تسجيل الدخول

المنتدى الأدبي (جمعية)





حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الاسم الرسمي

جمعية المنتدى الأدبي

الاسم الشائع

المنتدى الأدبي

سنة التأسيس

12 كانون الثاني/ يناير 1910

المقر الرئيس

الآستانة/ عاصمة السلطنة العثمانية





أبرز القيادات التاريخية

عبد الكريم الخليل، جميل الحسيني، سيف الدين الخطيب

التمثيل البرلماني

لم تشارك

عدد الأعضاء

700





الموجز

المنتدى الأدبي جمعية أدبية سياسية تأسست في عاصمة السلطنة العثمانية، الآستانة، في الثاني عشر من كانون الثاني/ يناير 1910، أُنشئت في خضم التحولات السياسية الكبرى التي تلت ثورة المشروطية الثانية عام 1908، إذ استُقبل الدستور العثماني الجديد بوصفه حركة تحررية، لكنه سرعان ما أفضى إلى هيمنة جمعية الاتحاد والترقي وسياسات التتريك التي استهدفت الهويات غير التركية. وفي هذا المناخ المشحون، برز المنتدى بوصفه فضاءً نخبويًّا يسعى إلى تحصين الهوية الثقافية العربية ضد الاحتواء القسري، ممهدًا الطريق لتبلور الوعي القومي، ليكون الجمعيةَ العربية الثانية المرخصة في العاصمة بعد إغلاق جمعية الإخاء العربي العثماني في صيف عام 1909.

تتباين الروايات التاريخية حول الشخصية المحورية وراء وضع دستور المنتدى، فبينما ينسب أحمد عزت الأعظمي الفضل إلى الشيخ محمد رشيد رضا في صياغة البرنامج والتسمية، تشير إفادات سيف الدين الخطيب، ورفيق رزق سلوم أمام الديوان الحربي العرفي في عاليه إلى أن الشيخ عبد الحميد الزهراوي كان المظلة المرجعية لهؤلاء الشباب الطامحين، الذين كان في طليعتهم عبد الكريم الخليل، الشخصية التي وصفت بأنها كانت تبث فكرة التآخي وتعرف الشباب العرب بتاريخ أجدادهم.

حظي حفل افتتاح المنتدى في 28 كانون الثاني/ يناير 1910 بتغطية صحفية، حضر فيها أقطاب الفكر والسياسة في العاصمة، إلا أن الاجتماع الأول لانتخاب اللجنة التنفيذية شهد صراعًا حادًا كاد أن يجهض المشروع بسبب استقطاب حاد بين مؤيدي عبد الكريم الخليل ومعارضيه، وهو ما حسمه الزهراوي ​عبر انتخاب مصطفى عادل رئيسًا محايدًا في الهيئة الإدارية الأولى، قبل أن يشهد العام الثاني توسعًا لافتًا بانضمام طلاب من بغداد، والموصل، وحلب، والحجاز، إذ انتُخب عبد الكريم الخليل رئيسًا أولًا، ليرتفع عدد الأعضاء من 62 طالبًا عند التأسيس إلى مئات الأعضاء الفاعلين والمؤيدين. وقد اعتمد المنتدى هيكلية إدارية منظمة عكست طبيعة عمله المؤسسي، مدعومة بميزانية تشكلت من إرث جمعية الإخاء ودعم الأعيان مثل عزت باشا العابد، مع حرص شديد على استقلالية القرار عبر رفض التمويل الحكومي، والاستعاضة عنه بالأنشطة الفنية، والمسرحية، والسينمائية؛ لتمويل النشاطات.

برز في هوية المنتدى رموز سيادية مبكرة مثل نشيد لغة الأجداد، والعلم العربي رباعي الألوان المستوحى من بيت شعرٍ لصفي الدين الحلي، الأمر الذي يشير إلى أن أهداف المنتدى، وإن أُعلنت بوصفها أهدافًا ثقافية واجتماعية ورعوية لإيواء الطلاب ومكافحة البطالة، كانت تنطوي على روح قومية عميقة ترسخ فكرة الكيان العربي المستقل، وقد تحوّل مقر المنتدى في حي بارماق قبو ثم في كدك باشا إلى منبر للحوار الفكري المفتوح، إذ نُظمت محاضرات أسبوعية ذات طابع إحيائي استقطبت الطلاب العسكريين أيضًا، كما أصدر المنتدى مجلة المنتدى الأدبي التي أصبحت لسان حاله، وبرزت بوصفها مجلة مصورة تُعنى بشؤون الأمة.

لم يقتصر دور المنتدى على الجانب الفكري، بل امتدّ ليكون مؤسسة رعوية توفد الطلاب إلى المدارس العالية على نفقتها، وتدعم مدارس الداخل العربي، ولعل أبرز مبادراته تجلت في "لائحة المبادئ العشرة لإصلاح التعليم" التي طرحها عبد الكريم الخليل عام 1911، والتي طالبت بتوطين التعليم الابتدائي، وتوحيد مناهجه بعيدًا عن التدخّلات الرسمية أو الأجنبية، وهي المبادرة التي طاف بها عبد الكريم الخليل في جولة تاريخية شملت مصر وفلسطين، حظيت بدعم استثنائي في غزة والقاهرة عبر تشكيل لجان مساندة ضمت نخبة من رواد الفكر والسياسة مثل رفيق العظم، وأحمد تيمور، والشيخ طنطاوي جوهري.

على صعيد النشاط المسرحي، تجاوزت العروض التي قدمها أعضاء المنتدى الوظيفة التمويلية لتصبح أدواتٍ لبث الوعي القومي، واستحضار الرموز التاريخية التي تمثل السيادة العربية، وهو ما أدى أحيانًا إلى صدامات مع السلطة حول استقلالية المنتدى، ورفض وصاية ولي العهد العثماني يوسف عز الدين، تمسكًا برسالة تربية النشء على فكرة الاستقلال. 

ورغم أن المنتدى دافع في بداياته عن الوحدة العثمانية، وشارك في مظاهرات لدعم الدولة في حرب البلقان، فإن تصاعد التعصب التركي دفع كوادره نحو خيارات أكثر راديكالية، إذ انتقل أثر المنتدى إلى الفروع الإقليمية، ولا سيما في القدس التي أصبحت مسرحًا لتنافسٍ من نوع جديد عام 1919 بين "المنتدى" بزعامة آل النشاشيبي، و"النادي العربي" بزعامة آل الحسيني. ورغم الخلفية العائلية لهذا التنافس، إلا أنّه حرّك الجماهير واستخدم أدوات العصر من صحافة، ومسرح، وصياغة للهوية الوطنية، إذ أدى المنتدى دورًا مفصليًا في تحول الهوية الفلسطينية من حلم سورية الجنوبية والوحدة مع دمشق تحت حكم الملك فيصل الذي امتد بين عامي 1918 و1920 إلى الوطنية الفلسطينية المستقلة، ولا سيّما بعد صدمة الأعضاء الذين عملوا في دمشق واكتشفوا تباين المصالح مع النخب السورية التقليدية، وما تبع ذلك من انهيار حلم سورية الكبرى في تموز/ يوليو 1920. وقد دفع ذلك قيادات المنتدى إلى الانضواء تحت لواء اللجنة التنفيذية للمؤتمر الفلسطيني العامّ الثالث في حيفا، والإسهام في مأسسة الحركة الوطنية التي قادت النضال طوال فترة الانتداب. 

وبذلك كان المنتدى الأدبي في نسخته الفلسطينية، وفي تنافسه مع النادي العربي المختبر السياسي الذي صهر الولاءات التقليدية، وحولها إلى حراك مؤسسي، ووضع القضية الفلسطينية في قلب السياسة الإقليمية؛ ليترك إرثًا يجمع بين الأدب، والسياسة، والعمل التنظيمي الطليعي.

تأسيس المنتدى الأدبي

شكلت ثورة المشروطية الثانية عام 1908 منعطفًا تاريخيًّا في أواخر عهد السلطنة العثمانية، واستُقبلت في بدايتها بوصفها حركةً تحررية أعادت العمل بالدستور وأطلقت الحريات العامة، غير أنها سرعان ما أفضت إلى هيمنة جمعية الاتحاد والترقي على مفاصل الدولة ومؤسسة الجيش، وتبنت سياسات عُرفت بـ "التتريك"، فرضت التركية بوصفها لغةً وحيدة في الإدارة، والقضاء، والتعليم، حتى في الولايات غير العربية، وقد تسبب ذلك في إضعاف مكانة اللغات غير التركية لا سيما اللغة العربية التي كانت واحدة من ركائز الهوية العثمانية. وفي خضم هذا التحول، من الانفتاح الدستوري إلى التحدي الثقافي، تأسس المنتدى الأدبي في الآستانة في الثاني عشر من كانون الثاني/ يناير 1910 على يد مجموعة من المثقفين والطلاب العرب، مثّلت مساحة للنخبويين وفّرت غطاءً ثقافيًّا، لنشاط فكري سعى إلى تحصين الهوية الثقافية العربية ضد سياسات الاحتواء القسري، ممهدًا الطريق لتبلور الوعي القومي العربي، وهي الجمعية العربية الثانية التي نالت ترخيصًا رسميًّا في العاصمة بعد إلغاء ترخيص جمعية الإخاء العربي العثماني في صيف العام 1909[1].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


تتباين المصادر التاريخية في تحديد الشخصية المحورية وراء تأسيس المنتدى ووضع دستوره ونظامه الأساسي، ففي حين يشدد الأعظمي على الدور المحوري للشيخ رشيد رضا، تستند الرواية التي أوردها جمال باشا حول تأسيس المنتدى في كتابه إيضاحات، إلى محاضر التحقيق والاعترافات التي أدلى بها سيف الدين الخطيب، ورفيق رزق سلوم، على وجه الخصوص، أمام ديوان الحرب العرفي في عاليه، قبيل إعدامهما في 6 أيار/ مايو 1916، والتي أكّدا فيها أن شباب المنتدى الأدبي اتخذوا من الشيخ عبد الحميد الزهراوي مظلةً مرجعية لهم، ومصدرًا لتأمين التمويل.

رواية الأعظمي

يعزو أحمد عزت الأعظمي، أحد مؤسسي المنتدى، إلى الشيخ محمد رشيد رضا صياغة برنامج الجمعية وتقديمه إلى وزير الأوقاف خليل حمادة باشا أثناء إقامته في الآستانة، وأنه، أي رضا، هو من أطلق عليه تسمية المنتدى الأدبي[2].


ويُفرد الأعظمي في تأريخه لتلك المرحلة حيزًا خاصًا لدور الشباب العربي في تأسيس المنتديات والجمعيات، ومنها المنتدى الأدبي بعد قيام الاتحاديين بحلّ جمعية الإخاء العربي العثماني في أعقاب الحركة الارتجاعية في 13 نيسان/ أبريل 1909، ويشير الأعظمي إلى بروز حراك قاده هؤلاء الشباب العرب الذين استشعروا ضرورة سد الفراغ المؤسسي عبر تشكيل منتدى علمي يجمع شتاتهم، ويضع الأعظمي عبد الكريم الخليل، في طليعة هؤلاء المؤسسين، واصفًا نشاطه بقوله: "كان عبد الكريم الخليل، عند تأسيس جمعية الإخاء العربي العثماني من الذين نشطوا في الدعاية لها، فكان يبث فكرة التآخي بين شبان العرب، ويدعوهم بين آونة وأخرى إلى بناية الجمعية فيعرف بعضهم على بعض، ويشرح لهم فوائد الاتحاد والوفاق، ويذكرهم بماضي أجدادهم وتاريخهم المجيد"[3].

 إفادة سيف الدين الخطيب

تشير إفادة سيف الدين الخطيب إلى أن مرحلة ما بعد إغلاق "جمعية الإخاء العربي العثماني" شهدت حراكًا تنظيميًّا مكثفًا قاده طالب الحقوق عبد الكريم الخليل برفقة زميلين له، إذ عملوا على استنهاض الشباب العرب في الآستانة واعتماد "سياسة التشويق والترغيب" وفق ما يسميه كتاب الإيضاحات، لضمهم إلى صفوف التنظيم الجديد. ويضيف الخطيب، أن الحراك الشبابي اتخذ من الشخصية السياسية البارزة عبد الحميد الزهراوي مظلةً مرجعية له، إذ أدى الزهراوي دورًا محوريًّا في رعاية طموحات هؤلاء الشباب وتوفير الغطاء السياسي والمادي اللازم لعملهم[4].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

إفادة رفيق رزق سلوم


بيّنت اعترافات رفيق رزق سلوم أسماء المؤسسين الفعليين للمنتدى وهم إلى جانب عبد الكريم الخليل: يوسف مخيبر، وسليمان حيدر، وسيف الدين الخطيب، وجميل الحسيني[5]. وقد حظيت هذه المجموعة الشابة بظهيرٍ معنوي وسياسي كبير تشكّل من كبار الأعيان والنخب العربية في الآستانة، قدموا نفوذهم لتذليل العقبات أمام تأسيس النادي، في مقدمتهم: من السياسيين والمبعوثان (النواب): عبد الحميد الزهراوي، وشفيق بك المؤيد العظم، ورضا بك الصلح، وندرة المطران، ونخلة باشا المطران، ورشدي الشمعة، ومبعوث البصرة طالب النقيب. ومن المفكرين والأدباء: الشيخ محمد رشيد رضا، ورفيق العظم، وحقّي العظم. من العسكريين والأطباء: البكباشي عزيز علي المصري، وعزت الجندي، والطبيب حسين حيدر[6].

بنية المنتدى الأدبي التنظيمية

تكشف الوثائق التأسيسية للمنتدى الأدبي وجود هيكلية إدارية منظمة تعكس طبيعة عمله المؤسسي، ولكن هذه الهيكلية لم تستقر إلا في العام الثاني بعد أن مرّت بتحديات عديدة على الصُعُد الإدارية والتمويلية، وخلال عام واحد من عمر المنتدى شهدت العضوية نموًا مضطردًا بعد انضمام طلاب ولايات بغداد، والموصل، وحلب، والحجاز، كما اعتُمِد علم ونشيد يمثلان الهوية العربية.

الاجتماع الأول والصراع على الرئاسة

حظي حفل افتتاح المنتدى في العاصمة الآستانة يوم الجمعة 28 كانون الثاني/ يناير 1910 بتغطية واسعة في صحافة ذلك الزمن، إذ شهد حضورًا لافتًا لنخبة من وجوه الفكر والسياسة، وألقيت خطب حماسية لكل من الشيخ محمد رشيد رضا، صاحب مجلة المنار القاهرية، والشيخ عبد الحميد الزهراوي، مبعوث حماة، وسليمان البستاني، نائب رئيس مجلس المبعوثان، والشاعر معروف الرصافي الذي ألقى قصيدة دعت إلى إحياء المجد العربي، بالإضافة إلى أسعد الشقيري، مبعوث عكا، وندرة المطران[7].

