الموجز
أبو السعود الإبياري (1910-1969)، كاتب سيناريو ومسرحي وشاعر وصحفي مصري. تنوع إنتاجه بين السينما والمسرح والإذاعة والتلفزيون، إلى جانب نظم الأغاني والمونولوجات، عرف بقدرته على كتابة مختلف مكونات الفيلم على الورق، بما في ذلك القصة، والسيناريو، والحوار، والأغاني.
تصدّر الإبياري مشهد التأليف الفني في مصر قرابة ربع قرن، منذ مطلع الأربعينيات حتى منتصف الستينيات، ويُعدّ من أبرز كتّاب السينما المصرية وأكثرهم غزارة في القرن العشرين. قدم خلال مساره الفني عدداً كبيراً من الأعمال المهمة، كما ارتبط اسمه بعدد كبير من الأفلام والأعمال الفنية، وكوّن ثنائيات مع رموز الفن السينمائي والغنائي في ذلك الحين، مثل: إسماعيل ياسين، وبشارة واكيم، وفريد الأطرش، وأنور وجدي، وغيرهم. وكان له إسهام بارز في انتقال الفن السينمائي المصري من بعض تقاليد الأداء المسرحي، إلى أساليب سينمائية أكثر استجابة للحالة الفنية العالمية، في تلك المرحلة الذهبية من مسيرة الفن السابع.
نشأته ومساره العملي
وُلد أبو السعود أحمد خليل الإبياري في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 1910 في حي باب الشعرية بالقاهرة، ونشأ في بيئة شعبية غلب عليها الطابع الديني، إذ حرص والده على تنشئته تنشئة دينية فأرسله إلى الكُتّاب لتعلم القراءة والكتابة وحفظ بعض سور القرآن، ثم ألحقه بالمدرسة الابتدائية، وخلال هذه المرحلة من مساره التعليمي، احتك الإبياري بالثقافة الشعبية المحيطة به، وتركت هذه المرحلة أثرًا عميقاً في إبداعاته وإنتاجاته فيما بعد[1].
الإبياري مع إسماعيل ياسين
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
بدأ الإبياري مساره الفني مبكراً، إذ وجد نفسه منذ صغره مشدودًا إلى المؤلف المسرحي الشهير بديع خيري (1893-1966)، الذي شجعه وحاول إلحاقه بمعهد الموسيقا، غير أن تجربته في الغناء لم تنجح، على الرغم من أن خيري كتب له ما يزيد على خمسين أغنية زجلية. ثم اتجه إلى كتابة المونولوجات، التي كان يلقيها رفيقه إسماعيل ياسين (1912-1972) في كازينو "بديعة مصابني". ثم انطلق إلى الكتابة السينمائية، وشكل مع إسماعيل ياسين ثنائيًا شهيرًا، في شراكة امتدت حتى وفاة الإبياري في القاهرة بأزمة قلبية، في 17 آذار/ مارس 1969[2].
يروي المؤرخ السينمائي محمود قاسم، الذي خص الإبياري بمؤلف تناول سيرته ووثّق أعماله، أن اهتمامه بالسينما بدأ مبكرًا، حين شاهد أحد أفلام شارلي شابلن (Charles Chaplin، 1889-1977)، فاسترعى انتباهه أسلوبه القائم على السخرية والمفارقة، ووجد فيه ما يوافق ميله المبكر إلى الفكاهة. كما تأثر بنجيب الريحاني (1889-1949)، ولا سيما بشخصية "كشكش بيه"، التي حظيت بحضور واسع في الحياة الفنية والاجتماعية في مصر خلال عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته. وأسهمت هذه المؤثرات في تشكيل اهتمام الإبياري المبكر بالكوميديا، قبل أن يبدأ مسيرته المهنية التي قادته لاحقًا إلى مكانة بارزة في السينما المصرية خلال الأربعينيات والخمسينيات[3].
