تسجيل الدخول

النيوليبرالية

(Neoliberalism)



الموجز

النيوليبرالية (Neoliberalism) فلسفة ونموذج سياسي واقتصادي، وأيديولوجية قائمة على أولوية الحرية الفردية، ولا سيما الحرية الاقتصادية، والدور المحدود للدولة. من ثمّ، فقد كانت النيوليبرالية موضع جدل كبير، ولا سيما من خلال تأكيدها على عمل قوى السوق بحرية، بوصفها المحرك الرئيس للحياة الاقتصادية والاجتماعية، علاوة على تنظيمها الحياة السياسية. وتتمثّل مهمات الدولة في المنظور النيوليبرالي في أداء الوظائف السيادية، وضمان حقوق الملكية، وإنفاذ العقود، وضمان سلاسة عمل الأسواق، عوضًا عن تخطيط الإنتاج، أو إعادة توزيع الثروة. وقد ظهرت النيوليبرالية في منتصف القرن العشرين، قبل أن تصبح مهيمنة في أواخره، وأدّت دورًا رئيسًا على المستوى العالمي في تحوّل الاقتصادات، والحوكمة، والقِيَم المجتمعية. يعزو أنصار النيوليبرالية لها الفضل في تجديد الكفاءة الاقتصادية، والسيطرة على التضخّم، ودينامية ريادة الأعمال، ومن ثمّ في تكامل الأسواق العالمية، وفترات النمو في الاقتصادات المتقدّمة والناشئة على حدّ سواء. ويجادل منتقدوها بأن سياساتها الموجّهة نحو السوق قد فاقمت من عدم المساواة الاقتصادية والتفاوتات الاجتماعية، والأزمة البيئية، وركّزت الثروة والسلطة في أيدي النُّخب، ورخّصت بالأزمات الاقتصادية المتواترة.

تعريفها

النيوليبرالية هي فلسفة ونموذج سياسي واقتصادي، وأيديولوجية تتمحور حول أولوية الحرية الفردية، والمبادرة الخاصة، والأسواق الحرة، والدور المحدود للدولة. ومن ثمّ، فإن كانت الليبرالية تُعرّف بوصفها تيارًا سياسيًا وفلسفيًا يركّز على حقوق الفرد، والحكم الدستوري، وحماية الحريات المدنية والسياسية، فإن النيوليبرالية هي مذهب أكثر تحديدًا، من حيث إيلاؤها الأولوية للمنافسة السوقية، وإلغاء القيود التنظيمية، والخوصصة، وتوسيع نطاق منطق السوق ليشمل الحياة الاجتماعية والسياسية. بناءً على ذلك، لا ينبغي الخلط بين النيوليبرالية والليبرالية بحدّ ذاتها، لأنها تُمثِّل إعادة تفسير تاريخية مُحدَّدة للمبادئ الليبرالية، بدلًا من أن تكون تعبيرًا شاملًا أو كونيًا عنها.

على نحو عام، تؤكد النيوليبرالية أن رفاه الإنسان يتحقّق على أفضل وجه من خلال إطلاق العنان للحريات الفردية في مجال ريادة الأعمال والإبداع، ضمن إطار مؤسّسي من حقوق الملكية الخاصة، والأسواق الحرة، والتجارة الحرة. ووفقًا للأفكار النيوليبرالية، ينبغي أن تعمل قوى السوق بحرية، وأن تصبح المحرك الرئيس للحياة الاقتصادية والاجتماعية، بينما يجري تقييد المؤسسات غير السوقية أو إعادة هيكلتها، ولا سيما الوكالات الحكومية، والنقابات العُمّالية، والبيروقراطيات التنظيمية.

تتمثّل المهمات الرئيسة للدولة في النظام النيوليبرالي في أداء الوظائف السيادية، وضمان حقوق الملكية، وإنفاذ العقود، وضمان سلاسة عمل الأسواق، عوضًا عن تخطيط الإنتاج، أو إعادة توزيع الثروة. ومن ثمّ، فإن النيوليبرالية تُعيد إحياء المبدأ الأساسي لليبرالية "دعه يعمل"، الذي ساد في القرن التاسع عشر في شكل حديث، مع التركيز على إلغاء الضوابط التنظيمية، وخوصصة الشركات المملوكة للدولة، والتقشّف المالي، وانفتاح الاقتصادات الوطنية على التجارة الدولية وتدفّقات رأس المال بوصفها محرّكات للنمو والازدهار.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

بوصفها أيديولوجية متماسكة ظهرت في منتصف القرن العشرين، قبل أن تصبح مهيمنة في أواخره، أدّت النيوليبرالية دورًا رئيسًا على المستوى العالمي في تحوّل الاقتصادات، والحوكمة، والقِيَم المجتمعية؛ فقد تطوّرت هذه النظرية كردّ فعل على المنظور الاشتراكي، ثم الإجماع الكينزي حول دولة الرفاه الذي ساد عقب الحرب العالمية الثانية وحتى سبعينيات القرن العشرين[1]. وخلال عقد الثمانينيات، ألهمت المبادئ النيوليبرالية السياسات الجديدة لقادة مثل مارغريت تاتشر (Margaret Thatcher، 1925-2013) في بريطانيا، ورونالد ريغان (Ronald Reagan، 1911-2004) في الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك برامج التقويم الهيكلي (Structural Adjustment Programs, SAPs) في عدد من الدول العربية ودول الجنوب الكبير، ما شكّل تحوّلًا حاسمًا من نماذج تدخّل الدولة إلى النماذج المُوجَّهة نحو السوق. ومنذ ذلك الحين، أصبحت النيوليبرالية نموذجًا مهيمنًا يؤثر في صنع السياسات في معظم أنحاء العالم، ويدعم عصر العولمة في مطلع القرن الحادي والعشرين[2]. يعزو أنصار النيوليبرالية الفضل إلى الإصلاحات النيوليبرالية التي أتت بها في تجديد الكفاءة الاقتصادية، والسيطرة على التضخّم، ودينامية ريادة الأعمال، ما أسهم -في رأيهم- في تكامل الأسواق العالمية، وفترات النمو في الاقتصادات المتقدّمة والناشئة على حدّ سواء[3].

في الآن نفسه، ما فتأت النيوليبرالية تُثير جدالات حادّة، ونقاشات فكرية مكثّفة. ويجادل منتقدوها بأن سياساتها الموجّهة نحو السوق قد فاقمت من عدم المساواة الاقتصادية والتفاوتات الاجتماعية، وركّزت الثروة والسلطة في أيدي النُّخب على حساب الرفاه الاجتماعي الأوسع نطاقًا[4]. وقد أكّدوا كذلك أن الحوكمة النيوليبرالية بتركيزها على المنافسة والفردية أدّت إلى تآكُل المؤسسات الديمقراطية وصنع القرار الجماعي، وتحويل المواطنين إلى مستهلكين، وإضعاف حقوق العمل والهيئات العُمّالية والحماية الاجتماعية[5]. أيضًا، سلّطت هذه الانتقادات الضوء على إسهام إلغاء الضوابط التنظيمية في إضعاف حماية البيئة، وتفاقم الاحتباس الحراري والتغيّر المناخي، كما يتبيّن مثلًا من تراجع الولايات المتحدة الأميركية عن تطبيق "قانون الهواء النظيف"[6]، أو انسحابها من اتفاقية باريس بشأن المناخ في عام 2025. شملت الانتقادات كذلك التأثيرات البيئية الكبرى للسياسات النيوليبرالية المتمحورة حول استغلال الموارد، كما يتبيّن مثلًا في إزالة غابات في الأمازون[7]؛ وشملت تأثير النيوليبرالية في الحوكمة البيئية العالمية، كما يتبيّن مثلًا في أسواق الكربون {{أسواق الكربون: هي أنظمة تنظيمية قائمة على السوق، تُحدَّد فيها أسعار انبعاثات غازات الدفيئة وتداولها، من خلال أدوات مثل حصص الانبعاثات، أو أرصدة الكربون. وقد صُممت هذه الأسواق لتوفير حوافز اقتصادية لخفض الانبعاثات، عن طريق تحديد قيمة نقدية للكربون، وتمكين الأطراف المَعنية من شراء الانبعاثات، أو بيعها، أو تعويضها ضمن إطار محدد.}}، وفي استخدام الالتزامات الطوعية بدلًا من اللوائح المُلزِمة في اتفاق باريس للمناخ عام 2015[8].

التطور التاريخي والتسلسل الزمني

تطوّر مصطلح النيوليبرالية بشكل كبير منذ نشأته في النصف الأول من القرن العشرين، من تسميةٍ للّيبراليين الاقتصاديين المُعتدلين، إلى وصف لسياسات الإصلاح المُوجَّهة نحو السوق، التي دعا إليها الاقتصاديون والسياسيون في أواخر القرن العشرين. ففي استخداماتها المعاصرة، أصبحت النيوليبرالية ترتبط بسياسات التحرير الاقتصادي، والخوصصة، وإلغاء الضوابط التنظيمية، والتجارة الحرة، والتقشّف، وخفض الإنفاق العامّ الذي يهدف إلى تعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد والمجتمع[9]. وعلى عكس المنظور الليبرالي الاجتماعي، يرى المنظور الاقتصادي الذي يؤسس للنيوليبرالية أن المدنية المنظَّمة سياسيًا (البوليس/ Polis) أي ما هو مشترك، مشتقّة من "الأويكوس" (Oikos)، أي ما هو خاص. ومن ثم، فهذا المنظور يفترض خيطًا رابطًا -خفيًا وتلقائيًا- بين الفردانية والسوق، يجعل ممكنًا ربط الامتيازات الخاصة للأفراد بالمصلحة العامّة، ويقود من دون أي تدخل خارجي إلى أمثلية باريتو (Pareto efficiency). بتعبير آخر، إن الأولوية التي تُولَى للاقتصاد على السياسة، وللسوق على الديمقراطية، وللّيبرالية الاقتصادية على الليبرالية السياسية، تُمثِّل مفتاحًا رئيسًا لفهم النيوليبرالية.

جذورها وأُسسها

يمكن العثور على الفكرة العميقة للنيوليبرالية في الفكر الاقتصادي الليبرالي الكلاسيكي، كما عبّر عنه مثلًا آدم سميث (Adam Smith) في كتاب ثروة الأمم عام 1776[10]؛ فبدفاعِه عن السوق الحرة، ومفهومه عن اليد الخفية، ونقده للنزعة الاتّجارية، قدَّم سميث مبادئَ أساسية سيكون لها لاحقًا تأثير بالغ في الفكر النيوليبرالي. ومع ذلك، فإن النيوليبرالية ليست مجرد إحياء لليبرالية الكلاسيكية، بل إنها تُمثّل استجابة تاريخية محدَّدة للتطوّرات الاقتصادية والسياسية في القرن العشرين[11].

أما الجذور المباشرة للنيوليبرالية، فتعود إلى سنوات ما بين الحربَيْن العالميتَيْن وأوائل سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما سعت مجموعة من المُفكّرين إلى إحياء الليبرالية الكلاسيكية، وإعادة صياغتها في مواجهة الاضطرابات الاقتصادية العالمية وصعود الأيديولوجيات الجماعية. فقد أدى الكساد الكبير (Great Depression) في ثلاثينيات القرن العشرين، والتبنّي واسع النطاق للسياسات الاقتصادية الكينزية(Keynesian economics)، إلى تقويض أُسسِ رأسمالية عدم التدخّل، ما دفع بعدد من البلدان الغربية نحو نماذج التدخّل (Interventionism) ودولة الرفاه (Welfare state). وبسبب الخوف من أن تُهدِّد السيطرة الحكومية المفرطة الحريات الاقتصادية والفردية، بدأت مجموعة من المفكّرين والمثقّفين الغربيين على جانبَي المحيط الأطلسي في صياغة نموذج نيوليبرالي، في محاولة لإعادة تأكيد مبادئ السوق في سياقٍ حديث، مع تجنّب الإخفاقات الملحوظة في سياسة عدم التدخّل في القرن التاسع عشر، والتخطيط المركزي في القرن العشرين[12].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وقد أطلق بعض هؤلاء المفكّرين مصطلح النيوليبرالية في ندوة والتر ليبمان (Colloque Walter Lippmann)، ولا سيما الاقتصادي ألكسندر روستو (Alexander Rüstow، 1885-1963)، الذي استخدم مصطلح النيوليبرالية لوصف عقيدة ليبرالية مُجدَّدة من شأنها أن تؤيّد السوق الحرة، مع تعديلها بإطار قانوني سليم وسياسة اجتماعية، ومن ثمّ تمييزها عن سياسة عدم التدخّل الصرفة[13]. وعلى الرغم من أن هذا الاستخدام المبكّر لمصطلح النيوليبرالية كان غامضًا نسبيًا، فقد كان يشير إلى مشروع ناشئ لإعادة بناء الليبرالية الكلاسيكية في العصر الحديث.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وقد مثّل عام 1947 لحظة تأسيسية حاسمة في تشكيل النيوليبرالية، مع الاجتماع التأسيسي ل ، 1911-1991)، الذين التزموا بإعادة تنشيط أفكار السوق الليبرالية في مواجهة ما عَدُّوه الاشتراكية الزاحفة عقب الحرب العالمية الثانية[14]. وقد أصبحت هذه الجمعية لاحقًا مؤسسة فكرية دولية، وشبكة فكرية مكرَّسة للترويج للأفكار النيوليبرالية. لم يدعُ هايك وزملاؤه في مونت بيليران إلى العودة الفورية إلى سياسة عدم التدخّل التي سادت في القرن التاسع عشر، بل كانوا يهدفون إلى توجيه دفّة الأمور نحو ليبرالية جديدة تدحض التخطيط المركزي على النمط السوفياتي، والتدخّل الحكومي المفرط لدول الرّفاه في منتصف القرن العشرين[15].

وقد كان هؤلاء النيوليبراليون الأوائل، ولا سيما منهم الليبراليون النظاميون الألمان، مثل فيلهلم روبكه (Wilhelm Röpke، 1899-1966) ووالتر أوكن (Walter Eucken، 1891-1950)، يدعون إلى دولة قوية للحفاظ على المنافسة وإنفاذ سيادة القانون، على الرغم من معارضتهم لسيطرة الدولة على الإنتاج. وقد انعكس هذا التأثير الليبرالي التنظيمي في "اقتصاد السوق الاجتماعي" في ألمانيا الغربية عقب الحرب العالمية الثانية، الذي جمع بين المنافسة والتأمين الاجتماعي، وهو نموذج يُنظر إليه أحيانًا بوصفه أحد أشكال التفكير النيوليبرالي[16].

وطوال خمسينيات القرن العشرين وستينياته، استمرّت جمعية مونت بيليرين وأنصارها من الأقسام الجامعية ومراكز الأبحاث الجديدة في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا في الترويج لليبرالية السوق، حتى مع هيمنة الاقتصاد الكينزي والسياسات الديمقراطية الاجتماعية على الممارسة العملية. وظلّت، في هذه المرحلة، الأفكار النيوليبرالية تتبلور على هامش السياسة السائدة، وتُصقل ويُروَّج لها في النقاشات الأكاديمية عبر شبكة عابرة للأطلسي من الاقتصاديين والفلاسفة[17].

بداية الشهرة والانتشار

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

اكتسبت النيوليبرالية أهمية متزايدة في صنع السياسات في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، بدفعٍ من مزيج من الأزمات الاقتصادية وإعادة التنظيم السياسي. وكان الحافز الرئيس هو الركود التضخمي {{الركود التضخمي (Stagflation): هو مزيج من النمو الاقتصادي الراكد والبطالة المرتفعة والتضخّم المرتفع، برز في أعقاب أزمة حظر النفط العربي عام 1973، وتحدّى الإجماع الكينزي السائد طيلة مدة الثلاثين المجيدة (Trente Glorieuses).}} في السبعينيات؛ ففي بلدان مثل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، أخفقت سياسات إدارة الطلب التقليدية في كبح التضخّم أو إنعاش النمو، ما أدى إلى تقويض الثقة في سياسة التدخّل العامّ، وغذّى الاهتمام بالمقاربات البديلة. حينئذٍ، اقترح الاقتصاديون النيوليبراليون تشخيصًا للأزمة وعلاجًا لها في الآن ذاته؛ إذ كانوا ينظرون إلى تدخّل الدولة المفرط (عجز الموازنة، وضوابط الأسعار، والنقابات القوية) بوصفه سبب المشكلة الاقتصادية، وأن استعادة آليات السوق الحرة هي العلاج الضروري[18]. واكتسبت نظرية ميلتون فريدمان النقدية، التي تنسب التضخّم إلى النمو غير المنضبط في المعروض النقدي، تأثيرًا كبيرًا خلال هذه المرحلة[19].

في الآن ذاته، على المستوى السياسي، وصل إلى السلطة قادة مناصرون للفكر النيوليبرالي؛ ففي بريطانيا، أصبحت مارغريت تاتشر (Margaret Thatcher، 1925-2013) رئيسة للوزراء في عام 1979، على أساس برنامج إصلاحات جذرية للسوق، متأثرةً بوضوح بهايك وفريدمان. وقد أعلنت في تصريح شهير لها: "الاقتصاد هو الأسلوب، أما الهدف فهو تغيير القلب والروح"، مبشِّرةً ببرنامج شامل لتقليص الدولة لمصلحة انضباط السوق[20]. نفّذت حكومة تاتشر عمليات خوصصة واسعة النطاق (من خلال سحب الاستثمارات من الشركات العامّة مثل British Telecom وBritish Gas، وإلغاء القيود على قطاعات مثل القطاع المالي، فيما عُرف باسم الانفجار الكبير في أسواق المال البريطانية عام 1986)، مع اتخاذ تدابير نقدية صارمة للسيطرة على التضخّم، وإقرار تخفيضات ضريبية (ولا سيما لأصحاب الدخول المرتفعة والشركات)، والحدّ على نحو كبير من قوة النقابات العُمّالية (كما يتّضح من إخفاق إضراب عُمال المناجم بين عامَي 1984-1985).

على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، شهدت الولايات المتحدة الأميركية تحوّلًا مُوازيًا في ظل رئاسة رونالد ريغان (Ronald Reagan، 1911-2004) بين عامَي 1981-1989؛ فقد اعتمدت إدارته مجموعة مماثلة من السياسات النيوليبرالية، التي غالبًا ما يُشار إليها باسم "اقتصاديات ريغان" (Reaganomics). شملت هذه السياسات تخفيضات ضريبية كبيرة على الدخل (فقد خفّض قانون ضريبة الانتعاش الاقتصادي لعام 1981 -على سبيل المثال- معدّل الضريبة الأعلى على نحو كبير)، وإلغاء القيود على نطاق واسع للصناعات (من شركات الطيران إلى الاتصالات السلكية واللاسلكية إلى التمويل)، وتقليص حجم الدولة (خفض الإنفاق المحلي وتقليص البرامج الاجتماعية)، والعداء العامّ للنقابات العُمّالية (كما يتّضح ذلك على سبيل المثال من خلال فصل ريغان لمُراقبي الحركة الجوية المُضربين عن العمل عام 1981)[21].

كان ريغان وتاتشر يتشاركان إيمانًا راسخًا بالأسواق الحرة والمشروعات الفردية، وكان حكمهما المشترك في ثمانينيات القرن العشرين بمنزلة الموجة الأولى من النيوليبرالية في الممارسة العملية[22]. وساعدت نجاحاتهما الاقتصادية، مثل إبقاء التضخّم تحت السيطرة وتحفيز دورات النمو، في إضفاء الشرعية على الأيديولوجية النيوليبرالية، وأثبتت جدواها السياسية. فمع حلول نهاية عقد الثمانينيات، انتقلت النيوليبرالية من مجموعة من الأفكار غير التقليدية إلى "حسٍّ سياسي مشترك" في كثير من الدول الغربية[23].

إلى جانب النطاق الأنكلو-أميركي، طُبّق المذهب النيوليبرالي أيضًا في أميركا اللاتينية في الفترة ذاتها. وكانت تشيلي، في ظلّ نظام الجنرال أوغستو بينوشيه (Augusto Pinochet، 1915-2006)، مثالًا بارزًا على ذلك، ففي أعقاب انقلاب عام 1973 الذي أنهى تجربة النظام الاشتراكي الشرعي لسلڨادور أليندي (Salvador Allende، 1908-1973)، لجأ بينوشيه إلى مجموعة من الاقتصاديين الذين تلقّوا تدريبهم في الولايات المتحدة الأميركية[24]، لإصلاح الاقتصاد التشيلي على أُسس السوق الحرة. واتّسمت أواخر سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته بإصلاحات نيوليبرالية جذرية في تشيلي، فقد خُفّضت الرسوم الجمركية أو أُلغيت، مع خوصصة الشركات المملوكة للدولة بشكل جماعي، وتخفيض الميزانيات العامّة لاحتواء التضخّم، ونقل أنظمة التقاعد والتعليم إلى قطاعات خاصة. أدّت هذه الإجراءات الصادمة إلى إعادة هيكلة جذرية ومضطربة للاقتصاد التشيلي، وأصبحت تشيلي لمدة من الوقت "حقل تجارب" للنيوليبرالية يُستشهَد به كثيرًا[25].

وعلى الرغم من أن الاقتصاد التشيلي شهد انخفاضًا في التضخّم واستئنافًا للنمو في أواخر الثمانينيات، فقد كانت التكاليف الاجتماعية كبيرة، مع ارتفاع مُعدّلات البطالة وعدم المساواة، ما أدّى إلى تأجيج النقاش بشأن مزايا الإجماع النيوليبرالي وتأثيراته الاجتماعية[26]. وقد أسهمت الحالة التشيلية، إلى جانب الإصلاحات الموازية التي دعمها صندوق النقد الدولي في كثير من البلدان حول العالم خلال أزمات الديون والأزمات الاقتصادية في الثمانينيات، في تغيير دلالة النيوليبرالية؛ إذ أصبح المصطلح مرتبطًا على نحو متزايد بالإصلاحات الاقتصادية الجذرية المفروضة من الأعلى إلى الأسفل، وغالبًا في ظل ظروف استبدادية، وهو ما يُمثّل تحوّلًا دلاليًا كبيرًا عن استخدامها الأولي الحميد[27].

وهكذا، مع حلول أواخر ثمانينيات القرن العشرين، التي تزامنت مع انهيار جدار برلين، لم تعُد النيوليبرالية تسمية أكاديمية مقصورة على فئة بعينها، بل أصبحت مصطلحًا مألوفًا في الخطاب السياسي لوصف ثورة السوق الحرة التي كانت جارية آنذاك في كثير من بلدان العالم، بما فيها بعض البلدان العربية.