عقب انتهاء الاحتفال بالافتتاح، وانصراف الضيوف، واجه المشروع خطر الانقسام الحاد الذي كاد أن ينهيه في الاجتماع الأول المخصص لانتخاب الهيئة التنفيذية الأولى للمنتدى، وفور انعقاد جلسة الانتخاب التي كانت تضم 62 عضوًا، برز شرخ عميق بين قطبين من الشباب الطامح لقيادة المنتدى، الأمر الذي حوّل قاعة الاجتماع إلى ساحة مساجلات عنيفة. تزعّم تيار المعارضة فريق من الشبان ذوي الحضور الاجتماعي والعلمي، وفي مقدمتهم الأمير عبد القادر بن علي الجزائري، والدكتور عزت بك الجندي، والدكتور أحمد بك قدري. وقد اتخذ هذا الفريق من الاعتراض على "المنهاج الداخلي" والمطالبة بـ"حذف أسماء المؤسسين" ذريعة قانونية لإخفاء مقصدهم الحقيقي، وهو إقصاء عبد الكريم الخليل من الهيئة المؤسسة. كانت الغاية من هذا التحرك هي تجريد عبد الكريم الخليل من نفوذه التنظيمي لينفرد هذا الفريق بإدارة دفة المنتدى وتوجيه سياساته. احتدم الصراع بين مؤيدي عبد الكريم الخليل وبين معارضيه، حتى بلغت الأمور حدًا من التوتر كاد أن يستحيل معه التوافق، ويهدد بضياع الجهود التي بُذلت لتأسيس هذا الصرح، وأمام هذا الانسداد، تدارك بعض الشباب الموقف بالتوجه فورًا إلى دار الشيخ عبد الحميد الزهراوي، ووضعوه في صورة الأزمة المشتعلة. هرع الزهراوي إلى مقر الاجتماع، وتولى رئاسة الجلسة بما عُرف عنه من روية وحكمة سياسية. وبدلًا من الانحياز إلى أحد الطرفين، استطاع الزهراوي إطفاء نيران الفتنة عبر طرح مخرج تنظيمي ذكي، يقضي بإرجاء الصدام المباشر من خلال انتخاب "عضو محايد" لمنصب الرئاسة يحظى بقبول الطرفين، ويوقف حالة الاستقطاب. وتكللت جهود الزهراوي بالنجاح عندما وقع الاختيار على مصطفى عادل ليكون رئيسًا لأول هيئة إدارية للمنتدى، ومثّل هذا الانتخاب صمام أمان حقيقي، إذ نزع فتيل الشغب، وأتاح للمنتدى فرصة العبور من مرحلة الصراع على السلطة إلى مرحلة العمل المؤسسي، ليظل عبد الكريم الخليل محتفظًا بمكانته الاعتبارية مع تهدئة طموحات الفريق المناوئ[8].

الاجتماع الثاني وانتخاب عبد الكريم الخليل

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


مثَّل الاجتماع الثاني للمنتدى نقطة تحول مفصلية في مسار العضوية، وتوسع التمثيل ليشمل ولايات عربية جديدة، إذ عكس نموًا عدديًّا ونوعيًّا لافتًا مقارنة بالعام التأسيسي الأول. فبعد أن كان النشاط في العام السابق مقتصرًا في غالبيته على بعض أبناء الشام، أي ولايتي الشام وبيروت، مع حضور خجول لبقية الأقطار، شهد الاجتماع الثاني حشدًا كبيرًا من نخب الشبيبة العربية، من بغداد وحلب والحجاز، في تظاهرة عكست نجاح الجهود التي بذلها الشبان الشاميون لتبديد تحفظات إخوانهم العراقيين والحلبيين الذين كانوا محجمين سابقًا عن المشاركة. فحضر منهم أكثر من سبعين عضوًا من العراق وثلاثين من حلب، ليرسموا معًا سابقة في تاريخ الاجتماعات العربية بالعاصمة. افتتح عبد الكريم الخليل الجلسة بكلمة استعرض فيها أمجاد الأمة، وأسباب تراجعها الناجم عن التخاذل، قبل أن يعرض تقريره المالي والإداري عن العام الهجري المنصرم. وبعد سلسلة من الخطب الحماسية الداعية إلى الوفاق، جرت انتخابات الهيئة الإدارية التي جسدت في نتائجها هذا التنوع الجغرافي؛ إذ فاز بعضوية الهيئة كل من عفيف الصلح (بيروت)، وإبراهيم الواعظ (بغداد)، وفضل الله المقيد (حلب)، ونجدت سكوتي (بغداد)، وجميل الحسيني (القدس)، ويوسف حيدر (بعلبك)، فيما استقر التصويت على انتخاب عبد الكريم الخليل رئيسًا أولًا، وسيف الدين الخطيب رئيسًا ثانيًا[9].

وفي اجتماع لاحق للهيئة العامة للمنتدى ذكر الخليل أن مجموع الأعضاء العاملين عند تأسيسه كان 62 طالبًا من طلاب المدارس العالية، ونحو 40 عضو شرف، أما في العام الثاني فقد بلغ عدد الأعضاء العاملين 230، وأعضاء الشرف يزيدون على 90 عضوًا[10].

تحديات تمويل المنتدى الأدبي

تشكّلت ميزانية المنتدى الأدبي الأولى من مصادر مستقلة منحته هامشًا للمناورة السياسية بعيدًا عن وصاية نظارة المعارف العثمانية. وتمثّلت النواة المالية الأولى مما تبقى من ميزانية جمعية الإخاء العربي العثماني، إذ قدّم شكري بك الحسيني، أحد أعضاء الجمعية المنحلة مبلغًا قدره 60 ليرة عثمانية كانت قد تبقت في صندوق الجمعية، بالإضافة إلى أثاثها المكتبي. ومع عدم كفاية هذا المبلغ، نجح عبد الحميد الزهراوي في استقطاب دعم مالي وازن من عزت باشا العابد، المستشار السابق للسلطان عبد الحميد الثاني الذي قدّم إسهامًا سخيًا بلغت 150 ليرة عثمانية، الأمر الذي وفّر للمنتدى استقرارًا نسبيًا في مرحلته الحرجة[11].

وسعيًا وراء استقلالية القرار ورفض التمويل الحكومي؛ بغية الحفاظ على استقلالية المنتدى رفض الأعضاء المؤسسون مقترحًا تقدّم به يوسف شتوان بك، نائب طرابلس الغرب، يقضي بتخصيص إعانة شهرية قدرها 50 ليرة عثمانية من ميزانية نظارة المعارف، ورغم مبرر الإعانة القائم على دعم الدروس الليلية، فإن المؤسسين خشوا أن يتحول المنتدى إلى كيان خاضع إلى تفتيش الحكومة وإشرافها المباشر، فآثروا الاعتماد على الموارد الذاتية، عبر الأنشطة الفنية، كالنشاط المسرحي لفرقة المنتدى[12]، والسينمائي من ريع العروض السينمائية، وهو ما ذكره تقرير صحافي عام 1913، حول تنظيم فرع القدس للمنتدى حفلة "سينماتوغرافية" برعاية رسمية لدعم المركز الرئيس بالآستانة[13].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وكشف التقرير المالي الذي عرضه عبد الكريم الخليل في نهاية العام الأول عن نجاح هذه الاستراتيجية؛ إذ بلغت الواردات 71,379 قرشًا، جُمعت من تبرعات "ذوي الحمية والغيرة"، حسب تعبير عبد الكريم الخليل، ومن ريع الأعمال الفنية، في حين استقرت المصروفات عند 4796 من عملة الآستانة[14]، الأمر الذي عكس حال من الكفاية المالية التي دعمت أدوار المنتدى الرعوية والتعليمية.

الوثائق الإدارية

يكشف مرجع تعريفي، وضعه الباحث نيكولاس هير (Nicholas Heer) عام 1961، بمحتويات الملف الخاص بالمنتدى الأدبي في مجموعة الشرق الأوسط بمكتبة معهد هوڤر (Library of the Hoover Institution) في جامعة ستانفورد الأميركية، عن وجود جزء كبير من وثائق المنتدى الإدارية، لا يعرف كيف وصلت إلى مكتبة معهد هوڤر، تتكون من دفتر مسوّدة محاضر اجتماعات اللجنة التنفيذية (الهيئة الإدارية)، الذي يغطي الفترة الممتدة من 5 محرم 1329هـ/ 6 يناير 1911م إلى 6 ذي الحجة 1329هـ/ 28 نوڤمبر 1911م، رغم فقدان بعض الصفحات الخاصة باجتماعات الفترة بين 8 محرم و9 ربيع الأول. وقد ضمت الهيئة الإدارية كما هو مدون في الوثائق: عبد الكريم القاسم الخليل (الرئيس الأول)، وسيف الدين الخطيب (الرئيس الثاني)، ويوسف حيدر، ونجيب الحكيم، وفضل الله المقيد، وإبراهيم أدهم الواعظ، وعفيف الصلح، ونجدت السكوتي، وجميل الحسيني، وبهجت مردم بك، ورشيد المرعشي، وعلي ناجي. وعلى الصعيد التنظيمي، تضمنت الوثائق النظام الداخلي للنادي (بصيغة هكتوغراف)، وقد فصّل هيكلية الجمعية في فصول عديدة، شملت إدارة الجمعية (المواد 26-47)، وأعضاء العمدة (المواد 48-70)، والهيئة العامة (المواد 75-101). كما وُجدت مسوّدة للنظام الأساسي تتألف من 22 مادة، نظّمت شؤون صندوق التصرف وغايته، والأشوام، والإقراض، والعمدة الإدارية، والهيئة العمومية. وتكتمل الصورة التوثيقية بقوائم العضوية، ومنها قائمة الأعضاء المؤسسين (باللغة التركية) التي ضمت الخليل، والخطيب، والحسيني، وسليمان، وسلوم، وجودة القندوسي، بالإضافة إلى قائمة الطلاب المقيمين في سكن المنتدى بالآستانة عام 1329هـ/ 1911م، والتي شملت أسماءً بارزة مثل توفيق أبو الهدى، وعارف العارف، ورشدي ملحس[15].

وتذكر وثيقة عثمانية غير مؤرخة، يُرجّح أنها تعود إلى عام 1914م، إلى بلوغ عدد أعضاء الجمعية حوالي سبعمئة شخص، بمن فيهم موظفون حكوميون من جميع الرتب، وضباط، وطلاب. كما تشير إلى أن نسخة من سجّل عضوية الجمعية كانت محفوظة عند أحد مسؤوليها، ونسخة أخرى في منزلي عفيف الصلح وعاصم بسيسو[16].

النشيد والعلم العربيان

شهد الاحتفال التأسيسي للمنتدى الأدبي في الآستانة ميلاد أولى الرموز الهوياتية للحركة العربية، إذ أُعلن خلاله عن اعتماد "نشيد عربي وطني"، عزفه الموسيقي وديع صبرا على آلة البيانو، وهو قصيدة "لغة الأجداد" للشاعر حليم دموس، أدّاها جَوق من الطلاب، كما ألقى رفيق رزق سلوم قصيدة احتفائية بهذه المناسبة[17].

ولم يقتصر التعبير القومي على النشيد، بل امتد ليشمل البحث في مسألة "العلم القومي للعرب" منذ الأيام الأولى للمنتدى، إذ خلص الشبان المؤسسون إلى أن عَلَم المستقبل يجب أن يتألف من ألوان أربعة (الأبيض، والأسود، والأخضر، والأحمر)، مستلهمين ذلك من البيت الشهير لـصفي الدين الحلي الذي يتغنى بأمجاد العرب:

بِيضٌ صَنائِعُنا سُودٌ وَقائِعُنا خُضرٌ مَرابِعُنا حُمرٌ مَواضينا

وعلى الرغم من أن هؤلاء الشبان لم يكونوا يخططون حينها للانفصال عن الدولة العثمانية، فإن شعورهم بضرورة وجود رمزية جامعة دفعهم إلى صناعة راية بهذه الألوان ورفعها داخل مقر المنتدى، مع تدوين بيت الشعر المذكور أسفلها[18].

وقد جسد الشاعر العراقي معروف الرصافي هذه النزعة الرمزية في قصيدة ألقاها أواخر عام 1909، أكّد فيها على تلازم المعرفة والسيادة بقوله:

إنَّ الحَقيقةَ قالَت لي وَقَد صَدَقَتْ لا يَنفَعُ العِلْمُ إلّا فَوقَهُ عَلَمُ[19]

الجدل حول الأهداف

أوضحت معظم الشهادات والأخبار الصحافية التي غطت افتتاح المنتدى أن الدوافع المعلنة لتأسيسه كانت ذات طابع اجتماعي وإصلاحي، واتخذت شكلًا مشروعًا يهدف إلى احتواء الشتات الطلابي، ومواجهة ظاهرة البطالة المقنّعة، وانصراف الطلبة العرب إلى قضاء أوقاتهم في المقاهي والتجوال بلا هدف في شوارع العاصمة، وتوفير الرعاية السكنية بإيجاد مَقرّ موحّد يجمع الطلبة ويوفر لهم "مبيتًا نظيفًا" وحياة كريمة، بما يضمن صون هويتهم، وتحسين ظروف معيشتهم أثناء الدراسة. وقد ركزت هذه الشهادات على أن المقصد من النادي كان تقديم الخدمات الثقافية، والاجتماعية للنخبة العربية الناشئة في قلب الدولة العثمانية[20]. ومن الطبيعي أن يتصل الخطاب الثقافي العروبي ببث الوعي القومي الهوياتي بين الشباب العرب. وفي هذا السياق، ذكر أحمد عزت الأعظمي، أن المنتدى أُنشئ بوصفه مؤسسةً ذات روح قومية موجهة إلى الشباب العرب، وأن منتهى غايته تمثلت في ترسيخ فكرة القومية العربية[21]، وهذه هي الذريعة التي بنيت عليها التحقيقات التي أمر بها جمال باشا لإدانة أعضاء المنتدى بتهمة الخيانة والتآمر مع دول أجنبية، وقد قادت تلك التحقيقات إلى إعدامات.

يُعزى هذا التفسير في الغالب إلى المقاربات التي تربط توجهات الجمعية بالسير السياسية لبعض أعضائها الأكثر انخراطًا في الشأن العام، مثل عبد الكريم الخليل، وسيف الدين الخطيب، وغيرهما. فقد مرّ عبر الجمعية عدد كبير من الشخصيات التي ستبرز لاحقًا في الحياة السياسية العربية، بعضهم أعضاء فاعلون، وآخرون داعمون أو رعاة، فيما شارك بعضهم بوصفهم محاضرين أو مستفيدين من أنشطتها الثقافية. وفي هذا السياق، يُشير أسعد داغر في مذكراته إلى ضرورة التمييز بين الطبيعة المؤسسية للمنتدى الأدبي وبين التوجهات الشخصية لأعضائه، فبينما كان المنتدى إطارًا ثقافيًّا وأدبيًّا علنيًّا يسعى إلى إيجاد رابطة فكرية بين الطلبة العرب، كان عدد من أعضائه الفاعلين في الوقت ذاته منخرطين في جمعيات سياسية سرية تهدف إلى تحقيق أهداف قومية. مشيرًا إلى تدرّج أعضاء المنتدى في مواقفهم السياسية بإزاء العثمانيين وفقًا للتبدل في سياسات جمعية الاتحاد والترقي[22].

نشاطات المنتدى

في عامه الثاني انتقل المنتدى الأدبي من مقره الأول في حي بارماق قبو المطل على شارع ديوان يولي؛ لأن المقر الجديد أكثر اتساعًا في حي كدك باشا بعد أن توسّعت عضويته، وضاقت غرفه كما ضاق نطاق بهوه الكبير عن إلقاء المحاضرات[23].

وكشف تقرير لصحيفة المفيد البيروتية عن النقلة النوعية التي أحرزها المنتدى الأدبي في عامه الأول، إذ تجاوز بمهماته إطار النادي الثقافي ليغدو مؤسسة رعوية، وتعليمية متكاملة، مثّلت حلقة وصل استراتيجية بين العاصمة والولايات العربية. وقد تمكن المنتدى من مأسسة العمل الاجتماعي عبر إيفاد الطلاب إلى المدارس العالية على نفقته، وتوفير المنام والسكن للمعوزين في مقره القديم في حي بارماق قبو، وتقديم الدعم المادي المباشر إلى مدارس الداخل العربي. وعلى الصعيد المعرفي، أرسى المنتدى دعائم نهضة فكرية رصينة بتأسيس مكتبة ضخمة وإطلاق مشروع ترجمة، ليؤكد بذلك دوره بوصفه منبرًا طليعيًّا يزاوج بين الإغاثة الاجتماعية، وبناء الوعي القومي[24].

