أحمد أبو خليل القباني (1842–1902) رائد مسرحي دمشقي ينتمي إلى طبقة الأعيان المرتبطة بالنخبة العثمانية الدينية والإدارية. نجح في تحويل الفكرة المسرحية التي كانت تطرق مسامع المتنورين العرب، منذ مطالع القرن التاسع عشر، إلى ظاهرة جماهيرية، حين ابتكر في دمشق عام 1874 شكلًا فريدًا من الفرجة، أطلق عليه اسم "المرسح العربي"، وهو توليفة أدبية فنية تستلهم "المقامة البغدادية" من حيث بنية النص المسجوع، وحكايات "ألف ليلة وليلة" من حيث الموضوعات، و"رقص السماح الحلبي" الضاربة جذوره عميقًا في الطرق الصوفية، و"فن الموشح" كما كان يُغَنَّى في حلب آنذاك.
بدأ نشاطه المسرحي في دمشق عام 1872، وحصل عام 1874 على ترخيص رسمي لبناء «دار المسرح العربي». غير أن عروضه أثارت حملات معارضة من بعض رجال الدين ولاعبي خيال الظل، أدت إلى إغلاق مسرحه مرتين، آخرهما بقرار عثماني عام 1883. دفعه ذلك إلى الانتقال إلى مصر، حيث حقق نجاحًا واسعًا في الإسكندرية والقاهرة، وأسهم في تأسيس المسرح الغنائي الاستعراضي العربي، وخرّج جيلًا من الفنانين الذين لعبوا أدوارًا محورية في تاريخ المسرح والموسيقى.
تنقل القباني بين دمشق وبيروت ومصر، وشارك عام 1893 في معرض شيكاغو العالمي بفرقة عربية قدّمت عروضًا فلكلورية ومسرحية، لاقت اهتمامًا نقديًا في الصحافة الأميركية. وفي أواخر حياته عاد إلى دمشق بعد احتراق مسرحه في القاهرة، وتوفي فيها خلال تفشي وباء الكوليرا. ويُعدّ القباني أحد مؤسسي التقليد المسرحي العربي الحديث، وأحد أبرز رموز النهضة الفنية في القرن التاسع عشر.
أصله ومولده
ولد أحمد بن محمد بن حسين آقبيق، الشهير بأبي خليل القباني، في شهر نيسان/ أبريل من عام 1842 في حي باب سريجة، خارج سور مدينة دمشق، وهو من الأحياء التي تشكلت بفعل توسع المدينة العمراني في العصر العثماني. الاسم العائلي الذي عرف به القباني في جميع الوثائق الرسمية هو آقبيق، وهي عائلة دمشقية يعتقد أفرادها أنهم ينحدرون من نسل شخص أصله من مدينة "بورصة" يدعى أكرم آقبيق، يقال إنه قدِم إلى دمشق مع السلطان
سليم الأول في عام 921هـ/ 1516م، غير أنها رواية لا تستند إلى أي وثيقة، في حين أكد
زهير قباني، حفيد المتَرجَم له، أن اسم عائلتهم مجرد لقب كان يُتكَنَّى به أحد جدوده بسبب شاربه الأبيض الكبير، إذ تعني عبارة "آق بيق" بالتركية الشارب الأبيض، كناية عن الهيبة المرتبطة بالشيخوخة. اتخذ أحمد آقبيق، بعد أن ذاع صيته، اسم أبي خليل القباني، في تماهٍ واضحٍ مع طريقة نحت الأسماء في كتب التراث العربي، ولقب القباني أتى من عمله رئيسًا لقسم القبان في دائرة الجمارك البرية، كما قال للوالي
مدحت باشا (1822-1884) حين التقاه في أواخر عام 1878[1].
ثمة تضارب كبير في تواريخ ولادة القباني المتداولة، إذ قال أدهم الجندي (1902-1977) إنه ولد في العام 1833[2]، وعنه أخذ الكثيرون هذا التاريخ، غير أن التاريخ الدقيق لميلاده هو ما أثبتته وزارة الخارجية الأميركية في وثائقها، استنادًا إلى جواز سفره العثماني، حيث كتب اسمه بالحرف اللاتيني (AHMAD AQBIK)، وكان عمره 51 عامًا حين دخل إلى الولايات المتحدة في نيسان/ أبريل 1893، وبذلك يكون تاريخ ولادته عام 1842[3].
