد علوان،
القانون الدولي العام: النظرية العامة والمصادر (عمّان: دار وائل للنشر، 2021)، ص 115 وما يليها.
[9] John Austin,
The Province of Jurisprudence Determined, H. L. A. Hart (ed.) (London: Weidenfeld & Nicolson, 1954), pp. 134-142.
وللمزيد عن الآراء النافية لوجود القانون الدولي وتفنيدها، يُنظر: محمد سامي عبد الحميد،
أصول القانون الدولي العام:
القاعدة الدولية، ج 2، ط 6 (الإسكندرية: الدار الجامعة، 1984)، ص 31.
[10] تتوفر محكمة العدل الدولية على صلاحية اختيارية، بمعنى أن الدول تختار مسبقًا اللجوء إليها في حالة وقوع نزاع دولي.
[11] Gerald Fitzmaurice, “Foundations of the Authority of International Law and the problem of Enforcement,”
The Modern Law Review, vol. 19, no. 1 (1956), pp. 1-13.
[12] يُنظر: محمد علوان، قانون المنظمات الدولية (عمّان: دار الثقافة، 2022)، ص 350.
[13] Louis Henkin,
How Nations Behave, 2nd ed. (New York: Columbia University Press, 1979), p. 47.
[14] Harold Hongju Koh, “Why do Nations Obey International Law?,”
The Yale Law Journal, vol. 106, no. 8 (1997), pp. 2599-2695.
[15] Peter Malanczuk,
Akehurst's Modern Introduction to International Law, 7th ed. (London/ New York: Routledge, 1997), p. 7.
[16] براونلي، ص 84.
[17] عن نشأة القانون الدولي، يُنظر:
Antonio Cassese,
International Law in Divided World (Oxford: Clarendon Press, 1986); Arthur Nussbaum,
A Concise History of the Law of Nations (New York: The Macmillan Co., 1954); Dominique Gaurier,
Histoire du Droit International (Rennes: Presses Universitaires de Rennes, 2005).
[18] تمخضت هذه الاتفاقية عن مؤتمر برلين عام 1885 الذي حضرته 13 دولة أوروبية، علاوة على الدولة العثمانية، والولايات المتحدة الأميركية.
[19] استبدلت اتفاقية جنيڤ عام 1864 على التوالي، باتفاقيات جنيڤ في الموضوع نفسه التي أبرمت في الأعوام 1906 و1929 وأخيرًا 1949.
[20] يُنظر: الموسى، القانون الدولي.
[21] Sean D. Murphy, “The United States and the International Court of Justice: Coping with Antinomies,” in: Cesare Romano (ed.),
The Sword and the Scales: The United States and the International Courts and Tribunals (Cambridge: Cambridge University Press, 2009).
[22] “Advisory Opinion of 19 July 2024,”
International Court of Justice, accessed on 18/2/2026, at:
https://acr.ps/hBya0z5
[23] ثمة عدد من النظريات الأخرى في أساس إلزامية القانون الدولي، مثل النظريات التفكيكية والنظريات الواقعية والنظريات القيمية ونظريات اللادولة. يُنظر:
Martin Dixon, International Law, 4th ed. (Oxford: Blackstone Press Limited, 2000), p. 11.
[24] Hans Kelsen,
Théorie pure du droit (Paris: Dalloz, 1962), p. 29.
[25] Charles Rousseau,
Droit International Public, tome 1: Introduction et Sources (Paris: Sirey, 1970), p. 37.
[26] Malcolm N. Show,
International Law, 6th ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 2008), p. 135.
[27] علوان،
القانون الدولي العام: النظرية العامة والمصادر، ص 218.
[28] وفقًا للمادة 25 من الدستور الألماني عام 1949، والمعدل عام 2012، "تُعد القواعد العامة في القانون الدولي جزءًا لا يتجزأ من القانون الاتحادي، وتُقدم على القوانين الاتحادية، ويترتب عليها حقوق وواجبات مباشرة على سكان المناطق في أنحاء الاتحاد".
