الموجز
تحطيم العقل هو عنوان كتاب لـجورج لوكاش (Georg Lukács، 1885-1971)، صدر بالألمانية عام 1954، ويُعنى بتاريخ اللاعقلانية وعلاقتها بالنزعة الإمبريالية، ولا سيما في ألمانيا، بوصف اللاعقلانية من اتجاهات الرجعية البرجوازية التي شكلت الواقع الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي. يستخدم لوكاش في كتابه المنهج النقدي التحليلي، لتوضيح تأثير اللاعقلانية السياسية في ألمانيا، منتقدًا عددًا من الفلاسفة- لأنهم مهدوا الطريق أمام الفاشية والنازية، وأسسوا لنوع من اللاعقلانية- ومدافعًا عن الماركسية والعقلانية الجدلية، بوصف ذلك سبيلًا لإنقاذ العقل.
غلاف إحدى الطبعات الألمانية لكتاب تحطيم العقل (Die Zerstörung der Vernunft) لجورج لوكاتش
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وصف الكتاب
كتاب تحطيم العقل ألفه جورج لوكاش في منفاه في الاتحاد السوفياتي (1933-1945)، وأتمه في هنغاريا (1952). ويعالج بدايات اللاعقلانية من فريدريك شيلنغ (Friedrich Wilhelm Joseph Schelling، 1775-1854) إلى فريدريك نيتشه (Friedrich Nietzsche، 1844-1900)، ويتناول اللاعقلانية الحديثة من فيلهلم ديلتاي ( Wilhelm Dilthey، 1833-1911) إلى آرنولد توينبي (Arnold J. Toynbee، 1889-1975)
غلاف الجزء الثاني من الترجمة العربية لكتاب تحطيم العقل لجورج لوكاتش
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
توزعت الترجمة العربية للكتاب على أربعة أجزاء: يتناول الجزء الأول أسس اللاعقلانية وإرهاصاتها، وانتقال شيلنغ من المثالية الموضوعية والجدلية (الديالكتيك)، متفقًا مع فريدريك هيغل (Georg Wilhelm Friedrich Hegel ، 1770-1831)، إلى الإيمان والحدس واللاعقلانية، مختلفًا معه. ويُعالج الجزء الثاني اللاعقلانية البرجوازية عند آرثر شوبنهاور (Arthur Schopenhauer، 1788-1860) وسورين كيركيغارد (Søren Kierkegaard، 1813-1855). وينتقد لوكاش أفكار نيتشه بوصفه مؤسس لاعقلانية الطور الإمبريالي لألمانيا. ويعالج الجزء الثالث فلسفة الحياة في ألمانيا الإمبريالية عند ديلتاي وجورج زيمل (Georg Simmel، 1858-1918) وأوسفالد شبينجلر (Oswald Arnold Gottfried Spengler، 1880- 1936) وآخرين، إضافة إلى الهيغلية الجديدة. أما الجزء الرابع، فيتناول السوسيولوجيا الألمانية إبان المرحلة الإمبريالية، ثم الداروينية الاجتماعية والنظرية العرقية والفاشية، فضلًا عن اللاعقلانية بعد عام 1945[2].
اللاعقلانية والنازية
تتبع لوكاش مسار اللاعقلانية في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال تحليله تاريخ ألمانيا وتياراته213ا الفلسفية، ليوضح جذور اللاعقلانية ومظاهرها الفلسفية، نظرًا إلى اعتقاده أن البيئة الفكرية والسياسية لألمانيا قد شهدت تطرفًا حادًا واتساعًا للحركة الفاشية وأيديولوجيتها، ولأن ألمانيا كانت أرضًا خصبة للاعقلانية، ولا سيما مع أدولف هتلر(Adolf Hitler، 1889-1945)[3]،لذلك، ألقى لوكاش، في كتابه تحطيم العقل، الضوء على البيئة الفكرية والفلسفية التي تمخضت عنها النازية الألمانية، ليوضح كيفية وقوع ألمانيا تحت سيطرة هتلر أيديولوجيًا وفلسفيًا، وانعكاس ذلك على مجرى الوقائع التاريخية في الفلسفة، التي أنتجت صياغات فلسفية عجلت من ظهور النازية في ألمانيا[4].