دور رعوي اجتماعي

أبرز تقرير مجلة المفيد أن المنتدى الأدبي قدّم خدمات ملموسة شملت إسكان ثلاثة من الطلاب المعوزين بشكل كامل داخل حجرات النادي، وتكفّل المنتدى بإلحاق طالبين بالمدارس العالية على نفقته الخاصة، أحدهما في مدرسة الزراعة في بورصة والآخر في دار الفنون في إسطنبول. وسفّر المنتدى تسعة من الطلاب كانت قد تقطعت بهم سبل العيش أو النفقة، إلى بلادهم على حسابه. كما قدّم معونات مالية إلى إحدى مدارس دمشق، وأوجد رابطة مع الجمعيات الخيرية في الولايات العربية؛ لتسهيل تقديم المعونة إلى الطلاب المغتربين[25].

منبر للحوار

تأسس المنتدى الأدبي بوصفه فضاءً فكريًّا حرًا ومنبرًا للحوار المفتوح، إذ دأب على تنظيم محاضرات أسبوعية منتظمة شكّلت نشاطه الثقافي البارز، وقد تنوعت هذه المحاضرات بين إسهامات أعضاء المنتدى، واستضافة شخصيات فكرية وسياسية بارزة من الخارج، كان من أبرزهم عبد الحميد الزهراوي. ووفقًا إلى شهادة الأمير فايز الشهابي أحد أعضاء المنتدى، اتسمت هذه المحاضرات بطابع "قومي، علمي، إيقاظي"، وكانت تُعقد ليلًا لضمان حضور أوسع، إذ تراوح عدد الحضور ما بين 50 شخصًا ليصل أحيانًا إلى المئات. وقد شهدت هذه اللقاءات تفاعلًا من طلاب المدارس العسكرية، ولا سيّما العراقيين منهم، إذ كانوا يحضرون للاستماع والمشاركة دون تسجيل أسمائهم بوصفهم أعضاءً رسميين، التزامًا باللوائح العسكرية التي كانت تمنعهم من الانخراط العلني في مثل هذه الجمعيات، الأمر الذي أضفى طابعًا من الحذر والسرية على تفاعل النخب العسكرية مع النشاط الفكري للمنتدى[26].

وقدّم مراسل جريدة الأهرام القاهرية الذي زار مقر المنتدى في محلة "بارمق قبو"، وصفًا تحليليًّا دقيقًا لأجواء الحوار، والأنشطة الفكرية التي سادت في المنتدى خلال شهوره الأولى، وأبرز الطابع السياسي والفكري المكثّف للنقاشات، فقال: "رأيت التلامذة عاكفين فيه على مطالعة الصحف، يتناقشون ويتجادلون بتقدير قيم الرجال وتفضيلهم على بعضهم، وانتقاد أقوال الجرائد، وينددون بأعمال رجال السياسة". وأضاف إن النقاشات لم تقتصر على الشؤون المحلية حسب، بل اتسمت بنظرة شمولية، إذ بحث الطلاب في ميزانية الدولة العثمانية ومقارنتها بميزانيات الدول الغربية، وتحليل خطط القوى الدولية في الشرق. كما تطرقوا إلى دراسة الأحزاب السياسية في مجلس الأمّة (المبعوثان)، وموازنة حقوق العرب بفروض الأتراك، بالإضافة إلى مناقشة مطالب القوميات الأخرى مثل الألبان والأرمن، وتفسير العلاقات السياسية الدولية[27]، وذلك يؤكّد أن المنتدى كان فضاءً لصقل الوعي السياسي وتطوير الرؤى القومية المبكرة.

مجلة المنتدى الأدبي

في مراحله التأسيسية، لم يملك المنتدى الأدبي منبرًا صحفيًّا خاصًا به، بل اعتمد في نشر أنشطته وتوجّهاته على التغطية الإعلامية في صحف عربية متعددة، كان من أبرزها صحيفة المفيد الصادرة في بيروت، وصحيفة الحضارة الصادرة في الآستانة. ومع إصدار مجلة لسان العرب، من جانب جمعية العلم الأخضر، السرية التي ضمت الطلاب العرب في المدارس العليا بالعاصمة، أصبحت المجلة شبه الرسمية الناطقة باسم المنتدى، وحظيت نتيجة ذلك بشعبية واسعة في أوساط العرب القاطنين في الآستانة[28].

ويُبرز تقرير منشور في صحيفة المفيد وصفًا نادرًا لمجلة لسان العرب، إذ اعتبرها التقرير المجلة العربية المصورة الوحيدة التي تصدر شهريًّا من قلب العاصمة إسطنبول؛ لتشخص أدواء الأمة العربية، واستشراف سبل علاجها. وحسب المفيد، نجحت المجلة في غضون شهرين فقط في مضاهاة كبرى المجلات العربية بفضل رصانة مباحثها التي يحررها نخبة من كبار كُتاب سورية، ومصر، والعراق، فضلًا عن جاذبية محتواها البصري الذي تضمن صورًا تاريخية مثل قصر الحمراء وأبي عبد الله الصغير. كما نقلت الصحيفة عزمَ إدارة المجلة التي كان مقرها في مبنى المنتدى الأدبي على توسيع مشروعها الثقافي عبر زيادة صفحاتها، وإلحاق كتاب اجتماعي بكل عدد، مع إصدار نسخة سنوية ممتازة تضم تراجم مشهوري العرب ورسومهم هديّة للمشتركين. وأشادت المفيد بالسياسة الاجتماعية للمجلة، إذ خُفضت قيمة اشتراك الطلاب إلى "مجيدي ونصف" وأُتيحت خيارات التقسيط؛ لضمان وصول هذا المنبر الفكري إلى فئات المجتمع كافة، من الفقير والغني والصغير والكبير[29].

وفي خبرها حول صدور العدد الأول من مجلة المنتدى الأدبي، كشفت مجلة المقتبس عام 1914، عن أن هذه المجلة هي خَلَفٌ مباشر لمجلة لسان العرب التي صدرت في العام السابق، أي 1913 مدة عام كامل، وذكرت المقتبس أن إدارة المجلة الجديدة أُنيطت بأحمد عزت الأعظمي، رئيس تحرير لسان العرب، وعاصم بسيسو، وهما عضوان في المنتدى، لتكون منبرًا ثقافيًّا يهدف إلى "الارتقاء بالعقول، وتهذيب النفوس عبر مقالات متنوعة في الاجتماعيات والأدبيات". وفي عرض لهويتها البصرية أشارت المقتبس إلى أنها اتسمت بطابع توثيقي مصور، إذ صدرت بـ48 صفحة شهريًّا (على مدار عشرة أشهر في السنة)، وحُررت بجهود نخبة من المثقفين العرب داخل العاصمة العثمانية وخارجها[30]. وفي كتاب تاريخ الصحافة العربية لـفيليب دي طرازي أُشير إلى أن العدد الأول من مجلةلسان العرب صدر في شهر آذار/ مارس 1913، والعدد الأول من مجلة المنتدى الأدبي في 27 شباط/ فبراير 1914[31].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

نادي للمطالعة والتفاعل

بناءً على التقارير الصحفية المعاصرة لتأسيس المنتدى، قدّم مراسل الأهرام القاهرية وصفًا تحليليًّا لطبيعة التفاعل اليومي داخل النادي، إذ كان الطلاب العرب من مختلف الكليات والمعاهد العسكرية والمدنية في الآستانة يستثمرون أوقات فراغهم في أروقته. وقد ركز التقرير على الجانب التعليمي والبحثي، مشيرًا إلى عكوف الطلاب على متابعة الصحف اليومية، ومراجعة دروسهم، وتوسيع معارفهم الأكاديمية بالاستعانة بمحتويات مكتبة المنتدى، وأبرزت المشاهدات الميدانية للمراسل أهمية المنتدى بوصفه أداة للربط القومي والاجتماعي، إذ وفّر بيئة مثالية للتعارف والتقارب بين الشباب العربي الوافد من أقاليم متباعدة، الأمر الذي أدى إلى بناء وشائج مودة وتآلف بين أبناء سورية، والعراق، وحلب، واليمن، وغيرهم من سكان الولايات العربية. وعلى الصعيد الأكاديمي، شكّل المنتدى فضاءً للتعاون الدراسي وتذليل الصعاب المعرفية، إذ كان الطلاب يتبادلون الخبرات العلمية، فيساعد طلاب الصفوف المتقدمة زملاءهم في حل المسائل الدراسية المعقدة. وعلاوة على ذلك، التزم المنتدى ببرنامجه التعليمي المنصوص عليه في قانونه الأساسي الذي تضمن تقديم دروس منتظمة في آداب اللغة العربية وفنون الخطابة، وإلقاء محاضرات تخصصية في الفنون والعلوم التي تدعم مناهجهم الدراسية الرسمية[32].

ويكشف تقرير المفيد عن إيلاء المنتدى عناية فائقة بالمصادر الثقافية، فقد نجح في تأسيس مكتبة متخصصة ضمت 600 مجلد في شتى الفنون والعلوم. كما عملت إدارة المنتدى على جعل المقر مركزًا لمتابعة الشّأن العام عبر توفير ثلاثين جريدة يومية، واثنتي عشرة مجلة عربية مستقدمة من مختلف الأقطار؛ لضمان تواصل الطلاب مع قضايا بلادهم. وفي خطوة تعكس التوجه نحو الانفتاح على الفكر العالمي برؤية قومية، بدأ المنتدى مشروعًا علميًّا لترجمة كتاب حضارة العرب للمستشرق الفرنسي غوستاف لوبون، ليكون مرجعًا متاحًا باللغة العربية لمرتادي المنتدى[33].

عروض مسرحية

تجاوزت العروض المسرحية التي قدّمها أعضاء المنتدى الأدبي في الآستانة وظيفتها التمويلية، لتغدو منصات تثقيفية صاغت الوعي القومي للعرب في قلب العاصمة العثمانية. فبينما حقق العرض الأول لمسرحية صلاح الدين الأيوبي على خشبة مسرح دار الفرح (Ferah Tiyatrosu) في حي شاهزادباشي (Şehzadebaşı) عام 1910 نجاحًا ماديًّا رفد ميزانية المنتدى، اكتسبت إعادة عرضها عام 1914 ثقلًا سياسيًّا وأدبيًّا، إذ تحولت إلى تظاهرة وطنية سبقتها تلاوة قصائد حماسية شارك فيها نخبة من الأعيان والمبعوثين العرب، منهم الشاعر جميل صدقي الزهاوي، مبعوث بغداد؛ وفارس بك الخوري، مبعوث دمشق، بالإضافة إلى شكيب أرسلان[34]. ويذكر صاحب موسوعة بيت المقدس والمسجد الأقصى أن فرقة المنتدى الأدبي قدمت مسرحية صلاح الدين الأيوبي لمؤلفها فرح أنطون في قهوة المعارف في باب الخليل بالقدس عام 1915، ثم قدمت الفرقة نفسها مسرحية عنوانها لصوص الغاب[35].

 وفي حي بك أوغلي، مثّل عرض مسرحية امرئ القيس ذروة التوظيف الثقافي للهوية، فاختيار شخصية الملك الضّلّيل لم يكن فنيًّا فحسب، بل استحضارًا لرمزية أدبية وتاريخية تمثّل عماد الفصاحة العربية وعنفوان السيادة الضائعة التي يسعى النشء لاستعادتها. وقد صاحب هذا العرض صراع مبدئي حول استقلالية المنتدى، إذ رفض الأعضاء محاولات إخضاعه إلى وصاية ولي العهد يوسف عز الدين، متمسكين برسالة المنتدى في تربية الجيل على "الحياة الاستقلالية" وأن وضع المنتدى تحت رئاسة ولي العهد من شأنه أن يحوله إلى "ميدان للتسابق في العبودية" لصاحب السلطنة. وقد حُسم هذا الأمر بجعل تمثيل مسرحية امرئ القيس تحت رعاية ولي العهد، بحضور حشد كبير من أعيان السلطنة، وأركان الوزارة، والنواب العرب، ووجهائهم[36].

وفي سياق متصل، شهد مسرح "واريه ته" (Variétés) في حي بك أوغلي عرضًا دراميًّا ثالثًا ضمن احتفالات المنتدى الأدبي السنوية، إذ مُثلت مسرحية حمدان التي عربها نجيب الحداد (1867-1899) عن مسرحية هرناني (Hernani) لڤيكتور هيغو (Victor Hugo، 1802-1885) وسط حضور رسمي وشعبي حاشد. وحسب مراسل المفيد، تقدم الحضور النواب العرب في مجلس المبعوثان، وجمهور غفير من العرب العثمانيين القاطنين في العاصمة، وقد أثنوا على إجادة الممثلين لأدوارهم بتصفيق حار متكرر. ولاحظ مراسل المفيد أن هذا الحفل عكس الروح التنظيمية العالية لشبان المنتدى الذين استقبلوا الوفود بحفاوة وبشاشة، غير أنّ المشهد الأبرز الذي لفت الأنظار واستحق الإشادة كان المشاركة الواسعة والمميزة للعرب المسيحيين الذين تقدموا الصفوف في مظاهرة من التأييد والإعجاب، الأمر الذي حوّل الليلة الفنية إلى لوحة وطنية جسّدت أبهى صور التآلف، والوفاق والإخاء القومي بين مختلف أطياف العرب في الآستانة[37].

مشروع إصلاح التعليم في الولايات العربية

في السنة الثانية من تأسيسه، وبمناسبة شخوص النواب العرب في مجلس المبعوثان إلى بلادهم في حزيران/ يونيو 1911، نظّم المنتدى الأدبي في مقره بالعاصمة الآستانة حفلًا كبيرًا دعا إليه النواب والمفكرين والأعيان العرب، متجاوزًا بُعده الاجتماعي؛ ليتحول إلى منصة إطلاق مشروعٍ نهضوي متكامل؛ لإصلاح المنظومة التعليمية في الولايات العربية العثمانية، يسعى إلى توحيد المناهج، وربط الأقطار العربية، بما في ذلك القطر المصري، برباط معرفي وقومي واحد[38].

كلمة رئيس المنتدى

تُعد خطبة رئيس المنتدى عبد الكريم الخليل وثيقةً فكرية، وتاريخية تجسّد الفلسفة النهضوية للمنتدى الأدبي، إذ تجاوزت بصفتها خطابًا بروتوكوليًّا لتصبح ورقة عمل استراتيجية تشخّص أزمات الأمة العربية في مطلع القرن العشرين وتطرح حلولًا هيكلية لها. ويمكن تلخيص الأفكار الجوهرية للخطبة وفق المحاور الآتية:

أولًا: التشخيص السياسي والاجتماعي؛ استند الخليل في رؤيته إلى تحليل واقع الأمة العربية ضمن إطار الدولة العثمانية، مشيرًا إلى ما أسماه "فجوة التعارف" بين الأقطار العربية. فعلى الرغم من امتلاك العرب للمقومات الطبيعية، والذكاء الفطري، فإنهم يعانون من العزلة البينية؛ إذ لا يشعر القُطْري بآلام الآخر، مما أدى إلى تراجع وزنهم السياسي أمام العناصر الأخرى في المملكة. وخلص إلى أن "العمل الجماعي" هو السبيل الوحيد لانتزاع مكانة تليق بحجم الأمة وثرواتها.