المرحلة الدمشقية
يمكن تقسيم حياة أبي خليل القباني إلى مرحلتين اثنتين: الأولى هي المرحلة الدمشقية بين عامَي 1872 و1883؛ والثانية هي المرحلة المصرية بين عامَي 1883 و1900. تخللت المرحلتين فترة بيروتية بين عامَي 1887 و1893، شارك خلالها في معرض شيكاغو العالمي في عام 1893، وبنى مسرحه الشهير في القاهرة، حيث غدا ذلك المسرح الأنموذج المعياري للمسرح العربي الاستعراضي، واستلهمه الكثير من مسرحيي تلك الحقبة التأسيسية.
إن مصادر الفترة الأولى من المرحلة الدمشقية بين العامين 1872 و1875 جدُّ شحيحة، ولا تساعد على بناء تصور حول مسرح القباني في بداياته الأولى في مقهى خان أسعد باشا، ولكن ذكره يزداد ويتسع بعد حصوله على ترخيص رسمي بافتتاح بناء مسرح احترافي قدم فيه عرضين متكاملين، قبل أن يصطدم بتحالف بعض شيوخ دمشق مع لاعبي "خيال الظل"، الأمر الذي دفعه إلى إيقافه أواخر عام 1875، كما سيأتي تفصيله.
تذكرة دخول إلى مسرحيات القباني في شيكاغو. المصدر: أرشيف الباحث تيسير خلف
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أما مصادر الفترة الثانية بين عامَي 1878 و1883 فهي كثيرة ومتنوعة، يمكن من خلالها بناء رواية مدعمة بالوثائق حول الظروف السياسية والاجتماعية التي رافقت نشاطه في هذه الفترة، وأدت إلى إيقاف التمثيل في ولاية سورية العثمانية، بقرار غامض، وتأثيرات ذلك في النشاط المسرحي في سائر متصرفيات الولاية.
البدايات والحملة الأولى
كانت بداية مسرح القباني الفعلية بعد أن كلفه الوالي عبد اللطيف صبحي باشا بأن يشكل فرقة مسرحية، هدفها تهذيب ذائقة الجمهور، وجعلهم يُعرِضون عن مسرح "خيال الظل"، الذي يعتمد عبارات سوقية وشتائم منحطة[4]. وتفتقر هذه الفترة من تجربة القباني إلى أي وثيقة مكتوبة، سوى يوميات للدبلوماسي الفرنسي الفيكونت يوجين ملكيور دو ڤوغويه (1848-1910)، كتبها في أثناء رحلته إلى دمشق بين يومَي 21 و26 من تشرين الثاني/ نوڤمبر 1872، في رمضان المبارك عام 1289هـ، في أثناء ولاية
صبحي باشا على سورية. يتحدث الكاتب في هذه اليوميات عن مشاهدته عرضًا تمثيليًّا سماه "سبيكتاكل"، ولفتت نظره "أغاني تروي قصص الصحراء"[5].
حصل القباني على ترخيص رسمي في عام 1874، لبناء مسرح خاص أطلق عليه اسم "دار المسرح العربي" (بالتركية العثمانية: عرب تياترو خانة)[6]. وفي الأول من حزيران/ يونيو 1875، أعلن مراسل صحيفة
ثمرات الفنون البيروتية في دمشق محمد رشيد الجلاد أن "دمشق الشام، معدن أهل الفضل الكرام، ومحط رحالهم، ومحمل ثناء رجالهم، وكعبة آمالهم، ومآل مجالهم، من قديم الزمان، حتى الآن"، شهدت في هذه "البرهة تشخيص رواية درويش مصباح وقوت الأرواح، تأليف جناب الأديب الفاضل، والشهم الأريب الكامل، أحمد أفندي الدمشقي القباني، فأعجب بها جميع من حضر من قاصي وداني"[7].
كان العرض المسرحي الثاني للقباني في دار المسرح العربي، وهو مسرحية "عطر شان وورد الجنان"، في شهر أيلول/ سبتمبر 1875، بحسب صحيفة
ثمرات الفنون. وقد أثارت هذه المسرحية حين عرضها ضجة كبرى في دمشق، انتقلت أصداؤها إلى بيروت، إذ بدأت الحملة بقصيدة هجاء للقباني، ومسرحيته، ولكل من حضرها. وقد أوصل القصيدة إلى القباني الشيخ
بكري العطار، شيخ القباني في
الجامع الأموي، وأخبره بأن كاتبها طالبُ علمٍ من بيروت معروف الاسم، وطلب إليه إغلاق مسرحه[8]. وبعد أيام، نشر رئيس بلدية بيروت
أحمد أبازة مقالًا، ذكر فيه أنه حضر المسرحية في دمشق وامتدحها أيّما امتداح، من حيث الشكل والمضمون، وتطرّق إلى أن أركان الولاية مثل مشير الجيش، المشير "عزت باشا"، والوالي "أحمد حمدي باشا" كانا من بين الحضور، وأنّ الذين أثاروا الضجة هم الشيوخ المنغلقون ولاعبو خيال الظل، أصحاب الألفاظ الفاحشة التي "يكرم عن سماعها الكرام"، بحسب تعبيره[9].