الفيلسوف المجري غيورغ لوكاتش (1885–1971)، في صورة تعود إلى عام 1956.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
فكتاب تحطيم العقل يحاجُّ في أن الدور البنيوي للفلسفة البرجوازية (بوصفها تصورات عقلية وأيديولوجية) هو إحداث التغيير في مجرى التاريخ، وتشكيل الواقع الاجتماعي والسياسي. وهذا يمثل خروجًا على التصور الماركسي التقليدي، الذي ينظر إلى الفكر (البنية الفوقية) على أنه مجرد انعكاس للبنية الاقتصادية (البنية التحتية)، فقد أعاد لوكاش تأويل كارل ماركس (Karl Heinrich Marx، 1818-1883) من خلال الاستناد إلى المنهج الجدلي الهيجلي، بحيث لا تُفهم الفكرة على أنها نتاج فحسب، بل بوصفها أداة للصراع الأيديولوجي، ومسؤولة عن انحرافات تاريخية كبرى (كما في حالة اللاعقلانية الألمانية)، لذلك، يشدد لوكاش على "هيمنة اللاعقلانية على كل الفلسفة البرجوازية لذلك العصر"[5].
خصائص اللاعقلانية
يرى لوكاش أن اللاعقلانية رد فعل على التفكير الجدلي (الديالكتيك) في أوائل القرن التاسع عشر، التي تبدأ مع فكر فريدريك شيلنغ (Schelling Friedrich، 1775-1854) بعد الثورة الفرنسية. ويتمثل جوهر اللاعقلانية في "أن حدود الفهم يجب تجاوزها، ليس بواسطة العقل، بل بواسطة نوع ما من المعرفة المزعومة التي تتعدى العقلانية". كذلك يوضح خصائصها المتمثلة -على سبيل المثال- في ازدراء العقل والفكر، والتمجيد غير النقدي للحدس، ونظرية أرستقراطية المعرفة العقلانية التي تمتلكها أقلية متميزة من الناس، والتي تنكر التقدم الاجتماعي التاريخي وتخلق الأساطير. في المقابل، تتجسد العقلانية، لدى لوكاش، في التفكير الجدلي (الديالكتيك) وقوانينه، ولا سيما الفلسفة الماركسية، بوصفها شكلًا متقدمًا من هذا التفكير[6].
يقسم لوكاش ظاهرة اللاعقلانية الحديثة إلى مرحلتين: تبدأ أولاهما خلال الأعوام 1848-1871 التي تتميز بمعارضة الفلسفات اللاعقلانية (أي شوبنهاور وكيركيغارد) للجدلية المثالية، ولا سيما فلسفة هيغل، وتهاجم أيديولوجيا البرجوازية، دفاعًا عن الرجعية (أي الإقطاعية والأرستقراطية)، وتشكل، في مجملها، رد فعل على الثورة الفرنسية. أما المرحلة الثانية (1871 -1952) فتبدأ مع أحداث كومونة باريس التي عبرت عن مطامح البروليتاريا الباريسية وبداية حيازتها لــ"رؤية عالمية" تتجسد في المادية الجدلية، وذلك في سياق نضالها الطبقي، بالضد من اللاعقلانية وفيلسوفها نيتشه، إبان هذه الحقبة[7].
