الموجز
الهيدروجين (Hydrogen، عدده الذري 1) أخف العناصر وأكثرها وفرة في الكون، فهو في المركبات العضوية والماء وبنسبة صغيرة في الغلاف الجوي، غاز عديم اللون والرائحة، وهو غاز عديم الرائحة وسريع الاشتعال، تبرز أهميته في عصر الطاقة النظيفة إذ لا ينتج عن احتراقه سوى الماء، ويتمتع بكثافة طاقة مرتفعة بالوقود الأحفوري. له نظيران رئيسان أهمها الديوتريوم الذي يؤدي دورًا رئيسًا في تتبع التفاعلات الكيميائية وعند دخوله في الماء الثقيل يصبح فعالًا في تثبيط النيترونات في المفاعلات النووية.
وجوده في الطبيعة
يُعد الهيدروجين أكثر العناصر وفرة في الكون (وفي الشمس)، وهو أيضًا ثالث أكثر العناصر وفرة على الأرض بعد الأكسجين والسيليكون، حيث يوجد أساسًا في صورة ماء أو متحدًا مع الكربون في الجزيئات العضوية: الهيدروكربونات، والمواد النباتية والحيوانية. أما في الغلاف الجوي للأرض، فإن نسبة وجوده تقل عن جزء واحد في المليون حجميًا، في حين تحتوي أجواء كواكب المشتري ونبتون وزحل وأورانوس على كميات كبيرة منه[1].
اكتشافه
مر تاريخه بسلسلة متصلة من الاكتشافات العلمية التي بدأت في القرن الثامن عشر حتى استعماله بوصفه وقودًا نظيفًا في القرن الواحد والعشرين. نجح العالم البريطاني هنري كاڤنديش (Henry Cavendish, 1731-1810) عام 1766 في تحديد الهيدروجين كعنصر كيميائي متميز، بعد أن فصله عبر تفاعل معدن الزنك مع حمض كلور الماء (Hydrochloric acid, HCl). لاحظ كاڤنديش أن غاز الهيدروجين ينتج عن تفكك الماء، مما قاده إلى الاستنتاج بأن الماء يتكون من اتحاد الهيدروجين مع الأكسجين. وبناءً على هذه الاكتشافات، قام الكيميائي الفرنسي أنطوان لاڤوازييه (Antoine-Laurent de Lavoisier, 1743-1794) عام 1788 بإطلاق الاسم الرسمي على هذا العنصر. اشتُق اسم "هيدروجين" من الكلمتين اليونانيتين "هيدرو" (Hydro) وتعني الماء، و"جينز" (Genes) وتعني "مولّد" أو "مُكوِّن"، وذلك إشارةً إلى دوره الأساسي في تكوين الماء عند احتراقه[2].
في أوائل القرن التاسع عشر، اكتشف العالم نيكولسون (William Nicholson, 1872-1949) إمكانية فصل الماء إلى الهيدروجين والأكسجين باستخدام التيار الكهربائي (التحليل الكهربائي)، تلاه اكتشاف تأثير خلية الوقود عام 1839 والذي يدمج الغازين لإنتاج الماء والطاقة الكهربائية. ومع بداية القرن العشرين، توسعت استخدامات الهيدروجين لتشمل محركات الاحتراق الداخلي ومناطيد الطيران.
توقف استعمال الهيدروجين مؤقّتًا بسبب حادث انفجار منطاد هايندنبرغ (LZ 129 Hindenburg) عام 1937، واستُعمل لاحقًا ليصبح الوقود الأساسي لبرامج الفضاء التابعة لوكالة ناسا منذ أواخر الخمسينيات. وبعد أزمات النفط في السبعينيات، برزت فكرة اقتصاد الهيدروجين بصفته حلًا طاقيًّا مستدامًا، مما مهد الطريق لثورة حديثة تضمنت تطوير السيارات والحافلات وخلايا الوقود التجارية ومحطات التزويد بالطاقة النظيفة[3].