النضوج والانتشار والحملة الثانية
بعد ثلاثة أعوام، انفردت
ثمرات الفنون بنشر خبر لقاء والي دمشق المعيّن حديثًا مدحت باشا بأبي خليل القباني في نهاية الشهر الأخير من عام 1878، وبينت الصحيفة أن مدحت باشا سأل القباني عن مكان مسرحه، فأجابه: بأنه أغلقه بسبب اعتراض بعضهم على المسرح، مما دعا الوالي إلى التعجب، فطلب إليه أن يُعيد افتتاح مسرحه، وقدم له دعمًا كبيرًا بأن خصص له سجنًا مغلقًا في محلة القنوات، بناء على طلبه، لكي يحوله إلى مسرح. ولم يمضِ أقل من شهر حتى أعلنت الصحف أن العمل في تجهيز مسرح أبي خليل القباني قد انتهى، وبات جاهزًا لتقديم العروض، وأن الوالي مدحت باشا وأركان الولاية شهدوا "تشخيص رواية الأمير محمود وزهر الريا، تأليف جناب الأديب البارع أبي خليل أفندي القباني في محل تشخيص الروايات في ثمن القنوات"[10]. وفي هذه المرحلة ثمة وصفٌ لمسرحية "عايدة" كتبه في نهاية شهر نيسان/ إبريل 1879 عضوُ مجلس اللوردات البريطاني السير لورانس أوليفانت (1829-1888)، حين حضر إلى دمشق لبحث تنفيذ مشروعه الاستيطاني الصهيوني في شرقي الأردن مع الوالي مدحت باشا. وقد امتدح أوليفانت المسرح العربي القائم على أسس شبه حضارية، مشيرًا إلى وجود نساء بين الحاضرين يرتدين ألبسة شبه أوروبية[11].
بعد عزل الوالي مدحت باشا، واصل القباني نشاطه المسرحي، وكان الوالي الجديد أحمد حمدي باشا يعرف أبا خليل القباني ومسرحه من فترة ولايته السابقة؛ ولذلك تعامل معه باحترام وتقدير كبيرين، وكان يدعوه إلى الاحتفالات الرسمية لتقديم بعض العروض الخيرية، ومن ذلك عرض مسرحي للأطفال قدمه بمناسبة ختان خمسة وأربعين صبيًا يتيمًا من تلاميذ مكتب الصنائع بعنوان: "الأمير سعيد"[12].
في هذه المرحلة انتقل مسرح القباني إلى محلة العصرونية في وسط دمشق التجاري، الأمر الذي حقق له نقلة كبيرة؛ إذ بات لديه برنامج عروض شبه ثابت، وأصبحت المناظر والديكورات أكثر احترافية[13]. غير أن هذه النقلة جلبت معها المصائب للقباني؛ إذ بدأت الحملة الثانية عليه من جانب شيوخ الطريقة الشاذلية، وعلى رأسهم
الشيخ سعيد الغبرا (1800-1885) الذين لجؤوا إلى الشيخ
أبي الهدى الصيادي (1849-1909)، فسعى لإغلاق مسرح القباني، بدعوى السخرية من ولاة الأمور، ولأنه، أي القباني، انضم إلى دعاة الفكرة العربية[14]. وفور تلقيه برقية من إسطنبول في 30 أيلول/ سبتمبر 1883، أغلق الوالي أحمد حمدي باشا مسرح القباني. وبعد يومين، انتشرت في دمشق منشورات تدعو إلى "فجر عربي جديد"، والثورة على الأتراك، كما تشير وثيقة عثمانية بتاريخ 2 تشرين الأول/ أكتوبر 1883[15].