منهجية لوكاش
يتبنى لوكاش منهج النقد المنبثق من الفلسفة الهيغلية-الماركسية، وهو أسلوب تحليلي يقرأ النصوص للكشف عن التناقضات العميقة، إذ يفترض أن الكتاب تبنوا مواقف فكرية معينة، سواء أكانت صريحة أم مضمرة في نصوصهم. لذلك، لا يفرض لوكاش في نقده معايير خارجية عن النص، بل يحلله من داخله، متتبعًا مصادر هذه المواقف وتطورها، ثم يضعها في إطارها التاريخي والاجتماعي الأوسع. وبهذه الطريقة، يؤدي الناقد ثلاث مهمات رئيسة تبدأ بتوضيح الفرضيات التي يستند إليها النص، والعمليات الفكرية المنبثقة منها، ثم تفسير مضمونه ومنهجه، ومن ثم تقييم مدى التزام الكاتب بهذه الفرضيات، وينتهي بتأطير هذه الفرضيات ضمن سياقها التاريخي والثقافي، وضمن إطار زمن الناقد نفسه. وتُعد هذه المرحلة الأخيرة نشاطًا تأويليًا، قابلًا للاختلاف والنقاش. ومن هنا، لا يمكن للناقد أن يتعامل مع النص بموضوعية محضة أو حيادية مطلقة، بل ينبغي له الإفصاح عن منطلقاته الفكرية التي يستند إليها في نقده[8].
نقد الفلسفة اللاعقلانية
نشأت الفاشية ضمن بيئة فكرية وسياسية معينة، شملت معظم دول أوروبا، غير أن استحواذها على السلطة في ألمانيا، وتوسعها التدريجي، نجما عن آليات سياسية وفكرية خاصة، فقد ظهر ممثلون بارزون للفاشية، أو "الرجعية الاجتماعية والسياسية" -وفق تعبير لوكاش- مثل: إدموند بيرك (Edmund Burke، 1729-1797) في إنكلترا في عام 1789، ولويس دو بونالد (Louis de bonald،1754-1840)، وجوزيف دي مايستر (Joseph de Maistre، 1753-1821)، وغيرهم، في فرنسا لاحقا، لكن دور اللاعقلانية السياسية (النازية) في ألمانيا كان حاسمًا، ففي القرنين: التاسع عشر والعشرين، بقيت ألمانيا تمثل موطن اللاعقلانية "الكلاسيكي"، ومجال انتشار الفاشية، لذلك "يمكن دراستها بأكبر قدر من الفائدة، كما درس ماركس الرأسمالية في إنكلترا"[9].
يفترض لوكاش عدم وجود فلسفة بريئة حيادية، لأن سياقها التاريخي والاجتماعي يقيدها ويقرر طبيعتها الفكرية[10]، ويحاجُّ بوجود موقف سياسي أو اتجاه أيديولوجي، أو مقاصد وغايات فلسفية، تقف وراء الأفكار والطروح الفلسفية والسياسية. ويطرح عدة أمثلة لتوضيح فرضيته، مثل وجود علاقة أيديولوجية بين موسوليني من ناحية، وهنري بِرغسون (Henri Bergson، 1859-1941) وجورج سوريل (Georges Sorel،1847-1922) من ناحية أُخرى[11]، فيرى أن فلسفة برغسون الحدسية قد حولت مسار الفكر البرجوازي، من عقلانية التنوير الأوروبي إلى اللاعقلانية الميتافيزيقية، نتيجة رفضه للعقلانية التجريدية، وتمجيده للحدس والعبقرية الفردية على حساب الموضوعية والعقلانية، وتفسيره للحياة بوصفها قوة حيوية غامضة تتجاوز قدرة العقل على إدراك ماهية الواقع، وهو ما شكل بيئة فكرية وجدت صداها لاحقًا في الأيديولوجيا الفاشية، التي تمجد سلطة القائد الملهَم ورؤيته الحدسية التي تعبر عن "روح الأمة"، على حساب التحليل المادي والعقلاني[12].