الانتشار العالمي

مع انهيار المعسكر السوفياتي وصعود العولمة في تسعينيات القرن العشرين، أخذت النيوليبرالية في الانتشار عالميًا، وفرضت نفسها بوصفها نموذجًا مفترَضًا للتنمية الاقتصادية والحوكمة؛ فقد أزالت حينئذٍ نهايةُ الحرب الباردة الحواجزَ الأيديولوجية أمام رأسمالية السوق في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي سابقًا، ما فتح مناطقَ شاسعةً أمام النفوذ النيوليبرالي. وروَّجَت المؤسسات المالية الدولية ومراكز الاستشارات الغربية لـ "العلاج بالصدمة" في الاقتصادات الانتقالية، ولا سيما من خلال الخوصصة السريعة لمؤسسات الدولة، وتحرير الأسعار والتجارة، وسياسات التقشّف المالي، كصيغة للانتقال من أنظمة شيوعية إلى أنظمة رأسمالية، راهنةً بذلك تمويلها لهذه البلدان وإنقاذها من مأزقها الاقتصادي. على سبيل المثال، نفّذت الحكومة البولندية ما بعد الشيوعية بين عامَي 1990-1991 برنامجًا صارمًا للتحرير والخوصصة، اتَّبع إلى حدّ كبير التوصيات النيوليبرالية. كذلك حاولت روسيا في عهد الرئيس بوريس يلتسين (Boris Yeltsin، 1931-2007) إجراء إصلاحات جذرية في السوق في أوائل التسعينيات، مع إلغاء ضوابط الأسعار، وخوصصة مؤسسات الدولة، على الرغم من أن العملية كانت فوضوية وأدت إلى انهيارات خَطِرة في الإنتاج، مع صعود احتكارات القِلّة[28].

وبحلول منتصف التسعينيات من القرن العشرين، لم يعُد لرأسمالية السوق منافس أيديولوجي على الساحة الدولية، وجرى تشجيع صانعي السياسات في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، وفي بعض الأحيان إجبارهم، على تبنّي الإصلاحات النيوليبرالية من أجل الاندماج في الاقتصاد العالمي[29]، وهو ما يُعبِّر عنه اصطلاح توافق واشنطن (Washington Consensus) الذي صاغه الاقتصادي جون وليامسون (John Williamson) عام 1989، من خلال عشر وصفات رئيسة للسياسات التي اعتمدتها المؤسسات التي تتّخذ من واشنطن مقرًّا لها (صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ووزارة الخزانة الأميركية)، بوصفها وصفةً للنجاح الاقتصادي[30]. شملت هذه الوصفات: الانضباط المالي (من خلال خفض العجز المالي)؛ وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العامّ (في جميع القطاعات، بما فيها قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة)؛ والإصلاح الضريبي (توسيع القاعدة الضريبية وخفض معدّلاتها)؛ والتحرير المالي (أسعار الفائدة التي يُحدِّدها السوق)؛ وأسعار الصرف التنافسية؛ وتحرير التجارة (تخفيض التعريفات والحواجز الجمركية)؛ والانفتاح على الاستثمار الأجنبي المباشر؛ وخوصصة الشركات المملوكة للدولة؛ وإلغاء القيود التنظيمية لتعزيز المشروعات؛ وتأمين حقوق الملكية[31].

وقد تبنّت كثير من البلدان بعض هذه الإجراءات خلال عقد التسعينيات، وكانت في الغالب جزءًا من برامج التقويم الهيكلي لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. على سبيل المثال، حرَّرت المكسيك والأرجنتين والبرازيل التجارة وخوصصت الصناعات، بينما أطلقت الهند في عام 1991 تحريرًا جذريًا لاقتصادها الذي كان مملوكًا للدولة في السابق، وخفّضت كثيرٌ من البلدان العربية والأفريقية الحواجز التجارية والعمالة في القطاع العامّ، بوصف ذلك شرطًا لتخفيف عبء الديون[32]. تبنّت الصين أيضًا آليات السوق في الفترة ذاتها، فعلى الرغم من أنها ظلّت اشتراكية رسميًا، فإن سياسة الإصلاح والانفتاح التي أطلقها الرئيس دينغ شياو بينغ (Deng Xiaoping، 1904-1997) منذ عام 1978 تسارعت وتيرتها خلال عقد التسعينيات، مع إصلاحات شملت الخوصصة، والمناطق الاقتصادية الخاصة، والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001؛ وكلها أدخلت عناصرَ نيوليبراليةً في الاقتصاد الصيني، في ما أصبح نموذجًا هجينًا يُشار إليه غالبًا باسم "اقتصاد السوق الاشتراكي".

ومع حلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت العولمة جارية على قدم وساق، وتميّزت بنمو قوي في التجارة والاستثمار وتدفّقات رأس المال عبر الحدود، مدعومةً بأُطر السياسة النيوليبرالية التي تؤكد على حرية حركة السلع ورؤوس الأموال[33]. وأسهمت الاتفاقات التجارية الدولية، مثل اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية- نافتا (North American Free Trade Agreement, NAFTA) في عام 1994، وإنشاء منظمة التجارة العالمية في عام 1995، في انتشار المبادئ النيوليبرالية على نطاق عالمي، من خلال تضمينها بنود تخفيض التعريفات الجمركية، وحماية الملكية الفكرية، وفتح الأسواق.

غير أن صعود النيوليبرالية لم يمرّ من دون توتّرات ومقاومات، فقد اتّسمت مرحلة أواخر التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بردود فعل سلبية، وأزمات عقّدت الخطاب الانتصاري لليبرالية السوق؛ فقد عزا بعض المُحلّلين الأزمة المالية الآسيوية بين عامَي 1997-1998، التي دمّرت اقتصادات مثل تايلاند وإندونيسيا وكوريا الجنوبية، إلى التحرير المالي وإلغاء القيود التنظيمية السابقة لأوانها، ما أدّى إلى تدفّقات رأسمالية مضاربية متقلّبة، جاءت بوصفها نتيجة غير مقصودة للعولمة النيوليبرالية[34]. وفي أميركا اللاتينية، أدى الاستياء من التداعيات الاجتماعية الناجمة عن إصلاحات السوق في التسعينيات إلى موجة من الانتخابات الديمقراطية لحكومات يسارية مناهضة للنيوليبرالية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، والتي أُطلقت عليها تسمية "المدّ الوردي" (Pink Tide). ورفض القادة الجُدد في بلدان مثل فنزويلا، وبوليفيا، والإكوادور، والأرجنتين بعض عناصر سياسات "توافق واشنطن"، أو عكسوا اتّجاهها وأعادوا فرض سيطرةٍ أكبر للدولة على الموارد الطبيعية، وأعادوا تأميم بعض الصناعات، وطوّروا الحماية الاجتماعية؛ أي أرسوا سياسات قُدّمت صراحةً بوصفها بدائلَ عن الإجماع النيوليبرالي[35].

بيد أنه على الرغم من هذه الارتدادات، استمرّت السياسات الاقتصادية المُستوحاة من النيوليبرالية إلى حدّ كبير على مستوى المؤسسات الدولية، وفي معظم الاقتصادات المتقدّمة والنامية على حدّ سواء، فحتى سياسات "الطريق الثالث" التي جاء بها بعض قادة يسار الوسط في الغرب، مثل توني بلير (Tony Blair) في بريطانيا، وبيل كلينتون (Bill Clinton) في الولايات المتحدة الأميركية، كانت تقبل بفاعلية الأسواق والعولمة، وتسعى فقط إلى تخفيف معالم النيوليبرالية ببرامج اجتماعية متواضعة. بذلك، أظهرت النيوليبرالية مرونة ملحوظة وقدرة على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية والتقلّبات السياسية، وظلت الاتجاه الافتراضي للسياسة الاقتصادية في معظم أنحاء العالم[36].

أزمة عام 2008 وعواقبها

شكّلت الأزمة المالية العالمية لعام 2008 أكبر تحدٍّ في الحقبة النيوليبرالية، فقد نجمت هذه الأزمة عن انهيار الأسواق المالية غير المنظمة في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، وأدت إلى أعمق ركود عالمي منذ ثلاثينيات القرن العشرين. وقد أثار هذا الركود تساؤلات عميقة بشأن استدامة السياسات النيوليبرالية -ولا سيما تحرير الأسواق المالية- التي سمحت بانتشار الأدوات المالية المعقّدة والمحفوفة بالمخاطر، وافتراض سياسة عدم التدخّل في الأسواق بأنّ الأسواق يمكن أن تُنظِّم نفسها بفاعلية. فعقب هذه الأزمة مباشرةً، اتّخذت كثير من الحكومات، بما فيها أكثر الحكومات نيوليبراليةً، تدابيرَ تدخّلية غير اعتيادية، على غرار عمليات الإنقاذ المصرفي والتحفيز المالي، التي بدت وكأنها تنتهك المبادئ النيوليبرالية. لذلك، توقّع بعض المراقبين أن الأزمة المالية العالمية بدأت تُنذِر بنهاية النيوليبرالية بوصفها النموذج السائد[37].

لكن الفترة التي أعقبت الأزمة المالية العالمية لعام 2008 لم تشهد مع ذلك رفضًا تامًّا للنيوليبرالية، بل على العكس من ذلك، أثبتت هذه الأيديولوجية قدرتها على التكيّف؛ فعلى الرغم من بروز بعض سياسات إعادة التنظيم المالي، والإحياء المؤقت لسياسات الإنعاش الاقتصادي الكينزية، سرعان ما أُعيد التأكيد على الالتزام الأساسي بالأسواق الحرة والتدخّل المحدود للدولة في عدد من البلدان[38].

من جهة أخرى، شهد العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين صعود الحركات الشعبوية اليسارية واليمينية على حدّ سواء، التي هاجمت بعض جوانب النظام النيوليبرالي، مثل اتفاقيات التجارة الحرة التي تُلقى عليها اللائمة في فقدان الوظائف، أو المؤسسات فوق- الوطنية (على غرار الاتحاد الأوروبي) التي يُنظر إليها بوصفها عائقًا أمام السيادة الوطنية. وهكذا، فُسّرت أحداث مثل التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "البريكسيت" في عام 2016، وانتخاب دونالد ترامب (Donald Trump) في الولايات المتحدة الأميركية في عام 2016، بخطابه الحِمائي المناهض للتجارة الحرة، على أنها ردود فعل شعبوية ضد العولمة النيوليبرالية والسخط الذي تُولِّده.

في الآن ذاته، أحيَت التحديات العالمية الجديدة، مثل التغيّر المناخي وجائحة كوفيد-19، النقاش بشأن التوازن الأمثل بين الأسواق وتدخّل الدولة، إذ يرى كثيرون أن معالجة هذه الأزمات تتطلّب تجاوز أدوات السياسة النيوليبرالية.

ومع منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، بدأ بعض المُحلّلين يشيرون إلى دخول حقبة ما بعد النيوليبرالية، التي تؤدي فيها الحكومات دورًا أكبر في الاقتصاد، على سبيل المثال من خلال السياسات الصناعية، أو تدابير الصحة العامة الموسّعة. ويُحذِّر آخرون من أن إرث النيوليبرالية وأُطرها المؤسسية وتركيزها الأيديولوجي على المنافسة والفردية، لا تزال تُشكّل جميعها إلى حدّ بعيد عملية صنع السياسات في معظم بلدان العالم[39].

النظريات والمبادئ والمنهجيات الرئيسة

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

تقوم النيوليبرالية على مجموعة من المبادئ النظرية المتعلّقة بالاقتصاد، والسلوك البشري، ودور الدولة، وتستند إلى قناعة راسخة بكفاءة الأسواق الحرة وأخلاقيتها، بوصفها الآلية المُثلى لتخصيص الموارد وتنظيم المجتمع. بذلك، فإن النظرية النيوليبرالية مُستوحاة إلى حدّ كبير من الاقتصاد النيوكلاسيكي، الذي يفترض أن الأفراد فاعلون عقلانيون يسعون إلى تعظيم منفعتهم، وأن الأسواق من خلال التفاعل بين العرض والطلب تميل تلقائيًا نحو التوازن والنتائج المُثلى. من وجهة النظر هذه، تولِّد التبادلات الطوعية في الأسواق التنافسية أعظم الفائدة لأكبر عدد من الناس، في حين أن التدخلات الحكومية تُعَدّ عرضة لعدم الكفاءة، أو العواقب غير المتوقّعة، أو السعي وراء الريع. كذلك يُنظر إلى أسعار السوق على أنها إشارات حيوية تنقل المعلومات عن الندرة والأفضليات، وأيُّ تشويه للأسعار من خلال الدعم، أو ضوابط الأسعار، أو الاحتكارات، يُنظر إليه على أنه يؤدي إلى سوء التوزيع. ومن ثمّ، فإن أحد المبادئ النيوليبرالية الأساسية هو أن "السوق تعرف أفضل من أيّ كان"[40].

ولتبرير الحدّ الأدنى من التدخّل، يشدّد النيوليبراليون على مفهوم النظام التلقائي، أي فكرة أن النظام الاجتماعي والتنسيق الاقتصادي يمكن أن ينشآ بشكلٍ طبيعي من تفاعلات الأفراد الذين يسعون لتحقيق مصالحهم الخاصة، من دون الحاجة إلى توجيه مركزي. وقد صاغ هذا المفهوم فريدريك هايك، الذي أكّد على أنه لا يمكن لأي مخطّط مركزي أن يُضاهي تشتّت المعرفة التي يُولّدها ملايين الأفراد في السوق. ففي مقالته "استخدام المعرفة في المجتمع" في عام 1945، وفي أعماله اللاحقة، جادل هايك بأن إشارات الأسعار في الأسواق الحرة تجمع المعلومات بكفاءة أكبر بكثير من أي بيروقراطية أو سلطة مركزية، ما يسمح للأفراد بتعديل أنشطتهم بكفاءة[41]. من هنا، يجادل النيوليبراليون بأنه حتى تدخلات الدولة حسنة النية غالبًا ما تؤدي إلى نتائج أدنى من نتائج السوق، إما عن طريق تشويه الحوافز، وإما نتيجة مشكلات المعلومات والقصور البيروقراطي[42]. وقد وجّه لودفيغ فون ميزس، وهو اقتصادي آخر من المدرسة النمساوية، انتقادًا مماثلًا للاشتراكية، مجادلًا بأنه من دون أسعار السوق للسلع الرأسمالية لا يمكن للمُخطِّطين الاشتراكيين تخصيص الموارد بشكل عقلاني، وهي حجة أساسية لعدم إمكانية الاستغناء عن الأسواق[43].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

تتضمّن النيوليبرالية أيضًا التزامًا معياريًا بالحرية الفردية والاختيار، وهي في ذلك متأثرة بالفلسفة السياسية الليبرالية الكلاسيكية، مثل فلسفة جون لوك (John Locke، 1632-1704) وجون ستيوارت مِل (John Stuart Mill، 1806-1873)، التي تَعُدّ الحرية الفردية -ولا سيما الحرية الاقتصادية- قيمة مطلقة. وقد عبّر ميلتون فريدمان عن هذه الفلسفة في كتابه الرأسمالية والحرية عام 1962، مجادلًا بأن الحرية الاقتصادية ليست قيمة في حدّ ذاتها فحسب، بل هي أيضًا شرط ضروري للحرية السياسية[44]. وغالبًا ما يجادل فريدمان وغيره من النيوليبراليين بأن الأسواق الحرة والمجتمعات الديمقراطية يعزّز بعضها بعضًا، لأن الأسواق توزّع السلطة والثروة بدلًا من تركيزها في الدولة. وهذا الاعتقاد بالصلة بين الأسواق والحرية هو ما يدعم تأييد النيوليبراليين للمشروعات الخاصة وريادة الأعمال، فمن خلال رفع التشريعات وخفض الضرائب يجري تمكين الأفراد من بدء الأعمال التجارية والابتكار، واتخاذ خيارات تؤدي إلى الازدهار والإنجاز الشخصي[45]. في الآن ذاته، يعتبر النيوليبراليون سيادة القانون وحقوق الملكية الخاصة أُسسًا للحرية، لأن السلع والعقود الآمنة هي وحدها التي تسمح لنظام السوق الحقيقي بالعمل[46]. ومن ثمّ، تدعو النظرية النيوليبرالية إلى دولة "محدودة" في نطاق تدخّلها الاقتصادي، ولكنها "قوية" في قدرتها على إنفاذ القانون والعقود وسياسة المنافسة.

ترتبط النيوليبرالية بذلك بمقاربة تتمحور حول السوق في تحليل السياسات العامّة، وهذا يعني توسيع نطاق التفكير الاقتصادي ليشمل مجالات تُعَدّ تقليديًا غير اقتصادية. على سبيل المثال، طبّق غاري بيكر (Gary Becker، 1930-2014)، وهو من أهمّ الاقتصاديين من مدرسة شيكاغو، الاختيار العقلاني وتحليل التكلفة والعائد على مجالات مثل الجريمة والأسرة والتعليم، مقترحًا أنه حتى العلاقات الإنسانية والقضايا الاجتماعية يمكن فهمها من حيث الأسواق والحوافز[47]. وهذا يعكس الميل النيوليبرالي للنظر إلى جميع التفاعلات الاجتماعية على أنها محكومة بالتبادل والمنافسة، وهو تعميم للمقاربة الاقتصادية للسلوك البشري[48]. وفي السياسة العامّة، تتجلّى هذه المقاربة في تصميم السياسات التي تُحاكي ظروف السوق، حتى في الخدمات العامّة (مثلًا في تصاريح التلوّث القابلة للتداول في التنظيم البيئي)، على افتراض أن المنافسة الشبيهة بالسوق ستحسّن الكفاءة والنتائج.

ومن ثمّ، يمكن استخلاص المبادئ الرئيسة للنظرية النيوليبرالية والمذاهب السياسية المستمَدّة منها:

  1. إلغاء الضوابط التنظيمية: تدعو النيوليبرالية إلى إزالة الضوابط التنظيمية التي تُعَدّ مُعيقةً للنشاط الاقتصادي والأداء الحرّ للأسواق. ويشمل ذلك: إلغاء الضوابط المالية (من حيث تخفيف القواعد الخاصة بالبنوك وأسواق رأس المال)؛ وإلغاء الضوابط التنظيمية لسوق العمل (من حيث تقليل القيود المفروضة على أصحاب العمل، مثل قواعد التوظيف، والفصل من العمل، وقوة التفاوض الجماعي للنقابات)؛ وإلغاء الضوابط التنظيمية للقطاعات (مثل النقل الجوي، والنقل البري، والطاقة) لتشجيع المنافسة. ويتمثّل الافتراض الكامن وراء الدعوة إلى إزالة الضوابط التنظيمية أو تقييدها في حدود دُنيا، في أن التنظيم غالبًا ما يحمي شاغلي الوظائف أو يفرض تكاليفَ غير ضرورية، في حين أن إلغاء الضوابط التنظيمية يُحفِّز الابتكار ويخفّض الأسعار للمستهلكين[49].
  2. الخوصصة: يُعَدّ تحويل المؤسسات العامة والخدمات العامة إلى القطاع الخاص سمة من سمات السياسة النيوليبرالية. والسبب في ذلك من هذا المنظور هو أن الملكية الخاصة وحوافز الربح تؤدي إلى إدارة أكثر كفاءة من البيروقراطية الحكومية. وهكذا، جرت خوصصة معظم المؤسسات العامة والخدمات العامة منذ ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، بوصف ذلك جزءًا من الإصلاحات النيوليبرالية في معظم بلدان العالم، من شركات الطيران الوطنية، إلى شركات الاتصالات السلكية واللاسلكية، إلى المرافق والخدمات البريدية، وحتى السجون[50]. وتمتدّ الخوصصة لتشمل أيضًا إسناد الوظائف العامة إلى شركات خاصة، وإدخال المنافسة في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم.
  3. الانضباط المالي والتخفيضات الضريبية: يشدّد النيوليبراليون على أهمية انخفاض العجز العامّ والديون العامة، وذلك لتجنّب مزاحمة الاستثمار الخاص ومنع التضخّم. وغالبًا ما يدعون إلى خفض الإنفاق العامّ (لا سيما الإعانات والبرامج الاجتماعية)، وإلى ميزانيات متوازنة. في الآن ذاته، تحبّذ النيوليبرالية الإصلاح الضريبي الذي ينطوي عمومًا على خفض معدلات الضرائب الحدّية، ولا سيما على فئة الدخل المرتفع، والأرباح الرأسمالية، والشركات، اعتقادًا منها أن ذلك يشجّع الاستثمار وريادة الأعمال والنمو الاقتصادي العامّ[51].
  4. الليبرالية النقدية والتركيز على التضخّم: في منهجية الاقتصاد الكُلّي، تبنّت النيوليبرالية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي الليبرالية النقدية، وهي النظرية التي طرحها ميلتون فريدمان، والتي تقول إن التحكّم في عرض النقد، أو لاحقًا التحكّم في أسعار الفائدة لإدارة نمو النقد، أمر ضروري للسيطرة على التضخّم. وبذلك، يعارض الليبراليون النقديون السياسة المالية الكينزية النشطة، بحجة أن محاولات الحكومة ضبطَ الطلب غيرُ فعّالة أو مزعزعة للاستقرار. وبدلًا من ذلك، يفضّل النيوليبراليون السياسات القائمة على القواعد، مثل البنوك المركزية المستقلّة التي تستهدف خفض التضخّم[52]، وغالبًا ما يكون ذلك أولوية حتى على حساب البطالة قصيرة الأجل.
  5. التجارة الحرة والعولمة: الركيزة الأخرى للنيوليبرالية هي تعزيز التجارة الحرة عبر الحدود، وإزالة الحواجز الحمائية الجمركية وغير الجمركية. وترى النظرية النيوليبرالية أن المزية النسبية والمنافسة من شأنهما أن تضمنا التجارة الحرة العالمية، وأن تزيدا من كفاءة جميع الدول وثرواتها. بناءً على ذلك، دعم النيوليبراليون اتفاقيات تحرير التجارة ومؤسساتها من خلال اتفاقيات الغات، أو من خلال منظمة التجارة العالمية، وعارضوا التعريفات الجمركية، وحصص الاستيراد، وضوابط رأس المال. تروّج هذه المقاربة أيضًا للعولمة المالية، بحجة أن الاستثمار سيجد أكثر استخداماته إنتاجية على الصعيد العالمي إذا لم تُعِقه القيود الحكومية[53].
  6. الاختيار العامّ: تُعَدّ نظرية الاختيار العامّ من النظريات المهمة المكملة للنيوليبرالية. ويطبِّق الاختيار العامّ منطق المصلحة الذاتية للسوق على الجهات الفاعلة السياسية، مفترِضًا أن السياسيين والبيروقراطيين ليسوا مُخطِّطين خَيِّرين، بل هم أفراد ذوو دوافع خاصة، منها على سبيل المثال الفوز في الانتخابات. ويتوافق هذا المنظور مع النظرة التشكيكية للنيوليبراليين بشأن الدولة، فهو يؤكد على أن تدخّلات الدولة غالبًا ما تقود إلى الإخفاق، ليس بسبب مشكلات تشتّت المعرفة التي أشار إلها هايك فحسب، إنما أيضًا بسبب الحوافز المؤسَّسية التي تؤدي إلى إخفاق الحكومة، مثل السعي وراء الريع[54]. هذا يعني ضمنًا أنه ينبغي نقل كثير من الوظائف من القطاع العامّ إلى القطاع الخاص، أو على الأقل تصميمها لاستغلال الحوافز الشبيهة بحوافز السوق، لأن الحكومات عرضة لعدم الكفاءة والاستيلاء عليها من جماعات المصالح.

