الموجز
أحمد شفيق مدحت باشا (1822-1884) رجل دولة وبيروقراطي عثماني، من أبرز قادة مرحلة
التنظيمات {{التنظيمات الخيرية: حركة إصلاحية رسمية أُطلقت عام 1839 لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة العثمانية إداريًا وقانونيًا، استهدفت مواءمة الأنظمة العثمانية مع الأنماط الغربية السائدة.}}، تولى منصب الوالي في عدد من الولايات العثمانية الواسعة، منها ولاية بغداد، وولاية سورية، وولاية أيدين، وولاية إدرنة، وولاية الطونة، وولاية نيش في صربيا الجنوبية ومقدونيا الجنوبية. وفي كل ولاية ترك بصماته الإصلاحية، وعمت شهرته ولاية الطونة حيث وضع أسس نهضة بلغاريا الحالية.
ارتبطت شهرته اللاحقة بإدارته لولاية سورية، التي تحالف فيها مع الإصلاحيين العرب وقدم مشروعًا شاملًا للباب العالي استهدف النهوض بواقع جبل العلويين، وتحديث التعليم، وتطوير البنية التحتية والمنظومة الإدارية، مع السعي لتعزيز اللامركزية وتمكين الإدارة المحلية. وانطلاقًا من تجاربه المتنوعة، يُعدّ مدحت باشا من واضعي أسس هذا التوجّه نحو تقليص المركزية، واعتماد الإدارة المحلية، وقد تعرّف مباشرة على تجاربها في الدول الأوروبية، خلال تنقله بين باريس ولندن وفيينا وبروكسيل، ما أتاح له تكوين تصور عملي بشأن سبل الإفادة منها في تدبير شؤون الولايات العثمانية، وصياغة هذه الرؤية في إطار إرساء مبادئ لتنظيم محلي اقترحه على الحكومة المركزية.
خلّف مدحت باشا هذه البصمات في الولايات التي تولاها بصورة ملموسة ليصل عشية خلع
السلطان عبد العزيز {{عبد العزيز: (1830-1876، حكم بين عامي 1861-1876م)، السلطان العثماني الثاني والثلاثون، تميز عهده بإدخال إصلاحات واسعة، وزيارته التاريخية لأوروبا، وانتهى بخلعه.}} إلى منصب رئيس
مجلس شورى الدولة {{مجلس شورى الدولة: مجلس أُسس عام 1868 ليكون هيئة استشارية وقضائية إدارية (مجلس الدولة)، وأدى دورًا محوريًا في صياغة القوانين والأنظمة الإدارية للدولة.}}، ومن ثم إشغاله منصب
الصدر الأعظم للمرة الثانية مع العهد الدستوري الجديد الذي استهل به
السلطان عبد الحميد الثاني {{عبد الحميد الثاني: (1842-1918م، حكم بين عامي 1876 و1909م)، السلطان العثماني الرابع والثلاثون تبنى فكرة الجامعة الإسلامية، وتميز عهده بالمركزية الشديدة، وإعلان الدستور مرتين.}} حكمه.
وعلى الرغم من أن إجمالي مدد خدمة مدحت باشا في وزارات الدولة ودواوينها العليا بوصفه رئيسًا لشورى الدولة ووزيرًا للعدل لم تتجاوز سنتين وأربعة أشهر و12 يومًا، فإن أدواره كانت فاعلة ومؤثرة في مفاصل السياسة العثمانية، نظرًا إلى كونه ممثلًا رئيسًا لمرحلة التنظيمات ومقاصدها. وقد تمكن خصومه السياسيون من تقديمه إلى المحاكمة، والحكم عليه بالإعدام في جلسة واحدة استمرت ثلاثة أيام، وبدأت في 18 تموز/ يوليو 1881، إلا أن السلطان خفف الحكم عليه إلى السجن مدى الحياة في قلعة الطائف في الحجاز، ليكتب مذكراته هناك في مجلدين، قبل أن يُخنق في سجنه يوم 6 أيار/ مايو 1884.
ظل مدحت باشا حاضرًا بقوة في الذاكرة الجمعية التركية الحديثة بعد موته بوصفه أبًا للدستور، فنقلت الحكومة التركية رفاته من إسطنبول إلى مقبرة كبار الباشوات الذين دافعوا عن الدستور العثماني، والمسماة بنصب الحرية، كما أُطلق اسمه على العديد من المدارس والشوارع في تركيا عرفانًا له لما أسداه لبناء تركيا الحديثة.
السيرة الأولى
ولد أحمد شفيق في إسطنبول في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 1822 من أب ينتمي إلى روسجوك مركز ولاية الدانوب، يعمل موظفًا بسيطًا في وزارة الأوقاف. وكان أحمد شفيق يرافق والده في كل المهمات التي عُهدت إليه خارج العاصمة العثمانية. في سنة 1834، ولم يكن عمره يتجاوز الثانية عشرة، وبوساطة من رئيس الكتاب عاكف باشا، التحق بقلم
الديوان الهُمايوني {{الديوان الهُمايوني: المجلس الأعلى للدولة العثمانية برئاسة السلطان، اختص بإدارة الشؤون السياسية والمالية والعسكرية، والنظر في تظلمات الرعايا والبت فيها.}}. ولم يكن أحمد شفيق يشكل استثناءً في هذا الباب، فقد حرصت الإدارة العثمانية على إلحاق يافعين بها من أجل التمرس على الخدمة الإدارية. وفي قلم الديوان أصبح الفتى أحمد شفيق يعرف بمدحت. كما عكف فيه على تعلم الكتابة الديوانية، وهي من أصعب الخطوط العثمانية. وكرس وقته أيضًا لتعلم اللغتين العربية والفارسية، بالإضافة إلى دراسة النحو والمنطق والفلسفة والفقه. ومن ثم يمكن القول إن أحمد مدحت لم يكن خريج مدرسة أو جامعة، بل كان خريج سلك الإدارة العثمانية نفسها.
في سنة 1840 نقل إلى "قلم الكتابة" في الصدارة العظمى، ونظرًا إلى معرفته الجيدة باللغة العربية، عُيّن عام 1842 كاتبًا مساعدًا في غرفة الترجمة بالشام، وهي أول وظيفة له في الإيالات، ولم يكن قد بلغ سن العشرين. ولم يطل مقامه فيها، إذ سرعان ما غادرها ليتقلد منصب كاتب ديوان
أبي بكر سامي باشا {{أبو بكر سامي باشا: (Ebûbekir Sâmî Paşa، ت. 1849)، والٍ عثماني تنظيماتي، تولى حكم ولايات كقونيا وسالونيك، واشتُهر بدعمه للتعليم.}} الذي اصطحبه إلى قونيا سنة 1845 ثم قسطموني سنة 1847.
