تسجيل الدخول

حركة تركيا الفتاة

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

اسم الحركة

حركة تركيا الفتاة

التصنيف

حركة سياسية سرية (1889) ثم حزب سياسي (1909)

المقر الرئيس

إسطنبول

أبرز القيادات التاريخية

· جمال باشا

· أنور باشا

· طلعت باشا

التمثيل البرلماني

1908 (بأغلبية المقاعد)

الرموز والشعارات

الطورانية، التتريك


الموجز

حركة تركيا الفتاة هي إحدى أبرز الحركات السياسية الإصلاحية في أواخر العهد العثماني، نشأت في أواخر القرن التاسع عشر بوصفها إطارًا جمع ضباطًا ومثقفين عثمانيين معارضين لحكم السلطان عبد الحميد الثاني، في ظل تفاقم الديون والهزائم العسكرية وفقدان الأراضي وتعليق دستور عام 1876 والقمع السياسي.

تباينت توجهات الحركة وبرامجها، إلا أن جمعية الاتحاد والترقي غدت أبرز تنظيماتها؛ إذ نشأت من جمعية سرية أسسها عدد من طلاب الطب في إسطنبول، ثم أدارت نشاطها المعارض من أوروبا بقيادة أحمد رضا.

تحولت الحركة، ممثلةً بجمعية الاتحاد والترقي، من قوة معارضة إلى قوة حاكمة في أوائل عام 1913، وأسهمت ثورة عام 1908 في إعادة العمل بالدستور واستئناف الحياة النيابية وتوسيع الحريات العامة. غير أن الخسائر العسكرية في حربي البلقان(1912-1913) وتصاعد النزعات القومية داخل السلطنة دفعا القيادة الاتحادية نحو تشديد المركزية وتبنّي القومية التركية الطورانية. ورسّخ انقلاب الباب العالي في كانون الثاني/ يناير عام 1913 سيطرة الجمعية على مقاليد الدولة العثمانية، وصعود أنور وطلعت وجمال باشا، المعروفين بالباشوات الثلاثة. وقادت هذه القيادة الدولة إلى دخول الحرب العالمية الأولى إلى جانب القوى المركزية، فيما عمّقت سياساتها ونتائج الحرب التوترات مع العرب والأرمن وغيرهم، وأسهمت في تسريع تفكك الدولة العثمانية وانهيارها.

الأزمة العثمانية

واجهت الدولة العثمانية {{الدولة العثمانية: إمبراطورية إسلامية تأسست عام 1299 على يد عثمان بن أرطغرل في الأناضول، واتسعت لتشمل آسيا وأوروبا وأفريقيا. بلغت ذروة اتساعها وقوتها في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ثم بدأت بالضعف حتى سقطت بعد الحرب العالمية الأولى عام 1923، وخلفتها الجمهورية التركية.}} سلسلة من الحروب والتهديدات الداخلية في الفترة الواقعة من 1908 وحتى سقوطها عام 1923. وقد برزت في تلك الفترة حركة تركيا الفتاة (الأتراك الشبان، genç türkler) للواجهة بوصفها أبرز تيارات المعارضة، وسعت إلى إعادة بناء الدولة على أسس مركزية وقومية، لكنها واجهت ضغوطًا دولية متزايدة وتحديات داخلية معقدة، ما دفع الدولة العثمانية إلى الدخول في الحرب العالمية الأولى عام 1914، وكان لهذا الأمر أثر حاسم في تسريع هزيمتها العسكرية وتفكك بنيتها السياسية، لتنتهي السلطنة رسميًا بعد سنوات قليلة بانهيار الإمبراطورية، وتصفية الدولة العثمانية رسميا في القانون الدوي بعد معاهدة لوزان(1923)[1].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

