تسجيل الدخول

الوزير (منصب عثماني)

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الوزير (في الدولة العثمانية)

بالتركية

Vezir

التصنيف

منصب سياسي وإداري

الدولة

الدولة العثمانية

التبعية

السلطان العثماني مباشرة

الوظيفة الأساسية

معاونة السلطان والمشاركة في إدارة شؤون الدولة

تسميات أخرى

الصاحب، الوزير الأعظم، الصدر الأعظم، وكيل، آصف

فئات الوزراء (في الدولة العثمانية)

وزراء الداخل (القبة)، ووزراء الخارج

أبرز الصلاحيات

· الوكالة المطلقة

· حيازة الختم الهُمايوني

· قيادة الجيش (سردار)

· رئاسة الديوان الهُمايوني

شارة السلطة

الختم الهُمايوني، ثلاثة أطواخ، لقب باشا

نهاية المنصب (عثمانيًا)

الإلغاء التام مع زوال الدولة العثمانية


الموجز

كان منصب "الوزير" في الدولة العثمانية ركيزة أساسية في إدارة شؤون الدولة، وقد مر بمراحل متعددة بدأت بوجود وزير واحد تختاره فئة ذوي المناصب العلمية، ثم ظهور منصب "الوزير الأعظم" (Vezir-i âzam) فــ"الصدر الأعظم" (Sadrâzam) ذي الصلاحيات واسعة النطاق، وما واكب ذلك من تزايد عدد الوزراء وتعدد المهمات الموكلة إليهم وانقسامهم لاحقًا إلى "وزراء الداخل" (Dahil Vezirleri) أو "وزراء القبة{{وزراء القبة: (Kubbe Vezirleri) أعضاء بالديوان الهُمايوني من رتبة روم إيلي بكلربكي، يترقون تدريجيًا للصدارة العظمى. تضاءل عددهم حتى أُلغي منصبهم عام 1731م.}}" و"وزراء الخارج{{وزراء الخارج: (Hâriç Vezirleri) لقب عثماني يُمنحه ولاة الإيالات البعيدة والمهمة، لتخويلهم صلاحيات استثنائية تمكنهم من الإدارة المستقلة عند الضرورة من دون الرجوع إلى العاصمة.}}".

شهد المنصب تحولات جذرية في أصول شاغليه، ولا سيما مع اعتماد نظام "الدوشيرمة{{الدوشيرمة: (Devşirme) نظام عثماني يعتمد على انتقاء أطفال الرعايا المسيحيين وتأهيلهم لخدمة الدولة، وتوظيفهم في مؤسسات الجيش والقصر والمهمات الإدارية.}}" وتصاعد نفوذ ذوي الوظائف العسكرية. وقد تمتع الوزراء بمكانة تشريفية رفيعة تجلت في منحهم الأطواخ{{الطوخ: (Tuğ) شارة سياسية وعسكرية في التقاليد التركية والعثمانية، تُصنع من شعر ذيل الخيل وتُرفع على رمح، وترمز إلى السيادة والرتبة.}} وإلحاق حاشية ضخمة بهم، فضلًا عن مواردهم المالية التي اتسمت بالاستقرار من طريق الإقطاع ونظام "المالكانة{{المالكانة: (Malikâne) أراضٍ تابعة للدولة العثمانية، يُمنح حق الانتفاع بعوائدها شخصٌ طوال حياته، من دون أن يمتلك حق بيعها أو توريثها.}}". وعلى الرغم من أهميته في مراحل ازدهار الدولة، فإنه شهد تدهورًا ملحوظًا في مراحل لاحقة جراء انتشار المحسوبية في اختيار الوزراء وزيادة أعداد غير الأكفاء منهم، وهو ما أثر في فعالية الدولة، ثم تحول من منصب سياسي مهم إلى أعلى الرتب الرسمية في ظل عصر التنظيمات الخيرية{{التنظيمات الخيرية: حركة إصلاحية رسمية أُطلقت عام 1839 لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة العثمانية إداريًا وقانونيًا، استهدفت مواءمة الأنظمة العثمانية مع الأنماط الغربية السائدة.}}، وصولًا إلى إلغاء هذه الرتبة مع زوال الدولة العثمانية.

معناه اللغوي والاصطلاحي

تتعدد الأصول اللغوية لمصطلح "الوزير"، إذ تشير المصادر إلى اشتقاقه من معنيين أساسيين: أحدهما، الوَزْر، أي الثِقل، نظرًا إلى أن الوزير يحمل عن الخليفة أو السلطان أعباء الدولة ومسؤولياتها، والآخر، المُؤازرة، أي المعاونة، أو المَلجأ والمُعتصَم، بمعنى أن الأمير يلجأ إليه ويستند إلى رأيه وتدبيره في شؤون الحكم[1].

وعلى الرغم من تعدد المعاني اللغوية لهذا المصطلح، فإنها جميعًا تصب في دلالة واحدة تتمثل في المعاونة والمشاركة في تحمل المسؤولية. ويتوافق هذا المعنى مع تعريف ابن خلدون (732ه- 808هـــ/ 1332م-1406م) للوزارة بأنها "أهم الخطط السلطانية والرتب الملوكية، لأن اسمها يدل على مطلق الإعانة"[2]. ويؤكد هذا التعريف أن الوظيفة الأساسية للوزير هي مساعدة الحاكم في إدارة شؤون الدولة، وهو ما يجعل "الوزارة" من أرفع المناصب وأكثرها أهمية.

أما في الاصطلاح، فقد تطور مفهوم الوزارة بشكل ملحوظ تبعًا لتطور أنظمة الحكم، ففي الدولة العثمانية، كان مصطلح وزير (بالتركية: Vezir) يُطلق على كبار موظفي الدولة ممن يتمتعون بصلاحيات إدارية وعسكرية واسعة النطاق، وكان يُستخدم في معناه الأساسي للدلالة على "المعاون"[3].

وفي المراحل المبكرة من الدولة العثمانية، كان الوزير يُعد بمنزلة رئيس الحكومة بالمعنى الحديث[4]. ومع تزايد أعداد الوزراء نتيجة لاتساع رقعة الدولة وتعقيد مهماتها الإدارية، ظهرت ألقاب جديدة لتمييز مناصبهم، ولعل أبرزها "الوزير الأعظم"، الذي بات يُعرف لاحقًا باسم "الصدر الأعظم"[5]، وهو ما يعكس التطور والتعقيد الذي عرفه الهيكل الإداري للدولة.