محمد أمين قبرصلي باشا، المصدر: أرشيف الباحث عمرو الملّاح
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
واصل أحمد مدحت تقلبه في سلك البيروقراطية العثمانية عندما عين في واحدة من أبرز المؤسسات القانونية في الدولة العثمانية في نهاية الأربعينيات وهي "مجلس الأحكام العدلية"، وفي مكتب المراسيم التابع لها على وجه التحديد سنة 1849. ويمكن اعتبار تعيين أحمد مدحت في هذه المؤسسة بمنزلة نقطة انطلاقه نحو تولي مناصب أكثر أهمية، حيث أضحى الكاتب الأول للمجلس منذ سنة 1851[2]. لقد أكسبته الوظيفة تجربة أخرى تتمثل في التكوين القانوني. ولعل ما أظهره من مهارات خلال وظيفته هذه وتجربته السابقة في الشام هي التي أقنعت المسؤولين في إدارته بتعيينه في مهمة لفحص الاختلالات المالية في الشام وحلب، وتمكن في ظرف ستة أشهر من استعادة التوازن المالي في هذه
الإيالة العربية، ومكن الخزينة العثمانية من استرجاع مبالغ مهمة قدرت بـ 150.000 أقجة وإقالة المسؤول الأول عن هذه الاختلالات
محمد أمين قبرصلي باشا {{محمد أمين قبرصلي باشا: (Kıbrıslı Mehmed Emin Paşa، 1813-1871)، رجل دولة وقائد عسكري عثماني، تولى منصب الصدر الأعظم ثلاث مرات في عهد السلطان عبد المجيد الأول، وعُرف بقراراته الإدارية الحازمة وإصلاحاته المالية.}}[3].
ما كان للنجاح الذي حققه أحمد مدحت أن يمر من دون أن تنتبه إليه الإدارة العليا في الدولة العثمانية، إذ استرعى اهتمام الصدر الأعظم
مصطفى رشيد باشا {{مصطفى رشيد باشا: (Mustafa Reşid Paşa، 1800-1858)، رجل دولة ودبلوماسي عثماني رفيع، تولى منصب الصدر الأعظم ست مرات، ويُعدّ المهندس والمخطط الرئيس لعصر "التنظيمات" وصاحب الفضل في صياغة مرسوم "خط كُلخانة" المشهور.}} الذي ولاه مهمة سرية في المجلس الأعلى للدولة. وكان ظاهر الوظيفة تدوين محاضر اجتماعات
الباب العالي {{الباب العالي: مصطلح استُخدم منذ أواخر القرن الثامن عشر للإشارة إلى "باب الباشا" أو دائرة الصدارة العظمى، وبعد تأسيس النظارات (الوزارات) أصبح يُطلق على الحكومة العثمانية ككل.}}. وفي أثناء تولي هذه الوظيفة دخل أحمد مدحت عالم السياسة عندما أسندت إليه مهمة كتابة تقارير عن النزاعات الدولية التي أدت إليها
حرب القرم {{حرب القرم: صراع عسكري (1853-1856) بين الدولة العثمانية وحلفائها ضد روسيا القيصرية، انتهى بهزيمة الروس وإقرار معاهدة باريس.}}، لاسيما بعد أن حضر المحادثات بين وزير الخارجية العثماني
رفعت باشا {{صادق رفعت باشا: (Mehmed Sadık Rıfat Paşa، 1807-1857م)، رجل دولة ودبلوماسي عثماني، شغل منصب وزير الخارجية وسفير لدى فيينا، ويُعدّ من أبرز الممهدين الفكريين لعصر "التنظيمات" عبر رسائله الداعية للعدالة وسيادة القانون.}} من جهة، ومبعوث الإمبراطور نيقولا الأمير الكسندر سيرجيفيتش مينشيكوف (Alexander Sergeyevich Menshikov، 1787-1869) من جهة ثانية.
كان من الممكن أن يتوقف مسلسل ترقي أحمد مدحت في سنة 1854، عندما تولى محمد أمين قبرصلي باشا الصدارة العظمى، وكان قد تولاها ثلاث مرات آخرها عند
السلطان عبد المجيد الأول {{عبد المجيد الأول: (1823-1861، حكم بين عامي 1839-1861)، السلطان العثماني الحادي والثلاثون، استهل عهده بإعلان مرسوم "خط كُلخانة" الذي دشّن عصر "التنظيمات" والإصلاحات الإدارية الحديثة.}}، فقد عهد إليه بمهمة اتسمت بقدر كبير من الصعوبة بهدف الانتقام منه، وتتعلق بالتحقيق في موضوع الشكاوى عن تدبير الإدارة المحلية في البلقان. غير أنه فاجأ الجميع بنجاحه في المهمة، وتمكن من إعادة الاستقرار إلى إيالة أدرنة على غرار ما فعله في أثناء مهمته في الشام سابقًا. فلم يكتف بوضع حد لمشكلات
الولاية البلقانية فحسب، بل أعد مخططًا لتنظيم الإدارة المحلية اقترحه على الإدارة المركزية في إسطنبول. وصادف ذلك عودة رشيد باشا إلى الصدارة العظمى. وقد أخذ الديوان العثماني مسودة المخطط بعين الاعتبار، لاسيما وأن رشيد باشا كان يخطط لإعادة النظر في تنظيم الإيالات على أساس التخفيف من قيود المركزية الشديدة[4].
محمد أمين عالى باشا المصدر: أرشيف الباحث عمرو الملّاح
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وفي سنة 1855، عُهد إليه بمهمة اجتماعية تمثلت في توزيع المساعدات عقب الزلزال الذي شهدته مدينة بورصة في 28 شباط/ فبراير 1855، وقد تجاوزت مهمته توزيع المساعدات إذ نجده يساهم في الإشراف على إعادة إعمار المدينة وتنظيمها. وما إن عاد من مهمته في بورصة حتى أوكل إليه أمر تفتيش ولاية ودين وسيلستره، وأعد على إثرها تقريرًا يقف فيه عند الاختلالات التي تعاني منها الولايتان محملًا المسؤولية كاملة إلى والييهما. ويبدو أن التقرير الذي كتبه لم يلق آذانًا صاغية في الإدارة المركزية، فرُفض تقريره وعين السلطان أحد العلماء، وهو خير الدين أفندي، الذي لم يعمل في تقريره إلا على تأكيد ما ورد في تقرير أحمد مدحت. وكانت السنة التي وصل فيها التقرير هي السنة التي توفي فيها الصدر الأعظم رشيد باشا وتولي
محمد أمين عالي باشا {{محمد أمين عالي باشا: (Mehmed Emin Âli Paşa، 1815-1871)، أحد كبار الساسة والدبلوماسيين العثمانيين في عهد "التنظيمات"، تولى منصب الصدر الأعظم خمس مرات، واشتهر بصياغته "المرسوم الإصلاحي" وتمثيله الدولة بمعاهدة باريس.}}، مكانه، وبالتالي لم تجر متابعة تقرير خير الدين أفندي.
في زمن عالي باشا أوفد أحمد مدحت، إلى أوروبا لمدة ستة أشهر تنقل فيها بين باريس ولندن وفيينا وبروكسيل، جمع خلالها معلومات مفيدة عن كيفية تدبير الإدارة المحلية في هذه البلدان، وكون فكرة عما يمكن الاستفادة منه في تدبير شؤون الإيالات في الدولة العثمانية. ولما عاد أحمد مدحت عين في
ديوان الأحكام العدلية {{ديوان الأحكام العدلية: أول محكمة تمييز (استئناف عليا) عثمانية أُسست في مرحلة التنظيمات، وقد انفصلت عن السلطة التنفيذية لتمثل قمة الهرم القضائي المدني.}} سنة 1859.
تجربة الإدارة المحلية: أحمد مدحت واليًا
لم يبق أحمد مدحت سوى أقل من سنتين في هذا المنصب وعُيّن واليًا على نيش سنة 1861، ليبدأ تجربة جديدة في حياته البيروقراطية هي الإدارة المحلية.