[29] A. Ordoua, “La Cour de Cassation et La Place Respective de La Constitution et des Traités dans La Hiérachie des normes,”
Revue General de Droit International public (RGDIP), no. 4 (2004), p. 981.
[30] يُنظر: عاصم خليل ورشاد توام، "إنفاذ الاتفاقيات الدولية في فلسطين والإشكاليات القانونية والحلول الدستورية"، سلسلة أوراق عمل جامعة بيرزيت، الدراسات القانونية، أوراق المؤتمرات والنشاطات العامة، جامعة بيرزيت (1/2019).
[31] من هذا القبيل الدستور المصري (المادتان 93، 151)، والدستور الكويتي (المادة 68)، والدستور القطري (المادة 68) والدستور البحريني (المادة 37).
[32] يُنظر: عادلة الوردي، "مكانة الاتفاقيات الدولية في الدستور المغربي"،
العلوم القانونية، 25/3/2013، شوهد في 4/8/2024، في:
https://acr.ps/1L9F2HA
[33] يُطلق عليها أيضًا "معاهدة المعاهدات"، وقد دخلت حيز التنفيذ عام 1980.
[34] تنُصّ المادة 52 من اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات، على أن "تكون المعاهدة باطلة إذا تُوصل إلى عقدها بطريق التهديد، أو استخدام القوة بصورة مخالفة لمبادئ القانون الدولي المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة". وتسمح هذه الصياغة بهامش معين من التأويل، شريطة إثبات وجود الإكراه.
[35] D. Costello,
Legal Consequences of Peremptory Norms in International Law (Cambridge: University press, 2012), p. 55.
[36] تضع المادة 26 من اتفاقية ڤيينا المبدأ: "كل معاهدة نافذة ملزمة لأطرافها، وعليهم تنفيذها بحسن نية".
[37] تنص المادة 34 من اتفاقية ڤيينا: "لا تنشئ المعاهدة التزامات أو حقوقًا للدولة الغير دون رضاها".
[38] مثال على ذلك: تعليق روسيا للمعاهدة الثنائية الجديدة لتخفيض الأسلحة الاستراتيجية عام 2010 (ستارت الجديدة)، متهمة واشنطن بعدم الامتثال لأحكامها.
[39] يُنظر في هذا الموضوع:
Luigi Condorelli, “Custom,” in: Mohammed Bedjaoui (ed.),
International Law: Achievements and Prospects (Paris: Unesco, 1991), p. 179.
[40] تطرقت معاهدة مونتيغو باي (جامايكا) لقانون البحار المُبرمة عام 1982 في إطار الأمم المتحدة، إلى تعريف الجرف القاري وشروط استغلال موارده من الدول.
[41] “North Sea Continental Shelf (Federal Republic of Germany/Netherlands),”
International Court of Justice, accessed on 18/2/2026, at:
https://acr.ps/hBya0JK
[42] دام المؤتمر تسعة أشهر (من أيلول/ سبتمبر 1814 إلى حزيران/ يونيو 1815) وجمع عددًا من الدول الأوروبية، بهدف إعادة رسم الخريطة الأوروبية في إثر هزيمة فرنسا النابولويونية.
[43] للاطلاع على الموقع الرسمي للجنة القانون الدولي، يُنظر:
International Law Commission
[44] يُنظر في هذا الموضوع:
Paulo Palchetti, “The Role of General Principles of Law in Promoting the Development of Customary International Rules,” in: M. Andenaes et al. (eds.),
General Principles and the Coherence of International Law (Leiden: Brill, 2019), pp. 47-59.
[45] من قبيل هذه المبادئ، المساواة في السيادة بين الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لها، وحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، وديمومة الدولة، وحرية أعالي البحار.
[46] Gerhard Ultrich,
The Law of the International Civil Service:
InstitutionalLaw andPractice in International Organisations (Berlin: Duncker und Humblot, 2018), p. 83.