ثانيًا: إشكالية التشتّت التربوي وأزمة الهوية؛ قدّم الخليل أطروحةً نقدية عميقة حول مسببات التشرذم العربي، موضحًا أن الروابط التقليدية (وحدة اللسان، والتاريخ، والوطن) لم تعد كافية لتوحيد الغايات والقلوب. وأرجع ذلك إلى "فوضى المناهج والتربية" التي أنتجت نماذج بشرية متنافرة تعاني التفكك القيمي، بين مغالٍ في التدين أو الإلحاد. وكذلك الاستلاب الثقافي بين "التفرنج" والجمود على القديم، أو الذوبان في عادات القوى الأجنبية (الفرنسية، البريطانية، الروسية، وغيرها). ورأى أن هذا التباعد في "التربية الأدبية" جعل من الصعب جمع الأمة على رأي واحد، مشبهًا محاولة توحيدهم في ظل هذا التشتت التربوي بـ "الجمع بين الماء والنار".

ثالثًا: المدرسة الأهلية بوصفها أداة للتحرر القومي؛ حدد الخطاب العلم الصحيح بوصفه علاجًا وحيدًا للجهل والتبعية، مع التمييز بين أنواع المؤسسات التعليمية، إذ عدّ المدارس الرسمية قاصرة في تنمية الشعور القومي، بينما رأى في المدارس الأجنبية غايات مريبة تخدم مصالح دولها. فطالب بالتعويل على "المدارس الأهلية"، وهي التي تنشأ بإرادة الأمة وتمويلها، إذ دعا إلى إصلاحها لتكون محاضن لـ "الشعور القومي المفيد" وبناء قوى الاعتماد على الذات.

رابعًا: استراتيجية إصلاح التعليم الابتدائي؛ طرح الخليل "لائحة المبادئ العشرة" التي ترتكز على فلسفة أن التعليم الابتدائي هو الأساس الأخلاقي والتربوي الذي تُبنى عليه المراحل اللاحقة كافة.

وقد نال هذا الطرح تأييدًا واسعًا من كبار الشخصيات الحاضرة، إذ تعاقب على المنبر كل من عبد الحميد الزهراوي، وشكري العسلي، ومعروف الرصافي الذي ختم الحفل بقصيدة مطوّلة عن العلم في نهضة الأمة، معلنين جميعًا التزامهم بتنفيذ بنود اللائحة في دوائرهم الانتخابية[39].

بنود لائحة إصلاح التعليم

تضمنت اللائحة التي تلاها الخليل على الحاضرين، عشرة مبادئ أساسية، هدفت إلى توطين التعليم وجعله أداة؛ لبناء الشخصية العربية المستقلة، وهي:

  1. أن يقسم كل نائب دائرته الانتخابية الى أقسام حسب المواقع الطبيعية، ويؤلف في كل قسم منها لجنة من ذوي "الغيرة والبصيرة" يُعهد إليها النظر في تعميم التعليم الابتدائي.
  2. يُؤلف في كل دائرة لجنة من ذوي الاختصاص يُعهد إليها ترتيب برنامج لإصلاح المدارس الابتدائية وسير التعليم فيها، متخذة جهة التوحيد وما يتوقف عليه من الأسباب أساسًا لهذا البرنامج.
  3. يُنتخب من كل لجنة مندوبون لمؤتمر يعقده النواب الكرام إذ يشاؤون في الزمن الذي يعينونه للبحث في جميع البرامج الموضوعة من قبل اللجان، واستخلاص برنامج منها يكون دستور العمل في سائر البلاد العربية.
  4. يُبحث في هذا المؤتمر عما يلزم من الكتب التدريسية المطابقة لروح البرنامج وانتخاب الموجود منها في سائر الأقطار العربية، وتعيين ما هو أشد موافقة لتوحيد التعليم فتكون الروح الحاصلة من دراستها واحدة ومؤدية إلى إحداث شعور واحد في نفوس الطلاب.
  5. يعيِّن المؤتمر العام لجنة موظّفة من أهل الاختصاص لوضع الكتب التي تمس الحاجة إليها.
  6. أن يبحث كل نائب في دائرته الأسباب المؤدية إلى ترقية الموجود من المدارس الابتدائية ترقية مادية معنوية ويسعى في إيجاد ما ينبغي إيجاده منها، ويعرض نتيجة ذلك على المؤتمر العام.
  7. أن يتفاوض المؤتمر العام في إنشاء مدرسة لتخريج معلمين للمدارس الابتدائية تدعى "دار المعلمين"، وتُنشأ فعلًا على أن تكون نفقاتها مما تجمعه كل لجنة من اللجان إعانة لهذا المشروع فتكون شاملة لسائر الأهالي وغير متجاوزة قرشًا واحدًا سنويًّا.
  8. يتعهّد المنتدى الأدبي بإدخال ستة طلاب من متخرجي المدارس الإعدادية إلى دار الفنون في هذه السنة والإنفاق عليهم مدة دراستهم، على أن يكونوا معلمين في هذه المدرسة.
  9. يتعهد المنتدى بتأدية نفقات ما ينبغي طبعه ونشره من الكتب التي تضعها لجنة التأليف.
  10. يتعهد أعضاء المنتدى أنهم أينما وجدوا وحيثما حلّوا يتخذون وظيفة التعليم في هذه المدارس الابتدائية من أقدس واجباتهم ويجعلونها في الدرجة الأولى من اهتمامهم والوظيفة التي يعينون إليها في الدرجة الثانية، سواء أكانت كتابية، أو عضوية، أو رئاسية، أو قائمقامية، أو متصرفية، أو ولاية. ويؤكدون ذلك بالأقسام المغلّظة والعهود الوثيقة أمام ضمائرهم وأمتهم[40].

 جولة الخليل في مصر وبلاد الشام

انتقل مشروع إصلاح التعليم من حيز التنظير في الآستانة إلى حيز التنفيذ الميداني عبر جولة تاريخية قام بها رئيس المنتدى عبد الكريم الخليل شملت مصر، وبلاد الشام، لجمع الدعم وتأسيس لجان مساندة. وقد حظيت اللائحة بترحيب استثنائي في مصر، إذ نُشرت في كبريات الصحف المصرية آنذاك، ومنها جرائد المؤيد والعلم والمقطم والأهرام. واستجابةً للدعوة التي أطلقها الخليل، خلال زيارته إلى مصر في صيف 1911، تشكلت لجنة عليا لمساندة هذا المشروع تجلت فيها القيمة الرمزية في تنوع تشكيلها الذي ضم 17 عضوًا من أعيان مصر، ومثقفيها من مختلف الأطياف الفكرية والدينية، الأمر الذي عكس إجماعًا وطنيًّا وقوميًّا حول ضرورة تعريب التعليم وإصلاحه. وقد جاء الهيكل التنظيمي للجنة المساندة في مصر على النحو الآتي:

رئاسة اللجنة: محمد باشا الشريعي.

الوكالة: رفيق بك العظم.

كتابة السر: عبد الخالق بك مدكور.

أمانة الصندوق: حسن بك عبد الرازق.

أما قائمة الأعضاء المؤسسين فقد ضمت نخبة من رواد الفكر والسياسة والأدب، وهم: أحمد بك تيمور، الأديب والمؤرخ الشهير؛ وأثناسيوس مطران السريان؛ وسامي أفندي الجريديني، المحامي المعروف؛ والدكتور شبلي شميل، المفكر والطبيب المعروف؛ والشيخ طنطاوي جوهري صاحب التفسير والمفكر الإسلامي؛ وعارف بك المارديني، من الوجهاء والمفكرين؛ وعبد الحميد أفندي حمدي، مأمور الإدارة؛ وعبد الستار أفندي الباسل، من أعيان الفيوم؛ والشيخ محمد المهدي، من علماء الدين المبرزين؛ ومحمد علي أفندي كامل، المحامي والحقوقي؛ ومحمود بك سالم، المحامي والناشط السياسي؛ ونقولا أفندي شحادة، الصحفي والمثقف؛ ويوسف دريان، مطران الموارنة[41].

بعد القاهرة، زار عبد الكريم الخليل غالبية مدن فلسطين، فبدأ جولته من عكا، إذ التقى أعيان المدينة وشرح لهم تفاصيل المشروع، ولقي منهم قبولًا، وحصل على تعهد من نائب عكا الشيخ أسعد الشقيري بإنجاح المهمة، ثم قصد حيفا؛ لبحث المشروع مع نخبها[42]. وبعد أن زار مدن الداخل الفلسطيني مثل نابلس والقدس، توجه إلى غزة قادمًا من يافا. وعلى الرغم من الحفاوة الإعلامية التي استقبلته بها جريدة فلسطين، إذ رحبت بزيارته ووصفته بـ"الغيور"، فإن ملامح الاستجابة في يافا والقدس بدت غامضة، إذ اكتفت الصحافة المحلية بتسجيل الزيارة مع توجيه نداء رجت فيه أن تجد دعوة الخليل "إجابة صحيحة" وتفاعلًا ملموسًا من السراة والأدباء والوجهاء في المدينة[43].

ويبدو أن غزة كانت الأكثر حماسًا للمشروع، إذ تكللت مساعيه بالنجاح في تأليف لجنةٍ محلية وازنة من أعيان المدينة ووجهائها لتبني هذا المشروع والإشراف عليه. وتألفت هذه اللجنة من نخبة من الشخصيات المؤثّرة في هذه المدينة الساحلية، شملت: يوسف أفندي طهبوب، نائب غزة في مجلس المبعوثان، وأحمد عارف الحسيني، مفتي المدينة، والحاج سعيد أفندي الشوا، رئيس البلدية، وعثمان سلطان، معاون المدعي العمومي. بالإضافة إلى عبد الله الفيشاوي، وفهمي الحسيني، وخليل بسيسو، ووفا العلمي، والدكتور قسطندي الحلبي. وقد عكس التفاعل المجتمعي في غزة مع هذه المبادرة وعيًا متقدمًا بضرورة الاستقلال التربوي، إذ بلغ عدد المؤسسين المكتتبين في المشروع اثنتين وثلاثين شخصية من أعيان المدينة، قدّموا دعمًا ماليًّا فوريًّا قدره مئة وخمسون ليرة عثمانية، مع الالتزام بتقديم مبلغ مماثل بصفة سنوية لضمان استمرارية المدارس وتطويرها[44].

من الأخوَّة العثمانية إلى الهوية العربية

دافع المنتدى في بداياته عن الوحدة العثمانية بوصفها إطارًا جامعًا لمواطني السلطنة جميعهم بمختلف انتماءاتهم القومية[45]، وحرص مؤسسوه على إظهار ارتباطهم بروح الدولة لتسهيل التواصل مع الأوساط التركية، وهو ما تجلى في تنظيمهم فعاليات لدعم الحكومة العثمانية أشهرها مهرجانهم الكبير لدعم القوات العسكرية العثمانية المتجهة للقتال على جبهة حرب البلقان، وقد احتفت الصحافة العثمانية التركية بهذا المهرجان ونشرت صوره في صفحاتها[46].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


وعززت صحيفة فتى العرب البيروتية ما ورد في الصحافة العثمانية التركية حول ذلك الحراك، فركّزت على عرض المشاركة الفاعلة للمنتدى الأدبي في المظاهرات الحماسية التي اجتاحت شوارع الآستانة يومها. فبينما كانت مئات الحناجر تتردد بالأناشيد العربية الحماسية، استرعى هذا الزخم انتباه الدوائر الدبلوماسية، إذ أكد أحد موظفي السفارة البريطانية للمتظاهرين مشاركة بلاده للعثمانيين في عواطفهم، حسب الصحيفة. وعند وصول المسيرة إلى السراي السلطاني، تصدّر المشهد الشيخ عبد الله المؤذن، من طرابلس الشام، والشيخ أحمد اللبابيدي، من غزة، اللذين ألقيا كلمتين أمام السلطان محمد رشاد، وشيخ الإسلام، شدّدا فيهما على إخلاص العرب للدولة وغيرتهم على سلامتها، وهو ما استدعى ردًا سلطانيًّا لافتًا وصف فيه العنصر العربي بـ"الابن البكر" من بين عناصر السلطنة كافة، معربًا عن بالغ سروره بإخلاصهم[47].

ومع تصاعد التعصب التركي، ولا سيّما بعد انقلاب الاتحاد والترقي العسكري بقيادة الثلاثي أنور وطلعت، وجمال، على الديمقراطية، أواخر كانون الثاني/ يناير 1913 بدأ إيمان النخب الثقافية والسياسية العربية بالرابطة العثمانية الجامعة يخفت، مما دفع كثيرًا من أعضاء المنتدى الفاعلين نحو تبنّي الدعوة إلى اللامركزية، الأمر الذي انعكس على نشاطاته فتحول من مركز ثقافي معني بنشر الثقافة العربية، إلى محرك رئيس للفكر القومي[48]. وقد تجلّى هذا التحول بوضوح في مشاركة شخصيات سياسية في الحوارات التي كان تعقد في مقر المنتدى، بما في ذلك ضباط من جمعية العهد السرية[49].


وشهدت قاعة المنتدى في تشرين الثاني/ نوڤمبر 1913 تظاهرة كبرى بمناسبة عودة عبد الحميد الزهراوي إلى عاصمة السلطنة بعد غياب تلا ترؤسه المؤتمر العربي الأول في باريس. ووفقًا لمراسل جريدة المهذب الزحلاوية في الآستانة، فإن الاستقبال تجاوز البروتوكولات التقليدية ليتحول إلى مشهد مهيب عكس تنامي اللحمة بين النخب الفكرية والعسكرية العربية. وكان لافتًا في هذا الاحتفال الحاشد، المشاركة الكثيفة للضباط العرب الذين شكلوا مع وفود المستقبلين طليعة الجمع الذي رافق الزهراوي إلى مقر المنتدى الأدبي. وقد سجلت الصحيفة لحظات الانفعال القومي فكانت الحناجر تصدح بهتاف واحد: "فليحيَ الزعيم العربي"، في إشارة واضحة إلى المبايعة الشعبية والعسكرية للزهراوي بوصفه رمزًا للمطالب العربية في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ الدولة العثمانية[50].

ويذكر جمال باشا أنه تفاوض مع رئيس المنتدى عبد الكريم الخليل بعد المؤتمر العربي الأول في باريس حول مطالب شكلت برنامج الحركة العربية في العاصمة العثمانية، معربًا في مذكراته عن نظرة استعلائية وتشكيكية في نوايا الزعماء العرب، إذ عدّ غايتهم الأساسية هي الحصول على مناصب رفيعة في الآستانة، وليس الإصلاح الجذري. ورغم هذا التوجّس، أفضت المفاوضات التي جرت مرارًا مع الخليل، وعبد الحميد الزهراوي في فندق كروكر في حي بيرا، إلى وضع اتفاقية شاملة تضمنت قواعد إصلاحية جوهرية، أبرزها:

  1. تسليم الأعمال الإدارية للسلطات الوطنية وفقًا لقانون إدارة الولايات.
  2. اعتماد اللغة العربية لغة التعليم الابتدائي والثانوي في المدارس الوطنية.
  3. استخدام العربية في إجراءات قانونية محددة.
  4. إضافة الصيغة العربية لإعلانات المحاكم والأحكام المدنية والجنائية.
  5. قبول العرائض المقدمة للسلطات الرسمية باللغة العربية.
  6. تعيين شخصيات عربية في مناصب رفيعة مثل "مجلس الأعيان"، و"مجلس الدولة"، و"محكمة الاستئناف"، و"دار الإفتاء".

وقد أشار جمال باشا إلى أن هذه الإصلاحات قد نُفذت بالفعل بعد موافقة الحكومة العثمانية عليها، رغم التوترات الكامنة التي أشار إليها في تعليقه على دور طلعت بك في هذه المسارات[51].