إيالة نيش
وصل أحمد مدحت باشا إلى نيش عاصمة إيالة نيش التي تشمل أرجاء صربيا الجنوبية، ومقدونيا الجنوبية كافة، في الوقت الذي كانت هذه الولاية تمر فيه بظروف صعبة تمثلت في غياب الأمن وسيادة الفوضى على الرغم من توافر حامية عسكرية عثمانية مهمة بها. وكانت المقاربة التي تبناها في حل المشكلات التي تعاني منها الولاية مقاربة تقوم على التشاركية. فقبل أن يباشر مهمات عمله فيها عقد اجتماعًا موسعًا مع وجهاء الإيالة وأعيانها، وطلب منهم فيه طرح المشكلات وإبداء الاقتراحات. وكانت الخلاصة التي انتهى إليها من خلال عقد هذا اللقاء هي أن الإيالة تعاني من مشكلتين أساسيتين: تتمثل أولاهما في غياب الطرق والمواصلات بكل ما يترتب على ذلك من صعوبات على صعيد التبادل التجاري، فقد كان من الصعب على الفلاحين تصريف منتجاتهم وتسويقها. أما ثانيهما فتتمثل في سيادة قطع الطرق وغياب الأمن، ما أدى إلى الهجرة نحو صربيا، التي استغلها السلاف وشكلت خطورة على الوضع الحدودي للدولة العثمانية[5].
وخلال العامين اللذين قضاهما على رأس الولاية، تمكن من حل المشكلات الأمنية التي كانت تعاني منها الولاية من دون اللجوء إلى الحلول العسكرية. فقد اشتغل على الجانب الاجتماعي والاقتصادي في الإيالة فبنى الطرق، ومن أهمها الطريق الرابط بين نيش وصوفيا، وأنشأ الجسور والقناطر، وعمل على ترسيخ سيادة الأمن في جميع أرجاء الإيالة من طريق القضاء على قطاع الطرق ومواجهة التحرشات البلغارية على الحدود. وأسهمت هذه الإجراءات في وضع حد للهجرة نحو صربيا، بل أكثر من ذلك شرع العديد ممن هاجروا في العودة إلى الولاية.
قدم أحمد مدحت نموذجًا في التدبير الإداري، ولعل النجاح الذي حققه في إيالة نيش هو الذي جعل السلطان عبد العزيز يعينه ضمن اللجنة التي عُهد إليها بوضع إصلاحات إدارية تتعلق بإدارة الولايات فيما عُرف بــ
نظام الولايات {{نظام الولايات: قانون إداري صدر عام 1864 استبدل الإيالات بالولايات وقسمها لوحدات إدارية أصغر مع تفعيل المجالس المحلية ذات الطابع التمثيلي.}} الجديد. وقد تمكن مدحت باشا بفضل خبرته وأسلوب تعامله مع مشكلات نيش من أن يكون عضوًا فعالًا في هذه اللجنة.
ولاية الدانوب
كان من مخرجات لجنة إصلاح الإدارة المحلية وضع تقسيم جديد للولايات، ففي البلقان أُدمجت ثلاثة أقاليم في ولاية واحدة، وهي ولاية الدانوب (الطونة) التي أصبحت تضم سيلستره ونيش وودين، ومركزها مسقط رأس والد مدحت باشا روسجوك ابتداء من 1864. ولم تجد الدولة المركزية في إسطنبول أحسن من مدحت باشا لتدبير شؤون الولاية الجديدة التي وصلها في تشرين الأول/ أكتوبر 1864، وقضى فيها ما يزيد على ثلاث سنوات ونصف السنة، حقق خلالها نجاحات ملموسة تمثلت في وضع إجراءات النظام الجديد للولايات موضع التنفيذ[6]. وعلى الصعيد الاقتصادي تحقق تقدم ملموس في النقل البري والنهري، وعمل الوالي الجديد على تطوير الزراعة، وربط التطوير الزراعي بتوفير الإمكانات المالية عندما أحدث ما يُعرف بـ "صناديق المنافع" أو "صناديق الوطن" (Memleket Sandıkları) لتقديم القروض الميسرة للمزارعين والفلاحين بوصفها بديلًا عن المرابين؛ وهي الصناديق التي شكلت النواة الأولى التي تكون منها لاحقًا بنك الزراعة، الذي يُعدّ بمنزلة أول مؤسسة بنكية في الدولة العثمانية. ولم يكتف مدحت باشا بتطوير البنى المادية، بل اهتم أيضًا بالثقافة في الولاية، وعمل على إنشاء أول صحيفة رسمية إقليمية تدعى "تونا"، وكانت تصدر بالتركية والبلغارية.
وقد أظهر خلال تجربته هذه أن نظام الولايات، الذي كان أحد مهندسيه، قابل للتطبيق، ومن ثم عملت الدولة العثمانية على تفعيله في مناطق أخرى من البلاد العثمانية في البوسنة والشام وحلب في غضون بضع سنوات.
بعد هذه التجربة الناجحة دُعي أحمد مدحت باشا إلى وظيفة أعلى، إذ عين رئيسًا لمجلس شورى الدولة في آذار/ مارس 1868، وكان قد أوكلت إلى هذا المجلس مهمات الإشراف على إصدار القوانين ومراجعة الاتفاقيات والمواثيق ومساءلة كبار الموظفين. وخلال فترة رئاسته القصيرة لهذه المؤسسة عمل على قضايا متشعبة وكبيرة بجرأة عالية، فاشتغل على إصدار قوانين تتعلق بالميدان الصناعي، ولاسيما إصلاح النظام المنجمي وإنشاء مدارس صناعية. ولعل ما حققه من نجاحات أدخلته في دوامة صراعات مع الصدر الأعظم عالي باشا (تولى الصدارة العظمى ما بين شباط/ فبراير 1867 وأيلول/ سبتمبر 1871)، الذي كان يرى فيما يقدمه رئيس مجلس شورى الدولة تعديًا على صلاحيات الديوان. ولعل هذا الصراع هو ما جعل السلطان يقدم على إنهاء مهماته في المجلس بعد 11 شهرًا فحسب، وتعيينه واليًا على بغداد.
ولاية بغداد
وصل مدحت باشا إلى بغداد في 30 نيسان /أبريل 1869، مصحوبًا بالعديد من البيروقراطيين ممن اختيروا بعناية فائقة لمساعدته على تنفيذ مشروعاته الإصلاحية في الولاية. وشملت أولى الخطوات الإصلاحية تلك تفعيل نظام الولايات الصادر سنة 1864، إذ عمل على تقسيم ولاية بغداد إلى سناجق، والسنجق {{السنجق: مصطلح إداري وعسكري عثماني، يعني لغةً "الراية" أو "اللواء"، تطورت دلالته من رمزيته العسكرية السابقة على العثمانيين ليصبح وحدة إدارية رئيسة يأتي ترتيبها بين الولاية الكبرى والقضاء الأصغر.}} إلى أقضية، والقضاء {{القضاء: وحدة إدارية عثمانية فرعية تتبع السنجق مباشرة، يديرها موظف رسمي يُدعى "القائممقام".}} إلى نواح، والناحية {{الناحية: أصغر الوحدات الإدارية العثمانية التابعة للقضاء، تضم مجموعة من القرى، ويدير شؤونها موظف يُسمى "مدير الناحية".}} إلى قرى. وعلى إثر هذا التقسيم كان من الضروري استكماله من طريق تشييد أبنية لاستيعاب هذه الوحدات الإدارية، وتعيين موظفين أكفاء لإدارتها. لقد كان مدحت باشا يعتبر أن البنى الإدارية تُعدّ أساسًا لما سيأتي من إصلاحات وضمان حسن تطبيقها. وقد أنشأ دائرة الطابو، والنفوس، والنافعة (الأشغال العامة والمواصلات)، ودوائر بلدية في كل مدن الولاية[7]. كما باشر إصلاحات مالية شملت بالأساس إلغاء بعض الفروض والضرائب المحلية التي عدّها معيقة ومرهقة. وشملت هذه الإصلاحات المالية أيضًا الإعفاء من الرسوم الجمركية المطبقة على استيراد بذور قصب السكر، وذلك من أجل تشجيع زراعته بالولاية.