[47] Alain Papaux & Eric Wyler, “Legal Theory as a Source of International Law: Doctrine as Constitutive of International Law,” in:
The Oxford Handbook of the Sources of International Law (Oxford: Oxford University Press, 2017), pp. 513-536.
[48] تنص الفقرة الثانية من المادة 38 من الميثاق على أنه "لا يترتب على النص المتقدم ذكره أي إخلال بما للمحكمة من سلطة الفصل في القضية وفقًا لمبادئ العدل والإنصاف، متى وافق أطراف الدعوى على ذلك".
[49] بيير-ماري دوبوي،
القانون الدولي العام، ترجمة محمد عرب صاصيلا وسليم حداد (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2008)، ص 386-387.
[50] Francesco Francioni, “Equity in International Law,” in:
Max Planck Encyclopedia of Public International Law (Oxford: University Press, 2020).
[51] E. Kassoti, “Interpretation of Unilateral Acts in International Law,”
Netherland International Law Review, vol. 69 (2022), pp. 295-326.
[52] مثلًا: أعلن رئيس الجمهورية الفرنسية عام 1993 إلزام فرنسا بعدم إجراء تجارب نووية في الغلاف الجوي مستقبلًا. وقد جرت آخر تجربة نووية فرنسية عام 1996.
[53] مثلًا اعتذار اليابان لكوريا الجنوبية جراء الاعتداءات التي تعرضت لها هذه الأخيرة خلال الحرب العالمية الثانية.
[54] C. P. J. I., Série, A/B, 1933, No. 53, p. 71.
[55] C. I. J. Rec. 1974 , pp. 26-267.
[56] C. I. J., Rec. 1962, p. 23.
[57] تكرست هذه الأركان في المادة الأولى من اتفاقية مونتڤيديو بشأن حقوق الدول وواجباتها المعقودة بين عدد من دول أميركا اللاتينية والولايات المتحدة الأميركية في عام 1933. يُنظر في نص الاتفاقية، في:
https://acr.ps/1L9F2y6
[58] يُنظر في مسألة الحماية الدبلوماسية، مشروع المواد التي أعدتها لجنة القانون الدولي في عام 2006.
Official Records of the General Assembly, Sixty-First Session Supplement No. 10 (A/61/10).
[59] يُنظر في هذ الصدد محاضرة المؤرخ الفرنسي إرنست رينان (Ernest Renan، 1823-1896) في جامعة السوربون في باريس 11 آذار/ مارس 1882 "ما هي الأمة؟"، التي يقول فيها: "الأمة هي تضامن كبير، يتكون من الشعور بالتضحيات التي قدمها المرء، وتلك التي لا يزال المرء على استعداد لتقديمها. فهي تفترض ماضيًا؛ غير أنه يتلخص في الوقت الحاضر بحقيقة ملموسة هي: الرضا، والرغبة الواضحة في مواصلة الحياة المشتركة".
[60] يُنظر في إقليم الدولة وعناصره: أحمد أبو الوفا،
الوسيط في القانون الدولي العام (القاهرة: دار النهضة العربية، 1996)، ص213 وما يليها؛ صلاح عامر،
مقدمة لدراسة القانون الدولي العام (القاهرة: دار النهضة العربية، 1995-1996)، ص 428.
[61] وفقًا للمادة الثامنة من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982: "تشكل المياه الواقعة على الجانب المواجه للبر من خط الأساس للبحر الإقليمي، جزءًا من المياه الداخلية للدولة".
[62] ويُلحظ حضور منظمة التحرير الفلسطينية المؤتمر الذي اعتمد الاتفاقية، وصوتت المنظمة لصالح الاتفاقية، في حين صوتت إسرائيل ضدها.
[63] لمزيد من التفصيل عن المنطقة يُنظر: محمد علوان، "النظام القانوني لقاع البحار والمحيطات وباطن أرضها خارج حدود الولاية الوطنية"،
المجلة المصرية للقانون الدولي، مج 41 (1985)، ص 109 وما يليها.