نشأته وتطوره

فرضت مسؤولية الحكم وتعقيداته الآخذة في التزايد -التي تشمل: حماية الرعية، وإقامة العدل، وإدارة الشؤون المالية والإدارية- على الحكام عبر التاريخ ضرورة الاستعانة بمن يعاونهم ويشاركهم في تحمل هذه الأعباء. ويعبر ابن خلدون عن هذا المفهوم بقوله: "اعلم أن السلطان في نفسه ضعيف يحمل أمرًا ثقيلًا، فلا بد له من الاستعانة بأبناء جنسه"[6]. والواقع أن هذا المبدأ يشكل أساس نشأة منصب الوزير، الذي لم يكن مقتصرًا على حقبة تاريخية أو حضارة بعينها، ولم يُستحدث في العصر الإسلامي، إذ عرفه الفرس والروم وغيرهم من الأمم قبل ظهور الإسلام[7].

أما في ظل الدولة الإسلامية، فعلى الرغم من أن مصطلح الوزير لم يكن شائعًا في عصر صدر الإسلام{{عصر صدر الإسلام: (13هـ-40هـــ/ 610م-661م) الحقبة التأسيسية الأولى، وتشمل عهد النبي محمد ﷺ والخلفاء الراشدين، وشهدت إرساء دعائم الدولة واتساع رقعتها.}} بسبب بساطة نظام الحكم، فإن جوهر هذا المنصب كان حاضرًا بقوة من خلال الدور الذي اضطلع به كبار الصحابة الذين كانوا بمنزلة أعوان للنبي ﷺ والخلفاء الراشدين{{الخلفاء الراشدون: (11هـ-41هـــ/ 632م-661م) الحكام الأربعة الأوائل الذين تعاقبوا على قيادة الدولة الإسلامية بعد وفاة النبي محمد ﷺ، وامتد عهدهم ثلاثين عامًا.}}. فكان النبيﷺ يستشير صحابته، ويختص أبا بكر الصديق{{أبو بكر الصديق: (51 ق.هـــ- 13هـ/ 573م-634م، وحكم بين عامي 11هـ-13هـ- 632م-634م) أول الخلفاء الراشدين وأقرب صحابة النبي محمد ﷺ، وطد دعائم الدولة الإسلامية الناشئة.}} ببعض المهمات. وقد لقب بعض العرب ممن احتكوا بالفرس والروم قبل الإسلام أبا بكر بـ "وزير النبي ﷺ". وتواصل هذا النمط من المشاركة في المهمات الإدارية والقضائية في عهد الخلفاء الراشدين، فعلى الرغم من أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب لم يُعرفوا رسميًا بلقب الوزير في عهد كل من أبي بكر وعمر، فإنهم تولوا مهمات إدارية وقضائية بالغة الأهمية[8].

مع تحول نظام الحكم في الدولة الأموية{{الدولة الأموية: (41هـ-132هـ/ 661م-750م)، ثاني دول الخلافة الإسلامية، أسسها معاوية بن أبي سفيان، وشهدت تحول الحكم إلى النظام الوراثي واتساعًا جغرافيًا كبيرًا.}} من الخلافة إلى الملك الوراثي، أخذ منصب الوزير يتطور ويتبلور بشكل أكثر وضوحًا، إذ بدأ الخلفاء الأمويون يعتمدون على أصحاب الخبرة والرأي في إدارة شؤون الدولة. وقد ورد ذكر زياد بن أبيه{{زياد بن أبيه: (1هـ-53هـ/ 622م-673م) سياسي وقائد عسكري بارز من دهاة العرب، أسهم بفعالية في إدارة الأقاليم وتثبيت أركان الدولة الأموية.}} بوصفه أول من لُقب بالوزير في عهد معاوية بن أبي سفيان{{معاوية بن أبي سفيان: (15 ق.هـ-60ه/ 608م-680م، وحكم بين عامي 41هـ-60هـ/ 661م-680م)، مؤسس الدولة الأموية وأول خلفائها، امتاز بالدهاء السياسي، ونقل عاصمة الخلافة الإسلامية إلى دمشق.}}، تلاه روح بن زنباع الجذامي{{روح بن زنباعالجذامي: (10هـ-84ه/ 631م- 703م) قائد عسكري أموي، وزعيم قبيلة جذام، حظي بمكانة رفيعة فكان بمنزلة الوزير والمستشار للخليفة عبد الملك بن مروان.}} الذي حمل اللقب ذاته في عهد عبد الملك بن مروان{{عبد الملك بن مروان: (26هـ-86هـ/ 646م-705م، وحكم بين عامي 65هـ/ 86هـ- 685م/ 705م)، خامس خلفاء بني أمية، ويُعد المؤسس الثاني للدولة، وتولى تعريب الدواوين وسك أول دنانير ذهبية إسلامية خالصة.}}[9].

شهدت الوزارة في ظل الخلافة العباسية{{الخلافة العباسية: ثالث الخلافات الإسلامية (132هـ- 656هــ/ 750م-1258م)، اتخذت بغداد عاصمة لها، وشهد عصرها الذهبي نهضة حضارية وعلمية شاملة قبل سقوطها على يد المغول.}} تحولًا جذريًا، إذ تحولت إلى وظيفة رسمية ومؤسسة قائمة بذاتها. وكان أبو سلمة الخلال{{أبو سلمة الخلال: (ت. 132هـ/ 750م) أول من لُقب رسميًا بالوزير في الإسلام، وأسهم بفعالية في إنجاح الدعوة العباسية وتولى الوزارة بعهد السفاح.}} أول من تولى هذا المنصب في عهد أبي العباس السفاح{{أبو العباس السفاح: (104هـ-136ه/ 721م-754م، وحكم بين عامي 132هـ-136هـ/ 750م-754م)، مؤسس الدولة العباسية وأول خلفائها، نجح في إنهاء الحكم الأموي وتوطيد أركان دولته الناشئة.}}. وبرزت في هذا العصر عائلات نافذة تولت الوزارة، مثل: البرامكة{{البرامكة: (136هـ-187هـ/ 754م-803م) عائلة فارسية الأصل، تعاظم نفوذها في الدولة العباسية إثر استئقارها بمناصب الوزارة حتى أطاح بها هارون الرشيد.}}، وبني سهل{{بنو سهل: (279هـ-326ه/ 892م-938م)عائلة فارسية الأصل برزت في العصر العباسي، وتولى أبناؤها -وأبرزهم الفضل بن سهل- الوزارة بعهد المأمون.}}، ثم بني الفرات{{بنو الفرات: (255هـ-320هـ/ 869م-932م) عائلة شيعية هيمنت على الإدارة المركزية للخلافة العباسية، وتولى العديد من أبنائها الوزارة.}}، وبني وهب{{بنو وهب: عائلة من الإداريين تعاظم نفوذها بالدولة العباسية إثر تولي أربعة من أعلامها مقاليد الوزارة.}}، وبني الجراح{{بنو الجراح: (247هـ-334هـ/ 861م-945م) عائلة من الإداريين برزت في العصر العباسي، وتولى أعلامها الوزارة.}} في المرحلة اللاحقة. وعلى الرغم من هذا الازدهار، لم يلبث هذا المنصب أن تدهور نظرًا إلى ضعف الخلافة وزيادة حدة المنافسة عليه من جانب غير الأكفاء. ونتيجة لذلك، تقلصت صلاحيات الوزير لتقتصر على الحضور في المواكب، وحمل شارة الوزارة، وأصبح تعيينه وعزله في يد أمير الأمراء المتنفذ[10].