تعود أزمة الدولة العثمانية إلى عددٍ من الأمور، منها أزمة الديون الخانقة والتي سبقت صعود السلطان عبد الحميد الثاني إلى سدة الحكم عام 1876، إذ كانت الخزينة العثمانية قد أعلنت إفلاسها في العام السابق ما دفع الدائنين الأوروبيين إلى فرض رقابة مالية اقتصادية شديدة عليها[2]. ومنها أيضًا تصاعد حركات الاستقلال في المناطق الشرق أوروبية التابعة للسلطنة. فقد خاضت صربيا حربين ضد السلطنة سعيًا إلى نيل الاستقلال عامي 1876 و1878، في حين كانت الحرب البلغارية{{الحرب البلغارية: تشير إلى النزاعات التي خاضتها الدولة العثمانية ضد بلغاريا، خصوصًا أثناء حروب البلقان (1912–1913)، إذ شاركت بلغاريا في التحالف البلقاني ضد العثمانيين. وقد أدت الحرب إلى خسارة الدولة العثمانية معظم أراضيها في أوروبا وبداية تراجع نفوذها الإقليمي والعسكري.}} وما أعقبها من الحرب الروسية العثمانية في أوجها، لتنال بعدها بلغاريا استقلالها عام 1878[3]. وفي تلك الظروف، رضخ السلطان عبد الحميد لوزرائه، فأعلن الدستور العثماني{{الدستور العثماني: أول دستور رسمي في تاريخ الدولة العثمانية، صدر عام 1876 في عهد السلطان عبد الحميد الثاني. نص على إنشاء برلمان ومجلس أعيان ونظام نيابي يحد من سلطات السلطان، لكنه عُلق لاحقًا ثم أعيد العمل به عام 1908 بعد ثورة جمعية الاتحاد والترقي.}} في كانون الأول/ ديسمبر 1876، وعلى إثره أجريت انتخابات مجلس المبعوثان[4]. غير أن المجلس لم يدم طويلًا، فقد قرر السلطان حله في شباط/ فبراير 1878 بعد أن واجه انتقادات حادة من أعضائه[5].

أسهم حل المجلس، وخسارة السلطنة أمام روسيا، واحتلال بريطانيا لقبرص عام 1878، وفرنسا لتونس عام 1881، وبريطانيا لمصر عام 1882، إضافة إلى القمع الداخلي الذي مارسه جهاز استخبارات يلدز {{جهاز استخبارات يلدز: (Yıldız İstihbarat Teşkilatı) جهاز استخباراتي سري عرف باسم" الخفية" أسسه السلطان عبد الحميد الثاني في قصر يلدز في إسطنبول. كان يهدف لمراقبة المسؤولين والمعارضين وجمع المعلومات لحماية الدولة والسلطان من المؤامرات. اعتمد على شبكة واسعة من الجواسيس داخل السلطنة وخارجها لضمان الأمن السياسي.}}[6] في ازدياد الاحتقان السياسي وتصاعد النقمة على سياسات السلطان، بدأت تتشكل داخل السلطنة حركات معارضة طالبت بإعادة العمل بالدستور وتقييد السلطة المطلقة. قد تجمعت عدة تيارات ضمن إطار عُرف باسم تركيا الفتاة وكان أبرزها التنظيم السري الذي حمل اسم جمعية الاتحاد والترقي والذي غدا لاحقًا القوة الأكثر تأثيرًا في الحياة السياسية العثمانية.

نشوء حركة تركيا الفتاة

تعود جذور حركة تركيا الفتاة إلى الضباط والمثقفين العثمانيين الذين كانوا يدرسون ويعيشون في ألمانيا الإمبراطورية في السبعينيات من القرن التاسع عشر، إذ تأثروا بالفكرة القومية وظهرت لديهم طموحات بتشكيل "كيان سياسي يمتد من جبال آلتاي في شرق آسيا إلى مضيق البوسفور". وقد عُرف هذا الاتجاه الفكري بالطورانية، نسبة إلى طوران، وهي المنطقة التي تمتد بين هضبة إيران وبحر قزوين، والتي كانت مهدًا للقبائل والشعوب التركية[7]. وقد سبق ظهور هذه المجموعة جماعة الاتحاد العثماني السرية على يد طلاب الطب في إسطنبول قبل عام 1889، والتي كانت نواة المعارضة الأبرز ضد عبد الحميد الثاني[8]. وبعد تواصلها مع مسؤولين ليبراليين في النظام الحميدي، تحولت إلى جمعية الاتحاد والترقي (تركيا الفتاة)، وبدأت معارضتها الفعلية من أوروبا تحت قيادة أحمد رضا[9].