كانت أولى المحطات المهمة في مسار الإبياري الفني لقاؤه بالممثل والمخرج بشارة واكيم (1890-1949)، الذي اكتشف موهبته في التأليف السينمائي وشجعه على تقديم أعماله للمنتجين السينمائيين، ومن أبرزهم أنذاك المنتجة اللبنانية الأصل آسيا داغر (1901-1986). ومن خلال هذا التعاون، بدأ الإبياري يحقق حضوره السينمائي، ولا سيما مع فيلم "لو كنت غني" عام 1942[4].
وتكشف قصة هذا الفيلم جانباً من طريقة الإبياري في السرد السينمائي؛ إذ كان ينطلق من فكرة بسيطة، غالبًا ما تتصل بهموم الناس وتفاصيل حياتهم اليومية، ثم يبني حولها مكونات العمل من . ففي فيلم "لو كنت غني" (1942) انطلق من فكرة تحوّل الفقير فجأة إلى ثري، وما يترتب على ذلك من مفارقات، ليبني حولها عالم الفيلم وشخصياته وأحداثه.
واعتمد الإبياري في بناء عدد من أعماله على مبدأ "العزل والاختيار"، بما يتيح تنظيم عناصر العمل وربط أحداثه ضمن تسلسل سببي، مع حضور مكثف للمفارقة والسخرية في بناء المواقف، وارتبطت موضوعات أعماله وشخصياتها بالسياق الاجتماعي والاقتصادي للمرحلة التي كتب فيها؛ إذ استمدّ جانبًا كبيرًا من شخصياته من الفئات الشعبية، وجعل من تفاصيل حياتها اليومية وتطلعاتها إلى تحسين أوضاعها مادةً لعدد من أعماله السينمائية والمسرحية.
ملصق فيلم "لو كنت غني"
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وفي هذا السياق، شكّل التحول المفاجئ في الوضع الاجتماعي ثيمة متكررة في عدد من أعمال الإبياري؛ إذ بنى بعض حبكاته على انتقال الشخصية من الفقر أو ضيق الحال إلى أفق مغاير، مستعينًا بوسائط سردية مختلفة، من قبيل الفوز بورقة يانصيب، أو امتلاك "طاقية الإخفاء"، أو ظهور إرث غير متوقّع من قريب ثري مغترب. وأتاح له هذا الانتقال إعادة وضع شخصياته في شروط اجتماعية جديدة، وما ينشأ عنها من مفارقات بين واقعها السابق ووضعها المستجد.
أعماله ومنجزه الفني
تُنسب إلى الإبياري كتابة أو المشاركة في كتابة عشرات الأفلام، و65 نصًا مسرحيًا، إلى جانب عدد كبير من الأغاني والمونولوجات. وكان عدد من هذه الأعمال مقتبسًا أو مستلهمًا من أعمال أجنبية[5].
بلغ نشاط الإبياري ذروته خلال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، حين أقام شراكات فنية ممتدة مع عدد من أبرز نجوم السينما المصرية آنذاك، منهم: إسماعيل ياسين، ومحمد فوزي، وفريد الأطرش وأنور وجدي. واتخذ تعاونه مع وجدي نمطًا يقوم على تقديم الأخير الفكرة الرئيسة للفيلم الذي يعتزم إنتاجه، ليتولى الإبياري تطوير عناصرها الدرامية وشروطها السينمائية من شخوص وأحداث وسيناريو وحوارٍ وأغانٍ. وخلال تلك الفترة، كان يُنظر إلى جهوده على أنها "ماركة مسجلة على الأعمال الكوميدية"[6].
تعاون أبو السعود الإبياري مع إسماعيل ياسين في عشرات الأعمال
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أما تعاونه مع إسماعيل ياسين، فأثمر عن عشرات الأعمال السينمائية التي حققت حضوراً واسعاً لدى الجمهور، من بينها فيلم "ابن ذوات" (1952)، فضلًا عن سلسلة الأفلام التي حملت اسم إسماعيل ياسين في عناوينها. كما ارتبط هذا التعاون بتقديم شخصيات كوميدية متكررة، من أبرزها شخصية "الشاويش عطية"، التي أداها رياض القصبجي، ونموذج "الحماة العدوانية خفيفة الظل"، الذي أدته كل من ماري منيب وزينات صدقي، وامتد تعاون الإبياري كذلك إلى فريد الأطرش، فشارك معه في إنجاز عدد من الأفلام، ولا سيما خلال خمسينيات القرن العشرين.
