تسجيل الدخول

سورين كيركغارد

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الاسم​​​ الكامل
سورين آبي كيركغارد
تاريخ الميلاد5 أيار/ مايو 1813
مكان الميلادكوبنهاغن، الدنمارك
تاريخ الوفاة11 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1855
مكان الوفاة​
كوبنهاغن، الدنمارك
سبب الوفاةشلل ناتج من التهاب النخاعٍ الشوكي
الجنسيةدنماركي
الدور العاممفكر، ولاهوت​ي، وناقد اجتماعي، وشاعر
التيارالفلسفة الوجودية​

أهم الأعمال
إما - أو: شذرة حياة
خوف ورعدة
مراحل على طريق الحياة

الترجمة إلى لغات أخرىالفرنسية، الألمانية، الإسبانية، الإيطالية، البرتغالية، الروسية، البولندية، الهنغارية، الهولندية، اليونانية، الصينية، اليابانية، الكورية، وغيرها
أهم المؤلفات الدينية
أربع مواعظ في البناء الروحي
 ثلاث مواعظ في مناسبات مفترضة
 مواعظ مسيحية
التَّمرُّن على المسيحية

سورين كيركغارد (Søren Kierkegaard، 1813-1855) فيلسوف ولاهوتيّ وناقد اجتماعي دنماركي، ترعرع في كنف عائلة متشبّثة بالنزعة التّقوية، ويُعد أصغر إخوانه السّبعة، وقد كان لوالده تأثير عميق في صقل شخصيته الدينية والفكرية، علاوة على وضعه النفسي السّوداوي، ما جعل منه شخصية قلقة تجلّت معالمها في طبيعة كتاباته وأفكاره التي عبّر عنها فيما بعد. كذلك تأثّر كيركغارد بالجذور المورافية وطقوسها الأخلاقية المنضبطة، ما أسهم في تشكيل وعيه الديني الفكري منذ نعومة أظفاره. وقد التحق بجامعة كوبنهاغن عام 1830، وتخرّج فيها عام 1841، مؤمنًا إيمانًا راسخًا بمبدأ الحقيقة التي لأجلها يعيش، ما دفعه إلى القول بـ"الحقيقة الذاتية"، أي أن يعيش الفرد المفرد إيمانه الخاص الصّادق بعيدًا عن أيّ وساطات من رجال الدين والكهنوت. وتطوّرت تجربته الرّوحية بقوّة عند تعرّفه على فتاة تُدعى ريجين أولسن عام 1837، وكانت قد أسهمت في تشكيل تأمّلاته المستفيضة وبلورتها عن الحبّ والحرية والاختيار والقلق والمسؤولية وغيرها، فوضع في إثر ذلك حدًّا لعلاقته بها، معترفًا في الوقت نفسه بطبيعته السّوداوية المظلمة، وعزلته الفكرية التي تجعله غير قادر على الارتباط بعلاقة مقدّسة مثل الزواج. خيّم منهج التهكّم السقراطي على أسلوب كيركغارد في الكتابة، علاوة على تشبُّعه بالفلسفة الهيغلية التي ثار عليها فيما بعد، مقترحًا مراحل أو أطوارًا وجودية للحياة، تتصاعد من الحسّي الجمالي مرورًا بالأخلاقي، وصولًا إلى الدّيني، حيث يكون الإيمان بمنزلة القفزة الأخيرة التي يتحقّق بها وجود الفرد المنفرد.

يُعَدُّ كيركغارد عند بعضهم بمنزلة الفيلسوف الدخيل على تاريخ الفلسفة، لذلك كانت أعماله على غير مثال سابق، تشمل طيفًا واسعًا من الأعمال السردية والروايات الإستطيقية وأعمال علم النفس، وأخرى بشأن العقيدة المسيحية، والمحاكاة الساخرة، والجدل، والنقد الأدبي، والأعمال الفلسفية المختلفة. وقد تأثّر عظيم الأثر بسقراط وأفلاطون وغوتولد إفرايم ليسينغ (Gotthold Ephraim Lessing، 1729–1781) ويوهان غوته (Johann Goethe​، 1749-1832) والرومانسيين الألمان، وفريدريش هيغل، وإيمانويل كانط​ (Immanuel Kant، 1724-1804)​ ومارتن لوثر (Martin Luther، 1483–1546) والمسيح. ​وستكون كتاباته خليطًا من التعبير عن القلق، واليأس، والكآبة، والملل، والعبث، والتضحية، والإيمان، والحبّ، والإغواء.

أثّرت أفكار كيركغارد ولاهوته في كثير من الفلاسفة الذين جاؤوا بعده، ولا سيما أنصار النزعة الوجودية مثل: جون بول سارتر، ومارتن هايدغر، وغابرييل مارسيل (Gabriel Marcel، 1889-1973)، وكارل يسبرس وغيرهم.

نشأته وتكوينه الديني الفكري

نشأ سورين آبي كيركغارد[1] في بيئة أسرية يغلب عليها التشدّد الديني، وكان أصغر إخوته السّبعة من الزوجة الثانية لوالده مايكل بيدرسن كيركغارد (Michael Pedersen Kierkegaard، 1756-1838)، التي تزوجها بعد وفاة زوجته الأولى كيرستين نيلسداتر رويين (Kirstine Nielsdatter Røyen، 1758-1796) التي وافتها المنية من دون أن تُنجب. وهذه الزوجة الثانية، آنا سورينسداتِر لوند (Anne Sørensdatter Lund، 1768-1834) كانت تعمل خادمة في بيتهم، لكنّ وفاة زوجته الأولى، وتسرّعه في الزواج، وإنجابها في وقت قصير، جعلت والده يدخل في حالة من الندم والانعزال والاكتئاب، سيورّثها لأبنائه من بعده[2].


وقد كانت تقوى والده الصّارمة، وكآبته العميقة، وإحساسه الشديد بالذنب، من العوامل الحاسمة التي تركت تأثيرًا بالغًا في حياة كيركغارد وكتاباته اللّاحقة. وأمام اليسار الذي كان يتمتّع به بيدرسن كيركغارد، فقد تفرّغ بصورة مبكّرة لدراسة الثيولوجيا والفلسفة والأدب، وسيترك لولديْه بيتر وسورين ثروة مادية معتبرة من تجارته في القماش، مرفقةً بذكاء حاد وإحساس عميق بالذّنب، ونزعة ميلاخولية {{النزعة الميلاخولية: هي حالة حزن شديد، مع فقدان الرغبة تمامًا في الحياة والتنعم بها، ويغلب عليها الشعور بتأنيب الضمير والعدمية. لا تستجيب هذه الحالة لأي نوعٍ من العلاج أو تحسّن الظروف.}} يصعب إخمادها. وعلى الرغم من الثروة التي كانت ملك الأب، فإنّ سورين كان قد تلقّى تربية صارمة في المأكل والملبس.

التحق سورين بإحدى أفضل المدارس في كوبنهاغن {{كوبنهاغن: أكبر مدن الدنمارك وعاصمتها، وتُعَد مركزها الاقتصادي والثقافي والسياسي.}}: مدرسة الفضيلة المدنية {{مدرسة الفضيلة المدنية: (Borgerdydskolen) مدرسة ثانوية عريقة في كوبنهاغن نالت شهرة واسعة، فقد درس فيها كثير من المفكرين. أُسِّست في أواخر القرن الثامن عشر.}}، وتلقَّى تربية كلاسيكية، عمادها اللّغة اللّاتينية، فكان أن نبغ في هذه اللّغة نبوغه في التاريخ، وكانت نتائجه المدرسية ممتازة للغاية، رغم ما كان يُعانيه، في البداية، من نقص في تملّك ناصية اللّغة الدنماركية، التي سينتهي بالسّيطرة عليها والكتابة بها بأريحية كبيرة. وسيكون الأب حاضرًا بقوّة في أعماله الأدبية، يظهر في حكايات تتعلّق بالتضحية والميلاخوليا والإحساس الموروث بالذّنب، في مقابل الغياب المدوّي لأمّه في معظم أعماله.

وقد تحدّث كيركغارد عن علاقته الغامضة بوالده، وعلى الرغم من الاحترام والتوقير الكبيرين اللذين كان يُكنّهما له، فإنه في الوقت نفسه كان السّبب في تعاسته، وإن كان ذلك بدافع الحبّ. وهو لا يقصد بذلك أنّ والده لم يكن يُحبّه، بل لأنّه عامله كما لو كان شيخًا طاعنًا في السن[3]. ودائمًا ما كان كيركغارد يستحضر طفولته القاسية، فيغلبه شعور بالخوف، والظّلام النفسي الذي ينسبه إلى والده الذي عانى هو الآخر من الاكتئاب الشديد، ما انعكس أيضًا على روح كيركغارد، إذ يقول: "لقد ملأ والدي روحي بالخوف المتمخّض عن طبعه السوداوي المُرعب"[4]. لا بل يذهب كيركغارد إلى حدّ وصف الاكتئاب بعشيقته الأكثر إخلاصًا[5].

ويقترن الاكتئاب في كثير من الأحيان عند كيركغارد بالحزن: "أقول عن حزني ما يقوله الإنكليزي عن بيته: حزني هو قلعتي. ينظر العديد من الناس إلى الحزن على أنّه من وسائل الراحة في الحياة؛ قلعة يؤوب إليها الحزانى من دون أن يعلم عنهم أحد شيئًا"[6]. ولكن في الوقت نفسه الذي يعبّر فيه كيركغارد عن حزنه بوصفه قلعة يلجأ إليها متحصّنًا، يقرّ "أنّ الحزن يُمكن أن يُفسد عقل الإنسان، هذا ما نراه، وهو أمرٌ محزنٌ غاية الحزن"[7]. وقد عبّر كيركغارد عن التلقي المُبكّر للتقويّة {{التَّقوية: نزعة مسيحية بروتستانتية، تُركز على الإيمان القلبي والتدين الفردي والفعل الأخلاقي. ظهرت في القرن السابع عشر.}} في صورتها الخاشعة من طرف والده، بقوله: "لا تكمن الخطورة في أن يكون الوالد مفكّرًا حرًا أو منافقًا، بل الأدهى من ذلك أن يكون رجلًا تقيًا خاشعًا للإله، وولده واثقًا من ذلك في أعماق نفسه، إلّا أنّه مع ذلك يشعر بأنّ في أعماق روح والده قلقًا متخفّيًا، وكأنّ الوجل من الإله والتقوى لا يقدران رغم كلّ شيء على أن يمنحاه الطمأنينة والسكينة"[8]. فقد صوّر المسيحية بوصفها مطلبًا أخلاقيًا روحيًا شديد الصرامة، لا يستطيع الإنسان تلبيته من دون الاعتراف بعجزه، وهي رؤية تأثّر فيها بأبيه الذي كان متأثرًا هو الآخر بالمورافية {{المورافية: حركة مسيحية إصلاحية بروتستانتية نشَأت في مورافيا في القرن الخامس عشر الميلادي مع الإخوة المورافيين.}}[9]، وركّز على المسيح المتألم كما يظهر في الجمعة العظيمة {{الجمعة العظيمة: يوم مسيحي مُقدّس، يجري فيه إحياء ذكرى صلب السيد المسيح، وتكون هذه الجمعة سابقة لعيد القيامة.}}، مهملًا الأعياد الكبرى كالفصح والعَنْصَرة. وشارك والد كيركغارد أيضًا بانتظام في تجمّعات "ستورمغاده" (Stormgade)، وهي لقاءات دينية غير رسمية عُقِدت في كوبنهاغن في أوائل القرن التاسع عشر، تأثّرت بالتيّار المورافي، وركّزت على التأمّل في آلام المسيح، والتّجربة الإيمانية الفردية العميقة. وبناءً على ذلك، تشكّلت نظرته إلى المسيحية، وانتقلت هذه الرؤية إلى ولدَيْه، سورين وبيتر كريستيان (Peter Christian، 1805–1888) اللذين حضرا هذه اللّقاءات في طفولتهما. وهناك، اختبر سورين أولى تجاربه الدينية في بيئة شعبية متواضعة، وقد امتدَّ هذا التأثير إلى أصول العائلة في الريف، حيث أحيا القساوسة المورافيون الحياة الدينية، وأسّسوا مركزًا قريبًا من بلدة الأسرة، ما عمّق الانتماء إلى إيمان شعبي بسيط لكنّه قوي[10]. وفي التاسع من شهر آب/ أغسطس 1868، تُوفّي والد كيركغارد، تاركًا جُرحًا عميقًا في قلب ابنه، ولكنّ حضوره ظل قويًا عنده، إذ يقول واصفًا ذلك: "إنّ والدي لم يُغادرني بوفاته قط [...] لقد كانت وفاته بمنزلة الفداء لأجلي، وحتى يقتدر أن يجعل منّي شيئًا ما"[11].

التحق كيركغارد بجامعة كوبنهاغن عام 1830، وتخرّج فيها عام 1841، حيث انصرف لدراسة الأدب والفلسفة. وفي مذكّراته عام 1835، دوّن فكرة أساسية شكّلت جوهر مشروعه الفكري اللّاهوتي، مفادها أنّ الحقيقة تكمن في أن تعيش من أجل فكرة، وتكرّس حياتك لها[12]، وأكّد أنّ الحقيقة التي تلمع نورًا هي الحقيقة الخاصة بك، ولا ينبجس هذا النور إلّا من أعماق الذات. وبناء على ذلك، تصبح "الذاتية هي الحقيقة"[13] (Subjectivity is truth)، ما يجعل "الحقيقة الذاتية" مصطلحًا مركزيًا في فكر كيركغارد ولاهوته، يُعبّر عن المفهوم الوجودي للحقيقة. وعلى الصعيد الشّخصي، هجر كيركغارد والده وإيمانه المسيحي وغادر المنزل، لكنّه في عام 1838، وقبل وفاة والده، تصالح مع إيمانه، وقرّر أن يكرّس له ما تبقّى من حياته[14]. وقد جاء هذا التحوّل نتيجة مخاض عسير، إذ كان يعتقد أنّ هدف الإنسان في أن يُصبح مسيحيًا حقانيًا، هو مهمة العمر، لذا نشر كتابه: المرض حتى الموت (The Sickness Unto Death, 1849)  تحت اسم مستعار[15]، كما فعل مع أعماله الأخرى، لأنّه لم يرغب في أن يعتقِد قُرّاؤُه أنّه قد بلغ درجة المثال الذي وصفه فيه.