أما في ظل حكم الأيوبيين{{الأيوبيون: (567هـ-648هـ/ 1171م-1250م)، سلالة إسلامية حاكمة أسسها صلاح الدين الأيوبي، وحدت مصر والشام، وقادت الكفاح التاريخي لتحرير القدس من الفرنجة.}} والمماليك{{المماليك: (648هـ-923هــ/ 1250م-1517م) دولة حكمت مصر والشام بعد الأيوبيين، وبرزت بصد المغول والفرنجة.}}، فقد قُسم الوزراء إلى فئتين: وزراء من أرباب السيوف، وآخرين من أرباب الأقلام. وكان الوزير من الفئة الثانية يُلقب بـ "الصاحب"، نظرًا إلى مرافقته الدائمة للملك في حله وترحاله[11]. وتعكس هذه التطورات مدى التغير الذي طرأ على بنية الأنظمة السياسية والإدارية في الدول الإسلامية، وهو ما أدى إلى وضع الأسس التي قام عليها نظام "الوزارة" المعقد في الدولة العثمانية لاحقًا.

الوزير في الدولة العثمانية

تُعد مؤسسة الوزارة (Vezirlik) في الدولة العثمانية أحد أبرز الأركان التي قام عليها هيكل الحكم المركزي، إذ شهد منصب الوزير تطورًا ملحوظًا في الدلالات التي ينطوي عليها، والمهمات التي يضطلع بها أصحابه على امتداد المراحل التاريخية للدولة. ولم يكن هذا المصطلح ذا دلالة أحادية، بل استُخدمت مرادفات متعددة للإشارة إلى شاغلي هذا المنصب من جنس "صاحب" (Sahip)، و"آصف" (Asaf)، و"وكيل" (Vekil)، و"ناظر" (Nâzır)، و"لالا" (Lala). والواقع أن هذه الألقاب جميعها تشير في جوهرها إلى معنى "المعاون" أو "من يتحمل عبء الدولة"[12].

أما الوزير الأول، الذي كان يترأس الحكومة ضمن هيكلية "الديوان الهُمايوني{{الديوان الهُمايوني: (Dîvân-ı Hümâyun) أهم هيئة لصنع القرار في الإدارة العثمانية منذ منتصف القرن الخامس عشر حتى النصف الأول من القرن السابع عشر.}}" فقد عُرف بلقب "الوزير الأعظم"، وهو اللقب الرسمي الذي ظل سائدًا حتى عهد السلطان سليمان القانوني{{سليمان القانوني: (900هـ-974هـ/ 1494م-1566م، وحكم بين عامي 926هـ-974هـ/ 1520م-1566م)، عاشر سلاطين العثمانيين وأقواهم، وشهد عصره ذروة التوسع العسكري والنهضة القانونية والثقافية، فلقب بـ "القانوني" لعدله و"العظيم" لهيبة دولته عالميًا.}}. وبعد ذلك بدأ لقب "الصدر الأعظم" بالشيوع تدريجيًا في النصف الثاني من القرن السادس عشر، ليصبح اللقب الرسمي الأكثر استقرارًا وشيوعًا في القرن السابع عشر[13].

كان السلاطين في المراحل المبكرة من تاريخ الدولة العثمانية يميلون إلى اختيار وزرائهم من فئة ذوي المناصب العلمية أو القضاة، وذلك للإفادة من سعة اطلاعهم على الشريعة الإسلامية والمؤسسات الفقهية التي شكلت الأساس الذي قامت عليه الدولة الناشئة. وتشير إحدى وثائق التمليك، التي تعود إلى شهر ربيع الآخر من عام 749هــ (تموز/ يوليو 1348م) والصادرة عن السلطان أورخان غازي{{أورخان: (680ه-763هـ/ 1281م-1362م، وحكم بين عامي 724هـ-763هـ/ 1324م-1362م)، المؤسس الثاني للسلالة العثمانية، ولُقب بـ "الغازي". نجح في تحويل الإمارة الفتية إلى إمبراطورية مترامية الأطراف عبر تنظيم إداري ومالي محكم، وقاد غزوات داخل الأراضي المسيحية، مؤسسًا بذلك معالم الدولة الناشئة.}} إلى أن حاجي باشا كان يشغل منصب الوزارة. كذلك كان من بين أوائل الوزراء في عهد أورخان أيضًا كل من: علاء الدين علي باشا، وأحمد بن محمود باشا. ويؤكد خليل إينالجيك{{خليل إينالجيك: (Halil İnalcık، 1916م-2016م) مؤرخ تركي عالمي، لُقب بـــ "شيخ المؤرخين"، ويُعد عميد الدراسات العثمانية المعاصرة، وأبرز من رسخ لمنهجية البحث الوثائقي.}} أن أول وزير عثماني لم يكن شقيق السلطان، كما يُظن أحيانًا، وإنما كان أحد المنتمين إلى طبقة فئة ذوي المناصب العلمية [14].

شهدت المرحلة الممتدة بين عامي 1385 و1453 هيمنة لافتة لآل جاندارلي{{آل جاندارلي: (Çandarlılar) عائلة سياسية تركية رافقت صعود السلالة العثمانية خلال النصف الأول من القرن الرابع عشر، وأسهمت بشكل جوهري في بناء الدولة وتطورها.}} على مناصب الوزارة والصدارة العظمى. ويُذكر أن جميع أفراد هذه العائلة قد بدؤوا مسيرتهم المهنية في سلك القضاء، بل إن بعضهم تولى منصب "قاضي العسكر" في الديوان الهُمايوني. وبرزت خلال هذه الحقبة منافسة مستمرة بين الوزراء المنتمين إلى فئة ذوي الوظائف العسكرية ونظرائهم من أصحاب الوظائف العلمية. وكان أبرز تجسيد لهذا الصراع هو التنافس المحتدم الذي دار بين خليل باشا جاندارلي{{خليل باشا جاندارلي: (Çandarlı Halil Paşa، ت. 857هـ/ 1453م) صدر أعظم بارز، تولى المنصب عام 843هـ/ 1439م، خدم السلطانين: مراد الثاني والفاتح، وأول وزير يُعدم عقب فتح القسطنطينية.}} وشهاب الدين باشا{{شهاب الدين باشا: (Şehâbeddin Paşa، ت. بعد عام 857هـــ/ 1453م) وزير وقائد عثماني، تولى بكلربكية الروميلي، وأدى دورًا فاعلًا في معارك البلقان وفتح القسطنطينية.}} بين عامي 847–857هـ/ 1443–1453م ، الذي أسفر في نهاية المطاف عن الإطاحة بخليل باشا[15].