حافلة تعمل بخلايا وقود الهيدروجين
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تصنيفه في الجدول الدوري
الهيدروجين أكثر العناصر وفرة في الكون وثالث أكثر العناصر وفرة على الأرض. للهيدروجين إلكترون وحيد يجعل توزيعه الإلكتروني (1s1)، وهو ما يجعل موضعه في الجدول الدوري مثار جدل، إذ يشبه توزيعه الإلكتروني التوزيع الإلكتروني للفلزات القلوية ولذلك يُدرج عادة أعلى المجموعة الأولى في الجدول الدوري، ومع ذلك فلا يشبه الهيدروجين الفلزات القلوية كيميائيًا، وهو يفتقد إلى إلكترون واحد ليكمل تركيب الغاز النبيل، وهو ما قد يضعه في مجموعة الهالوجينات، ومع ذلك فهو لا يشبهها. يمكن اعتمادًا على أن نصف مدار التكافؤ ممتلئ بالإلكترونات وضع الهيدروجين فوق الكربون في الجدول الدوري، وله كهروسلبية قريبة من كهروسلبية الكربون، ويشكل روابط تساهمية. من كل ما سبق تجدر دراسة الهيدروجين بوصفه عنصرًا فريدًا يستحق دراسة مفصلة ويوضع في الجدول الدوري في المجموعة الأولى أعلى الفلزات القلوية.
نظائره
للهيدروجين ثلاثة نظائر (Isotopes): الهيدروجين العادي أو البروتيوم (¹H) (Proteome) الذي يحتوي على بروتون واحد، والهيدروجين الثقيل أو الديوتيريوم (²H) أو (D) (Deuterium) الذي يحتوي على بروتون ونيوترون، والتريتيوم (³H) أو (T) (Tritium) الذي يحتوي على بروتون واحد ونيوترونين. لكل من الهيدروجين العادي والديوتيريوم نوى مستقرة، في حين يتحلل التريتيوم عن طريق إصدار جسيمات بيتا (Beta particle) ويتحول إلى نظير الهيليوم -3 (3He). للتريتيوم عمر نصف يساوي 12.35 سنة. يشكل الهيدروجين العادي نسبة 99.985% من الهيدروجين الطبيعي، في حين يمثل الديوتيريوم النسبة الباقية تقريبًا، أما التريتيوم المشع فلا يوجد إلا بكميات ضئيلة جدًا على الأرض[4].
جهاز هوفمان المستخدم في تحليل الماء كهربائيًا إلى هيدروجين وأكسجين
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تحضيره
يمكن تحضير الهيدروجين في المختبر بطرائق كيميائية تقليدية متعددة نظرًا إلى تفاعليته وتوفره في مركبات شائعة. من الطرائق المألوفة تحليل الماء كهربائيًا بوجود إلكتروليت مضاف، إذ يتحرر الهيدروجين (H2) عند المهبط، غير أن الطرائق الأسهل لإنتاج كميات صغيرة في المختبر تعتمد على التفاعل بين الأحماض المعدنية الممددة وبعض الفلزات النشطة، مثل: الحديد أو الزنك . يمكن الحصول على الهيدروجين أيضًا عند معالجة الفلزات التي تكون هيدروكسيدات مذبذبة، مثل: الزنك والألومنيوم، بمحاليل قلوية مائية. توجد أيضًا طريقة فعالة تعتمد على تفاعل هيدريدات الفلزات مثل هيدريد الكالسيوم (CaH2 (s)). أما فلزات المجموعة الأولى فتحرر الهيدروجين عند تفاعلها مع الماء، إلا أن هذه التفاعلات لا تصلح للتحضير العملي بسبب شدتها وخطورتها العالية. تبطئ طبقة الأكسيد الخاملة من تفاعل الفلزات مع الماء، وتحدث التفاعلات عند التسخين أو كشط طبقة الأكسيد، وهذا ما يحدث مع البيريليوم (Be) الذي لا يتفاعل مع الماء حتى عند التسخين. تتفاعل بقية فلزات المجموعة الثانية مع الماء مطلقة الهيدروجين، وتزداد الفعالية نزولًا في المجموعة، إلا أن المغنيسيوم (Mg) لا يتفاعل مع الماء البارد.[5] يُنتج غاز الهيدروجين من خلال تفاعل غاز الميثان (CH4) مع بخار الماء عند درجات حرارة عالية تتراوح بين 700 و1000 درجة مئوية وتحت ضغط مرتفع وبوجود عامل حفاز لينتج غاز الهيدروجين (H2) وأول أكسيد الكربون (CO)، ثم يتفاعل أول أكسيد الكربون الناتج مع مزيد من بخار الماء، وهو ما يؤدي إلى إنتاج كميات إضافية من الهيدروجين إلى جانب غاز ثاني أكسيد الكربون (CO2). في الدول الغنية بالفحم كالصين، يُستبدل الفحم بالميثان في هذه العمليات عبر التغويز (Gasification). إن خصائص الهيدروجين الفيزيائية، مثل: كثافته المنخفضة، ونقطة غليانه المنخفضة جدًا، وقابليته للانفجار، تجعل نقله بكميات كبيرة مكلفًا وغير عملي، لذا يُنتج في الموقع نفسه عند الحاجة في العمليات الصناعية الكبرى.