من حيث المنهجية، يميل الاقتصاديون النيوليبراليون إلى تفضيل النمذجة الكَمية والتحليل التجريبي الذي يسلّط الضوء على نتائج السوق. وقد اشتُهرت مدرسة شيكاغو للاقتصاد، وهي مصدر رئيس للتفكير النيوليبرالي، بتطبيقها الصارم لنظرية الأسعار والإحصاءات لإثبات فوائد الأسواق في مجموعة متنوّعة من السياقات[55]. على سبيل المثال، أنتج اقتصاديو مدرسة شيكاغو دراسات تدّعي أن التنظيم غالبًا ما ينتهي به الأمر إلى خدمة القطاع المنظّم (نظرية الاستيلاء التنظيمي{{نظرية الاستيلاء التنظيمي (Regulatory Capture Theory): نظرية لجورج ستيغلر تنصّ على أن الهيئات التنظيمية تميل بمرور الزمن إلى خدمة مصالح القطاعات التي من المفترض أن تُنظِّمها، بدلًا من خدمة المصلحة العامّة الأوسع نطاقًا. ومن هذا المنظور، تتشكّل اللوائح التنظيمية بفعل الحوافز، وتفاوت المعلومات، والتأثير المنظَّم، ما يسمح للشركات الخاضعة للتنظيم بتأمين سياسات تحمي مكانتها في السوق، أو تمنحها مزايا اقتصادية.}})، أو أن قوانين الحد الأدنى للأجور يمكن أن تزيد من البطالة بين العُمّال ذوي المهارات المنخفضة. وغالبًا ما تؤدي هذه المقاربة إلى توصيات بخوصصة البرامج "غير المُربِحة"، بالمعنى الدقيق للمصطلح، أو إلغائها.

وإنْ كانت المنطلقات الاقتصادية تكمُن في صميم النيوليبرالية، فهذا المذهب له أيضًا خلفية فلسفية أوسع نطاقًا بشأن العلاقة السليمة بين الأفراد والأسواق والدولة؛ إذ يدافع النيوليبراليون عن الحرية السلبية التي تُفهَم كقيمة سياسية أساسية بوصفها غيابًا للقسر والإكراه. وتمثّل الأسواق -في نظرهم- التجسيد المؤسّسي لهذه الحرية، إذ تسمح بالتبادل الطوعي من دون توجيه مركزي[56].

كذلك تمثّل الدستورية حجر زاوية في الفكر السياسي النيوليبرالي، فإدراكًا منهم للحاجة إلى وظائف مُعيَّنة للدولة، يدعو النيوليبراليون إلى فرض قيود دستورية تحدّ من السلطة التقديرية للحكومة، وتحمي الحريات الاقتصادية للأغلبية الديمقراطية. وينبغي لهذه القواعد، وليس للسلطة التقديرية، أن تحكم السياسة بما يدرأ الممارسة التعسّفية للسلطة التي تهدّد الكفاءة الاقتصادية والحرية الفردية[57].

تكتسب سيادة القانون -كما صاغها فريدريك هايك- أهمية خاصة في الفلسفة السياسية النيوليبرالية، وينبغي من هذا المنظور أن يضع القانون قواعدَ عامّة ومجرّدة تنطبق على الجميع، بدلًا من وضع قواعد محدّدة موجّهة إلى أفراد أو مجموعات مُعيَّنة. وهذا ما يمنع الدولة من التمييز أو مُحاباة مصالح مُعيَّنة، ويسمح للأفراد بتخطيط شؤونهم بيقينٍ معقول بشأن المستقبل[58].

يظل أنه، على الرغم من جميع هذه النظريات والمبادئ والمنهجيات المشتركة، فإنّ النيوليبرالية ليست متجانسة، بل ثمة كثير من الاختلافات الداخلية في أولوياتها، ما تَنتُج عنه تيارات نيوليبرالية متعدّدة.

أنماطها

الليبرالية الأنكلو-أميركية

ارتبط النمط النيوليبرالي الذي ظهر في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا في ثمانينيات القرن العشرين بالتركيز على إلغاء القيود، والخوصصة، والتخفيضات الضريبية، مع تقليل المنافع الاجتماعية. وقد أوضح البرنامج الاقتصادي لإدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغان، الذي جمع بين التخفيضات الضريبية، وزيادة الإنفاق الدفاعي، والتشديد النقدي، هذه المقاربة في سياق الولايات المتحدة الأميركية[59]. كذلك مثّلت التاتشرية في بريطانيا مشروعًا سياسيًا أكثر شمولًا، يجمع بين التحرير الاقتصادي، والجهود الرامية إلى تغيير القِيَم الاجتماعية، وإضعاف مصادر المعارضة التقليدية، ولا سيما النقابات العُمّالية. وقد كانت خوصصة الإسكان الاجتماعي من خلال برنامج "الحق في الشراء" (Right to Buy)، الذي سُنّ من خلال قانون الإسكان لعام 1980 (Housing Act)، تهدف صراحة إلى خلق طبقة عاملة مالكة للمنازل، بحيث تكون أكثر تقبّلًا لسياسات السوق[60].

وركّزت حوكمة الشركات في الاقتصادات الأنكلو-أميركية على نحو متزايد على قيمة المُسهمين بوصفها مؤشرًا أساسيًا للأداء، ما أدى إلى آفاق زمنية أقصر لقرارات الاستثمار، وزيادة الضغط من أجل اتّخاذ تدابير لخفض التكاليف، بما في ذلك العمل المرن. وقد نما القطاع المالي بشكل كبير، سواء من حيث الحجم النسبي أم النفوذ السياسي، في عملية يُشار إليها باسم الأمولة (Financialization)[61]، بينما تضرّرت من ذلك الفئات الاجتماعية الأقلّ دخلًا.

الليبرالية النظامية الألمانية

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

تُمثِّل الليبرالية النظامية الألمانية، التي طوّرها اقتصاديون مثل والتر أوكن وفيلهلم روبكه وألكسندر روستو بين الحربَيْن العالميتَيْن وبعد الحرب العالمية الثانية، نوعًا مُعيَّنًا من التفكير النيوليبرالي الذي أثّر بشكل كبير في السياسة الاقتصادية الألمانية، ولاحقًا في مؤسسات الاتحاد الأوروبي. أكّد الليبراليون النظاميون على الحاجة إلى دولة قوية لوضع قواعد المنافسة في السوق وتطبيقها، مع تجنّب أيّ تدخل مباشر في عمليات السوق[62].

وقد كان مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي (Soziale Marktwirtschaft)، المرتبط بوزير الاقتصاد الألماني لودفيغ إيرهارد (Ludwig Erhard، 1897-1977)، يهدف إلى الجمع بين كفاءة السوق والتماسك الاجتماعي، من خلال برامج التأمين الاجتماعي الشامل، وسياسات سوق العمل النشطة، والعلاقات الصناعية التعاونية. وكان شكلًا من أشكال اقتصاد السوق الأكثر تجذرًا اجتماعيًا من النموذج الأنكلو-أميركي[63].

تتجلّى التأثيرات الليبرالية النظامية في مقاربة الاتحاد الأوروبي للتكامل الاقتصادي، ولا سيما في مجالات مثل سياسة المنافسة والقواعد النقدية، إذ يعكس تركيز البنك المركزي الأوروبي على استقرار الأسعار، واللوائح الصارمة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على المعونة الحكومية المقدّمة إلى قطاع الأعمال التجارية، اهتماماتٍ ليبراليةً نظامية لحماية المنافسة في السوق من التضخّم، ومن المحسوبية الحكومية[64].

النيوليبرالية التنموية في شرق آسيا

جمعت عدّة اقتصادات شرق آسيوية بين تحرير السوق الانتقائي والتوجّه القوي للدولة نحو التنمية الاقتصادية، الأمر الذي أحدث ما سمّاه بعض الباحثين النيوليبرالية التنموية؛ ففي بلدان مثل كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة، حافظت الحكومات على سيطرة كبيرة على التدفّقات المالية، ودعمت الصناعات الاستراتيجية، وعزّزت بنشاط القدرة التنافسية للصادرات، مع تحرير قطاعات محدّدة تدريجيًا[65].

وتُعَدّ الإصلاحات الاقتصادية التي أُجريت في الصين منذ عام 1978 مثالًا بارزًا على تحرير السوق الانتقائي، في ظلّ سيطرة سياسية سلطوية مستمرة؛ فقد اعتمدت الحكومة الصينية آليات السوق والمشروعات الخاصة في كثير من القطاعات، مع الحفاظ على ملكية الدولة للصناعات عالية التقنية، وممارسة سيطرة كبيرة على تدفّقات الاستثمار. وقد وُصف ذلك بأنه "رأسمالية الدولة"، أو "رأسمالية سلطوية"، بدلًا من النيوليبرالية الصريحة[66].

بذلك، تسلّط تجربة شرق آسيا الضوء على أوجه التكامُل المحتملة في الاقتصادات النامية بين أشكال مُعيَّنة من تدخّل الدولة والمنافسة في السوق. ومع ذلك، دفعت الأزمة المالية الآسيوية بين عامَي 1997-1998 كثيرًا من البلدان إلى زيادة تحرير الأسواق المالية، تحت ضغط صندوق النقد الدولي[67].

في أميركا اللاتينية

كانت أميركا اللاتينية بمنزلة مختبر للسياسات النيوليبرالية منذ الإصلاحات الاقتصادية التشيلية في سبعينيات القرن العشرين. وخلال عقدَي الثمانينيات والتسعينيات، نفّذت كثيرٌ من بلدان أميركا اللاتينية برامجَ إصلاحات واسعة النطاق موجّهة نحو السوق، استجابةً لأزمات الديون والتضخّم المفرط. شملت هذه الإصلاحات: تحرير التجارة، وخوصصة الشركات المملوكة للدولة، وإصلاح المعاشات التقاعدية، واستقلالية البنك المركزي، والتقشّف المالي[68].

كانت نتائج هذه الإصلاحات مُتباينة ومحلّ خلاف كبير، فقد شهدت بلدان مثل تشيلي لعدة سنوات عقب بدء الإصلاحات، نموًا اقتصاديًا مُستدامًا، ولكن ظلّت مستويات عدم المساواة فيها مرتفعة، بينما شهدت بلدان أخرى نتائجَ مُتباينة. فقد أسهم إخفاق إصلاحات السوق في تحقيق رخاء مشترك على نطاق واسع في ظهور "موجة وردية" من الحكومات اليسارية في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، في بلدان مثل البرازيل والأرجنتين وبوليفيا وفنزويلا، على الرغم من أن كثيرًا منها احتفظت بالعناصر الرئيسة للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية[69].

وفي الآونة الأخيرة، اعتمدت عدّة بلدان في أميركا اللاتينية مقاربات أكثر واقعية، تجمع بين سياسات الاقتصاد الكُلّي القائمة على السوق، والبرامج الاجتماعية الموسّعة مثل التحويلات النقدية المشروطة[70]. وتحاول هذه النماذج الهجينة التوفيق بين التحرير الاقتصادي وزيادة التركيز على الحدّ من الفقر والإدماج الاجتماعي[71].

مقاربات الطريق الثالث في البلدان الإسكندنافية

وضعت بلدان الشمال الأوروبي الإسكندنافية (السويد والدنمارك والنرويج) مقاربات فريدة تجمع بين عناصر السياسة النيوليبرالية، ودول الرفاه القوية، وسياسات سوق العمل النشطة. وفي أعقاب الأزمات الاقتصادية في أوائل تسعينيات القرن العشرين، نفّذت هذه البلدان مجموعة متنوّعة من الإصلاحات الموجّهة نحو السوق، شملت إعادة هيكلة نُظم المعاشات التقاعدية، وتغييرات في إدارة القطاع العامّ، علاوة على بعض الخوصصة، مع الحفاظ على مستويات عالية من الحماية الاجتماعية والخدمات العامة[72].

يتّسم بذلك النموذج الإسكندنافي باقتصادات السوق التنافسية ذات أسواق العمل المرنة، مدعومةً بشبكات أمان اجتماعي قوية، وأنظمة تعليم وصحة شاملة، وعلاقات صناعية تعاونية. ويساعد التدريب المهني المكثّف، وخدمات التوظيف واسعة النطاق، العُمّالَ على التكيّف مع التغيّر الاقتصادي، مع الحدّ من البطالة طويلة الأمد. وتدعم معدّلات الضرائب المرتفعة هذه البرامج، بيد أن الأُطر التنظيمية تظلّ مع ذلك مواتية للأعمال التجارية[73].

تشير تجربة بلدان الشمال الأوروبي إلى أن بعض عناصر السياسة النيوليبرالية يمكن أن تقترن بفاعلية بمؤسّسات قوية للحماية الاجتماعية، ما يتناقض مع الآراء الأكثر تبسيطًا، التي تقول إن النيوليبرالية تتطلّب بالضرورة تفكيك هذه المؤسسات. ومع ذلك، فإن هذه النماذج الهجينة تواجه تحديات مستمرة من العولمة الاقتصادية، والتغير الديموغرافي، والضغوط السياسية[74].

النيوليبرالية والديمقراطية

العلاقة بين النيوليبرالية والديمقراطية مركّبة وإشكالية، ضمن ما يُسمّيه عزمي بشارة "التفاعل الجدلي بين المبدأ الديمقراطي والمبدأ الليبرالي"[75]؛ فبلسان فريدريك هايك نفسه: "الليبرالية والديمقراطية، على الرغم من توافقهما، إلا أنهما ليستا متطابقتَيْن [...] وتظهر الاختلافات بشكل أكثر وضوحًا عندما ننظر إلى نقيضها؛ فنقيض الليبرالية هو الشمولية، بينما عكس الديمقراطية هو الاستبداد. نتيجةً لذلك، على الأقلّ من حيث المبدأ، من الممكن أن تكون حكومةٌ ديمقراطيةٌ شموليةً، وأن تعمل حكومة استبدادية على أساس المبادئ الليبرالية"[76]. فالمقاربة النيوليبرالية تفترض أنه لا يوجد تمييز مسبَق بين عالم "السياسي" وعالم "الاقتصادي"، ومن ثمّ لا تختلف كثيرًا الطريقة التي يتصرّف بها الأفراد في السوق عن الطريقة التي يتصرّفون بها في النظام السياسي. غير أن النيوليبرالية تفترض أن الديمقراطية يمكن أن تقوّض الحرية الاقتصادية، لذا فهي ترى أن الليبرالية الاقتصادية ينبغي أن يكون لها قدم السبق. لا غرو إذًا ذهاب فريدريك هايك خلال زيارته إلى تشيلي عام 1981 (تحت حكم الدكتاتور أوغستو بينوشيه) إلى القول: "أنا شخصيًا أُفضّلُ الدكتاتور الليبرالي على الحكومة الديمقراطية التي تفتقر إلى الليبرالية"[77].

ومن ثم، فإن التقارب التاريخي بين السياسات النيوليبرالية والمؤسسات الديمقراطية خلال "الموجة الثالثة" من التحوّل الديمقراطي، يرجع إلى عوامل دورية أكثر منها بنيوية، وقد أسهمت فيها قنوات متعددة. ففي بعض السياقات، مهّدت عملية الدمقرطة الطريقَ لإصلاحات السوق التي كانت تلقى مقاومة في السابق في ظل الأنظمة السلطوية[78]. وفي سياقات أخرى، ولا سيما في البلدان التي شهدت مسارًا للخروج من الاشتراكية، رُبط بشكلٍ صريح بين السوق والدمقرطة بوصفهما جانبَيْن مكمّلَيْن للتحوّل الليبرالي[79]. وقد عزّزت المؤسسات المالية الدولية هذا الاقتران، من خلال جعل التحرير الاقتصادي شرطًا للتحوّل الديمقراطي في الدول النامية[80]. غير أن هذا التكامل الظاهري أخفى توتّرات أعمق[81]؛ فمع توسّع الديمقراطية الانتخابية على مستوى العالم، تقلّص حيّز بدائل السياسات الاقتصادية، وحدّ انضباط السوق، وحركة رأس المال، وآليات الحوكمة فوق- الوطنية، من الخيارات الديمقراطية.

لذلك، ثمة تمايُزات كبيرة في مقاربة الباحثين لعلاقة النيوليبرالية بالديمقراطية، وبما هو سياسي على نحو أشمل؛ فمن جهة، يتبيّن مثلًا أن ميشيل فوكو (Michel Foucault، 1926-1984) لا ينظر إلى النيوليبرالية بوصفها مرحلة من مراحل الرأسمالية على غرار الماركسيين، بل بوصفها تنبُع من نمط مُعيَّن من الحكم والإنتاج، وحتى أحد أشكال الذات الحديثة بوصفها إنسانًا اقتصاديًا {{الإنسان الاقتصادي (Homo Economicus): هو مفهوم نظري في علم الاقتصاد، يُصوِّر الأفراد على أنهم فاعلون عقلانيون تمامًا، ومهتمّون بمصالحهم الخاصة، ويسعون باستمرار إلى تعظيم المنفعة، في ظل توفّر المعلومات الكاملة واستقرار التفضيلات. يُعَدّ هذا المفهوم معيارًا تحليليًا في النظرية الاقتصادية، على الرغم من أن الافتراضات السلوكية التي يقوم عليها غالبًا ما تخضع للتحفّظ أو الانتقاد في الأبحاث المعاصرة.}}. بالنسبة إلى فوكو، تُعَدّ النيوليبرالية شكلًا جديدًا من نمط الحكم (Governmentality) يختلف عن سابقيه، من حيث إنه يُنظِّم البيئة بطريقة تجعل الأفراد يتصرّفون فيها بحرية وفقًا لأساليب هذا التنظيم[82].

ومن ثمّ، تُعيد النيوليبرالية في هذا المنظور تعريف الموضوع الاقتصادي بوصفه قابلًا للتكيّف مع متغيّرات السوق، أي بوصفه "رأس مال بشري" و"مقاولة"، كما اقترح ذلك غاري بيكر[83]. كذلك تُعيد تعريف وظيفة الحكومة بوصفها فنًّا لخلق ظروف النجاعة الاقتصادية والحفاظ عليها. نتيجةً لذلك، يوسّع نمط الحكم النيوليبرالي المنطق الاقتصادي ليشمل جميع جوانب الحياة؛ إذ يرى الأفراد أنفسهم رُوّاد أعمال مسؤولين عن نتائجهم الخاصة، على حساب مفاهيم المصلحة العامّة أو المداولات الجماعية. بتعبيرٍ آخر، يجري إفقار القِيَم الديمقراطية مثل المساواة والمشاركة والتداول، واستبدالها بأخلاقيات السوق التنافسية التي تُقيِّم السياسات وفقًا للكفاءة أو الربحية، بدلًا من العدالة أو الإرادة الشعبية[84]. وتشمل المظاهر الملموسة لذلك تفويض عملية صُنع السياسات إلى هيئات تكنوقراطية معزولة عن الناخبين، مثل البنوك المركزية المستقلّة والمحاكم التجارية، وهو ما يجعل كثيرًا من الانتقادات ترى في ذلك انعكاسًا لعدم ثقة النيوليبرالية بالجماهير، وتفضيلها حوكمة النُّخبة التي تُرضي الأسواق[85].

في حين أن مقاربات أخرى تؤكد على تغييب النموذج النيوليبرالي لمبدأ المُساواة الأساسي في الديمقراطية، الذي من دونه تصبح الحرية -التي تتّخذها النيوليبرالية أساسًا وحيدًا- شكليةً وجوفاء. في هذا الصدد، يؤكّد عزمي بشارة وجود "صراع بين الحريات الليبرالية بفهمها الابتدائي الذي يُطلِق العنان لحقوق الملكية وقوانين السوق، وتتلاشى فيه التزامات الفرد للمجال العامّ في مقابل حرياته من جهة، ومبدأ المساواة بين البشر من جهة أخرى. وثمة صراع بين مبدأ المساواة بفهمه الابتدائي أيضًا، الذي يقيّد حرية الاختيار في كثير من القضايا من جهة، والحريات من جهة أخرى [...] إن إطلاق الحريات للجميع من دون توافر المساواة في شروط تحقيقها يفرّغها من أي مضمون عملي، ويحوّلها حريات نظرية غير ممارسة وغير ممكنة التحقيق [...] فممارسة الحرية لا تتعلّق بالإرادة فحسب، بل بالقدرة أيضًا، ومن الطبيعي أن تكون الأولوية في الدول الديمقراطية للمطالب المتعلّقة بالمساواة، وتوفير الأوضاع الحياتية لممارسة الحقوق والحريات"[86].

يأتي هذا الصراع الدائم بين الحرية والمساواة -وفقًا لعزمي بشارة- ليؤسّس للأزمة الدائمة للديمقراطية، ويفتح نافذةً للشعبوية[87]، ولا سيما في ظلّ "الفسخ النيوليبرالي بين الديمقراطية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية، أو بين مبدأَي الحرية والمساواة"[88]، خلال مرحلة دولة الرّفاه الرأسمالية. توجد أيضًا ضمن هذه المقاربات مقاربة بيار بورديو (Pierre Bourdieu، 1930-2002)، التي تتجاوز الرؤية النمطية والمبسّطة للنيوليبرالية بوصفها إعادة تفعيل بسيطة لسياسة عدم التدخّل، وامتدادًا لمنطق السوق إلى جميع المجالات الاجتماعية، وانسحاب الدولة من الشؤون الاقتصادية، وانسحاب الدولة من منطق السوق، للتركيز على دور الفعل العمومي في بناء نظام السوق[89]، وامتداده إلى قطاعات كانت غير مشمولة فيه مثل الصحة والتعليم، من خلال إضفاء الشرعية على الخطاب الاقتصادي للخبراء واللِّجان وكبار المسؤولين. فبالنسبة إلى بورديو، لا يكفي جعل الاقتصاد النموذج الذي جرى من خلاله تصوّر المشروع النيوليبرالي، بل ينبغي النظر إليه بوصفه مشروعًا لإضفاء الشرعية على شكل جديد من أشكال الهيمنة السياسية، فهو يرى أن الثورة المحافظة للنيوليبرالية قد تمثّلت في الاعتراف بالمبدأ النهائي للشرعية في جميع المجالات، وهو ما يُحدِّد القيمة في المجال الاقتصادي: أي تراكم رأس المال الاقتصادي. بتعبيرٍ آخر، ما هو على المحكّ في هذا الصراع، هو هيمنة شكل واحد من أشكال رأس المال (رأس المال الاقتصادي) على جميع الأشكال الأخرى (لا سيما رأس المال الثقافي). لذلك، فإن بورديو يرى النيوليبرالية مشروعًا سياسيًا لنزع السمة السياسية[90]، يهدف إلى جعل الأسواق مستقلة عن السلطة السياسية قدر الإمكان، وتخضع لحكم اللُّعبة التنافسية فحسب. ولا يشمل ذلك فقط سحب بعض القطاعات الحيوية مثل التعليم أو البريد أو النقل أو البنى التحتية من سلطة الدولة[91]، إنما أيضًا بعض الوظائف السيادية[92]. وفي نهاية المطاف، "يمكن للدولة أن تختفي" لمصلحة السوق ذاتية التنظيم[93].

