تسجيل الدخول

دولة الرفاه

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

التعريفنموذج للدولة يضمن الرفاه الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين على أساس التضامن الاجتماعي والعدالة التوزيعية
تاريخ الظهوربداياته الحديثة في القرن التاسع عشر؛ تبلور في الكساد الكبير وبعد الحرب العالمية الثانية
الأساس الفلسفيتكافؤ الفرص، التوزيع العادل للثروة، والمسؤولية العامة تجاه غير القادرين
الآلياتالتأمين الاجتماعي، إعادة التوزيع، خدمات اجتماعية عينية، مزايا نقدية​
أمثلة للخدمات
الرعاية الصحية، رعاية الأطفال، معاشات التقاعد، إعانات البطالة​
مناطق الانتشارغرب أوروبا (ألمانيا، فرنسا، النمسا، إيطاليا، بلجيكا)؛ 
شمال أوروبا (السويد، النرويج، الدنمارك، فنلندا، هولندا)؛ أمريكا الشمالية (الولايات المتحدة، كندا)؛ أستراليا

دولة الرفاه نموذجٌ للدولة التي توفّر الرفاه الاقتصادي والاجتماعي لمواطنيها، وذلك على أساس التضامن الاجتماعي، والعدالة الاجتماعية التوزيعية. وتتضمن أنشطة دول الرفاه خدمات اجتماعية عينية، مثل الخدمات الصحية، أو خدمات رعاية الأطفال، بالإضافة إلى توفير مزايا اجتماعية نقدية، من قبيل معاشات التقاعد أو إعانات البطالة. وقد بدأت الأشكال الحديثة لدولة الرفاه في الظهور منذ القرن التاسع عشر، قبل أن تتبلور في أشكالها المعاصرة في فترة الكساد الكبير {{الكساد الكبير: انكماش اقتصادي حاد بدأ في العام 1929 واستمر عشر سنوات. كانت أسوأ آثاره على الولايات المتحدة الأميركية، إذ اتسمت تلك الفترة بارتفاع معدل البطالة ونسبة الفقر، وانخفاض كبير في الإنتاج الصناعي وفي حجم التجارة الدولية.}}، وفي الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، لتنتشر في النصف الثاني من القرن العشرين أشكالٌ وسياساتٌ مختلفة لدولة الرفاه الاجتماعية داخل العالم الغربي وخارجه.

خلفية ع​امة

دولة الرفاه شكلٌ من أشكال الحُكم تحمي فيه الدولة {{الدولة: إطار جامع لشعب أو إقليم يُنظَّم في هيئة مجتمع سياسي تحت إدارة حكومة واحدة، وتكون للدولة السيادة الحصرية على الإقليم الجغرافي الذي تشغله.}} الرفاهَ الاقتصادي والاجتماعي لمواطنيها وتعزّزه، وذلك على أساس مبادئ تكافؤ الفرص، والتوزيع العادل للثروة، والمسؤولية العامة تجاه المواطنين غير القادرين على الاستفادة من الشروط الدنيا لحياة كريمة. والأداة الأساسية لدولة الرفاه هي إعادة التوزيع (Redistribution) من خلال التأمين الاجتماعي {{التأمين الاجتماعي: نظام يدفع فيه مستخدمو النظام، أو أصحاب العمل الذي يعملون فيه، إسهامات لتوفير إعانات اجتماعية عاجلة أو آجلة، سواء للمشتركين أنفسهم أو لوَرَثتهم. وقد يكون هذا التأمين من جهات حكومية أو خاصة. قد تكون هذه الإعانات نقدية أو عينية في حال الحوادث أو الظروف المعيشية الصعبة.}} الذي ينتج من تعميم المخاطر عبر التأمين ضد البطالة، والتأمين الصحي، والتأمين ضد مخاطر العمل، وتأمين التقاعد. ولدولة الرفاه أشكال مختلفة، تشمل سياسات متعددة، ومزيجًا بين القطاعين العام والخاص، ومستويات إقليمية أو وطنية مختلفة[1]، تستهدف دعم الأسر أو الأشخاص في الطبقات الاجتماعية الدنيا، أو من هم من ذوي الاحتياجات الخاصة {{ذوي الاحتياجات الخاصة: أشخاص تكون لديهم بعض المتطلبات الخاصة، بسبب تحديات جسدية أو ذهنية أو صعوبات في التعلُّم.}}. وتشمل أنشطة دول الرفاه الحالية أساسًا الخدمات الاجتماعية العينية، مثل الخدمات الصحية، أو خدمات رعاية الأطفال، بالإضافة إلى توفير المزايا الاجتماعية النقدية، من قبيل معاشات التقاعد أو إعانات البطالة، على نحوٍ من شأنه أن يعزّز توزيع الرفاه والاستقلال الشخصي للمواطنين.