تطبيقاته
يمثل الهيدروجين (H2) مادة أساسية ذات أهمية كبيرة في العمليات الصناعية، ويبرز استخدامه الأهم في عملية هابر– بوش (Haber-Bosch) لإنتاج الأمونيا.[6] وهي الركيزة الأولى لصناعة الأسمدة عالميًا. يُستعمل الهيدروجين في هدرجة الزيوت غير المشبعة لإنتاج السمن النباتي ومشتقاته، إضافة إلى كونه وسيطًا أساسيًا في إنتاج العديد من المركبات العضوية، يأتي الميثانول (Methanol) في مقدمتها من حيث الأهمية، فضلًا عن اعتبار غاز الهيدروجين وقودًا نظيفًا متنامي الاستخدام. مع تناقص احتياطي الفحم والنفط والغاز، وتفاقم انبعاثات غازات الدفيئة، أصبح التحول نحو "اقتصاد الهيدروجين" مطلبًا عالميًا ملحًا، فالهيدروجين وقود نظيف، لا ينتج عن احتراقه مع الأكسجين (O₂) سوى الماء بلا انبعاثات ضارة.
يُعد الهيدروجين وسيطًا فعالًا لتخزين الطاقة، إذ يُخزن نحو 436 كيلوجولًا من الطاقة القابلة للتحرر عند أكسدة واحد مول من غاز الهيدروجين. يمكن استغلال غاز الهيدروجين إما بالاحتراق المباشر وإما بخلايا الوقود الكهروكيميائية ذات الكفاية العالية، إلا أن التحدي يكمن في انخفاض وفرته في الغلاف الجوي وصعوبة إنتاجه بطرائق متجددة مستدامة، لذلك يتجه البحث العلمي إلى تطوير تقنيات لربط إنتاج الهيدروجين بمصادر الطاقة المتجددة، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية، إذ تستقبل الأرض يوميًا عدة تيراواتات من الطاقة الشمسية تفوق بكثير الاستهلاك البشري، وهو ما يجعل استغلالها لإنتاج الكهرباء أو لتخزينها كيميائيًا على شكل هيدروجين هدفًا استراتيجيًا. تُعد عملية التركيب الضوئي الطبيعية نموذجًا يُحتذى به، إذ تستعمل النباتات والطحالب والبكتيريا الزرقاء ضوء الشمس لتحليل الماء عند مركز التفاعل في النظام الضوئي، وهو ما يحرر الأكسجين والإلكترونات، وتُستغل هذه الإلكترونات في اختزال غاز ثاني أكسيد الكربون إلى كربوهيدرات (C6H12O6)، لتُخزن الطاقة الشمسية في الروابط الكيميائية[7]. إن تقليد هذه العملية صناعيًا يتطلب أنظمة حفزية ضوئية قادرة على امتصاص الضوء وتحفيز التفاعلات: أكسدة الماء، واختزال البروتونات. من ناحية الديناميكية الحرارية، تحتاج أكسدة الماء إلى عامل مؤكسد قوي، كذلك يتطلب اختزال البروتونات إلى هيدروجين وجود حفاز فعال. في الطبيعة، تؤدي إنزيمات الهيدروجيناز (Hydrogenase) هذا الدور، في حين يُستعمل في النظم الاصطناعية معقد أيون الروثينيوم (Ru) مع ثنائي البيبيريديل ([Ru(bpy)3]2⁺) محسًا ضوئيًا، إذ يمتص هذا المعقد الفوتونات عند طول موجي يقارب 452 نانومترًا ليكوِّن حالة مثارة تتميز بقدرتها الكبرى على الأكسدة والاختزال. يتبدل الروثينيوم بين درجتي الأكسدة Ru (II) وRu (III)، إذ يمكن من الناحية النظرية أكسدة الماء واختزال البروتونات[8]. إن نجاح التركيب الضوئي الصناعي يسهم في دفع الاقتصاد البيئي ويمهد للانتقال إلى بنية تحتية نظيفة.