المرحلة المصرية
يبدو أن القباني كان يظن أن قرار منعه من التمثيل لا يشمل إلا ولاية سورية؛ ليكتشف أن
ولاية حلب هي الأخرى لا تحتمل "بدعة" المسرح، ولذلك وجه اهتمامه إلى مصر. وذكر
كامل الخلعي (1870-1931) أن أستاذه القباني اعتمد في البداية على مساعدة أحد أعيان الإسكندرية، فحضر بجوقه الكبير المؤلف من خمسين فنانًا في الثلث الأخير من شهر حزيران/ يونيو 1884[16].
وخلافًا للانطباع السائد، لم تكن المرحلة المصرية من تجربة القباني، التي امتدت ستة عشر عامًا، على نسق واحد، فقد اعترضته فيها عقبات وتحديات، وسعى للعودة إلى سورية بعد انفصال متصرفية بيروت عنها، وتشكيل ولاية مستقلة عام 1888، غير أنه وُوجِهَ بصمت اضطره إلى العودة إلى مصر بشكل مؤقت، ريثما يحين موعد معرض شيكاغو الذي شارك فيه بفريق دمشقي بيروتي مختلط، قبل أن يعود بهذا الفريق إلى مصر ليبني مسرحًا في القاهرة، ويشكل جوقًا سوريًا مصريًا، شكَّل على مدى أربع سنوات علامة فارقة في مسيرة المسرح العربي، كما سيأتي تفصيله.
نجاحٌ وحملة ظالمة
حقق القباني نجاحًا منقطع النظير في الإسكندرية والقاهرة خلال عامي 1884 و1885، وواكبت صحيفة
الأهرام نشاطه لحظة بلحظة[17]، وقدّم في الأوبرا المصرية خمسة عشر عرضًا من 9 إلى 29 كانون الثاني/ يناير 1885، كما يذكر محمد يوسف نجم (1925-2009) استنادًا إلى وثائق دار الأوبرا التي اطلع عليها[18]، غير أن حملة صحافية لصحيفة
الزمان القاهرية استهدفته واتهمته بأشنع التهم، مستعيدة الأجواء السلبية التي رافقت إغلاق مسرحه في دمشق[19]، فحزم أمره وقرر مغادرة مصر بشكل نهائي في النصف الأول من عام 1886، أي بعد حملة صحيفة
الزمان مباشرة، وانتقل إلى الآستانة في العام نفسه، وعاد منها في عام 1887 قبل أن يستقر في بيروت، ويبدأ بسعيه الدؤوب لتأسيس مسرح احترافي فيها[20].
مغامرة بيروت - شيكاغو
ثمة وثيقة في الأرشيف العثماني غاية في الأهمية، مصدرها ولاية بيروت، موجهة إلى مكتب الصدارة العظمى في إسطنبول؛ تتحدث عن طلبٍ تقدّمَ به "المدعو أحمد قباني" بحسب صياغة الوثيقة، "لمنحه رخصة إقامة ’تياترو‘ في بيروت لعرض لعبيات (مسرحيات) باللغة العربية"، وأنه سيراعي تحذيرات الحكومة في "اجتناب ما يخالف الآداب العامة"، وتاريخها قبل شهر رمضان من سنة 1306هـ، أي قبل شهر أيار/ مايو من العام 1889م[21].
وتجلي هذه الوثيقة الغموض الذي حيَّر دارسي سيرة القباني، وخصوصًا الأكاديميَّيْن، محمد يوسف نجم، وسيد علي إسماعيل (1962-)، والسبب أن أخبار نشاطات القباني اختفت من الصحف المصرية اعتبارًا من مطلع عام 1886 وحتى عام 1889، وهي الفترة المجهولة من سيرته، التي يمكن أن تُسمّى "الفترة البيروتية"، ذلك أن تقديمه طلبَ ترخيص بناء مسرح يقدِّم فيه مسرحياته في مدينة بيروت يتزامن مع بدايات إنشاء ولاية بيروت. ولكن المحاولة فشلت، إذ لم يتلقَّ جوابًا عن طلبه، فعاد مكرهًا إلى مصر عام 1889 ليتفادى كارثة مالية، ولكنه بعد أن تفاداها، ظهر مجددًا في بيروت، وهو يدرب فريقه الجديد على برنامج مختلف يخص جمهور معرض شيكاغو عام 1893.
