الموجز
محمد الأمين العمودي أحد روّاد الفكر الإصلاحي في
الجزائر خلال النصف الأول من القرن العشرين، ومن الذين عبّروا باللغة الفرنسية عن قضايا النهضة والدفاع عن الهوية العربية والإسلامية للجزائر في ظلّ الاستعمار الفرنسي.
ولِد العمودي عام 1890 في
وادي سوف جنوب شرق الجزائر، واغتيل في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 1957 بعد اختطافه في
الجزائر العاصمة من منظمة
اليد الحمراء.
نشأ العمودي في بيئة تقليدية، فحفظ القرآن الكريم، ثم التحق بمدرسة التعليم العام التابعة للإدارة الفرنسية، وفي سن السادسة عشرة بدأ الدراسة في
مؤسسة التعليم المزدوج العربي الفرنسي في
قسنطينة، وفي مطلع عشرينيات القرن العشرين، أصبح وكيلًا شرعيًّا، ثم ترجمانًا، ثم استقر في مدينة
بسكرة.
أسهم في تأسيس
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام 1931، وشغل منصب أمينها العام حتى عام 1935، وفي 1934 أسّس في الجزائر العاصمة جريدة الدفاع (La Défense ) الصادرة بالفرنسية.
من أهم أفكاره: الحقّ في المواطنة مع المحافظة على الشريعة الإسلامية، وإصلاح التعليم والدين، ونقد الطُرُقية التي اعتبرها عائقًا أمام التقدّم، ومطالبة الإدارة الفرنسية بمنح الحريات والحقوق للأهالي، ورفض التجنيس الفردي الذي يقطع صلة المسلم بوطنه وجماعته، وطلب التجنيس الجماعي.
نشأته وتعليمه
ولد العمودي عام 1890 في قرية كوينين في وادي سوف جنوب شرق الجزائر، حيث تعَلَّم القرآن الكريم وحفظه، حسب النظام التعليمي التقليدي حينئذٍ. وفي عام 1902 التحق بمدرسة التعليم العام الوحيدة في المنطقة والتابعة للإدارة الفرنسية، ويُحتمل أن وظيفة والده
الأمين بن يوسف العمودي، وهي خوجة {{خوجة: كلمة من أصل تركي، وفي سياق الاستعمار الفرنسي للجزائر هو كاتب أو مترجم يعمل في الإدارة المحلية، ويُشرف على تحرير المراسلات، والعقود، والسجلات، والمذكرات الإدارية، وهو حلقة وصل بين الإدارة الفرنسية والأهالي}}. ساعدته على ذلك. بعد إتمامه مرحلة التعليم الابتدائي التحق في سن السادسة عشرة بمؤسسة التعليم المزدوج العربي الفرنسي في قسنطينة، ولم يتمكن من إتمام تعليمه فيها.
المسار المهني
استقر العمودي في مطلع عشرينيات القرن العشرين في بلدة
فج مزالة {{فج مزالة: هي الاسم القديم لبلدية فرجيوة في ولاية ميلة شرق الجزائر.}} التي عيّن فيها وكيلًا شرعيًّا، ثم انتقل إلى بلدة
عين الماء {{عين الماء: بلدة في ولاية ميلة.}} ليعمل ترجمانًا شرعيًا، ثم استقر في مدينة بسكرة الواقعة على بُعد 230 كيلومترًا شمال غرب وادي سوف التي وُلد فيها.
في 1927، كتب العمودي واصفًا حياته وحياة
الأهالي{{خضع المسلمون: الجزائريون حصرًا لمدوّنة خاصة من التدابير والإجراءات الردعية والتعزيرية التي ضمّنتها الإدارة الفرنسية في قانون الأهالي الصادر في 1881}}."أما حياتي، فحياة كلّ مسلم جزائري، بلا غاية ولا أمل، حياة من لا يَأسف على أمْسِه، ولا يَغْتَبط بيومه، ولا يثِق بغَدِه [...]، تلك هي حياتي من يوم عرفتُ الحياة، وها قد دخلت السابعة والثلاثين من عمري ولم أظفر بعقد مع الدهر"[1].