تصنيفه بحسب الإنتاج
يُصنف الهيدروجين عادة حسب ألوان مختلفة للتعبير عن طريقة إنتاجه والأثر البيئي المترتب عليها. تساعد هذه الرموز اللونية على التمييز بين الهيدروجين المنتج من الوقود الأحفوري، أو الطاقة المتجددة، أو الطاقة النووية، أو المصادر الطبيعية. يُنتج الهيدروجين الأسود والبني من تغويز الفحم، إذ يُستخلص الأسود من الفحم الحجري (Bituminous Coal) والبني من الفحم البني (Lignite Coal)، ويُعدان الأكثر تلويثًا بسبب الانبعاثات العالية جدًا من ثاني أكسيد الكربون. أما الهيدروجين الرمادي -وهو الأكثر شيوعًا حاليًا- فيُنتج من الغاز الطبيعي عبر إعادة تشكيل البخار لغاز لميثان (Methane reforming)، لكنه يطلق ثاني أكسيد الكربون مباشرة إلى الغلاف الجوي، وهو ما يسهم بشكل كبير في زيادة الغازات الدفيئة. يُنتج الهيدروجين الأزرق بطريقة مشابهة للرمادي، لكن مع اعتماد تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه (Carbon Capture and Storage, CCS)، وهو ما يقلل الانبعاثات. أما الهيدروجين الأخضر فيُولد من خلال التحليل الكهربائي للماء باستخدام الكهرباء من مصادر متجددة، مثل: طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية، ولا ينتج غازات دفيئة، وهو ما يجعله أنظف وأكثر استدامة. يشير مصطلح الهيدروجين الأصفر إلى الهيدروجين الناتج من التحليل الكهربائي باستخدام الكهرباء من الشبكة العامة أو من الطاقة الشمسية تحديدًا. كذلك توفر الطاقة النووية مسارات لإنتاج الهيدروجين، إذ يُنتج الهيدروجين الوردي عبر التحليل الكهربائي التقليدي، والبنفسجي عبر التحليل الكهربائي مع الحرارة، والأحمر باستعمال الانشطار الحراري عالي الحرارة للماء. ويوجد أيضًا الهيدروجين الفيروزي الناتج من التحلل الحراري للميثان (Pyrolysis) في غياب الأكسجين، إذ يتحول الميثان إلى هيدروجين وكربون صلب بدلًا من إطلاق ثاني أكسيد الكربون. أخيرًا، يوجد الهيدروجين الأبيض أو الطبيعي، الذي يتكون داخل القشرة الأرضية بفعل العمليات الجيوكيميائية، لكنه لم يُستغل تجاريًا بعد. يساعد هذا التصنيف في تمكين العلماء وصانعي السياسات والصناعات من تقييم البصمة البيئية لكل نوع وتحديد المسارات الأكثر دعمًا للاستدامة والحد من الكربون عالميًا[9].
الديوتيريوم
يوجد الديوتريوم في الطبيعة بالأساس داخل مياه المحيطات والبحار، حيث تبلغ وفرة هذا النظير من الهيدروجين تقريبًا ذرة ديوتيريوم واحدة لكل 6500 ذرة هيدروجين. وتشير الأدلة إلى أن تركيز الديوتيريوم قد يزيد تدريجيًا مع ازدياد العمق في مياه المحيطات. إن الجزء الأكبر من الديوتيريوم الموجود الآن يُعزى إلى بقايا التخليق النووي في الانفجار العظيم قبل نحو 13.8 مليار سنة، إذ تُقدر النسبة الابتدائية للديوتيريوم بحدود 26 ذرة لكل مليون ذرة هيدروجين، وهي النسبة نفسها تقريبًا التي نراها في الكواكب الغازية العملاقة مثل المشتري[10]. أعطى تحليل نسب الديوتيريوم إلى البروتيوم في المذنبات قيمًا قريبة جدًا من متوسط نسبة وجود الديوتريوم في المحيطات، في حين يُعتقد أن نجومًا مثل الشمس تحتوي على كمية ضئيلة من الديوتيريوم في باطنها لأن تفاعلات الاندماج في تلك البيئات تستهلكه بسرعة أكبر من العمليات التي تنتجه، مع بقاء تركيزه في الغلاف الجوي الخارجي للشمس بمستوى مشابه لذلك في المشتري، وهو ما يشير إلى ثبات النسب عبر نشأة النظام الشمسي إلا في حال وجود عمليات محلية تسبب تغيرات في نسب بعض النظائر إلى بعضها.