وإن كان للدولة الاجتماعية العديد من التجليات عبر التاريخ، فإنّ أشكالها الحديثة لم تبدأ في التبلور سوى مع نهاية القرن التاسع عشر في بعض الدول الغربية الصناعية، وقد أدت الأحداث الكبرى التي ميّزت النصف الأول من القرن العشرين، مثل الحرب العالمية الأولى، أو الكساد الكبير، أو الحرب العالمية الثانية، إلى توسيع دائرة تدابير الرعاية الاجتماعية، والتأمين الاجتماعي، والتقاعد العام، وإضفاء السمة المؤسسية عليها، في حين أنّ الأشكال الشاملة لدولة الرفاه لم تتبلور تبلورًا نهائيًّا سوى في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

الجذور التاريخية لدولة الرفاه

تضرب السياسات الاجتماعية للدولة في عمق التاريخ؛ ففي التاريخ العربي الإسلامي، على سبيل المثال، تأسَّس منذ القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي نظام الزكاة المؤسسي، إلى جانب منظومة الإحسان الفردي، وهو نظامٌ يُحسَب على أساس الممتلكات التي تفوق حدًّا معينًا سنويًّا (النّصاب)، ويُخصّص أساسًا للفقراء والمعوزين. كما أُنشِئ بيت المال {{بيت المال: مؤسسة مالية ظهرت في بواكير الإسلام، تُحفظ فيها الأموال النقدية أو العينية، وتصرَف في المصالح العامة.}} في عهد عمر بن الخطاب (ت. 23هـ/ 644م) لتحصيل إيرادات الدولة، ولتخزين المواد الغذائية وتوزيعها أيضًا، إضافة إلى إرساء أسس أولية لمنظومةٍ للتضامن والتكافل الاجتماعي، من خلال إنشاء الدواوين وتقييد أسماء الناس فيها وفرض العطاء لهم[2]. وفي القرن التاسع الميلادي، أنشأ عبد الله المأمون (170ه/ 786م- 218ه/ 833م) البيمارستان (ويسمَّى أيضًا المارستان، أو دار الشفاء)، وهي أولى المستشفيات التي قدمت رعايةً صحية مجانية، وموّلتها الخزانة العامة.

في العالم الغربي، كانت الرعاية الاجتماعية في الماض​ي مرتبطةً أساسًا بالإحسان، وهي من مسؤولية الكنيسة. ومع القرن السادس عشر، بدأ بالتدريج ظهور نظام مؤسسي للرعاية الاجتماعية، وأُنشئَ العديد من الجمعيات الخيرية تحت إشراف الكنيسة، إضافة إلى بعض الجمعيات المهنية[3]. وبسبب الصعوبات المالية التي ستؤثر في الكنيسة في نهاية العصور الوسطى، ستبدأ بالتدريج عملية عَلمنة إدارة مؤسسات المساعدة الاجتماعية التقليدية. وتُعدّ قوانين الفقراء {{قوانين الفقراء: منظومة بريطانية للرعاية الاجتماعية، من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين. كان الهدف منها تقديم الدعم والإغاثة للفقراء، لكنها انطوت أيضًا على شيء من الرقابة الاجتماعية، وقد أُدخل عليها تعديلات في العام 1834.}} (Poor laws) في إنكلترا منذ القرن السادس عشر مثالًا للرعاية الاجتماعية الموكَلة إلى الكنائس والأبرشيات، إذ كانت هذه القوانين تُلزمها بتوفير فرص العمل للفقراء الأصحاء، وبذلك عُقِدت علاقة مباشرة بين الفقر والبطالة[4]، بيد أنّ سياسة الرعاية الاجتماعية هذه ستتوقّف في بداية القرن التاسع عشر، حين انتقدها الاقتصاديون الكلاسيكيون بوصفها عائقًا أمام تطوّر القطاع الصناعي الناشئ، لمصلحة عودة الدولة إلى وظائفها السيادية (الدفاع، والشرطة، والعدالة، وغيرها). وهكذا وَضع قانون الفقراء الجديد في عام 1834 حدًّا لسياسة رعاية المعوزين، التي عُدَّتْ مُرهِقةً للغاية للمجتمع، وفرض احتجازهم في دور العمل {{دور العمل: مؤسسات لتقديم الطعام والمأوى، إضافةً للعمل، للفقراء في بريطانيا وأوروبا خلال القرن السابع عشر والثامن عشر. ومع أن الهدف منها كان إغاثة الفقراء ورعايتهم، كانت الظروف الحياتية فيها غالبًا قاسية، للتثبيط من الاعتماد عليها.}} (Workhouses) وفقًا لمبدأ الأهلية الأقل، أي أن ظروف العيش لمن يتلقّون المساعدة الاجتماعية ينبغي أن تكون أقلّ جودةً من ظروف عيش مَن يكسبون عيشهم بعرق جبينهم من عمل مأجور[5].

