هنري برغسون (Henri Bergson، 1859-1941) هو فيلسوفٌ فرنسي، يعدّ من أبرز ممثلي مدرسة فلسفة الحياة في العصر الحديث، وحائزٌ على
جائزة نوبل للآداب {{جائزة نوبل للآداب: جائزة سنوية كبيرة، تمنحها الأكاديمية السويدية، وتعود هذه الجائزة إلى توصية ألفرد نوبل، الذي دعا إلى منح الجائزة إلى أهم عمل قوي في ميدان الأدب، مهما كانت جنسية الفائز.}}.
كان برغسون صاحب مشروع فلسفي متكامل جمع فيه بين دقة المفاهيم والحس التجريبي، ويُعدّ كتابه
بحثٌ في المعطيات المباشرة للوعي من أبرز أعماله الفلسفية التي عمد فيها إلى التمييز بين مفهوم التعددية النوعية المحايثة لنسيج الديمومة الخالصة، والتعددية الكمية التي تقبل القياس والعد، مؤسسًا بذلك فهمًا للحرية الإنسانية كامنًا في الزمن المعيش ولا يخضع لعليّة ميكانيكية.
أما في في منهجه الحدسي فقد عمل برغسون على جعل المعرفة على وجهين، الأول تحليليًّا فكك من خلاله الواقع إلى عناصر قابلة للقياس من خلال وضع المكان في الزمان، والثاني حدس منظم وفق ثلاث حركات: الحركة الأولى متعلقة بإماطة اللثام عن المشكلات الزائفة، والحركة الثانية متعلقة بالتعددية النوعية، أما الحركة الثالثة فتعمد إلى صياغة النتائج وفق لغة تعمل على صيانة التواصل دون أن تدّعي في ذلك التمثيل التام.
وفي كتابه:
المادة والذاكرة أعاد برغسون هيكلة الإدراك وفق مفهوم الصورة التي هي أدنى من الشيء وأعلى من التمثل، ووضح فقر الإدراك الوظيفي، كما عمل على التمييز الصارم بين نوعين من الذاكرة: ذاكرة العادة والذاكرة الصرفة، وصاغ مخروطًا للذاكرة الحركية تصل وشائج التأمل بالفعل. أما في كتابه:
التطور المُبدع فحوّر مفهوم الحياة إلى صيرورة إبداعية خلاقة يقوم من خلالها اندفاع حيوي ينقسم إلى نزعتين هما:
الغريزة والذكاء، ويشترط الحدس للولوج إلى عمق الديمومة. وفي كتابه:
منبعا الأخلاق والدين، مايز برغسون بين شكلين من الأخلاق والدين، الأول أخلاقه منغلقة ودينه ساكن، في مقابل شكل ثانٍ أخلاقه منفتحة ودينه حركي ديناميكي متعالق بقيم التعاطف والتصوف والكونية والإنسانية، واقتدرت هذه المفاهيم الفلسفية أن تدخل معاجم السياسة الحديثة، وتركت أثرًا عميقًا في فلسفة القرن العشرين، مع العديد من الفلاسفة أمثال: جيل دولوز الذي أخذ عن برغسون مفاهيم التعددية والافتراضي والفعلي والحركة الزمان، وأيضًا انتقل التأثير البرغسوني إلى سيموندون من خلال ما عبرت عنه فلسفته بنظرية التفريد وما قبل الفردي، ومنها انتقلت إلى حوارات ونقاشات مثمرة مع الفينومينولوجي الألماني إدموند هوسرل من خلال فلسفته عن بنية الوعي الزمني، وصولًا إلى العديد من المذاهب والتيارات المتعلقة بالميتافيزيقا القارية وفلسفات المادية الجديدة التي تعمد إلى قراءة الواقع سيرورةً خلّاقة مع الاعتراف بمحدودية العلم ووظيفته.
حياته ومؤلفاته
هنري برغسون، فيلسوف فرنسي[1]، حائز على جائزة نوبل للآداب عام 1927[2]، يُعدّ من أشهر الفلاسفة الفرنسيين وأكثرهم حضورًا وتأثيرًا في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين[3]. وُلد في باريس، في حي لامارتين المُجانب لدار الأوبرا[4]. وهو الولد الثاني بين سبعة أبناء لوالده ميخائيل برغسون (Michał Bergson، 1818-1898)، الذي كان ذا أصول بولندية لعائلة يهودية مرموقة، اشتهر بصفته عازف بيانو وملحنًا موسيقيًّا، عمل أستاذًا ثم مديرًا على معهد الموسيقى في جنيڤ في سويسرا[5]. أما والدة هنري فهي كاترين ليڤيسون (Katherine Levison، 1834-1928)، بريطانية ذات أصول أيرلندية، وهي يهودية أيضًا، تصغر زوجها ميخائيل بـ12 عامًا، وكانت تتصف بالحكمة والهدوء واللطف، وأدت دورًا كبيرًا في تربية هنري وصقل شخصيته، كما كان لها دور أيضًا في تعليمه اللسان الإنكليزي[6].
وفي عام 1863 انتقلت عائلة هنري إلى جنيڤ، حيث مكث مدة أربعة أعوام في وسط ثقافي سويسري مُفعم بروح الموسيقى، لتضطر عائلته إلى الرجوع إلى باريس عام 1868 وقد كان يبلغ من العمر حينها 9 أعوام. ثم سافر والداه إلى بريطانيا، إلا أن هنري مكث في باريس مستأنفًا تعلمه في ثانوية فونتان (Lycée Fontanes)، مُستفيدًا في ذلك من منحة وهبتها له الحكومة الفرنسية آنذاك وأقام في مدرسة داخلية يهودية تُدعى "المدرسة الداخلية سبرينغر" (Pension Springer)[7].
في عام 1877 حصل برغسون على شهادة بكالوريا التعليم الثانوي في الرياضيات، ثم حصل على شهادة ثانية في البكالوريا تخصص الآداب والفلسفة عام 1878. وقد تميّز الفيلسوف برغسون بمهارته ونباهته في الجمع بين العلوم الدقيقة والميل إلى الدراسات الفلسفية والأدبية. وأظهر تفوقًا فيها[8]. ثم التحق بالمدرسة العليا للأساتذة (École Normale Supérieure) في عام 1878، وكان من حسن حظه أن يكون في دفعته علماء وفلاسفة كبارة أمثال
إيميل دوركهايم (Émile Durkheim، 1858-1917) وجان جوريس {{جان جوريس: (Jean Jaurès، 1859-1914) هو مفكر سياسي فرنسي مشهور، دافع عن قضايا السلام والعدالة الاجتماعية، ويُعدّ من أهم الداعين إلى الوحدة العمالية وذلك قبل تصفيته عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى.}}[9].
درس برغسون في أعوام تدرجه الجامعي على يد الفيلسوف الفرنسي
فيليكس راڤيسون {{فيليكس راڤيسون: (Félix Ravaisson، 1813-1900)، فيلسوف فرنسي ذو نزعة مثالية، اشتهر بأعماله حول مفهوم العادة وبيان دورها في عملية تشكيل الإرادة، كما أن له إسهامات قوية في تجديد الفلسفة الروحانية في فرنسا.}} والفيلسوف
جول لاشلييه {{جول لاشلييه: (Jules Lachelier، 1832–1918) فيلسوف ذو نزعة مثالية، اشتهر بعمله حول مبادئ الاستقراء، الذي نافح فيه عن أولوية الفكر على الطبيعة.}}، وكلاهما من أبرز ممثلي
الفلسفة الروحانية الفرنسية {{الفلسفة الروحانية الفرنسية: (Le spiritualisme français) نزعة فلسفية برزت بصورة خاصة في القرن التاسع عشر، وتؤكد هذه النزعة على مركزية الروح في عملية فهم الإنسان وقيام المعرفة.}} كما تأثر أيضًا بالفيلسوف وعالم الاجتماع البريطاني
هربرت سبنسر {{هربرت سبنسر: (Herbert Spencer، 1820-1903) سوسيولوجي وفيلسوف بريطاني، اشتهر بنظريته حول التطور الاجتماعي، ويُعدّ من أهم دعاة الفلسفة الوضعية والفلسفة الليبرالية.}}، والذي مثّل تيار
الفلسفة الوضعية التطورية {{الفلسفة الوضعية التطورية: (Positivist Evolutionary Philosophy) هو اتجاه فلسفي يربط بين تيار الوضعية والمنظور التطوري، ويتجه هذا التيار إلى اعتبار أن الظواهر الطبيعية والسوسيولوجية والعقلية تخضع لضوابط وقوانين التطور القابل للرصد العلمي.}}[10].