[64] منظمة تابعة للأمم المتحدة ومقرها مونريال عاصمة إقليم الكيبك في كندا. وللاطلاع على نص اتفاقية منظمة الطيران المدني الدولي، يُنظر: محمد علوان،
القانون الدولي العام: وثائق ومعاهدات دولية (عمان: منشورات الجامعة الأردنية، 1978) ص 102.
[65] المرجع نفسه، ص 144-157.
[66] المرجع نفسه، ص 133–139.
[67] “Agreement Governing the Activities of States on the Moon and Other Celestial Bodies,”
UNOOSA, accessed on 18/2/2026, at:
https://acr.ps/hBya0Up
[68] لمزيد من التفصيل، يُنظر:
Matthew Craven, “Between Law and History: The Berlin Conference of 1884-1885 and the Logic of Free Trade,” London Review of International Law, vol. 3, issue 1 (2015), pp. 31-59.
[69] I. C. J. Reports 1975, p. 39-40.
[70] للاطلاع على الحكم الذي أصدره القاضي ماكس هوبر الذي عينته المحكمة الدائمة للتحكيم، للنظر في الخلاف بين الولايات المتحدة الأميركية وهولندا على السيادة على جزيرة بالماس، يُنظر: براونلي، ص 363.
[71] القرار المقصود هو "إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات بين الدول". تُنظر: الوثائق الرسمية للجمعية العامة، الدورة الخامسة والعشرون، الملحق رقم A/8018.
[72] هو القرار الصادر عن مجلس الأمن عقب إصدار إسرائيل قانونًا حول ضم أراضي الجولان السورية المحتلة لإسرائيل عام 1981. وعدّ قرار مجلس الأمن هذا الضم باطلًا وملغًى وفاقدًا للفاعليّة على المستوى الدولي، مؤكدًا على عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة، حسب ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي
[73] هو القرار الصادر عن مجلس الأمن عام 1990، عقب إعلان العراق ضم الكويت، إذ عدّ المجلس أن ضم العراق للكويت، ليست له أي صلاحية قانونية ويعد ملغًى وباطلًا، وأكد عدم اعتراف المجتمع الدولي به، انسجامًا مع مبدأ عدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي
[74] الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية، بتاريخ 9 تموز/ يوليو 2004 الذي عدّ أن بناء إسرائيل للجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، مخالفًا للقانون الدولي، ويمثل انتهاكًا لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، وأكد التزام الدول جميعها بعدم الاعتراف بالوضع غير المشروع الناجم عنه وضرورة إنهائه
[75] I. C. J Reports 2004, p. 136, 171.
وللاطلاع على الرأي الاستشاري الصادر عن المحكمة في 19 تموز/ يوليو 2024، بشأن "الآثار القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس المحتلة"، يُنظر:
“Advisory Opinion of 19 July 2024”.
[76] رأى جان بودان أن الملك ليس ملزمًا بالقوانين التي يضعها، ولكنه يظل ملزمًا بقوانين الرب والطبيعة. يُنظر:
Ibid., p. 27.
[77] محمد علوان، "مسؤولية الحماية: إعادة إحياء التدخل الإنساني"،
مجلة سياسات عربية، العدد 23 (تشرين الثاني/ نوڨمبر 2016)، ص 20 وما يليها.
[78] يُنظر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 1803 (1-17) المؤرخ في 14 كانون الأول/ ديسمبر 1962 المعنون "السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية"، الأمم المتحدة، حقوق الإنسان، مكتب المفوض السامي.
[79] I. J. C. Reports 1952, pp. 176, 188.
[80] عن مسألة السيادة على فلسطين في أثناء الانتداب البريطاني عليها، يُنظر: محمد علوان، "المركز القانوني للقدس في القانون الدولي"،
المجلة الأردنية في القانون والعلوم السياسية، مج 5، العدد 3 (2013)، ص 132.
[81] يُنظر كذلك "إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية بين الدول وفقًا لميثاق الأمم المتحدة" (قرار الجمعية لعامة للأمم المتحدة 2625 (25)، الصادر في 24/10/1970.