تنظيم الحركة والانقسامات الداخلية

في أواخر عام 1901، نظم الأمير صباح الدين، ابن شقيقة السلطان، الذي انضم إلى الحركة عام 1899 مع شقيقه لطف الله بك ووالده داماد محمود باشا، مؤتمرًا بهدف توحيد فصائل الحركة المختلفة[10]. عقد هذا المؤتمر، الذي عُرف باسم مؤتمر أحزاب المعارضة العثمانية الأول والذي عقد في باريس في شباط/ فبراير 1902، وناقش قادة حركة الشباب الطوراني لأول مرة قضايا سياسية مهمة، كان أبرزها مسألة قبول الاستعانة بالقوى الكبرى لإسقاط النظام الحميدي من عدمه. وشكل المؤتمر نقطة تحول في مسار الحركة، إذ ساعد عديدًا من أعضائه على بلورة مواقف سياسية لم تكن واضحة في ظل المناقشات الفكرية السابقة. وأسفر التصويت على مسألة الاستعانة بالقوى الكبرى عن انقسام المشاركين إلى جبهتين رئيسيتين: الأغلبية والأقلية. كما زادت التنوعات في الآراء خلال المؤتمر، إذ قررت العديد من المجموعات الصغيرة من شباب الطوران والقادة الأفراد متابعة برامجهم الخاصة بصورة مستقلة[11].

كانت جمعية الاتحاد والترقي التنظيم المسيطر على السياسة العثمانية، سواء في مرحلة المعارضة أو بعد وصولها إلى السلطة لاحقًا. واتخذت الجمعية تنظيمًا حزبيًا تقوده لجنة مركزية تشرف على أنشطة الفروع المختلفة، وكان لها جناحان: مدني وعسكري. وعُرف الجناح العسكري باسم جمعية الحرية العثمانية[12].

الثورة الدستورية وصعود الاتحاد والترقي

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

في عام 1908 تحرك الجيش العثماني الثالث المقيم في مقدونيا ضد السلطان، بعد أن كشفت مخابرات يلدز خلية تابعة لجمعية الاتحاد والترقي، وطالب السلطان بإعادة العمل بالدستور. وبرز من قادة الجمعية كل من أحمد نيازي (Ahmet Niyazi Bey، 1873-1912) وإسماعيل أنور (Ismail Enver Paşa، 1881-1922) وخلال أسابيع قليلة انتشرت الدعوة شعبيًا[13]. وعلى إثر تهديد الجيش الثالث بالتحرك لإسطنبول أعاد السلطان عبد الحميد العمل بالدستور مرغمًا.

وعمت الاحتفالات أرجاء السلطنة، بدءًا من إسطنبول، حيث ارتفعت الرايات الحمراء والبيضاء والتي تحمل شعار "حرية، مساواة، أخوّة" ثم انتشرت الاحتفالات في العديد من المدن الأخرى، بما فيها المدن العربية، على الرغم من تأخر وصول الخبر إليها بضعة أيام، وبحسب لويس شيخو، فقد "عانق العرب الترك بإخلاص وحماسة"[14] وبحسب واصف جوهرية فقد عمت الاحتفالات مدينة القدس "فلم يبقى منزلًا ولا عمارة ولا معهدًا ولا دكانًا ولا شارعًا [إلا وكان] منارًا بالشموع."[15] لكن الفرحة لم تدم، إذ استغلت دول كانت في الفلك العثماني الحالة الجديدة وأعلنت استقلالها مثل بلغاريا وسارعت الإمبراطورية النمساوية-الهنغارية إلى ضم ولايتي البوسنة والهرسك، فيما أعلنت كريت اتحادها مع اليونان[16].

الثورة المضادة وعزل عبد الحميد

فور إجراء الانتخابات لمجلس المبعوثان، فازت جمعية الاتحاد والترقي بغالبية المقاعد (تشرين الثاني/ نوفمبر-كانون الأول/ ديسمبر 1908). لكن السلطان، والذي افتتح مجلس المبعوثان (البرلمان) آنذاك، انتظر قليلًا قبل أن يتهم بعد عدة أشهر بتدبير محاولة انقلاب على الثورة الدستورية، حين ثار جنود من الجيش الأول في نيسان/ أبريل 1909 وذلك بتأييد من علماء الدين، بهدف إعادة بسط سلطة السلطان عبد الحميد، مطالبين بإعادة العمل بالشريعة الإسلامية بدلًا من القوانين الجديدة التي وصفوها بالعلمانية، مع أنها لم تكن كذلك، إذ ظلّت تستند الى الشريعة الإسلامية. وفي سياق الثورة المضادة، تعرض الأرمن في أضنة لمجزرة، بحجة دعمهم للثورة الدستورية، ما أدى إلى مقتل نحو ثلاثين ألفًا منهم[17].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

لكن تحرك الجيش العثماني الثالث بقيادة أحمد نيازي في مقدونيا في الشهر نفسه، ووصول قواته إلى العاصمة في 24 نيسان/ أبريل أدى إلى إنهاء انقلاب عبد الحميد على الدستور، وإلى صدور قرار من مجلس المبعوثان بخلع السلطان عن العرش في 27 من الشهر نفسه، واستبداله بأخيه الأصغر محمد رشاد الذي اعتلى العرش باسم السلطان محمد الخامس. وكان من الناحية العملية، آخر سلاطين آل عثمان الذين مارسوا الحكم الفعلي[18].