رحلة شيكاغو
وصل القباني إلى نيويورك في 16 نيسان/ أبريل 1893، على رأس فريق فني دمشقي-بيروتي بلغ عدد أعضائه أكثر من 50 ممثلًا وممثلة، وموسيقيًا وموسيقية[22]. وكان لافتًا أن تعرِّف صحيفة
كوكب أميركا، لسان حال الجالية السورية في الولايات المتحدة الأميركية، الشيخ أحمد أبا خليل القباني في ثلاثة أخبار، بأنه مدير الممثلين في "مرسح العادات الشرقية"[23]، وهو ما يشير إلى توقف القباني عن التمثيل، وتكريس وقته للإخراج والإدارة الفنية.
قدمت فرقة القباني ثمانية عروض غنائية استعراضية مبسطة، على خشبة "مرسح العادات الشرقية" في جناح "القرية التركية" التي كان يديرها ويشغلها تجار وفنانون من ولاية سورية العثمانية. وكانت عروضًا، ذات طبيعة فلكلورية، تماشيًا مع رغبة منظمي المعرض الذين أرادوا أن يطغى هذا الجانب على أي جوانب أخرى[24]، فقدمت الفرقة: "الدراما الكردية" و"الدراما القلمونية"، و"عنترة بن شداد" و"المروءة والوفاء"، و"هارون الرشيد"، و"عرس دمشقي"، و"العروس التركية" و"الابن الضال"، بحسب الدليل المصور الصادر باللغة الإنكليزية، والموجه إلى جمهور المشاهدين الأميركيين[25].
فرقة القباني بكامل أعضائها على المسرح الشرقي في معرض شيكاغو الكولومبي عام 1893 ويظهر أبو خليل جالسا في آخر الصف الثاني يسار الصورة. المصدر: أرشيف الباحث تيسير خلف.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
لقيت العروض استقبالًا متفاوتًا من الصحافة الأميركية، وكُتِبت عنها مقالات نقدية مطوّلة، كشفت الكثير من تفاصيل التكنيك المسرحي "القباني". وثمة مقال استثنائي عن "مسرحية عنترة بن شداد" لمراسل صحيفة
بيتسبيرغ ديسباتش (Pittsburgh Dispatch)، نشر في أكثر من جريدة أميركية، وصف فيه العرض بكامله منذ الفقرات الفنية التمهيدية وصولًا إلى المسرحية نفسها ثم الفقرات الفنية الختامية. والحق، أنّ هذا المراسل قدم وصفًا ثمينًا غير مسبوق للفرجة المسرحية القبانية التي تبدو مليئة بالحركة والكوميديا، والاعتماد على الترميز والاختزال. والأهم من كل ذلك، أنه كسر الجدار الرابع بين الخشبة والجمهور، وفق قوانين "العلبة الإيطالية"[26].
غادر القباني الولايات المتحدة في 26 حزيران/ يونيو 1893، بعد أكثر من شهرين من وصوله إليها[27]، بسبب الضغوط التي كانت تحاصر الفرقة من جانب رجال "الخفية" "المخابرات السرية"؛ إذ وصلت تقارير أمنية تتهم الفرقة لحظة إقلاعها من ميناء بيروت، بعزمها على "الإساءة إلى العرب والمسلمين"، عبر استخدام مترجم يقول بالإنكليزية: "إن المسلمين ظالمون، وإن المسيحيين مظلومون"، وهو ما استدعى تحقيقات ومخاطبات بين شيكاغو و"المابين الهمايوني" في الآستانة، استمرت نحو شهرين، ففضل القباني الانسحاب مبكرًا والعودة إلى البلاد، بعد أن تعقَّد الأمر، ووصل إلى البحث في أسماء، ومهمات، وعدد المسلمين المشاركين في العروض، فاتفق مع شركائه البيروتيين، كما يبدو، على العودة منفردًا؛ بسبب شهرته، ولأن العروض كانت تسير على خير ما يرام[28].
فترة ذهبية
قصد القباني القاهرة مجددًا بعد اكتمال عودة أفراد جوقه من شيكاغو، وبعد أن بنى مسرحًا ضخمًا في العتبة، وفق أحدث المواصفات، بالتشارك مع
عبد الرزاق بك عناية، ضم إلى مسرحياته ممثلين وموسيقيين مصريين، وبدأ بتقديم عروضه بشكل منتظم، فأضاف إلى مسرحياته القديمة مسرحيات جديدة، أسهم في كتابتها كتاب آخرون[29].