كذلك يطرح لوكاش مصدرًا فكريًا آخر للاتجاه الشمولي واللاعقلاني، وهو شوبنهاور، إذ يرى أن طروحه التشاؤمية لم تبرز وتنتشر، إلا بعد هزيمة ثورات عام 1848 في ألمانيا وغيرها من دول أوروبا، لأن اللاعقلانية البرجوازية أخذت تتبلور تدريجيًا، وغدت "ردة فعل فلسفية متطرفة تعبر عن وجهة النظر الطبقية للبرجوازية، وفي خدمة مصالحها الخاصة"[13]. وقد أدى ذلك إلى توطيد السبيل لتحالف الطبقة البرجوازية مع القوى الرجعية ضد البروليتاريا الصاعدة. ومن ثمّ، برزت وظيفة بالغة الأهمية للاعقلانية، وفق لوكاش، وهي "أن تقدم للإنسان "راحة" ميتافيريقية موصولة بوهم الحرية التامة، وبوهم الاستقلال الشخصي، والتفوق الخلقي والثقافي الذي، في الممارسة، يجد نفسه [...] في خدمة البرجوازية الرجعية ومربوطًا بمصيرها"[14].
في إثر ذلك، نجمت "حركة تزوير للتاريخ الألماني" التي حالت دون تشكيل تقاليد ديمقراطية، إذ أطلق المؤرخون الألمان على تأخر ألمانيا ألقاب المجد والسمو، تعبيرًا عن "الروح الألمانية الخالدة"، في حين قُدم كل ما يتعلق بالديمقراطية والمبادئ الثورية في الغرب على أنه "غير ألماني". وبالنتيجة، فإنّ كل المستوردات المضادة لتلك "العبقرية القومية" ينبغي أن تُنتقد وتُرفض. هذا التزييف، وفقًا للوكاش، لا ينحصر في دائرة اختيار الحوادث التاريخية وفي وصفها، بل يُمارس أيضًا تأثيره السلبي في منهجية العلوم الاجتماعية والتاريخية، وفي الوعي الاجتماعي والتاريخي الألماني، إذ كان تيار اللاعقلانية بسط نتاجاته الفكرية على يد التيار الرومانطيقي بشكل واسع، ثم أصبح الاتجاه المهيمن بعد هزيمة ثوار عام 1848، وهو ما مهد السبيل لرسوخ ذهنية الخضوع لدى الناس لمصلحة السلطة السياسية والأرستقراطية ورجال الدين[15].
يرى كتاب تحطيم العقل أن اللاعقلانية الحديثة قد خلقت، منذ شوبنهاور فصاعدًا، الشعور بانعدام الثقة في العقل، وعدم الإيمان بالتقدم التاريخي، وقابلية تصديق الأساطير، وهو ما أدى إلى انتشار الفاشية والخضوع الجماعي تدريجيًا لقادة الأيديولوجية النازية إبان الحقبة ما بين الحربين العالميتين: الأولى والثانية[16]، "لذلك، لا يمكن القول إن ديلتاي أو زيمل كانا من أسلاف الفاشية، كما كان نيتشه أو بول دي لاغارد (Paul Anton de Lagarde، 1827-1891)، لكنهما أسهما، مع مفكرين آخرين، في "إنتاج الجو الفلسفي" المنشئ للفاشية الألمانية"[17]. ويؤيد المؤرخ الألماني أرنست نولته (Ernst Nolte، 1923-2016) بعض أطروحات لوكاش، مثل: أن اللاعقلانية هي التيار الرئيس للفلسفة الرجعية في القرنين: التاسع عشر والعشرين، وأن الأساس الروحي للاشتراكية القومية (النازية) لا يقتصر على الفلسفة الألمانية وحدها، فيعد "أن هذا القدر من أفكار لوكاش صحي بلا أدنى شك، أي إنه ابتداء من أواخر القرن التاسع عشر، حدث تغير في المناخ الروحي شمل جميع أرجاء أوروبا، ينأى بنفسه عن البيئة السياسية التقليدية، بل يعارضها. لذلك، تبنت دائرة من الكتاب الفاشيين عقيدة نيتشه، لأنها وضعت كلًا من: الاشتراكية والليبرالية والنزعة المحافظة التقليدية على صعيد واحد. ثم، أضحت عقيدة مستمدة من ثورة العبيد، ومن فقر الحياة، تستند إلى مشاعر الاستياء والغضب إزاء اليهودية-المسيحية"