ريجين أولسن في سيرته الوجدانية الفكرية

مرّت حياة كيركغارد بمرحلة من التوتّر والقلق والضياع، ويصف ذلك قائلًا: "ماذا سيأتي؟ ما الذي سيجلبه المستقبل؟ لا أعرف، ليس لديَّ أيّ حدس [...] دائمًا أمامي فضاء فارغ، وما يُحفّزني إلى الأمام العواقب التي تكمن ورائي. هذه الحياة متخلّفة ورهيبة لا تُطاق"[16]. ولأنّها لا تُطاق فقد جعلته يبتعد عن الحياة الحسّية ويركن إلى الانعزال: "أنا وحيدٌ كما كنتُ دائمًا"[17]، و"غرفتي مظلمة وكئيبة"[18]، ومنها يشرف كيركغارد على العالم -وفق تعبيره- مثلما يُشرف نسرٌ من عشّه في أعلى الجبل على الوادي السحيق[19].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ولكنّ الانعزال لا يحلّ المشكلة، بل ربّما يتوغل الإنسان في محيط لا يُجيد السباحة فيه كما يقول: "يبدو أنّه مقدّرٌ لي أن أعاني من كلّ أنواع الحالات المزاجية الممكنة، وأن أجرّبها في كلّ الاتّجاهات. أستلقي في كلّ لحظة كطفل يتوجّب عليه أن يتعلّم السباحة في وسط المحيط"[20]. فالحياة لا شيء فيها مضمون للخلاص {{الخلاص: مفهوم مسيحي يُعبّر عن طريقة نجاة الكائن البشري من الخطيئة وما تجرّ من عواقب، ويتحقق بالنعمة الربانية عن طريق مسلك الإيمان والعمل.}}، ومع ذلك يعمد الفيلسوف إلى الالتزام بمجابهتها حتّى النهاية: "أصبحت الحياة بالنّسبة إليّ شرابًا مرًا، ومع ذلك يجب تناولها ببطءٍ، وبشكل معدود كقطرات"[21]. ولكن على الرغم من ذلك، تبدو الحياة بلا معنى عند كيركغارد: "إنجازات حياتي لا ترقى إلى أيّ شيء على الإطلاق. مزاجٌ ولونٌ واحد"[22]. لقد أصبحت الحياة بلا طعم، والعزاء الوحيد لنا هو انتظار الموت المحتّم لا أكثر[23]، "كم هي الحياة فارغة وبلا معنى"[24].

من سؤال الحياة بوصفه سؤالًا فلسفيًا ميتافيزيقيًا {{الميتافيزيقيا: فرع من فروع الفلسفة، يُعنى بدراسة طبيعة الوجود وأصوله الأولى.}}، يطرح كيركغارد سؤال الحياة بوصفه سؤالًا وجوديًا، ومن الكلّي إلى الجزئي، يقرّ بكثير من الثقة، وربّما بكثير من الواقعية المرّة: "حياتي لا معنى لها تمامًا [...] أحمل المشكلات على أنفي، لكن لا يُمكنني أن أفعل بها أكثر من أن أرميها على رأسي. عبثًا أقاوم. تنزلق قدمي، ومع ذلك، لا تزال حياتي وجودًا- شاعرًا. هل يمكن تصوّر أيّ شيء أسوأ؟ أنا محكوم بالقدر. القدر يضحك عليَّ عندما يبيّن لي فجأة أنّ كلّ ما أقوم به للمقاومة يُصبح عنصرًا في مثل هذا الوجود"[25]. فأن يكون المرءُ محكومًا بالقدر، ويشعر بأنّ كلّ ما يفعله ليس أكثر من عبث، هو ما يُحوّل الحياة بأسرها إلى ملل عند كيركغارد: "كم هو مروّع الملل؛ ملل بشكل رهيب، لا أعرف تعبيرًا أقوى، ولا شيئًا أكثر صحّة [...] الشيء الوحيد الذي أراه هو الفراغ، والشيء الوحيد الذي أعيش عليه هو الفراغ، والشيء الوحيد الذي أتحرّك فيه هو الفراغ. أنا لا أعاني حتّى من الألم [...] لقد فقد الألم انتعاشته بالنّسبة إليَّ [...] أنا أموت الموت"[26].

لقد أفقد الملل والفراغ كيركغارد حتّى الشعور بالألم، وغيّبت قوّة الملل قوّة الألم، وأصبح الموت تجربة يموتها صاحبها في اليوم ألف مرّة، ولكنّ المفارقة هي أن يجد المرءُ السّكينة في الألم، وذلك أفظع من الموت ذاته: "إنّني لقادرٌ بقوّتي الخاصة على أن أزهد في كلّ شيء، وأن أجد السلام والسكينة في الألم الأشدّ فظاعة من الموت"[27]. بل يذهب كيركغارد إلى حدّ التساؤل: "لماذا لم أمت وأنا طفل صغير؟"[28]. ومن كان يتمنّى الموت وهو صغير هو نفسه من يقرّ: "لم أكن سعيدًا قطّ"[29]. لكن رغم تمنّيه الموت صبيًا، ورغم الملل والألم اللذين كان يُعاني منهما في حياته رغم قصرها، فإنّه يُعلن: "ولستُ على غير أُلفة بتعقيدات الحياة وأخطارها، فأنا لا أخشاها، بل أتصدّى لها في جسارة، ولست على غير ألفة بالمرعب [...] لقد رأيتُ المرعب بعينَي رأسي، ولا ألوذ بالفرار منه فرَقًا"[30].

في 8 أيار/ مايو 1837، التقى كيركغارد بريجين أولسن (Regine Olsen، 1822-1904)​، وهي فتاة من عائلة روردام {{عائلة روردام: (Rørdam family) عائلة دنماركية لها تقاليد وأعراف لوثرية، كانت معروفة بكثير من الشخصيات الدينية والفكرية.}}، فوقع في حبّها، وقد كانت بمنزلة العامل القوي في تطوّر تأمّلاته الفكرية واللّاهوتية {{اللاهوتية: علم يُعنى بدراسة العقائد الدينية بطريقة منهجية، مع العمل على تحليلها وفق العقل والنص المقدس.}} المتعلّقة بقضية الزواج ونضوجها، والفارق بين أبعاده الحسية والأخلاقية والدينية. وعلى الرغم من أنّ كيركغارد انجذب إليها بقوّة في بداية اللّقاء، فإن الوساوس والشكوك بدأت تتربّص به، فشكّ في إمكانية أن تستمر العلاقة بينهما، ثم تقدّم لخطبتها بتاريخ 8 أيلول/ سبتمبر 1840، لكنّ هذه الخطبة لم تستمر طويلًا، إذ قرّر فسخها والانسحاب منها بتاريخ 11 آب/ أغسطس 1841. ورغم المحبّة الكبيرة التي كانا يتبادلانها، والرسائل الغرامية التي كان يكتبها إليها بصورة مستمرّة، يُقرّ كيركغارد في يومياته أنّ الطابع السّوداوي الكئيب الذي كان يشعر به، هو ما جعله غير مؤهّل للزواج[31]، بل كان الزواج عنده من أكثر المشكلات الفلسفية الوجودية المؤرّقة، فإذا أقبل عليه ندم، وإذا أعرض عنه ندم: "تزوّج وسوف تندم. لا تتزوّج وستندم أيضًا. تتزوّج أو لا تتزوّج، ستندم في الحالتَيْن."[32].

وقد عبّر كيركغارد عن العذاب الكبير الذي كان يُعانيه في سبيل إنهاء علاقته بريجين، إذ يقول في يومياته: "لقد كُنت أراسلها دومًا، أترجّاها لتتركني أرحل، مؤكّدًا لها أنّها لن تقدر على تحمّل كلّ هذا العذاب، لكنّها كانت تردُّ عليَّ دومًا بنبرة انفعال حادّة. إنّها تريد أن تتحمّل كلّ ما يبدر منّي على أن تجعلني أرحل من حياتها"[33]. لقد كان على كيركغارد أن يترك حبيبته: "حبّي لم يكن سعيدًا"[34]. لقد كان عليه أن ينفصل عنها، لا خوفًا منها، بل خوفًا من نفسه، وخوفًا عليها من أن يخونها، وخوفَ أن يُقلّ في إخلاصه لمن يُحبّ: "تصير الروح حزينة، والقلب ينزف، كأنّ الإنسان يبتعد عنه، وكأنّ الإنسان يفترق ولا يلتقي به أبدًا ثانية، لا في الزمان ولا في الأبدية. يشعر المرءُ أنّه غير مخلِص، وأنّ المرء خان عهده. يشعر المرء أنّه لم يعد نفسه، وليس صغيرًا ولا طفوليًا. يخاف المرء على نفسه من أن يفقد ما يجعله فرحًا وغنيًا. يخاف المرءُ على ما يُحبّه"[35].

ويُمكن تأويل الدافع الحقيقي الذي أدّى به إلى فسخ الخطوبة بفارق الطبع بينه وبين ريجين، فهو شخصية منطوية، وهي تختلف عنه في ذلك. إضافة إلى ذلك، هو مُفكّر، وهي ليست كذلك بالمرّة، وهو أخلاقي جدلي، وهي تلقائية جمالية: "بالإضافة إلى ذلك، كان كيركغارد يُخفي سرًا؛ شيئًا غامضًا وشخصيًا، قدّر أنّه يجب عليه أن يبوح به لزوجته، لكنّه لم يكن يجرؤ على البوح به. طيش جنسي {{الطيش الجنسي: ضرب من النزوع الاندفاعي المضطرب في القرارات الجنسية، من دون النظر ألبتة إلى العواقب الاجتماعية والنفسية والصحية التي تنجم عنه.}}، مرض جنسي وراثي {{المرض الجنسي الوراثي: نوع من الاضطراب الوراثي، يُورَّث إلى الأبناء عن طريق الكروموزومات الجنسية، ويتجلى بوصفه نمطًا متوارثًا متباينًا بين الإناث والذكور.}}، ميلاخوليا فطرية، هوس أناني بأن يُصبح كاتبًا، أو أيّ شيءٍ آخر، لا يسعنا إلّا أن نتكهّن به، لكن في اللّحظة الحاسمة، بدا ذلك كافيًا لإجباره على فسخ خطوبته بدلًا من البوح به لريجينا"[36].

قد يكون كيركغارد ذاته غير قادر على معرفة الأسباب الحقيقية التي دفعته إلى فسخ خطوبته مع ريجين، وهل من الممكن أن يكون الإنسان واعيًا دائمًا بما يحبّ أو لا يحبّ[37].

يبدو أنّ أمر فسخ خطبة سورين من ريجين يتجاوز ريجين ذاتها، ويشمل موقفه من الفتيات كلهن، فرغم إقباله عليهنّ يُدبر، ورغم حبّه لريجين، فإنه يقطع علاقته معها، تحت تأثير نوع من الوسواس القهري {{الوسواس القهري: اضطراب سيكولوجي، يجعل الشخص يركّز على أفكار معينة بطريقة مُلحّة، وينجم عنه سلوك قهري يجعل الفرد يُضيّع وقته في التفكير في أمور ثانوية تعيق حياته اليومية.}} الذي يجعله لا يثق في أيّ فتاة: "الفتيات لا يَرُقْن لي. جمالهنّ يزول كالحلم ومثل الأمس عندما يكون قد مضى. إخلاصهنّ، نعم، إخلاصهنّ! أمّا أنّهنّ غير وفيّات، فهذا لم يعد يعنيني أكثر، أو أنّهنّ مخلصات"[38]. قد يكون على خلاف ذلك أيضًا، فكيركغارد يريد أن يعيش الحبّ على شاكلته المطلقة؛ الحب الكلّي الذي لا يفنى بفناء أصحابه؛ الحبّ الذي يكون ذكرى جميلة لا واقعًا مريرًا، فـ"ما يقوله الفلاسفة عن الواقعية غالبًا مخيّبٌ للآمال"[39]. ولهذا، قد يكون كيركغارد قد أراد أن يحوّل حبّه لريجين من واقعة مخيّبة للآمال إلى ذكرى لذيذة، ولعلّه في انفصاله عنها يُجدّد حبّه: "ليس هناك ما هو أخطر بالنّسبة إليَّ من أن أتذكّر. بمجرّد أن أتذكّر وضعًا حياتيًا، يتوقّف الوضع عن الوجود. يُقال إنّ الفراق يُجدّد الحبّ؛ هذا صحيحٌ للغاية، لكنّه يُجدّد الحبّ بطريقة شعرية بحتة. أن تعيش في الذكرى، هو أكمل حياة يُمكن تخيّلها، فالتذكّر يُشبع أكثر من الواقع، ولديه أمانٌ لا يمتلكه أيّ واقع. وضع حياتيٌّ تُذُكِّر يكون بالفعل قد دخل الأبدية وليس له أيّ اهتمام زمنيّ أكثر"[40]. وعلى الرغم ممّا شاب علاقة كيركغارد بريجين من اضطراب وتوتّر، ورغم انفصاله عنها، وخوفه من الارتباط بها بصفة الزوجة الدائمة، فإنّه يعترف: "إنّ الوقوع في الحبّ هو أمرٌ جيّد"[41]، وهذا ما يفسّر تغنّيه بإله الحبّ الإيروتيكي اليوناني، الذي يدين له الآخرون كلهم بوقوعهم في الحبّ.

وهنا، من المفيد أن يُميّز الباحث بين نوعَيْن من الحبّ عند كيركغارد: الحب الوثني الموروث من اليونانيين القدامى ومن "مأدبة" أفلاطون  (Plato، 427 ق. م.-347 ق. م.)  تحديدًا، وهو حبّ أناني شخصي؛ والحبّ المسيحي الذي لا يتعلّق بشخصٍ معيّن، بل يهدف إلى محبّة الجار كما يُحبّ المرءُ نفسه: "فمن الواجب أن يحبّ المرء جاره"[42]، وهذا من شأنه أن يطرح أمام الباحث فرضية يتقاسمها أو يشترك فيها الإستطيقي والإيتيقي، وهي أنّ الحبّ يُمكنه أن يسمح لصاحبه بالصّعود نحو ما هو ربّاني، فيتخلّص الإنسان من الأثرة لصالح الإيثار: "في الخلق الإستطيقي، يُفهمُ الحبّ من خلال مصطلحات وثنية أساسًا، على أنّه إيروس أو الرغبة. فالرغبة تفضيلية، قائمة على النّقص (فنحن لا نرغبُ إلّا فيما لا نملك، وفقًا لمأدبة أفلاطون)، وهي في نهاية المطاف أنانية. أمّا الحبّ المسيحي فيُفهَمُ باعتباره أغابيه[43]، وهو حبّ تضحوي، موجّه نحو الجار (دون تفضيل شخصي)، ويُنظر إليه كواجب روحي، لا باعتباره شعورًا نفسيًا، وينبع من هبةٍ من الله، لا من انجذاب بين البشر. نموذجه الكامل والوحيد موجود في شخص يسوع المسيح، الربّ-الإنسان. يُمكننا أن نرى في الانتقال من إيروس ’الخلق الإستطيقي‘ إلى أغابيه ’الخلق الثّاني‘ محاولة شخصية من كيركغارد للسموّ برغبته الأنانية في ريجين، إلى واجب كلّي وتضحوي لمحبّة الجار. وهذا مستحيلٌ بالنّسبة لإنسان واحد فرد، حسب ما يقوله. إنّ هذا لا يكون ممكنًا إلّا إذا تمّ تلقّي الحبّ أغابيه على أنّه هبة من الله"[44].