[82] Maziar Jamnejad & Michael Wood, “The Principle of Non-Intervention in Contemporary International Law,”
Leiden Journal of International Law, vol. 22, issue 2 (2009), pp. 345-381.
[83] يُطلق على هذه الاتفاقية كذلك اتفاقية دراغو–بورتر، نسبة إلى وزيرَي خارجية الولايات المتحدة والأرجنتين. يُنظر:
Dinh et al., p. 1032.
[84] للاطلاع على الحكم الأول الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في قضية قناة كورفو (المملكة المتحدة ضد ألمانيا)، يُنظر:
- C. J. Reports, 1949, pp. 4, 35.
وكذلك حكمها في قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية، في نيكاراغوا وضدها (نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة الأميركية)، يُنظر:
- C. J. Reports, 1986, p. 14.
[85] C. I. J. Ser. B, 1913, no. 4, p. 24.
[86] قضية الأنشطة العسكرية السابقة الذكر، يُنظر:
- C. J. Reports, 1986, p. 108.
[87] يُنظر: علوان، "مسؤولية الحماية"، ص 21.
[88] يُنظر في هذه التفرقة: علي حسن الشامي،
الدبلوماسية نشأتها وتطورها وقواعدها ونظام الامتيازات والحصانات الدبلوماسية، ط 3 (عمّان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2007)، ص 394.
[89] براونلي، ص 765.
[90] يُنظر: الأمم المتحدة، الجمعية العامة، "اتفاقية الأمم المتحدة لحصانات الدول وممتلكاتها من الولاية القضائية"، 2 كانون الأول/ ديسمبر 2004، شوهد في 19/2/2026، في:
https://acr.ps/1L9F2Rq
[91] عن نصوص هذه الاتفاقيات، يُنظر: علوان،
القانون الدولي العام: وثائق ومعاهدات دولية، ص 541 وما يليها.
[92] علوان،
القانون الدولي العام: النظرية العامة والمصادر، ص 290.
[93] لجنة القانون الدولي، الدورة الخامسة والخمسون، التقرير السادس عن الأعمال الانفرادية للدول، 30 أيار/ مايو 2003، A/CN.4/534
[94] لجنة القانون الدولي، الدورة الخامسة والخمسون، 30 أيار/ مايو 2003، التقرير السادس عن الأعمال الانفرادية للدول مقدم من السيد فيكتور رودريغيس سيدنيو، المقرر الخاص، الفقرة 27.
[95] Ann Institute de droit International, 1936, II, p. 305.
[96] H. Lauterpacht,
Recognition in International Law (Cambridge: The University Press, 1947), p. 55.
[97] ومن هذه الشروط احترام حقوق الأقليات، وحرمة الحدود وعدم نشر الأسلحة النووية. يُنظر توجيهات الاتحاد الأوروبي، الصادرة في 16 كانون الأول/ ديسمبر:
31 International Legal Materials, 1991, p. 1985.
[98] الاحتلال الحربي له طبيعة مؤقتة ولا ينقل السيادة، والضم محظور، ومثاله ضم إسرائيل للقدس (1980) ولهضبة الجولان السورية (1981)، وضم فرنسا للجزائر (1830)، وضم ألمانيا للنمسا (1938)، وضم أثيوبيا لإرتيريا (1962)، وضم إندونيسيا لإيريان الغربية (1963)، وضم مدغشقر إلى فرنسا (1986)، وضم جمهورية البوير إلى بريطانيا العظمى (1900).