وفي تلك الفترة أظهر زعماء جمعية الاتحاد والترقي حرصًا على زيارة المنتدى بصفة دورية؛ لتوثيق الصلات مع نخبته، إلى درجة أنّ قادة البلاد الثلاثة: طلعت بيك، وزير الداخلية آنذاك، وجمال باشا، وزير البحرية، وأنور باشا، وزير الحربية، حضروا الاحتفال الذي نظمه المنتدى بذكرى المولد النبوي الشريف[52].

وقد صور الأمير مصطفى الشهابي، أحد أعضاء المنتدى، أجواء الحوار والتوجهات الفكرية التي سادت المنتدى، واصفًا إياه بأنه كان "مباءة العروبة في عاصمة الدولة"، مشيرًا إلى دوره الحيوي فهو حاضنة فكرية ونقطة التقاء للأجيال، تلقّى فيه الطلاب الجدد مبادئ القومية العربية ومراميها على أيدي من سبقهم في الدراسة. وأكّد أن النشاط الفكري لم يكن بمعزل عن السياق السياسي، إذ شكل المنتدى فضاءً حيويًّا لدراسة خطط جمعية الاتحاد والترقي ومناقشتها الرامية إلى تسييد القومية التركية والقضاء على القوميات الأخرى في الدولة. وقد تجلت هذه الأهداف القومية بوضوح عبر المحاضرات، والخطب، والحفلات الوطنية، والنتاج الأدبي المنشور في مجلة المنتدى، بالإضافة إلى النقاشات المستفيضة بين الأعضاء وزوار المنتدى من نواب، وساسة، وموظفين، والجالية العربية المقيمة في العاصمة. ويخلص الشهابي في تحليله إلى أن المنتدى طوى في جنباته نزوعًا عميقًا نحو الأهداف القومية، متخذًا من الأنشطة الأدبية والاجتماعية إطارًا ظاهريًّا لمشروعه السياسي[53].


المنتدى تحت المجهر الأمني

تكشف الوثائق السرية المستخرجة من أرشيف نظارة الداخلية، ومديرية الأمن العام العثمانية عن صياغة "ملف أمني" متكامل، سعت من خلاله السلطات الأمنية إلى تكييف النشاط الثقافي والتربوي للمنتدى الأدبي بوصفه حراكًا ثوريًّا انفصاليًّا. هذا الملف لم يتشكّل من فراغ، بل استند إلى تقارير استخباراتية ميدانية، وتأويلات سياسية للأهداف التعليمية، واعتماد كلي على "مخبرين" من داخل الهيكل التنظيمي للمنتدى، وصولًا إلى مصادرة الأرشيف الورقي والمالي؛ لتقديمه بوصفه قرائنَ إدانة أمام ديوان الحرب العرفي في عاليه.

جولة رئيس المنتدى في جنوب لبنان

مثّل التقرير الاستخباري، المرفوع من إبراهيم حقي قائد مفرزة الدرك في قضاء مرجعيون، الحلقة الأولى في سلسلة التضييق الأمني على النخب العربية، إذ يكشف عن كيفية تحويل النشاط التربوي والاجتماعي إلى تهمة سياسية جنائية تحت مسمى "العصيان". ووفقًا للمراسلات السرية المتبادلة بين والي بيروت مسعود أدهم وقائمقام مرجعيون، رصدت قيادة لواء الدرك تحركات مكثفة لرئيس المنتدى الأدبي، عبد الكريم الخليل، خلال عطلة العيد في أواخر عام 1912. ويشير التقرير بلهجة أمنية حذرة إلى أن الخليل انتقل من الآستانة إلى منطقة صور، في الجنوب اللبناني، ليصطحب معه ثلة من المتنفذين في رحلة استطلاعية شملت قضاء مرجعيون. وتؤكد الرواية الأمنية أن الخليل عقد اجتماعات في قرية بنت جبيل وبلدة الطيبة، بحضور شخصيات سياسية وازنة، من أبرزها رئيس بلدية صفد. وحسب ادعاءات قائد مفرزة الدرك، فإن الخليل لم يكتفِ بنقاش الشؤون الأدبية، بل تجاوزها إلى الدعوة الصريحة لإلحاق منطقة جبل عامل بمصر، وهو ما عدّته السلطات العثمانية دعوة مباشرة إلى الانفصال وإثارة "موجة من العصيان" ضد الحكومة. ولم يقتصر التوجس الأمني من هذا الاجتماع على الحضور الإسلامي، بل أشار التقرير إلى انضمام "نصارى صور" إلى هذه الحلقة السياسية، الأمر الذي أعطى الحراك طابعًا وطنيًّا عابرًا للطوائف، زاد من قلق الوالي مسعود أدهم. وبناءً على المعلومات التي أفادت بنية الخليل توسيع نطاق جولته لتشمل لواء نابلس في فلسطين، أصدرت الولاية أوامرها المشددة باليقظة والحذر، مع التوصية بإجراء تحقيقات واستطلاعات دقيقة؛ للتحقق من صحة هذه الأخبار ودرجة خطورتها على استقرار الدولة[54].


تتمحور أهمية هذا التقرير في أنه يُظهر كيف بدأت السلطة المركزية في قراءة طموحات المنتدى الأدبي التعليمية، ولا سيّما محاولات ربط المناهج التربوية العربية بعضها ببعضها الآخر بما فيها المناهج المصرية، بوصفها خطرًا جيوسياسيًّا يستهدف وحدة الأراضي العثمانية.

تكثيف المراقبة على أعضاء المنتدى


على الرغم مما تمتع به عبد الكريم الخليل، رئيس المنتدى الأدبي، من علاقات مع قيادات جمعية الاتحاد والترقي بعد انقلابهم العسكري في الثالث والعشرين من كانون الثاني/ يناير 1913، ومكانة مرموقة بين الأوساط العربية، فإن السياسة العثمانية بدأت تعمل ضده مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. ففي خريف عام 1914، وأثناء تنقله المستمر بين ولايتي سورية، وبيروت، أُثيرت الشكوك حول طبيعة تحركاته، إذ لم يكن والي بيروت حينها على بينة من أمره، وما إذا كان الخليل يتحرك بتفويض رسمي من الحكومة المركزية أم بوازع شخصي. وفي محاولة لاستجلاء الموقف، رفع والي بيروت برقية مشفرة إلى الآستانة يُفيد فيها بأن الخليل يعتزم التوجه إلى مصر، ويُبدي رغبته في نقل رسائل حكومية إلى تلك الجهات إذا اقتضت المصلحة، مستفسرًا عن الصيغة الملائمة للتعامل معه[55].

وجاء الرد حاسمًا وقاطعًا من وزير الداخلية، طلعت بيك، في 13 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1914، إذ أفاد بأن: "عبد الكريم الخليل ليس شخصًا موثوقًا به في نظرنا، لذا لا يجوز له الذهاب إلى مصر"، مع توجيه صريح بوضع أنشطته كافة تحت المراقبة اللصيقة[56].

وتكشف هذه البرقية عن فقدان الخليل لحظوته السياسية، وسط توجس السلطة من سعيه الفعلي للتنسيق مع أقطاب حزب اللامركزية في القاهرة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي 18 كانون الأول/ ديسمبر 1914، وجّه قائد الجيش الرابع أحمد جمال باشا استفسارًا مماثلًا لنظارة الداخلية عبر برقية مشفّرة، يتساءل فيها عما إذا كان يتوجب تغيير "المعاملة القديمة" التي كانت تمنح الخليل وأنصاره [أعضاء المنتدى الأدبي] ميزات خاصة؛ نظرًا إلى مكانته الاعتبارية[57].


وجاء رد طلعت بيك بمنزلة الضوء الأخضر لتصفية النفوذ السياسي للمنتدى، إذ أجاب: "بما أنه لا تربطنا أي علاقة بعبد الكريم الخليل وأنصاره، فيمكنكم معاملتهم كما ترون مناسبًا وفقًا لما تمليه الظروف، ودون منحهم نفوذًا كبيرًا[58]. إن تكرار طلعت بيك لعبارة "وأنصاره" يحمل دلالة أمنية بالغة الخطورة، إذ لم يكن يستهدف الخليل بوصفه فردًا، بل كان يقصد تجفيف منابع التأثير السياسي لأعضاء المنتدى والمتعاونين معهم.

بحلول عام 1915، انتقلت العلاقة بين القائد العسكري جمال باشا ورئاسة المنتدى الأدبي من مرحلة التوجس السياسي إلى الملاحقة الأمنية المباشرة. فقد أخضع جمال باشا كلًا من عبد الكريم الخليل، وأعضاء بارزين آخرين في المنتدى لرقابة لصيقة شملت تحركاتهم واتصالاتهم، ولا سيّما مع تزايد وتيرة الحرب، وخشية السلطة العسكرية من وجود "طابور خامس" في الولايات العربية. وتشير الوثائق التاريخية والمراسلات المشفرة إلى أن جمال باشا لم يكتفِ بالمراقبة، بل كان مندفعًا نحو تصفية الدور السياسي للمنتدى، إذ أبرق إلى العاصمة في مناسبات عدة طلبًا للحصول على إذن رسمي لاعتقال الخليل[59]. إلا أن الآستانة، ممثلة في وزارة الداخلية بقيادة طلعت بيك، كانت تتريث في البداية بانتظار اكتمال "الملف الأمني" وتوفّر أدلة ملموسة يمكن تقديمها لديوان الحرب العرفي؛ لضمان أن يكون الاعتقال مدخلًا لمحاكمة سياسية كبرى تُنهي نفوذ المنتدى الأدبي.

صناعة أدلة الإدانة

في خطوة مفصلية لإنهاء النفوذ السياسي للرموز العربية، أبرق جمال باشا، إلى الآستانة في الحادي والثلاثين من أيار/ مايو 1915، معلنًا صدور أوامره الرسمية باعتقال رضا الصلح، وعبد الكريم الخليل، وإحالتهما فورًا إلى المحكمة العسكرية العرفية في عاليه. وتكشف تفاصيل البرقية عن استراتيجية جمال باشا في شرعنة هذا الاعتقال، إذ لم يكتفِ بالإجراء التنفيذي، بل طالب المديرية العامة للأمن في العاصمة بإرسال الوثائق والمراسلات والتقارير التي بحوزتها كافة، والتي يمكن توظيفها بوصفها "قرائن إدانة" مادية ضد المنظمات والجمعيات التي يقودها الرجلان[60]. كان الهدف من هذا الطلب هو تكييف النشاط الثقافي والاجتماعي للمنتدى الأدبي وجمعية اللامركزية، وتأطيره ضمن تهم "الخيانة العظمى" والتآمر ضد أمن الدولة العلية.

تبلورت لائحة الاتهام ضد عبد الكريم الخليل ورضا الصلح بناءً على قراءة أمنية متوجسة من تحركاتهما الميدانية عقب صدور قرار منعهما من السفر. فوفقًا لما أقر به جمال باشا، وانعكس صراحةً في المراسلات الرسمية بين ولاية بيروت ونظارة الداخلية في إسطنبول، اعتبرت السلطات أن "الحرمان من السفر" كان الشرارة التي دفعت الرجلين لتغيير استراتيجيتهما من العمل السياسي إلى التحريض الميداني. وتلخص الادعاء في أن الخليل، بعدما اصطدم برفض السلطات منحه إذنًا بالتوجه إلى مصر في خريف 1914، شرع في القيام بجولات مكثفة برفقة نائب بيروت السابق رضا الصلح في مناطق صور، وصيدا. كانت وجهة النظر الأمنية العثمانية ترى أن اختيار هذه المناطق لم يكن عفويًّا، بل استنادًا إلى النفوذ العائلي والاجتماعي الواسع الذي تتمتع به عائلتا الخليل والصلح في جنوب لبنان، وذلك ما يمنحهما غطاءً شعبيًّا وقدرة على التعبئة[61].


مخطط التصفية

في خضم التحديات العسكرية الكبرى التي واجهتها الدولة العثمانية، ولا سيّما أثناء هجوم الحلفاء على جناق قلعة (غاليبولي)، أرسل جمال باشا برقية إلى الآستانة تضمنت تقييمًا أمنيًا بالغ الخطورة حول تحركات النخب العربية في سورية. فقد كشف جمال باشا عن إرسال "مفارز ملاحقة" لتعقب عبد الكريم الخليل، ورضا الصلح، مبررًا ذلك بنشاطهما الدعائي الذي كان يبشر بـ"نهاية السلطنة العثمانية"، وهي الدعاية التي عدّها جمال باشا طعنة في ظهر المجهود الحربي وزعزعة للجبهة الداخلية في وقت حرج. وتكشف ذات البرقية عن تفصيل تاريخي "مثير للاهتمام" يعكس عمق الخلاف أو تباين التكتيكات بين أقطاب السلطة في الآستانة، إذ صرّح جمال باشا إلى وزير الداخلية طلعت بيك بأنه كان قد عقد العزم فعليًّا على "تصفية" عبد الحميد الزهراوي؛ لإنهاء تأثيره السياسي، إلا أن تدخل طلعت بيك المباشر هو الذي حال دون تنفيذ ذلك المخطط في حينها[62]. وتُظهر هذه المراسلات أن جمال باشا كان ينظر إلى قادة المنتدى الأدبي، والحركة العربية بوصفهما خطرًا داهمًا يجب استئصاله عسكريًّا، فيما كانت الآستانة في تلك المرحلة تحاول موازنة الأمور قبل أن يطلق جمال باشا يده لاحقًا في تنفيذ الإعدامات، والملاحقات التي شملت الزهراوي، والخليل ومجموعة من رفاقهم تحت غطاء ديوان الحرب العرفي.

بعد اعتقال عبد الكريم الخليل، بدأت مرحلة "المواجهة بالوثائق"، إذ أدت عمليات التفتيش الدقيق لمقتنياته الشخصية إلى الكشف عن ثغرات أمنية خطيرة داخل أجهزة الدولة العثمانية. فقد عُثر بين أوراقه الخاصة على صيد استخباري ثمين تمثل في أصل المراسلة الرسمية السرية المؤرخة في 23 كانون الأول/ ديسمبر 1912، والموجهة من ولاية بيروت إلى قائمقامية مرجعيون (وهي الوثيقة التي رصدت جولته في الجنوب واتهمته بالتحريض على إلحاق جبل عامل بحكومة مصر). أثار وجود هذه الوثيقة الحكومية الحساسة في يد "متهم بالخيانة" حالة من الاستنفار الأمني في الآستانة، ففي 18 تموز/ يوليو 1915، أبرق وزير الداخلية طلعت بيك إلى قيادة الجيش الرابع بطلب فتح تحقيق فوري وموسع؛ للكشف عن كيفية تسرّب هذه الوثيقة السرية من الدوائر الحكومية وصولًا إلى يد عبد الكريم الخليل[63].



وبينما كانت محاكمات "عاليه" تمضي نحو ذروتها، شهد مسار التحقيق منعطفًا دراماتيكيًّا في 17 آب/ أغسطس 1915، حين أرسل وزير الداخلية طلعت بيك برقية سرية إلى جمال باشا تتضمن اعترافات وشهادات بالغة الخطورة، نُسبت إلى الضابط الاحتياطي عفيف الصلح، نجل رضا الصلح. وقد شكلت هذه البرقية حجر الزاوية في بناء السردية الجنائية التي أدت لاحقًا إلى إعدام قادة الحركة العربية، ويمكن تفصيل مضامينها وفق المحاور الآتية:

أولًا: مخطط الانتفاضة العسكرية والارتباط بالضباط: نقلت البرقية ادعاءات مفادها أن عبد الكريم الخليل لم يكن يقود حراكًا سياسيًّا فحسب، بل كان يُعِدّ لانتفاضة مسلحة شاملة في سورية. وزعمت التحقيقات أن الخليل نجح في استقطاب نحو أربعين ضابطًا من المرابطين في حلب ودمشق؛ ليكونوا نواة هذا التحرك العسكري. وحسب شهادة عفيف الصلح المذكورة، فقد أمره الخليل بالبقاء على أهبة الاستعداد في دمشق، مؤكدًا له أن "الأموال اللازمة" لتمويل الثورة في طريقها للوصول.