عن مدينة قسنطينة التي تَعَلَّم ودَرَس فيها، نظم قصيدةً مطلعها[2]:
فِي قَسَنْطِينةٍ قَضَيْتُ شَبَابِي | فِي عَنَاءٍ وَمِحْنَةٍ وَعَذَابِ
|
وخُطُوبٍ تَحُلُّ بَعْدَ خُطُوبٍ | وَمُصَابٍ يَجِيءُ بَعْدَ مُصَابِ |
فسّر
صالح خرفي (1932-1998) هذه المسحة التشاؤمية التي عَلقت بوعي العمودي بطبيعة الوضع الذي عايشه، ولا سيما لحظة الصدام بين حالة أهلية متأزمة وحالة أخرى استعمارية تتمتع بكامل الامتيازات القانونية والسياسية والاقتصادية[3].
تطورت هذه النزعة التشاؤمية فيما بعد إلى تَطَلّع نحو خيارات أخرى، سيسعى من خلالها العمودي إلى تغيير الأوضاع القائمة، فاختار الدفاع عن أترابه ومواجهة ظلم النظام الاستعماري في المحاكم التي كان يتردد عليها كافة. التحق بعدها بالجزائر العاصمة في 1933، حيث أسس بها عام 1934 جريدة
الدفاع التي ستقذف به في قلب المعترك السياسي.
نشاطه الصحفي
واجهة جريدة الدفاع La Défense "أسبوعية حقوق المسلمين الجزائريين ومصالحهم"
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
برز العمودي، لحظة تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في 1931 وبعدها، بوصفه رائدًا للكتابة الإصلاحية باللغة الفرنسية في الجزائر، وإضافة إلى إسهاماته في تأسيس الجمعية وشغله منصب أمينها العام حتى 1935، تناول من خلال الكتابة قضايا الإصلاح السياسي والاجتماعي والديني، خصوصًا من منبر جريدة الدفاع التي بادر إلى تأسيسها بعد إقدام السلطات الفرنسية عام 1933 على غلق الصحافة الإصلاحية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين:
الصراط، والسنة، والشريعة. وقد نص قرار وزير الداخلية الفرنسي على أن كلّ منبرٍ يصدر على نحو الصحافة الإصلاحية سيكون مصيره المصادرة والمنع؛ فلجأ العمودي إلى تأسيس جريدة إصلاحية باللغة الفرنسية، معززًا مبادرته بإسناد امتياز تسييرها إلى شخصية فرنسية مسلمة، هي:
محمد الشريف جوغلاريت {{محمد الشريف جوغلاريت: ولد في 28 كانون الأول/ ديسمبر 1904 في باريس، واسمه الأصلي: بيير جون لوي جوغلاريت (Pierre Jean Louis Juglaret)، قَدِم إلى الجزائر في حدود 1920-1922، أسلم وتزوج امرأة جزائرية أنجبت ابنة، وتسمّى باسم محمد الشريف، بعد الحرب العالمية الثانية، عمل كاتبًا عموميًّا، اختفى في آب/ أغسطس 1957، ولم يُعرف مصيره بعدها، يحمِل أحد شوارع بلدية
باب الواد في العاصمة اسمه. (الصورة 1)}}. وقد تكفلت بإخراجها مطابع الفرنسي
ڤيكتور سبيلمان (Victor Spielmann، 1866-1943) المناصر لقضايا المسلمين، صدر أول عدد من الجريدة في 26 كانون الثاني/ يناير 1934، وتوقفت عن الصدور بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية في أيلول/ سبتمبر 1939، وكان شعارها: الدفاع عن حقوق المسلمين الجزائريين ومصالحهم.
كرست جريدة
الدفاع ممارسة فكرية وسياسية لم تشهدها الصحف التي كانت تصدر باللغة العربية، فقد عبّرت مع غيرها من الصحف من ذات التوجه، مثل
الإقدام (El Ikdam) لصاحبها
الأمير خالد (1875-1936)،
والعدالة (La Justice)، وصوت الشعب (La Voix du Peuple)، عن تيار إصلاحي سياسي ينطق باللغة الفرنسية ويكتب بها.
كتب العمودي في جريدة
الدفاع نحو 130 مقالةً، أولها بعنوان "برنامَجُنا"، صدرت في 26 كانون الثاني/ يناير 1934، وحدّد فيه الخط الافتتاحي للجريدة، وآخرها مقالة صدرت له في 10 تموز/ يوليو 1939.