هل كان حبّ كيركغارد مجرّد مطيّة من أجل بلوغ الحبّ الإلهي[45]، وكان التعلّق بجمالها طريقًا يكتشف من خلاله جمال الله؟ يبدو أنّ الله هو الجمال المطلق، وأن التعلّق بغير وجهه انزياح عن الإيمان المسيحي الحقيقي، فلا يُمكن أن نستبدل الجميل في ذاته بالجميل بما هو نسخة باهتة: "إنّني مقتنع بأنّ الله محبّة. ولهذه الفكرة عندي صحّة غنائية بدائية، وعندما تتماثل أمامي، أشعر بسعادة لا سبيل إلى التعبير عنها، وعندما تغيب، أشتاق إليها بأعنف ممّا يشتاق العاشقُ إلى معشوقته [...] وحبّ الله في نظري سواء بالمعنى المباشر أم بالمعنى العكسي لا يُقاسُ بالواقع كلّه"[46]. ولهذا، فإنّ الجدير بالحبّ ليس إلّا الجمال الربّاني: "فإذا جعل المرء من الحبّ مزاجًا عابرًا، وعاطفة شهوانية في الإنسان، فإنّ الإنسان لا ينصب إلّا الشرك للضعفاء عندما يتحدّث عن مآثر الحبّ، فكلّ إنسان لا يمرّ بالعواطف العابرة بكلّ تأكيد، ولكن إذا فعل الإنسان نتيجة لمثل هذه العواطف الشيء الرهيب الذي قدّسه الحبّ بوصفه مأثرة خالدة، ضاع حينئذٍ كلّ شيء، بما في ذلك المأثرة، وفاعلها الضال"[47].

فالخطبة والزواج من الروابط البشرية الفانية، ولا يُمكن أن يحلّا محلّ العشق الإلهي المقدّس {{العشق الإلهي المقدس: لون من المحبة الصوفية العرفانية التي تتجاوز مُتع النفس وملذاتها، فيتجه المُحب إلى الإله مباشرة.}}: "يُمكن أن نفسّر طلاق كيركغارد البائن من ريجين أولسون أنّه قطعٌ لكلّ علاقة يمكن أن تجمعه بالأنوثة، بخوفه وقشعريرته الزّائدتيْن، وحساسيته التي ورثها عن أبيه، من إله منتقم يريد استرداد مكانته ومكانه، بعد سبّ وشتم آبي كيركغارد له، من دون أن يعني هذا إمكانية تفسير كلّ فلسفة الرجل بناءً على هذا المنطلق، فكما ضحّى إبراهيم النبيّ بابنه إسحاق[48] (في الإسلام إسماعيل) من أجل الإله، ضحّى كيركغارد بأولسن، وكما استشعر إبراهيم العقاب وصبر، كذلك أحسن كيركغارد عملًا بالابتلاء الإلهي على خطايا أبيه، فأوجب على نفسه التجلّد"[49].

إنّ قران كيركغارد على ريجين ممّا لا يُمكن أن يتحقّق أبدًا، ومن المُحال إنجازه، لأنّه من المُحال تحويل ما ينتمي إلى عالم المثال إلى عالم الواقع: "راعٍ شاب يقع في غرام أميرة، ويتألّف مضمون حياته كلّه في هذا الحبّ، ولكنّ الموقف يجعلُ من المُحال على هذا الحبّ أن يتحقّق. مُحال أن يُترجَم من عالم المثال إلى عالم الواقع"[50]. فضلًا عن أنه: "إذا أصبح الحبّ شقيًا، فلن يكون قادرًا أبدًا على انتزاع نفسه بعيدًا عنه، بل إنّه ليشعر بوَجْدٍ سعيدٍ حينما يترك الحبّ يوخزه في كلّ عصبٍ من أعصابه. ومع ذلك، فإنّ روحه مطمئنّة اطمئنان الذي أفرغ قنينة السمّ، وأخذ يشعر بالرحيق يسري ممتزجًا بكلّ قطرة من دمه، لأنّ هذه اللّحظة هي الحياة والموت"[51].نّه

إنّ استحالة زواج كيركغارد بريجين لا تعني استحالة أن يُحبّها ما دام حيًا، بل إنّ حبّه لها ينمو مع السّنين ويزداد جمالًا: "وإنّما يحتفظ بحبّه، وكلّما مضى معه كبر في الأعوام وازداد بهاءً"[52]، فالحبّ، كما يتمثّله كيركغارد، ينمو بالفراق ويموت باللّقاء، والحبّ مكتفٍ بذاته يحبّها، وهو ليس من طبيعة الأفعال الوضيعة التي تستمدّ قانون أفعالها من الآخرين، وتجد مقدّمات أفعالها خارج نفسها. الحبّ "كائن" يستمدّ وجوده من ذاته لا من محبوبه: "وقد فهم أيضًا السرّ العميق، وهو أنّ المرءَ عندما يُحبّ شخصًا آخر، فعليْه أن يكتفي بذاته، فلا يعنيه في قليل أو كثير ما تفعله الأميرة [...] لقد انقضى الزمن وفعلت الأميرة شيئًا آخر، لقد تزوّجت"[53].

ولكنّ المُحبّ يظلّ وفيًا لحبّه: "ويحتفظ بحبّه فتيًا كما كان في لحظته الأولى، ولا يتركه يُفلت منه أبدًا"[54]. فبه يحيا، وعليه يموت رغم الحزن والألم: "وفي التّسليم النهائي يكون السّلامُ والراحة والاستقرار في الحزن"[55]. لهذه الأسباب كلها، اختار كيركغارد الحبّ الأبدي الخالد على الحبّ الفاني، واستعاض عن حبّه لريجين بحبّه لربّه: "وفي التسليم، أزهد في كلّ شيء [...] وفي اتّفاق سعيد مع حبّي "للكائن الأبدي"، ولكنّني بالإيمان لا أتخلّى عن شيء، وإنّما على العكس، بالإيمان أنال كلّ شيء، بذلك المعنى الذي يُقال به إنّ من يملك حبّة من خردل من الإيمان يستطيع أن يُزحزح الجبال. مجرّد الشجاعة البشرية هي المطلوبة للتخلّي عن الزماني كلّه في سبيل اكتساب الأبدي"[56]. لقد فضّل كيركغارد "انتصار حبّ الله"[57] في نفسه على سعادته الدنيوية، وتوجيه نظرة واحدة صوب السّماء مصدر كلّ نعمة جليلة، على أن يوجّه ألف نظرة إلى محبوبته الأرضية[58].

وفي عام 1855، حصل لقاء أخير بين ريجين وكيركغارد قبل أن ترحل إلى جزر الهند الغربية[59]. كان هذا بمنزلة الوداع الأخير بينهما، إذ تُوفّي كيركغارد بعد 8 أشهر من هذا اللّقاء، بعد أن كانت العلاقة العاطفية بينهما معقّدة[60]. وفي عام 1841، ورغم انفصالهما، فإن تأثير ريجين ظل حاضرًا في أعماله، وكان يُشير إليها غالبًا بأسماء مستعارة. وبعد وفاته، اكتشفت عمق العلاقة والمحبّة التي كان يُكنّها لها، وهذا ما عبّرت عنه رسائله، ووصيّته التي ترك فيها إرثًا لها بوصفها "زوجته السابقة"[61].

ميلاد التّهكم السُّقراطي

بعد مدة قصيرة من فسخ خطوبته بريجين، وعقب هذه التجربة العاطفية الأليمة، قدّم كيركغارد رسالة الماجستير الخاصّة به بعنوان: مفهوم التهكّم مع الأخذ في الاعتبار دومًا سقراط (The Concept of Irony, with Constant Reference to Socrates) وهي رسالة ضخمة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط الأكاديمية في كوبنهاغن[62]. تلك الرسالة نفسها هي التي سيحوّلها، في إثر ذلك، إلى رسالة دكتوراه، وقد استأذن فيها الملك بأن يُحرّرها باللّغة الدنماركية، بعد أن أصبح القانون يفرض تحرير الأطروحات باللّغة اللّاتينية. وبمجرّد تقديم أطروحته قطع خطوبته مع ريجين، ثمّ سافر إلى برلين، وحضر دروس الفيلسوف فريدريش شيلنغ (Friedrich Schelling، 1775-1854)، وأقام هناك مدّة عام، عاد بعده إلى كوبنهاغن، حيث بدأ إنتاج أعماله الأساسية التي لاقت رواجًا واسعًا بين القُرّاء. كذلك سنجد أنّ معظم أطروحاته بشأن مفهوم التهكّم السقراطي (Socratic irony)، كان قد استخدمها في جُلّ أعماله الفكرية واللّاهوتية، ويمكن العثور عليها بدرجة خاصة في كتابه: حاشية غير علمية لشذرات فلسفية (Concluding Unscientific Postscript to Philosophical Fragments ​,1846)، وأيضًا في شذرات فلسفية (Philosophical Fragments​, 1844)[63].

تشكّلت علاقة كيركغارد بسقراط (Socrates، 470 ق. م.-399 ق. م.) بشكل أساسي من خلال رسالته للماجستير، إذ رأى في فلسفته تعبيرًا أصيلًا عن العلاقة الفردية بالحياة، بعيدًا عن النسق الفلسفي المغلق، فسقراط يُعد فيلسوفًا لا نسقيًا (Non-systematic)، تمثّل فلسفته انعطافة مركزية في تاريخ الفكر الفلسفي برمّته، إذ تحوّل الاهتمام من الطبيعة إلى الذات البشرية بوصفها محور التفلسف[64]. وقد عدَّ كيركغارد أنّ مقولة سقراط: "اعرف نفسك" (Gnōthi seautón)، التي كُتِبت في معبد أبولو (دلفي) {{معبد أبولو (دلفي): موقع ديني يوناني مشهور، كان يقصده الملوك وأهل الحل والعقد بُغية استشارة الإله.}} بأثينا، تؤسّس لفهم ذاتي عن الإنسان. ولم يكن تأثّر كيركغارد بسقراط مُتعلّقًا بما رواه تلميذه أفلاطون في محاوراته، بل من خلال صورته بوصفه رجلًا حكيمًا يعيش بين الناس كشخص عادي، ويمارس فن التهكّم (Irony) ومنهج التوليد المعرفي (الميتودوس) بوصفهما أسلوبَيْن يساعدان الأفراد على استنباط الحقيقة من أعماق ذواتهم: "لمعرفة الحقيقة، ربّما جِئتُ. أمّا الخلاص فبالتأكيد لا. ماذا أفعل؟ كن نشطًا كما يقول النّاس"[65]. ويُمثّل سقراط بالنّسبة إلى كيركغارد مثالًا حيًا لما هو شائق، والحياة الشّائقة لا تكون بأيّ فنّ اصطناعي: "ولكنّها ميزة قدرية، وهي كأيّة ميزة في عالم الروح لا تُشترى إلّا بالألم العميق. وعلى سبيل المثال، كان سقراط أكثر من عاش تشويقًا، وكانت حياته أكثر الحيوات التي سجّلها التاريخ تشويقًا، غير أنّ هذا الوجود شيء خصّه به الإله"[66].

يُمثّل مفهوم التهكّم عند كيركغارد محطّة انتقالية حاسمة في منحى تطوّر الذات، إذ يُعبّر عن استفاقة نقدية تُقَرُّ بانهيار ما يتعلّق بالحياة الحسّية الجمالية، ما يفسح المجال أمام التحوّل إلى المرحلة الأخلاقية[67]، فالتهكّم يُعد موقفًا هدميًا يكشف الغطاء عن هشاشة الوجود الحسّي، ويدفع بالذات نحو مجابهة ذاتها بإخلاص. وفي ذلك تمهيد للصّعود إلى مرحلة الوعي الأخلاقي، ومنها إلى الوعي الديني، فكما استعان سقراط بالتهكّم لزعزعة أساسات المعتقدات التي كانت سائدة في أثينا، وإيقاظ الوعي الفردي[68]، يرى فيه كيركغارد أداة لدحض التراكمات التي حَصَّلها الفرد بفعل الجماعة وما توارثته من يقينيات سطحية، ودفع الفرد نحو عزلة تأمّلية تُرجِع له علاقته بذاته الأصيلة. وهذا ما يجعل من التهكم مرحلة وسطى تقع بين "المرحلة الجمالية" و"المرحلة الأخلاقية"[69]، في سياق نظريته بشأن المراحل على طريق الحياة: "مثلما يؤكّد كيركغارد في كتابه في مفهوم التهكّم، فإنّ التهكّم هو بمنزلة القابلة التي تولّد الذّاتية الفردية. إنّها جهاز إبعادٍ، تجعل التجربة المباشرة تنطوي على ذاتها لخلق مساحة من التأمّل الذّاتي، وتتجسّد، عند سقراط، كـسلبية لانهائية؛ قوّة تقوّض كلّ رأي شائع، تاركة مُحاوريه في حيرة من أمرهم؛ ومسؤولة عن أفكارهم وقيمهم الخاصّة. بعبارة أخرى، يُجبرُ التهكّم السّقراطي مُحاوريه على التأمّل في أنفسهم، واتّخاذ مسافة نقدية من معتقداتهم وقيمهم المباشرة"[70].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ف​ي مواجهة الهيغيلية

بدأ تأثير الفلسفة الهيغلية {{الفلسفة الهيغلية: هي منظومة فلسفية مثالية ترتكز على فلسفة الفيلسوف الألماني هيغل، وترى أن الواقع هو تاريخ انكشاف الروح عبر الدياليكتيك.}} في كيركغارد بوضوح خلال انتقاله إلى برلين، وقد مثّلت تلك المرحلة منعطفًا حاسمًا من حياته وتطوّر فكره، إذ باشر في تأليف عمله الشهير: إما - أو: شذرة حياة، وانخرط في دراسة نقدية لفلسفة فريدريش هيغل (Friedrich Hegel، 1770–1831)​: "بحلول أواخر 1830، كانت الهيغلية قد سيطرت على الفلسفة واللّاهوت والإستطيقا في كوبنهاغن"[71]. وقد جسّدت فلسفته فيما بعد استجابة ذاتية ناقدة للهيغلية، إذ استلهم كثيرًا من قراءاته لأعمال هيغل الثانوية وكتابات أتباعه، رغم أنّه لم يطّلع مباشرة على الأعمال الكبرى له ككتاب: فينومينولوجيا الروح (The Phenomenology of Spirit, 1807)، وموسوعة العلوم الفلسفية ( Encyclopedia of the Philosophical Sciences, 1917). ويشار إلى "أنّ هيغل نفسه كان موضوع انتقاد أقلّ، وموضوع استحسان أكثر في مدوّنة كيركغارد، ممّا يُعتَقَدُ عمومًا. لقد كانت الهيغلية المسيحية للمثقّفين الدنماركيين الهدف الرئيس لهذه الانتقادات"[72]. وفي سياق مراجعته النقدية لهذا الفكر، عمل على بلورة تصوّره لمفهوم الذات، بوصفه ركيزة أساسية في مشروعه الفلسفي المضاد، متتبعًا في ذلك مراحل تطوّرها الثلاثة: الجمالية، فالأخلاقية، ثمّ الدينية التي يبلغ فيها الوجود الذاتي أصالته من خلال الالتجاء إلى الإيمان، بوصفه مفارقة تتجاوز مُمكنات العقل، ليصبح الفرد مسيحيًا حقًا في لحظة المعرفة الذاتية أمام الإله[73].