وقد أولى مدحت باشا عناية فائقة في إصلاحاته في بغداد للبنى التحتية، فعُني بإنشاء الطرق، على غرار ما فعله في نيش والدانوب، ووجه عناية خاصة للنقل النهري وأنشأ نظامًا لإدارة النقل النهري في دجلة والفرات، كما عمل على تحسين أسطول البصرة البحري من طريق إنشاء معمل لإصلاح السفن والزيادة في أعدادها، ما انعكس على زيادة عدد التجار في الخليج. ومن المشروعات التي عمل على تنفيذها في مجال البنية التحتية تعبيد الطرق داخل المدن، وإنشاء خط ترامواي تجر الخيول حافلاته يربط بين بغداد والكاظمية[8]. وإلى جانب الطرق والنقل اعتنى مدحت باشا بتعزيز الخدمات الاجتماعية من طريق بناء المستشفيات كمستشفى الغرباء في الجهة الغربية من بغداد. وعمل على تسهيل توفير الماء لسكان المدينة من طريق جلب مضخة ترفع المياه من النهر وتوزعه على بيوت المدينة.
وعلى الصعيد التربوي والثقافي بُنيت مدارس حديثة اختصت بالتكوين المهني (مدرسة الصنائع)[9]، والتدريب العسكري (المدرسة الرشيدية العسكرية). وتنفيذًا للمادة التاسعة من نظام الولايات أُنشئت أول مطبعة رسمية حكومية في بغداد، التي تولت إصدار أول جريدة رسمية في العراق تحمل اسم "الزوراء".
وبالقدر الذي استحسن فيه أهل الولاية هذه الإصلاحات المادية، استنكر سكان مدينة بغداد سنه لقانون الخدمة العسكرية الإلزامية، إذ ثاروا في وجهه ولم يتمكن من إخماد انتفاضتهم إلا عندما استعان بقوات الفيلق السادس، فتمكن من وضع حد لهذه الانتفاضة، وعمم التجنيد الإجباري على سائر أرجاء الولاية.
لم تكن الإصلاحات التي أقدم عليها مدحت باشا لتنال رضى الإدارة المركزية، وخاصة تلك المتعلقة منها بالإصلاحات العسكرية وإصلاح نظام الأرض، ومن ثم ازدادت الضغوط عليه بعد وفاة الصدر الأعظم عالي باشا في 7 أيلول/ سبتمبر 1871، الذي خلفه
محمود نديم باشا {{محمود نديم باشا: (Mahmut Nedim Paşa، 1818-1883)، رجل دولة وصدر أعظم عثماني في عهد السلطان عبد العزيز، تميزت سياسته بالتقارب مع روسيا مما أكسبه لقب "نديموف"، وشهدت فترته أزمات مالية وإدارية.}}، وكان أحد أشرس المعارضين للسياسات الإصلاحية، والمناهضين لكل محاولات التغريب، وذي الصلات الوثيقة مع السفير الروسي في إسطنبول، ويعده بعض المؤرخين الأتراك أنه من "دمّر أسس التنظيمات وقلبها رأسًا على عقب، وخرب البيروقراطية" خلال سنة واحدة استغرقتها صدارته[10]. وقد نتج عن هذه الضغوط أن قدم مدحت باشا استقالته من ولاية بغداد في أيار/ مايو 1872.
ولاية سورية (الشام)
كان من بين مناصب الإدارة المحلية التي تولاها أحمد مدحت باشا، التي أثارت نقاشًا واسعًا، ولايته على سورية أو ولاية الشام في الفترة الممتدة ما بين تشرين الثاني/ نوفمبر 1878 وآب/ أغسطس 1880. وقد جاءت توليته لهذا المنصب بعد مدة من التوتر في العلاقات مع مؤسسة السلطان. كما جاءت هذه التولية بعد تجربة في الإدارة المحلية في بلغاريا والدانوب وبغداد، وتجربتين في الإدارة المركزية بوصفه صدرًا أعظم. وكانت الرسالة التي وجهها إليه الصدر الأعظم بمناسبة تعيينه تشير إلى نوعية العلاقة التي ينبغي أن تكون قائمة مع شخصية من هذا الحجم، وتضع حدود صلاحياته، وتُبرز "العمل على سن إجراءات إصلاحية كما يراها مناسبة شريطة أن يبلغ بها الباب العالي مسبقًا ليوافق عليها السلطان"[11].
عندما وصل مدحت باشا إلى الشام، وجد الولاية على حافة الإفلاس: فساد إداري مستشر يجري في غالب الأحيان بتواطؤ مع رجال نافذين في الإدارة المركزية في إسطنبول، وتدخل أجنبي سافر يتمثل في تكوين مناطق نفوذ لكل القوى الأوروبية من طريق إذكاء النعرات الإثنية والدينية، ومن ثم كان ينبغي أن تكون الإصلاحات شاملة وجذرية. واعتبر مدحت باشا أن أساس كل إصلاح هو محاربة الجهل والأمية، فقدم "إصلاح المدارس على كل إصلاح"، وأن يجازي "ولي الطفل إذا بلغ ولده السادسة ولم يرسله إلى المدرسة"[12]، كما أولى المجال الحضري عناية فائقة.
وقد توج مدحت باشا هذه الرؤية بتقديم برنامج إصلاحي شامل إلى الباب العالي حظي بدعم الإصلاحيين العرب الذين قربهم إليه؛ ولم يقتصر مشروعه على الاهتمام بالتعليم والتنظيم الإداري وتطوير البنية التحتية كبناء الجسور فحسب، بل امتد ليشمل خطوات عملية لإصلاح أوضاع جبل النصيرية (العلويين لاحقًا)[13]، مكرسًا جهوده لتعزيز أشكال الإدارة المحلية وتخفيف القبضة المركزية لإسطنبول.
في منصب الصدارة العظمى
بعد استقالته من ولاية بغداد عاد أحمد مدحت باشا إلى إسطنبول، وهي عودة اعتبرها غريمه محمود نديم باشا خطرًا كبيرًا عليه، إذ انخرط مدحت باشا في حركة العثمانيين الجدد الذين يسمون أنفسهم بـ
المشروطيين {{المشروطيون: نسبة إلى المشروطية التي تعني ألا تكون سلطة السلطان مطلقة، وإنما مشروطة بقيود وحدود يعينها الدستور.}} ويسميهم الأوروبيون بالشبان الأتراك، وشرع في إعداد دستور يهدف بالأساس إلى التقليص الدستوري من سلطات السلطان، وإعادة تنظيم البيروقراطية العثمانية. وحاول معارضوه في الدوائر المقربة للسلطان إبعاده من طريق اقتراح تعيينه في ولاية أخرى. فقبل على مضض التوجه إلى ولاية إدرنة. وقبل بلوغه مقر عمله، استقبله السلطان عبد العزيز وعينه صدرًا أعظم في 31 تموز/ يوليو 1872، بدلًا من محمود نديم باشا، بيد أنه لم يستمر في هذا المنصب طويلًا، وأقيل منه بعد نحو ثلاثة أشهر. ولعل أسباب إقالته ترتبط أساسًا بالضغط الذي مارسته روسيا على السلطان، التي كانت ترى في تسميته تحيزًا كبيرًا للغرب ومناهضة للمصالح الروسية، التي أظهرها في أثناء ولايته على نيش. كما يعود السبب في هذه الإقالة إلى ضغوط الاتجاه المحافظ في الإدارة العثمانية، الذي رأى فيما أقدم عليه من إجراءات خلال أشهر من إدارته للباب العالي منافيًا للتقاليد المعمول بها في الدولة العثمانية، وخاصة بعد أن أقدم على إصلاحات مالية سعت إلى تقييد نفقات السلطان[14]، وعدم تجاوبه مع قرار السلطان اعتماد مخصصات مالية لخديوي مصر[15].