[99] الأمثلة على هذه الحالات كثيرة، فمن قبيل حالات تفكك الدول أو انحلالها أو انفصالها: حالة انفصال النرويج عن السويد في عام 1905، وانفصال أيسلندا عن الدنمارك في عام 1944، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية (1919-1920)، وتفكك الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وانسحاب سورية من الجمهورية العربية المتحدة في عام 1961، وتفكك الاتحاد السوڤياتي في 1990، والاتحاد اليوغسلافي في تسعينيات القرن العشرين، وانفصال باكستان عن الهند في عام 1947، وانفصال بنغلادش عن باكستان في عام 1972، وانفصال سنغافورة عن ماليزيا في عام 1965. ومن قبيل توحيد الدول واندماجها: اتحاد مصر وسورية في الأعوام ما بين 1958 و1961، والاتحاد العراقي الأردني في عام 1958 (استمر 5 شهور فقط)، واتحاد الجمهوريات العربية بين مصر وسورية وليبيا في عام 1971 (أُعلِن قيامُه، ولكن لم تقم له قائمة)، واتحاد تنجانيقا وزنجبار في عام 1964.
[100] ينظر في مسألة خلافة الدول في سياق مسؤولية الدولة تقرير لجنة القانون الدولي عام 2023، في:
https://legal.un.org/ilc/reports/2023/arabic/chp9.pdf
ويُنظر: محسن الشيشكلي، "تغيرات الدول واتفاقية فيينا لخلافة المعاهدات"،
مجلة الحقوق، العدد 2، السنة 9 (1985)، ص 20؛ محمد الموسى،
التسويات السلمية المتعلقة بخلافة الدول وفقًا لأحكام القانون الدولي (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2005)؛
Zaidan Mériboute,
La codification de la succession d’États aux traités: Décolonisation, sécession,
unification (Paris: Presses Universitaires de France, 1984), p. 272.
[101] يُثار التساؤل كذلك عن خلافة الدول في صفة العضوية في المنظمات الدولية، وهذا الموضوع محل العناية الخاصة به هو المنظمات الدولية، ويُشار إلى أنه في حالة الأمم المتحدة، يطلب إلى الدول الجديدة جميعها تقديم طلب العضوية. وفيما يتعلق بالنظام القانوني الداخلي للإقليم محل الخلافة، من تشريع وقضاء وإدارة، تضع الدولة الخلف النظام القانوني الخاص بها، وهو يحل محل النظام القانوني السابق للدولة السلف. أما من حيث أثر الخلافة في الجنسية، فيكتسب سكان إقليم الدولة الخلف جنسيتها. وأخيرًا، لا تسأل الدولة الخلف عن الأعمال غير المشروعة التي ارتكبتها الدولة السلف وتضررت من جرائها دول أخرى.
[102] دوبوي، ص 69.
[103] اتفق في حالة الأسلحة النووية "السوڤياتية" على احتفاظ روسيا بملكيتها، وعلى نزع السلاح النووي لكل من روسيا البيضاء وكازاخستان وأوكرانيا، أما بالنسبة إلى أسطول البحر الأسود في جزيرة القرم، فقد اتفق على تقسيمه بين روسيا وأوكرانيا. يُنظر:
Rein Mallerson, “The Continuity and Succession of States by Reference to the Former USSR and Yugoslavia,” International and Comparative Law Quarterly, vol. 42, issue 3 (1993), pp. 473-493.
[104] دوبوي، ص 73.
[105] يُنظر: أحمد سرحال،
قانون العلاقات الدولية، ط 2 (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1993)، ص 348.
[106] تناولت مشاريع مواد لجنة القانون الدولي المتعلقة بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًّا، هذه الأعمال في المواد 20-25، يُنظر: الأمم المتحدة،
حولية لجنة القانون الدولي 2001، مج 2، ج 2 (جنيف: 2007)، ص 93-108، في:
https://acr.ps/hBy5OIf ؛ مسؤولية المنظمات الدولية، مشاريع المواد التي أعدتها اللجنة في عام 2011، وثيقة الأمم المتحدة A/66/10، ص 62 وما يليها.
[107] يُنظر حكم محكمة العدل الدولية في قضية الموظفين الدبلوماسيين والقنصليين التابعين للولايات المتحدة الأميركية في طهران، في:
- C. J. Reports 1980, p. 35, Para. 74
[108] تُسمى كذلك "الأعمال الانتقامية"، وقد تناولت مشاريع مواد لجنة القانون الدولي هذه الأعمال في المواد 49-54 منها.