لا توجد آليات طبيعية معروفة قادرة على إنتاج الديوتيريوم بكميات تقارب وفرة الطبيعة الحالية بخلاف التخليق النووي الابتدائي للانفجار العظيم ولأغراض صناعية وعلمية وعسكرية. يُستخرج الديوتيريوم من الماء العادي، الذي يحتوي بصورة طبيعية على جزء صغير من الماء الثقيل (Heavy water, or deuterium oxide, D2O)، عبر فصل أجزاء الماء الثقيل بعدة طرائق مجدية اقتصاديًا، أشهرها عملية كبريتيد جيردلر (Girdler sulfide process) وأساليب التقطير[11]. يُستعمل عند تطبيق طريقة كبريتيد جيردلر برجان منفصلان يُتحكم في درجة حرارتهما: البرج البارد الذي يعمل عند حدود 30 درجة مئوية، والبرج الساخن العامل عند حدود 130 درجة مئوية، ويُدور غاز كبريتيد الهيدروجين (Hydrogen Sulfide, H2S) بين البرجين، حيث يمر الماء الطبيعي، الذي يحتوي على كمية صغيرة من الماء الثقيل، عبر البرجين. ينتقل الديوتيريوم من غاز كبريتيد الهيدروجين إلى الماء في البرج البارد، وهو ما يؤدي إلى إثراء الماء بالماء الثقيل (D2O) ويحدث العكس في البرج الساخن، إذ ينتقل الديوتيريوم من الماء مرة أخرى إلى غاز كبريتيد الهيدروجين. يؤدي هذا التبادل الحراري المزدوج، المتكرر عبر سلسلة من المراحل، تدريجيًا إلى إغناء الماء بالماء الثقيل، الذي يمكن تنقيته لاحقًا بشكل أكبر[12]. يمكن إنتاج الديوتيريوم نظريًا داخل مفاعل نووي، إلا إن فصل الماء الثقيل عن الماء العادي يظل الخيار الأجدى للإنتاج الكمي. تؤدي المركبات الموسومة بالديوتيريوم دورًا مهمًا في الأبحاث الكيميائية والفيزيائية، ويُعد الماء الثقيل المثال الأكثر شيوعًا، إذ إن استبدال ذرات الديوتيريوم بذرات الهيدروجين يؤثر بشكل ملحوظ في السلوك الفيزيائي والكيميائي للمادة. في حالة المواد المدوترة كليًا، يؤدي استبدال الديوتيريوم بالهيدروجين إلى تغيرات قابلة للقياس في الخواص نتيجة اختلاف الكتلة الذرية وجساءة الروابط، فمثلًا يتميز الماء الثقيل بدرجة غليان أعلى من الماء العادي، ويعكس هذا الاختلاف وجود روابط هيدروجينية (Hydrogen bonds) بين الجزيئات أقوى قليلًا في الماء الثقيل مقارنة بالماء العادي. يمتد هذا الاختلاف أيضًا إلى الكثافة واللزوجة وسلوك الانتشار، وهو ما يجعل الماء الثقيل موضوعًا مهمًا في دراسة تأثيرات النظائر. يحظى الماء الثقيل بالإضافة إلى استخداماته البحثية بأهمية صناعية كبرى بوصفه مثبطًا في المفاعلات النووية، فبخلاف الهيدروجين، يتميز الديوتيريوم بسطح تصادمي أصغر بكثير لالتقاط النيوترونات، وهو ما يمكن الماء الثقيل من إبطاء النيوترونات السريعة الناتجة عن الانشطار النووي من دون أن يؤدي إلى إنقاص كبير في تدفق النيوترونات الكلي، وتُعد هذه الخاصة مثالية للحفاظ على تفاعلات متسلسلة مضبوطة في أنواع معينة من المفاعلات النووية[13]. كذلك تُستعمل المذيبات المدوترة على نطاق واسع في مطيافية الرنين المغناطيسي النووي للبروتون (1H NMR) لتقليل التداخل الناتج عن بروتونات المذيب، وهو ما يحسن من دقة التحليل الطيفي وجودته.