بعد تخرج برغسون في المدرسة العليا في عام 1881، وهو العام نفسه الذي حصل فيه على الأغريغاسيون (Agrégation)، وهو امتحان مرموق يمنح الطالب الأهلية للتدريس في المدارس الثانوية والجامعات. وكان أول منصب يتحصل عليه برغسون هو أستاذ فلسفة في المرحلة الثانوية، إذ التحق بثانوية أنجيه (Lycée d’Angers) وعمل فيها بين عامي 1881 و1883. إلا أنه لم يكن شغوفًا بالعمل هناك فتركها لينتقل إلى مدينة كليرمون فيران (Clermont-Ferrand) في محافظة أوڤيرن (Auvergne)، حيث عمل أستاذًا للفلسفة في المدرسة الثانوية
بليز باسكال {{بليز باسكال: فيلسوف وعالم رياضيات وفيزيائي فرنسي معروف، اشتهر بتأملاته الأخلاقية واللاهوتية بسطها في كتابه
خواطر.}}، وفي الوقت نفسه، كان يعطي دروسًا في كلية الآداب بجامعة كليرمون، حتى غادر مدينة كليرمون في عام 1888، وكانت الأعوام التي أمضاها في هذه الجامعة مهمة في حياته الأكاديمية؛ فقد سنح له الجو العلمي هناك من بداية بلورة مفاهيمه الأولى حول الزمن السيكولوجي والذاكرة، وبعدها التحضير لأطروحته للدكتوراه حول موضوع المعطيات المباشرة للوعي (Essai sur les données immédiates de la conscience) عام 1889[11].
وناقش هذه الأطروحة بتاريخ 28 أيار/ مايو 1889 في جامعة السوربون في باريس، كما ألحقها بأطروحة تكميلية باللغة اللاتينية عن عمله الرئيس حملت عنوان: "ما الذي فهمه أرسطو من مفهوم المكان؟" (Quid Aristoteles de loco senserit)، وقد أشرف على أطروحته الفيلسوف جول لاشلييه (Jules Lachelier، 1832-1918)[12]. وفي مدينة أوڤيرن وجد برغسون الجو المناسب للإبداع والتفكير الفلسفي، وقد بدت تظهر منه أفعال تدلّ على العبقرية، ما مكنه في الانخراط في النقاشات الفلسفية والحوارات مع صديقيه الأرشيفي
جيلبير روشن {{جيلبير روشن: (Gilbert Rouchon، 1856-1937)، فيلسوف علوم فرنسي، طوّر مقاربات معرفية للعلوم المعاصرة.}} وأستاذ الرياضيات
أدريان كونستانتان {{أدريان كونستانتان: (Adrian Constantin، 1970-) أستاذ رياضيات في جامعة ڤيينا من أصول رومانية، قدم إسهامات مهمة في مجال المعادلات التفاضلية والتحليل الرياضي للأنظمة الدينامية.}}، كما شارك معهما في تعلم
جلسات التنويم المغناطيسي {{جلسات التنويم المغناطيسي: (Hypnose) طريقة تستعمل في العلاج السيكولوجي، إذ يدخل المعالج المريض في حالة من الوعي المعدل، وتمتاز هذه الطريقة بتركيز متزايد على الإيحاء.}} ليرجع بعدها إلى باريس ويلتحق بالتدريس في ثانوية لويس لوغران (Lycée Louis-le-Grand)، وفي عام 1890، وحتى عام 1898، التحق بثانوية هنري الرابع (Lycée Henri-IV) لتدريس الفلسفة، ليرتقي بعدها إلى شغل كرسي الفلسفة الحديثة والمعاصرة (Chaire de philosophie moderne et contemporaine)، إذ أشرف على تدريس العديد من الباحثين، مثل
هنري دولاكروا {{هنري دولاكروا: (Henri Delacroix، 1873–1937) سيكولوجي وفيلسوف فرنسي، اشتهر بدراساته في مجال فلسفة اللغة وعلم النفس الديني.}}. وفي شباط/ فبراير من عام 1898 وُجهت إليه دعوة لتقديم دروس ومحاضرات في المدرسة العليا للأساتذة، ومكث فيها حتى تشرين الثاني/ نوفمبر 1900، وفي ذلك الحين، درّس الفلسفة القديمة بكوليج دو فرانس (Collège de France) خلال الفترة ما بين عامي 1897 و1898، إذ ألقى محاضرتين مهمتين، الأولى حول علم نفس أفلوطين (La psychologie de Plotin)، والثانية حول الكتاب الرابع من التاسوعات (Ennéades, Livre IV)، وهناك بدأ طلبة المدرسة العليا للأساتذة يفتتنون بطريقة إلقاء برغسون وتقديمه لدروسه ومحاضراته، إذ وجدوا أنها دروس حية تُغني العقل، وتنضح بالحياة[13].
وبعد الفترة المهمة التي قضاها برغسون في المدرسة العليا للأساتذة والكوليج دو فرانس، عرفت مسيرته الأكاديمية الحافلة منعطفًا حاسمًا، إذ عُيِّن في عام 1900 أستاذًا للفلسفة الحديثة في جامعة السوربون، وتركزت محاضراته حينها على فلاسفة، مثل:
رينيه ديكارت (René Descartes، 1596-1650) وباروخ سبينوزا (Baruch Spinoza، 1632-1677) وغوتفريد ڤيلهلم لايبنتز (Gottfried Wilhelm Leibniz، 1646-1716) والمميز في تلك المحاضرات أنه كان يربطها بالقضايا الفكرية الحاضرة آنذاك، ما جعلها أكثر جاذبية وحيوية واهتمامًا من الطلبة والباحثين، وخلال تلك الفترة بدأت أعماله الفلسفية الأساسية تشتهر في الأوساط الأكاديمية، خصوصًا كتابيه:
بحث في المعطيات المباشرة للوعي، وكتابه
المادة والذاكرة (1896)، غير أن شهرته الكبيرة حتى لدى القراء العاديين من غير أهل الاختصاص الفلسفي فقد تجسدت مع كتابه:
الضحك (1900)، وتبوأ عام 1904 كرسي الفلسفة الحديثة في جامعة السوربون الذي بقي يشغله حتى وفاته. ليُصبح بذلك أحد أهم فلاسفة أوروبا في الأزمنة المعاصرة[14].