ويخبر القباني أحد أصدقائه الدمشقيين في رسالة من القاهرة عام 1895 بأنه سيستغل فترة وجوده في مصر لإعداد رواياته (مسرحياته) للطباعة، وعددها عشرون رواية، كما أنه كشف عن عزمه على وضع كتاب في الموسيقى أسماه "رسالة في ضوابط الأنغام أصولًا وفروعًا"[30]، ولكن رغبة القباني لم تتحقق كاملة، فعلى صعيد النصوص، لم يُرَ من تلك المسرحيات سوى سبع، طُبع بعضها بعد وفاته بجهد تلميذه كامل الخلعي وهي: رواية
هارون الرشيد مع أنس الجليس، ورواية
عنترة بن شداد، ورواية
الأمير محمود نجل شاه العجم، ورواية
لباب الغرام أو
الملك متريدات، ورواية
هارون الرشيد مع الأمير غانم بن أيوب وقوت القلوب، ورواية
عفيفة. أما رواية
ناكر الجميل، فقد طبعها وتصرف بنصها أحد الناشرين، ولذلك من الافتئات بمكان نسبتها إلى القباني حتى وإن وضع الناشر اسم القباني عليها[31].
وهناك ثلاثة عشر نصًا آخر وصلت إلى محمد يوسف نجم في سبعة دفاتر، عن طريق سيدة دمشقية كانت تظنها لقريب لها هو
رشدي الشمعة، تبين لنجم أنها لأبي خليل القباني، وهي: "يوسف بن تاشفين"، و"المعتمد بن عباد"، و"يزيد بن عبد الملك مع جاريتيه حبابة وسلاّمة"، و"عبد السلام الحمصي"، و"رضية"، والمشهد الأخير من "مجنون ليلى"، و"الشيخ وضاح ومصباح وقوت الأرواح"، و"الإسكندر"، و"مي"، و"نفح الربى"، و"القائد الخائن"، و"الوزير أبي الوليد بن زيدون"[32]. ولا أحد يعلم لماذا لم ينشر نجم هذه المسرحيات، ولا أين هي الآن. أما مخطوط أبي خليل "رسالة في ضوابط الأنغام" الذي أشار إليه في رسالته الآنفة الذكر، فيبقى مجهول المصير.
وبشهادة جميع الذين كتبوا عن القباني من معاصريه، فإن هذه الفترة هي الأكثر عطاءً في سيرته، إذ أسس مدرسة فنية تخرّج فيها عدد من أعلام الموسيقى والغناء والتمثيل في تاريخ مصر، أمثال كامل الخلعي، وعمر وصفي (1874-1945)، والشيخ درويش الحريري (1881-1957)، وغيرهم ممن كتبوا شهاداتهم وأقروا بفضله وأستاذيته[33].
عودة أخيرة إلى دمشق
شاهدة قبر القباني في دمشق. المصدر: أرشيف الباحث تيسير خلف
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
في أواخر عام 1900 جرت الرياح بما لا تشتهي سفن القباني، إذ وقعت له كارثة قاصمة باحتراق مسرحه القاهري، الأمر الذي اضطره إلى العودة إلى دمشق، وإن مؤقتًا، ومع أنه نجح في تنظيم عروض لفريقه المسرحي السوري-المصري في بيروت، بعد أن امتنع عن توقيع العقد مع المتعهد اللبناني، خشية من المنع، فإنه لم يفلح في تنظيم مثل هذه العروض في دمشق؛ لأن الوالي ناظم باشا كانت لديه إخبارية بأن هذه الفرقة المسرحية القادمة من مصر، التي وصلت في شباط/ فبراير 1901 إلى دمشق، ما هي إلا فرقة القباني، وإن غيّرت اسمها، فما كان منه إلا أن منعها من دخول ولاية سورية[34].
ومن المفارقات أنه في الوقت الذي طرد فيه فريق القباني المسرحي من دمشق على يد "بوليس" الولاية، بسبب أبي خليل القباني، كونه أحد "الأشخاص المضرين"، كان السلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918) يوقّع إرادة سنية بتخصيص معاش شهري لكريمات أحمد أفندي آقبيق زاده من أهالي الشام الشريف، وهنَّ: سلوى، وعادلة، وكاتبة، قدره خمسمئة قرش[35].
وفي شهر تشرين الأول/ أكتوبر 1902، تفشى وباء الكوليرا، المنقول من حجاج الهند، في منطقة المشرق العربي ومصر، ففُرِض الحجر الصحي على دمشق لأكثر من عامين، بعد أن ذهب ضحيته الآلاف، وكان من بين ضحاياه الشيخ أحمد أبو خليل القباني، فقضى في 31 كانون الأول/ ديسمبر 1902، بحسب شاهدة قبره[36].