كذلك ينتقد بعضهم ما يُسمّى "الأبوية النيوليبرالية"[94]، مُشيرين إلى أن الدول النيوليبرالية أصبحت أكثر عقابيةً للمواطنين، في الوقت ذاته الذي تخفّض فيه الرعاية الاجتماعية وتزيد من المراقبة والرقابة والشرطة والسجن، للتعامل مع التداعيات الاجتماعية (مثل الجريمة والتشرّد) لعدم المساواة الناجمة عن السوق، ما يُقوِّض الحريات المدنية ويزيد من حدّة التفاوتات العرقية والطبقية[95]. ويربط باحثون آخرون بين الإصلاحات النيوليبرالية وتراجع المشاركة المدنية والثقة؛ فعندما تُصوَّر الحكومة على أنها غير فعّالة أو فاسدة، وتُسوَّق كثيرٌ من السلع العامّة، قد يصبح المواطنون أكثر عزوفًا عن الحياة المجتمعية، ما يؤدي إلى تآكُل النسيج المدني الذي تقوم عليه الديمقراطية[96]، ذلك أن تركيز النيوليبرالية على المسؤولية الفردية والمنافسة، له عواقب على المشاركة المدنية، فمن خلال الترويج لرؤية المواطنين بوصفهم مستهلكين لا بوصفهم مشاركين فاعلين في العمليات الديمقراطية، فإن النيوليبرالية تُضعِف العمل الجماعي الضروري للتداول والعمل الديمقراطي؛ إذ يسهم هذا التحوّل في اللامبالاة السياسية، وفي تراجع ثقة الجمهور في المؤسسات الديمقراطية.

الشخصيات والإسهامات الفكرية البارزة

ترتبط النيوليبرالية، بوصفها أيديولوجية متطوّرة، ارتباطًا وثيقًا بمجموعة من الاقتصاديين والمثقّفين المؤثرين الذين صاغوا مذاهبها ودعوا إلى تطبيقها. من بين هؤلاء، يبرز فريدريك هايك وميلتون فريدمان، إلى جانب مؤسسات مثل مدرسة شيكاغو للاقتصاد التي روّجت لأفكارهما.

فريدريك هايك

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

يُعَدّ فريدريك هايك أحد الاقتصاديين والفلاسفة المؤسّسين للنيوليبرالية، فقد شكّلت تجربته في أوروبا في أوائل القرن العشرين، عندما شهد انهيار الاقتصادات الليبرالية الكلاسيكية خلال الكساد الكبير وصعود الأنظمة الشمولية، تفكيرَه بشكل عميق. وحذّر في أشهر أعماله الطريق إلى العبودية في عام 1944، من أن التخطيط الاقتصادي الحكومي والسياسات الجماعية، مهما كانت حميدة في البداية، ستؤدي حتمًا إلى فقدان الحريات الفردية وصعود الاستبداد[97]. جادل هايك كذلك بأن التخطيط المركزي للاقتصاد يتطلّب درجة عالية من القسر والإكراه، وقمعًا واسع النطاق للمعلومات، بحيث من شأنه أن يقود المجتمعات إلى "طريق العبودية"، ويقوّض الديمقراطية والحرية في آن معًا[98].

لقد جعل نقد هايك للاشتراكية والتدخّل الكينزي منه أحد أهمّ رموز السوق الحرة، فعلاوة على كتاب الطريق إلى العبودية، قدّم إسهامات عدّة في النظرية الاقتصادية، من خلال عمله على إشارات الأسعار وتشتّت المعرفة، ومن خلال أطروحاته اللاحقة مثل دستور الحرية عام 1960[99]، والقانون والتشريع والحرية الذي نُشر بين عامَي 1973-1979. في هذه الأطروحات، وضع هايك رؤية شاملة لمجتمع تحكمه قواعد مجرّدة للسلوك الصحيح، حيث يتمثّل دور الدولة في المقام الأول في الحفاظ على الإطار العامّ للنظام التلقائي، بهدف حماية الملكية، وإنفاذ العقود، والحفاظ على المنافسة، من غير السعي إلى التحكّم في الأفراد أو توجيه النتائج[100]. وقد أكد بذلك على الأهمية المطلقة للفرد والفردية، من منطلق أن كل شخص ينبغي أن يكون حرًّا في السعي لتحقيق غاياته الخاصة، مسترشِدًا بمعرفته الخاصة، ضمن نظام قانوني عامّ.

على المستوى الإجرائي، كان إنشاء "جمعية مونت بيليرين" عام 1947 من إسهامات هايك المؤسّسية الرئيسة، فقد كانت هذه الجمعية بمنزلة حاضنة للفكر النيوليبرالي، وقد ربطت هايك بمفكّرين آخرين من ذوي التفكير المماثِل حول العالم. وهكذا، كان تأثير هايك في صانعي السياسات اللاحقين ملحوظًا؛ فعلى سبيل المثال، تأثرت رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر تأثرًا عميقًا به، وكانت تحمل نسخة من كتابه دستور الحرية في حقيبة يدها، وقاطعت ذات مرة اجتماعًا سياسيًا لحزب المحافظين من خلال رفع كتابه وإعلانها "هذا ما نؤمن به!"[101].

ميلتون فريدمان

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

بينما وضع فريدريك هايك الأُسس الفلسفية العامّة للنيوليبرالية، وضع ميلتون فريدمان وزملاؤه في جامعة شيكاغو كثيرًا من نظرياتها الاقتصادية الملموسة، ونشروها في الأوساط السياسية، بدءًا من خمسينيات القرن العشرين. فقد دافع الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1976 عن اقتصاد السوق، وكانت بداية إسهاماته المؤثّرة سلسلةً من الدراسات التي أجراها في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين -مع آنا شوارتز (Anna Schwartz)- حول التاريخ الاقتصادي والنظرية النقدية، التي نتَج عنها كتاب التاريخ النقدي للولايات المتحدة: 1867-1960 في عام 1963[102]، حيث أظهرا أن سوء إدارة الاحتياطي الفدرالي للمعروض النقدي أدى إلى تفاقم الكساد الكبير، ما عزّز حجّة أن النمو النقدي المستقرّ كان ضروريًا، وأن السياسة النقدية -ومن ثمّ المالية- النشطة يمكن أن تُضِرّ أكثر ممّا تنفع. قاد ذلك فريدمان إلى صوغ النظرية النقدية التي أصبحت عنصرًا اقتصاديًا كُلّيًا مركزيًا في السياسة النيوليبرالية[103]. وتحدّت وصفات فريدمان النقدية، التي تدعو البنوك المركزية إلى التركيز على السيطرة على التضخّم فحسب في الغالب، من خلال قواعد مثل معدّل نمو ثابت للمعروض النقدي، بشكل مباشر الإجماعَ الكينزي بشأن التحفيز المالي التقديري لإدارة الطلب. وفي أواخر السبعينيات، كان للنزعة النقدية تأثير كبير، كما يتّضح من اعتماد الاحتياطي الفدرالي بقيادة بول ڨولكر (Paul Volcker، 1927-2019) للرقابة النقدية الصارمة للتحكّم في التضخّم في المدة 1979-1982، وهو إجراء دعمه فريدمان[104].

وراء إسهاماته في الاقتصاد الكُلّي، صاغ فريدمان حججًا مؤثرة لمصلحة الحرية الفردية ومحدودية تدخّل الدولة، وقد أصبح كتابه الرأسمالية والحرية في عام 1962[105] بيانًا نيوليبراليًا، وفيه حلّل بشكل منهجي مختلف مجالات السياسة العامّة، وجادل لمصلحة حلول السوق الحرة؛ فقد دعا إلى تعويم أسعار الصرف على خلاف أسعار بريتون وودز الثابتة، وإلغاء التعريفات الجمركية، واستبدال التجنيد الإجباري بجيش من المتطوّعين فحسب، وإلغاء القيود على المهن، وفرض ضريبة دخل سلبية كآلية مبسّطة للرعاية الاجتماعية، لتحلّ محلّ البرامج الاجتماعية المعقّدة[106].

يشار إلى أن فريدمان روّج لأفكاره أيضًا من خلال كتاب (والمسلسل التلفزيوني) حرّ في الاختيار (Free to Choose)، الذي كتبه بالاشتراك مع زوجته روز فريدمان (Rose Friedman) في عام 1980[107]، إذ وصل الكتاب إلى جمهور واسع بفضل البثّ التلفزيوني، ووضع مزايا الأسواق الحرّة في لغة الحياة اليومية، ما أثّر في الرأي العامّ لمصلحة الأفكار النيوليبرالية في الولايات المتحدة الأميركية وخارجها.

قدّم فريدمان كذلك المشورة لكثير من القادة السياسيين، وكان له تأثير غير رسمي في فريق الرئيس الأميركي رونالد ريغان. وقد زار تشيلي أيضًا عام 1975 لحضور مؤتمر عن السياسة الاقتصادية، وكانت هذه الرحلة ذات أهمية رمزية مهمة في الموافقة على إصلاحات السوق الحرة في تشيلي.

مدرسة شيكاغو

ضمّت مدرسة شيكاغو للاقتصاد، التي قادها فريدمان أيضًا، شخصيات اقتصادية بارزة أخرى أسهمت في تطوير الفكر النيوليبرالي؛ فقد طوّر الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1982، جورج ستيغلر، نظرية الاستيلاء التنظيمي[108]، التي بموجبها غالبًا ما ينتهي الأمر بالوكالات التنظيمية إلى خدمة مصالح الصناعات التي تُنظِّمها بدلًا من مصالح الجمهور، ما يعزّز حجّة إلغاء الضوابط التنظيمية.

أيضًا، وسّع غاري بيكر نطاق التحليل الاقتصادي ليشمل السلوك البشري، مؤيدًا وجهة النظر النيوليبرالية التي ترى أن مبادئ السوق يمكن أن تفسّر المشكلات الاجتماعية[109]. وجادل ريتشارد بوسنر (Richard Posner) وغيره من علماء القانون والاقتصاد، وجلّهم من المنتسبين إلى مدرسة شيكاغو، بأن القانون العامّ يميل نحو الكفاءة، وأن القواعد القانونية ينبغي أن تصمَّم لمحاكاة نتائج السوق؛ فعلى سبيل المثال، كانت أعمال بوسنر في سبعينيات القرن الماضي تُوصي بمعايير التكلفة والمنفعة في القرارات القضائية[110].

أيضًا، غالبًا ما يرتبط اسم الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1986، جيمس بوكانان (James Buchanan، 1919-2013)، بالمفكّرين النيوليبراليين، على الرغم من أنه كان في جامعة فيرجينيا ثم جامعة جورج ميسون، وليس في جامعة شيكاغو. فهو رائد نظرية الاختيار العامّ، إذ درس كيفية عمل المصلحة الذاتية والحوافز في عملية صُنع القرار السياسي[111]. لقد قدَّم عمل بوكانان تبريرًا فكريًا للتحكّم في الحكم الديمقراطي من خلال القيود الدستورية، وتعديلات الميزانية المتوازنة، والبنوك المركزية المستقلّة، وهي أفكار متوافقة مع التركيز النيوليبرالي على الحدّ من نطاق عمل الدولة[112].

تولّى عدد من الاقتصاديين الذين تلقّوا تدريبهم في شيكاغو مناصبَ حكوميةً في الثمانينيات في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، مُواصلين بذلك ثورة فريدمان النيوليبرالية. وتجلّى ذلك في تبنّي سياسات مثل استهداف التضخّم من طرف البنوك المركزية على نطاق واسع، وعمليات الخوصصة الضخمة، وإلغاء القيود التنظيمية في أواخر القرن العشرين، وشعار "لا يوجد شيء اسمه وجبة غداء مجانية"[113].

المسهمون الإضافيون

فضلًا عن هايك وفريدمان وبوكانان، أسهمت أيضًا مجموعة من المفكّرين والمؤسسات في تعزيز تطوّر النيوليبرالية؛ فقد دافع لودفيغ فون ميزس، وهو أستاذ فريدريك هايك، عن رأسمالية عدم التدخّل الصلبة، وأثّر في التيارات النمساوية والأميركية التحرّرية للفكر النيوليبرالي. كذلك، قدّم بيتر دراكر (Peter Drucker، 1909-2005) ومايكل بولانيي (Michael Polanyi، 1891-1976) انتقادات مبكّرة للتخطيط المركزي، كانت ذات تأثير بالغ في الإبستيمولوجيا النيوليبرالية.

وعلى مدار العقود التالية، شملت الأفكار النيوليبرالية الأوساط الأكاديمية وقطاع الأعمال ووسائل الإعلام ومراكز الفكر السياسي، التي عملت على صقلها ونشرها على نطاق واسع[114]. وتشمل مراكز الأبحاث الرائدة في مجال السوق الحرة: معهد المشروع الأميركي لأبحاث السياسة العامة (American Enterprise Institute for Public Policy Research)؛ ومؤسسة التراث (The Heritage Foundation)؛ ومعهد كاتو (Cato Institute)؛ ومعهد الشؤون الاقتصادية (Institute of Economic Affairs). وقد ترجمت هذه المنظمات النظريات الأكاديمية النيوليبرالية إلى خطط عمل ومناصرة سياسية، فعلى سبيل المثال، نشر معهد الشؤون الاقتصادية البريطاني منشورات ودراسات طوال ستينيات القرن الماضي وسبعينياته تدعو إلى حلول السوق الحرة، وقد أثّرت بقوة في صانعي السياسات التاتشرية[115]. كذلك دعت كلٌّ من مؤسسة التراث ومعهد كاتو في الولايات المتحدة الأميركية إلى إلغاء الضوابط التنظيمية والتخفيضات الضريبية، ولاحقًا خوصصة الضمان الاجتماعي خلال حقبة رونالد ريغان.

أيضًا، أسهم أكاديميون من تخصّصات أخرى في نقد الفكر النيوليبرالي أو توسيع نطاقه. وعلى الرغم من أن هذه التحليلات لم تكُن بالضرورة من مؤيّدي النيوليبرالية، فقد أكّدت على اتّساع نطاقها؛ فقد درس الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو -على سبيل المثال- النيوليبرالية بوصفها شكلًا من أنماط الحكم الذي يُنتِج نوعًا جديدًا من الذات، هي "الذات الريادية"[116]، ما يوفّر منظورًا استخدمه عدد من الباحثين اللاحقين في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا لفهم آثار النيوليبرالية في الثقافة والذاتية.

الاختلافات الجغرافية والثقافية

إذا كانت النيوليبرالية تقدّم عمومًا نموذجًا للإصلاحات الموجّهة نحو السوق، فإن تطبيقاتها اختلفت وفقًا للسياقات التاريخية والجغرافية والثقافية، ما أنتج تجاربَ إقليمية متمايزة؛ فقد كُيّفت الأفكار النيوليبرالية لتتناسب مع الاقتصادات المحلية والتاريخ السياسي في مختلف مناطق العالم.

النواة الأنكلو-أميركية: الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا

غالبًا ما يُنظر إلى الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا بوصفهما الاقتصادَيْن النموذجيَّيْن للنيوليبرالية منذ ثمانينيات القرن الماضي، فقد نفّذتا الأجندة النيوليبرالية بأكثر الطرق شمولًا. في هذه الديمقراطيات الناطقة باللغة الإنكليزية، مثّلت النيوليبرالية جزءًا من ثقافة سياسية تُضفي تقليديًا قيمة كبيرة على النزعة الفردية والمشروعات الحرة، وهو ما سهّل قبولها وتبيِئَتَها. وهكذا، اتّسمت التاتشرية البريطانية بنوع من السلطوية في سياساتها للخوصصة الجماعية التي امتدّت من شركات الطيران وحتى الخدمات العامّة، وبالحدّ من نفوذ النقابات، وإلغاء القيود المالية، وذلك كله تحت شعار استعادة القدرة التنافُسية للمملكة المتحدة وإنهاء "دولة الرّفاه"[117]. ومن الناحية الثقافية، مثّل ذلك تحوّلًا من الروح الجماعية التي سادت في أعقاب الحرب العالمية الثانية إلى الاحتفاء بريادة الأعمال والاعتماد على الذات. وفي هذا الصدد، أعلنت مارغرت تاتشر: "لا يوجد مجتمع، بل أفراد وعائلاتهم فقط"[118]، مجسِّدةً بذلك الرفض النيوليبرالي للتضامن الجماعي لمصلحة المسؤولية الفردية.

في الولايات المتحدة الأميركية، وجد الدافع النيوليبرالي لدى دونالد ريغان صدًى واسعًا، بحكم عدم ثقة أميركا العميقة تقليديًا في الدولة القوية. وفي أعقاب ولايتَي رونالد ريغان، ترسّخ هذا الإرث النيوليبرالي لدى الحزبَيْن الرئيسَيْن في الولايات المتحدة الأميركية، اللذَيْن تقاربا إلى حدّ كبير حول الأُسس الاقتصادية النيوليبرالية؛ فخلال عقد التسعينيات، واصل الديمقراطي بيل كلينتون سياسة رفع القيود على سبيل المثال، من خلال إلغاء قانون غلاس- ستيغال (Glass-Steagall Act) الذي يفصل بين الخدمات المصرفية التجارية والاستثمارية في عام 1999، وتبنّي سياسات التجارة الحرة على المستوى الدولي، والدفاع عن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، ودعم دخول الصين في منظمة التجارة العالمية، مع الجمع بين هذه التدابير والسياسات الاجتماعية المعتدِلة.

كانت النتيجة الإجمالية في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا مشهدًا اقتصاديًا يتّسم بالقطاعات المالية الدينامية، وأسواق العمل المرنة، والضرائب الرأسمالية المنخفضة، ودول الرفاه الصغيرة نسبيًا، إلى جانب تزايد عدم المساواة والتفاوُتات الإقليمية[119]. وبذلك، أصبح هذان البلدان نموذجَيْن يستشهد بهما أنصار النيوليبرالية للدعوة إلى الإصلاح، في حين أن مُنتقديها يستخدمونهما كأمثلة تحذيرية لعدم المُساواة الاجتماعية.

أوروبا الغربية وبلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية

في أوروبا القارّية، اتّخذت النيوليبرالية شكلًا أكثر اعتدالًا، نظرًا لاستمرار تقاليد دولة الرفاه الراسخة. فقد نفّذت بلدان مثل ألمانيا الغربية قبل إعادة توحيدها، وهولندا، وبلدان الشمال الأوروبي، إصلاحات السوق منذ عقد الثمانينيات، مثل خوصصة بعض الصناعات، وتخفيض معدّلات الضرائب الهامشية، وتحرير أسواق رأس المال، ولكنها احتفظت عمومًا بشبكات أمان اجتماعي أكثر شمولًا، وحماية عُمّالية أكثر من النموذج الأنكلو-أميركي، وهو مزيج يُشار إليه أحيانًا باقتصاديات السوق الاجتماعية[120].

لقد كرّست السوق الموحّدة للاتحاد الأوروبي في عام 1992 حرية حركة السلع ورأس المال والخدمات واليد العاملة، وهي في الأساس رؤية نيوليبرالية لسوق تنافسية بلا حدود في جميع أنحاء أوروبا. كذلك أدى إنشاء منطقة اليورو في عام 1999 إلى ترسيخ المبادئ النيوليبرالية، إذ أصبح البنك المركزي الأوروبي مستقلًّا، مع تفويض وحيد يتمثّل في السيطرة على التضخّم، وهو ما يعكس مُثل المدرسة النقدية. أيضًا، فرضت معايير ماستريخت، وميثاق الاستقرار والنمو في الاتحاد الأوروبي، انضباطَ الميزانية على الدول الأعضاء، من خلال سقوف العجز والديون. وقد حدّت هذه القواعد فوق- الوطنية من نطاق السياسات الوطنية الكينزية التدخّلية، ما أدى إلى الالتزام بالأرثوذكسية المالية والنقدية[121].

ومع ذلك، إن كانت أوروبا الغربية قد اتّجهت إلى حدّ كبير نحو النيوليبرالية، فإن ذلك لم يكُن بالقدر الذي اتّجهت إليه الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، ما أدى إلى ظهور نماذج هجينة موجّهة نحو السوق في كثيرٍ من النواحي، ولكنها لا تزال محمية بمؤسسات جماعية، وإرث من الشراكة الاجتماعية ودولة الرفاه.

نجحت بلدان أخرى في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تحقيق هذا التوازن أيضًا، فقد سعت كندا في التسعينيات إلى إبرام اتفاقات تجارة حرة، ولا سيما "اتفاق التجارة الحرة للاتحاد الجمركي" في عام 1988، و"اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية- نافتا" في عام 1994. وحرَّرت أستراليا نظامها المالي، وسمحت بتعويم عملتها في عام 1983، وخفّضت التعريفات الجمركية، وأصلحت أسواق العمل في ظل حكومتَي حزب العُمّال والليبراليين على حد سواء. كذلك، شهدت نيوزيلندا أحد أكثر التغييرات النيوليبرالية جذرية، عبر الإصلاحات التي عُرفت باسم اقتصاديات روجر(Rogernomics)، المنسوبة إلى وزير المالية روجر دوغلاس(Roger Douglas) بين عامَي 1984-1990، من خلال تحرير الإعانات الزراعية، والتمويل، وما إلى ذلك؛ على الرغم من أنها في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين خفّفت من حدّة هذه الإجراءات النيوليبرالية[122]. أما اليابان، وعلى الرغم من تأثرها بالاتجاهات النيوليبرالية الدولية، فقد حافظت على مقاربة تقودها الدولة، بما يتماشى مع تراثها التنموي الحكومي.

أميركا اللاتينية

مثّلت أميركا اللاتينية مختبرًا لتطبيق السياسات النيوليبرالية، في الغالب بتوجيه من المؤسسات المالية الدولية. فبعد الحالة الرائدة في تشيلي في السبعينيات وأوائل الثمانينيات، تحوّلت عدّة بلدان في أميركا اللاتينية إلى الاستراتيجيات النيوليبرالية، استجابةً لأزمة الديون في الثمانينيات. فقد أجبرت هذه الأزمة، التي واجهت فيها بلدان مثل المكسيك والبرازيل والأرجنتين ديونًا خارجية لا يمكن تحمّلها، الحكومات على طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وقد كانت هذه المساعدة مشروطة باعتماد برامج التقويم الهيكلي، بما يتماشى مع "توافق واشنطن".