تمكّن العمودي من خلال جريدة
الدفاع، من توطيد علاقته بالمناصرين والمتعاطفين مع الأهالي، أو les indigénophiles بالفرنسية، ومن أبرز أعلام هذا التيار الذين جمعته بهم علاقات قوية سبيلمان، صاحب
مطبعة همزة وصل (Trait-d’union)، ومحمد الشريف جوغلاريت، صاحب امتياز جريدة
الدفاع، وصحف أخرى ناطقة بالفرنسية وذات توجه إصلاحي، كذلك كان من جملة مساعديه الفرنسي
هنري برنييه (Henri Bernier)، ورجل القانون الجزائري
محمد بن حورة {{محمد بن حورة: مستشار عام في الجزائر العاصمة، وقاضي القضاة، نال ثقة الفرنسيين إذ كان عضوًا في الجمعية الخيرية التي تهتم بشؤون الأوقاف الإسلامية التابعة لإدارة الشؤون الأهلية الفرنسية في الجزائر، وشغل منصب كاتب الصدقة المختصة بفقراء المسلمين، كان يوقع مقالاته في جريدة
الدفاع باسم مستعار هو
أبو الحق (Aboulhak)، انتقل خلال الثورة الجزائرية 1954-1962 إلى فرنسا، وبقي فيها حتى وفاته، نقلت رفاته إلى الجزائر ودفن في
مقبرة سيدي محمد بالعاصمة.}}[4].
ذكر العمودي في مقالته الأولى في
الدفاع، أنّ الغرض من الجريدة تحسين الوضع المادي والمعنوي للأهالي، تماشيًا مع شعارها "الدفاع عن حقوق المسلمين الجزائريين ومصالحهم"، مؤكدًا أن المهمة تتطلب "المحافظة على التراث الأدبي الرائع الموروث عن أسلافنا، من أجل نيل الحقوق السياسية التي تليق بحالتنا الإسلامية، لأننا بصراحة نحن مسلمون، ونُصرّ على البقاء مسلمين"[5]، ويضيف في فقرة أخرى: "ما نتوخّاه هو السعي إلى توسيع مجال الحريات، وأن تُمنح لنا الحقوق السياسية، وأن تُنجز إصلاحات فعلية تُساعد على امتلاك الحريات الكريمة والتطوّر، في إطار شريعتنا الإسلامية وتقاليدنا وحضارتنا"[6].
خاض العمودي من خلال مقالاته مسائل عدة، وانتقل من الاهتمام بمسألتي الدين واللغة العربية، إلى تناول القضايا التي من شأنها مساعدة الإنسان الجزائري على الانتقال من وضعية الأهلي إلى وضعية المواطن، وحث الإدارة الفرنسية على تغيير سياساتها تجاه الأهالي، ولم يهادن
الطُرقية {{الطُرقية: تعني الطرق الصوفية ، التي تعتمد الولاء للشيخ والطاعة المطلقة له، عدها التيار الإصلاحي ممثلًا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، نمطًا قائمًا على الخرافة والجمود والانغلاق، لذا دعا إلى التجديد وتنقية الدين من البدع.}} وتنظيماتها.
كتب العمودي سلسلة مقالات عنونها بـ "الطرقية في احتضار"[7]، فأشار إلى أن الطرقية تنطوي على تدَيُّن متهالك لا يساير العصر الحديث، ويمثل عائقًا حقيقيًّا أمام نهضة المسلمين وتقدمهم. وفي سلسلة مقالات أخرى بعنوان: "واجب الساعة"[8]، ناقش عزم الحاكم العام على إنشاء لجنة إصلاح الحالة الأهلية في الجزائر، وحلّله. وخص
أحداث آب/ أغسطس 1934 في قسنطينة، حيث جرت مواجهات دامية بين اليهود والمسلمين، بسبع مقالات تحمل عنوان: "المأساة القسنطينية"[9].