ثانيًا: شبكات التواصل ومخطط الاغتيال: تضمنت لائحة الاتهامات الواردة في البرقية تفاصيل حول آليات التنسيق السري، إذ زُعم أن الخليل وأعوانه كانوا يتخذون من الكنيسة الأميركية في بيروت مركزًا للتواصل وتبادل الرسائل بعيدًا عن أعين الرقابة العثمانية. والأخطر من ذلك، ما ورد حول اجتماع عُقد في منزل رجل يُدعى "معمر" في دمشق يوم اعتقال الخليل، إذ ناقش المجتمعون وفقًا للادعاء التخطيط لعملية اغتيال جمال باشا شخصيًّا، عادّين أن تصفيته ستكون الشرارة الكفيلة بإشعال فتيل الثورة في عموم البلاد.

ثالثًا: حلقة الشركاء والملاحقات الجديدة: كشفت البرقية أيضًا عن خريطة تواري بقية الأعضاء، مشيرة إلى أن الفارين عبد الغني العريسي، وعز الدين التنوخي، وجلال البخاري يختبئون في منطقة حوران الوعرة. كما حددت أكثر الأسماء ثقة وقربًا من الخليل، ومنهم معين الماضي، الموظف في مديرية الطباعة ببيروت، والضابط الاحتياطي في دمشق رفيق رزق سلوم[64].

إعدام رئيس المنتدى وملاحقة الأعضاء

بالتوازي مع المحاكمات الجارية في ديوان الحرب العرفي، استمرت عمليات التقصي الأمني في إسطنبول حتى نهاية تموز/ يوليو 1915؛ بهدف تفكيك الشبكة التنظيمية لـلمنتدى الأدبي من مركزها الرئيس. وقد أدى قسم شرطة العاصمة دورًا محوريًّا في هذه المرحلة عبر مداهمة مقار أعضاء الجمعية ومساكنهم، الأمر الذي أسفر عن ضبط وثائق ومراسلات تنظيمية بالغة الحساسية[65].

وفي سياق حملة التطهير التي طالت أعضاء المنتدى الأدبي، رصدت مديرية الشرطة في الآستانة تحرّكات سيف الدين الخطيب، عضو المنتدى الأدبي. وفي برقية رُفعت إلى جمال باشا في السادس من كانون الأول/ ديسمبر، صُنِّف الخطيب بوصفه شخصية بارزة وفاعلة في المنتدى، مستشهدةً بمكانته العلمية فقد ألّف أعمالًا فكرية (بالتركية العثمانية) مثل "يمن استجلاب نظر دقة"، و"كلمات داملاري". وما ضاعف من ريبة السلطات تجاهه هو سجل تحركاته الخارجية، إذ أشارت البرقية إلى رحلة له إلى مصر بتكليف من المنتدى، وبصحبة شخصية ذات ثقل مثل الشيخ رشيد رضا، صاحب مجلة المنار. كانت هذه الرفقة كفيلة في نظر القيادة العسكرية بربط الخطيب بدوائر "اللامركزية" في القاهرة، فصار اعتقاله أمرًا ملحًا في نظر جمال باشا. ومع ذلك، حملت الخاتمة الأمنية لهذا الملف تقييمًا مفاجئًا، فبعد احتجاز سيف الدين الخطيب لفترة وجيزة، صرّح قائد الشرطة في الآستانة بأن الرجل، وعلى الرغم من علاقاته فإنه "سهل الانخداع"، مؤكدًا خلوّ ملفه من الأدلة المادية الكافية التي تبرر استمرار اعتقاله أو إلحاقه بقوافل المحاكمين في عاليه[66].

في الوقت الذي كانت فيه أجهزة الأمن في الأستانة تستعد لتوجيه الضربة القاضية للمنتدى الأدبي عبر مصادرة سجلاته، اصطدمت القوة المداهمة لمقر الجمعية بنتيجة مخيبة لآمال جمال باشا، إذ لم يُعثر على أي وثائق تنظيمية أو مراسلات رسمية داخل المقر. ووفقًا للتقارير المرفوعة حينها ادُّعي أن الوثائق الحساسة كافة قد "سُرقت" أو هُرّبت وأُتلِفت قبل وقت قصير من بدء عملية التفتيش الرسمية[67]. ونتيجة لذلك واجهت هيئة المحكمة العسكرية في "عاليه" معضلة إجرائية عند بدء استجواب عبد الكريم الخليل، إذ إن الوثائق التنظيمية التي كان جمال باشا يُعول على إحضارها من أرشيف المنتدى في إسطنبول لم تكن متوفرة. وأمام هذا النقص في الأدلة المادية المركزية، عمد الادعاء العسكري إلى استراتيجية "تراكم الملفات" عبر دمج اتهامات قديمة متمثلة ببرقية 1912[68]، ببلاغات حديثة لتشكيل إدانة متكاملة.

وفي نص قرار اتهامه والحكم بإعدامه، أنه كان مع رضا بك الصلح في كل تحركاته أثناء الحرب العامة، وخلاف ذلك فإنه كان من ضمن الداخلين في الجمعية اللامركزية وتشكيلاتها السرية، وسافر إلى مصر واشترك في مذكرات اللامركزية. وفي صباح يوم 21 آب/ أغسطس 1915 أعدمَ عبد الكريم شنقًا مع رفاقه قافلة الشهداء الأولى في ساحة البرج في بيروت[69].

وعلى الرغم من إعدام عبد الكريم الخليل، فإن التحقيقات في ملف المنتدى الأدبي لم تتوقف، بل أخذت منحًى استخباراتيًّا أعمق في نهاية عام 1915. ففي 22 كانون الأول/ ديسمبر 1915، وجّه جمال باشا طلبًا ملحًا إلى مديرية شرطة إسطنبول يقضي بضرورة وضع اليد على صورة فوتوغرافية جماعية التُقطت في مقر المنتدى في الآستانة، وتحديد هوية الضباط العرب الذين ظهروا فيها. كان الهدف من هذا الإجراء هو تقديم "دليل بصري" قاطع أمام المحكمة العسكرية في عاليه يثبت وجود صلة عضوية وميدانية بين عبد الكريم الخليل، ورفاقه من جهة، وبين نخبة من الضباط العرب في الجيش العثماني من جهة أخرى[70]. وبالفعل عُثر على صور تخص المنتدى من بينها الصورة المطلوبة، وأرسلت بالبريد إلى محكمة ديوان الحرب العرفي[71].

حمدي المارديني المخبر المزدوج

يبرز في ثنايا الملف الأمني اسم أحمد حمدي المارديني، بوصفه شخصية محورية ومشبوهة أدت دورًا مزدوجًا في تقويض المنتدى. كان المارديني عضوًا قديمًا في المنتدى، ومطلعًا على أدق أسراره، وتحوّل إلى "مخبر" يعمل لصالح مديرية الأمن العام في إسطنبول. وتكشف إحدى الوثائق أن المارديني، برفقة أحد زملائه، تقدّم بطلب رسمي لمديرية الأمن لـ"فسخ جمعية المنتدى الأدبي بدعوى تصرفات مضرة"، الأمر الذي منح الشرطة الغطاء القانوني لختم أوراق الجمعية ومصادرتها[72]. والمثير للريبة في مسار هذا الرجل هو التناقض في وضعه القانوني، فبينما كانت نظارة الداخلية، عبر طلعت بيك، تعتمد عليه بوصفه شاهدًا خبيرًا ومصدرًا للمعلومات، صدر ضده حكم غيابي بالإعدام من ديوان الحرب العرفي في عاليه، ليختفي بعدها في بيروت[73]. وتشير المراسلات إلى أن القبض عليه لاحقًا في بيروت أثار إرباكًا لدى السلطات، إذ أصر المارديني على أنه ليس الشخص المطلوب، بينما أكد جمال باشا معرفته الشخصية به[74]، ففتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كان حكم الإعدام "مناورة أمنية" لتغطية دوره بوصفه مخبرًا، أو نتيجة لتداخل الملفات بين الأجهزة الأمنية المختلفة.

إيضاحات جمال باشا

يُشكّل كتاب إيضاحات الذي استقى جمال باشا معطياته من محاضر تحقيقات ديوان الحرب العرفي في عاليه مادةً بالغة الحساسية، فهو يعكس الرواية الرسمية للسلطات العثمانية تجاه الحراك العربي، وقد كُتبت بلغة تنضح بمحاولات حثيثة لتكييف الأنشطة الثقافية بوصفها "جرائم سياسية" جاهزة، وانتزاع اعترافات تحت ضغوط قاسية؛ لتثبيت تهمة التخابر والانفصال. وتكشف هذه المحاضر عن سعي الديوان إلى إثبات أن المنتدى الأدبي لم يكن إلا واجهة مرخصة شرعيًا؛ لتغطية نشاطات حزب اللامركزية المحظور.

تسييس النشاط الطلابي

وفقًا لمنطق التحقيقات، فإن الواجهة التعليمية للمنتدى كانت خدعة تمويهية، إذ رأت أن دروس اللغات التركية والأجنبية التي بدأت فور التأسيس لم تكن إلا تمهيدًا لجذب الطلاب العرب، وصهرهم في بوتقة سياسية واحدة. وتَزعم المحاضِر أن عبد الكريم الخليل استغلّ علاقاته مع "المحافل العالية"، فشرع منذ الأسبوع الأول في بث "تلقينات خفية" بين المنتسبين. وتحاول التحقيقات تصوير أي خلاف داخلي، مثل إسقاط الخليل من الرئاسة مؤقتًا، على أنه صراع حول "راديكالية" المسار السياسي. وتبرز في المحاضر شهادات انتُزعت في ظروف التحقيق العرفي، تشير إلى أن تدخل عبد الحميد الزهراوي، والطبيب حسين حيدر لإعادة الخليل لم يكن بدافع الحفاظ على الجمعية الأدبية المرخصة، بل لضمان استمرار "المهمة السياسية"؛ إذ نُسب للزهراوي قوله الصارم لسيف الدين الخطيب: "لا تتنازعوا ولا تكونوا سببًا لتعطيل المنتدى.. حتى لو منحتكم الحكومة وظائف لإغلاقه فلا تقبلوا"، وهو ما فسره المحققون بوصفه أمرًا تنظيميًّا للتمسك بالواجهة الشرعية مهما كان الثمن[75].

الخطابة والشعر والمطالعة

ركز ديوان الحرب العرفي على دور الخطابة في المنتدى بوصفه أداة رئيسة لـ"تسميم الأفكار". وصنفت التحقيقات كلمات الشيخ رشيد رضا، وندرة المطران، وعزيز علي المصري، وسليم الجزائري على أنها خطاب تحريضي يلقن التاريخ للطلبة بغرض دفعهم نحو "الاستقلال"[76].

وأول ديوان الحرب العرفي إفادات سيف الدين الخطيب، ورفيق رزق سلوم حول دور المنتدى الأدبي بوصفه مركزًا ثقافيًّا؛ لمطالعة الصحف، والمجلات، والكتب على أنها أدلة إدانة، من قبيل تشجيع سلوم لأعضاء المنتدى على الاشتراك في صحيفة الحضارة التي كان يصدرها عبد الحميد الزهراوي في الآستانة، ومجلة المنار للشيخ رشيد رضا في القاهرة، بالإضافة إلى استقبال صحف ومجلات متنوعة كانت ترد بانتظام من مصر، والقارة الأميركية. وأكد سيف الدين الخطيب في إفادته أن هذه المطبوعات كانت تشكل مادة يومية للنقاش، والمطالعة بين الشباب، الأمر الذي أسهم في تعزيز الوعي القومي والاهتمام بالشؤون العربية، كما أقر سلوم أن المواد المطبوعة كانت ترد إلى إدارة مجلة المنتدى، ولا سيّما إلى عزت الأعظمي وعاصم بسيسو، إذ كان تتداول وتُقرأ داخل النادي. وفي سياق النشاط الثقافي، ذكر سيف الدين الخطيب أن عزت الأعظمي كان يتولى مسؤولية توزيع النشرات الثقافية بالتعاون مع عاصم بسيسو. وفي ضوء التحقيقات المذكورة، وظّف جمال باشا هذه المعطيات المتعلقة بالمطالعة وتداول المطبوعات داخل المنتدى، بأسلوب سياسي تعسفي بقصد إدانة الأعضاء بـ"الخيانة العظمى" والدعوة إلى قتل الأتراك. فقد عمد إلى تأويل النقاشات الفكرية والمقالات الأدبية تأويلًا جنائيًّا، عادًّا أن مجرد الاطلاع على الصحف الواردة من الخارج أو توزيع النشرات القومية يمثل دليلًا ماديًّا على التآمر الفعلي، الأمر الذي حوّل الأنشطة الثقافية المشروعة في نظر المنتسبين إلى مسوغات قانونية؛ لإصدار أحكام بالإعدام[77].

ولم يسلم الشعر من المقصلة القانونية، فقد خضع الشاعر رفيق رزق سلوم إلى تحقيق مكثف حول نتاجه الأدبي. وعلى الرغم من محاولاته الدفاع عن شعره بكونه يتغنّى بـ"مجد العرب ومدنيتهم"، فإن المحققين استخرجوا تفسيرات سياسية صرفة لأبياته، مثل قصيدة "أيها الليل في معترك الخيال" التي نشرها في الجزء الأول من مجلة المنتدى الأدبي، فأُجبر سلوم على الاعتراف بأن "الليل" يرمز للحكم التركي، وأن "ابن النهار" يرمز إلى العرب، في تأويل مباشر يحول القصيدة إلى دعوة صريحة إلى الثورة والقتل. أما جمال باشا فقد ادّعى أن سلوم سعى عبر هذا التشبيه إلى "تشويق العرب إلى الاختلال، وقتل الأتراك، من خلال تصوير الأتراك كـ"ظلام"، ومصدر للرذيلة، وملجأ للأشرار"[78]، الأمر الذي شكل مسوغًا قويًا عند ديوان الحرب العرفي لتوجيه تهم الخيانة العظمى بناءً على هذا التفسير التعسفي للنص الأدبي، والحكم بإعدام الشاعر سلوم.

 المنتدى بوصفه "شعبة" للامركزية

تمحورت التهمة الجاهزة في الديوان العرفي حول إثبات أن المنتدى هو "المظلة الميدانية" لحزب اللامركزية، وللمؤتمر العربي في باريس. واستندت هذه التهمة إلى اعترافات عبد الغني العريسي، وسيف الدين الخطيب، التي رسمت صورة للمنتدى بوصفه جهازًا وظيفيًا يقوم بالآتي:

أ. بث الفكر القومي: جمع الطلاب العرب وتعبئتهم بفكرة "النهضة بأي واسطة كانت"، حتى لو تطلب ذلك الاستعانة بدول أجنبية[79].

ب. التعليمات الخفية: وجود برنامج سري لا يعلمه إلا المؤسسون، يتضمن رحلات ميدانية للنواب والمحرضين مرتين سنويًّا في بلاد الشام؛ لربط المركز (الآستانة) بالأطراف[80].

ج. التنسيق مع الخارج: تحول المنتدى إلى "بريد سري" لاستقبال النشرات المحرضة المطبوعة في مصر أو في مطبعة المفيد في بيروت، وتوزيعها خفية على الطلاب العسكريين والمدنيين[81].