تحولات مؤسسة الوزارة بعد فتح القسطنطينية

شهدت الوزارة تحولًا جذريًا منذ عام 857هـ/ 1453م حين أعدم محمد الثاني{{محمد الثاني "الفاتح": (835هـ- 886هـ/ 1432م-1481م، وحكم بين عامي 848هـ-850هـــ/ 1444م-1446م ثم بين عامي 855هـ- 886هـــ/ 1451م-1481م)، سابع سلاطين العثمانيين، فتح القسطنطينية عام 857هـ/ 1453م، وحول دولته إلى إمبراطورية عالمية، واهتم بالعلوم والفنون.}} "الفاتح" الصدر الأعظم القوي خليل باشا جاندارلي، لينهي بذلك نفوذ آل جاندارلي الذين استأثروا بمنصب الصدارة العظمى أكثر من قرن وكانوا يمثلون الطبقة التركية الأرستقراطية ذات الأصول الحرة، ثم استُبدل به أشخاص من ذوي الوظائف العسكرية ينتمون إلى نظام الــ"قول{{القول: (Kul) النخبة العسكرية والإدارية المرتبطة بالسلطان بـــ"عبودية سياسية" يمنحهم نفوذًا واسعًا، وهي تبعية قانونية تعني الولاء المطلق لا الامتهان، فقد شكلوا عبرها الركيزة التنفيذية للدولة العثمانية.}}"، ويُقصد بهم عبيد السلطان الذين كانوا يدينون له بالولاء التام، وهو ما أدى إلى تراجع نفوذ الوزراء المنتمين إلى فئة ذوي المناصب العلمية. ولئن تواصل تعيين بعض الوزراء من فئة "القلمية{{القلمية: (Kalemiye) الجهاز البيروقراطي العثماني المسؤول عن الشؤون الإدارية، والمالية، والدبلوماسية، والكتابية، وضم النخبة المدنية من الكتّاب أمثال: الدفتردار، والنشانجي، ورئيس الكتّاب.}}"، ولا سيما ممن يمتلكون خبرة في الشؤون المالية أو يشغلون منصب الـ "نيشانجي{{النيشانجي: (Nişancı) مسؤول عثماني رفيع يضع طغراء السلطان على المراسيم، ويصدّق على قانونية الوثائق، ويُعد مرجعًا لصياغة قوانين الدولة وتشريعاتها وتطويرها.}}" أو "ذوي المناصب العلمية"، فإن معظم الوزراء في المرحلة الممتدة بين عامي 857–1008هـ/ 1453–1600م كانوا من ذوي الوظائف العسكرية. وكان تعيين محمد باشا القرماني{{القرماني محمد باشا: (Karamânî Mehmed Paşa، ت. 886هــ/1481م) صدر أعظم ومؤرخ عثماني، برز بوصفه سياسيًا ومشرعًا بعهد الفاتح، وقُتل إبان تمرد للإنكشارية.}} في عهد الفاتح، وهو أحد أرباب القلم، دليلًا على استمرار الدور الذي اضطلعت به فئة "القلمية"، بيد أنه قُتل بُعيد وفاة السلطان، ليحل محله خصومه العسكريون[16].

ومع اعتلاء سلطان جديد للعرش، غالبًا ما كانت تطرأ تغييرات على هيكلية الديوان الهُمايوني، إذ كان المقربون من السلطان الجديد يتطلعون إلى الحلول محل وزراء سلفه. وقد أسهمت أجواء التنافس والمؤامرات، التي سادت في مراحل، مثل: حكم بايزيد الثاني{{بايزيد الثاني: (852هـ-918هـــ/ 1448م-1512م، وحكم بين عامي 886هـ-918هــ/ 1481م-1512م) ثامن السلاطين العثمانيين، تميز عهده بالاستقرار الداخلي، والنهضة العمرانية، وتوطيد أركان الدولة العثمانية.}}، وسليم الأول{{سليم الأول "ياووز": (875هـ-926ه/ 1470م-1520م، وحكم بين عامي 918هـ-926ه/ 1512م-1520م)، تاسع السلاطين العثمانيين، هزم الصفويين وأسقط دولة المماليك، وضم الشام ومصر، موطدًا الزعامة الإسلامية لدولته.}}، في نشوب أزمات إدارية حادة. وفي المراحل اللاحقة، اضطلعت شخصيات نافذة مثل "السلطانة الوالدة{{السلطانة الوالدة: (Vâlide sultan) لقب رسمي لوالدة السلطان العثماني الحاكم، وهي الرتبة النسائية الأكثر سموًا بالدولة، وتدير شؤون الحرم وتمارس نفوذًا سياسيًا واجتماعيًا واسعًا.}}" و"المصاحب{{المصاحبة: (Musâhip) منصب ولقب في البلاط العثماني، تُمنحه نخبة من الوزراء والأمراء ممن تميزوا بعلمهم وشخصيتهم، لتقديم المشورة ومؤانسة السلطان.}}" بدور مهم في عملية تعيين الوزراء، وهو ما أدى إلى انتشار المحسوبية والفساد على نطاق واسع. وكان تعيين الوزراء يجري بموجب مرسوم سلطاني يُعرف بالخط الهُمايوني (Hatt-ı Hümayun)، مع الأخذ في الاعتبار خبرات المرشحين لإشغاله ومهاراتهم، فعلى سبيل المثال، عُين محمود باشا{{محمود باشا: (Mahmud Paşa، ت. 878هـــ/ 1474م) صدر أعظم عثماني بعهد الفاتح، قاد فتوح البلقان، وعُرف بكونه شاعرًا وراعيًا للعلماء والأدباء.}} صدرًا أعظم لتنفيذ خطط السلطان محمد الفاتح الرامية إلى إتمام فتح بلاد الصرب، في حين كُلف الصدر الأعظم مقبول إبراهيم باشا{{مقبول إبراهيم باشا: (Makbul İbrahim Paşa، 898هـ-942ه/ 1493م-1536م) صدر أعظم عثماني وصهر القانوني، تميز بمهاراته الدبلوماسية والعسكرية، وتمتع بنفوذ واسع انتهى بإعدامه بأمر سلطاني.}} بتنظيم الحملات العسكرية التي شنها السلطان سليمان القانوني في أوروبا. وتجدر الإشارة إلى أن عدد الوزراء من ذوي الوظائف العسكرية كان يزداد خلال فترات الحروب[17].