اهتمت مقالات العمودي بـ: توكيد الشخصية الوطنية الجزائرية[10]، والحق في المواطنة مع الاحتفاظ بالشريعة الإسلامية في مجال الأحوال الشخصية، ومناقشة الموقف من قرارات الإدارة الفرنسية سواء في فرنسا أم في الجزائر، والتصدي لبعض الشخصيات السياسية من
التيار الاندماجي {{التيار الاندماجي: يرى أن خلاص الجزائريين لا يكون بالانفصال عن فرنسا، بل بالاندماج داخلها بوصفهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، ويقابله التيار الوطني المطالب بالاستقلال، والإصلاحي الداعي إلى نهضة دينية وثقافية.}} من أصحاب الثقافة الأوربية، وشيوخ الطرق والزوايا.
شهد عام 1936 ظهور جريدة
الدفاع، بعد عرضٍ لفكرة
المؤتمر الإسلامي، وبلورة للنقاش حوله، ونشرٍ لكل ما يتعلق به، إلى غاية انعقاد المؤتمر الثاني في 1937، حيث اختير العمودي نائبًا لرئيس اللجنة الدائمة للمؤتمر[11].
فكره الإصلاحي
عبدالحميد بن باديس
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ارتبطت الحركة الإصلاحية في الجزائر بشخصية
عبد الحميد بن باديس (1889-1940)، وبجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وشيوخها الفاعلين في مجلسها الإداري، ومنهم العمودي الذي شغل منصب أمينها العام بين عامي 1931 و1935، وتجلى نشاطها في الاهتمام بالدين واللغة والأخلاق والتربية والتعليم، وأضاف العمودي إلى ذلك قدرتها على التواصل مع الإدارة الفرنسية بإبداء الرأي والاقتراح والنقد الوجيه.
كتب العمودي عام 1930 في جريدة
الإصلاح لصاحبها
الطيب العقبي (1890-1961)، مقالة باللغة العربية عنوانها "الجمعية الدينية"، أكّد فيها ضرورة توفير إطار مؤسسي جامع للفاعلين الدينيين الجزائريين، وعرض خلالها تصوره لفكرة الإصلاح، فأسهم في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بتاريخ 5 أيار/ مايو 1931. فيقول: "نحن بلا ريب ولا خلاف أمة دينية قبل كل شيء، وما سبب انحطاطنا وتقهقرنا إلا انحرافنا عن الدين الصحيح، ومخالفتنا لتعاليمه الصحيحة، والإعراض عن تطبيق قواعده الصحيحة [...]، وكوننا أمة دينية قبل كل شيء، وكون سبب انحطاطنا في أمور ديننا والإصرار على فعل ما ينهى عنه، حقيقتان متفق عليهما جميع العقلاء والبُصَرَاء الذين لهم اطلاع على أحوالنا والإلمام بوسائل وشؤون تتعلق بنا"[12]، ثم يؤكد ضرورة جمع الكلمة ووحدة الصف والتآزر والتعاون بين المسلمين، فيقول: "وتلك هي الفوضى بعينها، ولا أعلم ضررًا أكثر ولا مصيبة أعظم على الإسلام والمسلمين من فوضى الدين، ولا طمع في إصلاح هذه الأمة والنهوض بها إلا بعد أن يعود الإسلام إسلامًا واحدًا، وأن تُحسم مادة الفروع التي فرّعتها تلك الطوائف، ولا سبيل إلى إدراك هذه الغاية الجميلة إلا تأسيس جمعية دينية، تكون لها اليد العليا والكلمة الفاصلة في جميع المسائل التي لها مساس بالدين والعقائد والأحكام وغير ذلك"[13]، وحدّد العمودي في هذه المقالة أيضًا، ملامح الجمعية الدينية التي يدعو إليها، مؤكدًا قدرتها على "وضع حدّ بين الإسلام الصحيح، والدخيل في أصول الدين وقواعده"[14]، والمقصود بالدخيل هنا الطرقية المبتدعة، والإدارة الاستعمارية.
وكان من القضايا التي ناقشها العمودي قضيتا التجنيس والطُرقية.
موقفه من التجنّس: عد العمودي التجنيس الجماعي للجزائريين المسلمين إحدى السبل لمعالجة المسألة الأهلية، وأكد أن جوهر المسألة هو الحق في المواطنة مع المحافظة على النظام الإسلامي للأحوال الشخصية، وقد كان بهذا قريبًا من موقف
فدرالية المنتخبين المسلمين {{فدرالية المنتخبين المسلمين: هي تجمع سياسي إصلاحي تشكّل في عشرينيات القرن العشرين، وضمّ نخبة من النواب والمنتخبين الجزائريين في المجالس البلدية والمجالس العامة التي أنشأها الاستعمار الفرنسي، دافعوا عن حقوق الأهالي ضمن الإطار القانوني الفرنسي، وطالبوا بـالمساواة في الحقوق المدنية والسياسية بين الجزائريين والفرنسيين، بعيدًا عن مطلب الاستقلال.}} والتيار الاندماجي.