ويعتقد لوكاش أن حلقات تطور اللاعقلانية الحديثة قد اكتملت أو بلغت ذروتها مع الأيديولوجية الفاشية التي تولدت بفعل شيوع ظاهرة التشيؤ، فأنتجت العقل العنصري المتطرف لتحقيق أهداف أيديولوجية قائمة على احتلال العالم واستعباده. ونتج عن ذلك سعي الإنسان الأوروبي للتخلص من ظاهرة التشيؤ وحيازة الوعي الحقيقي، فوقع في شَرَكِ الفاشية والنازية (بحكم أنها طرحت نفسها بديلًا أيديولوجيًا للرأسمالية والشيوعية معًا)، التي غدت مجرد نسخة بدائية للوعي الزائف واللاعقلانية[19].
في نقد الكتاب تحطيم العقل
طالت كتابَ لوكاش تحطيم العقل انتقادات حادة من اليمين واليسار السياسيين، ومن بينها تلك التي قالت باتسام مضامينه بالأحادية بسبب انحيازه إلى الماركسية، على الرغم من إدراكه أن اللاعقلانية هي اتجاه واحد من بين اتجاهات عديدة أخرى في الفلسفة البرجوازية الرجعية؛ أي إن الانحياز الماركسي قي قراءة لوكاش جعله يغفل الاتجاهات العقلانية والإنسانية في الفلسفة الألمانية، التي يمكن أنْ تشكل اتجاهًا فكريًا فعالًا ضد الفكر الفاشي[20]، إذ توجد بعض الاتجاهات أو التوجهات التي وافق عليها لوكاش نفسه، مثل: نقد نيتشه للثقافة والفن المعاصرين، ومعارضته إضفاء الصبغة المادية على الفكر والممارسة. ومع ذلك هو يفرط أو يسهب في الحديث عما يسميه "إخفاقات نيتشه"، لذا، فإن "صورة الفكر غير الماركسي التي يعرضها كتاب تحطيم العقل صورة حالكة السواد تمامًا، ولا شك في أن تكرار هذه الصورة ورتابتها قد أسهما في الاستقبال العدائي الذي تلقاه الكتاب بصورة كبيرة"[21].
وبينت الانتقادات أيضًا أن تحليل لوكاش في الكتاب للتيار الفكري المؤثر في الفلسفة الألمانية (أي اللاعقلانية) يغفل -مثلًا وخصوصًا- وجود تيارات فكرية مهمة أخرى، وفي مقدمتها التيار العقلاني النقدي الذي مثله كلّ من أرنست كاسيرر (Ernst Cassirer، 1874- 1945) وإدموند هوسرل (Edmund Husserl، 1859- 1938)، ففي تحطيم العقل، لم يهتم لوكاش بما قدمته فلسفة كاسيرر من دفاع عقلاني وإنساني عن مشروع التنوير، ونقد للفلسفة الوجودية واللاعقلانية[22]. وقد تجلى هذا التباين بوضوح في المناظرة التي جمعت بين كاسيرر وهايدغر، إذ دافع كاسيرر عن الإرث الكانطي، وعدّ مفاهيم العقل والحرية والثقافة ضرورية لفهم الإنسان وتحريره. في المقابل، دعا هايدغر إلى تأويل أنطولوجي للوجود الإنساني يتجاوز المفاهيم العقلانية التقليدية، مؤكدًا أن العقل المحض محدود القدرات وعاجز وحده عن تقديم نظرية كاملة في المعرفة العلمية، لذلك، يجب اعتماد أسس أخرى للمعرفة إلى جانب العقل، مثل: الإرادة والشعور والحدس. وقد شكلت هذه المناظرة مفترق طرق في الفكر الأوروبي، بين عقلانية مشروع التنوير ومشروع لاعقلاني تأويلي، فلو أن لوكاش تناول هذه المواجهة الفكرية في مشروعه، لكانت قد أثرت في تحليله التاريخي- الفلسفي، أو دفعته إلى مراجعة بعض أحكامه القطعية بشأن مسار الفلسفة الألمانية الحديثة[23].