على سبيل المثال، حرّرت المكسيك تجارتها في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، من خلال الانضمام إلى "اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية- نافتا" عام 1994، وخوصصت مئات الشركات المملوكة للدولة، من البنوك إلى الاتصالات السلكية واللاسلكية وغيرها، وسيطرت على التضخّم من خلال سياسة نقدية تقييدية[123].

وفي تسعينيات القرن العشرين، أجرت الأرجنتين تحت رئاسة كارلوس منعم (Carlos Menem، 1930-2021) إصلاحات نيوليبرالية كبيرة، فقد ربطت عملتها بالدولار من أجل الحدّ من التضخّم المفرط، وباعت الشركاتِ المملوكةَ للدولة في مجالات النفط وشركات الطيران والمرافق العامّة، وألغت القيود التنظيمية لأسواقها، وانفتحت على التجارة. نتيجةً لهذه الإصلاحات، تمتّعت الأرجنتين في البداية بفترة من التوسّع والانخفاض في معدّل التضخم، وقُدّمت بوصفها قصة نجاح نيوليبرالية، بيد أن ذلك انتهى بانهيار اقتصادي خَطِر بين عامَي 2001-2002، وهو ما عزاه منتقدوها إلى أوجه الجمود ونقاط الضعف في نموذجها النيوليبرالي، على سبيل المثال من خلال سعر الصرف الثابت المبالَغ فيه، والاعتماد المفرط على رأس المال الأجنبي.

طبّقت بوليفيا أيضًا، في ظل "السياسة الاقتصادية الجديدة" لفيكتور باز إستنسورو (Victor Paz Estenssoro، 1907-2001) في عام 1985، والبيرو في عهد ألبرتو فوجيموري (Alberto Fujimori، 1938-2024) في التسعينيات، تحرير التجارة على نطاق واسع، والتقشّف المناهض للتضخّم، والخوصصة في إطار خطط مدعومة من صندوق النقد الدولي[124].

في جميع أنحاء القارة الأميركية الجنوبية، شهد عقد التسعينيات موجة من الخوصصة للخدمات العامّة والموارد الطبيعية، شملت شركات الهاتف، وشركات الطيران، والمناجم، وغالبًا ما اجتذبت المستثمرين الأجانب. وقد أدّت هذه التدابير في بعض الأحيان إلى تحسين الكفاءة والخدمات، ولكنها أثارت أيضًا استياءً شعبيًا بسبب تسريح العمالة، أو ارتفاع الأسعار، أو التصوّر بأن الأصول الوطنية تُباع للأجانب.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

بذلك، كان الأثر الاجتماعي للإصلاحات النيوليبرالية في أميركا اللاتينية مُتباينًا، وهو لا يزال محلّ جدل كبير، إذ يلحظ المؤيدون أن بعض البلدان حقّقت استقرارًا ونموًا أكبر في الاقتصاد الكُلّي بعد التحرير الاقتصادي، بينما يُشير المنتقدون إلى أن عقدَي الثمانينيات والتسعينيات كانا "عقدَيْن ضائعَيْن" إلى حدّ كبير، من حيث نمو الدخل بالنسبة إلى الفئات الاجتماعية الأقلّ دخلًا، فقد ظل مستوى عدم المساواة في عدد من بلدان أميركا اللاتينية مرتفعًا جدًا، أو حتى إنه ازداد خلال مرحلة الإصلاح النيوليبرالي[125]. وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تزايد رفض السياسات النيوليبرالية، ما أسهم في انتخاب حكومات يسارية في موجة "المدّ الوردي"، التي شملت عددًا من بلدان أميركا اللاتينية. على سبيل المثال، وعَدَ هوغو تشافيز (Hugo Chávez، 1954-2013) في فنزويلا في عام 1998 صراحةً بـ"ثورة بوليفارية" رافضة للعولمة النيوليبرالية، بينما أمَّم إيڨو موراليس (Evo Morales) في بوليفيا عام 2006 حقول الغاز، وزاد لولا دا سيلفا (Lula da Silva، 1945-) في البرازيل في عام 2003 من الإنفاق الاجتماعي مع الحفاظ على الأسواق مفتوحة. ويعبّر بعض الباحثين عن هذه المرحلة بالتحوّل نحو تجربة ما بعد النيوليبرالية في أميركا اللاتينية[126]. ومع ذلك، لم تستطع هذه الحكومات اليسارية في كثير من الأحيان الحياد عن كثيرٍ من الركائز النيوليبرالية، مثل الانضباط المالي، والانفتاح التجاري، مع تعديلها ركائزَ أخرى، مثل تعزيز الحماية الاجتماعية، وإعادة تنظيم القطاعات الاستراتيجية.

وفي أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تغيّر المزاج العامّ في بعض بلدان أميركا اللاتينية، مع عودة حكومات مؤيدة للسوق في الأرجنتين والبرازيل وغيرهما لمدة وجيزة أحيانًا، وهو ما يؤشّر على أن علاقة أميركا اللاتينية بالنيوليبرالية تظلّ متغيرة حسب السياق.

شرق وجنوب شرق آسيا

مرّت البلدان الآسيوية بتجارب مُتباينة مع النيوليبرالية، فبين ستينيات القرن العشرين وثمانينياته، نمت بعض اقتصادات شرق آسيا مثل كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة بشكل كبير، من خلال نماذج "الدولة التنموية" التي تقودها الدولة، وهي غير متوافقة تمامًا مع الوصفات النيوليبرالية. فقد عمدت هذه الدول إلى حماية صناعات مُعيَّنة، واستخدمت تدخّل الدولة على نطاق واسع لتوجيه التنمية. ومع ذلك، خضع عدد من هذه الاقتصادات في التسعينيات لعملية تحرير كبيرة.

فقد حرّرت كوريا الجنوبية وتايوان أسواقهما المالية وأسواق رأس المال، وخفّضتا الحواجز التجارية من خلال الانضمام إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة التجارة العالمية، مقتربتَيْن بذلك من المعايير النيوليبرالية، لكن مع الحفاظ على سياسة صناعية مُعيَّنة. أما هونغ كونغ، التي كانت مستعمرة بريطانية ثم أصبحت منطقة إدارية خاصة تابعة للصين، فقد جسّدت إلى حدّ كبير الحكامة النيوليبرالية، مع ضرائب منخفضة وتجارة حرة وإنفاق عامّ محدود.

أما الصين، فهي حالة فريدة؛ فمنذ عام 1978، اعتمدت قيادة الحزب الشيوعي الصيني سياسة "الإصلاح والانفتاح" التي أدخلت آليات السوق داخليًا، من خلال إلغاء التجميع في الزراعة، والسماح بالمشروعات الخاصة والاستثمار الأجنبي في المناطق الخاصة؛ وأيضًا خارجيًا، من خلال الانفتاح على التجارة الدولية. وعلى الرغم من أن الصين لا تُوصف عمومًا بأنها نيوليبرالية بسبب نظامها السياسي القائم على الحزب الواحد، وبسبب استمرار دوْر الشركات المملوكة للدولة، فإنها قد اعتمدت عددًا من الممارسات الاقتصادية النيوليبرالية، بما يشمل التعريفات الجمركية المنخفضة، والمنافسة في كثير من القطاعات، وتشجيع ريادة الأعمال، والاندماج في أسواق رأس المال العالمية[127]. وخلال عقد التسعينيات، خوصصت الصين أو أغلقت عددًا من الشركات المملوكة للدولة، وسعت إلى الانضمام إلى عضوية منظمة التجارة العالمية، متجهةً بشكل حاسم نحو اقتصاد السوق، وهو ما يُمثِّل في الأساس دينامية رأسمالية تحت إشراف سلطوي. كذلك فإن بعض أنصار النيوليبرالية يستشهدون أحيانًا بالنمو الهائل الذي حقّقته الصين في ظلّ سياسات الانفتاح بوصفه دليلًا على قوة التحرير الاقتصادي، على الرغم من أن الصين في الحقيقة حافظت على تدخّل للدولة أقوى مِمَّا تنصّ عليه النيوليبرالية، على سبيل المثال من خلال السياسة الصناعية، والسيطرة على القطاع المصرفي.

وفي جنوب شرق آسيا، حرّرت بلدان مثل إندونيسيا وتايلاند وماليزيا اقتصاداتها على نحو كبير في الثمانينيات والتسعينيات، بتوجيه من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتحت ضغط المنافسة الإقليمية. ورحّبت هذه البلدان برؤوس الأموال الأجنبية، وقلّلت من التدخّل الاقتصادي المباشر. وقد أدى ذلك إلى نمو قوي، بيد أنه أدى أيضًا إلى نقاط ضعف تكشّفت خلال الأزمة المالية الآسيوية عام 1997. وفي أعقاب الأزمة، حدثت عملية إعادة تقييم لهذا التوجّه، فعلى سبيل المثال، تحدّت ماليزيا صندوق النقد الدولي في ظل حكومة مهاتير محمد، بفرض ضوابط مؤقتة على رأس المال، متحدّيةً بذلك الإجماع النيوليبرالي الذي يؤكّد على فتح الحدود أمام رأس المال[128]. ومع ذلك، وعلى المدى الطويل، واصلت معظم اقتصادات جنوب شرق آسيا تحقيق مستويات عُليا من التنمية التي تقودها الصادرات في إطار سوق مفتوحة أساسًا، وإن كان ذلك في كثير من الأحيان مع بعض التنسيق بين الحكومة وقطاع الأعمال.

أوروبا ما بعد الشيوعية وروسيا

تُقدِّم الاقتصادات التي مرّت بمرحلة انتقالية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي سابقًا صورة فريدة للسياسات النيوليبرالية المطبّقة في ظروف استثنائية، فقد اعتمدت بلدان مثل بولندا وجمهورية التشيك إصلاحات نيوليبرالية سريعة في أوائل التسعينيات. وبعد انكماش أوّلي، عادت هذه البلدان إلى النمو، وانضمّت إلى الاتحاد الأوروبي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وعزّزت سياساتها ذات التوجّه النيوليبرالي من خلال معايير عضوية الاتحاد الأوروبي.

أما روسيا، فقد طبّقت عقب انهيار الاتحاد السوفياتي في عهد الرئيس يلتسين "العلاج بالصدمة النيوليبرالية"، بتوجيه من بعض المستشارين الغربيين. ومن ثمّ، حرّرت الأسعار بين عشية وضحاها في عام 1992، مع خوصصة الأصول العامّة الرئيسة، غالبًا من خلال خطط "القروض مقابل الأسهم" التي ركّزت الثروة في أيدي طبقة حكم أقلية جديدة، وحرّرت التجارة. وكانت النتيجة في عام 1998 كسادًا اقتصاديًا حادًّا وأزمة مالية، مع انخفاض الناتج المحلي الإجمالي لروسيا إلى النصف تقريبًا في أوائل التسعينيات، وغرق الملايين في الفقر[129]. وقد أدى هذا الاضطراب إلى رد فعل عنيف ضد النيوليبرالية البحتة، فمنذ عام 2000، في عهد فلاديمير بوتين، أعادت روسيا تأكيد سيطرة الدولة على القطاعات الاستراتيجية، على سبيل المثال من خلال إعادة تأميم جزء من صناعة النفط، واستغلال ريع الموارد في التنمية التي تقودها الدولة، مبتعدةً بذلك عن نموذج السوق غير المقيّدة.

كذلك خفّفت كثير من الدول الأخرى في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي من حدّة التحوّلات التي شهدتها، بعدما لم ترقَ نتائج الإصلاحات إلى مستوى التنبؤات النيوليبرالية. وقد أبرزت بعض الدراسات أن السياق المؤسسي، ولا سيما سيادة القانون، أمرٌ حاسم بالنسبة إلى السياسات النيوليبرالية لكي تحقّق نتائجَ إيجابية[130].

أما في أوروبا الشرقية، فقد اتّسمت دول البلطيق (إستونيا ولاتفيا وليتوانيا) بسياسات نيوليبرالية صارمة للغاية، وضرائب ثابتة، وخوصصة سريعة، وحماية اجتماعية ضئيلة، وشهدت نموًّا سريعًا وضغوطًا اجتماعية كبيرة (معدّلات هجرة عالية على سبيل المثال).

عمومًا، قدّمت نماذج بلدان ما بعد الشيوعية أمثلة عزّزت بعض المزاعم النيوليبرالية بشأن البلدان الصغيرة التي ازدهرت بعد التحرير الاقتصادي، والتحذيرات من أن السوق غير المنضبطة من دون ضمانات مؤسسية يمكن أن تكون كارثية، كما حدث في روسيا في عقد التسعينيات.

أفريقيا

في أفريقيا جنوب الصحراء، غالبًا ما فُرضت النيوليبرالية من خلال شروط القروض التي تفرضها المؤسسات الدولية، أو تحت تأثير النُّخب ذات التعليم الغربي. فخلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، نفّذت كثير من البلدان الأفريقية برامج التقويم الهيكلي التي أملاها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والتي دعت إلى إجراء تخفيضات كبيرة في الإنفاق العام، وتخفيض قيمة العملة، وخوصصة المؤسسات المملوكة للدولة، بما في ذلك الخدمات الحيوية مثل المياه والكهرباء، والانفتاح على التجارة الدولية. وقد شهدت بلدان مثل غانا ونيجيريا وكينيا وكوت ديفوار دورات متكرّرة من هذه التعديلات. وفي بعض الحالات، جرت السيطرة على التضخّم واستئناف النمو، ولكن في حالات أخرى، أدّت التخفيضات في مجالات الصحة والتعليم والإعانات إلى زيادة الفقر والاضطرابات العامة، من دون تحقيق مكاسب اقتصادية واضحة[131].

وقد تصادم السياق الثقافي لعدد من البلدان الأفريقية، حيث الروابط الأهلية القوية وتوقّعات توفير الدولة للمواد الغذائية، مع التركيز النيوليبرالي على الفردية والاستقلالية، ما أدى إلى توليد مقاومة لهذه السياسات، واندلاع احتجاجات اجتماعية ضد الزيادات في أسعار الوقود، أو رفع الدعم الغذائي الذي فرضه صندوق النقد الدولي[132] في عدد من البلدان الأفريقية[133].

وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأت المؤسسات المالية الدولية نفسها تدرك أن الإصلاحات القائمة على السوق البحتة غير كافية من دون حوكمة رشيدة وشبكات أمان اجتماعي[134]. وفي الألفية الجديدة، استفادت بعض البلدان الأفريقية من طفرة السلع الأساسية والاستثمارات الصينية، متجاوزةً في بعض الأحيان الإجماع النيوليبرالي الغربي.

العالم العربي

في العالم العربي، طُبّقت الإصلاحات النيوليبرالية انتقائيًا؛ فقد عملت عدة دول عربية على خوصصة عدد من الشركات المملوكة للدولة، وفتحت التجارة، ما أدى إلى ظهور نُخبة جديدة من رجال الأعمال، مع بعض التحسُّن في الاقتصاد الكُلّي، مقترنًا ببروز رأسمالية المحسوبية، وعدم المُساواة الاجتماعية التي ستكون محركًا رئيسًا لانتفاضات عام 2011[135]. في مصر على سبيل المثال، كانت سياسة الانفتاح التي بدأها الرئيس أنور السادات في السبعينيات من القرن الماضي بمنزلة بدء تحوّل البلاد نحو التحرّر الاقتصادي. واستمرّ هذا الاتجاه في عهد الرئيس حسني مبارك، الذي نفّذ برامج التقويم الهيكلي التي شملت خوصصة الشركات المملوكة للدولة، وخفض العمالة في القطاع العامّ. وغالبًا ما أدت هذه السياسات إلى زيادة البطالة والاضطرابات الاجتماعية، كما حدث في الاحتجاجات التي اندلعت عام 1977 ردًّا على تخفيض الدعم.

خضعت تونس أيضًا لإصلاحات مماثلة في عهد الرئيس زين العابدين بن علي، الذي تبنّى نظامه سياسات نيوليبرالية، مع الحفاظ على السيطرة السلطوية. أيضًا، شهد المغرب أزمة مديونية وأزمة جفاف حادّة مع نهاية سبعينيات القرن الماضي، وبدأ سياسية انفتاح اقتصادي عام 1980، كُلّلت بتطبيق سياسة التقويم الهيكلي عام 1983، التي بدأت بموجبها الدولة بخوصصة عدد من الخدمات العمومية بما فيها التعليم والصحة، وتقليص الاستثمارات العمومية والتوظيف في القطاع العامّ، ورفع الدعم عن عدد من المواد الأساسية، ما أسفر عن احتجاجات واسعة واضطرابات بين عامَي 1981-1984.

من جهتها، اتّبعت دول مجلس التعاون الخليجي مسارًا مختلفًا، إذ حمتها ثروتها النفطية في البداية من الضغوط التي دفعت الدول العربية الأخرى نحو الإصلاحات النيوليبرالية. إلا أن انخفاض أسعار النفط في الثمانينيات، والحاجة إلى تنويع اقتصاداتها، دفعا هذه الدول أيضًا إلى تبنّي سياسات انتقائية موجّهة نحو السوق، ولا سيما فيما يتعلّق بالخوصصة وجذب الاستثمارات الأجنبية. وقد اعتمدت هذه البلدان سياسات نيوليبرالية مثل إسناد الخدمات العامّة إلى الشركات الخاصة، وإنشاء مناطق حرّة منخفضة الضرائب مثل المناطق الحرة في دبي، ودعوة الشركات العالمية للاستثمار، مع الحفاظ على سيطرة الدولة الواسعة على الثروة النفطية.

في أنحاء المنطقة العربية كافة، كان تنفيذ الإصلاحات النيوليبرالية منذ بدايات الثمانينيات عملية معقّدة ومتناقضة في كثير من الأحيان، ففي حين أن هذه السياسات حقّقت بعض أهداف الاقتصاد الكُلّي، ولا سيما تحقيق الاستقرار المالي وخفض الديون في بعض الحالات، فإنها قد أسهمت أيضًا في زيادة عدم المساواة، والاستبعاد الاجتماعي، وعدم الاستقرار السياسي. وإن كانت هذه الإصلاحات النيوليبرالية قد أدت في كثير من الأحيان إلى نمو اقتصادي استفادت منه النُّخب بشكل غير متناسب، فإن الساكنة ككل واجهت ركودًا في الأجور، وانخفاضًا في الخدمات الاجتماعية، وتآكُل شبكات الأمان الاجتماعي، ومحدودية فرص العمل.

آثارها الاقتصادية وتطبيقاتها السياسية

للنيوليبرالية آثار اقتصادية بعيدة المدى، فقد شكّلت السياساتِ التي اتّبعتها الحكومات والمؤسسات الدولية في العقود الأخيرة، وأدّى تطبيقها إلى تغيير الطريقة التي تعمل بها الاقتصادات، ما أثّر في كل شيء تقريبًا، بدءًا من دوْر القطاع العام وصولًا إلى طبيعة العمالة وبنيات التجارة العالمية.

سياسة الاقتصاد الكلي

شكّلت النيوليبرالية بداية إعادة توجيه سياسة الاقتصاد الكُلّي، مع التركيز على السيطرة على التضخّم والرشاد المالي. واكتسبت البنوك المركزية، التي كانت في السابق تحت السيطرة السياسية في كثير من الأحيان، استقلاليةً أكبر، مع التركيز على استقرار الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك الموقف النقدي للاحتياطي الفدرالي الأميركي في الثمانينيات، والموقف الصارم للبنك المركزي الأوروبي الذي استهدف تثبيت التضخّم عند نحو نسبة 2 في المئة سنويًا. ومن خلال تفضيل التضخّم المنخفض في الغالب على حساب ارتفاع معدّلات البطالة قصيرة الأجل، مثّلت السياسة النيوليبرالية تحوّلًا عن الهدف الكينزي المتمثّل في التوظيف الكامل، إلى مقاربة متمركزة حول الصرامة النقدية[136].

على الصعيد المالي، اعتمدت كثير من الحكومات تدابيرَ تقشّفية لخفض العجز في الميزانية من خلال التخفيضات، ولا سيما عقب أزمات الديون في الثمانينيات، ثم في أعقاب الأزمة المالية في عام 2008. وعلى الرغم من أن هذه التدابير كانت تستهدف استعادة ثقة المستثمرين، وتجنّب مزاحمة الاستثمار الخاص، فقد أدّت إلى تقليص الخدمات العامة، وفي بعض الحالات، إلى تباطؤ النمو بسبب انخفاض الطلب الكُلّي[137]. وبحلول التسعينيات، أصبح الالتزام بمعايير الاقتصاد الكُلّي للنيوليبرالية، المتمثّلة في انخفاض العجز، واستقلالية البنك المركزي، وتحرير التجارة، شرطًا للمصداقية في سوق رأس المال العالمية، ما أثّر في عدد من البلدان، سواء ذات الأسواق الناشئة، أم الاقتصادات التي كانت تمرّ بمرحلة انتقالية.