في كتابه خوف ورعدة (Fear and Trembling​)، يُقيم كيركغارد مقارنة طريفة بين إبراهيم النبيّ وهيغل الفيلسوف، ولكنّه على اعترافه باستعصاء بعض نصوص هيغل على الفهم أحيانًا، فإنّها تظلّ مع ذلك في متناوله، وإذا قارنّاها بمحاولة فهم حياة إبراهيم، فإنّ المرء ينسحق انسحاقًا أمام وطأة حياة إبراهيم، وسيرته التي تقوم على مفهوم مركزي عند كيركغارد هو مفهوم المفارقة: "من المفترض أنّ فهم هيغل شيء صعب، على حين أنّ فهم إبراهيم شيء تافه. وتجاوز هيغل معجزة، أمّا تجاوز إبراهيم فأسهل شيء على الإطلاق، وأنا -من ناحيتي- قد كرّست وقتًا طويلًا لفهم الفلسفة الهيغيلية، وأعتقد أيضًا أنّني أفهمها فهمًا حسنًا، ولكن عندما تكون هناك فقرات معيّنة لا أستطيع أن أفهمها على الرغم من المشقّة التي أخذت بها نفسي، فإنّني من الجرأة بحيث أعتقد أنّ هيغل نفسه لم يكن واضحًا تمام الوضوح. هذا كلّه أفعله في يسرٍ وبطريقة طبيعية، ولا يعاني رأسي منه شيئًا. ولكنّني عندما أفكّر في إبراهيم من جهة أخرى، أشعر وكأنّما مُحِيتُ محوًا، ذلك أنّني أُبصر في كلّ لحظة تلك المفارقة الهائلة التي هي جوهر حياة إبراهيم، وفي كلّ لحظة أشعر بالابتعاد، ولا يستطيع فكري رغم كلّ حماسته أن يتقدّم شعرة واحدة إلى الأمام. وإنّي لأمسك كلّ عضلة من عضلاتي أن تطلّ عليها، وأنا في هذه اللّحظة بالذّات أشعر بالشّلل"[74].

هل يعني ذلك أنّ تجربة إبراهيم النبيّ تظلّ بعيدة عن كلّ محاكاة؟ وهل من معنًى لتجربة إيمانية تتعالى على المؤمنين بها؟ إذا كانت تجربة الفيلسوف هيغل على عُسرها يُمكن أن تُدرَك، فإنّ تجربة النبيّ إبراهيم لا يُمكن أن تُطاولها أيّ تجربة إيمانية أخرى، مهما كان القرب بين المؤمن وإبراهيم: "فأنا أتأمّل نفسي في البطل، ولكنّني في إبراهيم لا أستطيع أن أتأمّل نفسي. وعندما أصل إلى الأعالي، أهوي من حالق، لأنّ ما ألقاه هناك هو المفارقة {{المفارقة: هي صياغة يُجمَع فيها بين مسألتين أو طرحين متعارضين من الناحية الظاهرية، يتمخض عنهما تناقض واقعي أو فكري.}}. ولكنّني لا أعني على كلّ حال أن أقول بأيّ معنى من المعاني إنّ الإيمان شيء دنيء، بل على العكس، إنّه أسمى الأشياء. وتُجافي الفلسفة الأمانة عندما تُعطي شيئًا آخر بدلًا منه، وعندما تستخفّ بالإيمان، ولكن ينبغي عليها أن تفهم نفسها، وأن تعرف ما يجب أن تعطيه، وألّا تستبعد شيئًا، وألّا تخدع الناس في قيمة شيء ما بحسبانه لا شيئًا"[75].

ما تُعلِّمه الفلسفة عند أرسطو {{أرسطو: فيلسوف إغريقي، يُنعَت بالمعلم الأول، وضعَ مبادِئ المنطق الصوري.}} يعلّمه الدين في تجربة إبراهيم، فكلاهما يُعلّمان الدّهشة: "أمّا إبراهيم، فأنا لا أستطيع أن أتعلّم منه شيئًا -بمعنى من المعاني- اللّهمّ إلّا الدّهشة"[76]. فهل يُمكن أن تكون الدهشة بداية للإيمان مثلما كانت بداية للتّفلسف؟ إنّ الوعي بالمفارقة في امتحان إبراهيم الذي "كان يُثير إعجابي"[77]، هو أولى خطوات الفهم، وأولى خطوات الإيمان، فذلك ممّا لا بدّ منه "حتّى نرى المفارقة الهائلة التي ينطوي عليها الإيمان، مفارقة كفيلة بأن تُحيل الجريمة إلى عمل مقدّس يُرضي الله؛ مفارقة أعادت إسحق إلى إبراهيم، ولا يستطيع أن يُسيطر عليها أيّ فكر، وذلك لأنّ الإيمان يبدأ تمامًا عندما يرحل التّفكير"[78].

ومن أبرز الكُتب التي اطّلع عليها كيركغارد في سياق تأثّره بهيغل، كتابه الذي يتضمّن محاضراته في فلسفة الدين، حيث كان اهتمامه الأساسي مُنصبًّا على معرفة الذات عن طريق الإيمان، بوصفه مفارقة بين الإلهي والبشري. فيتّفق مع الفيلسوف هيغل في أن اليسوع يمثّل تجسيدًا للحقيقة، لكنّه في مقابل ذلك يرفض أن تُفَسَّر "المفارقة الهيغلية" بالمنطق الجدلي {{المنطق الجدلي: (Dialectical Logic) منهج في التفكير والمنطق، يعتقد أن الواقع صيرورة تسيّرها التناقضات ويجري حلّها عبر نفي النفي.}}، عادًّا إيّاها مفارقة مطلقة {{المفارقة المطلقة: تعارض لا يجري حلّه عن طريق العقل، يتمثّل في تجسّد المطلق في الزمن المغلوب بالتناهي، ويجري إدراكه بالإيمان القلبي وليس بالبرهان العقلي.}} لا يمكن فهمها إلّا عن طريق الإيمان[79]. كذلك ناهض كيركغارد تفسير هيغل للروح بوصفها سيرورة عقلية تتمرحل عبر الزمن، وأكّد على أنّ المسيحية لن تكون عقيدة منطقها العقل، بل تتطلّب إيمانًا يسير نحو مجاوزة العقل. وبناء على ذلك، فقد عُدَّت فلسفة كيركغارد تعبيرًا عن وجوده الشخصي، بمنأى عن الأنطولوجيا الميتافيزيقية {{الأنطولوجيا الميتافيزيقية: (Metaphysical Ontology) ضرب من الميتافيزيقا التي تُعنى بدراسة الكينونة من حيث هي كينونة، وبحث مبادئها القصوى.}}.

مراحل الحياة الثلاث لديه

سعى كيركغارد إلى تحليل ضروب الوجود الإنساني من خلال تأمله العميق في تجارب الحياة نفسها، فميّز في ذلك بين ثلاث مراحل مركزية للوجود، عدَّها مراحل تصاعدية في تطوّر "الفرد المفرد" في حياته الذاتية، وأطلق عليها "مراحل على طريق الحياة"، وهي: المرحلة الجمالية الحسّية (Sensuous-Aesthetic Stage)، والمرحلة الأخلاقية (Ethical Stage)، ثمّ المرحلة الدينية (Religious Stage)[80]. وهذه المراحل لا تُشكّل تطوّرًا مرحليًا بالمعنى البيولوجي أو النّفسي، بل مستويات مختلفة للوجود[81]، فالمراحل السّابقة تُعَد غاية للمراحل التي ستأتي بعدها، وبذلك تتضمّنها وتفترضها. وتركّز أعمال كيركغارد على المرحلة الدينية بصورة مركزية، ما يدعم حكمه الذي نافح من أجله، القائل إن مجمل عمله هو بالأساس خدمة للحقيقة الدينية.

قدّم كيركغارد نظرية "المرحلة الحسّية الجمالية" بشكل مُعمّق في كتابيه: إما - أو، ويوميات مُغوٍ (The Seducer’s Diary​, 1843)، حيث ربط هذه النظرية بالتحوّلات الأخلاقية التي تمسُّ حياة الفرد. ويُحيل لفظ "الحسّي" إلى كلّ ما له علاقة بالشّهوة والرغبة اللّتين تسعيان دومًا إلى الإشباع، على النحو الذي يصبح الفرد فيه رهينة حواسه، باحثًا عن سُبل تحقيق اللذّة والمُتعة الآنية. هذا الطور يرفض الحياة الدينية الإيمانية، ويعبّر عن ثورة ضدّ كلّ ما هو مقدّس، إذ يتّصل الفرد مباشرة بالعالم الملموس، ما يُسقطه في وحل الفراغ الروحي العاطفي. ولكي يُقرّب كيركغارد هذه الحالة، يضرب مثلًا بشخصية الدون جوان {{الدون جوان: (Don Juan) هو شخصية ميثولوجية مشهورة في الأدب الغربي، تُعبّر عن شخص وسيم فاتن عربيد، يعمل على إغواء الفتيات.}}، الذي تتمظهر فيه أقصى تجلّيات الرغبة الحسّية. ومن خلال تأمّلاته في الموسيقا، أشار كيركغارد إلى أنّها -ولا سيما موسيقا موزارت- الأدقّ تعبيرًا عن هذا الطور الحسّي، إذ يقترن هذا الطور بثلاث مراحل تمثّل تطوّر الرغبة، وهي: زواج فيغارو (The Marriage of Figaro)، والنّاي السحري (The Magic Flute)، ودون جيوڤاني (Don Giovanni). ويربط كيركغارد هذه الأعمال الموسيقية بمنازل مختلفة من الرغبة الإنسانية، إذ يُظهر زواج فيغارو مرحلةَ الطفولة والتخبّط، ويُمثّل النّاي السّحري تطوّرًا نحو الرغبة الكامنة، بينما يعكس دون جيوڤاني المرحلة المتطوّرة، التي تُشبَع فيها الرغبة بشكل متكرّر بلا هدف نهائي. وتُبرزُ هذه النظرية تطوّر الإنسان من مرحلة الشهوة البسيطة إلى التجربة المعقّدة، التي يُعبّر عنها من خلال العلاقات والعواطف[82].

أمّا المرحلة الثانية "الأخلاقية"، فتُجسِّد التزامًا واعيًا بمبادئ الخير بصفة عامّة، إذ يُرتجى من الفرد المفرد تجاوز نزعاته الذاتية، والانخراط أكثر في منظومة القيم التي تخدم مصلحة الجماعة. ويستلهم هذا المدرج الأفعال من معايير سامية تتجاوز اللذّة والألم، وهذا يُخالف المرحلة الحسّية الجمالية التي تقوم على التنوّع وتنأى بنفسها عن التكرار، بحيث يتمسّك الفرد الأخلاقي بالتكرار بوصفه تعبيرًا عن الاتّساق والالتزام. وتتّسم هذه المرحلة أيضًا بالتحكّم في الذات، وما يجبلها من عادات ومشاعر تعاطفية ونزعات، ما يُفضي إلى نوع من التوازن الداخلي، الذي ينبثق من ارتباط أصيل بالذات، ويُجسّد انسجامًا وجوديًا واستقرارًا أخلاقيًا. فالذات الأخلاقية في فلسفة كيركغارد تتّسم بقدرتها على اختيار نفسها في سياق وجودها المحدّد، حيث تتحقّق حريتها من خلال القبول الواعي لظروفها الخاصة، وتركّز على اتّخاذ قرار يعكس تصالحًا داخليًا بين الذات وواقعها، فقرار الأخلاق هو تأكيد للفرق بين الخير والشر ضمن الذات نفسها. ومن خلال هذا القرار، تتجاوز الذات التناقضات الداخلية، ما يجعلها قادرة على تحقيق وحدة كاملة مع نفسها. وفي هذا السّياق، تتحقّق الحرية من خلال الحفاظ على التناقض بين الخير والشر، وتجاوزه في الوقت نفسه. بناءً على ما سبق، فإنّ المدرج الحسّي عند كيركغارد، يُمثّل كما يتجلّى في شخصية باباينو من أوبرا "الناي السحري"، حالة من الانفعال الغرزي والتّوق العاطفي المباشر، ضمن سياق رمزي خلاصي. ويُجسّد باباينو الانشغال باللذّة والارتباطات الحسّية، ويبلغ ذروة أزمته حين يفكّر في الموت قبل أن يُنقذ عبر وساطة سحرية، ما يعكس انغلاق الوعي في المباشر الحسّي، تمهيدًا للانتقال إلى طور أرقى من مدارج الوجود[83].

ويشكّل الانتقال من المرحلة الجمالية إلى المرحلة الأخلاقية نقطة تحوّل وجوديّة بالغة الصعوبة، إذ يتخلّى الإنسان فيه عن تعدّد الإمكانات والمتع العابرة التي تميّز الوجود الجمالي، لينخرط في نمط من الحياة تحكمه الضوابط العقلية والالتزامات الأخلاقية الثابتة، بحيث يصبح المعنى مرتبطًا بالمسؤولية والدّوام.

وقد اتّخذ كيركغارد من شخصية القاضي وليام {{القاضي وليام: (Judge William) شخصية خيالية اعتمدها كيركغارد كاسم مستعار في كتابه إما - أو. يُجسد هذا القاضي المنظور الأخلاقي، ويدافع عن عقد الزواج بوصفه اختيارًا ومسؤولية.}} الرمزية التي أوردها في كتابه إما - أو، مثالًا على الإنسان الأخلاقي في معرض نقاشه بشأن الزواج، لِما يمثّله من وعي ناضج يدافع عن مؤسّسة الزواج بوصفها اختيارًا حُرًّا ومسؤولًا أمام الإله وأمام الآخر أيضًا، وتقتضي من الإنسان الفرد الالتزام الذاتي والتضحية. ومع ذلك، فإن كيركغارد يرى بأنّ هذا الارتباط يصطدم بعقبة أساسية تتمثّل في طبيعة المرأة المزاجية التي تخضع للأهواء والنزوات، ما يجعل العلاقة الزوجية هشّة وغير قائمة على أساس أخلاقي ثابت، الأمر الذي يدفع بالإنسان الأخلاقي إلى الارتقاء إلى المدرج الديني، حيث تنكشّف الذات بصورة كاملة أمام ذاتها، في اختبار وجودي يتطلّب تضحية جذرية تتجاوز الانشغال باللذّة والنجاح الدنيوي، لتبلغ ضربًا من الحياة يتّسم بالبطولة الأخلاقية والالتزام الديني العميق.[84]

أمّا المرحلة الثالثة من مراحل الحياة عند كيركغارد، فهي المدرج المتعلّق بالمرحلة الدينية اللّاهوتية، التي تقتضي وعيًا ذاتيًا يتّسم بالصرامة والانضباط للفارق المطلق بين الفرد المفرد والإله، وأنّ الذات المؤمنة ينبغي لها أن تسعى إلى تجسيد هذا الوعي في وجودها المَعيش، عادًّا الإيمان تجربة فردية خالصة، لا تستعين بأيّ وساطة مؤسّسية تُمثّلها الكنيسة أو يُجسّدها رجل الدين. وبهذا، يرفض كيركغارد كلّ تمثّل مؤسّساتي للإله، عادًّا الاتصال بالربّ عملًا ذاتيًا يتحقّق عن طريق المك الكدح والقلق والمجاهدة الروحية الباطنية: "لقد رأيت [...] أنّ مخافة الله كانت في أن يذهب أحدنا إلى مذبح الكنيسة مرّة واحدة في السّنة، لقد رأيت ذلك، وضحكتُ"[85].

