الموجز
دار المسرح العربي (بالتركيّة العثمانيّة: عرب تياترو خانه)، هو ثاني مسرح مرخّص في الولايات العربيّة العثمانيّة بعد مسرح مارون نقّاش. أسّسه أبو خليل القبّاني في دمشق عام 1874. اتّخذ المسرح صالات متتالية، بدءًا من خان الجمرك، ثمّ القنوات، وصولًا إلى العصرونيّة، والتزم بمعظم الشروط المسرحيّة الغربيّة كالخشبة، والستارة، والكواليس، والديكورات الثابتة والمتحرّكة، إضافة إلى الأزياء المقتبسة في معظمها من التراث العربيّ. أُغلق المسرح عام 1883 بقرار منع التمثيل في ولاية سورية، لينتقل أعضاؤه عام 1884 إلى الإسكندرية ثمّ القاهرة، حيث واصلوا نشاطهم.
البداية
رغم تأكيد وثائق قصر يلدز العثمانيّة على أنّ فرقة دار المسرح العربيّ (عرب تياترو خانة) رُخِّص لها عام 1874[1]، فإنّ المؤرخ الدمشقيّ محمد كرد علي قال إنّها لم تكن الأولى، إذ ذكر في كتابه خطط الشام الصادر عام 1925 أن "دار التمثيل" تأسست قبل ذلك بعشر سنوات، أي عام 1865، وهو، على الأرجح، خطأ تكرر في مقاله المنشور عام 1906 عن بداية التمثيل في دمشق[2].
قدّمت دار المسرح العربيّ في مسرح خان الجمرك عرضين مسرحيّين موثّقين: "درويش مصباح وقوت الأرواح" الذي بدأ في حزيران/ يونيو 1875، و"عطرشان وورد الجنان" الذي عُرض بدءًا من أيلول/ سبتمبر من العام نفسه. توقّفت العروض بعد فترةٍ وجيزةٍ إثر حملةٍ قويّةٍ شنّها فنّانو خيال الظل ضد المسرح[3].
في عهد مدحت باشا
عندما تولّى مدحت باشا ولاية سورية عام 1878، استفسر عن غياب النشاط المسرحيّ في دمشق، وأُطلِع على مسيرة القبّاني الفنية وسبب توقّف أعماله. أظهر الوالي إيمانًا بأهمية الفن في التنمية الوطنية، مشيرًا إلى أنّ "تشخيص الروايات من جملة المحسنات التي يتقدّم بها الوطن، وتنوّر أفكار أهله". بعد أن استمع لتفاصيل توقّفه واقتناعه بأهمية مشروعه، أمر باستئناف عمل القباني وقدم له الدعم الحكومي المطلوب. كما ألحّ الوالي عليه بضرورة استئناف عمله المسرحي فورًا، ووافق على طلبه بتخصيص "دار البلطجية"، وهي من أملاك الدولة المتروكة في مَحلّة القنوات التي كانت تستخدم كسجن مؤقت سابقًا، لتكون مقرًا لدار المسرح العربي، فأصدر أمره لرئيس البلدية بتسليمها إلى القباني مجانًا وتقديم المساعدة اللازمة له[4].
اعتراف رسمي
شهدَت دار المسرح العربي في الفترة بين عامي 1880 و1883 تطورًا، إذ تحولت من نشاطٍ موسمي يقام في دمشق إلى معلمٍ ثقافي دائمٍ، الأمر الذي أدى إلى إدراجها ضمن سالنامة ولايت سوريه. في البداية وُصِف المكان بأنه "مسرح صغير داخل حديقة"، ولكن اعتبارًا من عام 1882، تغيّر الوصف في السالنامة ليصبحَ "مسرح بثلاثة أبواب يقدم مسرحيات عربية"، ويشير هذا التغيير في الوصف إلى الانتقال إلى مبنى أرحب وأكثرُ استدامة (يرجح أنه خان العصرونية). ويدل هذا التوسع وازدياد الاعتراف الرسمي على بلوغ دار المسرح العربي أوج شهرتها وترسيخ مكانتها بوصفها مؤسسة فنية راسخة في المدينة قبل إغلاقها الوشيك عام 1883[5].