ولم يقتصر إنتاج الإبياري على السينما فحسب، بل امتد إلى المسرح، ولا سيما خلال ستينيات القرن العشرين، حين كتب عددًا من المسرحيات التي أدى إسماعيل ياسين أدوار البطولة في معظمها. وإلى جانب نشاطه في الكتابة السينمائية والمسرحية، كتب الإبياري عشرات الأغاني والمونولوجات، ووظّف كثيرًا منها ضمن البناء الدرامي لأعماله، بحيث أسهمت في تطوير الأحداث واستكمال المواقف الدرامية في الأفلام والمسرحيات التي كتبها[7].
وعلى الرغم مما وُجه للإبياري من انتقادات في بعض الأوساط الفنية المصرية الملتزمة خلال الستينيات، التي رأت في أعماله ما قد يسهم في هبوط الذوق العام، فإن إسهامه في تطوير لغة الحوار السينمائي ظلّ بارزًا؛ إذ يعدّ من أوائل من أسهموا في تخليص اللغة السينمائية ولغة الحوار السينمائي خصوصًا من بعض تقاليد الأداء المسرحي، تركيبًا وإلقاءً. وقد أسهم في بلورة لغة حوار تتسم بقِصر الجمل والتلقائية، والعفوية التي تستجيب لشروط الفن السابع. ولعل هذا ما جعل فنانين ومنتجين كبارًا جمعوا بين المسرح والسينما، يتجهون إليه طلبًا لصياغة حوار بعض أفلامهم، وقد كان أنور وجدي وسعاد حسني أشهر هؤلاء[8].
تراجع مكانته
شهدت ستينيات القرن العشرين تحوّلًا في المناخ الثقافي والفني في مصر، اقترن بالتوجهات الاشتراكية للدولة وأفضى إلى إعادة النظر في طبيعة الإنتاج السينمائي ووظيفته الاجتماعية. وفي سياق هذا التحول، خضعت بعض الأنماط التي سادت السينما المصرية خلال الأربعينيات والخمسينيات لمراجعة نقدية، ولا سيما الأعمال التي قامت حبكاتها على المصادفة والحظ والتحول المفاجئ في مصائر الشخصيات. ورأى بعض نقاد المرحلة أن هذه المعالجات، بما تنطوي عليه من تبسيط للقضايا الاجتماعية، لم تعد تنسجم مع التصورات الجديدة لوظيفة السينما ودورها في التعبير عن التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها البلاد.
أبو السعود الإبياري يتسلم جائزة أحسن سيناريو عن فيلم الزوجة 13
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وانعكس هذا التحول على مكانة الإبياري في المشهد السينمائي؛ إذ شهدت السنوات الأخيرة من حياته تراجعًا في الإقبال على أعماله مقارنة بما حظيت به خلال الأربعينيات والخمسينيات، بالتوازي مع تغير توجهات المؤسسات الرسمية المشرفة على الإنتاج الفني والسينمائي. وبرز في هذا السياق توجه وزير الثقافة المصري ثروت عكاشة، ولا سيما خلال ولايته الثانية (1966-1970)، الذي تبنّى تصورًا يمنح السينما دورًا في مشروع أوسع للنهوض الثقافي، ويربط وظيفتها بالارتقاء بالمستوى الثقافي والفكري للمجتمع [9].
وبعد نكسة حزيران سنة 1967، ازدادت ملامح التحول في المشهد الكوميدي المصري وضوحًا، مع بروز جيل جديد من الكتّاب والفنانين وتغيّر الموضوعات والأساليب التي استجابت لها السينما. وفي ظل هذه التحولات، أخذ النموذج الكوميدي الذي ارتبط بأعمال أبي السعود الإبياري وإسماعيل ياسين يفقد جانبًا من حضوره، بالتوازي مع تغير اهتمامات الجمهور وتوقعاته من العمل السينمائي.