فالمسيحية، كما يتأوّلها كيركغارد، لا تتوجّه إلى الإنسان في كلّيته، بل إلى الإنسان في فرديته، أي تتوجّه إلى الإنسان بوصفه فردًا، لذلك فهي ليست ديانة للعالمين، وإذا كانت كذلك فهي للعالمين فُرادى. ينجم عن ذلك أنّ الحقائق التي يبنيها الإنسان بفضل إيمانه الفردي، هي حقائق باطنية وذاتية: "ومثلما لا يُمكننا أن نموت بموت الآخرين، لا يُمكننا أن نعيش إيمان الآخرين. فأن يوجد الإنسان باطنيًا وبشغف باعتباره فردًا، فذلك شرطٌ مسبق للإيمان المسيحي"[86]. لهذا، كان نقد كيركغارد موجّهًا إلى الإيمان المسيحي الذي تَمَأْسَسَ فظهر في شكل كنيسة؛ تأمر النّاس بالبرّ وتنسى نفسها؛ وتدعو النّاس إلى الزّهد في حين أنها تراكم الثروات الطائلة المالية والعقارية؛ وتثير نقمة أتباعها على الأرض والجسد، في حين أن قساوستها ورهبانها يُثخنون في طلب الملذّات والمتع بأنواعها[87].

إنّ الإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل في حميمية المؤمن وفرديته، بعيدًا عن الشعائر والطقوس المسرحية والفلكلورية، رغبة في الإخلاص لمن هو حقيق به، لذلك، لا يُولَد المرءُ مسيحيًا، بل يُصبح كذلك بفضل المكابدة والمجاهدة: "ولنا مثلٌ بفعل الخطيئة الذي يُذكّرنا بواجباتنا تجاه الإله، ويُذكّرنا بنقصنا وقلّة حيلتنا. ولأنّ الإله يُحبّ الإنسان فإنّه يغفر له خطاياه، ويحمل عنه وزره، لذا تؤدّي الخطيئة دورًا إيجابيًا في ربط الإنسان بالإله، فلو لم يكن يُخطئ لَمَا تاب وبحث عن الغفران. وبهذا يُعادُ فتحُ الطريق، وينتصبُ جسرُ الاتّصال بينهما بعد أن قُطع بفعل الخطيئة، فعلى المؤمن الوعي بمفارقة الخطيئة (التي تُحيلُ على الذّات في ماضيها) والغفران (الذي يؤشّر على الذّات في مستقبلها)، فالخطيئة إنسانية والغفران إلهي، فأيّ معنى للغفران في غياب الخطيئة؟ وأيّ دورٍ للراهب بلا شيطان؟ فالخطيئة تولّد القلق، أمّا الغفران فيُنتج الأمل. في الخطيئة نكون رأسًا لرأس أمام الإله"[88]. لقد نجحت المسيحية بوصفها مؤسّسة كنسية في تحريف المسيحية بوصفها ديانة، وبوصفها إيمانًا يربط بين الإنسان الفرد وربّه، وحوّلت الإيمان الفردي إلى إيمان الحشود القابلة للتّطويع والاستغلال: "كانت المسيحية، كظاهرة ثقافية، في صراع مع الإيمان المسيحي. وكانت قد هدّدت باستبدال الفرد المتوحّد بالحشود (تحت ستار الجمعية)، والنّضال بالوساطة، والثّورة بالتأمّل، وأعمال المحبّة بالدّولة الراعية. الأسوأ من ذلك، أنّها هدّدت بالاستحواذ على الحقيقة الخالدة بثرثرات دنيوية"[89].

ولا يُمكن فهم هذا المدرج عند كيركغارد إلّا من خلال ربطه بمفهوم المفارقة (Paradox) عنده، إذ يحتلّ هذا المفهوم منزلة أساسية في فلسفته ولاهوته الخاصَّيْن، ويُعبّر عن تجاوز أدوات العقل في الفهم، التي تعجز آليات المنطق والعقل عن حذق كُنهها. وتنبع مركزية هذا المفهوم من تجربة كيركغارد الذاتية وقناعته الراسخة بأنّ الإنسان كائن محكوم بالتناهي، ومغلوب بالموت، ومُعرّضٌ للقلق والفزع والخطيئة، ما يجعله غير قادر على إدراك الحقيقة الإلهية، أو نيل طريق الخلاص عن طريق الاستعانة بالعقل وحده[90]. وبهذا، تتعارض رؤيته بصورة جذرية مع فلسفة هيغل، التي تحتفي بعقلانية التاريخ وتجلّي العقل في الواقع، فالتجسد الإلهي في المسيح، أو بالأحرى لحظة دخول الأزلي في الزمان (تدرُّع البشري بالإلهي)، تُمثّل عند كيركغارد المفارقة المطلقة (The Absolute Paradox)، التي لا تُفهم بوساطة العقل، بل يُسلَّم بها عن طريق الإيمان وحده، الذي لا يبدأ إلّا حين يصمت العقل أمام ما يستعصي عليه فهمه، إذ إنّ المسيحية نفسها -كما يعتقد كيركغارد- تقوم فقط على التسليم بهذه المفارقة، بوصفها الممرَّ الوحيد إلى معرفة الإله اللّامتناهي[91]. وبهذا، يكون الإيمان هو طريق التخلّي عن العقل بغية الحصول على الإله[92]: "تُدمجُ مفارقة التجسيد المسيحية لتكون بمنزلة حجر عثرة أمام أيّ محاولة عقلانية لإدراك ما هو ربّاني على نحو منطقي. إنّ فكرة الله الخالد والأزلي المتعالي [الذي] يُمكنه أن يتجسّد في آن واحد في كائن بشري محدود في الزمان، ليموت على الصليب، هي بمنزلة الإهانة للعقل"[93].

فعلى الرغم من أنّ الله لا يُمكنه أن يكون محايثًا للعالم بأيّ شكل من الأشكال، فإنّ ذلك لا يمنع من اختراق ما هو إلهي لما هو دنيوي وبشري، ولكنّ إدراك هذه الحقيقة يظلّ شأنًا من شؤون الإيمان، لا شأنًا من شؤون العقل كما يدعو إلى ذلك هيغل: "فإذا كنّا نؤمن بالمسيحية، فإنّ المسيح، بصفته سيّدًا، هو شرط تلقّي هذه الحقيقة؛ وهو يُفهمُ تحديدًا، على أنّه اختراقٌ للألوهية المتعالية لمملكة المحايثة البشرية. ولا سبيل إلى الارتقاء إلى هذه الحقيقة بالعقل والمنطق، على عكس هيغل، الذي يُحاول أن يُثبت أنّ العلم الفلسفي الكلّي يكشف في النهاية عن المطلق"[94].

إذًا، فقد تمثّل كيركغارد مسألة التجسيد المسيحي على أنّها بمنزلة "إهانة للعقل، ولا يمكن التغلّب عليها إلّا بفعل إيماني. ولكن حتّى مثل هذا الفعل فإنّه يكون تحت سيطرة الفرد. وقد يتطلّب شجاعة أكبر، ويثير قلقًا أكبر ممّا يتطلّبه ويثيره الصعود التدريجي للسلّم"[95]. ولكنّ القلق عند كيركغارد شرط الخلاص وليس عائقًا أمامه: "إنّ من يحيا في القلق هو وحده الذي يجد الراحة"[96]. ولهذا، فإنّ النبيّ إبراهيم كان مثالًا يُحتذى في التضحية بالأفضل، والأفضل هو إسحاق، ولكنّه كان أيضًا مثالًا يُحتذى به في القلق[97].

ولكن، سيُدان أحدهم عندما يُقبِل على ما أقبَل عليه إبراهيم، وسيكون ما يفعله قتلًا، لذلك، كان إبراهيم رغم أنه يثير الإعجاب: "يدفعني في الوقت نفسه إلى الاستنكار"[98]. أمّا إذا أُدخِل في الحسبان الإيمان بالله والالتزام بأوامره، فإنّ ما كان يُعَد قتلًا سيُعَدُّ تضحية: "وإذا لم يكن الإيمان يجعل استعداد المرء لذبح ابنه فعلة مقدّسة، فلنصدر الإدانة نفسها على إبراهيم كما نصدرها على غيره. وإذا كان الإنسان يفتقرُ إلى الشجاعة للمُضيّ في تفكيره إلى أقصى مداه، ولأن يقول إنّ إبراهيم كان قاتلًا [...] إنّ التعبير الأخلاقي عمّا فعله إبراهيم هو أنّه سوف يقتل إسحاق، أمّا التعبير الديني فهو أنّه سوف يُضحّي بإسحاق، ولكن في هذا التناقض بالذّات يكمن القلق الذي يؤرّق الإنسان، ولن يكون إبراهيم على ما هو عليه بدون هذا القلق"[99].

ولكنّ الإيمان أيضًا هو ما يسَّر لإبراهيم الإقدام على التضحية بابنه، ولا يُمكن البرهنة على الإيمان بما وقر في القلب فقط، بل يجب أن يُصدِّق العمل ما وقر في القلب، فالإقدام على التضحية بابنه، وتجشّم عناء الصعود إلى قمّة الجبل على امتداد أكثر من ثلاثة أيّام على ظهر حمار، يدلّان على خلوص الإيمان من كلّ شائبة يُمكن أن تشوبه وتشوّهه: "لماذا إذًا فعل إبراهيم هذا؟ في سبيل الله، وفي سبيل نفسه (وهذا مطابق لذلك تمام المطابقة). فعله في سبيل الله لأنّ الله طلب منه هذا دليلًا على إيمانه، وفعله في سبيل نفسه حتّى يستطيع أن يقدّم الدليل. ووحدة وُجهتَيْ النّظر هاتَيْن قد تمّ التّعبير عنهما تعبيرًا كاملًا، بتلك الكلمة التي تُستخدَم دائمًا لوصف الموقف: إنّه امتحان، ابتلاء"[100].

ليس الفعل البشري عند كيركغارد غير تمهيد للصعود نحو ما هو إلهي، وليست الكتابة بدورها غير تمهيد لما هو ربّاني: "فليس هناك، بالنّسبة لكيركغارد، غير كتاب واحد: التوراة. ونحن لسنا أبدًا كُتّاب كُتُب، بل فقط قُرّاء نصّ مألوف قديم نَقَلَه لنا الآباء"[101]. فماذا يُساوي ما يكتبه الإنسان أمام الكتاب القديم؟ وماذا تُساوي كلمات الإنسان أمام كلمات الله الرهيبة؟ لهذا "الألفاظ رهيبة، ومع ذلك أعتقد أنّ الإنسان يستطيع أن يفهمها دون أن يفترض أنّ من يفهمها لديه الشجاعة لتنفيذها، ولا بدّ للمرء على كلّ حالٍ أن يكون من الأمانة للاعتراف بأنّ ذلك المكتوب شيء عظيم"[102].

وفي هذه المرحلة، يحقّق الفرد وعيه الوجودي الذي يُمكّنه من الاعتراف بالاعتماد الكامل على الإله، ويتجاوز التزامات الأخلاق بوصفها عامة وشاملة في سبيل غاية مطلقة تتعلّق بالإله. وتتسم هذه المرحلة أيضًا بوعي يُميّز بين الإله والعالم، إذ يبرُز التزامُ الفرد إيمانيًا بالإله بوصفه خالقًا. ويستحضر كيركغارد أمثولتَيْن ليُوضّح هذا المفهوم بدقّة: الأولى وردت في العهد القديم، والأخرى وردت في الميثولوجيا الإغريقية، وكلتاهما تطرحان قضية البطل التراجيدي (Tragic Hero) الذي يضحّي بمبادئ أخلاقية لصالح غاية أعلى. ووفقًا للأسطورة الإغريقية، يُستدعى أغاممنون (Agamemnon) بغية الاختيار بين عاطفته بوصفه والدًا تجاه ابنته إيفيجينيا (Iphigenia)، وبين أن يركن إلى طاعة الآلهة ويحتكم إليها في أن يُضحَّى بها، وتسلك السفن طريقها نحو طروادة بسبب الرياح العاتية المعاكسة، التي حالت دون تنقّل السفن التي أرسلتها الإلهة أرتميس (Ártemis)، فوافق والدها على التّضحية بها إذعانًا منه لغاية أسمى هي نيل مرضاة الآلهة[103]. أمّا الأمثولة الأخرى، فتتعلّق بيفتاح الجلعادي (Jephthah of Gilead، 1160-1080 ق. م.)، الذي تعهد بنذر للإله أن يعمد إلى تقديم أوّل من يلقاه بعد النّصر قربانًا له، فكانت ابنته أوّل من استقبله بعد النّصر، فوفّى بنذره وقدّمها بوصفها تضحية[104].

ويُقابل كيركغارد الأمثولتَيْن التوراتية والإغريقية مع "فارس الإيمان" (Knight of Faith)، الذي في حالته يُعلَّق الاحتكام إلى الأخلاق، ويستسلم بشكل كلّي للأمر الإلهي. ويُقصَد بفارس الإيمان النبي إبراهيم الذي سعى للتّضحية بابنه بناء على أمر إلهي. ويتمثّل الاختلاف بين البطل التراجيدي وفارس الإيمان، في أنّ الأوّل يظلّ مرهونًا بأفق الأخلاق العامّة، أما الآخر فيعلّق الأخلاق في علاقة مطلقة وفردية مع الإله[105].

ثورته على مسيحية عصره

كان الصراع بين كيركغارد والمؤسّسة الكنسية الدنماركية بمنزلة المُنعطف الحاسم في مسيرته الفلسفية اللّاهوتية، فقد بلغ هذا الصراع ذروته مع متابعته لقضية القسّ أودولف بيتر آدلر {{أودولف بيتر آدلر: (Adolph Peter Adler) قسيس دنماركي ذو نزعة دينية لوثرية، اشتهر في عهد كيركغارد بادّعائه تلقّي الوحي من الإله.}}، الذي ادّعى تلقّي وحي من السيد المسيح بطريقة مباشرة. رأى كيركغارد في هذه الحادثة مؤشرًا على أزمة وخيمة طالت الإيمان المعاصر، ومظهرًا من مظاهر تغوّل الكنيسة كمحتكر للحقيقة الدينية، فخصّص لهذه القضية كتابًا حمل عنوان الكتاب عن آدلرThe Book on Adler (1847)، تناول فيه بأسلوب تحليلي مفاهيم جوهرية كالوحي والسّلطة والرسالة، مؤكّدًا على ضرورة التّمييز بين الإلهي والإنساني، ومحذّرًا من الانخداع بالمظاهر الزائفة للدين على حساب ما يحمله جوهره الروحي. وقد مثّلت هذه القضية لحظة فارقة دفعت كيركغارد إلى امتحان صدق دعوته المسيحية، والانخراط في نقد لاهوتي عميق للمسيحية الرسمية والعالم المسيحي {{العالم المسيحي: (Christendom) منظومة الأمم والبلدان والمؤسسات التي ترعى الكنيسة وتُمثل المسيحية من الناحية التاريخية.}}[106]، داعيًا من خلالها إلى إحياء الإيمان الحقيقي القائم على معايشة مباشرة لحضور المسيح بوصفه حقيقة وجودية فردية خالصة، تتجلّى في لحظة الإيمان الراهنة[107].