المراجع
العربية
أبازة، أحمد.
ثمرات الفنون. العدد 29. الثلاثاء 21 و3 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1875.
أبو شنب، عادل. "حقائق عن مسرح أبي خليل القباني في رسالة بخط يده تنشر لأول مرة".
المعرفة. العدد 496 (كانون الثاني/ يناير 2005). ص 300-310.
إسماعيل، سيد علي.
جهود القباني المسرحية في مصر. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 2008.
آل جندي، أدهم.
أعلام الأدب والفن. ج 1. دمشق: مطبعة مجلة صوت سورية، 1954.
"التشخيص العربي في تياترو الجنينة".
الزمان (القاهرة). 22 كانون الأول/ ديسمبر 1885.
الجلاد، محمد رشيد.
ثمرات الفنون. العدد 7. الثلاثاء 30 أيار/ مايو و1 حزيران/ يونيو 1875.
الخلعي، محمد كامل.
الموسيقى الشرقي. القاهرة: مطبعة التقدم، 1904.
خلف، تيسير.
من دمشق إلى شيكاغو:
رحلة أبو خليل القباني إلى أميركا
1893. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2018.
________. وقائع مسرح أبي خليل القباني في دمشق
(1873-1883):
حقائق ووثائق تنشر للمرة الأولى. ميلانو: منشورات المتوسط، 2019.
عربيلي، نجيب.
كوكب أميركا. العدد 54. 21 نيسان/ أبريل 1893.
________.
كوكب أميركا. العدد 65. 30 حزيران/ يونيو 1893.
قباني، عبد القادر.
ثمرات الفنون. العدد 25. الثلاثاء 23 و5 تشرين الأول/ أكتوبر 1875.
نجم، محمد يوسف.
المسرحية في الأدب العربي الحديث
1847-1914. بيروت: دار الثقافة، 1967.
________.
مسرحيات الشيخ إبراهيم الأحدب. بيروت: دار صادر، 1985.
نظمي، أديب.
ثمرات الفنون. العدد 323. الإثنين 11 و23 أيار/ مايو 1881.
________.
ثمرات الفنون. العدد 380. الإثنين 26 نيسان/ أبريل ش و8 أيار/ مايو غ 1882.
الأجنبية
de Vogüé, Eugène-Melchior. “Journées de voyage en Syrie.”
Revue des Deux Mondes. 3e période, vol. 7 (1875).
Oliphant, Laurence.
The Land of Gilead: With Excursions in the Lebanon. London: William Blackwood and Sons, 1880.
The Galveston Daily News (Texas). 24/5/1893.
الأرشيف العثماني
Osmanlı Arşivi:
BEO, 1629/1221600.
Yıldız Evrakı (Y.EE), 14/157.
DH.ŞFR, 119/10.
DH.MKT, 1638/106.
İ.ML, 43/11.
Y.EE, 79/86.
Y.PRK.UM, 53/24/1.
[1] ناقش تيسير خلف في كتابه عن المرحلة الدمشقية من تجربة القباني هذه المسألة بتوسع. يُنظر: تيسير خلف،
وقائع مسرح أبي خليل القباني في دمشق
(1873-1883):
حقائق ووثائق تنشر للمرة الأولى (ميلانو: منشورات المتوسط، 2019)، ص 21-23.
[2] أدهم آل جندي،
أعلام الأدب والفن، ج 1 (دمشق: مطبعة مجلة صوت سورية، 1954)، ص 249.
[3] تيسير خلف،
من دمشق إلى شيكاغو:رحلة أبو خليل القباني إلى أميركا
1893 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2018)، ص 43.
[4] محمد كامل الخلعي،
الموسيقى الشرقي (القاهرة: مطبعة التقدم، 1904)، ص 137-140.
[5] Eugène-Melchior de Vogüé, “Journées de voyage en Syrie,”
Revue des Deux Mondes, 3e période, vol. 7 (1875), p. 358.
[6] Osmanlı Arşivi, Y.EE. 79-86.
[7] محمد رشيد الجلاد،
ثمرات الفنون، العدد 7، الثلاثاء، 30 أيار/ مايو و1 حزيران/ يونيو 1875، ص 4.
[8] عبد القادر قباني،
ثمرات الفنون، العدد 25، الثلاثاء 23 و5 تشرين الأول/ أكتوبر 1875، ص 3.
[9] أحمد أبازة،
ثمرات الفنون، العدد 29، الثلاثاء 21 و3 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1875، ص 3.