لقد كانت حياة برغسون على قدر كبير من الاستقرار ولم يحدث فيها تقلبات أو مشاكل أو أحداث درامية كالتي تُميّز جُلّ الفلاسفة والمفكرين في الغالب. كما أن برغسون تزوج مرة واحدة من فتاة تُدعى لويز نويبورغير (Louise Neuberger، 1872-1946) ورزق منها بابنة واحدة تُدعى جانِّ برغسون (Jeanne Bergson، 1893-1961). توفي برغسون في 4 كانون الثاني/ يناير 1941 في بيته الذي كان يقطن فيه في باريس، وذلك بعد رجوعه من دَكس التي لجأ إليها مع عائلته إثر النزوح بعد الاجتياح الألماني لمدينة باريس، وقد أصيب بنزلة برد والتهاب رئوي حاد مفاجئ أودى بحياته في أقل من 48 ساعة، ولم يُشيَّع في جنازة رسمية بسبب الظروف التي كانت آنذاك إثر الاحتلال الألماني، إلا أن الفيلسوفين
لويس لاڤيل {{لويس لاڤيل: (Louis Lavelle، 1883-1951) فيلسوف من أصول فرنسية، يُعدّ من أهم ممثلي تيار الفلسفة الروحانية.}} وبول ڤاليري (Paul Valéry، 1871-1945) حضرا مراسم دفنه في مقبرة غارش (Cimetière de Garches). وقد أثيرت تساؤلات ونقاشات آنذاك حول الانتماء الديني للفيلسوف برغسون، فقد صرح الأب بيير دو تونكيديك (Pierre de Tonquédec، 1868-1962) أن ما اقتدر على استخلاصه من قراءته لكتاب برغسون:
التطور المُبدع، يُثبت بجلاء أنه يؤمن بوجود إله خالق، وهي الأطروحة التي أكدها فيما بعد في كتابه:
منبعا الأخلاق والدين، أما على المستوى الشخصي فقد أشار برغسون في وصيته كتبها في 8 شباط/ فبراير 1937، يؤكد فيها أن تأملاته الفلسفية سلكت به أكثر نحو اعتناق الكاثوليكية التي كان يرى فيها اكتمالًا للسيرورة الروحانية[15].
أبرز أعماله الفلسفية
ترك الفيلسوف برغسون تراثًا فلسفيًّا مهمًا كان بمنزلة العلامة البارزة في الفلسفة الفرنسية الحديثة والمعاصرة، كما مثّل منعطفًا في تاريخ الفكر الفلسفي الأوروبي عمومًا حول مفاهيم الزمن والوعي والحياة، جاعلًا من الفلسفة نقاشًا مفتوحًا على قضايا الدين، والفن، والعلم، والحياة.
الكتب
-
بحث في المعطيات المباشرة للوعي
Essai sur les données immédiates de la conscience (1889).
-
ما الذي فهمه أرسطو من مفهوم المكان؟
Quid Aristoteles de loco senserit (1889).
-
المادة والذاكرة
Matière et mémoire (1896).
-
الضحك: مقالة في معنى الكوميك Le Rire: Essai sur la signification du comique (1900).
-
التّطور المُبدع L’Évolution créatrice (1907).
-
الطاقة الروحية: مقالات ومحاضرات L’Énergie spirituelle: Essais et conférences (1919).
-
الديمومة والتزامن: حول نظرية أينشتاين Durée et simultanéité: à propos de la théorie d’Einstein (1922).
-
منبعا الأخلاق والدين Les Deux Sources de la morale et de la religion (1932).
-
الفكر والمتحرك: دروس ومحاضرات La Pensée et le mouvant: Essais et conferences (1934).
المقالات
- "الحلم" (Le rêve) نُشرت عام 1901 في مجلة باريس Revue de Paris.
- "الوعي والحياة" (La conscience et la vie) محاضرة ألقاها هنري برغسون في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية بباريس (Académie des sciences morales et politiques) في عام 1911.
- "النفس والجسد" (L’âme et le corps) نُشرت في
أعمال جمعية البحوث النفسية Proceedings of the Society for Psychical Research. وهي محاضرة ألقاها برغسون أمام الجمعية البريطانية للبحوث السيكولوجية في عام 1912.
- "الفلسفة الفرنسية" (La philosophie française) محاضرة ألقاها برغسون في جامعة أكسفورد في عام 1915.
- "إدراك التغير" (La perception du changement) محاضرة ألقاها برغسون في جامعة أكسفورد في عام 1911.
- "الحدس الفلسفي" (L’intuition philosophique) محاضرة ألقاها برغسون في جامعة جنيڤ في عام 1911.
- "معنى الحرب" (La signification de la guerre) نشرت في
مجلةباريس Revue de Paris في عام 1914.
مفهوم التعددية
يمكن قراءة مفهوم التعددية (Multiplicité) في فلسفة الأزمنة الحداثية وفق منظورين؛ الأول: برغسوني، والثاني: فينومينولوجي، إذ إن المتأمل لفلسفة برغسون يجد أن المعطيات المباشرة للوعي هي في حدّ ذاتها "تعددية"، بينما في الفينومينولوجيا تتعلق "تعددية" الظواهر دومًا بوحدة الوعي. وههنا يتجلى الفارق بينهما، فوفقًا لتصور برغسون فإنه يؤكد في كتابه الأساسي:
بحث في المعطيات المباشرة للوعي، أن مُجمل حالات الوعي لا نقتدر على فهمها إلا من منطلق كونها تعددية نوعية (Multiplicité qualitative)، والتي تتباين جُملةً عن [التعددية الكمية] (Multiplicité quantitative) التي تنتمي إلى الحيّز المكاني الذي يسمح بالتجانس ويمنحنا الإمكانية العدِّية والقابلية القياسية. وبناءً عليه، "يجب التسليم بوجود نوعين من التعددية [...] وتمثلين للاختلاف بين المماثل والمغاير، الأول كيفي والثاني كمي"[16].
وبالعودة إلى تصور
الفينومينولوجيا {{الفينومينولوجيا: (Phenomenology) منهجية فلسفية وضع معالمها الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل (Edmund Husserl، 1859-1938)، إذ يهدف هذا المنهج إلى نعت الظواهر باعتبارها وعيًا قصديًا.}}، عند مؤسس الفلسفة الفينومينولوجية الفيلسوف الألماني
إدموند هوسرل (Edmund Husserl، 1859-1938)، وتحديدًا في كتابه:
محاضرات في فينومينولوجيا الوعي الداخلي بالزمان
(Vorlesungen zur Phänomenologie des inneren Zeitbewusstseins) (1928) الذي أكد فيه بأن "تعددية الظواهر" يجري ردُّها إلى وحدة الوعي القصدي (Die Einheit des intentionalen Bewusstseins)، أو بعبارة أدق تُردّ إلى النسق التَّوحيدي للإدراك والوعي بالشيء، وبذلك تصير "التّعددية" عبارة عن تنوعية للظواهر (مثل: الأصوات، الصور، وغيرها) التي لا تُعاش بطريقة متفرقة وإنما في سياق قصدي مُوحِّد يُنظمه الوعي في حد ذاته، إذ يُصبح التّعدد عبارة عن لحظات مفتوحة بصورة دائمة على الوحدة[17].
وقد عمل الفيلسوف الفرنسي
جيل دولوز {{جيل دولوز: (Gilles Deleuze، 1925–1995) هو فيلسوف فرنسي، اشتهر بأعماله حول فلسفة الاختلاف.}} على دراسة هذا الفارق وتحليله بين الطرح البرغسوني والفينومينولوجي، وذلك في كتابيه: البرغسونية[18] (Bergsonisme) (1966) والاختلاف والتكرار[19] (Différence et repetition) (1968)، معتقدًا أن ما يُميّز برغسون عن الطرح الفينومينولوجي هو في كون التعددية لا تُعدّ مجرد ظواهر مختلفة تنحو إلى طريق الوعي الموحد، وإنما هي بنية وقائعية للفكر وأيضًا للوجود في آنٍ واحدٍ. فجيل دولوز يُعدّ أن المنظور البرغسوني قد فتح أفقًا جديدًا نحو فلسفة الاختلاف (Répétition)، من منطلق أنها جعلت التعددية جوهرية وغير قابلة للاختزالية إلى مجرد وحدة سابقة عليها، وبناءً عليه فرّق دولوز بين ما يُسمى بـ "التّعددية الكمية"؛ أي تلك المتعلقة بالحيّز المكاني وقابلية العدّ، وبين "التعددية النوعية"؛ أي تلك المتعلقة بالوعي والديمومة، مؤكدًا بأن "التعددية النوعية" هي التي تعمد إلى الكشف عن إمكانية التفكير في
الاختلاف بما هو اختلاف. وليس بما هو عبارة عن تنوع ينقاد للوحدة[20].