خاض العمودي في هذه المسألة بلغة براغماتية، ملاحظًا أن الطريقة التي تتعامل بها فرنسا مع الأمر سلبية جدًّا، فقد رأى أن منحها هذا الحق لفرد أو جماعة على حساب أخرى، يعمّق من طبيعة الاستعمار التمييزية، ويتعارض مع النظام الجمهوري ذاته؛ فيقول: "إن هذا النوع من التجنّس المسمى بالتجنس الفردي، لا يعود بالخير العاجل والآجل على الأمة، وإني من ألدّ أعداء التجنس الفردي، لأني أسيء الظن بكل من التجأ إليه، وأحسبه خادمًا لأغراضه الشخصية، صارفًا نظره تمامًا عن مصالح إخوانه في الدين والوطن، بل يجب عليهم أن يبحثوا في التجنس لَيَاقته، وحلِّيَته أو حرمته، ومنافعه ومضارّه، من حيث تعميمه وتطبيقه على سائر الشعب"[15]. وفي مقالة آخرى كتبها في أعقاب المؤتمر الإسلامي (1936) قال: "الحقيقة عندما يطلب الإنسان الأهلي التجنّس، سوف يجد نفسه غريبًا في بلده، غُربة تنال من كرامته، وعندما يتبنى نظامًا مختلفًا عن إخوانه المسلمين، فإنه سوف يقطع صلته الطبيعية والقانونية مع البلد، ومن ثمّ يقطع مع قوة الجماعة التي تُعد مُبرّر وسرّ وجوده"[16].
موقفه من الطُرقية: تعرض العمودي لمسألة الطرقية ضمن سياق عام، يعطي الأولوية للقضاء على معوّقات النهضة والتقدم، فرأى أن النُظُم الطرقية ليست مسألة دينية فحسب، وإنما اجتماعية وسياسية وقانونية، ينبغي أن تعالج في ضوء مقتضيات الدولة المدنية الحديثة وتشريعاتها.
وندّد العمودي بإصرار الإدارة الاستعمارية على عدم الاعتراف بالإسلام الصحيح، ورفضها تبنيه، في مقابل دعمها لتديّن الطُرقيين والمُرابطين{{الرباط له معنى اجتماعي ديني محلي، تطوّر في ظلّ المجتمع التقليدي الجزائري، والمرابطون هنا هم رجال الدين، أو الأولياء وأحفادهم الذين كانت لهم زوايا ومقامات في القرى والمناطق الريفية، وكانوا يتمتعون بنفوذ روحي واجتماعي، وأحيانًا اقتصادي وسياسي أيضًا، بحكم مكانتهم الدينية واحترام الناس لهم.}}
أفْرَد العمودي مقالات عدة لهذه المسألة، وقد جاء في مقالته الثالثة حول الطُرقية، في جريدة
الدفاع عام 1934، أي بعد سنتين تقريبًا من المؤتمر الثاني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذي شهد الطلاق التام بين رجال الإصلاح ورجال الطُرق: "ونعتقد أن الإدارة الجزائرية (الفرنسية) عندما عمدت إلى المحافظة وتعزيز قوة وهيبة الطُرقيين، فهي لم تحرص فقط على تحقيق مصالحها وحسب، بل كانت تظهر بأنها تحترم دين المسلمين، وقد أغدقت على شيوخ وقادة الطرق الأموال لحدّ الإسراف، كما حَفَّتهم بكل اعتبارات وآيات الثَّناء، واعتبرتهم الممثلين الحقيقيين لفكرة الإسلام في الجزائر"[17].