[109] حكم محكمة العدل الدولية في قضية تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (البوسنة والهرسك ضد يوغسلافيا)، يُنظر:
- C. J. Reports 1996, p. 243, at P. 258.
[110] تقرير المقرر الخاص للجنة القانون الدولي A/74/10؛ الأمم المتحدة،
حولية لجنة القانون الدولي 2001، ص 110.
[111] يضاف إلى هؤلاء البعثات الخاصة أو المؤقتة التي يقوم عليها موظفو الدولة الموفدة. ويحكم هذه البعثات اتفاقية البعثات الخاصة التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 8 كانون الأول/ ديسمبر 1969، وقد دخلت في 21 حزيران/ يونيو 1985. وسبق النظام القنصلي النظام الدبلوماسي الدائم في الوجود، ولا تمثل البعثات القنصلية الدولة الموفدة، وينطبق على الوضع الخاص بها اتفاقية ڤيينا للعلاقات القنصلية المعقودة في 24 نيسان/ أبريل 1963. ويُضاف إلى هؤلاء وأولئك، القائد العام للقوات المسلحة الذي يُعترف له أحيانًا بالصفة التمثيلية لدولته في أثناء الحروب.
[112] يُنظر: علي صادق أبو هيف،
القانون الدولي العام، ط 17 (الإسكندرية: منشأة المعارف، 1992–1993)، ص 475 وما يليها.
[113] اكتُفِي بالحديث عن العلاقات الدبلوماسية من دون العلاقات القنصلية التي تنطبق عليها اتفاقية ڤيينا للعلاقات القنصلية عام 1963. ويُلحظ أن إقامة علاقات دبلوماسية بين دولتين، يتضمن إنشاء العلاقات القنصلية، ما لم ينص على خلاف ذلك (م/2/3 من الاتفاقية). وللاطلاع على نصوص الاتفاقيتين، يُنظر: علوان،
القانون الدولي العام: وثائق ومعاهدات دولية، ص 426 وما يليها.
[114] I. C. J. Reports 1980, pp. 3, 31, 33, 34.
[115] علوان،
قانون المنظمات الدولية، ص 92.
[116] I. C. J. Reports 1950, pp. 276-289.
[117] Maarten Den Heijer, “Diplomatic Asylum and the Assange Case,” Leiden Journal of International Law, vol. 26, issue 2 (2013), pp. 399-425.
[118] توجب اتفاقية منع الجرائم المرتكبة وقمعها ضد الأشخاص المتمتعين بحماية دولية، بمن فيهم الموظفون الدبلوماسيون التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 كانون الأول/ ديسمبر 1973، على الدول الأطراف تجريم أي اعتداء يقع على كل من رئيس الدولة ورئيس الحكومة، ووزير الخارجية والمبعوث الدبلوماسي، كلما وجد مثل هؤلاء في أي دولة أجنبية.
[119] وصفت محكمة العدل الدولية في قضية الأنشطة العسكرية في إقليم الكونغو (جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد أوغندا) النص المذكور بأنه يشكل حجر الأساس في الميثاق. يُنظر:
- C. J. Reports 2005, pp. 168, 223.
[120] يُنظر: محمد المجذوب،
القانون الدولي العام، ط 5 (بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2004) ص 675.
[121] هذا ما ذهبت إليه المحكمة الدائمة للعدل الدولي في قضية امتيازات مافروماتس في فلسطين، يُنظر:
- P. J. 192, Ser A N. 03 11.
ومحكمة العدل الدولية في قضية جنوب غرب أفريقيا (ناميبيا)، يُنظر:
- C. J. Reports 1962, pp. 319-326.
[122] تتعلق المنازعات القانونية بتفسير المعاهدات الدولية وبأي مسألة من مسائل القانون الدولي، وبتحقيق واقعة من الوقائع تشكل في حالة ثبوتها خرقًا لالتزام دولي، ونوع التعويض المترتب على خرق التزام دولي ومدى هذا التعويض (الفقرة الثانية من المادة 36 من الميثاق).