كما يُمكن اعتبار طرح برغسون بمنزلة مجابهة مباشرة مع الفيلسوف الألماني
إيمانويل كانط (Immanuel Kant، 1724–1804)، لأن هذا الأخير أقام الحرية في عالم ترانسندنتالي على المكان والزمان، إلا أن برغسون عدّ الفيلسوف كانط عاملًا على وضع خلط بين المكان والزمان، إذ جعل الفعل البشري مُنقادًا لضرورة طبيعية، فكان رد برغسون على نحوٍ مزدوج: الأول، متعلق بدعوته تفرقة/ تمييز الزمان عن المكان وإرجاعهما معًا إلى جذورهما المحضة؛ والثاني، متعلق بجعله المعطيات المباشرة للوعي (زمانية) أي ديمومة. وفي هذه [الديمومة] لا يُعثر على ترتيب مجاور للأحداث، وبذلك تُقصى "العلِّية الميكانيكية" (Mechanical Causality)، وضمن هذا الأفق الزماني وحده يُمكن أن يُختبر معنى الحرية[21]. ولكن ينبغي التنويه أن برغسون لم ينفِ طرح كانط جملةً، وإنما اعتمد عليه كمحطة انطلاقٍ ناقدة.
وبناءً على ما سبق، يُؤكد برغسون أن الديمومة هي تعدّدية كيفية، لأن التعددية الكمية تنبني على حساب الأشياء وتمييز بعضها عن بعض؛ وذلك ضمن مكان متجانس، ومثال ذلك: قطيع من الأغنام يمكن عدّه دون مقارنة بين التباينات الفردية القائمة بين كل خروف وآخر. أما في التعددية الكيفية فهي تنأى عن قبول إمكانية الترتيب المتجاور، لأنها عبارة عن تغاير زماني تتخلله حالات شعورية، وتتموقع مع الوقت في نسيج حي واحد. وبذلك لا نقتدر على إحصائها أو التعبير عنها بوساطة الرموز والأعداد[22]. ورغم أن فكرة "التعددية الكيفية" صعبة الفهم، فإنها تُعدّ جوهر فلسفة برغسون. ولعل من أبرز الأمثلة التي يستحضرها برغسون في كتابه:
بحث في المعطيات المباشرة للوعي الشعور بالتعاطف، الذي يبدأ في المُستهل بالتبرّم من آلام الآخر، ثم بعدها يحصل الخوف من عدم إمكانية إسعاف الفرد إذا امتنع عن تقديم الإغاثة، ثم ينحو إلى التسامي نحو شفقة حقيقية تسعى للانحدار نحو الآلام وليس الهروب منها، سعيًا في ذلك إلى تبرئة الذات من قهر الطبيعة وظلمها. ومن خلال هذا الانحدار تنبجس حركية صعودية نحو الرفعة والحرية المتملصة من قيود اللذات المحسوسة. فشعور الشفقة ههنا هو عبارة عن سيرورة كيفية، تنقل الوجدان من طور نحو طور آخر وفق ديالكتيك زماني حي[23].
إن أكبر خطأ وقعت فيه ميتافيزيقا الأزمنة الحديثة أنها منحت الزمن الإمكانية التي جعلت منه عبارة عن امتداد مكاني، ولهذا كانت مهمة برغسون الأساسية هي إعادة الزمن إلى طبيعته الأصلانية لأنه استمرار نوعي غير متجانس، وقدّم لنا برغسون أمثلة حسية، كان على رأسها أمثلته عن اللحن الموسيقي (Mélodie)، وتتابع هذا اللحن ليس مجرد خرز على خيط، وإنما هو عبارة عن تراكمية حية غير مُجزَّأة تحفظ وحدة التجربة حتى في حالة تغايرها، وبذلك، تكون الديمومة تعددية كيفية، تُدرك حدسيًّا عبر ديمومة حيّة يتلاحم فيها الماضي في الحاضر ويستشرف المستقبل، إذ يقول برغسون واصفًا الديمومة بأنها: "تقدم مسـتمر [لماضٍ] یفـرض المستقبل ویتضخم بتقدمه إلى الأمام"[24]. كما تُحذق الحرية كفعل أصيل ينبع من الفرد في كلّيَّته وليس تمخضًا لسببيّة آلية ميكانيكية[25].
منهج الحدس
إن المتأمل لفلسفة هنري برغسون يجدها محاولة لتخطّي فلسفة كانط[26]، لما وجدته فيها من سقوط في مأزق عقلي وخيم، حتّم على العقل الوقوف أمام محكمة النقد (The Tribunal of Reason) حتى يتسنى فحصه بدقة[27]، مُنكرة عليه قدرته على بلوغ المعرفة المطلقة لأن أي محاولة له لبلوغها سوف تؤدي به إلى الوقوع في ]النقائض/ المتناقضات[ (Antinomien)، بحكم تكافؤ الأدلة والبراهين (Gleichgewicht der Beweise) وتساويها من ناحية القوة (Gleich starke Beweise) في سبيل ]إثبات/ أو إنكار[ إمكانية وجود حقيقة مطلقة، ما حتم عليه القول اضطرارًا بوجود حقيقة نومينية (Noumenale Wahrheit). وهو ما صرّح به كانط في مقدمة كتابه:
نقد العقل المحض
(Kritik der reinen Vernunft) (1781) بقوله: "لقد كان مُحتمًا عليّ تقييد العقل، كي اقتدر على فسح المجال للإيمان"[28]. ومن هنا، كان المشروع الفلسفي البرغسوني بمنزلة إعادة اعتبار للمعرفة المطلقة والميتافيزيقا، مستعينًا في ذلك بمنهج الحدس (La méthode de l’intuition)، الذي لا يتباين كثيرًا مع ما نعته كانط بـ "الحدس العقلي" (Intellektuelle Anschauung). والذي اعتبره برغسون: "ما يسلك طريقه إلى الروح، وإلى الديمومة وإلى التغيّر الخالص"[29].
وينبني منهج الحدس لدى الفيلسوف برغسون على التفرقة بين ضربين من المعرفة: الأولى تستند على التحليل العقلي؛ والثانية تستند على الحدس المباشر. أما التحليل وفق برغسون فهو الوسيلة الأساسية التي يعتمدها العلم، إذ يعيد من خلالها تفكيك الواقع إلى عناصر تمتاز بالثابتية وتكون لها قابلية القياس والترميز، إلا أنه وفق ذلك سيعمد إلى تشويه طبيعة الزمن والسيرورة عبر تحويرها إلى مجرد مقولات مكانية ليس إلّا. وعلى العكس من ذلك، يعتقد برغسون أن الحدس سيمنح للعقل إمكانية الولوج المباشر نحو الديمومة، بعدّها فيضًا حيًّا لا تُغالبه التجزئة والاختزال، فالحدس وفق هذا المنظور لا يُعدّ شعورًا مبهمًا/ ضبابيًّا (Sentiment confus)، وإنما هو عبارة عن منهج منتظم يستدعي مجاوزة التصورات الخارجية والانخراط في حركية الظواهر في حد ذاتها[30].