وقد تبلورت هذه الرؤية بوضوح في كتابه: التَّمرُّن على المسيحية (Practice in Christianity​, 1850)، الذي عَدّ فيه الإيمان الحقّ لا يُقاس بمدى انتماء أفراده إلى المؤسّسة الكنسية، بل عن طريق مكابدة الفرد الصّادقة أمام الربّ. وبعد وفاة الأسقف يوهان بيتر مينستر {{يوهان بيتر مينستر :(Johann Peter Minster) أسقف دنماركي ذو توجه مسيحي لوثري، كان أسقفًا على شيلّان، ويُعَد مرجعية كنسيّة بارزة في زمن كيركغارد.}} الذي كان يكنّ له احترامًا خاصًا، عمد كيركغارد إلى تصعيد هجومه على الكنيسة، ولا سيما بعد أن وُصِف هذا الأخير بأنه "الشّاهد على الحقيقة" (Witness to the Truth)، وهو ما عدَّه كيركغارد تحريفًا لطبيعة الشهادة الإيمانية الحقيقية، التي ترتبط بالمحنة والمعاناة والاضطهاد، وليس عن طريق التكريم الذي يغلّفه النفاق. ومن خلال مقالاته في صحيفة فادرلاند (Fædrelandet) (صحيفة الوطن)، ثم في صحيفته ذا مومنت (The Moment) (اللّحظة)، شنّ هجومًا لاذعًا على المؤسسة الكنسية، متهمًا إيّاها بتحويل المسيحية إلى سلطة دنيوية تُفرِغ الدين من بُعده الروحي، داعيًا إلى تحطيم هذه السّلطة، وعودة الإنسان إلى جوهر الإيمان بوصفه علاقة فردية حرّة ومسؤولة أمام الإله.[108]

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

مرضه ووفاته

في يوم 2 تشرين الأول/ أكتوبر 1855، سقط كيركغارد مغشيًا عليه في أحد شوارع مدينة كوبنهاغن، وأُدخِل إلى مستشفى فريدريكس، ليعيش أيّامه الأخيرة هناك. وبعد أسابيع قليلة، أجرى إميل بوسن (Emil Boesen، 1814-1889)، الصديق الحميم للفيلسوف أولى محادثاته معه، التي عبّر فيها عن معاناته العميقة، قائلًا إنّ حياته "كانت مليئة بالمعاناة، لا يمكن تحمّلها أو فهمها من الآخرين. ربما كانت تلك المعاناة تظهر للناس على أنّها نوع من التكبّر من طرفي والتعالي عن الناس، لكنّها في الواقع لم تكن كذلك مطلقًا. فأنا لست أفضل من غيري، وقد أكّدت هذا في أكثر من مناسبة[109]. كان لديَّ ألم داخلي دائم يُنهك جسدي[110]، وهو ما منعني من الدخول في علاقات زواج أو علاقات اجتماعية عادية. لهذا، توصّلت إلى استنتاج مفاده أنّ مهمتي في الحياة كانت غير عادية، وقد بذلت كلّ ما في وسعي لأداء هذه المهمّة على أكمل وجه"[111].

فارق كيركغارد الحياة يوم الأحد 11 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1855، ولا يزال سبب وفاته موضع جدل، إذ لم تُشرَّح لجُثته بسبب معارضته لذلك. ويعتقد بعض الباحثين أنّ كيركغارد كان يعاني من متلازمة غيلان باريه (Guillain-Barre Syndrome)، وهي اضطراب مناعي عصبي ناتج من عدوى سابقة أدّت إلى إصابته بالشّلل تدريجيًا. أمّا جنازته، فقد كانت فوضوية بشكل كبير، إذ شهدت حضور جماهير غفيرة من الناس. دُفِن في مقبرة أسيستينز (Assistens Cemetery)، ونُقِش على قبره بيت من قصيدة الشاعر الدنماركي هانس أدولف برورسن (Hans Adolph Brorson، 1694-1764)، يعبّر عن فوزه في معركة الحياة وراحته الأبدية في قاعات الورود[112].

تأثير آرائه في الفلسفة الوجودية المعاصرة

كان لكيركغارد أثر عميق ومركزي في بلورة الفكر الوجودي في القرن العشرين[113]، فقد استلهمت كثير من المدارس الفلسفية اللّاحقة مفاهيمه الجوهرية، ولا سيما المتعلّقة منها بالذات، والحرية، والقلق[114]، والحقيقة الإيمانية. "في مذكّراته، وفي إطار تكوينه بوصفه كاتبًا، كان كيركغارد مفتونًا بثلاث شخصيات أدبية عظيمة من العصر الوسيط، والذين جسّدوا، حسب رأيه، كامل نطاق الجماليات الحديثة: دون جوان، وفاوست، واليهودي التائه. وعلى التوالي، جسّدوا النّزعة الحسّوية والشكّ واليأس"[115]. ويتجلّى هذا التأثير بوضوح في فلسفة مارتن هايدغر (Martin Heidegger، 1889-1976)، ولا سيما مفهوم القلق، الذي يظهر في مواضع متعدّدة من كتابه الكينونة والزمان (Sein und Zeit​, 1927)، وقد تأثّر بمفهوم يحمل الاسم نفسه في عمل كيركغارد الصادر عام 1844، بشأن مفهوم القلق (The Concept of Anxiety). وإنّ المتأمّل لبنية كتاب الكينونة والزمان، يجد أيضًا تشابهًا كبيرًا بينه وبين بنية مفهوم القلق كما طرحها كيركغارد في كتابه، إذ يُعالج القسم الأوّل من كتاب هايدغر جوانب من الوجود الجسدي وعلاقته بالقلق. وسوف يُستخدَم القلق بوصفه نقطة انطلاق تربط بين هايدغر وكيركغارد في مفاهيم متقاربة، مثل مفهوم "الانحدار أو التدهور" (Ver fallen) عند هايدغر، ومقابلِه "الخطيئة الموضوعية" (Den objektive Synd) عند كيركغارد؛ ومثل مفهومي "التّكرار" (Gjentagelsen) و"اللّحظة" (Øjeblikket) اللذين يردان في كلا العملَيْن[116].

ويبرز التأثير النقدي لفلسفة كيركغارد أيضًا في فلسفة كارل يسبرس (Karl Jaspers، 1883-1969)​، من خلال تشخيص هذا الأخير لعجز العلم عن تقديم رؤية أنطولوجية شاملة عن الوجود الإنساني، فالعلوم -وفق رؤية يسبرس- متعدّدة ومتباينة في منطلقاتها، ويقوم كلٌّ منها على فرضيات خاصّة، ما يحُول دون وحدتها، ويجعلها قاصرة عن بلوغ الحقيقة الكلّية. ومن هذا المنطلق، وجّه يسبرس نقده الحاد للفلسفة الوضعية (Positivism) والمثالية الهيغلية، بوصفهما نسقَيْن يسعيان إلى اختزال الوجود فيما هو قابل للفهم والتفسير العقلي الصّرف، مُقصيَيْن بذلك الفرد والقرار الوجودي للفرد المفرد من بنيتهما النظرية. وهنا، يتجلّى تأثير كيركغارد الواضح في يسبرس، الذي وجّه هو الآخر نقدًا إلى فلسفة هيغل، بسبب تجاهله لمركزية الاختيار الفردي. وكما شدّد كيركغارد على أولوية الفرد، فإن يسبرس يؤكّد على ضرورة العودة إلى الإنسان الملموس، منشِئ العلم، لفهم مغزى النشاط العلمي، مستندًا في ذلك إلى تساؤل إدموند هوسرل (Edmund Husserl، 1859-1938) عن الحاجات الداخلية التي يحملها الكائن البشري حين يُنتج المعرفة.[117]

كذلك يظهر تأثّر جون بول سارتر (Jean-Paul Sartre، 1905-1980)​ بكيركغارد في منحيَيْن أساسيين: الأول، مُتعلّق بمفهوم "الاختيار"، والآخر بـ"الحرية الفردية". إذ إن سارتر يستقي من كيركغارد فكرة أنّ الإنسان لا يُعرَّف بهويّةٍ جاهزة أو "ماهية سابقة"، بل يصنع ذاته من خلال أفعاله واختياراته، وأنّ هذا الاختيار هو فعل مسؤول ومُلزم للأغيار أيضًا. لكنّ سارتر، وبخلاف كيركغارد، عمد إلى إقصاء البُعد الإلهي من تجربته الوجودية، وفصل الحرية عن علاقتها بالإله التي كانت أساسية عند كيركغارد. ومع أنّ سارتر لم يُصرّح مباشرة بتأثّره بكيركغارد، فإن بنية نزعته الوجودية تُظهِر هذا التأثّر بوضوح، ولا سيما في تشديده على "القلق الوجودي" الذي يتمخّض عن الحرية، وعلى مسؤولية الفرد في مواجهة العالم من دون سند مطلق. وبناء على ذلك، فإنّ سارتر ورِث عن كيركغارد المنطق الداخلي لفلسفة الاختيار والقلق والذاتية، لكنّه أعاد توجيهها في إطار عدمي يخلو من الإيمان[118].​​

مؤلفاته حسب الترتيب الزمني لصدورها

  1. مفهوم التهكّم مع الأخذ في الاعتبار دومًا سقراط On the Concept of Irony with Continual Reference to Socrates (1841).
  2. إما - أو: شذرة حياة (Either/Or: A Fragment of Life, 1843).
  3. خوف ورعدة (Fear and Trembling , 1843).
  4. التكرار (Repetition, 1843).
  5. ثلاث مواعظ في البناء الروحي (Three Edifying Discourses, 1843).
  6. أربع مواعظ في البناء الروحي (Four Upbuilding Discourses ,1844).
  7. مفهوم القلق (The Concept of Anxiety, 1844).
  8. مقدمات (Prefaces, 1844).
  9. مراحل على طريق الحياة (Stages on Life’s Way , 1845).
  10. ثلاث مواعظ في مناسبات مفترضة (Three Discourses on Imagined Occasions , 1845).
  11. شذرات فلسفية (Philosophical Fragments, 1844).
  12. حاشيةغير علمية لشذرات فلسفية (Concluding Unscientific Postscript to Philosophical Fragments, 1846).
  13. العصر الحاضر (The Present Age, 1846).
  14. مواعظ في البناء الروحي بأنماط مختلفة من الروح (Upbuilding Discourses in Various Spirits , 1847).
  15. أعمال المحبة (Works of Love , 1847).
  16. مواعظ مسيحية (Christian Discourses, 1848).
  17. الأزمة وأزمة في حياة مُمثلة أفلام (The Crisis and a Crisis in the Life of an Actress, 1848).
  18. التَّمرُّن على المسيحية (Practice in Christianity , 1850).
  19. المرض حتى الموت (The Sickness Unto Death , 1849).
  20. مقالان أخلاقيان دينيان (Two Ethical-Religious Essays, 1849).
  21. اللحظة ومقالات أخرى (The Moment and Other Writings , 1854-1855).
  22. هجوم على العالم المسيحي (Attack Upon Christendom , 1854-1855).
  23. هذا ما ينبغي أن يُفهم: محاولة للتنوير  (This Must Be Understood: An Attempt at Illumination, 1855).

المراجع

العربية

إمام، إمام عبد الفتاح. كيركجور رائد الوجودية: حياته ومؤلفاته. القاهرة: دار الثقافة للطباعة والنشر، 1982.

________. "مفهوم التهكّم عند كيركجور". حوليات كلية الآداب -جامعة الكويت. العدد 4 (1983). ص 3-62.

بدوي، عبد الرحمن. موسوعة الفلسفة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1984.

تاي، محمد تاي. "الفيلسوف كقابلة: عن التهكم الخلاّق في الحوار التوليدي السقراطي". مؤمنون بلا حدود. 7/1/2019. في: https://acr.ps/1L9BOXL

ثاكر، يوجين. قديسو التشاؤم. ترجمة أنور الشامي. القاهرة: دار الكرامة، 2024.

دي كابوتو، جون. كيف تقرأ كيركجارد. ترجمة دعاء شاهين. مراجعة هبة عبد العزيز غانم. وندسور: مؤسسة هنداوي، 2017.

الرفاعي، عبد الجبار [وآخرون]. "الإيمان الوجودي وديانة الضمير الفردي؛ سورين كيرككَورد 1813- 1855". مجلة قضايا إسلامية معاصرة. العدد 55-56 (صيف وخريف 2013).

كيركجور، سِرِن. خوف ورعدة. ترجمة فؤاد كامل. القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1984.

________. في نقد الدين الجماهيري: مقالات مترجمة مع دراسة مفصلة عن الفرد والإيمان في فكره وفلسفته. ترجمة قحطان جاسم. بيروت: منشورات ضفاف؛ الجزائر: منشورات الاختلاف، 2015.

________. إما – أو: شذرة حياة. ترجمة قحطان جاسم. بغداد: دار الرافدين، 2023.

كيسديس، ثيوكاريس. سقراط (مسألة الجدل). ترجمة طلال السهيل. ط 2. الجزائر: دار الغرب، 2001.

مبروك، أمل. فلسفة الوجود. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2011.

مبشور، هشام. "روح الإصلاح الديني في فلسفة كيرككورد". مجلّة تبين. مج 6، العدد 23 (2018). ص 64-83.

محمد، علي عبد المعطي. سورين كيركجارد: مؤسس الوجودية المسيحية. ط 4. الإسكندرية: منشأة المعارف، 2000.

يوسف، حسن. فلسفة الدين عند كيركجارد. القاهرة: مكتبة دار الكلمة، 2001.

الأجنبية

Bukdahl, Jorgen. Soren Kierkegaard and the Common Man. Bruce H. Kirmmse (trans.). Michigan: Wipf and Stock Publishers, 2009.

Geter, Kenneth David. "Missed Appropriations: Uncovering Heidegger's Debt to Kierkegaard in Being and Time." PhD. Dissertation. University of Denver. Denver. 2016.

Gicquel, Hervé-Marie. "Le livre sur Adler de Soren Kierkegaard." Philosophiques. vol. 12, no. 2 (Fall 1985). pp. 315-362.

Grimault, Marguerite. La mélancolie de Kierkegaard. Paris: Aubier‑Montaigne, 1965.

Jensen, Morten Høi. "A Keeper of Love’s Flame: Regine Olsen and Søren Kierkegaard." The Los Angeles Review of Books. 9/4/2014. at: https://acr.ps/1L9BP1h

Kierkegaard, Søren. Concluding Unscientific Postscript to Philosophical Fragments. Howard Hong & Edna Hong (trans.). Princeton, NJ: Princeton University Press, 1941.

________. Training in Christianity. Walter Lowrie (trans.). New Jersey: Princeton University Press, 1944.

________. The Journals of Søren Kierkegaard. Alexander Dru (trans.). New York: Harper & Row, 1959.

________. The Concept of Irony, with Constant Reference to Socrates. Lee M. capel (trans.). Indiana: Indiana University Press, 1968.

________. The Point of View. Howard Hong & Edna Hong (trans.). Princeton, NJ: Princeton University Press, 1998.

________. Provocations: Spiritual Writings of Kierkegaard. Charles Moore (ed.). Farmington, PA: The Bruderhof Foundation, 2002.