د. الربط بين المنتدى و"الخونة": خلص ديوان الحرب إلى أن الشخصيات التي كانت تدعم المنتدى معنويًّا هي ذاتها التي تفاوضت مع السفارات الأجنبية، مثل شفيق المؤيد العظم وسفارة فرنسا، أو التي سعت إلى "تسميم أفكار الجيش"، مثل عزيز علي المصري[82].

تشويه سمعة

اتسعت دائرة الاتهامات في الفصل الأخير من التحقيقات لتتجاوز الشق السياسي نحو محاولات ممنهجة لتشويه السمعة الأخلاقية، والإدارية لقيادات المنتدى، إذ ركزت المَحاضِر على فرضية "الفساد المالي" بوصفه أداة لتقويض الالتفاف الشعبي حولهم. واعتبر المحققون أن انحلال المنتدى في نيسان/ أبريل 1915 لم يكن نتيجة الضغوط السياسية أو ظروف الحرب، بل جراء "اختلاسات مادية" طالت ميزانية الجمعية، مستندين في ذلك إلى إفادات انتُزعت من سيف الدين الخطيب تزعم وجود ديون غير مسواة بذمة عبد الحميد الزهراوي تصل إلى مئة ليرة، وغياب تام للسجلات المحاسبية المنتظمة[83].

الخيانة العظمى

وفي سياق محاولة إثبات تهمة "الخيانة العظمى" خلال فترة التعبئة العامة (سفربرلك)، عمل الديوان على ربط انحلال المنتدى بخطة استراتيجية للانتقال من النشاط "المدني" إلى العمل "المسلح" الميداني. وصيغت التحقيقات لتُظهر أن عبد الكريم الخليل ورفاقه تعمدوا تصفية النشاط العلني في الآستانة للانتقال إلى بيروت، وسورية؛ بغرض تنفيذ "إجراءات انفصالية" بالتنسيق مع حزب اللامركزية في مصر[84].

الإغلاق الرسمي للمنتدى وتصفية موجوداته

بعد مرور نحو ثلاث سنوات على إعدام رئيسه عبد الكريم الخليل وعدد من مؤسسيه، طرأ تطور إداري غير متوقع في 23 شباط/ فبراير 1918، حين فُتح ملف المنتدى الأدبي مجددًا في دهاليز البيروقراطية العثمانية بالآستانة، فقد أُثيرت تساؤلات رسمية حول الوضع القانوني للمنتدى الذي خضع رئيسه وأعضاؤه للمحاكمات العسكرية بتهم الخيانة العظمى، ولكن دون أن يصدر بحق الجمعية ذاتها قرار حلّ إداري نهائي مُسجل وفق الأصول[85].

وفي خطوة تهدف إلى إضفاء الصبغة القانونية النهائية على ما نُفّذ عسكريًّا، أُحيل ملف المنتدى الأدبي إلى مكتب الاستشارات القانونية التابع لنظارة الداخلية. وفي تقريره المرفوع بتاريخ 26 شباط/ فبراير 1918، قدم المكتب السند القانوني الذي يبرر إغلاق الجمعية، ومحو وجودها الرسمي، واستند التقرير إلى المادة (3) من قانون الجمعيات العثماني، وهي المادة التي تحظر أي تجمع "يُخل بوحدة البلاد، أو يهدف إلى تغيير شكل الحكومة، أو يرمي إلى إثارة الفتنة والشقاق بين مختلف العناصر القومية". وبناءً على ملفات التحقيق والمحاكمات السابقة، عُدّ المنتدى أداةً لتقويض وحدة الدولة العلية. وعزز التقرير موقفه بالاستناد إلى المادة (6) من قانون الأحكام العرفية، والتي تمنح الإدارة العسكرية كامل الصلاحية في اتخاذ تدابير استثنائية؛ لحماية الأمن العام، بما في ذلك حل الجمعيات[86].

عقب الإغلاق الرسمي للمنتدى الأدبي، شكلت مكتبة المنتدى ومقتنياته محورًا لمراسلات إدارية مطولة في أوائل عام 1918. فقد أظهرت الوثائق أن ممتلكات المنتدى، بعد توقف أنشطته، استُولي عليها ونُقلت إلى مقر جمعية ترك أوجاغي في الآستانة لحفظها. وقد برزت ثلاث إشكاليات قانونية حول مصير هذه الكتب، إذ طالب فرع حلب من جمعية المنتدى الأدبي بنقل الكتب والمقتنيات إلى مدرسة جديدة يُعتزم افتتاحها. وظهر طلب خاص تقدم الأستاذ أحمد بك (معلم العلوم) لاستعادة مجموعة من الكتب كان قد أعارها للجمعية قبل سوقه إلى الجندية عام 1914، وقد أثمر هذا الطلب عن أمر حكومي صدر في 26 نيسان/ أبريل 1919 يقضي بإعادة كتبه إليه من مقر جمعية ترك أوجاغي. كما ظهرت محاولة لنقل المكتبة إلى بيروت إذ تقدم كمال هداية بك بطلب إلى الصدر الأعظم يشير فيه إلى أن الكتب صودِرت بسبب معارضة المنتدى لسياسة الاتحاد والترقي. ومع ذلك، ثبت أن الكتب أُهديت إلى رئيس جمعية ترك أوجاغي، حمد الله صوفي بك ترنيوفر، الذي أودعها مكتبة الجمعية، مما جعل الصدر الأعظم يعتبر طلبات الاستعادة الأخرى غير مبررة؛ لعدم ثبوت الصفة[87].

المنتدى الأدبي في القدس

مثّل انبعاث المنتدى الأدبي في القدس، عقب تقويض أركان السلطنة العثمانية، منعطفًا بنيويًّا في مسار الحركة الوطنية الفلسطينية، إذ تحوّل من منصة استقطاب للنخبة العربية في عاصمة السلطنة العثمانية، ليصبح ركيزةً سياسيةً وتعبويةً في فلسطين بين عامي 1919 و1920، تزامنًا مع بواكير تشكل الكيان الفلسطيني الانتدابي، مستمدًا شرعيته من إرثه التاريخي العريق، ودوره المركزي في ريادة الحركة العربية قبيل الحرب العالمية الأولى، إضافة إلى وجود كثيف للفلسطينيين بين أعضائه المؤسسين، أمثال جميل الحسيني، وعارف العارف من القدس، وعاصم بسيسو من غزة، ورشدي الصالح ملحس من نابلس.

إعادة التأسيس

في تشرين الثاني/ نوڤمبر 1918، أعلن المنتدى الأدبي عن نفسه في القدس بوصفه امتدادًا للمنتدى الأدبي في عاصمة السلطنة، وتألّف الهيكل القيادي له من نخبة مقدسية أبرز أعضائها جميل الحسيني، أحد مؤسسي المنتدى الأدبي في إسطنبول[88]، بالإضافة إلى نخبة من الشباب وهم: حسن صدقي الدجاني، ويوسف الخطيب، وفخري النشاشيبي، وإسعاف النشاشيبي، وفؤاد النشاشيبي، ومحمود عزيز الخالدي، وصليبا الجوزي، إذ لوحظ في هذه المرحلة بروز لافت لشخصيات من عائلة النشاشيبي ممن لم ينخرطوا سابقًا في سلك "أرستقراطية البيروقراطية العثمانية" التقليدية[89].

 قيادة شبابية

تكشف الخلفية الاجتماعية والثقافية لهؤلاء الأقطاب عن جيلٍ وُلد في أواخر القرن التاسع عشر في متصرفية القدس ضمن أسر مسلمة ثرية، تلقّى تحصيله العلمي في مؤسسات تربوية عريقة مثل مدرسة البطريركية للروم الكاثوليك في بيروت، ومدرسة الفرير في القدس، قبل استكمال دراساتهم العليا في حواضر كبرى مثل إسطنبول ولندن وباريس، وهو تكوين معرفي أهّلهم لتولي مهمات في قطاعات التعليم والخدمة العسكرية، وصولًا إلى جهاز الشرطة في ظل الإدارة البريطانية لاحقًا[90].

وفي إطار الروح القومية والمواقف السياسية، تبرز سيرة إسعاف النشاشيبي بوصفه نموذجًا فكريًّا متكاملًا للتوجه الراديكالي الجديد للمنتدى، إذ تميز بتفانٍ مطلق في الدعوة إلى الوحدة العربية، والاعتزاز بالهوية، مؤمنًا بأن اللغة العربية هي الرابط الوحدوي الجامع للعرب كافة، وهو توجه شاطره فيه جميل الحسيني الذي ظل وفيًّا لشعار القومية العربية: "باسم العرب نحيا، وباسمهم نموت". وقد شكّل هذا الشعور القومي الجارف المحرك الأساسي لمطالبة الجمعية بالاستقلال العربي التام، وتحقيق وحدة فلسطين مع سورية في كيان سياسي واحد[91]، وهو مسار تعزز بارتباط المنتدى الوثيق بإدارة الأمير فيصل في دمشق، الأمر الذي دفع المنتدى إلى الطلب من خطباء المساجد ذكر "شريف مكة" بوصفه الخليفة في خطب الجمعة، لتأكيد الشرعية العربية في مواجهة التحولات السياسية القائمة[92].

وتزعم تقارير شنيورسون الاستخباراتية الميدانية الصهيونية (HA- Shneorson files, No. 5) التي رصدت نشاطات المنتدى الأدبي في القدس ويافا، أن السلطات البريطانية لاحظت وجود علاقة تربط اثنين من مؤسسي المنتدى هما حسن صدقي الدجاني، ويوسف الخطيب مع الفرنسيين، وأنهم يتلقون تمويلًا من باريس، الأمر الذي دفع البريطانيين للضغط على المنتدى لاستبدال قيادته، فأتت قيادة جديدة معظمها من آل النشاشيبي مثل إسعاف، وفؤاد، وفخري النشاشيبي[93].

حشد الدعم الجماهيري

بذل أعضاء المنتدى جهودًا حثيثة ومضنية طوال عام 1919، ومطلع عام 1920 في سبيل حشد الدعم الشعبي، والزخم السياسي لمشروع الأمير فيصل في فلسطين. وانطلاقًا من عقيدتهم الراسخة بأن القومية العربية تُمثل صمام الأمان، والركيزة الوجودية لحماية فلسطين، وقد آمنوا بأن في صدارة واجابتهم الوطنية تقع مسؤولية التحذير من المخاطر المحدقة الناتجة عن المشروع الصهيوني، ليس في أوساط الجمهور الفلسطيني فحسب، بل أمام الرأي العام العربي في عموم المنطقة. ففي صيف 1919، تجلّت فاعلية المنتدى وقدرته على التأثير العابر إلى الحدود من خلال فرع المنتدى الأدبي في بيروت، إذ نجح في تنظيم حركة وطنية جامعة ضمّت القوى المسلمة، والمسيحية على حد سواء؛ لمناهضة الأطماع الصهيونية. وعلى الرغم من هذا المد الإقليمي المتسع لنشاطاته، فإن مدينة القدس ظلّت تُمثّل المركز القيادي، والقلب النابض للنادي، الذي استطاع مد خيوطه التنظيمية بكفاءة عالية؛ لتأسيس فروع نشطة ومؤثرة في يافا، وطولكرم، وغزة، وصولًا إلى سائر الحواضر، والمدن الفلسطينية[94].

مناهضة الصهيونية

لم يدّخر المنتدى الأدبي في القدس جهدًا في مناهضة الصهيونية، وبث الوعي القومي العربي في الأوساط الشعبية الفلسطينية عبر وسائط متعددة، تراوحت بين المهرجانات الوطنية، والاجتماعات الدورية، والعروض المسرحية الهادفة، بل ذهبت تقارير الاستخبارات الصهيونية والبريطانية إلى أبعد من ذلك، حين اتهمته بالوقوف وراء تنظيمات سرية تتبنى العنف الثوري بوصفه خيارًا استراتيجيًّا.

وفي هذا السياق، نظّم المنتدى سلسلة من الاجتماعات المنتظمة في مدن الساحل الجنوبي الفلسطيني، هدفت بالدرجة الأولى إلى تحذير الفلاحين من مغبة المشروع الصهيوني الساعي لنزع ملكياتهم وتشريدهم من أراضيهم، متجاوزًا حدود التوعية السياسية إلى التحريض المباشر، ودعوة الجماهير إلى التمرد والمقاومة ضد سياسات الانتداب البريطاني، والمخططات الصهيونية على حد سواء[95].

وتشير السجلات الاستخباراتية إلى ارتباط المنتدى بجمعيات سرية راديكالية، مثل جمعية الإخاء والعفاف والجمعية الفدائية اللتين كانتا تضطلعان بما وصفتها التقارير البريطانية بـ"الأعمال العنيفة" لصالح أجندة المنتدى، بما يشمل تهديد سماسرة الأراضي ومسربيها للصهاينة، وتأجيج الاحتجاجات الصدامية[96].

وفي سبيل ترسيخ ثقافة المقاومة واستحضار الأمجاد التاريخية، حرص المنتدى الأدبي في القدس على توظيف الفن المسرحي، كما كان يفعل في حقبة الآستانة، إذ دأب أعضاؤه بين عامي 1918 و1920 على تنظيم عروض دورية لمسرحية صلاح الدين الأيوبي، وهي العروض التي شهدت حضور شخصيات عربية وازنة، من بينها نوري السعيد خلال زيارته إلى القدس[97]، الأمر الذي عكس تداخل النشاط الثقافي، والأدبي بالعمل السياسي والوطني المحموم في تلك المرحلة الحرجة.

من العروبة إلى الوطنية الفلسطينية

مثّلت تجربة المنتدى الأدبي في القدس مرحلة مفصلية في تطور الفكر السياسي الفلسطيني، وظهور الهوية الوطنية الفلسطينية، إذ صهر في ممارسته العملية تطلعات شريحة مهمة من النخبة الفلسطينية الشابة، محولًا إياها من الولاء إلى السلطنة العثمانية، نحو الهوية العربية لبلاد الشام، ثم قاد التحول إلى هوية وطنية محددة جغرافيًّا وسياسيًّا.

وعلى الرغم من حالة التنافس السياسي بين المنتدى الأدبي والنادي العربي عام 1919، والتي عكست انقسامًا نخبويًّا فلسطينيًّا وفق نقاط تماس عائلية تقليدية، بين عائلتي النشاشيبي والحسيني، فإن هذا التنافس كان من الناحية العملية محركًا فاعلًا لتعبئة الجماهير، ضد وعد بلفور، وخطر الصهيونية، والتمسك بالوحدة السورية[98].

غير أن تجربة النخبة السياسية الفلسطينية في دمشق، إبان الحقبة الفيصلية، كشفت عن تصدعٍ في النخب العربية، فمال السوري إلى سوريته، والعراقي إلى عراقيته، الأمر الذي دفع النخب الفلسطينية هي الأخرى للانكفاء نحو فلسطينيتها، ولا سيّما مع انهيار الحكم العربي في دمشق في تموز/ يوليو 1920، وانكشاف اتفاق (فيصل - وايزمن)[99]، فأسهم المنتدى الأدبي في هذا التحول السياسي عبر مشاركته في المؤتمر العربي الفلسطيني الثالث في حيفا كانون الأول/ ديسمبر 1920، برئاسة موسى كاظم الحسيني، متخليًا عن شعارات وحدة سورية الكبرى؛ لصالح مطالب وطنية فلسطينية بحتة[100].