أقيل مدحت باشا من منصب الصدارة العظمى في 19 تشرين الأول/ أكتوبر 1872، غير أنه سرعان ما عاد لشغل وظيفة على درجة كبيرة من الأهمية، إذ عُيّن وزيرًا للعدل في آذار/ مارس 1873. وهي الوظيفة التي تولاها لمدة لا تزيد على ستة أشهر. ويظهر أن أسباب إقالته من وزارة العدل تعود بالأساس إلى توجهه الإصلاحي؛ إذ باشر فور تعيينه إعداد مشروع لمعالجة المشكلات الإدارية والمالية. لقد كان مدحت باشا مقتنعًا أن القضاء غير مستقل إذ "يتدخل العظماء في أمور المحاكم والقاضي لا يقدر على إصدار حكم ضد المستبدين" مخافة العزل. كما أن القوانين "في البلاد العثمانية وضعت للفقراء لا للأغنياء ولذا فالإنسان يتعجب من خوف السلطان المستبد من كلمة قانون ولائحة"[16].
وعلى غرار ما حدث في السابق، كانت الإدارة العثمانية المركزية حريصة على إبعاده عن العاصمة العثمانية عقب إقالته أو استقالته من الوظائف المركزية التي عُهدت إليه. وكان القرار عقب إعفائه من وزارة العدلية تعيينه في ولاية سالونيك في الفترة ما بين تشرين الأول/ أكتوبر 1873 وشباط/ فبراير 1874. ويُبرز مدحت باشا في مذكراته الجهود التي بذلها في هذه المدينة؛ إذ عمل على إصلاح نظام الضابطة، وبناء الطرق بها، وإنشاء سوق أجرها وخصص إيراداتها لتدبير مدارس الصنائع التي أحدثها. واهتم بالتعليم وأنشأ المدارس، وكان يسعى أيضًا لبناء مدرسة ثانوية لتكوين أبناء النخبة، غير أنه أبعد عن منصبه ثانية، فأجهضت مشروعاته الإصلاحية.
لم يقض مدحت باشا سوى مدة وجيزة في إسطنبول بعد عودته إليها، إذ انشغل بتنظيم حديقته، ليُستدعى مرة أخرى لشغل منصب وزير العدل في الفترة ما بين شهري آب/ أغسطس وتشرين الثاني/ نوفمبر 1875، لكنه استقال احتجاجًا على الأزمة الإدارية والإفلاس المالي واستمرار الاضطرابات.
مدحت باشا والإطاحة بالسلطان عبد العزيز
مترجم محمد رشدي باشا، المصدر: أرشيف الباحث عمرو الملّاح
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
في أيار/ مايو 1876 زادت الأوضاع المالية في الدولة العثمانية تدهورًا، ما دفع العلماء وطلبة العلوم الدينية إلى البحث عن مخارج لهذه الأزمة، ولم تنحصر مقترحاتهم في الحلول التقليدية، بل تجاوزت ذلك إلى المطالبة بإقرار نظام دستوري، ومن ثم الشروع في ربط الاتصال بالأوساط المدنية والعسكرية المؤيدة لهذا النظام. وتزايد استياء الرأي العام العثماني بعد احتجاجات طلاب المدارس الدينية العليا الذين يدعون بـ"طلبة علوم" في 10-11 أيار/ مايو 1876، وفي كانون الأول/ ديسمبر 1876 عُيّن مدحت باشا أولًا في منصب عضو في المجلس الأعلى، ثم للمرة الثانية في رئاسة شورى الدولة. وعلى إثر تلك الأحداث، اقتنع أن التعديلات في الصدارة لم تكن كافية لمعالجة المشكلات المستمرة، وأن العقبة الرئيسة أمام الإصلاحات اللازمة لإنقاذ الدولة كانت في الواقع السلطان نفسه. وبعد مدة قصيرة من التواصل مع ولي العهد مراد أفندي والحصول على تعهد بعدم عرقلة إقامة نظام دستوري، قاد مدحت باشا، والصدر الأعظم
مترجم رشدي باشا {{مترجم رشدي باشا: (Mütercim Rüşdü Paşa، 1811-1882)، رجل دولة وصدر أعظم عثماني تولى الصدارة خمس مرات، لُقّب بـ"المترجم" لتعريبه الكتب العسكرية، ولعب دورًا حاسمًا في أحداث خلع السلطان عبد العزيز.}}، ووزير الحربية
حسين عوني باشا {{حسين عوني باشا: (Hüseyin Avni Paşa، 1820-1876)، قائد عسكري ورجل دولة عثماني، تولى منصبي "السرعسكر" والصدر الأعظم، وكان المحرك الرئيس لخلع السلطان عبد العزيز، واغتيل على يد شركس حسن.}}، وشيخ الإسلام خير الله أفندي، مجموعة "العناصر التي أطاحت" أو ساهمت في عزل السلطان عبد العزيز من العرش في 30 أيار/ مايو 1876. و دعي هؤلاء بـ "الأربعة الكبار أو أركان الخلع"[17].
لم يمر الانقلاب على عبد العزيز بالشكل الذي خطط له، إذ نشأت حالة من الفوضى العارمة جراء الخلافات التي نشأت بين منفذيه بشأن مسألة ضرورة العمل بالدستور، وتفاقم الوضع إثر وفاة السلطان عبد العزيز، التي تلت عزله بخمسة أيام فحسب في 4 حزيران/ يونيو. وبالرغم من هذه الظروف فإن مدحت باشا ظل عاقدًا العزم على العمل على إعداد الدستور، وعندما تبين أن الحالة الصحية للسلطان البديل،
مراد الخامس {{مراد الخامس: (1840-1904، حكم عام 1876)، السلطان العثماني الثالث والثلاثون، صاحب أقصر فترة حكم في التاريخ العثماني (93 يومًا)، عُزل بسبب اعتلال صحته العقلية وخلفه أخوه عبد الحميد الثاني.}}، لا تسعفه في تولي الحكم، فكر بتنصيب الأمير عبد الحميد الابن الثاني للسلطان عبد المجيد الأول سلطانًا بديلًا عنه، بعد الحصول أيضًا على تعهد غير رسمي.
أحمد جودت باشا
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
بإعلان الدستور، تولى الأمير عبد الحميد العرش في 31 آب/ أغسطس 1876. وتلقب بعبد الحميد الثاني. وما إن اعتلى العرش حتى جلس عبد الحميد للتفاوض بشأن إقرار الدستور، وظهر أن التفاوض اتسم بعسر كبير، إذ برز تياران: أحدهما المحافظ الذي تزعمه
أحمد جودت باشا {{أحمد جودت باشا: (Ahmed Cevdet Paşa، 1822-1895): مؤرخ وأديب ورجل دولة عثماني بارز، اشتُهر بتدوينه لمجلة الأحكام العدلية وتأليفه لموسوعته التاريخية الضخمة.}}، والآخر تيار تزعمه مدحت باشا رئيس شورى الدولة، نافح بإصرار عن إقرار دستور مشبع بالأفكار الأوروبية. وقد تحول النقاش بشأن الدستور إلى مشادات كلامية بين الرجلين. وشكلت استقالة مترجم رشدي باشا من صدارته الرابعة احتجاجًا على مجالس مناقشة الدستور ضربة قاصمة للاتجاه المحافظ. واقتُرح تعيين مدحت باشا صدرًا أعظم للمرة الثانية في 19 كانون الأول/ ديسمبر 1876.