الفيلسوف الألماني إرنست كاسيرر (1874–1945)، في صورة شخصية تعود إلى عام 1931.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
كذلك ركزت انتقادات أخرى على نفي لوكاش لدور الفلسفة الوجودية في تكوين الفرد أو إنكارها، والزعم أنها تغرق في تأملات أنطولوجية فردية تضعف إمكانيات الفعل الجماعي، وتحوّل الكينونة الإنسانية إلى تجربة فردية معزولة عن سياقها التاريخي والاجتماعي، وتعبر عن أزمة الوعي البرجوازي في المرحلة الإمبريالية، بحيث يغدو القلق الفردي والموت مرجعًا أنطولوجيًا أساسيًا للوجود الإنساني، فوفقًا لهذا الانتقاد يغفل نقد لوكاش للاعقلانية الكامنة في الفلسفة الوجودية لهايدغر وأنصاره التعقيد الداخلي لهذه الفلسفة[24]. ويشدد منتقدون آخرون على أن توظيف الحركة النازية لقسم من أفكار يوهان فيخته وهيغل وغيرهما من دعاة الفلسفة المثالية والرومنطيقية الألمانية من الفلاسفة لا يعني، بالضرورة، وجود صلة مباشرة بين النظرية النازية وبين تلك الفلسفة أو هؤلاء الفلاسفة، لأن النازية وُلدت في بيئة فكرية وسياسية مضطربة، استغلت فيها الرموز والأفكار والخطابات القومية الألمانية التي نمت في عصر القوميات، كذلك جسدت لاحقًا مرجعًا فكريًا للنظرية العرقية والنازية بوجه خاص، ووُظفت في سياق فكري وسياسي مختلف، حتى غدت شكلًا متطرفًا للهوية القومية الألمانية، فعلى سبيل المثال، كانت أفكار فيخته في كتابه خطابات إلى الأمة الألمانية، التي طرحها عقب الهزيمة التي ألحقتها فرنسا ببروسيا، أفكارًا هادفة إلى بناء الهوية القومية الجامعة والتشديد على أهلية الألمان لبناء دولة-أمة موحدة ومستقلة، شأنهم شأن الأمم الأوروبية الأخرى. ومع ذلك، فإن هذه الأفكار القومية وأفكار الفلسفة المثالية والرومنطيقية الألمانية وميراثها الفلسفي بقيت محل خلاف كبير بين أنصاره وخصومه [25].