إرث المنتدى الأدبي

مَثّل المنتدى الأدبي المختبر القومي الأول الذي صاغ ملامح النخبة السياسية الحديثة وأفكارها في المشرق العربي. فمن خلال المحاضرات السياسية والفكرية، والحوارات المفتوحة، وأدواته الحديثة مثل المسرح الملتزم، والصحافة، ومشروعات إصلاح التعليم؛ نجح المنتدى في تحويل الانتماء العفوي إلى وعي مؤسسي منظّم، استطاع الصمود أمام سياسات التتريك، والضغوط الاستعمارية لاحقًا. وأما الأهمية التاريخية الكبرى للمنتدى فتكمن في أنه المدرسة التي تخرجت فيها شرائح مهمة من القيادات التي أدارت دفة السياسة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، فأسماء مثل جميل الحسيني، وعوني عبد الهادي في فلسطين، وإبراهيم الواعظ في العراق، وفارس الخوري في سورية، وغيرهم من المبعوثين والطلاب والمحاضرين، كانوا الجيل الذي انتقل من قاعة المنتدى في إسطنبول؛ ليتصدر مواقع القرار، والوزارات، والمجالس النيابية في الدول العربية الناشئة. وقد نجح المنتدى في صهر التطلعات الإقليمية المتباعدة في بوتقة هوية قومية جامعة، محولًا القضية العربية من مطالبات نخبوية في العاصمة العثمانية إلى حراك مؤسسي صلْب قاد بناء المؤسسات الوطنية في بغداد، ودمشق، والقدس، وعمّان. ولهذا، يظل إرث المنتدى الأدبي متمثلًا في عدّه القنطرة التي عبرت عليها الشخصية السياسية العربية من الولائية، أو العشائرية، أو المناطقية، إلى المواطنة السياسية، تاركًا بصمةً بنيويةً في تاريخ النهضة العربية المعاصرة.

المراجع

العربية

أرسلان، شكيب. ديوان الأمير شكيب أرسلان. ط 2. وندسور: مؤسسة هنداوي، 2020.

الأعظمي، أحمد عزت. القضية العربية: أسبابها، مقدماتها، تطوراتها، نتائجها. ج 3. بغداد: مطبعة الشعب، 1932.

آل جندي، أدهم. شهداء الحرب العالمية الكبرى. دمشق: مطبعة العروبة، 1960.

أنطونيوس، جورج. يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية. ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس. ط 8. بيروت: دار العلم للملايين، 1987.

باشا، جمال. إيضاحات عن المسائل السياسية التي جرت تدقيقها بديوان الحرب العرفي المتشكل بعاليه. الآستانة: مطبعة طنين، 1334هـ/ 1918م.

________. مذكرات جمال باشا. ترجمة وإعداد محمود السعيدي. بيروت: دار الفارابي، 2013.

"ثلاث مجلات جديدة". المقتبس. المجلد الثامن. ج 3. 28/1/1914.

الحوت، بيان نويهض. القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917- 1948. ط 3. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1986.

خازم، يوسف. عبد الكريم الخليل مشعل العرب الأول، 1884-1915. بيروت: دار الفارابي، 2017.

داغر، أسعد. مذكراتي على هامش القضية العربية. تقديم وتحقيق خالد زيادة. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020.

دي طرازي، فيليب. تاريخ الصحافة العربية. ج 4. بيروت: المطبعة الأميركانية، 1933.

الراوي، إبراهيم. من الثورة العربية الكبرى إلى العراق الحديث ذكريات. ط 2. بيروت: مطبعة دار الكتب، 1978.

الريماوي، علي. "حفلة المنتدى الأدبي". فلسطين. العدد 209-6 .1/2/1913.

السائح المتلهف. "حياة الأمة العربية". الأهرام. العدد 9769. 5/5/1910.

السويدي، توفيق. مذكراتي: نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية. ط 2. بيروت: المؤسسة للدراسات والنشر، 2010.

شراب، محمد محمد حسن. موسوعة بيت المقدس والمسجد الأقصى: التاريخ، الآثار، أعلام الأمكنة والرجال. عمّان: الأهلية للنشر والتوزيع، 2003.

الشهابي، مصطفى. القومية العربية تاريخها وقوامها ومراميها. القاهرة: جامعة الدول العربية، معهد الدراسات العربية العالية، 1961.

"عبد الحميد الزهراوي". المهذب. العدد 88. 15/11/1913.

العريسي، عبد الغني. "مشروع المنتدى الأدبي في عكا". المفيد. العدد 787. 16/9 /1911.

________. "الماجريات الحاضرة في الأستانة". فتى العرب. العدد 20-1105. 20/10/1912.

العظم، حقي. "في دار الملك". المفيد. العدد 669. 18/4/1911.

"لجنة للتعليم الابتدائي". فلسطين. العدد 83. 4/11/1911.

"مشروع المنتدى الأدبي في التعليم العربي ومساعدته عليه". المنار. ج 14، 1911.

"مشروع المنتدى الأدبي". فلسطين. العدد 80. 25/11/1911.

"المنتدى الأدبي في الآستانة العلية". المؤيد. العدد 5991. 17/2/ إضافة سنة.

"المنتدى الأدبي". المفيد. العدد 646. 22/3/1911.

الموسى، سليمان. الحركة العربية: المرحلة الاولى للنهضة العربية الحديثة 1908-1924. بيروت: دار النهار للنشر، 1986.

"نبأ العاصمة". المفيد. العدد 596. 21/1/1911.

محرر المفيد. "هل قرأت قبل الآن مثل لسان العرب". المفيد. العدد 1268. 4/5/1911.

 الأجنبية

رسملي كتاب. نوميرو 44. (الآستانة) أيلول 1328/ سبتمبر 1912.

Muslih, Muhammad . The Origins of Palestinian Nationalism. New York: Columbia University Press, 1988.

Porath, Yehoshua. The Emergence of the Palestinian-Arab National Movement: 1918-1929. London: Frank Cass, 1974.

الأرشيف العثماني

Osmanlı Arşivi: BOA, BEO 4566/342379, (12.07.1337).

________: BOA, DH. FR 473/66.

________: BOA, DH. HMŞ 41/10.

________: BOA, DH.EUM 4. Şb. 14/ 14,-7.

________ BOA, DH.EUM 4. Şb. 24/4- 18.

________: BOA, DH.EUM 4.şb, 14/14; 31/56.

________: BOA, DH.EUM+şb. 24/ı4.

________: BOA, DH.ŞFR 14/14,- 10.

________: BOA, DH.ŞFR 14/14,- 2.

________: BOA, DH.ŞFR 14/14,- 4.

________: BOA, DH.ŞFR 14/14,- 5.

________: BOA, DH.ŞFR 14/14,- 7.

________: BOA, DH.ŞFR 14/14, lef 3.

________: BOA, DH.ŞFR 382/5.

________: BOA, DH.ŞFR 447/69.

________: BOA, DH.ŞFR 458/63.

________: BOA, DH.ŞFR 46/227.

________: BOA, DH.ŞFR 48/118.

________: BOA, DH.ŞFR 494/46.

________: BOA, DH.ŞFR 5/19.

________: BOA, DH.ŞFR 54/147.

________: BOA, DH.ŞFR 54/33.

________: BOA, DH.ŞFR 55/45.

________: BOA, HSDHADB 1/42.

[1] جورج أنطونيوس، يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية، ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس، ط 8 (بيروت: دار العلم للملايين، 1987)، ص 184.

[2] أحمد عزت الأعظمي، القضية العربية: أسبابها، مقدماتها، تطوراتها، نتائجها، ج 3 (بغداد، مطبعة الشعب، 1932)، ص 8.

[3] المرجع نفسه، ص 7.

[4] جمال باشا، إيضاحات عن المسائل السياسية التي جرت تدقيقها بديوان الحرب العرفي المتشكل بعاليه (الآستانة: مطبعة طنين، 1334هـ/ 1918م)، ص 10.

[5] المرجع نفسه، ص 11.

[6] المرجع نفسه.

[7] "المنتدى الأدبي في الآستانة العلية"، المؤيد، العدد 5991، 17/2/ إضافة السنة، ص 4.

[8] الأعظمي، ص 10.

[9] مراسل المفيد، "نبأ العاصمة"، المفيد، العدد 596، 21/1/1911، ص 2-3.

[10] مراسل المفيد، "المنتدى الأدبي"، المفيد، العدد 646، 22/3/1911، ص 3.

[11] جمال باشا، إيضاحات، ص 10.

[12] الأعظمي، ص 9.

[13] علي الريماوي، "حفلة المنتدى الأدبي"، فلسطين، العدد 209-6، 1/2/1913، ص 3.

[14] مراسل المفيد، "المنتدى الأدبي"، المفيد، العدد 646، 22/3/1911، ص 3.

[15] ينظر المرجع التعريفي بمحتويات الملف الخاص بالمنتدى الأدبي في مجموعة الشرق الأوسط بمكتبة معهد هوڤر (Library of the Hoover Institution) في جامعة ستانفورد الأميركية، والذي وضعه الباحث نيكولاس هير (Nicholas Heer) عام 1961. شوهد في 7 شباط/ فبراير 2026.

https://acr.ps/1L9B9WM

[16] Osmanlı Arşivi: BOA, HSDHADB 1/42.

[17] "المنتدى الأدبي في الآستانة العلية"، المؤيد، العدد 5991، 17/2/1910 ص 4.

[18] سليمان الموسى، الحركة العربية: المرحلة للنهضة العربية الحديثة 1908-1924 (بيروت: دار النهار للنشر، 1986)، ص 135- 136.

[19] توفيق السويدي، مذكراتي: نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية، ط 2 (بيروت: المؤسسة للدراسات والنشر، 2010)، ص 34.

[20] جمال باشا، إيضاحات، ص 11.

[21] الأعظمي، ص 12.

[22] أسعد داغر، مذكراتي على هامش القضية العربية، تقديم وتحقيق خالد زيادة (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص 81-82.

[23] الأعظمي، ص 29.

[24] مراسل المفيد، "المنتدى الأدبي"، المفيد، العدد 646، 22/3/1911، ص 3.

[25] المرجع نفسه.

[26] يوسف خازم، عبد الكريم الخليل مشعل العرب الأول، 1884-1915 (بيروت: دار الفارابي، 2017)، ص 131.

[27] السائح المتلهف، "حياة الأمة العربية"، الأهرام، العدد 9769، 5/5/1910.

[28] إبراهيم الراوي، من الثورة العربية الكبرى إلى العراق الحديث ذكريات، ط 2 (بيروت: مطبعة دار الكتب، 1978)، ص 46.

[29] محرر المفيد، "هل قرأت قبل الآن مثل مجلة لسان العرب"، المفيد، العدد 1268، 4/5/1911، ص 3.

[30] "ثلاث مجلات جديدة"، المقتبس، المجلد الثامن، ج 3، 28/1/1914، ص 210.

[31] فيليب دي طرازي، تاريخ الصحافة العربية، ج 4 (بيروت: المطبعة الأميركانية، 1933)، ص 394.

[32] السائح المتلهف، "حياة الأمة العربية"، الأهرام، العدد 9769، 5/5/1910.

[33] محرر المفيد، "هل قرأت قبل الآن مثل مجلة لسان العرب"، المفيد، العدد 1268، 4/5/1911، ص 3.

[34] شكيب أرسلان، ديوان الأمير شكيب أرسلان، ط 2 (وندسور: مؤسسة هنداوي، 2020)، ص 108.

[35] محمد محمد حسن شراب، موسوعة بيت المقدس والمسجد الأقصى: التاريخ، الآثار، أعلام الأمكنة والرجال، ج 1 (عمّان: الأهلية للنشر والتوزيع، 2003)، ص 210.

[36] الأعظمي، ص 12.

[37] حقي العظم، "في دار الملك"، المفيد، العدد 669، 18/4/1911، ص 3.

[38] الأعظمي، ص 14.

[39] المرجع نفسه، ص 15-20.

[40] المرجع نفسه، ص 20-22.

[41] محمد رشيد رضا، "مشروع المنتدى الأدبي في التعليم العربي ومساعدته عليه"، المنار، ج 14، /8/1911، ص 635.

[42] عبد الغني العريسي، "مشروع المنتدى الأدبي في عكا"، المفيد، العدد 787، 16/9/1911، ص 2.

[43] المحرر، "مشروع المنتدى الأدبي"، فلسطين، العدد 80، 25/11/1911، ص 3.

[44] مراسل غزة، "لجنة للتعليم الابتدائي"، فلسطين، العدد 83، 4/11/1911، ص 4.

[45] المرجع نفسه، ص 84.

[46]رسملي كتاب، نوميرو 44 (الآستانة)، رسملي كتاب مطبعه سى، أيلول 1328/ سبتمبر 1912، ص 599.

[47] عبد الغني العريسي، "الماجريات الحاضرة في الأستانة"، فتى العرب، العدد 20-1105، 20/10/1912، ص 1.

[48] داغر، ص 84.

[49] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.EUM 4. Şb. 14/ 14,-7.

[50] مراسل الآستانة، "عبد الحميد الزهراوي"، المهذب، العدد 88، 15/11/1913، ص 3.

[51] جمال باشا، مذكرات جمال باشا، ترجمة وإعداد محمود السعيدي (بيروت: دار الفارابي، 2013)، ص 133.

[52] الأعظمي، ص 29.

[53] مصطفى الشهابي، القومية العربية تاريخها وقوامها ومراميها (القاهرة: جامعة الدول العربية، معهد الدراسات العربية العالية، 1961)، ص 71.

[54] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.EUM 4. Şb. 24/4- 18.

[55] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.ŞFR 447/69.

[56] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.ŞFR 46/227.

[57] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.ŞFR 458/63.

[58] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.ŞFR 48/118.

[59] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.ŞFR 494/46.

[60] Osmanlı Arşivi: BOA, DH. FR 473/66.

[61] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.EUM+şb. 24/ı4.

[62] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.ŞFR 382/5.

[63] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.ŞFR 54/33.

[64] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.ŞFR 55/45.

[65] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.ŞFR 54/147.

[66] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.ŞFR 54/147.

[67] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.ŞFR 5/19.

[68] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.ŞFR 14/14, lef 3.

[69] أدهم آل جندي، شهداء الحرب العالمية الكبرى (دمشق: مطبعة العروبة، 1960)، ص 76.

[70] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.ŞFR 14/14,- 10.

[71] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.ŞFR 14/14,- 7.

[72] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.ŞFR 14/14,- 2.

[73] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.ŞFR 14/14,- 5.

[74] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.ŞFR 14/14,- 4.

[75] جمال باشا، إيضاحات، ص 11.

[76] المرجع نفسه، ص 12.

[77] المرجع نفسه، ص 13-15.

[78] المرجع نفسه، ص 14.

[79] المرجع نفسه، ص 13.

[80] المرجع نفسه.

[81] المرجع نفسه، ص 14.

[82] المرجع نفسه، ص 15-16.

[83] المرجع نفسه، ص 16.

[84] المرجع نفسه.

[85] Osmanlı Arşivi: BOA, DH.EUM 4.şb, 14/14; 31/56.

[86] Osmanlı Arşivi: BOA, DH. HMŞ 41/10.

[87] Osmanlı Arşivi: BOA, BEO 4566/342379, (12.07.1337).

[88] بيان نويهض الحوت، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917-1948، ط 3 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1986)، ص 87.

[89] Muhammad Y. Muslih, The Originsof Palestinian Nationalism (New York: Columbia University Press, 1988), p. 164.

[90] Ibid., p. 165.

[91] Ibid., p. 165.

[92] Yehoshua Porath, The Emergence of the Palestinian-Arab National Movement, 1918-1929 (london: Frank Cass, 1974), p. 83.

[93] Ibid., p. 74.

[94] Muslih, p. 165.

[95] Ibid., pp. 198, 199.

[96] Ibid., p. 170.

[97] شراب، ص 1023.

[98] نويهض الحوت، ص 88.

[99] Muslih, p. 202.

[100] Ibid., p. 205.


المحتويات

الهوامش