ومن الجدير بالذكر أن ثورة 1908 فتحت الأبواب أمام حريات غير مسبوقة، ولا سيما في مجالي الصحافة والحركة الثقافية. فقد صدرت مئات الصحف في أنحاء السلطنة، لعل أهمها صحيفة طنين (Tanin) التي أصبحت الصحيفة الناطقة باسم جمعية الاتحاد والترقي[19]، وشمل ذلك أيضًا الصحف والمجلات في المناطق العربية، وظهرت العديد من الأندية الثقافية والسياسية ذات الطابع العرقي التي تسامحت السلطات معها تحت شعار حرية التجمع. وشملت هذه الأندية نادي السياسة اليوناني ونادي الصرب-العثماني والجمعية الأرمينية وطاشناق والنادي البلغاري، ونادي الشباب اليهودي ومحبو الأناضول واتحاد الألبان وجمعية العربية الفتاة وجمعية الإغاثة الكردية. إلا أن أنشطة هذه الأندية تناقضت مع رؤية جمعية الاتحاد والترقي للوحدة العثمانية. وقد نظرت الحكومة العثمانية لبعض هذه الأندية على أنها تمثل محاولات لبث الروح القومية بين أعضائها، ما دفع الدولة إلى إصدار قانون ينظم الجمعيات والاجتماعات العامة في مارس/ آذار 1909[20]. ويمكن القول إن هذا القانون مثّل بداية قلق القوميين الأتراك من الحركات القومية في السلطنة، وهو ما ستكون له أبعاد مهمة فيما بعد وبخاصة على الأرمن.

سيطرة الاتحاد والترقي

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

على الرغم من بروز جمعية الاتحاد والترقي بوصفها القوة السياسية الأكثر تأثيرًا بعد الثورة الدستورية عام 1908، فإنها لم تهيمن هيمنة كاملة ومباشرة على الحكومة في المرحلة الأولى، إذ فضّلت العمل من خلال شخصيات موالية لها داخل جهاز الدولة، مع تمثيل رسمي محدود تمثل أساسًا في طلعت باشا. غير أن التطورات الإقليمية المتسارعة سرعان ما قوضت برامج الإصلاح، وأدخلت الدولة العثمانية في سلسلة من الحروب التي أفضت إلى خسائر إقليمية كبيرة، خاصة في ولاياتها الأوروبية وشمال أفريقيا. وكانت أولى هذه الحروب هي الحرب الإيطالية العثمانية على أقاليم برقة وطرابلس وفزان عام 1911، وتلتها حروب البلقان الأولى والثانية[21].

أدت الهزيمة السريعة والمذلة للعثمانيين في حروب البلقان إلى دعوة الصدر الأعظم كامل باشا إلى وقف إطلاق النار والمشاركة في مؤتمر لندن كانون الأول/ ديسمبر 1912[22]. وفي خضم المفاوضات، نفذ قادة الاتحاد والترقي انقلابًا مسلحًا على الباب العالي، عُرف باسم الغارة على الباب العالي (Bâb-ı Âlî Baskını) في 23 كانون الثاني/ يناير 1913، وأطاحوا بالحكومة لاستعادة السيطرة المباشرة على الحكم. وكان هذا التدخل في ظل صدمة سقوط سالونيك التي كانت أحد أهم معاقل الحركة، والخشية من تسليم أدرنة إلى البلغار. وبرز في أعقاب الانقلاب كل من أنور باشا وطلعت باشا وجمال باشا، الذين عرفوا عمومًا باسم الباشوات الثلاثة، وسيطروا فعليًا على القرارين السياسي والعسكري خلال السنوات التالية، بما في ذلك قيادة الدولة نحو التحالف مع القوى المركزية ودخول الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وما ترتب على ذلك من تحولات عميقة في مصير الدولة العثمانية[23].