التريتيوم
التريتيوم هو نظير طبيعي للهيدروجين يتكون في الغلاف الجوي العلوي من خلال تفاعلات مع النيوترونات الكونية، على الرغم من تصنيعه لأول مرة بقذف مركبات تحتوي على الديوتيريوم بواسطة نيوترونات سريعة[14]. يُنتج حاليًا التريتيوم صناعيًا في المفاعلات النووية بقذف أنوية الليثيوم -6 (Li6) بالنيوترونات. يُعد التريتيوم باعثًا ضعيفًا لجسيمات بيتا وله عمر نصف يقارب 12.3 سنة، وهو ما يجعله أكثر أمانًا نسبيًا مقارنة بالنظائر المشعة الأخرى، إذ يُطرح سريعًا من الجسم ولا يتراكم في الأعضاء الحساسة. بفضل هذه الخصائص، يُستخدم التريتيوم على نطاق واسع متتبعًا (Tracer) في الأبحاث الكيميائية والكيميائية الحيوية، مثل: دراسة حركة المياه الجوفية، وبحث امتصاص الهيدروجين في المعادن، وتحليل امتزاز الهيدروجين على أسطح المعادن[15]. يؤدي التريتيوم دورًا أساسيًا في تقنيات الاندماج النووي، وعنصرًا محفزًا خصوصًا في الأسلحة. كذلك يُستعمل أيضًا في أجهزة عملية، مثل: الساعات ذاتية الإضاءة المعروفة بـساعات التريتيوم، وأجهزة التوقيت الأخرى التي تستفيد من خاصية إشعاعه الضوئي. إن النشاط الإشعاعي والأمان النسبي والتوافر تجعل التريتيوم أداة مهمة في البحث العلمي والتكنولوجي.
خصائصه الكيميائية
يمكن للهيدروجين أن يكتسب إلكترونًا ليحقق تركيب الغاز النبيل عند تكوين الهيدريد (H-). تكون الفلزات القلوية والقلوية الترابية هيدريدات ذات طبيعة أيونية تحتوي على أيونات الهيدريد (H⁻) المنفصلة. يُعد أيون الهيدريد عامل اختزال قويًا، إذ يتفاعل مع الماء والمذيبات البروتونية الأخرى لتوليد غاز الهيدروجين[16].
تعمل أيونات الهيدريد أيضًا ربيطات للفلزات، وقد يصل عدد ذرات الهيدروجين المرتبطة بذرة فلز واحدة إلى تسع ذرات كما يوجد في . ReH₉²⁻ وتُعتبر هيدريدات عناصر المجموعة الثالثة، مثل: بورهيدريد (BH4⁻)، وهيدريد الألومنيوم (AlH4⁻) عوامل اختزال مهمة في عمليات الاصطناع الكيميائي. على الرغم من تسمية هذه المعقدات بـ"الهيدريدات"، فإن روابطها تساهمية ولا تحتوي على أيونات الهيدريد منفصلة[17].
يُستعمل مصطلح أيون الهيدروجين (H⁺) أو البروتون بشكل شائع، إلا أن صغر حجمه الشديد (نصف قطر يقارب 1.5×10-3 بيكومتر) يجعله ذا كثافة شحنة مرتفعة، وهو ما يفرض عليه الارتباط بجزيئات المذيب أو المذاب من خلال روابط هيدروجينية. يكون الوصف الأكثر دقة في المحاليل المائية هو أيون الهيدرونيوم (H₃O⁺(aq))، مع إمكانية وجود تراكيب أكبر مثل (Eigen cation, H₉O₄⁺).