في القرن التاسع عشر، شهدت ألمانيا أيضًا نشأة أول نظام معمّم للحماية الاجتماعية، فقد اعتمد أوتو فون بسمارك (Bismarck Otto von، 1815-1898) العديد من الإجراءات التي تهدف إلى إرضاء الطبقة العاملة {{الطبقة العاملة: مجموعة اقتصادية واجتماعية، تنخرط غالبًا في العمل اليدوي والوظائف الخدمية، وتكون رواتبها منخفضة؛ فتبذل مجهودًا بدنيًّا ويكون عملها روتينيًّا. نظرًا لاعتمادها على الرواتب، فغالبًا ما تعاني صعوبات مالية، ولا تمتلك مدخرات، ويكون لديها انعدام في الأمن الوظيفي والاستقرار المالي.}}، ومَنْعِ عودة خصومه إلى المشهد السياسي، مع إقرار أول تأمين صحي إلزامي للعمال الصناعيين - على سبيل المثال - في عام 1883، أو قانون الحوادث الصناعية الذي ألزم الصناعيين الألمان المساهمة في الصناديق التعاونية المخصصة لتعويض الضحايا في عام 1884، أو نظام التقاعد الإلزامي الذي فرضه قانون التأمين على الشيخوخة والعجز في عام 1889[6]، وقد عرفت الدولة التي تبنّت هذه السياسات الاجتماعية في الغرب في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين باسم الدولة الاجتماعية (Sozialstaat).

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


وإن كان بَدْء استخدام مصطلح "دولة الرفاه" وانتشاره قد تزامنا مع الحرب العالمية الثانية، مع نشر كتاب Christianity and Social Order في عام 1942، لرئيس الأساقفة الأنغليكاني وليام تمبل (William Temple، 1881-1944)[7]، الكتاب الذي يتناول المسيحية والنظام الاجتماعي، فإنّ مضامينها قد تبلورت قُبيل ذلك مع الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين، وتأثيراته الهائلة من حيث ارتفاع معدلات البطالة والعوز بين ملايين الأشخاص، ما أسهم في اعتماد سياسات دولة الرفاه في الولايات المتحدة الأميركية، وفي العديد من البلدان الغربية[8]؛ إذ بدأ يُنظر إلى دولة الرفاه - خلال فترة الكساد الكبير - بوصفها الطريق الثالث بين الاشتراكية {{الاشتراكية: نظرية سياسية واقتصادية للتنظيم الاجتماعي والسياسي، ترى أن وسائل الإنتاج والتوزيع والتبادل الاقتصادي يجب أن تكون مملوكة أو منظمة من قبل المجتمع ككل.}} والرأسمالية {{الرأسمالية: نظام اقتصادي وسياسي يجري فيه التحكم في التجارة والصناعة من قبل القطاع الخاص بهدف تحقيق الربح.}}[9]، وفي الفترة التي تَلَت الحرب العالمية الثانية، انتقلت بعض دول أوروبا الغربية من توفير الخدمات الاجتماعية جزئيًّا أو انتقائيًّا إلى التغطية الكاملة نسبيًّا للسكان "من المهد إلى اللحد"[10]؛ ومنذئد بدأت أشكالٌ وسياساتٌ مختلفة لدولة الرفاه الاجتماعية في الانتشار داخل العالم الغربي وخارجه في النصف الثاني من القرن العشرين.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