[123] يُنظر الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في قضية الأضرار المتكبدة في خدمة الأمم المتحدة، بتاريخ 1 نيسان/ أبريل 1949، في:
- C. J. Reports 1949, p. 174.
[124] قرار الجمعية 106 (الدورة الاستثنائية الأولى، بتاريخ 15 أيار/ مايو 1947، وقرارها 181 (الدورة الثانية) بتاريخ 29 تشرين الثاني/ نوڤبمر 1947).
[125] تقرير بعثة تقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة (غلدستون) A/HRC/48، بتاريخ 25 أيلول/ سبتمبر 2009.
[126] A/HRC/45/26؛ وآخرها تقرير اللجنة الصادر في 14 آب/ أغسطس 2025. يُنظر: الأمم المتحدة، الجمعية العامة، A/80/337
[127] يعود التحكيم الدولي الحديث إلى معاهدة جاي (Jay) التي عقدت في عام 1794 لتسوية النزاعات بين الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.
[128] ومن هذا القبيل، هيئة التحكيم التي اتفقت مصر وإسرائيل على تشكيلها بموجب المادة الأولى من مشارطة التحكيم التي وقعتها الدولتان في 11 أيلول/ سبتمبر 1986 بشأن نزاع طابا، التي خلصت في 29 أيلول/ سبتمبر 1988 إلى السيادة المصرية عليها.
[129] من هذا القبيل كذلك، محكمة التحكيم الدولية التابعة لغرفة التجارة الدولية التي أنشئت في عام 1919؛ والمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، التابع للبنك الدولي للإنشاء والتعمير الذي أنشئ في عام 1966.
[130] تنص المادة 32 من دستور الاتحاد على تسوية المنازعات بين إدارات البريد في الدول الأعضاء عن طريق التحكيم.
[131] ثمة محاكم دائمة أخرى مثل المحكمة الجنائية الدولية، والمحكمة الدولية لقانون البحار والمحاكم الإدارية الدولية، ومحكمة العدل الأوروبية، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ومحكمة الدول الأميركية لحقوق الإنسان.
[132] يُنظر: علوان، قانون المنظمات الدولية، ص 277 وما يليها.
[133] وقد حدد المجلس فعلًا هذه الشروط في قراره رقم 109 الصادر في عام 1946، وهي قبول اختصاص المحكمة، والتعهد بتنفيذ الأحكام التي ستصدرها المحكمة، وقبول تحمل الدولة لنفقات المحكمة المتعلقة بالنزاع أو النزاعات التي تقدرها المحكمة.
[134] يُنظر: الأمم المتحدة، "تقرير محكمة العدل الدولية"، 1 آب/ أغسطس 2022-31 تموز/ يوليو 2024، A/80/4، ص 14.
[135] وصل عدد مثل هذه المعاهدات إلى أكثر من 300 معاهدة. يُنظر موقع المحكمة:
https://acr.ps/1L9F2ob
[136] بلغ عدد الدول التي أصدرت تصريحات (بعضها مشفوع بتحفظات) تقر فيها بالاختصاص الإلزامي للمحكمة، 74 دولة، يُنظر: الأمم المتحدة، "تقرير محكمة العدل الدولية"، ص 23.
[137] يُنظر: المرجع نفسه، ص 15.
[138] هكذا كان موقف المحكمة مثلًا في فتواها بشأن "الآثار القانونية الناشئة عن تشييد جدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة"، الصادر في 9 تموز/ يوليو 2004، يُنظر:
- C. J. Reports, 2004.
وفي فتواها بشأن "الآثار الناجمة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما في ذلك القدس الشرقية"، الصادر في 19 تموز/ يوليو 2024، بطلب من الجمعية العامة في قرارها المؤرخ في 30 كانون الأول/ ديسمبر 2022، يُنظر:
- C. J. Reports, 2024, Para. 22-50.
[139] يُنظر: علوان،
قانون المنظمات الدولية، ص 273.