هيكلية مؤسسة الوزارة وصلاحياتها

كان "الوزير الأعظم" الملقب بـ "الصدر الأعظم" لاحقًا، هو رئيس الوزراء والأمراء، والتجسيد العملي والمؤسسي لمفهوم "الوكالة المطلقة{{الوكالة المطلقة: (Vekâlet-i Mutlaka) مصطلح ورد في "قانون نامه الفاتح" للدلالة على التفويض الممنوحة الصدرُ الأعظم بإدارة الدولة. ولا تعني "مطلقة" في السياق العثماني انعدام القيود وفق المفهوم المعاصر، بل هي سلطة تنفيذية يقيدها شخص السلطان، واتسمت بالتفاوت تاريخيًا.}}" إذ يُعد نائبًا للسلطان في تصريف شؤون الدولة الكبرى. وفي دلالة رمزية ومادية على هذا التفويض، كان يُمنح "الختم الهُمايوني{{الختم الهُمايوني: (Mühr-i Hümâyun) الرمز السيادي الخاص بالسلطان، يُنقش عليه اسمه واسم والده، ويُسلمه الصدرُ الأعظم بوصفه علامة لتفويضه بالسلطة المطلقة في الدولة وسحبه منه يدل على عزله.}}". ومع ذلك، لم تكن هذه الوكالة تعني سلطة لا تحدها حدود أو تنعدم فيها القيود، بل كانت سلطة تنفيذية يقيدها شخص السلطان، واتسمت بالتفاوت تاريخيًا، فبلغت ذروة نفوذها في مراحل الضعف السلطاني، في حين انحسرت استقلاليتها وتلاشت في العهود التي نزع فيها السلاطين نحو المركزية الشديدة. أما بقية الوزراء البالغ عددهم بصورة عامة خمسة، لكن يجوز أن يرتفع إلى ثمانية، فكانوا يعملون تحت إمرته، ويُعرفون بـ"وزراء القبة" أو "قبة نشين" (Kubbenişîn)، نظرًا إلى أنهم كانوا يجتمعون في الديوان الهُمايوني الذي يُعقد تحت قبة قصر طوبقابو{{قصر طوبقابو: (Topkapı Sarayı) المقر الرئيس لسلاطين الدولة العثمانية ومركز إدارتها بإسطنبول طوال قرابة أربعة قرون، شاده السلطان محمد الفاتح عقب فتح القسطنطينية.}}. وقد نص قانون نامه الفاتح على أن الصدر الأعظم هو "الأعلى مقامًا بين هؤلاء جميعًا"، ويتقدم عليهم[18].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


مع اتساع رقعة الدولة في أواخر القرن السادس عشر، بلغ عدد وزراء الديوان الهمايوني في أوج تلك المدة ما بين أربعة وزراء إلى سبعة، غير أن إجمالي الوزراء في أرجاء الدولة تضاعف بشكل ملحوظ في أواخر هذا القرن، وهو ما أدى إلى انقسامهم من حيث نوع المهمات الموكلة إليهم إلى فئتين رئيستين: إحداهما، "وزراء الداخل" أو "وزراء القبة"، الذين كانوا يعملون في الديوان في إسطنبول، والأخرى، "وزراء الخارج"، الذين كانوا يُعينون ولاةً على الإيالات (البكلربكيات{{الإيالة (البكلربكية): (Beylerbeyilikler) أكبر التقسيمات الإدارية الإقليمية في الدولة العثمانية، يتولى إدارتها "بكلربكي" ممثل للسلطان، وتتألف من عدة سناجق تابعة لسلطته.}}) المهمة، مثل: مصر، وبغداد، وبودن. وقد مُنح ولاة هذه الإيالات لقب "وزير" لتمكينهم من اتخاذ قرارات مستقلة عند الحاجة من دون الرجوع إلى العاصمة، وهو ما يسر إدارة هذه الإيالات الحساسة والبعيدة[19].

كان الوزير يمتلك صلاحيات واسعة، إذ كان بإمكانه عقد "الديوان" للنظر في القضايا، وإصدار الأوامر باسم السلطان. وعندما يُعين الوزير "سردارًا{{سردار: (Serdâr) لقب عسكري عثماني يُمنحه الصدر الأعظم حين يتولى القيادة العامة للجيش نيابة عن السلطان، متمتعًا بكامل الصلاحيات السلطانية الميدانية.}}" أي قائدًا أعلى للجيش، كان يكتسب مكانة أعلى، ويتمتع بصلاحيات الصدر الأعظم الكاملة في حل جميع المسائل العرفية. كذلك كان يُعرف الوزير الذي يتمتع بامتياز وضع "الطُغراء" (Tuğra) على المراسيم باسم "الوزير صاحب الطُغراء" (Tuğra sahibi vezir)، وهو ما جعله ممثلًا مفوضًا من السلطان[20].

الأصول الاجتماعية للوزراء

كان معظم الوزراء خلال القرنين: الخامس عشر والسادس عشر من عبيد السلطان، أي ممن انضموا إلى الدولة من طريق نظام "الدوشيرمة" الذي يجمع الصبية المسيحيين وينتقيّهم، ولا سيما من ألبانيا والبلقان والقوقاز، ثم يربيهم للانخراط في صفوف الانكشارية{{الانكشارية: فيالق عسكرية عثمانية نُخبية، عُرفت بـ"القوات الجديدة"، وتميزت بقوتها التاريخية ثم فسدت وتمردت، فأبادها السلطان محمود الثاني عام 1826.}}. وقد ارتقى هؤلاء الأفراد إلى مناصب الوزارة بعد تلقيهم تعليمًا وتدريبًا مكثفين في مدارس القصر. وعلى الرغم من أن بعضهم كان لا يجيد القراءة والكتابة، فإنهم كانوا يعتمدون على مساعديهم وكتبتهم في تسيير الأمور الإدارية، غير أنه منذ القرن السابع عشر تراجع دور الدوشيرمه تدريجيًا في رفد الدولة بالوزراء، وبات المنصب يُسند بصورة متزايدة إلى شخصيات من أسر تركية أو كردية ذات أصول متنوعة، وهو ما أفضى إلى تحول ملحوظ في طبيعة التركيبة الاجتماعية للوزارة العثمانية[21].

في المقابل، وُجد وزراء ينتمون إلى فئة "القلمية"، وهم البيروقراطيون الذين برزوا في الشؤون المالية والدبلوماسية. وقد اكتسب هؤلاء أهمية خاصة في القرن الثامن عشر، ولا سيما بعد إبرام معاهدة كارلوڤيتز{{معاهدة كارلوڤيتز (كارلوفجة): (Karlowitz) معاهدة أُبرمت عام 1110هـ/ 1699م، وأنهت حرب التحالف المقدس، وهو تكتل أوروبي نشأ عقب حصار فيينا (1683م)، ومثلت أول تنازل عثماني واسع عن أراضٍ أوروبية، مؤذنة ببدء مرحلة انكماش الدولة العثمانية.}} عام 1110هـ/ 1699م، التي كانت إيذانًا ببداية تراجع العثمانيين في أوروبا الشرقية، حين شرع السلاطين في اختيار وزرائهم من بين شاغلي منصب رئيس الكتّاب{{رئيس الكتاب: (Reis-ül Küttab) كبير الكتبة في الديوان الهُمايوني، تطور دوره ليصبح مسؤول الشؤون الخارجية والدبلوماسية، حتى استُبدل به منصب وزير الخارجية عام 1836م.}} الذين كانوا من ذوي الخبرة في العلاقات الخارجية. وقد اضطلعت سياستا الانتماء والرعاية بدور مهم في عملية انتقاء الوزراء، إذ كان العبيد ممن ينحدرون من أصول جورجية وشركسية بوجه خاص يرتقون إلى منصب الوزارة[22].