طرائقها

يمكن تعريف دولة الرفاه من خلال نموذجين رئيسين: دولة الرفاه البسماركية، التي تأسست في ألمانيا بموجب قوانين عام 1880، والتي تعتمد على آلية التأمين الاجتماعي، ومنح المزايا الاجتماعية مقابل المساهمات؛ ودولة الرفاه البيفريدجية التي نشأت في بريطانيا بعد نشر تقرير بيفريدج في عام 1942[11]، والتي تمولّها الضرائب، والتي تقدِّم مزايا اجتماعية موحدة لجميع أفراد المجتمع.

ويميز غوستا إسبينغ-أندرسن (Gøsta Esping-Andersen) بين ثلاثة أنظمة رئيسة لدولة الرفاه:

  • دولة الرفاه الليبرالية، التي تتدخّل فيها الدولة فقط بوصفها ملاذًا أخيرًا، وتسعى إلى إجبار الأفراد على العودة السريعة إلى سوق العمل. ومن بين الدول النموذجية لهذا النموذج: كندا، والولايات المتحدة الأميركية، وأستراليا.
  • النموذج التشاركي المحافظ، القائم على النموذج البسماركي، إذ تعتمد جودة الرعاية الاجتماعية فيه على المهنة والدخل وفق منطق التأمين؛ بمعنى أنه نموذجٌ للتأمين الاجتماعي الإلزامي المعمم المدعوم بالعمل المأجور. ومن بين الدول النموذجية لهذا النموذج: النمسا، وألمانيا، وإيطاليا، وبلجيكا، وفرنسا.
  • النموذج الديمقراطي الاجتماعي، الذي يهدف، على عكس النظام المحافظ، إلى تعزيز الاستقلالية الفردية، من خلال دمجه بين الرعاية الاجتماعية والعمل، وهو نوعٌ من الدمج بين الليبرالية والاشتراكية. ومن بين الدول النموذجية لهذا النموذج: هولندا، والدنمارك، وفنلندا، والنرويج، والسويد[12].

الانتقادات الموجهة إليها وبدائلها

عارض الاقتصاديون الكلاسيكيون في بداية القرن التاسع عشر أيّ شكل من أشكال التأمين الاجتماعي، عادّينَ، على غرار توماس مالتوس {{توماس مالتوس: (Thomas Malthus، 1766-1834) اقتصادي ورجل دين إنكليزي، له تأثير كبير في حقل الاقتصاد السياسي والديموغرافيا، وله عدد من النظريات المهمة حول السكان والمجتمع.}}، أنه ينبغي للفقراء تحمّل تكلفة تعلّم التوفير، وضبط النفس، وحسن التقدير، كما احتجّوا أيضًا على تأثير التأمين الاجتماعي الذي من شأنه أن يُضعف الأعمال الخيرية الخاصة، ويفكّ الروابط الاجتماعية التقليدية بين الأسرة والأصدقاء والمنظمات الدينية ومنظمات الرعاية غير الحكومية. وقد عارض كارل ماركس الإصلاحات التدريجية التي اقترحها إصلاحيو الطبقة الوسطى من منطلق الشعور بالواجب؛ ففي خطاب اللجنة المركزية لعصبة الشيوعيين في عام 1850، حذّر ماركس وفريدريش إنغلز (Friedrich Engels, 1820-1895) من أن التدابير الرامية إلى رفع الأجور، وتحسين ظروف العمل، وتوفير التأمين الاجتماعي، مجرد تدابير تهدف إلى تحسين وضع الطبقات العاملة تحسينًا مؤقتًا، ومن شأنها إضعاف الوعي الثوري الضروري لتحقيق الاقتصاد الاشتراكي[13].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