[10] خلف، وقائع مسرح أبي خليل القباني، ص 50-53.
[11] Laurence Oliphant,
The Land of Gilead, with Excursions in Lebanon (London: W. Blackwood and Sons, 1880), pp. 43-441.
[12] أديب نظمي،
ثمرات الفنون، العدد 323، الإثنين 11 و23 أيار/ مايو 1881، ص 4.
[13] أديب نظمي،
ثمرات الفنون، العدد 380، الإثنين 26 نيسان/ أبريل ش و8 أيار/ مايو غ 1882، ص 1.
[14] كتب أبو الهدى الصيادي في تقريره الأمني للسلطان عبد الحميد بشكل صريح، أن سبب طلبه إغلاق مسرح القباني هو السخرية من هارون الرشيد ووكلائه وأمرائه، وكون ذلك يفسد أذهان العامة. يُنظر:
Osmanlı Arşivi, COA, Y.EE.14/157.
[15] Ibid., DH. ŞFR.119-10.
[16] خلف،
وقائع مسرح أبي خليل القباني، ص 154-155.
[17] اعتمد الباحثون الذين تناولوا تجربة القباني في مصر على أرشيف صحيفة
الأهرام. يُنظر: محمد يوسف نجم،
المسرحية في الأدب العربي الحديث
1847-1914 (بيروت: دار الثقافة، 1967)؛ سيد علي إسماعيل،
جهود القباني المسرحية في مصر (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 2008).
[18] نجم،
المسرحية في الأدب العربي الحديث، ص 117.
[19] أثارت صحيفة
الزمان القاهرية قضية "الفتيان المرد" الملفقة، زاعمة أنها السبب وراء إغلاق مسرح القباني في دمشق. يُنظر: "التشخيص العربي في تياترو الجنينة"،
الزمان (القاهرة)، 22 كانون الأول/ ديسمبر 1885، ص 1.
[20] خلف،
وقائع مسرح أبي خليل القباني، ص 169-173.
[21] قُدِّم الطلب قبل شهر رمضان عام 1306هـ، أي قبل شهر أيار/ مايو 1889م، وتؤكد الوثيقة أن طلب القباني يتعلق بإقامة مسرح، وليس تقديم عروض فقط. يُنظر:
Osmanlı Arşivi, DH.MKT.1638/106.
[22] خلف،
من دمشق إلى شيكاغو، ص 42.
[23] نجيب عربيلي،
كوكب أميركا، العدد 54، 21 نيسان/ أبريل 1893، ص 1.
[24] خلف،
من دمشق إلى شيكاغو، ص 51.
[25] للاطلاع على ترجمة الدليل المصور للعروض إلى العربية، يُنظر: المرجع نفسه، ص 117-125.
[26]The Galveston Daily News (Texas), 24/5/1893, p. 6.
[27] نجيب عربيلي،
كوكب أميركا، العدد 65، 30 حزيران/ يونيو 1893، ص 1.
[28] خلف،
من دمشق إلى شيكاغو، ص 84-89.
[29] إسماعيل، ص 103-107.
[30] عادل أبو شنب، "حقائق عن مسرح أبي خليل القباني في رسالة بخط يده تنشر لأول مرة"،
المعرفة، العدد 496 (كانون الثاني/ يناير 2005)، ص 300-310.
[31] خلف،
وقائع مسرح أبي خليل القباني، ص 182.
[32] محمد يوسف نجم،
مسرحيات الشيخ إبراهيم الأحدب (بيروت: دار صادر، 1985)، ص 20-21.
[33] ومثالًا على ذلك يقول المحامي إسماعيل عاصم (1840-1919)، في خطبة بعد عرض مسرحية الكوكبين في 14 كانون الثاني/ يناير 1897: "إنني بصفتي مؤلف روايات عديدة، وبصفتي أُحسن التمثيل، وقد شخّصت مرات عديدة بعض أدوار رواياتي، أفتخر بأن أقول: ’إن حضرة الفاضل الشيخ أبا خليل، هو أستاذي الوحيد في فن التمثيل، ولا أعطي غيره هذا اللقب‘". يُنظر: إسماعيل، ص 104.
[34] Osmanlı Arşivi, Y.PRK.UM. 53. 24. 1.
[35] Ibid., BEO.1629/1221600; Ibid., İ.ML.43/11.
[36] خلف،
وقائع مسرح أبي خليل القباني، ص 195.