كان الطريق سالكا أمام مدحت باشا لإقرار دستور مشبع بالتأثيرات الأوروبية، لاسيما في الجانب المتعلق بمسألة الأقليات، إذ نص مشروع الدستور على المساواة بين جميع الرعايا العثمانيين، ما يجعل المشروع يتجاوز جانب الوثيقة السياسية إلى كونه إعلانًا للوطنية العثمانية، وتأكيدًا على أن الدولة العثمانية قادرة على تجاوز كبواتها. كما سعى المشروع إلى تقييد سلطات السلطان وجعلها مقصورة على سلطة إعلان الحرب وإقامة السلام، وتعيين الوزراء وإقالتهم، والموافقة على التشريعات، ودعوة مجلس النواب وحله.
شكلت المادة 113 من الدستور، التي استمات السلطان عبد الحميد في إقرارها، نقطة الانسداد الرئيسة في نهاية الجلسات، وتقضي هذه المادة بإعطاء السلطان صلاحية إصدار قرار نفي كل من ثبت في حقه انتهاك أمن الدولة بناءً على معلومات موثوقة جمعتها الإدارة الأمنية. وتنازل مدحت باشا عن موقفه تجاه هذه المادة مسارعًا الزمن، وأُعلن الدستور في 23 كانون الثاني/ ديسمبر 1876. وتمثل الهدف من إقراره في مواجهة ما كان من المفروض أن تتداوله الدول الغربية وروسيا بشأن الوضع في الولايات البلقانية في
مؤتمر ترسخانة {{مؤتمر ترسخانة: مؤتمر دولي عُقد بإسطنبول (1876) لمناقشة الإصلاحات بالبلقان، وحاولت الدول الأوروبية عبره الضغط على الدولة العثمانية.}} الذي سيعقد في إسطنبول في نفس يوم إعلان الدستور، وسيستمر طوال الأيام الممتدة ما بين 23 كانون الأول/ ديسمبر 1876-20 كانون الثاني/ يناير 1877، ولاسيما أوضاع الأقليات واتخاذها مطية من أجل الضغط على الدولة العثمانية. وكان توقع مدحت باشا أن ينهي الدستور الفوضى الداخلية من طريق منح جميع رعايا الدولة العثمانية الحقوق ذاتها من دون تمييز إثني أو ديني، وبالتالي القضاء على الأسباب التي تبرر التدخلات الخارجية.
وبالرغم من إطلاع المؤتمرين على الدستور المقر بحقوق مواطنة جميع الرعايا على الأراضي العثمانية، فإن ممثلي البلدان الأوروبية، وبضغط من ممثل روسيا، أصروا على مناقشة الموضوع في المؤتمر، وأعدوا مقترحات إصلاح وضع الأقليات في الدولة العثمانية في ست مواد. وقد حاول مدحت باشا إبان اجتماعات مع ممثل بريطانيا تليين الشروط، غير أنه أخفق في ذلك، فانسحب ممثلو الدولة العثمانية من المؤتمر. ودعا الصدر الأعظم مدحت باشا إلى عقد اجتماع في 18 كانون الثاني/ يناير 1877 في الديوان، حضره أعضاء غير مسلمين، وبعد مناقشة مستفيضة لقرارات المؤتمر الدولي قرر المجتمعون التصويت ضدها بالأغلبية.
هذا الإخفاق في إقناع الأوروبيين بالعدول عن التدخل في شؤون الدولة العثمانية وضعه في مواجهة مع الرأي العام العثماني المنتصر للدخول في حرب ضد روسيا. كما جر عليه أسلوبه في التعامل مع التقاليد المرعية في تدبير أمور السلطنة انتقادات المحافظين، وشجع العديد من موظفي الدولة على الوشاية به، ونشر شائعات بشأن عزمه إلغاء السلطنة وتأسيس جمهورية، ولعل ما جعل هذه الشائعات تكتسب صدقية إقدامه على جمع الجنود المتطوعين تحت اسم "الجيش المدني". ولعل هذه العوامل مجتمعة هي ما أدت إلى عزله من الصدارة في 5 شباط/ فبراير 1877، بعد 49 يومًا فحسب من توليه المنصب. ولم يكتف السلطان عبد الحميد بقرار العزل فحسب، بل أمر بنفيه إلى الخارج أيضًا.
الإبعاد والنفي
قضى مدحت باشا مدة النفي التي استمرت حتى آب/ أغسطس 1878 في إيطاليا، وإسبانيا، وفرنسا، والنمسا، وإنكلترا. وبالإضافة إلى تجنبه النشاطات المناهضة لعبد الحميد، كان يعمل على الدفاع عن الدولة العثمانية في مواجهة روسيا في أوساط الرأي العام الأوروبي في ظل تأثير حرب عثمانية روسية بدأت في نيسان/ أبريل 1877، وكتب مقالات في هذا الاتجاه. وبعد الهزيمة الكبيرة، عندما عاد السلطان إلى الاهتمام بالقضايا الداخلية، سمح بعودة مدحت باشا إلى الوطن والإقامة مع عائلته في جزيرة كريت اعتبارًا من أيلول/ سبتمبر 1878، ثم عُيّن واليًا على سورية في تشرين الثاني/ نوفمبر 1878. وقد تميزت مدة ولايته بالإصلاحات التي أقدم عليها هناك. وكان لتدهور علاقاته مع السلطة المركزية في إسطنبول أثر في تقييم حصيلته في الولاية تلك، فاستقال. ونقل إلى ولاية أيدين في آب/ أغسطس 1880 غير أن أسهم النقد لاحقته إلى أن استقال في أيار/ مايو 1881.
سروري باشا الذي تولى رئاسة محاكمة مدحت باشا، المصدر: أرشيف الباحث عمرو الملّاح
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
على إثر ذلك نصحه مقربون منه بالفرار إلى الخارج، بيد أنه فضل مواصلة العمل من أجل الإصلاح من طريق إرسال مذكرات إلى السلطان، وهو العمل الذي زاد من شدة انتقادات التيار المحافظ له، فلجأ إلى القنصلية الفرنسية في أيار/ مايو 1881، وانتهى هذا اللجوء بإعادته إلى إسطنبول مقابل ضمانات من أحمد جودت باشا (1822-1895) ليقدم لمحاكمة خاصة أقيمت في قصر يلدز في حزيران/ يونيو 1881. وكانت التهمة التي وجهت إليه هي "المشاركة في قتل السلطان عبد العزيز"، ولم يكن القاضي المكلف بمحاكمته سوى
سروري باشا {{سروري باشا: (Süruri Paşa، 1827-1890)، قاضٍ ووالٍ عثماني، ترأس محاكمة مدحت باشا الشهيرة، وتولى ولاية قونية واشتُهر عهده بإجراء ترميم شامل لمسجد علاء الدين التاريخي عام 1889.}}، أحد الوجوه البارزة في العدالة العثمانية في الحقبة الحميدية، والمعروف بقسوة أحكامه وعدائه لمدحت باشا. وحكمت عليه المحكمة في جلسة واحدة استمرت ثلاثة أيام، وبدأت في 18 تموز/ يوليو 1881، بالإعدام بتهمة المشاركة في قتل السلطان عبد العزيز. وقد اجتمع مجلس مكون من الصدر الأعظم والوزراء وكبار البيروقراطيين العثمانيين ليؤكد الحكم ويدعو إلى تنفيذه بشكل عاجل، غير أن ضغوطًا داخلية وخارجية، جعلت السلطان عبد الحميد يراجع الحكم ويحوله إلى السجن المؤبد بعيدًا عن إسطنبول، فأرسل جميع المتهمين في هذه القضية لقضاء مدة محكومياتهم في سجن قلعة الطائف بالحجاز في تموز/ يوليو 1881[18].