مخاطره
غاز الهيدروجين غير سام ولا يضر البيئة، لذا لا توجد قيمة حدية للتعرض له، إلا إنه يشكل خطرًا على السلامة البشرية عبر الانفجارات والحرائق عند امتزاجه بالهواء، أو التسبب بالاختناق في الأجواء منعدمة الأكسجين. ينفجر الهيدروجين عند تراكيز صغيرة في جو من الأكسجين، ويتفاعل بعنف مع الكلور والفلور منتجًا أحماضًا أكالة تضر الجهاز التنفسي والأنسجة، كذلك فإن شعلته غير مرئية في الهواء، وهو ما يجعل اكتشاف حرائقه أمرًا بالغ الصعوبة. يسبب الهيدروجين السائل حروقًا باردة عند ملامسته للجلد، وقد تؤدي زيادة تركيزه في الجو إلى أعراض نقص الأكسجين.
[1] Dilshad Ahmad Khan, Akhilesh Kumar Choudhary & Deepak Sharma )eds.(, Hydrogen energy: production, storage and utilization (Florida: CRC Press, 2024).
[2] Peter Hoffmann, Tomorrow's Energy: Hydrogen, Fuel Cells, and the Prospects for a Cleaner Planet, revised ed. (Cambridge, MA: MIT Press, 2012), 15-20.
[3] Ibid.
[4] Ibid.
[5] Ibid.
[6] Ibid.
[7] Michael Seibert & Giuseppe Torzillo (eds.), Microalgal hydrogen production: Achievements and perspectives (Cambridge: Royal Society of Chemistry, 2018).
[8] Alberto Puga (ed.), Photocatalytic Hydrogen Production for Sustainable Energy (Weinheim: John Wiley & Sons, 2023).
[9] Seibert & Torzillo (eds.), op. cit.
[10] Ibid.
[11] Kazuhiro Akutsu-Suyama et al., “Heavy water recycling for producing deuterium compounds,” RSC advances, vol. 12, no. 38 (2022), pp. 24821-24829.
[12] Boris M. Andreev, “SEPARATION OF HYDROGEN ISOTOPES IN H2 O-H2 S SYSTEM,” Separation Science and Technology, vol. 36, no. 8-9 (2001), pp. 1949-1989.
[13] F. C. Iglesias & D. H. Barber, “Heavy Water Reactor Fuel Design and Performance,” Encyclopedia of Materials: Science and Technology (2001), pp. 3741-3745.
[14] Kazuhiro Akutsu-Suyama et al. “Heavy water recycling for producing deuterium compounds,” RSC advances, vol. 12, no. 38 (2022), pp. 24821-24829.
[15] Andreev, op. cit.
[16] جاري ل. ميسلر ودونالد أ. تار، الكيمياء غير العضوية (الرياض: العبيكان للنشر، 2014).
[17] Catherine E. Housecroft and Alan G. Sharpe, Inorganic Chemistry, 2nd ed. (Harlow: Prentice Hall, 2005), pp. 236-257.
المراجع
العربية
جاري ل. ميسلر ودونالد أ. تار. الكيمياء غير العضوية. الرياض: العبيكان للنشر، 2014.
الأجنبية
Akutsu-Suyama, Kazuhiro et al. “Heavy water recycling for producing deuterium compounds.” RSC advances. vol. 12, no. 38 (2022). pp. 24821-24829.
Andreev, Boris M. “SEPARATION OF HYDROGEN ISOTOPES IN H2 O-H2 S SYSTEM.” Separation Science and Technology. vol. 36, no. 8–9 (2001). pp. 1949–1989.
Housecroft, Catherine E., and Alan G. Sharpe. Inorganic Chemistry. 2nd ed. Harlow: Prentice Hall, 2005.
Iglesias, F. C. & D. H. Barber. “Heavy Water Reactor Fuel Design and Performance.” Encyclopedia of Materials: Science and Technology (2001). pp. 3741-3745.
Khan, Dilshad Ahmad, Akhilesh Kumar Choudhary & Deepak Sharma )eds.(. Hydrogen energy: production, storage and utilization. Florida: CRC Press, 2024.
Seibert, Michael & Giuseppe Torzillo (eds.). Microalgal hydrogen production: Achievements and perspectives. Cambridge: Royal Society of Chemistry, 2018.
Suyama, Kazuhiro Akutsu- et al. “Heavy water recycling for producing deuterium compounds.” RSC advances. vol. 12, no. 38 (2022). pp. 24821-24829.
Puga, Alberto (ed.). Photocatalytic Hydrogen Production for Sustainable Energy. Weinheim: John Wiley & Sons, 2023.