الإصلاحات الهيكلية

تتمثّل إحدى السمات المميّزة للنيوليبرالية في تركيزها على الإصلاحات الهيكلية، أي التغييرات المصمَّمة لجعل الاقتصادات أكثر مرونة وتوجهًا نحو السوق. وتشمل الإصلاحات النيوليبرالية الشائعة:

  1. الخوصصة: بِيعت كثيرٌ من الشركات العامّة في جميع القطاعات إلى مستثمرين من القطاع الخاص، وقد تراوح ذلك بين الخوصصة على نطاق واسع (مثل شركة بريتيش تيليكوم والسكك الحديدية البريطانية في بريطانيا، وشركة تلميكس في المكسيك، وشركات الطيران الوطنية والبنوك) في جميع أنحاء العالم، والاستعانة بمصادر خارجية على نطاق أصغر للخدمات البلدية. وكانت الآثار الاقتصادية المقصودة هي زيادة الكفاءة والابتكار، على اعتبار أنه من المرجّح أن يعمل المالكون من القطاع الخاص في ظلّ حوافز الربح وقيود الميزانية الصارمة، على عكس الكيانات العامّة المدعومة في كثير من الأحيان[138]. وفي كثير من الحالات، أدّت الخوصصة إلى تحسين الأداء والاستثمار؛ فعلى سبيل المثال، غالبًا ما حفّزت عمليات خوصصة الاتصالات السلكية واللاسلكية التوسّع السريع في الشبكة. ومع ذلك، فقد تباينت النتائج، فمن دون منافسة كافية، أدّت الخوصصة في بعض الأحيان إلى خلق احتكارات خاصة تتطلّب رقابة تنظيمية. وفي قطاعات مثل المياه والكهرباء، كانت التجربة متباينة، فقد أدّت بعض عمليات الخوصصة إلى تحسين الخدمة، بينما أدت عمليات أخرى إلى ارتفاع الأسعار، مع ردود فعل سلبية لدى المواطنين. ومن ثم، ظهرت في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين حالات إعادة التأميم، أو التنظيم الأكثر صرامة.
  2. إلغاء الضوابط التنظيمية: ألغت السياسة النيوليبرالية -أو قلّلت- اللوائح التنظيمية في قطاعات مثل التمويل والنقل والطاقة والعمل، وسمح تحرير الأسواق المالية ببروز أدوات مالية جديدة، وحركة رؤوس الأموال عبر الحدود. فعلى سبيل المثال، سمح إلغاء قانون غلاس- ستيغال الأميركي في عام 1999 للبنوك بممارسة أنشطة مصرفية تجارية واستثمارية على حدّ سواء. وكان الأثر الاقتصادي لذلك هو التوسّع الكبير في حجم القطاع المالي ونفوذه، ما أدى إلى نمو أسواق الائتمان والأصول. وقد أسهم ذلك في حدوث طفرات اقتصادية تمثّلت في زيادة الإقراض للشركات والمستهلكين وارتفاع أسواق الأسهم، ولكنه مهّد الطريق أيضًا لفقاعات المضاربة وعدم الاستقرار، كما يتّضح من انفجار "فقاعة الدوت كوم(Dot-com bubble)" و"أزمة الرهن العقاري". وفي أسواق المُنتَجات، أدى إلغاء الضوابط التنظيمية إلى زيادة المنافسة، فعلى سبيل المثال، أدى تحرير قطاع النقل الجوي في الولايات المتحدة الأميركية في عام 1978، وفي الاتحاد الأوروبي خلال عقد التسعينيات، إلى زيادة عدد شركات النقل الجوي، وانخفاضٍ عامّ في الأسعار، أحيانًا على حساب التقلّبات في القطاع وضغوط الأجور. وكان الهدف من تحرير سوق العمل، من خلال تسهيل توظيف العُمّال وفصلهم، وإضعاف النقابات والمفاوضة الجماعية، هو الحدّ من البطالة البنيوية، وتشجيع خلق فرص العمل من خلال خفض تكاليف العمالة. وقد شهدت بعض البلدان، مثل بريطانيا ونيوزيلندا، نموًّا في العمالة، وزيادةً في ترتيبات العمل المرنة. ومع ذلك، يشير النُّقّاد إلى أن ذلك أسهم أيضًا في ظهور قوة عاملة "غير مستقرة" تتّسم بقلة الأمن الوظيفي وركود الأجور الحقيقية لكثيرين[139].
  3. الضرائب والإنفاق العامّ: كان التأثير النيوليبرالي يميل عمومًا بالسياسة الضريبية نحو خفض معدّلات الضرائب، ولا سيما على الدخول المرتفعة والشركات والأرباح الرأسمالية، استنادًا إلى حجج من جانب العرض بأن ذلك من شأنه أن يشجّع الاستثمار ويحفّز النمو الاقتصادي. ففي الولايات المتحدة الأميركية، انخفضت معدلات ضريبة الدخل العُليا من 70 في المئة في عام 1980 إلى 28 في المئة في عام 1988، قبل أن تستقرّ عند نحو 35-40 في المئة[140]. وقد لُوحظت اتجاهات مماثلة في بريطانيا وعدد من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وفي حين أن الاستثمار وريادة الأعمال شهدا ازديادًا في بعض النواحي، فإن إحدى النتائج الاقتصادية تمثّلت في اتساع التفاوُتات في الدخل بعد خصم الضرائب[141]. وعلى جانب الإنفاق، دعت النيوليبرالية إلى تقليص برامج الحماية الاجتماعية أو إعادة هيكلتها، لتجنّب ما عَدَّته "اتكالية"؛ أي اتكالية المواطنين على الرعاية الاجتماعية للدولة والمسّ بالحافز لديهم للعمل. وقد شدّدت كثير من البلدان شروط الأهلية للحصول على إعانات البطالة أو العجز، وخوصصت أنظمة المعاشات التقاعدية، فعلى سبيل المثال، توسّعت المعاشات التقاعدية الخاصة في تشيلي في بداية الثمانينيات، وحذت بعض دول أوروبا الشرقية حذوها في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وأدخلت آليات السوق في الرعاية الصحية والتعليم[142]. وقد هدفت هذه التدابير إلى تحسين الاستدامة المالية والكفاءة، على الرغم من أنها نقلت أيضًا مزيدًا من المخاطر إلى الأفراد، وأدت في بعض الأحيان إلى عدم المساواة في الحصول على الخدمات.

هياكل التجارة والاستثمار العالمية

شجّعت السياسة النيوليبرالية بشدّة تحرير التجارة، وتوسيع نطاق الاستثمار الدولي. وقد أدى تخفيض التعريفات الجمركية والحصص، من خلال الاتفاقات متعددة الأطراف، والإصلاحات أُحادية الجانب، إلى زيادة كبيرة في حجم التجارة العالمية. وارتفعت التجارة العالمية كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من نحو 39 في المئة عام 1990، إلى نحو 58 في المئة عام 2010[143]، ما يعكس اندماج كثير من البلدان النامية في آسيا ومناطق أخرى في سلاسل التوريد العالمية، ضمن إطار نيوليبرالي للنمو تقوده الصادرات. وتمثّل الأثر الاقتصادي في عولمة الإنتاج، فقد حسّنت الشركات عملياتها من خلال الاستعانة بمصادر خارجية، ونقل العمليات إلى الخارج للاستفادة من المزايا النسبية وانخفاض تكاليف العمالة. وقد استفاد المستهلكون من السلع المستوردة الأرخص ثمنًا والأكثر تنوّعًا.

أيضًا، شهدت البلدان النامية التي نجحت في الاندماج في الأسواق العالمية، مثل الصين وكوريا الجنوبية، ولاحقًا عدة بلدان أخرى مثل فيتنام أو بنغلاديش، نموًا سريعًا في التصنيع والدخل. ومع ذلك، أدى تحرير التجارة أيضًا إلى تكثيف المنافسة في بعض القطاعات في البلدان ذات الدخل المرتفع، ما أسهم في فقدان الوظائف في قطاع التصنيع، والتراجع الاقتصادي الإقليمي، مع انتقال الصناعات أو مواجهتها للمنافسة من الواردات[144]. وقد كانت لهذا التباين الإقليمي عواقب اجتماعية واقتصادية كبيرة، ولا سيما تأجيج السخط السياسي في هذه المناطق[145].

وقد ازداد الاستثمار الأجنبي المباشر مع إزالة السياسات النيوليبرالية لضوابط رأس المال، وتقديم الحوافز للمستثمرين. وأنشأت عدد من الاقتصادات الناشئة مناطقَ لتجهيز الصادرات، وخفّفت القيود المفروضة على الملكية الأجنبية. وغالبًا ما جلب الاستثمار الأجنبي المباشر رأس المال، والتكنولوجيا، والدراية الإدارية، ما عزّز الإنتاجية وربط الشركات المحلية بالأسواق العالمية[146]. ومع ذلك، فإن الانعكاسات المفاجئة في تدفّقات رأس المال كانت تعني أيضًا الضعف أمام الصدمات الخارجية، كما تجلّى ذلك خلال الأزمات المالية. كذلك فإن صعود الشركات عبر- الوطنية في ظل العولمة النيوليبرالية كان لافتًا للنظر، فقد هيكلت هذه الشركات عملياتها العالمية لتقليل التكاليف الضريبية والتنظيمية، ما أدى في بعض الأحيان إلى مشكلات تمثّلت في تآكُل القاعدة الضريبية، والحاجة إلى التعاون العالمي بشأن القواعد الضريبية، مثل مبادرة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية "تآكل القاعدة الضريبية وتحويل الأرباح" (OECD's Base Erosion and Profit Shifting, BEPS) في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لمكافحة التهرّب الضريبي للشركات.

النمو والأزمات والتوزيع

لا تزال النتائج الاقتصادية الصافية للسياسات النيوليبرالية محلّ نقاش، فقد شهدت بعض مراحل الإصلاح النيوليبرالي نموًّا متسارعًا، مثل النمو القوي في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية في منتصف ثمانينيات القرن العشرين بعد مراحل الركود الأولى، والنمو القوي في أوروبا الشرقية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، والنمو الاستثنائي في الصين في ظل الإصلاحات النيوليبرالية الجزئية، بينما شهدت بلدان أخرى نتائجَ مُخيّبة للآمال.

في الواقع، لم تشهد كثير من البلدان الأفريقية وبلدان أميركا اللاتينية انطلاقة النمو المتوقعة بعد التعديلات الهيكلية في الثمانينيات والتسعينيات، ومن الواضح أن معدل النمو العالمي في حقبة النيوليبرالية (1980-2008) لم يتجاوز بوضوح معدل النمو العالمي في العقود السابقة التي تلت الحرب العالمية الثانية، بل إن "العصر الذهبي" لِما بعد الحرب (1950-1973) شهد متوسط نمو عالمي أعلى. ومع ذلك، تزامنت فترة النيوليبرالية مع اندماج قطاعات اقتصادية واسعة في الاقتصاد العالمي الرأسمالي في الصين، والهند، وبلدان أوروبا الشرقية، والاتحاد السوفياتي سابقًا، ما أدى إلى زيادة الإنتاج العالمي بشكل كبير، وخفّض معدلات الفقر العالمية، وهي نتيجة يستشهد بها النيوليبراليون بوصفها انتصارًا للعولمة التي تقودها السوق[147].

من ناحية أخرى، أصبحت التقلّبات والأزمات الاقتصادية متكرّرة في ظلّ التمويل النيوليبرالي المُعولَم، فقد تميّزت أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين بأزمات مالية كبرى، بوتيرة كل عشر سنوات تقريبًا، مع أزمة الديون في البلدان النامية في الثمانينيات، وأزمة البيزو في المكسيك في عام 1994، والأزمة الآسيوية بين عامَي 1997-1998، والتخلّف عن سداد الديون الروسية بين عامَي 1997-1998، وانهيار الأرجنتين في عام 2001، والأزمة العالمية في عام 2008، وأزمة ديون منطقة اليورو في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وقد تطلّبت هذه الأزمات في كثير من الأحيان تدخّلًا مخصصًا وعمليات إنقاذ من الدولة أو من صندوق النقد الدولي، بما يتناقض مع المُثل النيوليبرالية المثالية للتنظيم الذاتي للسوق. على سبيل المثال، أبرزت خطةُ إنقاذ الحكومة الأميركية للبنوك وشركات التأمين العملاقة في عام 2008، والتيسيرُ النقدي الاستثنائي الذي اتّبعه مجلس الاحتياطي الفدرالي عقب ذلك، أنه في مواجهة الانهيار النظامي، تعود الدولة للظهور مرة أخرى بوصفها منقذًا، ما دفع بعضهم إلى وصف هذا النظام بأنه نظام "النيوليبرالية في الأعلى والاشتراكية في الأسفل"، من حيث توزيع المخاطر[148].

أما من حيث التوزيع، فقد تمثّلت بعض أبرز النتائج الاقتصادية للعقود النيوليبرالية في زيادة عدم المساواة في كثير من البلدان، وأصبحت الثروة أكثر تركّزًا، فعلى سبيل المثال، ارتفعت الثروة المجمّعة لأصحاب المليارات في العالم، على النحو الذي أصبح فيه بحلول عام 2010 أغنى 0.1 في المئة من أصحاب الثروات يمتلكون حصة كبيرة من إجمالي الثروة في الولايات المتحدة الأميركية والاقتصادات الكبرى الأخرى[149]. في هذه الأثناء، تباطأ نمو الأجور للعُمّال المتوسطين في الاقتصادات المتقدمة مقارنةً بنمو الإنتاجية، ما قلّل من حصة العمالة من الدخل القومي[150]. وفي حين أن النيوليبراليين يحاججون بأن عدم المساواة (بالنسبة إلى بعضهم) هي مقايضة مقبولة إذا زاد الرخاء (بالنسبة إلى الكلّ)، فإن الحجاج المضاد هو أنه، بعد عتبة مُعيَّنة، يمكن لعدم المساواة نفسها أن تُضعِف النمو من خلال تقويض الوصول إلى التعليم، والاستقرار الاجتماعي، والطلب الكُلّي[151].

التغييرات المؤسسية

أدى تطبيق النيوليبرالية أيضًا إلى تغيير المؤسّسات، فقد راجعت كثيرٌ من البلدان قوانينها لتعزيز حقوق الملكية وحماية المستثمرين. على سبيل المثال، وسّعت أنظمةُ الملكية الفكرية الجديدة في إطار اتفاق منظمة التجارة العالمية بشأن جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة، من حقوق الملكية الفكرية على نطاق عالمي، وتطوّرت معايير حوكمة الشركات نحو تعظيم قيمة المُسهمين، ولا سيما في الاقتصادات الأنكلو-أميركية، ما أدى إلى تغيير الطريقة التي توزّع بها الشركات أرباحها، مفضّلةً توزيع الأرباح وإعادة شراء الأسهم، أحيانًا على حساب إعادة الاستثمار أو الأجور. كذلك تطوّرت المؤسسات العُمّالية مع انخفاض عضوية النقابات في عدد من البلدان تحت ضغط التشريعات والعولَمة، ما أضعف المفاوضة الجماعية. على سبيل المثال، انخفضت كثافة النقابات في أوروبا الغربية، وانخفضت نقابات القطاع الخاص في الولايات المتحدة الأميركية إلى نسبة 6.3 في المئة من العُمّال في عام 2020[152]. وقد أدى ذلك إلى تقليل القدرة التفاوُضية للعُمّال، بما يتماشى مع تفضيل النظرية النيوليبرالية للعقود الفردية، على الرغم من أنه يؤثر أيضًا في ديناميات الأجور، وتمثيل العُمّال، وحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.

أيضًا، أصبحت دولة الرعاية الاجتماعية ومؤسساتها مستهدفة من السياسات النيوليبرالية، فبدلًا من الاستحقاقات الشاملة، كان هناك تحرّك نحو مشروطية أكبر في تلقّي المزايا الاجتماعية، مثل متطلّبات العمل للحصول على الاستحقاقات، والمساعدة المحدودة زمنيًا. كذلك جرت خوصصة بعض وظائف دولة الرعاية الاجتماعية جزئيًا، مثل المعاشات التقاعدية والتأمين الصحي، ما أدى إلى تعزيز قطاعات مثل التمويل، الذي شهد نموّ صناديق المعاشات التقاعدية الخاصة بشكل كبير، ولكنه أدخل مخاطرَ جديدة للأفراد، ولا سيما على مدّخرات التقاعد. شجّعت سياسات التعليم أيضًا على المنافسة، من خلال المدارس الخاصة التي هدفت إلى تحسين الجوْدة، من خلال مُحاكاة خيارات السوق الحرة في التعليم.

الانتقادات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية

طوال مدة صعودها، ما فتأت النيوليبرالية تثير انتقادات حادّة وجدلًا واسعًا من مختلف الأوساط الاقتصادية والفكرية والسياسية. تتّهِم تلك الانتقاداتُ السياساتِ والأيديولوجيةَ النيوليبراليةَ بأن لها آثارًا جانبية خَطِرة، فهي تزيد من عدم المساواة، وتُضعِف الديمقراطية، وتُضعِف التماسك الاجتماعي، وتشجّع الممارسات غير المستدامة. وفي حين أن المدافعين عنها يحتجّون بالنجاعة الاقتصادية والحرية الفردية، يُحاجج منتقدوها أن ذلك يتأتّى بتكلفة اجتماعية كبيرة.

عدم المساواة والعدالة الاجتماعية

من الانتقادات الأكثر شيوعًا للنيوليبرالية أنها تؤدي إلى تفاقُم التفاوت الاقتصادي إلى حد كبير. وتُظهر القرائن في هذا الصدد أن فترة هيمنة السياسات النيوليبرالية، منذ أوائل الثمانينيات فلاحقًا، قد تزامنت مع زيادة حادّة في تفاوت الدخل والثروة، ولا سيما في بلدان مثل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا. على سبيل المثال، بيّن الاقتصادي توماس بيكيتي (Thomas Piketty) أن حصة دخل أغنى 1 في المئة في الولايات المتحدة الأميركية تضاعفت من نحو 10 في المئة في أواخر السبعينيات، إلى أكثر من 20 في المئة في عام 2010، ما يأتي على خلاف عقودٍ من التوزيع المُنصِف إلى حدّ ما[153]. ويمكن ملاحظة اتجاهات مماثلة في عدد من البلدان الأخرى التي طبّقت إصلاحات نيوليبرالية، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة.

تحاجج الانتقادات بأن السياسات النيوليبرالية تسهم مباشرةً في هذه الفوارق، فالتخفيضات الضريبية للأغنياء والشركات تزيد من عدم المساواة بعد خصم الضرائب، وغالبًا ما تُفيد الخوصصةُ وإلغاءُ الضوابط التنظيمية أصحابَ رؤوس الأموال والمستثمرين على حساب العُمّال والمستهلكين. كذلك فإن إضعاف حماية العُمّال والنقابات يرجّح ميزان القوى لمصلحة أصحاب العمل، ما يُعيق نمو الأجور لدى الطبقات الوسطى والعاملة[154]. علاوة على ذلك، يُنظر إلى العولمة تحت سقف النيوليبرالية على أنها تضع العُمّال من مختلف البلدان في مواجهة بعضهم، ما يؤدي إلى ضغط نزولي على الأجور، مع تراجع التصنيع في البلدان ذات الأجور المرتفعة، وانتقال الوظائف إلى المناطق ذات الأجور المنخفضة[155].

يَردّ المدافعون عن النيوليبرالية بأن العولمة وإصلاح السوق قد قلّلا من عدم المساواة العالمية، من خلال تمكين النمو السريع في البلدان النامية، وانتشال مئات الملايين من الناس من الفقر المدقع في الصين والهند وغيرهما. وتستند النيوليبرالية في ذلك إلى رؤيتها الخاصة للعدالة الاجتماعية، وهي أن الأنظمة التي تمكّن الأشخاص من اتّخاذ خياراتهم الخاصة بشأن الكيفية التي سيعيشون بها حياتهم هي عادلة، بغضّ النظر عن نتائجها، إذ تربط العدالة -من هذا المنظور- المكافآت الاقتصادية والموارد المجتمعية بالطموح والجهد والممارسة الحكيمة للاختيار الفردي، بدلًا من وضع المواطنة على سبيل المثال[156]. ينطوي هذا المنظور على مبدأ المسؤولية الشخصية، من دون أي مسؤولية جماعية. وباختصار، تسعى النيوليبرالية إلى استبدال الأهداف السياسية للمساواة الاجتماعية والضمان الاجتماعي والرفاهية الاجتماعية بالأهداف الفردية لتعظيم المنفعة.

أصولية السوق وعدم الاستقرار الاقتصادي

غالبًا ما تشير الانتقادات إلى النيوليبرالية على أنها "أصولية السوق"، وهو اعتقاد بأن الأسواق إذا ما تُركت وحدها، فيمكنها حل أيّ مشكلة تقريبًا، وهو ما انتقده جوزيف ستيغليتز (Joseph Stiglitz)، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2001، ولا سيما بعد أن شهد إخفاقات التحرير المتسرّع في الكتلة السوفياتية سابقًا، والأزمة المالية الآسيوية. وهو يحاجج بأن المذاهب النيوليبرالية، التي يؤيدها من يُسمّيهم "أُصوليّي توافق واشنطن"، قد تجاهلت حقائق إخفاقات السوق والحاجة إلى التنظيم، ما أدى إلى حدوث أزمات مالية وضائقة اجتماعية[157]. وكثيرًا ما يُستشهد بالأزمة المالية العالمية في عام 2008 كدليل على منطق النيوليبرالية المتهافِت، فقد أدت عقود من تحرير القطاع المصرفي والابتكار المالي، بمبرّر الإيمان بكفاءة الأسواق وقدرتها على التصحيح الذاتي، إلى مخاطرة مفرطة وفقاعة ائتمانية هائلة، وفي نهاية المطاف، إلى إخفاق كارثي في السوق تطلّب عمليات إنقاذ عمومية غير مسبوقة. وتذهب الانتقادات إلى أن هذه النتيجة كشفت بشكل صارخ عن التناقض الداخلي للنيوليبرالية، ففي حين أنها تدعو إلى الأسواق الحرة، إلا أنها اعتمدت في نهاية المطاف على تدخّل الدولة لإنقاذ النظام من الانهيار[158].

كذلك، تذهب هذه الانتقادات الأخلاقية للّيبرالية إلى أن عمليات الإنقاذ المموّلة من دافعي الضرائب للمؤسسات المالية الكبيرة، بصيغة خوصصة الأرباح وتأميم الخسائر (Privatizing Profits and Socializing Losses)[159]، تقوّض ادّعاءها بتحسين الرفاه العامّ. علاوة على ذلك، يجادل بعض الاقتصاديين بأن السياسات النيوليبرالية أسهمت في ضعف الطلب المزمن وتكرار الأزمات، فقد كان التركيز على التقشّف في عدد من البلدان بعد عام 2010، ولا سيما من خلال تخفيضات الميزانية لتقليل العجز، استجابةً نيوليبرالية أدّت إلى خنق الانتعاش وتفاقم البطالة[160]. ومن خلال خفض الإنفاق العامّ خلال الركود، دُفعت الاقتصادات إلى الانكماش، ما يوضح مدى النتائج العكسية التي يمكن أن يؤدي إليها الالتزام الصارم بالمعايير المالية البحتة.

على المنوال ذاته، أدى الترويج النيوليبرالي لحركة رؤوس الأموال العالمية إلى جعل البلدان النامية عرضةً لهروب رؤوس الأموال المفاجئ، كما حدث في المكسيك عام 1994، وفي آسيا عام 1997، وفي روسيا عام 1998، وفي غيرها من الأزمات. فخلال هذه الأزمات، سحب المستثمرون أموالهم بسرعة، ما تسبّب في انهيار العملة والركود العميق، وهي عواقب يعتقد بعض الاقتصاديين أنه كان من الممكن تجنّبها لو كانت ضوابط رأس المال وتسلسل التحرير أكثر رصانة[161]. ومن ثم، فإن هذه الانتقادات تذهب إلى أن إصرار النيوليبرالية على تحرير "جميع الأسواق في كل مكان" قد أدى في بعض الأحيان إلى مقايضة الاستقرار بالأيديولوجية، ما قاد بدوره إلى دورات ازدهار وكساد أثرت بشكل خاص في الفئات الاجتماعية الأقل ثراءً، المفتقرة إلى شبكات الأمان الاجتماعي.

القيود التنموية

انتقد بعض الاقتصاديين في مجال التنمية الوصفات النيوليبرالية للبلدان النامية، بدعوى أنّ توافقَ واشنطن يتجاهل الدوْر التاريخي لتدخّل الدولة في عمليات التصنيع الناجحة. وهم يحاججون بأن البلدان المتقدّمة اليوم، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، استخدمت تاريخيًا سياسات حمائية وتدخّلية لدعم صناعاتها. لقد طبّقت هذه البلدان التعريفات الجمركية، والإعانات، والمبادرات الحكومية لدعم صناعاتها المحلية خلال مراحل تطوّرها. وبمجرد وصولها إلى مرحلة التصنيع، بدأت في الترويج لسياسات السوق الحرة على الصعيد الدولي، لمنع الآخرين من الحذو حذوها[162].