الوفاة في السجن
كانت ظروف السجن في الطائف قاسية، فقد ضُيِّقَ عليه، وأُبقي تحت رقابة مشددة، وقُطِعَت اتصالاته بالعالم الخارجي، وقد أثر كل ذلك على نفسيته فتحول إلى ناسك زاهد يكرس نفسه للعلوم الإسلامية، وعكف خلال هذه المدة على كتابة مذكراته في مجلدين. وقد ساءت أحواله الصحية وتوفي في يوم السادس من أيار/ مايو 1884، وأُبلغت إدارة السجن أن الوفاة كانت نتيجة للاختناق، وأخبر بذلك ابنه علي حيدر، المقيم في أزمير، وابنتيه وزوجتيه.
في 12 أيار/ مايو 1884 تداولت الصحافة العالمية، ولاسيما الفرنسية، خبر وفاة مدحت باشا، وخصصت له صحيفة
لوماتان {{لوماتان: صحيفة يومية فرنسية بارزة تأسست في باريس عام 1884، واهتمت بمتابعة الشؤون السياسية الدولية، والمسألة الشرقية، والدولة العثمانية.}} (Le Matin) الفرنسية، على سبيل المثال، مقالة تأبينية أشادت فيها بأعماله بعنوان "وفاة أبي الدستور التركي" تناولت فيه المسيرة البيروقراطية للرجل. وبالرغم من الظروف المحيطة بنهايته فإن مدحت باشا ظل حاضرًا في الذاكرة الجمعية التركية، وليس أدل على ذلك من قرار الجمهورية التركية، بعد سنوات من حكم الحزب الديمقراطي، نقل رفاته إلى إسطنبول ليدفن في نصب الحرية، حيث يرقد كبار الباشاوات العثمانيين الذين دافعوا عن البرلمان العثماني ضد القوى الموصوفة بـ"الرجعية"، كما أُطلق اسمه على العديد من المدارس والشوارع في تركيا عرفانًا له لما أسداه لبناء تركيا الحديثة. ويُعدّ الباحثون في سيرة أحمد مدحت باشا الأكثر حظًا من حيث وفرة المادة التوثيقية؛ إذ دوّن الرجل مذكراته بنفسه، مُضمّنًا إياها تفاصيل تجربته البيروقراطية الطويلة، ووفر لهم ابنه علي حيدر معلومات مهمة عن حياته دونها في كتاب نُشر بالإنكليزية سنة 1903 تحت عنوان
حياة مدحت باشا: سجل لخدماته، إصلاحاته السياسية، نفيه، واغتياله القضائي (The Life of Midhat Pasha: A Record of His Services, Political Reforms, Banishment, and Judicial Murder).
تشير القراءة التحليلية لسيرة الرجل إلى أنه ظل متنقلًا في المناصب بين ربوع الدولة العثمانية من البلقان إلى بغداد إلى الشام، مقتنعًا بالإصلاح، ممارسًا له، ومفعلًا للآراء التي اقتنع بها على الرغم من قصر الفترات التي أمضاها في الوزارات أو الصدارة العظمى، مستفيدًا في ذلك من الخبرة التي راكمها في المناصب التي تولاها منذ سن الثانية عشرة. لقد كان مدحت باشا منفتحًا على الثقافة الأوروبية، لاسيما الفرنسية، ولو أنه لم يطل المقام فيها. وفي مذكراته ما يبين إحاطته بالتاريخ الأوروبي عندما يتوقف عند الأدوار التي اضطلع بها جان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau، 1712-1778) عندما كتب
العقد الاجتماعي (Du contrat social)، وكيف أن الملك الفرنسي لويس السادس عشر (Louis XVI، 1754-1793) لم يتمكن من تغيير قناعاته، ويعلق على ذلك قائلا: "فبمثل روسو وهيجو وديماس وغيرهم من الكتاب قد وصلت الشعوب إلى درجات العزم"[19].
لقد كان لمدحت باشا تصور متكامل عن كيفية تدبير شؤون الحكم، يقوم على أسس ثلاثة: العثمنة، والشورى، والإدارة المحلية الموسعة. فكان يعتبر هذه الأسس الثلاثة هي مفتاح حل المشكلات التي أضحت تعاني منها الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر. وكان مقتنعًا بالنظام الدستوري بوصفه مبدأً أساسيًا لإدارة الدولة العثمانية نظرًا إلى اعتماده على مبدأ الشورى الذي هو في الواقع تقليد إسلامي، ويرى أن من شأن توسيع تقليص صلاحيات الإدارة المركزية، دون الوصول إلى حد الاستقلال، أساسًا مهمًا في تدبير الشؤون اليومية للرعايا، كما أنه يرى أن تأمين سلامة الرعايا غير المسلمين، والاهتمام بوضعهم الاقتصادي والاجتماعي، واندماجهم في الإدارة من خلال نظام تعليمي مختلط من شأنه أن يعزز فكرة العثمنة وضمان تبني إدارة يساهم فيها جميع الرعايا مهما اختلفت ديانتهم ومعتقداتهم، ومن ثم انصب تركيزه في كل المناصب التي تولاها على ثلاث مجالات: الأمن، ودعم البنى التحتية، وتعميم التعليم.
لعل من بين الخصال التي تميز بها الرجل على مستوى الممارسة السياسية، هو أنه كان سريع الإنجاز "إذا فكر في أمر أقدم عليه من أول يوم... ولم يسمع أحد أن مدحت باشا مكث شهرًا أو شهرين لإحضار لائحة..."[20].
كانت النجاحات التي حققها مدحت باشا في المهمات التي تولاها منذ إرساله للتحقيق في الاختلالات المالية في الشام وحلب وانتهاء بولايته على الشام مرورًا بتوليه مناصب في الإدارة المحلية والإدارة المركزية ورئاسة مجلس الدولة ووزارة العدلية والصدارة العظمى، سببًا في توجيه سهام النقد إليه. لقد كان موضوعًا لانتقادات الصحافة المعادية للإصلاح، ولكن الانتقادات الشديدة التي وجهت إليه كانت تلك التي دونها المؤرخ أحمد جودت في كتابيه
معروضات وتذاكر. فقد اعتبره "رجلًا ثرثارًا" (farfara) و"مستهترًا" (savuruk)، وأن سلوكياته كانت ضارة بالدين والدولة، وأنه لم يفكر في مآلات الأمور وعواقبها[21]. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن جودت باشا كان منزعجًا من تصرفات مدحت باشا التي بدت له متعجرفة[22]، وهو ما عبر عنه بالقول "إنه كان مزهوًا بمواقفه الخاصة"، والأكثر من ذلك أنه، أي جودت باشا، كان يطعن في نزاهته عندما يثير مسألة الربط بين الإصلاحات والمصالح الخاصة، فعندما تقرر تخفيض الفائدة على أسعار الأسهم بوصفه وسيلةً لحل الصعوبات المالية، باع مدحت باشا، من طريق وسيطه في البورصة، كمية هائلة من الأوراق المالية من حسابه الشخصي قبل الإعلان عن القرار[23] .