وصف المسرح
شهدت دار المسرح العربي في دمشق إشادةً ورعايةً من مدحت باشا، مما دفع الزوار الأجانب لوصف مظهره وتجربته بدقّة. ففي أواخر 1879، وصفه السير لورانس أوليفانت (Laurence Oliphant، 1829-1888) بأنه قائمٌ على أسسٍ شبه حضارية، إذ يضم قاطع تذاكرٍ ومقاعد مرتّبة للمشاهدين الذكور، مع فرقةٍ موسيقيةٍ شرقيةٍ (عود، وقانون، وناي، ودف) تغني الأغاني المسرحية[6]. بينما وصفته الليدي لايارد (Lady Layard، 1842-1912) بأنه "مكان بدائيٌّ للغاية يشبه المخزن"، حيث يجلس الأعيان في الصف الأول يدخنون النراجيل ويشربون الشربات، ويؤدي الأدوار النسائية فتية صغار[7].
في مرحلة لاحقة، بعد عام 1882، وبعد الانتقال إلى موقع أرحب، وصفه أحد الصحافيين البريطانيين بأنه "صالة متسعة" بمقاعد ذات مساند جلدية، مشيرًا إلى هدوء واندماج الجمهور الشغوف بحب الحكايات، وتوفير خدمات التدخين والمشروبات[8]. كما أبرزَ وصفُ مراسل جريدة ثمرات الفنون لاحقًا التطور اللافت في الديكورات، إذ تحدث عن مناظرَ مجسّمة ومبتكرة تشمل بحرة ماء متدفقة وقصورًا وأشجارًا، ما يشير إلى حرص القائمين على المسرح على إدخال وسائل الإبهار والراحة للمشاهدين[9].
إغلاق دار المسرح العربي
بلغت دار المسرح العربي أوج ازدهارها عام 1882. وتوضّح التغييرات في السالنامة (من 1880 إلى 1883) أن دار المسرح العربي أصبحت معلمًا ثقافيًا راسخًا في دمشق. ومع ذلك، تشير هذه الوثائق إلى أن نهاية المسرح كانت وشيكة، إذ إن اختفاء الفقرة الخاصة بالمسرح من السالنامة عام 1883 يشير إلى أن الإغلاق قد تمّ قبل تشرين الثاني/ نوفمبر من ذلك العام. وتشير الشهادات المعاصرة، مثل حضور سليم تقلا (1849-1892)، مؤسس صحيفة الأهرام، عرضًا في 12 أيلول/ سبتمبر 1883، إلى أنّ إغلاق المسرح بقرار منع التمثيل حدث بعد هذا التاريخ بعشرين يومًا فقط، وهي خطوة مثيرة للجدل يُعتقد أنها أثارت احتجاجاتٍ شعبية في دمشق[10].
المراجع
العربية
خلف، تيسير. وقائع مسرح أبي خليل القباني في دمشق 1873-1883. ميلانو: دار المتوسط، 2019.
كرد علي، محمد. "التمثيل في الإسلام". المقتبس. العدد 1 (كانون الثاني/ يناير 1906).
________. خطط الشام. دمشق: مكتبة النوري، 1983.
الأجنبية
Osmanlı Arşivi, Y.EE. 79-86.
سالنامة ولايت سوريه. شامشريف [دمشق]: ولايت مطبعه سنده ليطوغرافيا، دائره سنده طبع اولمنشدر، 1297هـ [1880م].
[1] Osmanlı Arşivi, Y.EE. 79-86.
[2] محمد كرد علي، “التمثيل في الإسلام”، المقتبس، العدد 1 (كانون الثاني/ يناير 1906)؛ محمد كرد علي، خطط الشام، ج 4 (دمشق: مكتبة النوري، 1983)، ص 128.
[3] تيسير خلف، وقائع مسرح أبي خليل القباني في دمشق 1873-1883 (ميلانو: دار المتوسط، 2019)، ص 39.
[4] المرجع نفسه، ص 50-53.
[5]سالنامة ولايت سوريه (شامشريف [دمشق]: ولايت مطبعه سنده ليطوغرافيا، دائره سنده طبع اولمنشدر، 1297هـ [1880م])، ص 117.
[6] خلف، ص 61-62.
[7] المرجع نفسه، ص 71.
[8] المرجع نفسه، ص 111.
[9] المرجع نفسه، ص 105.
[10] المرجع نفسه، ص 152-153.