يرى آخرون أن النموذج التنموي النيوليبرالي يأتي على النقيض تمامًا من نموذج التنمية البشرية، ومن ثمّ ضرورة "البحث عن البديل الذي يمتلك سمات النقيض من النموذج النيوليبرالي"[163]. ويجادل هؤلاء بأن التنمية ينبغي أن تركّز على بناء قدرات الناس مثل التعليم والصحة والحريات السياسية، بدلًا من التركيز الحصري على مؤشرات الاقتصاد الكُلّي، ويدعون بدلًا من ذلك إلى سياساتٍ تُحسِّن الرفاه المجتمعي مباشرةً[164].

وتحاجج هذه الانتقادات بأن المقاربات القائمة على السوق غالبًا ما تُخفِق في تلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية، ولا سيما في مجالات مثل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية. ومن ثمّ، فإن مقاربة القدرات التي يقترحها أمارتيا سين (Amartya Sen) وآخرون، من شأنها أن تمثّل بديلًا شاملًا لنماذج التنمية النيوليبرالية، مع التأكيد على دوْر المؤسسات العامّة والعمل الجماعي في تعزيز الرفاه الاجتماعي[165].

تبرز هذه الانتقادات الحاجة إلى استراتيجيات إنمائية بديلة عن الرؤية النيوليبرالية الأُحادية، تتكيّف مع السياقات التاريخية والثقافية والاقتصادية المحدّدة للبلدان النامية. فعلى سبيل المثال، يمثّل مفهوم "العيش الكريم" (Buen Vivir)، الذي نشأ في تقاليد الشعوب الأصلية في أميركا اللاتينية، بديلًا يمنح الأولوية لرفاه المجتمع، والاستدامة البيئية، والتنوّع الثقافي، على النمو الاقتصادي المحض[166]. وعلى نحو مماثل، يتحدّى مفهوم "انحسار النمو" (Degrowth)، الذي طوّره سيرج لاتوش (Serge Latouche) وآخرون، افتراضات النموّ التي تقوم عليها نماذج التنمية النيوليبرالية والتقليدية، ويدعو إلى مقاربات مستدامة تمنح الأولوية للرفاه الاجتماعي والبيئي، على حساب التراكُم المادي[167].

تخلُص هذه الانتقادات إلى أنه، بدلًا من اعتماد نموذج نيوليبرالي أُحادي، ينبغي أن تأخذ هذه الاستراتيجيات في الحسبان التحديات والفرص الخاصة بكل بلد، وهذا يعني الاعتراف بالفوائد المحتملة لتدخّل الدولة في بعض القطاعات، ومنح الأولوية لمؤشرات التنمية البشرية إلى جانب النمو الاقتصادي.

النسيج الاجتماعي والثقافة المحلية

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ثمة انتقادات أخرى تتعلّق بتأثير القِيَم النيوليبرالية في المجتمع والثقافة، فبعضهم يرى أن تركيز النيوليبرالية على المنافسة والمصلحة الذاتية يؤدي إلى تآكُل الروابط الاجتماعية والمعايير الجماعية والقِيَم غير السوقية. وترى هذه الانتقادات أن تحذير كارل بولاني (Karl Polanyi) منذ أمد بعيد، في كتابه التحوّل العظيم في عام 1944، من أن فكّ ارتباط الاقتصاد بالمجتمع، والسماح لمنطق السوق بالهيمنة، سيؤديان حتمًا إلى رد فعل مجتمعي يهدف إلى حماية المجتمعات البشرية والطبيعة[168]، ينطبق على النيوليبرالية الحديثة. فمع تسليع الرعاية الصحية والتعليم، وحتى العلاقات الشخصية، يُعاني الأفراد من الاغتراب والقلق، فاقتصاد الوظائف المؤقتة -على سبيل المثال- يوفّر مرونة، بيد أنه أيضًا يُولِّد انعدام الأمن الوظيفي والهشاشة الاجتماعية[169].

تشير انتقادات أخرى إلى أن الثقافة الاستهلاكية النيوليبرالية المفرطة (Consumerism) تشجّع على تعريف الهُوية من خلال الاستهلاك والمنافسة، ما يهدّد بمزاحمة الفضائل المدنية، فالنيوليبرالية تعمل -من هذا المنظور- على تثمين الثروة، وتساوي بين النجاح التجاري والقيمة الشخصية، ومن ثمّ تنزع الطابع السياسي عن المواطن لتختزله في المستهلك، الذي يترك الشأن السياسي للخبراء، ليركّز على شأنه الخاص[170].

وُجّهت انتقادات نسوية أيضًا إلى تأثير النيوليبرالية في النوع الاجتماعي، مشيرةً إلى أن إصلاحات سوق العمل النيوليبرالية غالبًا ما تقع بشكل غير متناسب على النساء، فعلى سبيل المثال، غالبًا ما تؤدي التخفيضات في الخدمات العامّة والاجتماعية إلى تحويل المسؤوليات الأُسرية إلى عمل المرأة غير مدفوع الأجر في المنزل[171]. وقد رأت الفيلسوفة الأميركية نانسي فريزر (Nancy Fraser) في هذا الصدد أن خطاب تمكين المرأة من خلال ريادة الأعمال أو المشاركة في سوق العمل، يمكن أن يتوافق مع برامج العمل المرنة النيوليبرالية، بيد أنه لا يعالج أوجه عدم المساواة الأعمق، ومن ثمّ يترك النساء يتنقّلن في ثقافة "الكدح" فرديًا، وليس من خلال حلول جماعية[172].

امتدّت انتقادات النيوليبرالية كذلك إلى النقاشات بشأن الأزمة البيئية، عادّةً حتمية النمو وأخلاقيات الخوصصة في النيوليبرالية مسؤولةً عن عدم كفاية التدابير المتّخذة لمعالجة التغيّر المناخي. ويحاجج أصحاب هذا الطرح بأن التعامل مع الطبيعة بوصفها سلعة، كما يجري بالنسبة إلى الغابات، وائتمانات الكربون، وحقوق المياه، لا يحمي النظم الإيكولوجية، والدليل على ذلك أن العقود النيوليبرالية تزامنت مع تسارع انبعاثات الكربون؛ ذلك أن تركيز النيوليبرالية على إلغاء الضوابط التنظيمية والخوصصة، وعلى تخصيص الموارد المدفوعة بالسوق، يمنح الأولوية للربح قصير الأمد، على حساب الاستدامة طويلة الأمد، ما يؤدي إلى الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية[173].

النقاشات المفاهيمية والأيديولوجية

همَّت انتقادات النيوليبرالية أيضًا النقاشات المفاهيمية بشأن المصطلح نفسه؛ فمن جهة، يجادل بعض الباحثين بأن مصطلح النيوليبرالية أصبح فضفاضًا أو غير محدَّد المعالم، ويُستخدم كمصطلح تحقيري شامل لمختلف جوانب الرأسمالية الحديثة[174]. ويقترح مؤيدو هذا الرأي، وهُم المؤيدون لاقتصاد السوق في الغالب، استخدام مصطلحات أكثر دقةً لسياسات محدّدة، مثل "الإصلاح الموجَّه نحو السوق"، أو "المحافظة المالية"، بدلًا من سردية النيوليبرالية الفضفاضة وحمّالة الأوجه. بيد أن آخرين يدافعون عن فائدة النيوليبرالية بوصفها مفهومًا يشمل نظامًا عالميًا من السياسات والأفكار ومصالح السلطة المترابطة بينها[175]، وهم يشيرون إلى أنه على الرغم من أن النيوليبرالية قد تتغيّر في سياقات مختلفة، فإن توجّهها العامّ لتوسيع منطق السوق التنافسية وتقييد الحوكمة الديمقراطية للاقتصاد يظلّ ثابتًا بما يكفي لتبرير مصطلح واحد. وهذا الجدل هو في جوهره سياسي، فإذا كان يُنظر إلى النيوليبرالية على أنها أيديولوجية مهيمنة، فإن تسميتها تساعد على التشكيك فيها[176]. وغالبًا ما ترى الانتقادات أن الخطاب النيوليبرالي يتعمّد التعتيم على سياساتها باستخدام لغة تكنوقراطية، لتقديمها على أنها حتمية أو غير سياسية. ومن ثمّ، يُصِرّ الناشطون والأكاديميون النقديون على تحديد النيوليبرالية من أجل نزع السمة الطبيعية عنها، مجادلين بأن ثمّة بدائل، وأن الخيارات النيوليبرالية كانت طارئة تاريخيًا، وليست حتمية[177].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

على الصعيد السياسي، يستمرّ الجدل بشأن قضايا مثل التقشّف في مقابل التحفيز، والتجارة الحرة في مقابل الحمائية، والتنظيم المالي، وخوصصة الخدمات العامّة، وغيرها. وقد سجّلت بعض هذه الانتقادات للنيوليبرالية تقدّمًا ملموسًا في الألفية الثالثة، مثلًا من خلال المظاهرات الحاشدة التي همَّت مشروع خوصصة المياه في كوتشابامبا ببوليفيا في عام 2000 (ما سُمّي بحرب المياه)، ما شكّل رمزًا لمقاومة المجتمعات المحلية لتسليع المشاعات[178]؛ أو أيضًا من خلال "معركة سياتل" (عام 1999 ضد منظمة التجارة العالمية؛ وحركة "احتلّوا وول ستريت" (Occupy Wall Street) عام 2011، التي ندّدت بعدم مساواة "1 في المئة مِمَّن يملكون في مقابل 99 في المئة مِمَّن لا يملكون". تشترك هذه الحركات الاحتجاجية، على الرغم من تبايُنها، في التشكيك في الادّعاء النيوليبرالي بأنه "لا يوجد بديل" (وهو الشعار الشهير الذي رفعته مارغريت تاتشر). وتسعى هذه الحركات إلى إعادة تأكيد السيطرة الديمقراطية للمواطنين والعدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية، في مواجهة ما تعدّه إخفاقات الحوكمة النيوليبرالية. وقد تعزّز هذا التيار في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة كوفيد-19 عام 2020.

هكذا، تظل النيوليبرالية -في المحصلة- إحدى أكثر الأيديولوجيات تأثيرًا وتنازعًا في التاريخ الحديث، إذ إنها حوّلت الاقتصادات والمجتمعات في جميع أنحاء العالم على مدى نصف القرن الماضي؛ فمن جهة، يُنسب إليها الفضل في إنعاش النمو في الاقتصادات الراكدة، وتعزيز الابتكار والكفاءة من خلال المنافسة، ودمج البلدان الناشئة في الاقتصاد العالمي، ومن ثمّ الإسهام في الحدّ من الفقر المدقع بشكل كبير[179]؛ ومن جهة أخرى، فقد ترافقت أيضًا مع زيادة حادّة في عدم المُساواة داخل البلدان، وإضفاء الطابع العرضي على العمل، وإضعاف شبكات الأمان الاجتماعي، ما أثار (ولا يزال يثير) تساؤلات كبرى بشأن العدالة الاجتماعية والإدماج الاجتماعي[180].

المراجع

العربية

البستاني، باسل. الإنسانية في مواجهة النيوليبرالية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. 2018.

بشارة، عزمي. مقالة في الحرية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016.

________. "الشعبوية والأزمة الدائمة للديمقراطية". سياسات عربية. مج 7، العدد 40 (أيلول/ سبتمبر 2019). ص 7-34.

الأجنبية

Amin, Samir. Les défis de la mondialisation. Paris: L’Harmattan, 1996.

Andersson, Jenny. The Library and the Workshop: Social Democracy and Capitalism in the Knowledge Age. Stanford: Stanford University Press, 2010.

Armstrong, Chris. Rethinking Equality: The Challenge of Equal Citizenship. Manchester, UK: Manchester University Press, 2006.

Aslund, Anders. How Capitalism Was Built: The Transformation of Central and Eastern Europe, Russia, and Central Asia. Cambridge: Cambridge University Press, 2007.

Becker, Gary S. Human Capital. 2nd ed. New York: Columbia University Press, 1964.

_______. The Economic Approach to Human Behavior. Chicago: University of Chicago Press, 1976.

Beinin, Joel & Frédéric Vairel (eds.). Social Movements, Mobilization, and Contestation in the Middle East and North Africa. 2nd ed. Palo Alto: Stanford University Press, 2013.

Biebricher, Thomas. The Political Theory of Neoliberalism. Stanford: Stanford University Press, 2018.

Blyth, Mark. Great Transformations: Economic Ideas and Institutional Change in the Twentieth Century. New York: Cambridge University Press, 2002.

Boas, Taylor C. & Jordan Gans-Morse. “Neoliberalism: From New Liberal Philosophy to Anti-Liberal Slogan.” Studies in Comparative International Development. vol. 44, no. 2 (February 2009). pp. 137-161.

Bockman, Johanna. Markets in the Name of Socialism: The Left-Wing Origins of Neoliberalism. Stanford: Stanford University Press, 2011.

Bogaert, Koenraad. “Contextualizing the Arab Revolts: The Politics behind Three Decades of Neoliberalism in the Arab World.” Middle East Critique. vol. 22, issue 3 (2013). pp. 213-234.

Bonefeld, Werner. The Strong State and the Free Economy. London: Rowman & Littlefield International, 2017.

Bourdieu, Pierre. Anthropologie économique. Cours au Collège de France 1992-1993. Paris: Seuil & Raisons d’Agir, 2017.

_______. Contre-feux 2. Pour un mouvement social européen. Paris: Raison d’agir, 2001.

Brown, Wendy. Undoing the Demos: Neoliberalism’s Stealth Revolution. New York: Zone Books, 2015.

Buchanan, James M. & Gordon Tullock. The Calculus of Consent: Logical Foundations of Constitutional Democracy. Ann Arbor: University of Michigan Press, 1962.

Buchanan, James M. The Limits of Liberty: Between Anarchy and Leviathan. Chicago: University of Chicago Press, 1975.

Cahill, Damien et al. (eds.). The SAGE Handbook of Neoliberalism. Los Angeles: SAGE Reference, 2018.

Caldwell, Bruce & Leonidas Montes. “Friedrich Hayek and his visits to Chile.” The Review of Austrian Economics. vol. 28, no. 3 (2015). pp. 261-309.

Castree, Noel. “Neoliberalising Nature: The Logics of Deregulation and Reregulation.” Environment and Planning A. vol. 40, no.1 (Jan. 2008). pp. 131-152.

Centeno, Miguel A. & Joseph N. Cohen. “The Arc of Neoliberalism.” Annual Review of Sociology. vol. 38 (2012). pp. 317-340.

Chang, Ha-Joon. Kicking Away the Ladder: Development Strategy in Historical Perspective. London: Anthem Press, 2002.

Cornelius, Wayne A., Ann L. Craig & Jonathan Fox (eds.). Transforming State-Society Relations in Mexico: The National Solidarity Strategy. San Diego: University of California, 1994.

Cronin, James E., George Ross & James Shoch (eds.). What's Left of the Left: Democrats and Social Democrats in Challenging Times. Durham: Duke University Press, 2011.

Crouch, Colin. The Strange Non-Death of Neoliberalism. Cambridge, UK: Polity Press, 2011.

Dardot, Pierre & Christian Laval. The New Way of the World: On Neoliberal Society. London: Verso, 2013.

Dollar, David & Aart Kraay. “Trade, Growth, and Poverty.” The Economic Journal. vol. 114, no. 493 (Feb. 2004). pp. F22-F49.

Ellner, Steve (ed.). Latin America's Pink Tide: Breakthroughs and Shortcomings. Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 2020.

Emmanuel, Arghiri. L’échange inégal. Paris: François Maspero, 1969.

Foucault, Michel et al. Naissance de la biopolitique. Cours au Collège de France. 1978-1979. coll. Hautes Études. Paris: Gallimard/Seuil, 2004.

Fraser, Nancy. Fortunes of Feminism: From State-Managed Capitalism to Neoliberal Crisis. Brooklyn, NY: Verso Books, 2013.

Friedman, David D. The Machinery of Freedom: Guide to a Radical Capitalism. 2nd ed. Chicago: Open Court, 1989 [1973].

Friedman, Milton & Rose D. Friedman. Capitalism and Freedom. Chicago: University of Chicago Press, 1962.

_______. Free to Choose: A Personal Statement. New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1980.

Friedman, Milton. “The Promise of Vouchers.” The Wall Street Journal. 5/12/2005. at: https://acr.ps/hBxQI05

_______. There's No Such Thing as a Free Lunch. LaSalle, IL: Open Court, 1975.

Friedman. Milton & Anna J. Schwartz. A Monetary History of the United States, 1867-1960. Princeton, New Jersey: Princeton University Press, 1963.

Giroux, Henry A. Neoliberalism’s War on Higher Education. Chicago: Haymarket Books, 2014.

Grugel, Jean & Pia Riggirozzi. “Post-Neoliberalism in Latin America: Rebuilding and Reclaiming the State after Crisis.” Development and Change. vol. 43, issue 1 (2012). pp. 1-21.

Gudynas, Eduardo. “Buen Vivir: Today's Tomorrow.” Development. vol. 54, no. 4 (2011). pp. 441-447.

Hall, Peter A. “Policy Paradigms, Social Learning, and the State: The Case of Economic Policymaking in Britain.” Comparative Politics. vol. 25, no. 3 (1993). pp. 275-296.

Hall, Stuart. The Hard Road to Renewal: Thatcherism and the Crisis of the Left. London: Verso, 1988.

Harvey, David. A Brief History of Neoliberalism. Oxford: Oxford University Press, 2005.

Hayek, Friedrich A. “Los principios de un orden social liberal.” Estudios Públicos. no. 6 (Mar. 1982). at: https://acr.ps/1L9zRo2

_______. The Road to Serfdom. London: George Routledge & Sons, 1944.

_______. The Constitution of Liberty. Chicago: University of Chicago Press, 1960.

“Historical Highest Marginal Income Tax Rates.” Tax Policy Center. 11/5/2023. at: https://acr.ps/1L9zSco

Hoeven, Rolph Van Der & Fred Van Der Kraaij (eds.). Structural Adjustment and Beyond: Long-Term Development in Sub-Saharan Africa. London: James Currey, 1994.

 Jones, Daniel Stedman. Masters of the Universe: Hayek, Friedman, and the Birth of Neoliberal Politics. Princeton: Princeton University Press, 2012.

Kelsey, Jane. The New Zealand Experiment: A World Model for Structural Adjustment?. Auckland: Auckland University Press, 1997.

Klein, Naomi. The Shock Doctrine: The Rise of Disaster Capitalism. New York: Metropolitan Books, 2007.

_______. This Changes Everything: Capitalism vs. the Climate. New York: Simon & Schuster, 2014.

Kotz, David M. The Rise and Fall of Neoliberal Capitalism. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2015.

Krippner, Greta R. Capitalizing on Crisis: The Political Origins of the Rise of Finance. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2011.

Latouche, Serge. Le Pari de la décroissance. Paris: Fayard, 2010.

_______. Survivre au développement: de la décolonisation de l'imaginaire économique à la construction d'une société alternative. Paris: Mille et Une Nuits, 2004.

Lavoie, Marc & Engelbert Stockhammer (eds.). Wage-Led Growth: An Equitable Strategy for Economic Recovery. London\ New York: Palgrave Macmillan, 2013.

Littler, Jo. “The Rise of the ‘Yummy Mummy’: Popular Conservatism and the Neoliberal Maternal in Contemporary British Culture.” Communication, Culture and Critique. vol. 6, no. 2 (2013). pp. 227-243.

Megginson, William L. & Jeffry M. Netter. “From State to Market: A Survey of Empirical Studies on Privatization.” Journal of Economic Literature. vol. 39, no. 2 (Jun. 2001). pp. 321-389.

Mirowski, Philip & Dieter Plehwe (eds.). The Road from Mont Pèlerin: The Making of the Neoliberal Thought Collective. Cambridge: Harvard University Press, 2009.

Mirowski, Philip. Never Let a Serious Crisis Go to Waste: How Neoliberalism Survived the Financial Meltdown. London: Verso, 2013.

Newell, Peter & Matthew Paterson. Climate Capitalism: Global Warming and the Transformation of the Global Economy. Cambridge: Cambridge University Press, 2010.

Nussbaum, Martha C. Creating Capabilities: The Human Development Approach. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2011.

Ong, Aihwa. Neoliberalism as Exception: Mutations in Citizenship and Sovereignty. Durham: Duke University Press, 2006.

Ostry, Jonathan D., Prakash Loungani & Davide Furceri. “Neoliberalism: Oversold?.” Finance & Development. vol. 53, no. 2 (2016). pp. 38-41.

Peck, Jamie. Constructions of Neoliberal Reason. Oxford: Oxford University Press, 2010.

Piketty, Thomas. Capital in the Twenty-First Century. Cambridge, MA: The Belknap Press of Harvard University Press, 2014.

Plehwe, Dieter, Quinn Slobodian & Philip Mirowski (eds.). Nine Lives of Neoliberalism. London: Verso, 2020.

Polanyi, Karl. The Great Transformation: The Political and Economic Origins of Our Time. New York: Farrar & Rinehart, 1944.

Posner, Richard A. Economic Analysis of Law. Boston: Little, Brown and Company, 1973.

Przeworski, Adam. Democracy and the Market: Political and Economic Reforms in Eastern Europe and Latin America. Cambridge: Cambridge University Press, 1991.

Putnam, Robert D. Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community. New York: Simon & Schuster, 2000.

Rodrik, Dani. The Globalization Paradox: Democracy and the Future of the World Economy. New York: W.W. Norton & Co., 2011.

Ryner, Magnus. Capitalist Restructuring, Globalisation and the Third Way: Lessons from the Swedish Model. London: Routledge, 2002.

Saad-Filho, Alfredo & Deborah Johnston (eds.). Neoliberalism: A Critical Reader. London: Pluto Press, 2005.

Sandbrook, Richard. “Polanyi and Post-neoliberalism in the Global South: Dilemmas of Re-embedding the Economy.” New Political Economy. vol. 16, no. 4 (2011). pp. 415-443.

Sen, Amartya. Development as Freedom. New York: Knopf, 1999.

Slobodian, Quinn. Globalists: The End of Empire and the Birth of Neoliberalism. Harvard: Harvard University Press, 2018.

Smith, Adam. An Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations. R. H. Campbell & Andrew S. Skinner (eds.). Oxford: Clarendon Press; New York: Oxford University Press, 1976.

Spronk, Susan & Jeffery R. Webber. “Struggles against Accumulation by Dispossession in Bolivia: The Political Economy of Natural Resource Contention.” Latin American Perspectives. vol. 34, no. 2 (2007). pp. 31-47.

Standing, Guy. The Precariat: The New Dangerous Class. London: Bloomsbury Academic, 2011.