وعلى الرغم مما حمله عدد من أعمال الإبياري من مضامين اجتماعية وأخلاقية ناقدة، ظل أسلوبه قائمًا، في جانب منه، على المعالجة المباشرة والمفارقة والموقف الكوميدي، وهي سمات طبعت كذلك عددًا من الأعمال الأجنبية التي اقتبسها وأعاد صوغها بما يتلاءم مع البيئة المصرية.
المراجع
"أبو السعود الإبياري (1910-1969)". السينما كوم. في: https://acr.ps/hBxQHQk
العجمي، عبد الفتاح. "أبو السعود الإبياري. 25 معلومة عن صانع أسطورة إسماعيل ياسين". مصراوي. 9/11/2020. في: https://acr.ps/hBxQI5j
عكاشة، ثروت. مذكراتي في السياسة والثقافة. ط 3. القاهرة: دار الشروق، 2000.
عطا الله، إخلاص. "عرض كتاب: مسرح أبو السعود الأبياري، تأليف نبيل بهجت". عالم الكتاب. العدد 81 (خريف 2013). ص 15-17.
قاسم، محمود. أبو السعود الإبياري: السينما بتضحك. القاهرة: مطبوعات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، 1999.
منشور في حساب الحكواتي إلهامي سمير. فيسبوك. في: https://acr.ps/hBxQIhl
نور، هالة. "تكريم أحمد الإبياري بالدورة 17 لـ (القومي للمسرح المصري). المصري اليوم. 4/7/2024. في: https://acr.ps/hBxQIIm
[1] إخلاص عطا الله، "عرض كتاب: مسرح أبو السعود الأبياري، تأليف نبيل بهجت"، عالم الكتاب، العدد 81 (خريف 2013)، ص 15-17.
[2] يُنظر: عبد الفتاح العجمي، "أبو السعود الإبياري. 25 معلومة عن صانع أسطورة إسماعيل ياسين"، مصراوي، 9/11/2020، شوهد في 18/5/2026، في: https://acr.ps/hBxQI5j
[3] يُنظر: محمود قاسم، أبو السعود الإبياري: السينما بتضحك (القاهرة: مطبوعات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، 1999)، ص 19-29.
[4] المرجع نفسه، ص 19-29.
[5] "أبو السعود الإبياري (1910-1969)"، السينما. كوم، شوهد في 18/5/2026، في: https://acr.ps/hBxQHQk
[6] منشور في حساب الحكواتي إلهامي سمير، فيسبوك، شوهد في 18/5/2026، في: https://acr.ps/hBxQIhl
[7] أورد محمود قاسم قوائمَ شاملةً لمؤلفات الإبياري في جميع الفنون التي كان يكتبها، يُنظر: قاسم، ص 207-231.
[8] هذا ما يُردده كثيرون، ولعل ابن أبو السعود الإبياري أحمد الإبياري كان من أكثر الأصوات وضوحًا فيما رآه كثيرون ظلمًا لحق بالإبياري وإسماعيل يس، جراء سياسة وزارة الثقافة المصرية أواخر الستينيات. يُنظر: هالة نور، "تكريم أحمد الإبياري بالدورة 17 لـ (المهرجان القومي للمسرح المصري)"، المصري اليوم، 4/7/2024، شوهد في 18/5/2026، في: https://acr.ps/hBxQIIm
[9] تحدث ثروت عكاشة عن هذا الوضع الذي آلت إليه السينما المصرية في نهاية الستينيات، وحاول تفسير القرارات التي ربما نالت من أوضاع رواد الكوميديا التقليدية، مثل: إسماعيل يس، وأبو السعود الإبياري، من دون أن يشير إليهما بالاسم. يُنظر: ثروت عكاشة، مذكراتي في السياسة والثقافة، ط 3 (القاهرة: دار الشروق، 2000). وقد جاءت الإشارات إلى واقع السينما في تلك الفترة في أكثر من موضوع في الجزء الثاني، ولا سيما ص 452-459.