ويذهب جورج ليشتهايم (George Lichtheim، 1912-1973) إلى أن لوكاش قد وقع في تناقض فكري جوهري في تفسيره للمسار التاريخي للاعقلانية ونشوء الحركة الفاشية وعدم انتشارها الأيديولوجي في أوروبا، ويتجسد هذا التناقض في أن أزمة الثقافة البرجوازية بعد عام 1848، قد أثرت في المجتمعات الأوروبية كلها، ولم تتفرد ألمانيا وحدها بتوليد الأيديولوجية اللاعقلانية، بمعنى أنه ينبغي أن تصبح أوروبا بأكملها سائرة على النهج الفاشي فكرًا وممارسة، لكونه مرحلة متقدمة من الرأسمالية وفقًا للمنظور الماركسي، في حين يكشف الواقع أن أقسامًا كبيرة من أوروبا ظلت منيعة أمام هذه الأيديولوجية وفي مقدمتها بريطانيا. وإذا كانت الديمقراطية البرجوازية ومبادئ الثورة الفرنسية قد مارست كل هذا التأثير والتجديد في أوروبا الغربية بصفة خاصة، وشكلت القوة الدافعة لحركة المقاومة السياسية والفكرية المناهضة للفاشية، "فعندئذ، يبدو أن محن ألمانيا اللاحقة تعود إلى رفضها الثورة الفرنسية"[26]. وبينما تُشدد هذه الانتقادات على أحادية بعض المضامين الفكرية الأساسية، لكتاب تحطيم العقل، ومحدوديتها، فإنها لا تنفي أو لا تنكر أهمية هذه المضامين.
المراجع
العربية
أوزكيريملي، أوموت. نظريات القومية: مقدمة نقدية. ترجمة معين الإمام. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013.
باكستون، روبرت أون. تشريح الفاشية. ترجمة عهود بنت خميس المخيني. وهران: دار ابن النديم للنشر والتوزيع، 2019.
سنكلير، أندرو [وآخرون]. ثلاثة وجوه للثورة: غيفارا ولوكاش وأورويل. ترجمة ماهر الكيالي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1994.
لوكاش، جورج. تحطيم العقل. ترجمة إلياس مرقص. ج 1-4. بيروت: دار الحقيقة للطباعة والنشر، 1980-1983.
مجيد، حسام الدين علي. التشيؤ بوصفه مدخلًا إلى الفاشية: قراءة مقارنة بين جورج لوكاش وماكس هوركهايمر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023.
الأجنبية
Lukács, Georg. The Ontology of Social Being: Marx’s Basic Ontological Principles. Vol. 2. David Fernbach (trad.). London: Merlin Press, 1978.
_______. Record of A Life: An Autobiographical Sketch. István Eörsi (ed.). Rodney Livingstone (Trad.). London: Verso, 1983.
Friedman, Michael. A Parting of the Ways: Carnap, Cassirer and Heidegger. Chicago: Open Court, 2000.
Nolte, Ernst. Three Faces of Fascism: Action Française, Italian Fascism, National Socialism. Leila Vennewitz (trad.). New York: The New American Library Inc., 1969.
Parkinson, G.H.R. Georg Lukacs. 2nd ed. London: Routledge & Kegan Paul, 2022 ]1977[.
Stahl, Titus.“Georg Lukács.”The Stanford Encyclopedia of Philosophy Archive. 4/11/2013. At: https://acr.ps/hBxQIvE
Thompson, Michael J. (ed.). Georg Lukács Reconsidered: Critical Essays in Politics, Philosophy and Aesthetics. London: Continuum, 2011.
مراجع إضافية
العربية
كونزمان، بيتر [وآخرون]. أطلس الفلسفة. ترجمة جورج كتورة، ط 2. بيروت: المكتبة الشرقية، 2007.
كول، ج. د. هـ.
لوكاش، جورج. دراسات في الواقعية. ترجمة نايف بلوز. ط 4. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2006.
الأجنبية
Aronowitz, Stanley. Against Orthodoxy: Social Theory and Its Discontents. New York: Palgrave Macmillan, 2015.
Charbonnier, Vincent. “Ire rationnelle? À propose de La Destruction de la raison de G. Lukács.” Actes de la Société chauvinoise de philosophie. No. 2 (2004).
Gordon, Peter E. Continental Divide: Heidegger, Cassirer, Davos. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2010.
Hall, Timothy. “Reification, Materialism and Praxis: Adorno’s Critique of Lukács.” Telos. No. 155 (2011).
Kelemen, János. “En défense de La destruction de la Raison.” In: P. Rusch & A. Tackács (dir.). L’actualité de Georg Lukács (actes du colloque organisé les 28 et 29 octobre 2010 à Budapest). Paris: Archives Karéline, 2013.