Stigler, George J. “The Theory of Economic Regulation.” The Bell Journal of Economics and Management Science. vol. 2, no. 1 (1971). pp. 3-21.

Stiglitz, Joseph E. Globalization and Its Discontents . New York: W.W. Norton, 2002.

_______. People, Power, and Profits: Progressive Capitalism for an Age of Discontent. New York: W.W. Norton & Company, 2019.

Thatcher, Margaret. “Interview ("no such thing [as society]").” Woman's Own (23 September 1987). pp. 8-10.

Thorsen, Dag Einar. “The Neoliberal Challenge: What Is Neoliberalism?.” Contemporary Readings in Law and Social Justice. vol. 2, no. 2 (2010). pp. 188-214.

“Trade (% of GDP).” World Bank. at: https://acr.ps/1L9zRvk

“Union Members—2020, News Release.” U.S. Bureau of Labor Statistics. 22/1/2021. at: https://acr.ps/1L9zRIa

Venugopal, Rajesh. “Neoliberalism as Concept.” Economy and Society. vol. 44, issue 2 (2015). pp. 165-187.

Wacquant, Loïc J. D. Punishing the Poor: The Neoliberal Government of Social Insecurity. Durham, NC: Duke University Press, 2009.

Wade, Robert Hunter. “What Strategies Are Viable for Developing Countries Today? The World Trade Organization and the Shrinking of 'Development Space'.” Review of International Political Economy. vol. 10, issue 4 (2003). pp. 621-644.

Walton, John & David Seddon. Free Markets and Food Riots: The Politics of Global Adjustment. Oxford, UK: Wiley-Blackwell, 1994.

Williamson, John (ed.). Latin American Adjustment: How Much Has Happened?. Washington, D.C.: Institute for International Economics, 1990.

[1] Daniel Stedman Jones, Masters of the Universe: Hayek, Friedman, and the Birth of Neoliberal Politics (Princeton: Princeton University Press, 2012).

[2] Miguel A. Centeno & Joseph N. Cohen, “The Arc of Neoliberalism,” Annual Review of Sociology, vol. 38 (2012), pp. 317-340.

[3] David M. Kotz, The Rise and Fall of Neoliberal Capitalism (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2015).

[4] David Harvey, A Brief History of Neoliberalism (Oxford: Oxford University Press, 2005); Thomas Piketty, Capital in the Twenty-First Century (Cambridge, MA: The Belknap Press of Harvard University Press, 2014).

[5] Wendy Brown, Undoing the Demos: Neoliberalism’s Stealth Revolution (New York: Zone Books, 2015); Joseph E. Stiglitz, People, Power, and Profits: Progressive Capitalism for an Age of Discontent (New York: W.W. Norton & Company, 2019).

[6] في الولايات المتحدة الأميركية، يُعدّ "قانون الهواء النظيف" (Clean Air Act) القانون الاتحادي الأساسي لمكافحة تلوث الهواء. وقد صدر لأول مرة في عام 1963، ثم وُسّع نطاقه على نحو كبير في أعوام 1970، و1977، و1990، لتمكين "وكالة حماية البيئة" (EPA) من وضع معايير وطنية لجودة الهواء، وتنظيم الانبعاثات الصادرة عن المصادر الصناعية، والمتنقلة، والخطرة. وهو يجسّد تأثير السياسات النيوليبرالية، على غرار تراجع وكالة حماية البيئة في الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2026 عن استنتاج عام 2009 بشأن خطورة غازات الدفيئة والمعايير ذات الصلة للمركبات.

[7] Naomi Klein, This Changes Everything: Capitalism vs. the Climate (New York: Simon & Schuster, 2014).

[8] Peter Newell & Matthew Paterson, Climate Capitalism: Global Warming and the Transformation of the Global Economy (Cambridge: Cambridge University Press, 2010).

[9] Harvey, op. cit.

[10] Adam Smith, An Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations, R. H. Campbell & Andrew S. Skinner (eds.) (Oxford: Clarendon Press; New York: Oxford University Press, 1976).

[11] Dag Einar Thorsen, “The Neoliberal Challenge: What Is Neoliberalism?,” Contemporary Readings in Law and Social Justice, vol. 2, no. 2 (2010), pp. 188-214.

[12] Philip Mirowski & Dieter Plehwe (eds.), The Road from Mont Pèlerin: The Making of the Neoliberal Thought Collective (Cambridge: Harvard University Press, 2009).

[13] Taylor C. Boas & Jordan Gans-Morse, “Neoliberalism: From New Liberal Philosophy to Anti-Liberal Slogan,” Studies in Comparative International Development, vol. 44, no. 2 (February 2009), pp. 137-161.

[14] Jones, op. cit.

[15] Quinn Slobodian, Globalists: The End of Empire and the Birth of Neoliberalism (Harvard: Harvard University Press, 2018).

[16] Ibid.

[17] Mirowski & Plehwe, op. cit.

[18] Jones, op. cit.

[19] كما يتجلّى مثلًا من خلال تبنّي مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي في عام 1979 سياسة نقدية تقييدية للحدّ من التضخم، وهو ما يعكس أفكار ميلتون فريدمان. ينظر:

Harvey, op. cit.

[20] Jones, op. cit.

[21] Harvey, op. cit.

[22] Centeno & Cohen, op. cit.

[23] Jones, op. cit.

[24] وهم من يُسمّون "فتيان شيكاغو" (Chicago Boys)، نسبة إلى تلقّيهم تدريبًا مع ميلتون فريدمان في جامعة شيكاغو.

[25] Boas & Gans-Morse, op. cit.

[26] Harvey, op. cit.

[27] Boas & Gans-Morse, op. cit.

[28] Harvey, op. cit.

[29] John Williamson (ed.), Latin American Adjustment: How Much Has Happened? (Washington, D.C.: Institute for International Economics, 1990), pp. 7-20.

[30] Ibid.

[31] Ibid.

[32] Centeno & Cohen, op. cit.

[33] Harvey, op. cit.

[34] Stiglitz, People, Power, and Profits, op. cit.

[35] Steve Ellner (ed.), Latin America's Pink Tide: Breakthroughs and Shortcomings (Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 2020).

[36] Colin Crouch, The Strange Non-Death of Neoliberalism (Cambridge, UK: Polity Press, 2011).

[37] Stiglitz, People, Power, and Profits, op. cit.;

وقد بلغ مدى هذه القراءات النقدية أنها أتت حتى من داخل المنظومة النيوليبرالية، على غرار قسم الأبحاث في صندوق النقد الدولي الذي نشر نقدًا ملحوظًا بعنوان "النيوليبرالية: هل جرت المبالغة في تمجيدها؟"، اعترف فيه بأنّ بعض السياسات النيوليبرالية، على غرار تخفيضات الميزانية المدفوعة بالتقشّف، قد أنتجت آثارًا جانبية ضارّة مثل زيادة عدم المساواة وعدم الاستقرار الاقتصادي. ينظر:

Jonathan D. Ostry, Prakash Loungani & Davide Furceri, “Neoliberalism: Oversold?,” Finance & Development, vol. 53, no. 2 (2016), pp. 38-41.

[38] Crouch, op. cit.

[39] Dieter Plehwe, Quinn Slobodian & Philip Mirowski (eds.), Nine Lives of Neoliberalism (London: Verso, 2020).

[40] Harvey, op. cit.

[41] Friedrich A. Hayek, The Road to Serfdom (London: George Routledge & Sons, 1944).

[42] Ibid.

[43] Slobodian, op. cit.

[44] Milton Friedman & Rose D. Friedman, Capitalism and Freedom (Chicago: University of Chicago Press, 1962).

[45] Ibid.

[46] Friedrich A. von Hayek, The Constitution of Liberty (Chicago: University of Chicago Press, 1960).

[47] Gary S. Becker, The Economic Approach to Human Behavior (Chicago: University of Chicago Press, 1976).

[48] Brown, op. cit.

[49] George J. Stigler, “The Theory of Economic Regulation,” The Bell Journal of Economics and Management Science, vol. 2, no. 1 (1971), pp. 3-21.

[50] Harvey, op. cit.

[51] Williamson (ed.), op. cit.

[52] Friedman & Friedman, Capitalism and Freedom, op. cit.

[53] Centeno & Cohen, op. cit.

[54] James M. Buchanan & Gordon Tullock, The Calculus of Consent: Logical Foundations of Constitutional Democracy (Ann Arbor: University of Michigan Press, 1962).

[55] Jones, op. cit.

[56] Hayek, The Constitution of Liberty, op. cit.

[57] James M. Buchanan, The Limits of Liberty: Between Anarchy and Leviathan (Chicago: University of Chicago Press, 1975).

[58] Hayek, The Constitution of Liberty, op. cit.

[59] Harvey, op. cit.

[60] Stuart Hall, The Hard Road to Renewal: Thatcherism and the Crisis of the Left (London: Verso, 1988).

[61] Greta R. Krippner, Capitalizing on Crisis: The Political Origins of the Rise of Finance (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2011).

[62] Werner Bonefeld, The Strong State and the Free Economy (London: Rowman & Littlefield International, 2017).

[63] Ralf Ptak, “Neoliberalism in Germany: Revisiting the Ordoliberal Foundations of the Social Market Economy,” in: Philip Mirowski & Dieter Plehwe (eds.), The Road from Mont Pèlerin: The Making of the Neoliberal Thought Collective (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2009), pp. 98-138.

[64] Pierre Dardot & Christian Laval, The New Way of the World: On Neoliberal Society (London: Verso, 2013).

[65] Aihwa Ong, Neoliberalism as Exception: Mutations in Citizenship and Sovereignty (Durham: Duke University Press, 2006).

[66] Harvey, op. cit.

[67] Robert Hunter Wade, “What Strategies Are Viable for Developing Countries Today? The World Trade Organization and the Shrinking of 'Development Space',” Review of International Political Economy, vol. 10, issue 4 (2003), pp. 621-644.

[68] Williamson (ed.), op. cit.

[69] Jean Grugel & Pia Riggirozzi, “Post-Neoliberalism in Latin America: Rebuilding and Reclaiming the State after Crisis,” Development and Change, vol. 43, issue 1 (2012), pp. 1-21.

[70] ومنها على سبيل المثال برنامج "بدل الأسرة" (Bolsa Família) في البرازيل، الذي جاء به الرئيس لولا دا سيلفا عام 2003.

[71] Richard Sandbrook, “Polanyi and Post-neoliberalism in the Global South: Dilemmas of Re-embedding the Economy,” New Political Economy, vol. 16, no. 4 (2011), pp. 415-443.

[72] Magnus Ryner, Capitalist Restructuring, Globalisation and the Third Way: Lessons from the Swedish Model (London: Routledge, 2002).

[73] Jonas Pontusson, “Once Again a Model: Nordic Social Democracy in a Globalized World,” in: James E. Cronin, George Ross & James Shoch (eds.), What's Left of the Left: Democrats and Social Democrats in Challenging Times (Durham: Duke University Press, 2011), pp. 89-115.

[74] Jenny Andersson, The Library and the Workshop: Social Democracy and Capitalism in the Knowledge Age (Stanford: Stanford University Press, 2010).

[75] عزمي بشارة، مقالة في الحرية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص 142.

[76] Friedrich A. Hayek, “Los principios de un orden social liberal,” Estudios Públicos, no. 6 (Mar. 1982), p. 180, accessed on 6/5/2026, at: https://acr.ps/1L9zRo2

[77] Friedrich A. Hayek, “Interview,” El Mercurio, 12/4/1981, Quoted in: Bruce Caldwell & Leonidas Montes, “Friedrich Hayek and his visits to Chile,” The Review of Austrian Economics, vol. 28, no. 3 (2015), p. 298.

[78] Adam Przeworski, Democracy and the Market: Political and Economic Reforms in Eastern Europe and Latin America (Cambridge: Cambridge University Press, 1991).

[79] Johanna Bockman, Markets in the Name of Socialism: The Left-Wing Origins of Neoliberalism (Stanford: Stanford University Press, 2011).

[80] Joseph E. Stiglitz, Globalization and Its Discontents (New York: W.W. Norton, 2002).

[81] Dani Rodrik, The Globalization Paradox: Democracy and the Future of the World Economy (New York: W.W. Norton & Co., 2011).

[82] Michel Foucault et al., Naissance de la biopolitique. Cours au Collège de France. 1978-1979, coll. Hautes Études (Paris: Gallimard/Seuil, 2004), p. 274.

[83] Gary S. Becker, Human Capital, 2nd ed. (New York: Columbia University Press, 1964).

[84] Brown, op. cit.

[85] Thomas Biebricher, The Political Theory of Neoliberalism (Stanford: Stanford University Press, 2018).

[86] بشارة، مقالة في الحرية، ص 138، 140، 141.

[87] عزمي بشارة، "الشعبوية والأزمة الدائمة للديمقراطية"، سياسات عربية، مج 7، العدد 40 (أيلول/ سبتمبر 2019)، ص 7-34.

[88] المرجع نفسه، ص 21-22.

[89] Pierre Bourdieu, Anthropologie économique. Cours au Collège de France 1992-1993 (Paris: Seuil & Raisons d’Agir, 2017), p. 222.

[90] Pierre Bourdieu, Contre-feux 2. Pour un mouvement social européen (Paris: Raison d’agir, 2001).

[91] كان ميلتون فريدمان مثلًا من أبرز مؤيّدي خوصصة قطاع التعليم، ينظر:

Milton Friedman, “The Promise of Vouchers,” The Wall Street Journal, 5/12/2005, accessed on 6/5/2026, at: https://acr.ps/hBxQI05

[92] اقترح مثلًا ديفيد فريدمان، ابن ميلتون فريدمان، خوصصة الشرطة والعدل والدفاع، ينظر:

David D. Friedman, The Machinery of Freedom: Guide to a Radical Capitalism, 2nd ed. (Chicago: Open Court, 1989 [1973]).

[93] Ibid.

[94] Loïc J. D. Wacquant, Punishing the Poor: The Neoliberal Government of Social Insecurity (Durham, NC: Duke University Press, 2009).

[95] Ibid.

[96] Robert D. Putnam, Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community (New York: Simon & Schuster, 2000).

[97] Hayek, The Road to Serfdom, op. cit.

[98] Ibid.

[99] Hayek, The Constitution of Liberty, op. cit.

[100] Ibid.

[101] Jones, op. cit.

[102] Milton Friedman & Anna J. Schwartz, A Monetary History of the United States, 1867-1960 (Princeton, New Jersey: Princeton University Press, 1963).

[103] Friedman & Friedman, Capitalism and Freedom, op. cit.

[104] Harvey, op. cit.

[105] Friedman & Friedman, Capitalism and Freedom, op. cit.

[106] Ibid.

[107] Milton Friedman & Rose D. Friedman, Free to Choose: A Personal Statement (New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1980).

[108] Stigler, op cit.

[109] Becker, The Economic Approach, op. cit.

[110] Richard A. Posner, Economic Analysis of Law (Boston: Little, Brown and Company, 1973).

[111] Buchanan & Tullock, op. cit.

[112] Buchanan, op. cit.

[113] Milton Friedman, There's No Such Thing as a Free Lunch (LaSalle, IL: Open Court, 1975).

[114] Mirowski & Plehwe, op. cit.

[115] Jones, op. cit.

[116] Foucault et al., op. cit.

[117] Peter A. Hall, “Policy Paradigms, Social Learning, and the State: The Case of Economic Policymaking in Britain,” Comparative Politics, vol. 25, no. 3 (1993), pp. 275-296.

[118] Margaret Thatcher, “Interview ("no such thing [as society]"),” Woman's Own (23 September 1987), pp. 8-10.

[119] Piketty, op. cit.

[120] Slobodian, op. cit.

[121] Mark Blyth, Great Transformations: Economic Ideas and Institutional Change in the Twentieth Century (New York: Cambridge University Press, 2002).

[122] Jane Kelsey, The New Zealand Experiment: A World Model for Structural Adjustment? (Auckland: Auckland University Press, 1997).

[123] Wayne A. Cornelius, Ann L. Craig & Jonathan Fox (eds.), Transforming State-Society Relations in Mexico: The National Solidarity Strategy (San Diego: University of California, 1994).

[124] Peter Kingstone, “The Rise and Fall (and Rise Again?) of Neoliberalism in Latin America,” in: Damien Cahill et al. (eds.), The SAGE Handbook of Neoliberalism (Los Angeles: SAGE Reference, 2018), pp. 201-218.

[125] Ibid.

[126] Susan Spronk & Jeffery R. Webber, “Struggles against Accumulation by Dispossession in Bolivia: The Political Economy of Natural Resource Contention,” Latin American Perspectives, vol. 34, no. 2 (2007), pp. 31-47.

[127] Harvey, op. cit.

[128] Stiglitz, Globalization and Its Discontents, op. cit.

[129] Brown, op. cit.

[130] Anders Aslund, How Capitalism Was Built: The Transformation of Central and Eastern Europe, Russia, and Central Asia (Cambridge: Cambridge University Press, 2007).

[131] Rolph Van Der Hoeven & Fred Van Der Kraaij (eds.), Structural Adjustment and Beyond: Long-Term Development in Sub-Saharan Africa (London: James Currey, 1994).

[132] أُطلق على هذه الاحتجاجات تسمية "أعمال شغب صندوق النقد الدولي" (IMF Riots).

[133] John Walton & David Seddon, Free Markets and Food Riots: The Politics of Global Adjustment (Oxford, UK: Wiley-Blackwell, 1994).

[134] Ostry, Loungani & Furceri, op. cit.

[135] Koenraad Bogaert, “Contextualizing the Arab Revolts: The Politics behind Three Decades of Neoliberalism in the Arab World,” Middle East Critique, vol. 22, issue 3 (2013), pp. 213-234; Joel Beinin & Frédéric Vairel (eds.), Social Movements, Mobilization, and Contestation in the Middle East and North Africa, 2nd ed. (Palo Alto: Stanford University Press, 2013).

[136] Harvey, op. cit.

[137] Blyth, op. cit.

[138] William L. Megginson & Jeffry M. Netter, “From State to Market: A Survey of Empirical Studies on Privatization,” Journal of Economic Literature, vol. 39, no. 2 (Jun. 2001), pp. 321-389.

[139] Guy Standing, The Precariat: The New Dangerous Class (London: Bloomsbury Academic, 2011).

[140] “Historical Highest Marginal Income Tax Rates,” Tax Policy Center, 11/5/2023, accessed on 6/5/2025, at: https://acr.ps/1L9zSco

[141] Piketty, op. cit.

[142] Alfredo Saad-Filho & Deborah Johnston (eds.), Neoliberalism: A Critical Reader (London: Pluto Press, 2005).

[143] “Trade (% of GDP),” World Bank, accessed on 6/5/2026, at: https://acr.ps/1L9zRvk

[144] على سبيل المثال في "حزام الصدأ" (Rust Belt) في الولايات المتحدة الأميركية، وفي بعض مناطق شمال إنكلترا.

[145] أسهم ذلك في نجاح بعض السياسات الشعبوية، مثلًا مع انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (البريكست) عام 2016، أو انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية في السنة نفسها.

[146] David Dollar & Aart Kraay, “Trade, Growth, and Poverty,” The Economic Journal, vol. 114, no. 493 (Feb. 2004), pp. F22-F49.

[147] Ibid.

[148] Philip Mirowski, Never Let a Serious Crisis Go to Waste: How Neoliberalism Survived the Financial Meltdown (London: Verso, 2013).

[149] Piketty, op. cit.

[150] Engelbert Stockhammer, “Why Have Wage Shares Fallen? An Analysis of the Determinants of Functional Income Distribution,” in: Marc Lavoie & Engelbert Stockhammer (eds.), Wage-Led Growth: An Equitable Strategy for Economic Recovery (London\ New York: Palgrave Macmillan, 2013), pp. 40-70.

[151] Ostry, Loungani & Furceri, op. cit.

[152] “Union Members—2020, News Release,” U.S. Bureau of Labor Statistics, 22/1/2021, accessed on 6/5/2026, at: https://acr.ps/1L9zRIa

[153] Piketty, pp. 24-26.

[154] Harvey, op. cit.

[155] يُنظر في ذلك مثلًا:

Arghiri Emmanuel, L’échange inégal (Paris: François Maspero, 1969); Samir Amin, Les défis de la mondialisation (Paris: L’Harmattan, 1996).

[156] Chris Armstrong, Rethinking Equality: The Challenge of Equal Citizenship (Manchester, UK: Manchester University Press, 2006), p. 71.

[157] Stiglitz, Globalization and Its Discontents, op. cit.

[158] Mirowski, op cit.

[159] Naomi Klein, The Shock Doctrine: The Rise of Disaster Capitalism (New York: Metropolitan Books, 2007).

[160] Blyth, op. cit.

[161] Rodrik, op. cit.

[162] Ha-Joon Chang, Kicking Away the Ladder: Development Strategy in Historical Perspective (London: Anthem Press, 2002).

[163] باسل البستاني، الإنسانية في مواجهة النيوليبرالية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2018)، ص 216.

[164] Amartya Sen, Development as Freedom (New York: Knopf, 1999).

[165] Martha C. Nussbaum, Creating Capabilities: The Human Development Approach (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2011).

[166] Eduardo Gudynas, “Buen Vivir: Today's Tomorrow,” Development, vol. 54, no. 4 (2011), pp. 441-447.

[167] Serge Latouche, Survivre au développement: de la décolonisation de l'imaginaire économique à la construction d'une société alternative (Paris: Mille et Une Nuits, 2004); Serge Latouche, Le Pari de la décroissance (Paris: Fayard, 2010).

[168] Karl Polanyi, The Great Transformation: The Political and Economic Origins of Our Time (New York: Farrar & Rinehart, 1944).

[169] Standing, op. cit.

[170] Henry A. Giroux, Neoliberalism’s War on Higher Education (Chicago: Haymarket Books, 2014).

[171] Jo Littler, “The Rise of the ‘Yummy Mummy’: Popular Conservatism and the Neoliberal Maternal in Contemporary British Culture,” Communication, Culture and Critique, vol. 6, no. 2 (2013), pp. 227-243.

[172] Nancy Fraser, Fortunes of Feminism: From State-Managed Capitalism to Neoliberal Crisis (Brooklyn, NY: Verso Books, 2013).

[173] Noel Castree, “Neoliberalising Nature: The Logics of Deregulation and Reregulation,” Environment and Planning A, vol. 40, no.1 (Jan. 2008), pp. 131-152.

[174] Boas & Gans-Morse, op. cit.; Rajesh Venugopal, “Neoliberalism as Concept,” Economy and Society, vol. 44, issue 2 (2015), pp. 165-187.

[175] Brown, op. cit.

[176] Jamie Peck, Constructions of Neoliberal Reason (Oxford: Oxford University Press, 2010).

[177] Harvey, op. cit.

[178] Spronk & Webber, op. cit.

[179] Dollar & Kraay, op. cit.

[180] Piketty, op. cit.; Stiglitz, People, Power, and Profits, op. cit.

المحتويات

الهوامش