الجماعات الإثنية والتحولات القومية

طورت نخب في جمعية الاتحاد والترقي، وفي مقدمتها الباشوات الثلاثة، نزعة قومية تركية ذات توجه طوراني، مع شكوك تجاه الأعراق والأديان الأخرى. وفي المقابل، عززت بعض الأندية والجمعيات العربية والأرمنية وغيرها، التي تأسست في أجواء الحرية بعد إعلان الدستور، روابطها الداخلية من خلال إحياء الهوية واللغة والثقافة. ومن أوائل هذه الجمعيات جمعية الإخاء العربي التي أُسست لتعزيز الوعي القومي العربي، وكان من مؤسسيها: عبد الكريم خليل، شفيق المؤيد. وتمثلت أهدافها في تعزيز الوعي القومي والثقافي بين العرب، والحفاظ على الدستور، واعتماد اللغة العربية في المناطق العربية[24]. لكن الاتحاديين أغلقوها عام 1909، متهمين إياها بالانفصالية. وينطبق الأمر نفسه على الحركات السياسية والجمعيات الثقافية الأرمنية، وقد كانت السباقة في التنظيم على الجمعيات العربية، إذ برزت عدة أحزاب سياسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، منها حزب الطاشناق (1887) وحزب الهانشاق (1885) إلى جانب جمعيات أرمنية، مثل المجلس الوطني الأرمني التابع لبطركيه الأرمن في إسطنبول[25]. وكانت النتيجة تزايد الشكوك المتبادلة بين الاتحاديين الأتراك من جهة، والعرب، والأرمن، واليونانيين، والأكراد من جهة أخرى.

ويعتقد أن الأندية العربية والأرمنية أسهمت في تشكّل هويات قومية غير تركية في السلطنة، فعلى سبيل المثال، ذكر عارف شحادة (الذي عرف لاحقًا بعارف العارف) من القدس أنه اكتشف عروبته في إسطنبول بين أعضاء المنتدى الأدبي[26]. وربما كان هذا الاكتشاف للهوية العربية جزئيًا بوصفه رد فعل على سياسات الهوية القومية التي تبنتها جماعات عرقية أخرى مثل الأتراك. وقد نظر الاتحاديون إلى مثل هذه الأندية والجمعيات بعين الشك. وكانت الشكوك متبادلة، إذ اشتكى العديد من المثقفين والنشطاء العرب من النزعات القومية لدى نخب جمعية الاتحاد والترقي.

شكّلت الحرب العالمية الأولى نقطة تحول في هذا الصدد. فقُبيل دخول الحكومة العثمانية الاتحادية الحرب رسميا، سيطر الاتحاديون سيطرة كاملة على الحكومة في إسطنبول، وبدأ حكم الثلاثي (الباشوات جمال وطلعت وأنور)[27]. وعندما اندلعت الحرب الكبرى وأعلن النفير العام (السفربرلك)، تدهورت الأوضاع المزرية أصلاً في الأناضول والأراضي العربية أكثر. فاجتياح الجراد والأوبئة والسخرة والتجنيد الإجباري والمجاعة وغيرها زادت من معاناة السكان المحليين[28]. كما أن السياسات القمعية المنسوبة إلى جمال باشا، وإعدامه عددًا من أقطاب الحركة اللامركزية العثمانية وجمعية العربية الفتاة أثارت جدلاً واسعًا في المصادر العربية من السخط تجاه الحكم التركي. بينما وُصفت الثورة العربية الكبرى عام 1916 في بعض الكتابات القومية التركية بأنها شكل من أشكال الخيانة[29]. إلا أن الأدلة تشير إلى أن معظم الجنود والضباط العرب بقوا موالين للإمبراطورية العثمانية حتى نهاية الحرب.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وفي الواقع، كُتبت معظم المذكرات والسير الذاتية التركية والعربية بعد تلك الأحداث في ظل رؤى قومية أو أجواء سياسية معينة. فمثلًا، كانت مذكرات عارف شحادة، التي كتبها خلال الحرب الكبرى، أكثر اعتدالًا، في حين جاءت نصوص السيرة الذاتية اللاحقة أكثر عدائية تجاه الحكم العثماني[30]. وبالمثل، كتب فالح رفقي مذكراته بعد تأسيس الجمهورية التركية التي ارتكز خطابها الرسمي على كراهية العرب[31]. وكان من بين الشخصيات التي اتهمّت بمعاداة العرب أحمد جمال باشا، والذي تولى منصب قائد الجيش العثماني الرابع في بلاد الشام، وأصبح بحكم موقعه، حاكمها الفعلي منذ بداية الحرب العظمى[32]. ويعزو العديد من المفكرين العرب، معاداة العرب لإرث الدولة العثمانية، لسنوات حكم جمال باشا في سوريا[33]. أما الأرمن فقد حمّلوا طلعت باشا، وزير الداخلية، إلى جانب أنور وجمال باشا مسؤولية المذبحة التي حلّت بهم عام 1915.