المكانة التشريفية للوزراء

احتل الوزراء أعلى مكانة في نظام التشريفات العثماني، إذ نصت "قانون نامه الفاتح" على تقدمهم في الجلوس ضمن الديوان الهُمايوني على سائر الأعضاء، ولا يسبقهم في ذلك إلا "الصدر الأعظم"، وهو كبير الوزراء[23]. علاوة على ذلك، كان الوزير يُمنح ثلاثة "أطواخ"، والطوخ شارة للسلطة تتألف من شعر ذيل الخيل المعقود على عصًا أو رمح، تعلوه غالبًا كرة مطلية بالذهب. وكانت هذه الأطواخ تُحمل أمام صاحبها في المواكب والمسيرات الرسمية، وتُنصب أمام خيمته أو مقر إقامته للدلالة على رتبته. وكان الوزير يُخاطب بلقب باشا، وذلك تمييزًا له في التراتبية الإدارية والعسكرية عن المراتب الأدنى منه، كالباشا صاحب الطوخين، وهو البكلربكي (أمير الأمراء/ ميرميران)، والباشا صاحب الطوخ الواحد، وهو بك السنجق{{السنجق: مصطلح إداري وعسكري عثماني، يعني لغة "الراية" أو "اللواء"، وتطورت دلالته من رمزيته العسكرية السابقة على العثمانيين ليصبح وحدة إدارية رئيسة.}} (أمير اللواء)، اللذين كانا أدنى منه[24]. وعند تعيينه، كان يُلبس الوزير زيًا من الفراء يُسمى "خلعة الحملة" (Sefer hil'ati) إذا كان سيشارك في إحدى الحملات العسكرية، ويُمنح جوادًا من إسطبلات السلطان. أما من يرتقي إلى الوزارة للمرة الأولى، فكان يُلبس خلعة يسيرة خالية من البهرجة تُعرف باسم "خاض الخاص" (Has-ülhas hil'at)[25].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


وكان الوزير الجديد يقدم هدايا للسلطان عند تسلمه المنصب، تُعرف باسم "جائزة الطوخ" (Tuğ caizesi) أو "جائزة المنصب" (Mansıp caizesi). وكانت هذه الهدايا، الموثقة في السجلات، تتألف من تحف فضية (إبريق، ومرآة، وصينية)، وأقمشة فاخرة، وغلمان، وخيول. إضافة إلى ذلك، كان يدفع مبالغ نقدية لمسؤولين بارزين في الديوان، مثل: الصدر الأعظم، ورئيس الكتاب، والنيشانجي[26].

كان لدى كل وزير حاشية أو معية ضخمة تُعرف باسم "خلق الباب" (Kapı halkı) تساعده في إنجاز أعماله. أما إذا كانت لديه حاشية مكتملة، فكان يُلقّب بـ "قاپيسي مكمل وزير" (Kapısı mükemmel vezir)[27]. وكانت هذه الحاشية مكونة من فئتين: إحداهما "آغوات الوزير الخارجيون" (Vezir dış ağaları)، وهم الآغوات الذين ينجزون له أعمال دائرته في الخارج، مثل: السلحدار آغا (Silahdar Ağa)، والجوخدار آغا (Çuhadar Ağa)، وآغا التحايا{{آغا التحيات: (Selam Ağası) موظف مكلف بترتيب مراسم إلقاء التحية والسلام على الوزير أو السلطان.}} وآغا المفتاح (Miftah Ağası)، والآغا صاحب الخاتم (Mühürdar Ağa)، بالإضافة إلى وكيل البوابين (Kapıcılar Kethüdası)، وآغا مخزن المؤونة (Kiler Ağası)، وكبير القواسين (Kavasbaşı)، وكبير الدلاة{{كبير الدلاة (دلي باشي): (Delibaşı) الرتبة القيادية لخيالة "الدلاة" العثمانيين، يترأس وحداتهم القتالية على الثغور، ويتولى تنظيم شؤونهم العسكرية تحت إمرة ولاة الأقاليم.}}، وكبير السراجين (Seracbaşı). كذلك كان من ضمنهم كبير حفظة الكرك (Kürkçübaşı)، وكبير البنادقية (Tüfekçibaşı)، والآغا كبير الرماة (Baş silahşor Ağa). وتتضمن القائمة أيضًا وظائف إدارية مثل وكيل الخرج{{وكيل الخرج: (Vekil Harç) الموظف المسؤول عن إدارة المصاريف والنفقات اليومية الخاصة بالوزير أو القصر.}}، بالإضافة إلى المناصب المرتبطة بالحياة اليومية، مثل: الطباخ (Aşçı)، ورجل السوق (Pazarcı). أما الفئة الأخرى، فكانوا يُعرفون باسم "آغوات الوزير الداخليون" (Vezir iç ağaları)، وهم الآغوات الذين يعملون في دائرة حريم الوزير، ومنهم: الإمام (İmam)، وآغا الشمعدان (Şemadan Ağası)، وآغا البشكير{{آغا البشكير: (Peşkir Ağası) الموظف المسؤول عن تقديم المناشف ومستلزمات غسل اليدين للوزير قبل الطعام وبعده.}}، وآغا السروج{{آغا السروج: (Seretan Ağası) الموظف المسؤول عن تجهيز سروج الخيل الخاصة بالوزير والعناية بها.}}، وآغا المعاجين{{آغا المعاجين: (Macun Ağası) الموظف المسؤول عن تحضير الأدوية والمعاجين الطبية أو الحلوى والمرطبات وتقديمها في قصر الوزير.}}. كذلك كان من بينهم كبير الحلاقين (Berberbaşı)، وكبير حملة المحارم (Makramecibaşı)، وكبير حملة السجادة (Seccadecibaşı أو İhramcıbaşı)، والآغا صاحب الإبريق (İbrikdar Ağa)، وكبير أمناء الخزانة (Hazinedarbaşı)، وكبير الدُّخانية (Duhancıbaşı)، وكبير المؤذنين (Müezzinbaşı). وتشمل هذه المجموعة أيضًا: كبير الفرسان (Cündibaşı)، وجاويش أول الأندرون (Enderunbaşı Çavuşu)، وجماعة الحرس (Dilsiz)، وصاحب الدواة{{صاحب الدواة (الدواتدار): (Devatdar) الموظف المكلف حمل الدواة وأدوات الكتابة الخاصة بالوزير ومرافقته.}}، والجاويشية (Çavuşlar)، والآغا صاحب المزراق{{الآغا صاحب المزراق: (Mızrakçı Ağa) المسؤول عن حمل الرمح أو المزراق أمام الوزير في المواكب الرسمية.}}، بالإضافة إلى فرقة موسيقى الأندرون{{فرقة موسيقى الأندرون: (Enderun Mehterî) الفرقة الموسيقية العسكرية (المهتر) الخاصة بالقسم الداخلي للقصر أو حاشية الوزير.}}[28].