بيد أن الانتقادات التي وجهها جودت باشا قد تُعزى إلى اختلاف الرجلين في زاوية معالجة أزمة الدولة. فهما وإن كان قد جمعهما هدف تحديث الدولة فإنهما اختلفا في الوسائل؛ إذ تبنّى جودت باشا نهجًا محافظًا بالتدرج يلتزم بالتقاليد، في حين اتجه مدحت باشا نحو إصلاحات أكثر جرأة وتأثرًا بالنموذج الأوروبي، وخاصة من خلال دعمه للدستور العثماني 1876، مما جعل العلاقة بينهما تتسم بالتعاون من جهة، وبالتباين والتنافس السياسي من جهة أخرى[24]، هذا فضلًا على أن العلاقات المتوترة بين الرجلين قديمة، وتمتد إلى العلاقات التي ربطت مدحت باشا بوالد جودت باشا. وقد تأثرت هذه العلاقة بالمواقف من الممارسات السلطوية للسلطان العثماني، وظهرت على نحو جلي في تباين المواقف من مضامين مشروع الدستور العثماني الأول عند مناقشته في مجلس الدولة. كما ظهر هذا العداء بشكل لافت في أثناء محاكمات يلدز عندما طالب جودت باشا بتنفيذ حكم الإعدام في مدحت باشا[25]. وكان منتقدوه يروجون لادعاءات تسعى إلى هدم كل ما بناه والتشويش على صورته، ومن أمثلة ذلك قولهم إنه كان "يفرط في التأني ... متشددًا في آرائه متمسكًا بها... لقد كان يمتلك نظرة محلية للقضايا الكبرى، غير ملم بالقضايا السياسية الدولية، وتشكل هذه الصفات حسب هؤلاء أهم سبب في فشله في المناصب السياسية التي تولاها"[26].
المراجع
العربية
أوزوتونا، يلماز.
موسوعة تاريخ الإمبراطورية العثمانية السياسي والعسكري والحضاري. ترجمة عدنان محمد سلمان. مج 3. بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2010.
عوض، عبد العزيز محمد.
الإدارة العثمانية في ولاية سورية (1864-1914). القاهرة: دار المعارف بمصر، 1969.
محمد، سحر ماهود. "الإصلاحات الإدارية في بغداد إبان حكم مدحت باشا 1869-1872". ورقة مقدمة في: مؤتمر البحث الدولي في الدراسات الاجتماعية المعاصرة (International Research Congress of Contemporary Studies of Social Sciences) ص 97-107.
مدحت باشا، أحمد.
مذكرات مدحت باشا. تعريب كمال بك حتاته. القاهرة: المطبعة الهندية بالموستكي، [د.ت.].
الأجنبية
Cevdet, Ahmet Paşa.
Ma‘rûzât. Éd. Yusuf Halaçoğlu. Istanbul: Çağrı Yayınları, 1980.
———.
Tezâkir. Éd. Cavid Baysun. Ankara: Türk Tarih Kurumu, 1967.
Çetinsaya , Gokhan & Tufan Buzpinar. ”Midhat Pasa”. Islam Ansiklopedisi. Vol. 30, Istanbul: Milli Eğitim Bak. Yay, 2020. p. 7- 11.
Midhat, Ali Haydar.
The Life of Midhat Pasha: A Record of His Services, Political Reforms, Banishment, and Judicial Murder. London: John Murray, 1903.
Saliba, Najib E. “The Achievements of Midhat Pasha as Governor of the Province of Syria, 1878–1880.”
International Journal of Middle East Studies 9, no. 3 (1978): 307–323.
Shaw, Stanford J., & Ezel Kural Shaw.
History of the Ottoman Empire and Modern Turkey. Vol. 2. Cambridge: Cambridge University Press, 1977.
Shaw, Stanford J. “The Central Legislative Councils in the Nineteenth Century Ottoman Reform Movement before 1876.”
International Journal of Middle East Studies 1, no. 1 (January 1970): 51–84.
Uzunçarşılı, İsmail Hakkı.
Midhat Paşa ve Yıldız Mahkemesi. Ankara: Türk Tarih Kurumu Basımevi, 2000.
[1] يلماز أوزوتونا،
موسوعة تاريخ الإمبراطورية العثمانية السياسي والعسكري والحضاري، مج 3 (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2010)، ص104.
[2] Ali Haydar Midhat,
The Life of Midhat Pasha: A Record of His Services, Political Reforms, Banishment, and Judicial Murder (London: John Murray, 1903), 32.
[3]- المرجع نفسه، ص 33.
[4]- المرجع نفسه، ص 34.
[5]- المرجع نفسه، ص 35.
[6] Stanford J. Shaw and Ezel Kural Shaw,
History of the Ottoman Empire and Modern Turkey, vol. 2 (Cambridge: Cambridge University Press, 1977), pp. 85–87.
[7]- سحر ماهود محمد، "الإصلاحات الإدارية في بغداد إبان حكم مدحت باشا 1869-1872"، ورقة مقدمة في: مؤتمر البحث الدولي في الدراسات الاجتماعية المعاصرة (International Research Congress of Contemporary Studies of Social Sciences)، ص. 97-107.
[8]- أحمد مدحت باشا،
مذكرات مدحت باشا، تعريب كمال بك حتاته (القاهرة: المطبعة الهندية بالموستكي، [د.ت.]ُ)، ص 168.
[9]- المرجع نفسه، ص 167
[10] - أوزوتونا، ص 79.
[11]- Najib E. Saliba, “The Achievements of Midhat Pasha as Governor of the Province of Syria; 1878-1880,” International Journal of Middle East Studies, vol. 9, no. 3 (1978): 307-323.
[12]- أحمد مدحت باشا، ص 36-37.
[13] يُنظر النص الكامل لتقرير مدحت باشا عن أحوال ولاية سورية عام 1879 في: عبد العزيز محمد عوض،
الإدارة العثمانية في ولاية سورية(1864-1914) (القاهرة: دار المعارف، 1969)، ص 352-360.
[14]- المرجع نفسه، ص 190
[15] - المرجع نفسه، ص 196.
[16]- المرجع نفسه، ص 200.
[17]- أوزوتونا، ص 84.
[18]. Ali Haydar, p. 234.
[19]- أحمد مدحت باشا. ص 214.
[20]- المرجع نفسه، ص 219.
[21] Ahmet Cevdet Paşa,
Ma‘rûzât, éd. Yusuf Halaçoğlu (Istanbul: Çağrı Yayınları, 1980), p. 213.
[22]- المرجع نفسه، ص 202
[23] Ahmet Cevdet Paşa,
Tezâkir, éd. Cavid Baysun (Ankara: Türk Tarih Kurumu, 1967), p. 146.
[24] Stanford. J. Shaw, ”The Central Legislative Councils in the Nineteenth Century Ottoman Reform Movement before 1876,”
International Journal of Middle East Studies.
vol. 1, no. 1 Jan. 1970: 51-84.
[25] İsmail Hakkı Uzunçarşılı,
Midhat Paşa ve Yıldız Mahkemesi (Ankara: Türk Tarih Kurumu Basımevi, 2000), p. 358.
[26]Gokhan Çetinsaya & Tufan Buzpinar, “Midhat Pasa”, Islam Ansiklopedisi, vol. 30 (Istanbul: Milli Eğitim Bak. Yay, 2020), p. 7- 11.