وفي القرن العشرين، أعرب معارضو دولة الرفاه عن مخاوفهم بشأن خلق بيروقراطية {{بيروقراطية: آلية في الحكم والإدارة، يجري خلالها اتخاذ أغلبية القرارات المهمة من طرف المسؤولين الحكوميين، وليس من طرف جهات منتخبة.}} واسعة النطاق من شأنها أن تخدم المصالح البيروقراطية اللازمة لإدارتها، عوضًا عن خدمة المصلحة العامة، كما أشاروا إلى العبء الضريبي الذي تفرضه دولة الرفاه على طبقة المواطنين الأغنى والأكثر إنتاجية في المجتمع[14]، كما عدَّت الجماعات المحافظة والنيوليبرالية {{النيوليبرالية: نظرية في السياسة والاقتصاد تدعم الحرية الاقتصادية، ورأسمالية السوق الحر، وتحرير التجارة والخصخصة، والإصلاح الضريبي، وتقليل حجم التدخل الحكومي في الاقتصاد، مع خفض الإنفاق الحكومي. تركّز أيضًا على الحريات الفردية.}} الرفاه الاجتماعي المؤسسي خالقًا للتبعية، ومثبّطًا للعمل، ومقلّلًا فرص الأفراد في إدارة حياتهم الخاصة؛ أي أنه يخلق ثقافة الفقر التي تمنع الناس من السعي وراء إيجاد عملٍ كريم، بل إنها يمكن أن تؤدي أيضًا إلى مشاكل أخرى، مثل الأسر المتفكّكة، والجريمة[15].

وقد اقتُرِح الدخل الشامل (Universal income) بوصفه بديلًا لدولة الرفاه التقليدية، إذ تدفع الجماعة السياسية دخلًا شاملًا لجميع أعضائها، من الولادة وحتى الوفاة، على أساسٍ فردي، من دون قيدٍ أو شرط، بغضّ النظر عن مستوى الدخل أو الممتلكات أو غيرها من المتطلبات. ويعدّ مناصرو هذا النموذج أنّ نموذج دولة الرفاه لا يأخذ في الاعتبار تأثير الثروة والملكية في الاستقلالية الحقيقية للمواطنين وقدرتهم على اتخاذ القرار السياسي[16]، في حين أنّ نظام الدخل الشامل من شأنه أن يمنحهم استقلالية أكبر وحرية أوسع في تحديد خياراتهم الخاصة في الحياة، وذلك من خلال تزويدهم بالأمن المالي مدى الحياة، بغضّ النظر عن تفضيلاتهم المهنية أو مسار حياتهم[17].

وأشارت انتقادات أخرى إلى أن دولة الرفاه، إلى جانب تأثيراتها الإيجابية، تولّد وصمًا اجتماعيًّا لمن يستفيد منها[18]، وفي هذا الصدد، اقترح جون رولز (John Rawls، 1921-2002) نموذج ديمقراطية امتلاك الملكية (Property-owning democracy) لمعالجة هذا الجانب من جوانب قصور نموذج دولة الرفاه الذي تضمَن فيه الدولة الحد الاجتماعي الأدنى من خلال منطق إعادة التوزيع، ولكنها لا تفي تمامًا بمبادئ العدالة الرولزية[19]. في حين أنّ نموذج ديمقراطية امتلاك الملكية، بوصفه نظامًا اجتماعيًّا يطمح إلى توزيع الملكية على نطاق واسع في المجتمع، يسمح - وفقًا لرولز - بـ"وضع جميع المواطنين في وضعٍ يُمكّنهم من إدارة شؤونهم الخاصّة على أساسٍ من درجةٍ مناسبة من المساواة الاجتماعية والاقتصادية"[20].

وقد أشارت العديد من الدراسات إلى أنّ الضرائب والتحويلات تقلّل من الفقر تقليلًا كبيرًا في أغلب الدول الغربية، إذ تمثّل دولة الرفاه الاجتماعية ما لا يقلُّ عن خُمس الناتج المحلي الإجمالي[21]، كما بيّنت العديد من الدراسات الأخرى وجود علاقة ضعيفة بين الأداء الاقتصادي والإنفاق الاجتماعي[22]، ولم تجد أدلّة دامغة على أنّ الإنفاق الاجتماعي يسهم في فقدان الإنتاجية، ولا سيما من خلال نهج بعض السياسات الضريبية المواتية للنمو[23].

المراجع

Atkinson, Anthony B. Incomes and the Welfare State. Cambridge: Cambridge University Press, 1995.