ينعت الفيلسوف برغسون منهج الحدس (Intuition) بأنه عبارة عن تعاطف (Sympathie) مع الموضوع، إذ يمنح الفرصة للفكر بأن يتماهى مع تحوّره الداخلي عوض أن يكتفي فقط بصوره الخارجية، وعند الاستئناس بنصوص برغسون نفهم أن منهج الحدس يحصل وفقًا لخطوات ثلاثٍ متعالقة مع بعض، الخطوة الأولى: تتمثل في فضح المشكلات الزائفة (Faux problèmes) التي تخلق جرّاء إسقاط المقولات الذهنية المستعارة من المكان (Catégories de l’entendement empruntées à l’espace) على مقولات الزمان؛ والخطوة الثانية، تتعلق بإدراك التعددية النوعية اللا-متجانسة التي تُميّز "الديمومة" في مقابل التعددية الكمية التي تخضع لقابلية القياس؛ أما الخطوة الثالثة فتكون بالرجوع إلى التحليل واللغة بغية صياغة النتائج المتمخضة عن الحدس بأسلوب يُمكّن من القدرة على التعبير والتواصل، دون أن يدّعي وصوله إلى التمثيل الكامل للواقع، وبهذه الطريقة يصير منهج الحدس بمنزلة الوسيلة الميتافيزيقية التي تُظهر أبعادًا لا يدان للعقل الأداتي وحده من أن يحذقها[31].
تتجلى تمظهرات منهج الحدس في تطبيقاته التي قام بها برغسون من خلال مؤلفاته الأساسية، فمثلًا في كتابه
بحث في المعطيات المباشرة للوعي، يعمل منهج الحدس على منحنا فهمًا للحرية من منطلق كونها انبجاسًا أصيلًا من الديمومة الخالصة (La pure durée)[32]. أما في كتابه
الذاكرة والمادة فيعمل برغسون على توضيح الترابط بين الإدراك والذاكرة في سياق مجال من الصيرورة يكون سباقًا للتمييز الميكانيكي الآلي بين ثنائية الروح (l’esprit) والجسد (le corps)[33]. أما في كتابه
التّطور المُبدع فيفسر برغسون التاريخ الحيوي بعدّه عملية اندفاع إبداعي خلّاق لا يُمكن اختزاله في مجرد تفسيرات علّية آلية[34]. وعلى الرغم من أن برغسون لا يلغي العلم أو يخفض من مكانته، فإنه يضع له حدودًا، فهو يعالج الظواهر من حيث كونها ثابتة ولها قابلية القياس، وفي المقابل من ذلك يكون للحدس القدرة على الإمساك بلُب الظواهر وجوهرها بعدّها صيرورة حية[35].
المادة والذاكرة
في عام 1896 نشر الفيلسوف برغسون كتابه
المادة والذاكرة:
بحث في علاقة الروح بالجسد
(Matière et mémoire: Essai sur la relation du corps à l’esprit) (1896)، وقد استمر برغسون بالمنهج نفسه الذي اتبعه في كتابه
بحث في المعطيات المباشرة للوعي، الذي يُقر فيه باستقلالية الروح عن الجسد، كما برهن فيه على استقلالية الزمان عن المكان والكيف عن الكم، وأيضًا التوتر عن الامتداد، والداخل عن الخارج، والحدس عن العقل. ويُوحي عنوان الكتاب
المادة والذاكرة عن الصلة التي تجمع عملية التذكر كظاهرة سيكولوجية/ روحية، ومركز التذكر في المخ باعتباره نقطة تطبيقية تُعنى بدراسة العلاقة بين الروح والجسد[36].
ينطلق برغسون في
المادة والذاكرة من إقرار بثنائية تعترف بواقعي المادة والروح، إلا أنه لا يتوقف عند هذا الاعتراف، لأن بغيته تفكيك الأزمات التي تلاحق هذه الثنائية عن طريق إعادة هيكلة مفهوم الإدراك، إذ أن الوسيلة المفهومية ههنا هي الإدراك المحض (La perception pure)، أي المعرفة في تمثلها الأصلاني، التي تسري داخل الشيء وليس في تمظهراته الخارجية؛ لذا يستعين برغسون بمفهوم الصورة باعتبار هذا المفهوم موضع وسيط بين "الواقعية" و"المثالية"[37]، إذ إن المادة هي عبارة عن صور، وليست قوى خفية تعمد إنتاج تمثلات، ويُفرّق برغسون بين الصورة والتمثل من حيث الدرجة وليس من ناحية الطبيعة، كون الصورة هي أدنى من الشيء وأكبر من التمثل، ومن ثمة فإن الإدراك الواعي ينتقص من الصورة وفقًا لحاجات الجسد ووظائفه، هو ما ينعته برغسون بالفقر الضروري لعملية الإدراك[38].
إن هذا الفقر (La pauvreté) الذي يتحدث عنه برغسون يحدُّ من صلاحية عملية الإدراك[39] ليعتمد كمعيار للحقيقة، فحينما يُكشف الغطاء النفعاني عن الوعي تذوب صور المادة لتتحول إلى عملية تواصل حركي متدفق، ولما ترجع متطلبات الحياة تتجلى لنا مقاطع تصويرية متجاورات تختزل الحركة الحية. وبهذا يفصل الفيلسوف برغسون بين مشاهد تمثيلية تعمل على إعطاء صورٍ ثابتة، ونفاذ حدسي يمس الفعل غير المنقسم للديمومة ويقوم بمجاوزة اللقطات. ومن خلال ذلك تتجلى العلاقة الداخلية القائمة بين الحدس والذاكرة، من منطلق أن الحدس هو عملية استرجاع لما تُبقيه الذاكرة من الخيط الناظم للصيرورة، بمعنى القدرة على الإمساك بما لا يقتدر التمثيل على تحصيله واستيعابه بصورة كاملة[40].
ويُميّز هنري برغسون بين ما يُطلق عليه بـ "ذاكرة العادة" (Mémoire-habitude) التي تترسخ عن طريق تكرار حركات معينة حتى يتعود عليها الشخص، ويسترجعها وفق آلية حسية، وبين "الذاكرة المحضة" (Mémoire pure) التي هي عبارة عن ذكريات تتعلق بالشخص وتسري في عالم اللاوعي الخاص به، إذ يقول برغسون تأكيدًا على قيمة الذاكرة المحضة: "أن هذا النوع الأول من الذاكرة [يقصد المحضة أو الخالصة] هو الذاكرة بامتياز؛ أما النوع الثاني الذي يدرسه علماء النفس عادةً، هو العادة التي تُنيرها الذاكرة، وليس الذاكرة نفسها"[41]. ويضرب برغسون مثالًا على ذلك بصورة مخروط مقلوب (Cône renversé)، تكون قاعدته بمنزلة الماضي الساكن على اعتباره تأمل، وقمة المخروط التي تعبر عن مستوى التمثيل الراهن، إذ تعبِّر عن صورة الجسد والفعل الذي ينجر عنه في الحاضر. وحركية الذاكرة برمتها هي عملية ديناميكية تجمع بين التأمل والفعل وذلك عن طريق مسارين متجاورين متلازمين هما: الأول، الدوران من مرحلة السحابة الافتراضية (La nébuleuse du virtuel) التي تتكاثف شيئًا فشيئًا حتى تصل إلى مرحلة تبلور الصور المفردة (Images singulières)؛ والثاني، مبدأ الانقباض (Contraction) الذي يرجع الصور إلى مجرد عموميات تمتلك صلاحية الفعل، وبهذه الحركية يصبح التفكير هو زمرة انتقالات للذاكرة بين قطبيها، وتُصبح اللغة وعملية الإبداع مجرد تكرار رمزي للمسار عينه[42]. وبذلك؛ يصير الطريق مفتوحًا أمام حذق حقيقة
التّطور المُبدع بعدّه استمرارية لصيرورة الحياة في حد ذاتها وليس مجرد اختزال ميكانيكي/ آلي لها.