على الصعيد العربي، انتقل عدد من المفكرين والنشطاء العرب من تأييد جمعية الاتحاد والترقي إلى المطالبة باستقلال العرب، بدرجات وصيغ مختلفة. فعلى سبيل المثل، نجد أن جعفر العسكري الذي قاتل ببسالة في صفوف الجيش العثماني إلى جانب العديد من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي والنخب التركية، بعد وقوعه في الأسر البريطاني عام 1916، رفض في البداية تصديق خبر إعدام جمال باشا لزعماء العرب، لكنه تحول إلى التعبير عن حزنه العميق لتنفيذ حكم الإعدام بحق بعض أصدقائه الشخصيين. وقد أكد لاحقًا أن هذه الحادثة شكلت الدافع الرئيس لانضمامه إلى الثورة العربية[34]. وبالمثل، عبّر رشيد رضا عن مخاوف مشابهة، مشيدًا بخطاب الأمير فيصل لتركيزه على مقاومة طغيان الاتحاديين بدلًا من استهداف الشعب التركي أو الدولة العثمانية. أما شكيب أرسلان، السياسي العثماني المتحمس الذي عمل بشكل وثيق مع جمال باشا وكان قد انتقد فيصل لتمرده على الإمبراطورية، فقد انقلب على جمال باشا بسبب محاكمات عاليه عام 1915 والإعدامات الجماعية التي أعقبتها[35]، ليصبح بعد الحرب أحد أهم دعاة القومية العربية[36]. وعلى وجه العموم، كان الموقف العربي من الحكم العثماني نقدياً تجاه سياسات الاتحاديين، وخاصة حكم الثلاثي وسياسات جمال باشا، وهو موقف وافق عليه عدد من المؤرخين العرب، وشاركهم فيه عدد من المعارضين الأتراك وغيرهم من منتقدي نظام الاتحاد والترقي، خصوصًا خلال الحرب العالمية الأولى.[37]

المراجع

العربية

أطاي، فالح رفقي. جبل الزيتون. ترجمة أحمد زكريا وملاك دينيز أوزدمير. بغداد: دار الشامل، 2023.

باشا، جمال. مذكرات جمال باشا:الكتاب الأول. إعداد محمد السعيدي. بيروت: دار الفارابي، 2013.

تماري، سليم. "مع ناقة الله في سيبيريا: عارف العارف في الأسر الروسي خلال الحرب العالمية الأولى". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 76 (2008)، ص 109-127.

________. عام الجراد: الحرب العظمى ومحو الماضي العثماني من فلسطين. القدس/ بيروت: مؤسسة الدراسات المقدسية ومؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2008.

جوهرية، واصف. القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية: الكتاب الأول من مذكرات الموسيقي واصف جوهرية 1904-1917. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003.

رافق، عبد الكريم. العرب والعثمانيون: ١٥١٦-١٩١٦: مكتبة التاريخ العثماني. دمشق: [د. د]، 1993.

روجان، يوجين. العرب: من الفتوحات العثمانية إلى الحاضر. ترجمة محمد إبراهيم الجندي. القاهرة: كلمات عربية للترجمة والنشر، 2011.

________. سقوط العثمانيين: الحرب العظمى في الشرق الأوسط. ترجمة معين الإمام. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2018.

العارف، عارف. "بين ثورتين: تجارب مريرة في الحرب العالمية الأولى ١٩١٤-١٩١٨". العربي. العدد 94 (1966). ص 59-66.

العسكري، جعفر. مذكرات جعفر العسكري. تحقيق وتقديم نجدة فتحي صفوة. لندن: دار اللام، 1988.

علي، محمد كرد. خطط الشام. دمشق: المكتبة النورية، 1928-1925.

عمر، يوسف حسين. أسباب خلع السلطان عبد الحميد الثاني 1876-1909(عمان: دار الكتاب الثقافي، 2005.

محافظة، علي. الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة: 1798-1914: الاتجاهات الدينية والسياسية والاجتماعية والعلمية. بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1987.

الأجنبية

Aksakal, Mustafa. The Ottoman Road to War in 1914: The Ottoman Empire and the First World War. Cambridge: Cambridge University Press, 2008.