________. The Soul of Kierkegaard: Selections from His Journal. Alexander Dru (trans.). Mineola, NY: Dover Publications, 2003.

________. Kierkegaard’s Journals and Notebooks, vol. 9: Journals NB26–30. Niels Jørgen Cappelørn et al. (eds.). Princeton: Princeton University Press, 2017.

________. Delphi Collected Works of Soren Kierkegaard (Illustrated). Walter Lowrie (trans.). United Kingdom: Delphi Classics, 2023.

Lippitt, John & George Pattison (eds.). The Oxford Handbook of Kierkegaard. Oxford: Oxford University Press UK, 2013.

Lowrie, Walter. A Short Life of Kierkegaard. New Jersey: Princeton University Press, 1974.

McDonald, William. "Søren Kierkegaard (1813-1855)." Internet Encyclopaedia of Philosophy. at: https://acr.ps/1L9BOZI

McKinnon, Alastair. "Hun and Hende: Kierkegaard’s Relation to Regine." Kierkegaardiana. no. 22 (2002).

“Sickness and Death.” University of Copenhagen. at: https://acr.ps/1L9BPHF

Wahl, Jean. Etudes Kierkegaardiennes. Paris: Montaigne, 1938.

________. Philosophies of Existence: An Introduction to the Basic Thought of Kierkegaard, Heidegger, Jaspers, Marcel, Sartre. F. M. Lory (trans.). London: Routledge & Kegan Paul, 1969.

Westphal, Merold. "Søren Kierkegaard." Encyclopaedia Britannica. 28/3/2025. at: https://acr.ps/1L9BPwd

[1] اختلفت كتابة "Kierkegaard" في الترجمات العربية بسبب تباين نطق الاسم في اللّغات الأجنبية، ومن أبرز الصّيغ المتداولة: سورين كيركجورد، كيركجور، كيركغارد. وقد اقترح قحطان جاسم، استنادًا إلى النّطق الدنماركي، اعتماد الصّيغة: سورين كيركگورد. يُنظر: عبد الجبار الرفاعي [وآخرون]، "الإيمان الوجودي وديانة الضمير الفردي: سورين كيرككَورد 1813-1855"، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد 55-56 (صيف وخريف 2013)، ص 20. واشتُقّ لقب كيركغارد من صلة عائلته بكاهن الرعية في كوبنهاغن، الذي منحها قطعة أرض من مزرعة الكنيسة. ويتكوّن الاسم من كلمتين: "كيرك" (Kierke) وتعني الكنيسة، و"غارد" (gaard) وتعني الفناء أو الحديقة. وبالتهجئة القديمة، يُفهم اسم كيركغارد عادةً على أنّه يعني "فناء الكنيسة" أو "المقبرة". يُنظر:

William McDonald, "Søren Kierkegaard (1813-1855)," Internet Encyclopedia of Philosophy, accessed on 1/9/2025, at: https://acr.ps/1L9BOZI

[2] Søren Kierkegaard, The Soul of Kierkegaard: Selections from His Journal, Alexander Dru (trans.) (Mineola, NY: Dover Publications, 2003), p. 12.

[3] Søren Kierkegaard, The Point of View, Howard Hong & Edna Hong (trans.) (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1998), p. 80.

 [4]عاش والد كيركغارد مع إحساس عميق بالذنب، عَدّ معه ولادة سورين شكلًا من أشكال الفداء المشابه للتضحية الإبراهيمية. ومع تتابع الوفيات في أسرته، ازداد اقتناعه بأنّ ما يحدث هو عقاب إلهي، وتوقّع ألّا يتجاوز سورين سنّ الرابعة والثلاثين. وقد عبّر سورين عن اندهاشه لتجاوز هذا العمر، إذ يقول: "يا لهذا الأمر العُجاب، لقد بلغت من عمري أربعًا وثلاثين سنة، وأنا لا أكاد أصدّق ما يحصل معي حقيقةً، إذ كُنت على يقين مطلق بأنّي سأُتوفّى قبل هذا اليوم، أو في يوم بلوغي هذا العمر، حتّى إنّني كنت قاب قوسين أو أدنى من الاعتقاد بأنّ هناك خطأ في تاريخ ميلادي". يُنظر:

Søren Kierkegaard, Kierkegaard’s Journals and Notebooks, vol. 9: Journals NB26–30, Niels Jørgen Cappelørn et al. (eds.) (Princeton: Princeton University Press, 2017), p. 621.

[5] سورن كيرككَورد، إمّا – أو: شذرة حياة، ترجمة قحطان جاسم، ج 1 (بغداد: مكتبة دار الرافدين، 2023)، ص 60.

[6] المرجع نفسه، ص 62.

[7] سِرِن كيركجور، خوف ورعدة، ترجمة فؤاد كامل (القاهرة: دار الثقافة للنّشر والتوزيع، 1984)، ص 50.

[8] Søren Kierkegaard, Provocations: Spiritual Writings of Kierkegaard, Charles Moore (ed.) (Farmington, PA: The Bruderhof Foundation, 2002), p. xiv.

[9] نسبة إلى ما يُسمّى في المسيحية بـ"Les frères Moraves"، وهم جماعة دينية بروتستانتية مرافية الأصل، متجذّرة في الممارسة التقوية الفردية، بعيدًا عن كلّ تراتبية كتلك التي تخضع لها الكنيسة الكاثوليكية. تدعو إلى حرية العبادة والضمير.

[10] Jorgen Bukdahl, Soren Kierkegaard and the Common Man, Bruce H. Kirmmse (trans.) (Michigan: Wipf and Stock Publishers, 2009), pp. 32-33.

[11] Kierkegaard, Kierkegaard’s Journals, p. 60.

[12] Ibid., p. 44.

[13] Søren Kierkegaard, Concluding Unscientific Postscript to Philosophical Fragments, Howard Hong & Edna Hong (trans.) (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1941), p. 177.

 [14]بعد وفاة والده عام 1838، عاش كيركغارد حالة من الحزن العميق أثّرت فيه بشدّة، إذ رأى في رحيله تضحية أخيرة من حبّ والده له. وحاول بعد هذه الفاجعة التحرّر من شعور الخطيئة واليأس عبر الانغماس في حياة اللّهو، لكنّه لم يجد في المتع الدنيوية أيّ لذّة أو راحة، بل زادته تمزّقًا، وعبّر عن ذلك بقوله إنّه جرّب المتع الممكنة جميعها من دون أن يستمتع بأيّ منها. وقد مثّلت هذه المرحلة المضطربة من حياته ما وصفه لاحقًا بـ"طريق الضياع"، إذ كان يبحث من خلالها عن ذاته. يُنظر:

Søren Kierkegaard, The Journals of Søren Kierkegaard, Alexander Dru (trans.) (New York: Harper & Row, 1959), p. 41.

 [15]استخدم كيركغارد الأسماء المستعارة في مؤلّفاته بوصفها ضرورة فنّية تعكس تنوّع الشخصيات والنفسيات التي يتناولها، لا بوصفها آراء شخصية له. فقد أنشأ هذه الشخصيات بوصفها أصوات أدبية مستقلّة، لكلّ منها منطقها الداخلي واتّساقها النّفسي، عادًّا نفسه مؤلفًا خفيًا أو "ملقّنًا" على خشبة المسرح. لذلك، طالب القرّاء بعدم نسب آرائها إليه مباشرة. ومن أبرز هذه الأسماء المستعارة: ڤيكتور إريميتا، ويوهانس دي سيليتيو، وقنسطنطين قنسطنطينوس، وفيجيليوس الهافنيّ، ونيقولاوس نوتابيني، وهيلاريوس بوكبايندر، ويوحنّا السلمي، وضدّ يوحنا السلمي. يُنظر: جون دي كابوتو، كيف تقرأ كيركجارد، ترجمة دعاء شاهين، مراجعة هبة عبد العزيز غانم (وندسور: مؤسسة هنداوي، 2017)، ص 68-69.

[16] كيرككَورد، إمّا – أو: شذرة حياة، ص 65.

[17] المرجع نفسه، ص 90.

[18] المرجع نفسه، ص 91.

[19] المرجع نفسه، ص 91-92.

[20] المرجع نفسه، ص 76.

[21] المرجع نفسه، ص 68.

[22] المرجع نفسه، ص 71.

[23] "ما معنى الحياة على الإطلاق؟ [...] إذا المرء قال إنّ معنى الحياة هو أن تموت، فإنّ هذا يبدو تناقضًا مرّة أخرى". يُنظر: المرجع نفسه، ص 75.

[24] المرجع نفسه، ص 73.

[25] المرجع نفسه، ص 83.

[26] المرجع نفسه، ص 84.

[27] كيركجور، خوف ورعدة، ص 65.

[28] كيرككَورد، إمّا – أو: شذرة حياة، ص 89.

[29] المرجع نفسه، ص 89.

[30] كيركجور، خوف ورعدة، ص 48.

[31] Søren Kierkegaard, Delphi Collected Works of Soren Kierkegaard (Illustrated), Walter Lowrie (trans.) (United Kingdom: Delphi Classics, 2023), p. 254.

[32] كيرككَورد، إمّا – أو: شذرة حياة، ص 87.

[33] Kierkegaard, The journals, p. 72.

[34] كيرككَورد، إمّا – أو: شذرة حياة، ص 99.

[35] المرجع نفسه، ص 114.

[36] McDonald.

[37] في شذرة أخرى، يقول سورين معبّرًا عن صعوبة أن يعرف الإنسان نفسه بنفسه: "يجب ألا يكون المرء لغزًا للآخرين فحسب، بل ولنفسه أيضًا. أنا أدرس نفسي، وعندما أتعب من ذلك، أدخّن سيجارًا لقضاء الوقت وأفكّر. يعلم الله ما قصده ربّنا في الواقع أو ما أراد أن يصنع منّي". يُنظر: كيرككَورد، إمّا – أو: شذرة حياة، ص 69.

[38] المرجع نفسه، ص 73.

[39] المرجع نفسه، ص 77.

[40] المرجع نفسه، ص 77-78.

[41] المرجع نفسه، ص 117.

[42] كيركجور، خوف ورعدة، ص 87.

[43] Agapé: الحبّ الأخوي المسيحي. يُقارنُ وليام ماكدونالد بين إيروس وأغابيه، فيبيّن أنّ إيروس هو شعور بالرغبة التفضيلية في حين أنّ أغابيه هو واجب روحي لخدمة الجار، من دون تمييز أو تفضيل. وحين يكون إيروس أنانيًا، يعمل على تحقيق رغبة المحبّ، ويكون أغابيه غيريًا، يشترط التّضحية بالذّات. وحين يكون إيروس علاقة بين شخصيْن، يستدعي أغابيه الربّ دائمًا ليكون طرفًا ثالثًا في العلاقة: "بما أنّ الله محبّة، فإنّه لا يُمكن أن يُعرف إلّا من خلال الالتزام الوجودي للإيمان المسيحي. ولا يُعاشُ هذا الإيمان إلّا في محاولة محاكاة حياة المسيح. وقد كانت حياة المسيح نفسها العمل الرئيسي لمحبّة الله للبشر. ومن خلال عمل المحبّة هذا فقط، يُمكننا أن نعرف الله كمحبّة. إنّ العمل الحقيقي الوحيد للمحبّة هو مساعدة شخص آخر على تحقيق استقلاليته من خلال المحبّة المسيحية، ولكن إذا أدرك هذا الشّخص أنّه متوقّف على كائن بشري آخر لتحقيق استقلاليته، فسيتمّ تدمير هذه الاستقلالية. يجب على الفاعل البشري لعمل الحبّ أن يختفي في فعل الحب، بحيث لا يُدرَكُ إلّا الحب فقط ولا يُعترفُ إلّا باللّه وحده كفاعل للحبّ [...] فكلمة الله تمثّل سردية لحياة المسيح؛ عمل حبّ إلهي. إنّ كلمة الله هي إذًا عمل محبّة". ولا يبدو للعيان إلّا عمل الله وحده، لذلك يمّحي كيركغارد بوصفه مؤلّفًا وراء المؤلّف الأكبر الذي هو الله.

ويُضيف وليام ماكدونالد موضّحًا طبيعة الإيمان المسيحي بما هو محاكاة لحياة المسيح، مبيّنًا الطريقة التي بها يُمكن للإنسان، هذا الكائن الأرضي الفاني المتزمّن، أن يرتقي لما هو متعالٍ وخالد: "الإيمان المسيحي هو السبيل الوحيد للكائن البشري المحايث والزماني للتواصل مع الحقيقة المتعالية والخالدة، ما دام هذا الإيمان يتمثّل في الاعتقاد أنّ المسيح هو تجسيد لله. ولا يقتصر هذا الإيمان على الاعتقاد العقلي فحسب، بل ويشمل أيضًا الرغبة في محاكاة حياة المسيح بأقصى ما في مستطاع الإنسان". يُنظر:

McDonald.

[44] Ibid.

[45] يفترض كيركغارد الوضعية العكسية: "وعلى سبيل المثال، لو أنّ فتاة من العصر الوسيط، أقنعت نفسها بعد أن وقعت في الحبّ، بأنّ كلّ حبّ دنيوي ما هو إلّا خطيئة، وآثرت الحبّ الإلهي، هنا ينشأ الصراع الشّاعري، والفتاة تتّسم بالشاعرية، لأنّ حياتها تقوم في الفكرة". يُنظَر: كيركجور، خوف ورعدة، ص 115.

[46] المرجع نفسه، ص 48.

[47] المرجع نفسه، ص 45.

[48] في كتابه خوف ورعدة يُخصّص كيركغارد فصلًا بعنوان "سلام على إبراهيم"، يعدّ فيه النبيّ إبراهيم أعظم العظماء، بفضل تضحيته التي لا حدود لها، فإبراهيم هو أحد الأبطال الذين لا يُمكن أن تُطوى ذكراهم. وإذا كان كلّ عظيم كان عظيمًا على طريقته، وعظيمًا بالنّسبة إلى العظمة التي أحبّها، فمن أحبّ نفسه أصبح عظيمًا بنفسه، ومن أحبّ غيره كرّس عظمته فيه: "بيْد أنّ الذي أحبّ الله هو من أصبح أعظم الجميع [...] ولكنّ كلًا منهم كان عظيمًا بالنّسبة لعظمةِ ما ’جاهد‘ من أجله. فمن جاهد الدنيا أصبح عظيمًا عندما انتصر على نفسه، أمّا ذلك الذي جاهد في سبيل الله فقد صار أعظم الجميع، إذًا، فثمّة جهاد في العالم، الإنسان ضدّ الإنسان، واحد ضدّ ألف، أمّا ذلك الذي سعى إلى الله فهو أعظمهم جميعًا [...] أمّا إبراهيم فكان أعظم الجميع، عظيمًا بالقوّة التي تستمدّ سلطانها من العجز، عظيمًًا بحكمته". يُنظَر: المرجع نفسه، ص 32-33.