التَّطور المُبدع
يتعالق مفهوم الحياة عند الفيلسوف برغسون بمعنيين أساسيين، الأول، مرتبط بالديمومة الزمانية التي تقوم بتغذيتها الذاكرة؛ والثاني، مرتبط بالحاجات العملية التي يقوم بفرضها الجسد حتى تجعل معرفتنا مُمَكننة (أي تُصاغ بمصطلحات المكان) وأداتية، ومشروع برغسون في كتابه
التطور المُبدع هو السعي لتفكيك الثنائية بُغية إعادة بناء مفهوم الإدراك على مبدأ الواقع الحي، وبهذا ينتقل الخطاب عند برغسون من التوصيف الميتافيزيقي إلى تحليل آليات التكوّن، وتصبح الحياة حينها صيرورة لا يُمكن حصرها في مجرد صور ثابتة[43]. وحتى يتسنى للفيلسوف برغسون إقامة برهان صارم يقطع مع الاختزال من وجهتين معًا، وجهة تعطي تصور لماهية الحياة، ووجهة تُعرّف بطريقتنا في معرفة ماهية الحياة، فوضع برغسون هذه البرهنة على أربع خطوات أساسية.
افتراض اندفاعية/ طاقة حيوية مشتركة
يستهل برغسون هذه الخطوة بنقد الآلية كما تُطبق على مفهومي الحياة والتطورية، بحكم أن المنهجية الآلية تستبعد إمكانية حصول أي تغير حقيقي وإبداعي، إذ يضمن كل ما هو لاحق في سالفه بطريق القوة. ثم يوضح أن الغائية في صورتها الكلاسيكية تُعطّل بدورها ولادة جديدة، شأنها في ذلك شأن الآلية، إذ تفترض أن الكل هو مُعطى سلفًا، لهذا لا تقدم الآلية والغائية تفسيرًا سليمًا ومُرضيًا لظاهرة التغيرية التي تمتاز بها الحياة. ومع هذا نجد برغسون يُنافح عن تمثِّلٍ من الغائية يُحسن تفسير عملية خلق الحياة مع ترك المجال لتنوعه، فإذا كانت للحياة وفق منظور برغسون غائية فينبغي القيام بوضعها في الأصل وليس في الغاية، وأن يقوم باحتواء الحياة برمتها في بوتقة واحدة لا تقبل الانقسام، وهذا ما يُخالف الآلية، إلا أن هذا الافتراض وحده لا تقدم تفسيرًا كافيًا لتمخضات التطور، ولا حتى تقديم تفسير لأساس الحياة نفسه[44].
نظرية النزعات
يقصد برغسون بهذه الخطوة أي عملية تؤدي إلى تحويل الطاقة الحيوية/ الاندفاع الحيوي (L’élan vital) في صورتها البسيطة إلى أفراد وأنواع مختلفة عن طريق سلاسل متراتبة ومتعاقبة من التفرعات، وتنتظم هذه الخطوة في نزعتين متقابلتين هما: "الغريزة" (L’instinct) و"الذكاء" (L’intelligence)[45]، ويتوصل برغسون إلى هذه التفرقة من خلال النظر في طرق الفعل والمعرفة عند الكائنات الحية. فمثلًا تتمايز الحيوانات عن النباتات من خلال الحركة التي تستدعيها الحاجة إلى الغذاء، في حين تعيش النباتات وتنمو عن طريق التمثيل الضوئي دون الحاجة إلى التنقل. والضرب الذي تمثله الغريزة كافي لبقاء النوع، أما الكائن البشري فهو غير مجهز على نحوٍ كافٍ على هذا المنحى، لذلك تُخْلَق لزومية الذكاء المُعرّف بإمكانية صناعة الأدوات، أي الإنسان ككائن صانع[46]. ومرة أخرى يحدد برغسون الذكاء وفق وجهته النفعانية وليست التأملية الخالصة، ومن خلالها يستخرج هيكله المعرفي وتاريخه وحدوده. وهذه الطريقة العملية تقف صدًّا دون بلوغ مباشر إلى الطبيعة النوعية للحياة، وبهذا ترتكز التفرقة بين النزعتين على الفصل الأصلي بين التعددية النوعية والتعددية الكمية، ولكي يقتدر الذكاء البشري أن يصل إلى كُنه الاندفاعية الحيوية، ينبغي أن يعتمد على طريقة معرفة تقف على الضد منه، وهي الغريزة[47].
تمييز نزعتي "الغريزة" و"الذكاء"
يؤكد الفيلسوف برغسون أن الحياة ما هي إلّا خلق مستمر[48]، وأن الإبداع وحده هو من يُمكنه تقديم تفسير عن الكيفية التي تبقى من خلالها هذه الحياة على نحوٍ دائم. وفي الآن عينه تتمخض عنها ضروبًا جديدة ومتقطعة عبر التطورية. لكن في الحالة التي يكون فيها الكائن البشري مالكًا لذكاء تحليلي ينظر من الخارج[49]، فكيف يتسنى له أن يعرف ماهية الحياة من الداخل؟ يجيب برغسون بأنه في داخل ذكاء الإنسان توجد مخلفات أو بالأحرى بقايا حية من الغريزة. وعليه ستسمح له هذه البقايا من ملامسة منبع الحياة المُبدع -ولو بصورة جزئية-، ووفق منظور برغسون، تكون الغريزة والذكاء نزعتان (Tendances) متأصّلتان في الديمومة المحضة (Pure durée) بعدّهما سريانًا للزمن الحي، لهذا يستقر في كل كائن بشري كمية أو مقدار من الغريزة يُبقيه على مقربة من الاندفاعة الحيوية الأصلانية، ومن خلال هذا التقارب يُخلق الحدس، بعدّه طريقتنا في حذق الحياة من الأعماق وليس عن طريق الصور الثابتة المُحصلة عنها[50].
عملية إسناد وظيفة الحدس
يعمد برغسون في هذه الخطوة الرابعة إلى عملية إسناد وظيفة الحدس، باعتباره جُهدًا يُرجع تعالق المعرفة بالاندفاعية المُبدعة بغية تجاوز العقبات الميتافيزيقية المتوارثة، ويقترح في المقابل من ذلك، تصورًا يعمد إلى خلق وحدة بين الديمومة الحيوية والتقطع التطوري عن طريق مفهوم الخلق. كما يُعيد الرابطة العلائقية بين الذكاء والغريزة والحدس، بحيث يحصر الذكاء بحدود ميدانه الوظيفي، بينما يجعل من الحدس همزة وصل بالحياة في منبعها، فتتجلى المعرفة الحقانية بعدّه تطابقًا للصيرورة، وبهذه البنية يتجاوز عن مأزق الثنائية، ويؤطَّر العقل الوسائلي/ الأداتي بحدوده دون إقصاء دوره[51].
منبعا الأخلاق والدين
يُعدّ كتاب هنري برغسون
منبعا الأخلاق والدين استمرارًا لتطور أفكاره التي عرضها في كتابه
التطور المُبدع، كما يعدّ هذا الكتاب بيانًا للعلاقة الجامعة بين الأخلاق والدين، بحكم أن النداءات التي يوجهها الإنسان هي حقيقة مشتركة بينهما، فهما يتلاحمان في المصدر والغاية[52]. ويُقر برغسون بأن هناك مصدرين تنبجس منهما الأخلاق والدين، ويبدأ مشروع كتابه بالحديث عن الخلط المحتمل بين نمطين من الأخلاق حينما يحاول تحديد مفهوم الأخلاق أو الإلزام الأخلاقي، لهذا ينبغي فرز هذين النمطين من الأخلاق؛ فهناك أخلاق مُغلقة يكون في المقابل منها دين ساكن، ويُعدّ لكلٍ من الأخلاق والدين الدور المركزي في تماسكية المجتمع؛ لأن الكائن البشري بحكم طبيعته لا يُمكنه العيش منعزلًا بمفرده، فهو يحتاج إلى الجماعة.