ومع أن العمودي دافع عن الإصلاح من داخل الدولة الفرنسية ومؤسساتها، إلّا أنه تعرض نهاية شهر تشرين الثاني/ نوڤمبر 1939 إلى الاعتقال بسبب محاضرة ألقاها في مدينة
بسكرة حول الإسلام والحياة المعاصرة، ولم يفرج عنه إلا في 30 كانون الثاني/ يناير 1940.[18]
وفاته
اغتالت منظمة اليد الحمراء محمد الأمين العمودي في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 1957، وألقت به من القطار بالقرب من مدينة البليدة.
المراجع
العربية
ثنيو، نور الدين.
إشكالية الدولة في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية. الدوحة/بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015.
خرفي، صالح.
الشعر الجزائري الحديث. الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1984.
الزاهري، محمد الهادي.
شعراء الجزائر في العصر الحاضر. تونس: مطبعة النهضة، 1927.
سرور، موسى. "رحلات علماء الجزائر إلى القدس 1948-1967: دراسة أرشيف المستعمرات الفرنسية".
إنسانيات. العدد 105 (2024)، ص 15-42.
العمودي، محمد الأمين. "الجمعية الدينية"،
الإصلاح، آب/أيلول 1930.
________.
الإصلاح، 24/10/1929.
عويمر، مولود. "لماذا كانت جمعية العلماء في حاجة إلى الصحافة؟"،
البصائر (الجزائر)، 11/05/2023. في: https://acr.ps/hBy2sjD
الأجنبية
Lamine, Lamoudi. “Notre programme.”
La Défense. n° 1, 26\1\1934.
________. “Le maraboutisme aux abois.” n° 5
La Défence. 9\2\1934; 14\2\1934; 23\2\1934.
________. “La tragédie constantinoise.”
La Défence. 24\7\1934; 14\9\1934; 28\9\1934; l9\1934; 5\10\1934; 12\10\1934; 26\10\1934; 2\11\1934.
________. “Le devoir de l’heure.”
La Défence. 30\3\1939; 6\4\1934; 13\4\1934.
________. “Naturalisation et naturalisés,”
La Défense. n° 140, 12\3\1937.
“LAMOUDI Lamine.”
Le Maitron, dictionnaire biographique du mouvement ouvrier et mouvement social. at: https://acr.ps/hBy2t76
[1] محمد الهادي الزاهري،
شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج 2 (تونس: مطبعة النهضة، 1927)، ص19-20.
[2] المرجع نفسه، ص 23.
[3] صالح خرفي،
الشعر الجزائري الحديث (الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1984)، ص 18-19.
[4] موسى سرور، "رحلات علماء الجزائر إلى القدس 1948-1967: دراسة أرشيف المستعمرات الفرنسية"،
إنسانيات، العدد 105 (2024)، ص 15-42.
[5] Lamine Lamoudi, “Notre programme,”
La Défense, n° 1, 26\1\1934.
[6] Ibid.
[7] Lamine Lamoudi, “Le maraboutisme aux abois,”
La Défence, 9\2\1934; 14\2\1934; 23\2\1934.
[8] Lamine Lamoudi, “Le devoir de l’heure,”
La Défence, 30\3\1939; 6\4\1934; 13\4\1934.
[9] Lamine Lamoudi, “La tragédie constantinoise,”
La Défence, 24\7\1934; 14\9\1934; 28\9\1934; l9\1934; 5\10\1934; 12\10\1943; 26\10\1934; 2\11\1934.
[10] يُنظر: نور الدين ثنيو،
إشكالية الدولة في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015).
[11] “LAMOUDI Lamine,”
Le Maitron, dictionnaire biographique du mouvement ouvrier et mouvement social, accessed on 5/11/2025, at: https://acr.ps/hBy2t76
[12] محمد الأمين العمودي، "الجمعية الدينية"،
الإصلاح، آب/ أيلول 1930.
[13] المرجع نفسه.
[14] المرجع نفسه.
[15] محمد الأمين العمودي،
الإصلاح، 24/10/1929.
[16] Lamine Lamoudi, “Naturalisation et naturalisés,”
La Défense, n° 140, 12\3\1937.
[17] Lamine Lamoudi, “Le maraboutisme aux abois,”
La
Défense, n°5, 23\2\1934.
[18] مولود عويمر، "لماذا كانت جمعية العلماء في حاجة إلى الصحافة؟"،
البصائر (الجزائر)، 11/05/2023، شوهد في 05/11/2025، في: https://acr.ps/hBy2sjD