ورغم الصعاب كلها التي تعرّض لها إبراهيم، فإنّه لم يفقد إيمانه بالله قط، حتّى كان امتحانه الأكبر: "وحدث بعد هذه الأمور أنّ الله امتحن إبراهيم، فقال له يا إبراهيم، فقال هأنذا، فقال خذ ابنك وحيدك الذي تحبّه إسحق، واذهب إلى أرض المريا، وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك [...] فما مغزى أن يُضحّى بإسحق؟ [...] إنّ عليه أن يودّع إسحق حقًا [...] سيفصل الموت بينهما [...] ومع ذلك، ظلّ إبراهيم على إيمانه [...] وهنا، سيغرس السكّين في صدره وسينال إعجاب العالم، ولن يُنسى اسمه أبدًا". يُنظر: المرجع نفسه، ص 35-37.

[49] هشام مبشور، "روح الإصلاح الديني في فلسفة كيرككورد"، مجلّة تبين، مج 6، العدد 23 (2018)، ص 68.

[50] كيركجور، خوف ورعدة، ص 57.

[51] المرجع نفسه، ص 57.

[52] المرجع نفسه، ص 60.

[53] المرجع نفسه.

[54] المرجع نفسه.

[55] المرجع نفسه، ص 61.

[56] المرجع نفسه، ص 65.

[57] المرجع نفسه، ص 66.

[58] المرجع نفسه، ص 93-94.

[59] Marguerite Grimault, La mélancolie de Kierkegaard (Paris: Aubier‑Montaigne, 1965), p. 52.

 [60]أثار انفصال كيركغارد عن ريجين جدلًا بين الباحثين، إذ عدَّهُ بعضهم نتيجة صراعاته النفسية المتجذّرة في طفولته وعلاقته بوالده، في حين رآه آخرون تضحية دينية شبيهة بتضحية النبي إبراهيم. وقد خشي كيركغارد الزواج بوصفه علاقة فانية، ساعيًا نحو حبٍّ أبدي لا يفسده الموت، وشعر بأنّ زواجه منها سيقودهما إلى الشّقاء. عبّر لاحقًا عن ألمه، عادًّا الكتابة ملاذه الوحيد من العذاب. للتعمّق أكثر بشأن تباين القراءات لهذا الانفصال وعلاقة كلّ ذلك بنضوج تصوّراته الفكرية واللّاهوتية، يُنظر:

Walter Lowrie, A Short Life of Kierkegaard (New Jersey: Princeton University Press, 1974); Jean Wahl, Etudes Kierkegaardiennes (Paris: Montaigne, 1938).

[61] Morten Høi Jensen, "A Keeper of Love’s Flame: Regine Olsen and Søren Kierkegaard," The Los Angeles Review of Books, 9/4/2014, accessed on 1/9/2025, at: https://acr.ps/1L9BP1h

 [62]في عام 1843 ولمّا كان مُنهمكًا في كتابه التكرار، تلقّى خبر زواج ريجين بفريدريش شليغل، الذي تزوّجته بتاريخ 3 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1847. حينئذٍ بزغت فكرة الرجوع إليها، وفكّر في مواصلة علاقته معها، لكنّه واجه ردًا قاسيًا من شليغل. وإشارات كيركغارد إلى ريجين في كتاباته بدأت تتناقص أيضًا، ولا سيما في العامَيْن الأخيرَيْن من حياته. يُنظر:

Alastair McKinnon, "Hun and Hende: Kierkegaard’s Relation to Regine," Kierkegaardiana, no. 22 (2002), p. 24.

[63] يُنظر:

Brian Söderquist, "Irony," in: John Lippitt & George Pattison (eds.), The Oxford Handbook of Kierkegaard (Oxford: Oxford University Press UK, 2013), p. 344.

 [64]اعتمد سقراط التهكّم بوصفه منهجًا فلسفيًا يهدف إلى نقد الخطاب السّفسطائي وتقويض نزعاته النسبية، وذلك بغية تأسيس معرفة راسخة تحمل أبعادًا إبستمية وتربوية وسياسية واجتماعية. فقد سعى من خلال منهج التهكّم والتوليد إلى فضح مغالطات جماعة السّفسطائية، وتوجيه الأفراد نحو استكشاف الحقيقة القابعة في كوامن ذواتهم، وهذا عن طريق التذكّر، مؤسسًا بذلك لقول فلسفي يقوم بمجاوزة حدود الخطابة والتلاعبات اللّفظية، ويمنح الذات الأخلاقية مكانتها في سبيل تشييد المعرفة والحكم الأخلاقي في المجتمع الإغريقي. يُنظر: محمد تاي تاي، "الفيلسوف كقابلة: عن التهكّم الخلّاق في الحوار التوليدي السقراطي"، مؤمنون بلا حدود، 7/1/2019، شوهد في 1/9/2025، في: https://acr.ps/1L9BOXL

[65] كيرككَورد، إمّا – أو: شذرة حياة، ص 81.

[66] كيركجور، خوف ورعدة، ص 104.

[67] Søren Kierkegaard, The Concept of Irony, with Constant Reference to Socrates, Lee M. capel (trans.) (Indiana: Indiana University Press, 1968), p. 66.

[68] ثيوكاريس كيسديس، سقراط (مسألة الجدل)، ترجمة طلال السهيل، ط 2 (الجزائر: دار الغرب، 2001)، ص 45.

[69] يُمايز إمام عبد الفتاح إمام بين التهكّم السقراطي والتهكّم الكيركغاردي، عادًّا أنّ تهكّم سقراط منهجي، في حين أنّ تهكّم كيركغارد وجودي يصبُّ في جوهر فلسفته ومضمونها. يُنظر: إمام عبد الفتاح إمام، "مفهوم التهكّم عند كيركجور"، حوليات كلية الآداب -جامعة الكويت، العدد 4 (1983)، ص 48.

[70] McDonald.

[71] Ibid.

[72] Ibid.

[73] أمل مبروك، فلسفة الوجود (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2011)، ص 55.

[74] كيركجور، خوف ورعدة، ص 47.

[75] المرجع نفسه، ص 47-48.

[76] المرجع نفسه، ص 52.

[77] المرجع نفسه، ص 78.

[78] المرجع نفسه، ص 70.

[79] المرجع نفسه، ص 61-62.

[80] عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، ج 2 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1984)، ص 333.

[81] Merold Westphal, "Søren Kierkegaard," Encyclopedia Britannica, 28/3/2025, accessed on 1/9/2025, at: https://acr.ps/1L9BPwd

[82] حسن يوسف، فلسفة الدين عند كيركجارد (القاهرة: مكتبة دار الكلمة، 2001)، ص 142-143.

[83] إمام عبد الفتاح إمام، كيركجارد رائد الوجودية: حياته ومؤلفاته، ج 2 (القاهرة: دار الثقافة، 1982)، ص 172-173.

[84] بدوي، ص 234.

[85] كيرككَورد، إمّا – أو: شذرة حياة، ص 80.

[86] McDonald.

[87] مبشور، ص 66.

[88] المرجع نفسه، ص 67.

[89] McDonald.

[90] تمثّل الخطيئة عنصرًا أساسيًا في تشكّل العقيدة المسيحية، وقد أولاها كيركغارد عناية كبيرة، وحاول فهم علاقتها بتاريخ الجسد وتاريخ الجنسانية: "الخطيئة حتمية. تتمثّل الخطيئة في نهاية المطاف في أن يكون الإنسان خارج الله. وحده اليسوع -المسيح الربّ-الإنسان، ليس في الخطيئة. وينشأ الوعي بالخطيئة أثناء التطوّر النّفسي الإنساني، وهو غائبٌ عن الفورية البريئة للطفولة، يستيقظ مع الرغبة الجنسية عندما نريد أن نمتلك الآخر. هنا تُفهم الرغبة على أنّها بمثابة النّقص الذي نريد سدّه، ويُعتبر تملّك الآخر أو استيعابه، بمثابة الوسيلة لإشباع هذه الرغبة، ففي الحبّ الإيروسي، يشعر المرء أنّ جزءًا منه هو خارج عنه، وأنّه يجب إعادة إدماجه (كما في شرح أريستوفان في مأدبة أفلاطون). تلك هي بداية الاغتراب الذّاتي وفقدان الفورية البريئة. إنّ اغتراب الذّات هو خطوة ضرورية على طريق تحقيق الذّات لذاتها. إنّ الذّات هي توليفة من المُنْتَهي واللّامتناهي، من الزمني والأبدي، من الجسد والنّفس الموحّديْن بالروح. ولا تنبجس الرّوح إلّا بانحراف جوانب الذّات تلك، إلّا باغتراب الذّات، ولكنّ الروح لا تستطيع أن تُحقّق توليفة الذّات إلّا إذا أدركت تبعيتها المطلقة لله (القوّة التي تُسندها) في هذه المهمّة. وقبل بلوغ هذه النّقطة، يشعر الإنسان بالقلق أمام الاغتراب الذّاتي. والقلق حالة متناقضة، ’كراهية متعاطفة وتعاطف معادٍ‘؛ إنّه حدس مباهج الحرية، ولكنّه أيضًا حدس المسؤولية الرهيبة التي تنجرّ عنها. ومثل الدوار، إنّه الانبهار والخوف المتزامنان من الهوّة؛ إمكانية التنويم المغناطيسي للسقوط التي تؤدّي إلى دوار السقوط الفعلي. إنّ الوسيلة الأساسية لممارسة الحرية أن يصير الإنسان ذاته، ولكنّ هذا يتطلّبُ أن يغترب الإنسان عن كيانه الحسّي المباشر، وأن يتحمّل المسؤولية الأخلاقية مع الغير، وأن يعترف بتبعيته النهائية لله. وتنطوي كلّ حالة من هذه الحالات على مخاطر، ومن ثَمَّ على القلق. وأحد هذه المخاطر هو أن يكون المرءُ فريسة لما هو شيطاني". يُنظَر:

McDonald.

[91] Søren Kierkegaard, Training in Christianity, Walter Lowrie (trans.) (New Jersey: Princeton University Press, 1944), p. 136.

[92] علي عبد المعطي محمد، سورين كيركجارد: مؤسس الوجودية المسيحية، ط 4 (الإسكندرية: منشأة المعارف، 2000)، ص 167.

[93] McDonald.

[94] Ibid.

[95] Ibid.

[96] كيركجور، خوف ورعدة، ص 41.

[97] المرجع نفسه، ص 42.

[98] المرجع نفسه، ص 78.

[99] المرجع نفسه، ص 44-45.

[100] المرجع نفسه، ص 77.

[101] McDonald.

[102] كيركجور، خوف ورعدة، ص 93.

[103] "لو أنّ أجاممنون أرسل رسولًا للبحث عن أفيجينيا للتّضحية بها، عندما هبّت ريح مواتية فحملت الأسطول بقلوع منتفخة إلى هدفه". ينظر: المرجع نفسه، ص 76. ويُضيف سورين في موضع آخر: "لا بدّ أن يُضحّي أجاممنون بإفيجينيا". ينظر: المرجع نفسه، ص 109.

[104] إمام، كيركجارد رائد الوجودية، ص 273-274.

[105] كيركجور، خوف ورعدة، ص 36-38.

[106] يُميّز كيركغارد بين المسيحية المؤسّسية أو الرسمية (Christendom) التي يرعاها رجال الدين، الذين هم في حقيقة الأمر مُجرّد موظّفين عند الدولة، وبين المسيحية الحقّانية (Christianity) التي تقوم على معايشة تجربة المسيح الوجودية الخالصة، من خلال المعاناة والألم في سبيل الخلاص. يُنظر:

Kierkegaard, Provocations, p. 181.

[107] Hervé-Marie Gicquel, "Le livre sur Adler de Soren Kierkegaard," Philosophiques, vol. 12, no. 2 (Fall 1985), p. 316.

[108] سورن كيرككَورد، في نقد الدين الجماهيري: مقالات مترجمة مع دراسة مفصلة عن الفرد والإيمان في فكره وفلسفته، ترجمة قحطان جاسم (بيروت: منشورات ضفاف؛ الجزائر: منشورات الاختلاف، 2015)، ص 120-121.

[109] ولكنّ إعلانه أكثر من مرّة أنّه لم يكن يتعالى على الناس، يُقابله إعلانه أنّه يحتقرهم انتقامًا منهم، ولكنّ احتقار النّاس لا يعني ضرورة إلحاق الأذى بهم: "عندما أمشي متخطّيًا النّاس، فرِحًا ومحظوظًا كإله، وهم يحسدونني على سعادتي، أضحك عندها، لأنّني أحتقر البشر وأنا أنتقم. لم أرغب قط في أن أظلم أحدًا، لكنّني جعلت الأمر يبدو كما لو أنّ أيّ شخص يقترب منّي سيتعرّض للإهانة والإساءة، لذا، عندما أسمع الآخرين يُمتدَحون على إخلاصهم ونزاهتهم، عندها أضحك، لأنّني أحتقر البشر وأنا أنتقم. لم يقسُ قلبي قطُّ تجاه أيّ شخصٍ، لكنّني دائمًا ما أجعله يظهر، ولا سيما عندما كنت متأثّرًا جدًا، كما لو كان قلبي مغلقًا وغريبًا على كلّ إحساس. ثمّ عندما أسمع الآخرين يُحمَدون لقلوبهم الطيّبة، وأراهم محبوبين لمشاعرهم العميقة والغنيّة، حينها أضحك، لأنّي أحتقر البشر، وأنتقم لنفسي. عندما أرى نفسي ملعونًا، ومبغوضًا، ومكروهًا لبرودي وقساوة قلبي، عندها أضحك، وعندئذ يشبع غضبي". يُنظر: كيرككَورد، إمّا – أو: شذرة حياة، ص 89-90.

[110] كان كيركغارد يشكو كثيرًا من التهاب المفاصل وآلام الظهر الوخيمة، علاوة على معاناته الدّائمة من الإمساك وإجهاد العينين والصداع ونوبات الدّوار. يُنظر: يوجين ثاكر، قديسو التشاؤم، ترجمة أنور الشامي (القاهرة: دار الكرامة، 2024)، ص 42.

[111] “Sickness and Death,” University of Copenhagen, accessed on 1/9/2025, at: https://acr.ps/1L9BPHF

[112] Ibid.

[113] Ibid.

[114] يقول كيركغارد معبّرًا عمّا يسكن نفسه من قلق: "روحي ثقيلة لدرجة أنّه لا يُمكن للفكر أن يحتملها أكثر، ولا مزيد من خفقات جناح ترفعها إلى الأثير أكثر. إذا تحرّكت، فإنّها تنسابُ فقط على طول الأرض، مثل الطيران المنخفض للطيور عندما تعصف في عاصفة رعدية. على كوني تولد ضائقة، وقلقٌ يُنذرُ بحدوث زلزال". يُنظَر: كيرككَورد، إمّا – أو: شذرة حياة، ص 73.

[115] McDonald.

[116] Kenneth David Geter, "Missed Appropriations: Uncovering Heidegger's Debt to Kierkegaard in Being and Time," PhD. Dissertation, University of Denver, Denver, 2016.

[117] Jean Wahl, Philosophies of Existence: An Introduction to the Basic Thought of Kierkegaard, Heidegger, Jaspers, Marcel, Sartre, F. M. Lory (trans.) (London: Routledge & Kegan Paul, 1969), pp. 17-18.

[118] Ibid., pp. 38-39.




المحتويات

الهوامش