يقارن برغسون بين مجتمعات بعض الحشرات مثل النحل أو النمل بالمجتمعات الإنسانية، مؤكدًا أن مجتمعات الحشرات متحدة بصورة متينة وتخضع لانضباط شديد، إلا أنها مجتمعات جامدة، وهناك تشابه بين المجتمعات المُغلقة عند البشر وخلايا النحل؛ إذ تقوم على مجموعة من الأفراد، وتلتزم بزمرة مبادئ وعادات تحدد لها مسيرة وحدتها وكينونتها، وهذا الإلزام هو أساسه ضرب من الغريزة الاجتماعية[53].
وبذلك، فإن الأخلاق المغلقة (La morale close) تُعنى أساسًا ببقاء المجتمع الفردي، ولا وجود لصراع بين الأنا الفردية والأنا الجماعية إلا في حالات خاصة فقط، همّها الأساسي المحافظة على العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية، كما أنها تصلح لمجتمع دون غيره، والتلاحم الاجتماعي فيها هو ديدن هذه الأخلاق ويرتكز على ضرورة الدفاع عن وجود هذا المجتمع[54]. بينما يقوم الدين الساكن (La religion statique)، الذي يصفه برغسون بالقول: "إذا نظرنا إلى ما كانت عليه الأديان في السابق، وإلى ما يزال عليه بعضها حتى الآن، رأينا مشهدًا يخجل العقل الإنساني، ونسيجًا من الضلالات [...] فقد رأينا الدين ينفي الأخلاق ويوجب الجرائم، وكلما كان فجًا كان مجاله المادي في حياة الشعب أوسع، فاستأثر لنفسه بما سيشاركه فيه العلم والفن والفلسفة فيما بعد. فما أعجب ما فعلوا حين سموا الانسان ’الكائن العاقل‘"[55]. ويُمكن تفسير ذلك بسعي الإنسان إلى تعليق آماله وأمانيه على التفسيرات السحرية والأسطورية والإيمان بالخرافة، إذ يوجد تفسيرات على هذه الشاكلة للمشكلات التي تعترض حياته، لذلك تعلق الدين تاريخيًّا بالأسطورة والخرافة، وسعي من الإنسان وحاجة عميقة في روحه لإيجاد المعنى[56].
وفي مقابل ما سبق ذكره، يبسط برغسون ضربًا ثانيًا من الأخلاق والدين يدعوها بـ "الأخلاق المنفتحة" (La morale ouverte)؛ و"الدين المتحرك (الديناميكي)" (La religion dynamique)، وبغيتهما السير نحو التقدم والإبداع، ولا يستقر هدفهما فقط في مجرد ضمان تماسكية المجتمع؛ فالأخلاق المنفتحة يمثلها القديسون والشخصيات العظيمة الاستثنائية والأبطال، وهي أخلاق إنسانية وشخصية، وهي في جوهرها طريق للتقدم والخلق المستمر، وتُحيط بعالم الحياة برمته في إطار المحبة وتهب الفرد الشعور الخالص بالحرية وتتطابق في عمقها مع مبدأ الحياة في حد ذاته، ومصدر هذه الأخلاق الحميم هو العاطفة الانفعالية العميقة، وهذا الانفعال عبارة عن عاطفة تشتعل في أعماق الروح وتُثيرها فينا الموسيقى[57].
أما الدين المفتوح والحركي فمنبعه الحقيقي هو في وثبته المبدعة للحياة لهذا يمكن اعتباره دين فوق عقلي يوجد عند كبار المتصوفة ورجال الدين والأنبياء والرسل الذين تجبل حياتهم التصاعد، وهم في هذه الحالة يتعالقون مع المدد الإلهي ويمنحون صورة للفردية لا يمكن فهمها بوسائط المعرفة الطبيعية العادية ولا حتى بتعاليم عقلية نظرية[58]. وبذلك يجعل برغسون هذا النوع من الدين متوجهًا نحو كبار
المتصوفة من المسيحيين {{المتصوفة المسيحيون: (Les mystiques chrétiens) هو تيار روحاني مسيحي، يُركز أساسًا على التجربة المباشرة عن طريق الاتحاد بالإله عبر الصلاة والزهد والمحبة الإلهية.}} الذين يتجهون بدورهم نحو جذرهم ونموذجهم الأعلى الذي ينعته مرارًا بـالمتصوف الأعلى أو المسيح الإنجيلي (Le Christ évangélique)[59]. وهذا المتصوف المسيحي تبدأ تجربته الدينية من الحب الصوفي (L’amour mystique) أو اندفاعه الحب (L’élan d’amour) الذي يسكنه، ولا يتمظهر هذا الحب في العلاقة التي يقيمها الفرد مع الإله وحده، بقدر ما تعني إقامة علاقة حب بالإله لجميع البشر، وبذلك يمتلك هذا المتصوف منزلة بالنسبة إلى الإله وإلى جميع البشر، ويعترض برغسون على أولئك الذين يُدنون من قيمة التصوف، وينعتونهم بالمرض العقلي والجنون، ويُبطل ادعاءاتهم على أساس أنه يُمكن التسليم بهذا المرض العقلي أو الشذوذ في أوساط المتصوفة، بشرط ألا تتوفر عند هؤلاء أرقى نماذج من النشاط البشري وأسماها، بحكم أن العقول التي كان يمتلكها أمثال هؤلاء إن هي إلا مرتكزات بالنسبة لكل البشرية وتجارب عظيمة تتصدى لكل الانحرافات التي تمخضت عنها[60].
حضوره وتأثيره في الفلسفة الغربية المعاصرة
كان للفيلسوف برغسون حضور قوي في وقته، وما يزال في الفلسفة الغربية المعاصرة، برغم بعض التراجع الذي عرفته فلسفته مع ظهور النزعة الوجودية في فرنسا، وشهرتها الكبيرة آنذاك. ولعل أبرز حضور مثلته الفلسفة البرغسونية تجسد أكثر مع الفيلسوف جيل دولوز من خلال قراءته التأسيسية التي وضعها في كتابه
البرغسونية، إذ أسهم في نحت مفاهيمه بالاستعانة ببرغسون، مثل: مفهوم التعددية النوعية، والافتراضي والفعلي، ونقد المشكلات الزائفة[61]، إضافة إلى طريقة تمثله للاختلاف ولزمانية الصورة في كتابيه
السينما
1:
الصورة-الحركة
(Cinéma 1: L’image-mouvement) (1983)؛ والسينما
2:
الصورة-الزمن
(Cinéma 2: L’image-temps) (1985)، بينما يتقاطع غلبير سيمندون (Gilbert Simondon، 1924–1989) في نظريته حول التفريد (Théorie de l’individuation) مع برغسون في قوله بالتشكل المتدرج ما قبل الفردي داخل سياق المتحول، وبهذا أصبحت الفلسفة البرغسونية ركيزة أساسية للميتافيزيقا القارية المعاصرة، والتي ترى في الواقع سريانًا خلَّاقًا وليس مجرد بنية ستاتيكية/ ساكنة (Structure statique)، كما كان لبرغسون أيضًا حضور لدى تيارات الفلسفة الواقعية الجديدة والماديات الجديدة (Nouveaux matérialismes) التي استعارات من الفيلسوف برغسون مفهوم الافتراضي باعتباره ميدان إمكان إيجابي[62].