Béland, Daniel et al. The Oxford Handbook of the Welfare State. 2nd ed. Oxford: Oxford University Press, 2021.

Blaug, Mark. “The Myth of the Old Poor Law and the Making of the New.” The Journal of Economic History. vol. 23, no. 2 (June 1963). pp. 151-184.

Davis, Adam J. “The Social and Religious Meanings of Charity in Medieval Europe.” History Compass. vol. 12, no. 12 (2014). pp. 935-950.

Day, Chris. “The Beveridge Report and the Foundations of the Welfare State.”, The National Archives, December 7, 2017. Accessed at: https://acr.ps/1L9BOZw

Eatwell, John, Murray Milgate & Peter Newman (eds.). Social Economics. New York: W.W. Norton, 1989.

Esping-Andersen, Gøsta. The Three Worlds of Welfare Capitalism. Princeton: Princeton University Press, 1990.

Lindert, Peter. Growing Public: Social Spending and Economic Growth since the Eighteenth Century. Cambridge: Cambridge University Press, 2004.

Marx, Karl, and Friedrich Engels. “Adresse du comité central à la ligue des communistes (1850).” Marxists Internet Archive. Accessed at: https://acr.ps/1L9BOWV

Moller, Stephanie et al. “Determinants of Relative Poverty in Advanced Capitalist Democracies.” American Sociological Review. vol. 68, no. 1 (2003). pp. 22-51.

Murray, Charles. Losing Ground: American Social Policy 1950-1980. New York: Basic Books, 1984.

O’Neill, Martin & Thad Williamson (eds.). Property-Owning Democracy: Rawls and Beyond. Chichester. UK: Wiley-Blackwell, 2012.

O'Hara, Phillip Anthony (ed.). Encyclopedia of Political Economy. London/ New York: Routledge, 1999.

Polanyi, Karl. The Great Transformation: The Political and Economic Origins of Our Time. Boston: Beacon Press, 2001 [1944].

Rawls, John. Justice as Fairness: A Restatement. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2001.

Ryan, Alan. The Making of Modern Liberalism. Princeton: Princeton University Press, 2012.

Scheubel, Beatrice. Bismarck's Institutions: A Historical Perspective on the Social Security Hypothesis. Tuebingen, Germany: Mohr Siebeck GmbH and Co. KG, 2013.

Thomas, Alan. Republic of Equals: Predistribution and Property-Owning Democracy. Oxford: Oxford University Press, 2016.

Van Parijs, Philippe. Arguing for Basic Income: Ethical Foundations for a Radical Reform. London: Verso, 1992.

[1] Daniel Béland & Kimberly J. Morgan, “Governance,” in: Daniel Béland et al., The Oxford Handbook of the Welfare State, 2nd ed. (Oxford: Oxford University Press, 2021), pp. 173-187.

[2] ومن ذلك ما جاء في سيرة عمر بن الخطاب أنه رأى رجلًا عجوزًا يتسوّل، فسأله عن سبب ذلك، فأخبره الرجل بأنه يهودي، ولا يملك مال الجزية، فيضطرُّ إلى التسوّل حتى يتمكّن من دفعه، فقال له عمر: "ما أنصفناك، نأخذ منك شابًّا ثم نضيّعك شيخًا، لأعطينّك من مال المسلمين"، فدفع عنه الجزية، وأجرى له من بيت المال، وذلك ممّا يتناسب مع مبدأ التضامن الاجتماعي بين الأجيال بمفهومه المعاصر.

[3] Adam J. Davis, “The Social and Religious Meanings of Charity in Medieval Europe,” History Compass, vol. 12, no. 12 (2014), pp. 935-950.

[4] Mark Blaug, “The Myth of the Old Poor Law and the Making of the New,” The Journal of Economic History, vol. 23, no. 2 (June 1963), pp. 151-184.

[5] Karl Polanyi, The Great Transformation: The Political and Economic Origins of Our Time (Boston: Beacon Press, 2001 [1944]).

[6] Beatrice Scheubel, Bismarck's Institutions: A Historical Perspective on the Social Security Hypothesis (Tuebingen, Germany: Mohr Siebeck GmbH and Co. KG, 2013).

[7] Ian Gough, “Welfare State,” in: John Eatwell, Murray Milgate & Peter Newman (eds.), Social Economics (New York: W.W. Norton, 1989), pp. 276-281.