موارده المالية

تمتع الوزير بوضع مالي مستقر، إذ كان يُمنح إقطاعًا من نوع "الخاص"، الذي كان يدر عليه دخلًا سنويًا قد يصل إلى مليون ونصف مليون آقجة{{آقجة: (Akçe) هي أول عملة فضية عثمانية صغيرة وأهم عملة، استُخدمت قرونًا بصفتها وحدة نقدية أساسية في المعاملات المالية، وشكل بياضها وقيمتها مرجعًا لمصطلحات اقتصادية عديدة.}}[29]. في المقابل، كان الوزير ملزمًا بتجهيز عدد محدد من الفرسان المدججين بالسلاح الكامل، يُعرفون باسم "الجَبَه لُّو" (Cebelüler)، أي "ذوي العتاد أو التسليح". وكان عدد هؤلاء الفرسان يتناسب طرديًا مع دخل الإقطاع، إذ كان يُكلف أصحاب الخواص وفي عدادهم الوزراء تجهيز "جبه لو" واحد وتجهيزه عن كل 5,000 آقجة[30].

بعد القرن الثامن عشر، توقفت الدولة عن منح الإقطاعات للوزراء، واستعاضت عنها بعوائد يتولون جبايتها تحت اسم "إمداد حضرية" (Imdad-ı hazariye) في أوقات السلم، و"إمداد سفرية" (Imdad-ı seferiye) في أوقات الحرب[31]. بالإضافة إلى ذلك، كانوا يحصلون في بعض الإيالات على عوائد أخرى تُعرف بـ"بِرْ وَجْهِ مُحَصَّلَّقْ" (Bir vech-i muhassallık) مقابل بدل نقدي محدد. وبموجب هذا النظام، كان الوزير يتكفل بجمع إيرادات خزينة الولاية على سبيل "الالتزام" (Iltizam)، ثم يحتفظ بالفائض لنفسه بعد الوفاء بحقوق الخزينة. وقد أدى هذا الأسلوب إلى استغلال الوزير لقوة الدولة لجمع أموال تفوق المستحقات الرسمية المقررة لمنطقته. وعندما كان الوزير يحتفظ بمنصب أو منطقة بهذا الشرط مدى الحياة، كان يُطلق على هذا الوضع اسم "بِرْ وَجْهِ مالكانه" (Bir vech-i malikane)، وهذا النهج هو الذي أسهم في تمتع بعض الوزراء النافذين بوضع شبه مستقل[32].

تدهور المنصب وإلغاؤه

عكست الوزارة نفوذ شاغليها، وبرز ذلك في مراسم استقبال شاه إيران في عهد السلطان سليمان القانوني، إذ قاربت حاشية الوزراء حاشية السلطان حجمًا وتجهيزًا، لكن هذا الدور بدأ يتراجع تدريجيًا بمرور الوقت، نتيجة لتضافر عدة عوامل، فإلى جانب ضعف السلطة المركزية بسبب الحروب المتتالية، تفشت المحسوبية والرشوة، وهو ما أدى إلى تزايد كبير في أعداد الوزراء، سواء في الديوان أو الإيالات، بدءًا من القرن السابع عشر وما تلاه. وقد دفع هذا التدهور الصدر الأعظم كمانكش مصطفى باشا{{كمانكش مصطفى باشا: (Kemankeş Mustafa Paşa، قرابة عام 1000هـ-1053هــ/ 1592م-1644م) صدر أعظم عثماني، أبرم "معاهدة قصر شيرين" الحدودية عام 1049هـ/ 1639م لإنهاء النزاع مع الصفويين، وأصلح مالية الدولة وإدارتها.}} إلى اتخاذ قرار بإلغاء صلاحية الوزراء في الإيالات الحدودية بإصدار الأوامر باسم السلطان في عام 1053هـ/ 1643م [33]

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


أما مصير الوزير المعزول أو المُقال (Ma'zûl) فيختلف باختلاف سبب عزله، فإذا كان العزل ناجمًا عن سوء الإدارة أو تقدمه في السن، كان يُمنح راتبًا تقاعديًا (Mazuliyyet maaşı) أو "أربالق{{أربالق: (Arpalık) مصطلح عثماني يُستخدم للدلالة على الإيرادات المخصصة لكبار موظفي الدولة، وتُمنح إما إضافة إلى رواتبهم في أثناء الخدمة، وإما بوصفها أشبه براتب تقاعدي بعد مغادرتهم المنصب.}}" لضمان معيشته. أما إذا كان العزل بسبب ارتكابه جرمًا، فكانت تُفرض الإقامة الجبرية عليه وتُخفض رتبته إلى "قابوجي باشي{{قابوجي باشي: (Kapıcıbaşı) رتبة عثمانية رفيعة تعني رئيس البوابين أو الحرس في القصر، ويتولى حائزها مهمات التشريفات، والسفارة، ونقل الأوامر السلطانية المهمة إلى الولاة.}}". وإلّا أُعدم إن ارتكب جرمًا يستدعي الإعدام[34].

في نهاية المطاف، انتهى الدور الفعلي لمنصب الوزير مع إصلاحات التنظيمات في القرن التاسع عشر. وما لبثت أن تحولت الوزارة التي كان يُلقب حاملها بالباشا إلى أعلى الرتب الرسمية في الدولة العثمانية، إذ كان ترتيبها الأول من بين الأنساق التسعة لمراتب تشريفات الرتب المدنية والدينية والعسكرية في الدولة بالصورة التي استقر عليها إبان حقبة السلطان عبد الحميد الثاني{{السلطان عبد الحميد الثاني: (1842م-1918م، وحكم بين عامي 1876 و1909م) تبنى فكرة الجامعة الإسلامية، وتميز عهده بالمركزية الشديدة، وإعلان الدستور مرتين.}}[35]، في حين كانت تقابل رتبة الدوقية في النظام الأوروبي[36].

ولئن عمد أركان جمعية الاتحاد والترقي عقب خلع السلطان عبد الحميد إلى إلغاء مراتب الباشوية المدنية، التي توقفت بالفعل عند حد من حازوها قبل إعادة المشروطية{{المشروطية: (Meşrutiyet) الحد من السلطة المطلقة التي يتمتع بها السلطان، وجعلها مشروطة بقيود وحدود يعينها ويقررها الدستور.}} في عام 1908، فإنهم استثنوا من ذلك الشخصيات التي ستتبوأ منصب "الصدر الأعظم" المقترن برتبة "وزير" والملقب بالباشا دائمًا[37]. وقد أُلغيت الوزارة بوصفها رتبة رسمية بصورة نهائية مع زوال السلطنة العثمانية[38].