Hanioğlu, M Şükrü. The Young Turks in Opposition. New York/ Oxford: Oxford University Press, 1995.

________. A Brief History of the Late Ottoman Empire. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2008.

Kayali, Hasan. Arabs and Young Turks: Ottomanism, Arabism, and Islamism. Berkely: University of California Press, 2019.

Landau, Jacob M. “Ultra-Nationalist Literature in the Turkish Republic: A Note on the Novels of Hüseyin Nihâl Atsiz.” Middle Eastern Studies. vol. 39, no. 2 (2003), pp. 204-210.

Ozan, Arslan & Cinar Ozen. “The Rebirth of The Ottoman Committee of Union and Progress in Macedonia Through the Italian Freemasonry.” Oriente Moderno. vol. 24, no. 1 (2005). pp. 93-115.

Philipp, Thomas & Christoph Schumann (eds.). From the Syrian Land to the States of Syria and Lebanon. Baden-Baden: Ergon in Kommission, 2004.

Rabah, Makram. “Arslān, Shakīb, Amīr,” 1914-1918-online. International Encyclopedia of the First World War (2018).

Safi, Polat. “History in the Trench: The Ottoman Special Organization — Teşkilat-ı Mahsusa Literature.” Middle Eastern Studies. vol. 48, no. 1 (2012), pp. 89-106.

Suny, Ronald Gregor. They Can Live in the Desert but Nowhere Else: A History of the Armenian Genocide. Princeton: Princeton University Press, 2015.

Tamari, Salim. “With God’s Camel in Siberia: The Russian Exile of an Ottoman Officer from Jerusalem.” Jerusalem Quarterly. issue 35 (2008). pp. 31-50.

Zeine, N. Zeine. Arab Turkish Relations and the Emergence of Arab Nationalism. Beirut: Khayat’s, 1958.

Zürcher, Erik J. Turkey: A Modern History. London: I.B.Tauris, Reprinted in 2010.

[1] يوجين روغان، سقوط العثمانيين: الحرب العظمى في الشرق الأوسط، ترجمة معين الإمام (الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2018(، ص498-490.

[2] يوجين روجان، العرب: من الفتوحات العثمانية إلى الحاضر، ترجمة محمد إبراهيم الجندي (القاهرة: كلمات عربية للترجمة والنشر، 2011)، ص 135.

[3] يُنظر:

  1. Şükrü Hanioğlu, A Brief History of the Late Ottoman Empire (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2008), p. 173.

[4] Hanioğlu, A Brief History of the Late Ottoman, p. 121.

[5] Erik J. Zürcher, Turkey: A Modern History (London: I.B.Tauris, Reprinted in 2010), p. 76.

[6] يُنظر:

 Polat Safi, “History in the Trench: The Ottoman Special Organization — Teşkilat-ı Mahsusa Literature,” Middle Eastern Studies, vol. 48, no. 1 (2012), p. 89.

[7] Zeine N. Zeine, Arab Turkish Relations and the Emergence of Arab Nationalism (Beirut: Khayat’s, 1958), p. 77.

[8] Arslan Ozan & Cinar Ozen, “The Rebirth of The Ottoman Committee of Union and Progress in Macedonia Through the Italian Freemasonry,” Oriente Moderno, vol. 24, no. 1 (2005), pp. 95-96.

[9] Zeine, p. 41.

[10]‫ للاستزادة، يُنظر: يوسف حسين عمر، أسباب خلع السلطان عبد الحميد الثاني 1876-1909 (عمان: دار الكتاب الثقافي، 2005)، ص 131-133.

[11] Zeine, pp. 62-63.

[12] M Şükrü Hanioğlu, The Young Turks in Opposition (New York/ Oxford: Oxford University Press, 1995), p. 38.

[13] روغان، سقوط العثمانيين، ص 39.

[14] المرجع نفسه، ص 40-41.

[15] واصف جوهرية، القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية: الكتاب الأول من مذكرات الموسيقي واصف جوهرية 1904-1917 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003)، ص 107.

[16] Hasan Kayali, Arabs and Young Turks: Ottomanism, Arabism, and Islamism in the Ottoman Empire, 1908-1918 (Berkely: University of California Press, 2019), p. 3.

[17] Ronald Gregor Suny, They Can Live in the Desert but Nowhere Else: A History of the Armenian Genocide (Princeton: Princeton University Press, 2015), p. 133.

[18] Hanioğlu, The Young Turks in Opposition, p. 162.