ويعدّ بعضهم أن اجتراح عبارة "دولة الرفاه" (Welfare state) كان المقصود منه خلق تأثير عكسي في الأذهان من خلال معارضتها لدولة الحرب (Warfare state) في ألمانيا النازية.

[8] على سبيل المثال، أنشأ الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت نظام الضمان الاجتماعي الأميركي في 14 آب/ أغسطس 1935، من خلال إصدار قانون الضمان الاجتماعي ضمن سياسة الصفقة الجديدة.

[9] James R. Stanfield & Brent M. Cclintock, “Welfare State,” in: Phillip Anthony O'Hara (ed.), Encyclopedia of Political Economy (London/ New York: Routledge, 1999), p. 1245.

[10] Gøsta Esping-Andersen, The Three Worlds of Welfare Capitalism (Princeton: Princeton University Press, 1990), p. 108.

[11] تقرير بيفريدج (Beveridge Report)، وعنوانه الرسمي "التأمين الاجتماعي والخدمات المرتبطة به"(Social insurance and allied services)، هو تقرير حكومي بريطاني، صاغه الاقتصادي الليبرالي وليام بيفريدج (William Beveridge، 1879-1963)، ونُشر في تشرين الثاني/ نوفمبر 1942، وكان له تأثير كبير في تأسيس دولة الرفاه في المملكة المتحدة، وقد أكّد التقرير على أنه ينبغي للحكومة أن تسعى جاهدةً لإلغاء "الشرور الخمسة الكبرى التي تحول دون إعادة الإعمار" (Five giants on the road of reconstruction)، وهي: العوز، والمرض، والجهل، والبؤس، والكسل. يُنظر:

Day, Chris. “The Beveridge Report and the Foundations of the Welfare State.”, The National Archives, December 7, 2017, accessed on 8/12/2025, at: https://acr.ps/1L9BOZw

ويندرج تقرير بيفريدج ضمن المنظور الكينزي الذي يعدّ الإنفاق العمومي وسيلةً لتصحيح إخفاقات السوق (Market failures) ودعم عجلة الاقتصاد والمجتمع. وبُعيد ذلك، وُوجِه هذا المنظور الكينزي التدخّلي بالمنظور الليبرالي الذي أصّل له فريدريش هايك (Friedrich Hayek، 1899-1992) في عام 1944 في كتابه الطريق إلى العبودية The Road to Serfdom، الذي يرى أنّ التشاركية الاجتماعية للاقتصاد من شأنها أن تقود بشكلٍ حتمي إلى الشمولية.

[12] Esping-Andersen, p. 228.

[13] Marx, Karl, and Friedrich Engels. “Adresse du comité central à la ligue des communistes (1850).” Marxists Internet Archive, accessed on 8/12/2025, at: https://acr.ps/1L9BOWV

[14] Alan Ryan, The Making of Modern Liberalism (Princeton: Princeton University Presses, 2012), p. 26.

[15] Charles Murray, Losing Ground: American Social Policy 1950-1980 (New York: Basic Books, 1984).

[16] Martin O’Neill & Thad Williamson, “Introduction,” in: Martin O’Neill & Thad Williamson (eds.), Property-Owning Democracy: Rawls and Beyond (Chichester, UK: Wiley-Blackwell, 2012), p. 4.

[17] Philippe Van Parijs, Arguing for Basic Income: Ethical Foundations for a Radical Reform (London: Verso, 1992).

[18] Esping-Andersen, p. 228.

[19] Alan Thomas, Republic of Equals: Predistribution and Property-Owning Democracy (Oxford: Oxford University Press, 2016), p. 180.

[20] John Rawls, Justice as Fairness: A Restatement (Cambridge, MَA: Harvard University Press, 2001), p. 139.

[21] Stephanie Moller et al., “Determinants of Relative Poverty in Advanced Capitalist Democracies,” American Sociological Review, vol. 68, no. 1 (2003), pp. 22-51.

[22] Anthony B. Atkinson, Incomes and the Welfare State (Cambridge: Cambridge University Press, 1995).

[23] Peter Lindert, Growing Public: Social Spending and Economic Growth since the Eighteenth Century, (Cambridge: Cambridge University Press, 2004).


المحتويات

الهوامش