يظهر المسار التاريخي لمنصب الوزير أنه لم يكن منصبًا مهمًا يحوز شاغله صلاحيات إدارية وعسكرية واسعة النطاق فحسب، بقدر ما كان مؤشرًا دقيقًا على حالة الدولة العثمانية عبر مراحلها المختلفة، إذ تطور ليصبح ركيزة أساسية في إدارة شؤون الدولة خلال فترات القوة والازدهار، إذ كان يُعهد به إلى شخصيات من ذوي الكفاية والخبرة. ومع ذلك، شهدت الوزارة تحولًا وتدهورًا بالتزامن مع تراجع السلطة المركزية، حين أصبحت المناصب تُمنح بناء على الولاء والمحسوبية أكثر من الكفاية، وهو ما أدى إلى تزايد عدد الوزراء غير الأكْفاء وتراجع هيبة المنصب. وفي نهاية المطاف، تحولت الوزارة من منصب سياسي ذي صلاحيات واسعة إلى أعلى الرتب الرسمية في حقبة التنظيمات، قبل أن تُلغى بصورة نهائية مع زوال الدولة العثمانية.


المراجع

العربية

أوزتونا، يلماز. موسوعة تاريخ الإمبراطورية العثمانية: السياسي والعسكري والحضاري 1231-1922. ترجمة عدنان محمود سلمان. مج 3. بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2010.

بكر، عصمت عبد المجيد. المدخل لدراسة النظام القانوني في العهدين العثماني والجمهوري التركي. بيروت: دار الكتب العلمية، 2012.

حسن، حسن إبراهيم. تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي. مج 1. ط 14. بيروت: دار الجيل؛ القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1996.

الخطيب، مصطفى عبد الكريم. معجم المصطلحات والألقاب التاريخية. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1996.

ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد الحضرمي. كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر. تحقيق عادل بن سعد الشيخ. مج 1. بيروت: دار الكتب العلمية، 2016.

صالح، صالح سعداوي. مصطلحات التاريخ العثماني: معجم موسوعي مصور – ملون. مج 3. الرياض: دارة الملك عبد العزيز، 2016.

ابن طباطبا، محمد بن علي. الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية. القاهرة: المطبعة الرحمانية، 1927.

الأجنبية

سالنامه دولت عليه عثمانيه، سنة 1326 هجرية [1908-1909م]. در سعادت [إسطنبول]: مطبعة أحمد إحسان، 1323 مالية/ 1908م.

Çoruhlu, Tülin. “Tuğ.” TDV İslâm Ansiklopedisi. At: https://acr.ps/hBy6EB2

İnalcık, Halil. “Timar.” TDV İslâm Ansiklopedisi. At: https://acr.ps/1L9F2MD

________. “Vezir.” TDV İslâm Ansiklopedisi. At: https://acr.ps/hBy6EO9

Özcan, Abdülkadir. “Paşa.” TDV İslam Ansiklopedisi. vol. 34. Ankara: Türkiye Diyanet Vakfı, 2007. At: https://acr.ps/1L9BPxT

Pakalın, Mehmet Zeki. Osmanlı Tarih Deyimleri ve Terimleri Sözlüğü. vol. 3. Istanbul: Milli Eğitim Bakanlığı Yayınları, 1971.

[1] محمد بن علي بن طباطبا، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية (القاهرة: المطبعة الرحمانية، 1927)، ص 137؛ ويُنظر: حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، مج 1، ط 14 (بيروت: دار الجيل؛ القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1996)، ص 359؛ عبد الرحمن بن محمد الحضرمي ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، تحقيق عادل بن سعد الشيخ، مج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2016)، ص 359.

[2] ابن خلدون، ص 359.

[3] Mehmet Zeki Pakalın, Osmanlı Tarih Deyimleri ve Terimleri Sözlüğü, vol. 3 (Istanbul: Milli Eğitim Bakanlığı Yayınları, 1971), p. 590.

[4] صالح سعداوي صالح، مصطلحات التاريخ العثماني: معجم موسوعي مصور - ملون، مج 3 (الرياض: دارة الملك عبد العزيز، 2016)، ص 1373.

[5] Pakalın, p. 590.

[6] ابن خلدون، ص 184.

[7] حسن، ص 359.

[8] ابن خلدون، ص 185.

[9] حسن، ص 360؛ مصطفى عبد الكريم الخطيب، معجم المصطلحات والألقاب التاريخية (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1996)، ص 440.

[10] المرجع نفسه، ص 440.

[11] المرجع نفسه، ص 441.

[12] Halil İnalcık, “Vezir,” TDV İslâm Ansiklopedisi, accessed on 9/8/2026, at: https://acr.ps/hBy6EO9; Pakalın, p. 590.

[13] Ibid., p. 590;

صالح، مج 3، ص 1373.

[14] İnalcık, “Vezir.”

[15] Ibid.

[16] Ibid.

[17] Ibid.

[18] Pakalın, p. 590;

يلماز أوزتونا، موسوعة تاريخ الإمبراطورية العثمانية: السياسي والعسكري والحضاري 1231-1922، ترجمة عدنان محمود سلمان، مج 3 (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2010)، ص 340.

[19] İnalcık, “Vezir;”

صالح، مج 3، ص 1374؛ عصمت عبد المجيد بكر، المدخل لدراسة النظام القانوني في العهدين العثماني والجمهوري التركي (بيروت: دار الكتب العلمية، 2012)، ص 36.

[20] İnalcık, “Vezir.”

[21] Ibid.

[22] Ibid.

[23] Pakalın, p. 590.

[24] Tülin Çoruhlu, “Tuğ,” TDV İslâm Ansiklopedisi, accessed on 9/8/2026, at: https://acr.ps/hBy6EB2

[25] صالح، مج 3، ص 1374.

[26] Pakalın, p. 592.

[27] Ibid., p. 593.

[28] صالح، مج 3، ص 1374.

[29] Pakalın, p. 592.

[30] Halil İnalcık, “Timar,” TDV İslâm Ansiklopedisi, accessed on 9/8/2026, at: https://acr.ps/1L9F2MD ;

صالح، مج 1، ص 412.

[31] Pakalın, p. 592.

[32] صالح، مج 3، ص 1374.

[33] Pakalın, p. 593.

[34] Ibid.;

صالح، مج 3، ص 1374.

[35]سالنامه دولت عليه عثمانيه، سنة 1326 هجرية [1908-1909م] (در سعادت [إسطنبول]: مطبعة أحمد إحسان، 1323 مالية/ 1908م)، ص 38.

[36] أوزتونا، ص 361.

[37] Abdülkadir Özcan, “Paşa,” TDV İslam Ansiklopedisi, vol. 34 (Ankara: Türkiye Diyanet Vakfı, 2007), p. 183, accessed on 9/8/2026, at: https://acr.ps/1L9BPxT

[38] Pakalın, p. 593.


المحتويات

الهوامش