[1] For more details see: Georg Lukács, Record of A Life: An Autobiographical Sketch, István Eörsi (ed.), Rodney Livingstone) trad.) (London: Verso, 1983), pp. 101–103.
[2] جورج لوكاش، تحطيم العقل، ترجمة إلياس مرقص، ج 1-4 (بيروت: دار الحقيقة للطباعة والنشر، 1980-1983).
[3] G.H.R. Parkinson, Georg Lukacs, 2nd ed. (London: Routledge & Kegan Paul, 2022] 1977[), pp. 65–66, 69.
[4] جورج لوكاش، تحطيم العقل: الظاهرة الدولية، تاريخ ألمانيا، شيلنغ، ترجمة إلياس مرقص، ج 1، ط 2 (بيروت: دار الحقيقة للطباعة والنشر، 1983)، ص 12.
[5] المرجع نفسه، ص 17-18.
[6] Parkinson, pp. 68–69.
[7] لوكاش، تحطيم العقل، ج 1، ص 14-15؛ يُنظر: روبرت أون باكستون، تشريح الفاشية، ترجمة عهود بنت خميس المخيني (وهران: دار ابن النديم للنشر والتوزيع، 2019)، ص 67-69، 76-77، 79.
[8] Stanley Aronowitz, “Georg Lukács' Destruction of Reason,” in: Michael J. Thompson (ed.), Georg Lukács Reconsidered: Critical Essays in Politics, Philosophy and Aesthetics (London: Continuum, 2011), p. 56.
[9] لوكاش، تحطيم العقل، ج 1، ص 20، 31-32.
[10] المرجع نفسه، ص 12-13.
[11] المرجع نفسه، ص 31.
[12] المرجع نفسه، ص 25-29.
[13] لوكاش، تحطيم العقل، ج 3، ص 8.
[14] المرجع نفسه، ج 1، ص 24-25.
[15] المرجع نفسه، ص 48-53.
[16] Parkinson, p. 82.
[17] لوكاش، تحطيم العقل، ج 3، ص 16-17.
[18] Ernst Nolte, Three Faces of Fascism: Action Française, Italian Fascism, National Socialism, Leila Vennewitz (trad.) (New York: The New American Library Inc., 1969), p. 22;
لوكاش، تحطيم العقل، ج 1، ص 16-18، 26.
[19] حسام الدين علي مجيد، التشيؤ بوصفه مدخلًا إلى الفاشية: قراءة مقارنة بين جورج لوكاش وماكس هوركهايمر (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص 171-173.
[20] Georg Lukács, The Ontology of Social Being: Marx’s Basic Ontological Principles, vol. 2. David Fernbach (trad.) (London: Merlin Press, 1978), pp. 137–139.
[21] Parkinson, p. 66.
[22] Titus Stahl, “Georg Lukács,” The Stanford Encyclopedia of Philosophy Archive, 4/11/2013, accessed on 1/6/2026, at: https://acr.ps/hBxQIvE ; Aronowitz, pp. 55, 57–58, 62–63.
[23] Michael Friedman, A Parting of the Ways: Carnap, Cassirer and Heidegger (Chicago: Open Court, 2000), pp. 1–3, 7–9.
[24] لوكاش، تحطيم العقل، ج 3، ص 77-78، 80-87، 89-94، 96-97.
[25] للمزيد من التفاصيل يُنظر: أوموت أوزكيريملي، نظريات القومية: مقدمة نقدية، ترجمة معين الإمام (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص 43-46، 72-73.
[26] جورج لختهايم، "جورج لوكاش"، في: أندرو سنكلير [وآخرون]، ثلاثة وجوه للثورة: غيفارا ولوكاش وأورويل، ترجمة ماهر الكيالي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1994)، ص 309.