[19] Kayali, p. 54.

[20] Ibid., p. 97.

[21] Mustafa Aksakal, The Ottoman Road to War in 1914: The Ottoman Empire and the First World War (Cambridge: Cambridge University Press, 2008), pp.5-9.

[22] روغان، سقوط العثمانيين، ص 58.

[23] المرجع نفسه، ص 59.

[24] علي محافظة، الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة: 1798-1914: الاتجاهات الدينية والسياسية والاجتماعية والعلمية (بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1987)، ص 135-136.

[25] روغان، سقوط العثمانيين، ص 46.

[26] يذكر عارف العارف ذلك في مقالته في مجلة العربي، لكنه ما لبث أن أيد بشدة الثورة العربية الكبرى عندما وصلته أخبارها وهو في الأسر. يُنظر: عارف العارف، "بين ثورتين: تجارب مريرة في الحرب العالمية الأولى ١٩١٤-١٩١٨"، العربي، العدد 94 (1966)، ص 63-64؛ يشير إليها سليم تماري في دراسته:

 Salim Tamari, “With God’s Camel in Siberia: The Russian Exile of an Ottoman Officer from Jerusalem,” Jerusalem Quarterly, issue 35 (2008), p. 35.

[27] روغان، سقوط العثمانيين، ص 59.

[28] بشأن التجنيد الإجباري، المعروف باسم سفربرلك أو النفير العام، يُنظر:

Najwa Al-Qattan, “Safarbarlik: Ottoman Syria and the Great War,” in: Thomas Philipp & Christoph Schumann (eds.), From the Syrian Land to the States of Syria and Lebanon (Baden-Baden: Ergon in Kommission, 2004), p. 164.

بشأن المجاعة، يُنظر: سليم تماري، عام الجراد: الحرب العظمى ومحو الماضي العثماني من فلسطين (القدس/ بيروت: مؤسسة الدراسات المقدسية ومؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2008)، ص 13.

[29] نجد الادعاء بالخيانة العربية في عدد من الدراسات التركية والروايات منها روايات حسين نيخال اتسيز، راجع دراسة جاكوب لانداو:

Jacob M. Landau, “Ultra-Nationalist Literature in the Turkish Republic: A Note on the Novels of Hüseyin Nihâl Atsiz,” Middle Eastern Studies, vol. 39, no. 2 (2003), pp. 204-210.

 كما نجدها في مذكرات جمال باشا ومذكرات فالح رفقي اظاي المشار إليها في موضع آخر.

[30] درس عارف شحادة (عارف العارف) في المدرسة العسكرية في إسطنبول، وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى انخرط في سلك الجندية العثمانية، على الرغم من أنه كان بإمكانه دفع بدل نقدي، كما كان سائدًا آنذاك. وبحسب سليم تماري فإن التحاقه في الجيش كان مؤشرًا على إيمانه بوحدة السلطنة والدولة العثمانية. يُنظر: سليم تماري، "مع ناقة الله في سيبيريا: عارف العارف في الأسر الروسي خلال الحرب العالمية الأولى"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 76 (2008)، ص 109. لكن العارف ما لبث ان أيد بشدة الثورة العربية الكبرى عندما وصلته أخبارها وهو في الأسر. يُنظر: العارف، ص 64-63.

[31] فالح رفقي أطاي، جبل الزيتون، ترجمة أحمد زكريا وملاك دينيز أوزدمير (بغداد: دار الشامل، 2023).

[32] محمد كرد علي، خطط الشام (دمشق: المكتبة النورية، 1928-1925)، ص 381-382. ويُنظر: مقدمة: جمال باشا، مذكرات جمال باشا:الكتاب الأول، إعداد محمد السعيدي (بيروت: دار الفارابي، 2013)، ص 10.

[33] تماري، عام الجراد: الحرب العظمى ومحو الماضي العثماني من فلسطين، ص 13.

[34] جعفر العسكري، مذكرات جعفر العسكري، تحقيق وتقديم نجدة فتحي صفوة (لندن: دار اللام، 1988)، ص 99-101.

[35] روغان، سقوط العثمانيين، ص 382.

[36] Makram Rabah, “Arslān, Shakīb, Amīr,” 1914-1918-online. International Encyclopedia of the First World War (2018).

[37] عبد الكريم رافق، العرب والعثمانيون: ١٥١٦-١٩١٦: مكتبة التاريخ العثماني (دمشق: [د. د]، 1993)، ص 577.

المحتويات

الهوامش