كما كان للفيلسوف برغسون تأثير واضح على الفينومينولوجي الألماني إدموند هوسرل وذلك عن طريق جعل الديمومة باعتبارها زمنًا معيشًا (Gelebte Zeit) أساسًا لتحليل الوعي، وهو ما حفز الفلسفة الظاهراتية لدى هوسرل بجعلها قادرة على صياغة وصفٍ دقيق لتدفق الخبرة. فالفكرة التي يقول فيها برغسون بأن الحاضر يحمل في طياته أثر الماضي في مكنونه الداخلي قد مهدت لما سيصيغه هوسرل لاحقًا بنية وعي متعلقة بالزمن (Struktur des Zeitbewusstseins)، أي انطباع آني يتبعه احتفاظ بالماضي القريب وينحو إلى تطلع ما هو قادم (المستقبل)، كما يلتقي الفيلسوفان هوسرل وبرغسون في عملية نقد تمكين الزمان وذلك عبر تحويره إلى مكان ثابت، مثبتين بذلك طابعه السيروري، ومع ذلك يختلف الفيلسوفان من الناحية المنهجية، فبرغسون يُنادي بحدسٍ ميتافيزيقي يسلك طريقه إلى الديمومة من داخلها، بينما يُصرّ هوسرل على نعت [إبستمي-قصدي] (Erkenntnistheoretisch-intentional) لبنى التجربة من غير أي التزامات ميتافيزيقية، وهذا التكافؤ مع الاختلاف تُؤكده أبحاث معاصرة قارنت بين الفيلسوفين في ما يتعلق بمسألة الزمان والذاكرة، بالإضافة إلى تدفقية الوعي[63].
كما كان لكتاب برغسون
منبعا الأخلاق والدين تأثير كبير في ما طرحه من أفكار حول الأخلاق المغلقة والدين الساكن في مقابل الأخلاق المفتوحة والدين الحركي الذين ينفتحان على الإنسانية برمتها، ويقوم على العواطف المُبدعة، وبذلك دخلت هذه المفاهيم القاموس السياسي المعاصر[64]، وأعيد بفضل هذا الكتاب التفكير في الكونية وقضايا السلم العالمي واحترام التباين والاختلاف الثقافي، واسترجعت البرغسونية في
أخلاقيات التعاطف {{أخلاقيات التعاطف: (Éthique de l’empathie) هي عبارة عن مقاربة فلسفية في الأخلاقيات المعاصرة، تعمد إلى تأسيس الحكم والعمل الأخلاقي على فهم تواشجي يجمع مشاعر ورؤى الآخرين.}} كما تجلت مفاهيمه في
فلسفة الدين {{فلسفة الدين: فرع من فروع الفلسفة المعاصرة، يُعنى بدراسة أصول الدين والتدين وماهيته ومفاهيمه الأساسية كالمقدس والخير والشر والإيمان والوحي.}} وعلم الاجتماع الديني {{علم الاجتماع الديني: فرع من فروع علم الاجتماع الحديث، يُعنى بدراسة الدين بعدّه ظاهرة سوسيولوجية.}}، والنقاشات الدائرة حول
المُقدّس {{المُقدّس: (Le sacré) هو شعور الوجل والرهبة والتبجيل الذي يُنظر إليه في الثقافات والأديان بعدّها تجاوزًا وتعاليًا عن المألوف.}} والسوسيولوجيا التاريخية {{السوسيولوجيا التاريخية: (Sociologie historique) فرع من فروع علم الاجتماع، يُعنى بدراسة أصل نشوء البنيات السوسيولوجية وبحثها، وتحوّرها عبر الزمن، بالاستعانة بتحليل التواشجات القائمة بين شتى الأحداث السياسية والتاريخية والثقافية وغيرها.}} وعلاقتها بالدين عند عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم[65].
المراجع
العربية
إبراهيم، زكريا.
برغسون. سلسلة نوابغ الفكر الغربي. القاهرة: دار المعارف بمصر، 1968.
________.
كانت أو الفلسفة النقدية. ط 2. القاهرة: دار مصر للطباعة، 1972.
البحري، خالد. الخلق والقيم لدى برغسون أو ما حاجة الله إلينا؟
تبين للدراسات الفكرية والثقافية. مج 3، العدد 11 (شتاء 2015). ص 77-96.
بدوي، عبد الرحمن.
موسوعة الفلسفة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1984.
برغسون، هنري.
منبعا الأخلاق والدين. ترجمة سامي الدروبي وعبد الله عبد المنعم. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1971.
________.
التطور المبدع. ترجمة جمیل صلیبا. بیروت: اللجنة اللبنانیة لترجمة الروائع، 1981.
________.
بحث في المعطيات المباشرة للوعي. ترجمة الحسين الزاوي. مراجعة جورج كتورة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009.
بوحناش، نورة.
إشكالية القيم في فلسفة برغسون. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الجزائر: منشورات الاختلاف؛ الإمارات: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، 2010.
بوشنسكي، إ. م.
الفلسفة المعاصرة في أوروبا. ترجمة عزّت قرني. سلسلة عالم المعرفة 165. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1992.
حنفي، حسن.
برجسون:
فيلسوف الحياة. وندسور: مؤسسة هنداوي، 2025.
دولوز، جيل.
البرغسونية. ترجمة أسامة الحاج. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1997.
________.
الاختلاف والتكرار. ترجمة وفاء شعبان. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013.
علي، إبراهيم التومي. "مصادر القيم الدينية والأخلاقية عند برغسون".
مجلة كليات التربية. العدد 5 (تموز/ يوليو 2016).
الموساوي، إسماعيل. "الدين السكوني والدين الحركي عند هنري برغسون (Henri Bergson (1859-1941". مؤسسة مؤمنون بلا حدود. 23/10/2017. في:
https://acr.ps/1L9BPy9
الأجنبية
Bergson, Henri.
Creative Evolution. Arthur Mitchell (trans.). New York: Henry Holt & Company, 1911.
________.
Creative Evolution, Arthur Mitchell (trans.). New York: Henry Holt & Company, 1911.
________.
An Introduction to Metaphysics. T. E. Hulme (trans.). New York/ London: G. P. Putnam’s Sons, 1912.
________.
Essai sur les données immédiates de la conscience. Paris: Librairie Félix Alcan, 1921.
________.
Matière et mémoire. Paris: Les Presses universitaires de France, 1965.
________.
La Pensée et le mouvant: Essais et conferences. Paris: Les Presses universitaires de France, 1969.
________.
Essai sur les données immédiates de la conscience. Paris: Presses Universitaires de France, 1970.
________.
Matter and Memory. Nancy Margaret Paul & Scott Palmer (trans.). 8th ed. New York: Zone Books, 2005 [1911]).
________.
L’évolution créatrice. e-book edition, Les Échos du Maquis, 2013.
“Bergson, Henri Louis.” Complete Dictionary of Scientific Biography.
Encyclopedia.com. at:
https://www.encyclopedia.com/people/philosophy-and-religion/philosophy-biographies/henri-bergson
Dematteis, Philip. "Bergson, Henri (18 October 1859 – 4 January 1941)."
Encyclopedia.com. at:
https://www.encyclopedia.com/arts/culture-magazines/bergson-henri-18-october-1859-4-january-1941
Demmin, Herbert Samuel. "A Phenomenological Theory of Occurrent Thought and Husserl’s Intentionality."
Husserl Studies. vol. 41 (2025).
Ejike, Asadu Martin & N. U. Asogwa. “Henry Bergson's Theory of Duration: A Critical Review.”
Nigerian Journal of Philosophy Studies. vol. 3, no. 2 (2024).
Gunn, John Alexander. "Bergson and His Philosophy." gutenberg.org. 1/5/2004. at:
https://www.gutenberg.org/cache/epub/5717/pg5717-images.html
Herring, Emily. “Philosopher of Change: How Henri Bergson’s Radical View of Reality Came to Be.” Literary Hub. 29/10/2024. at:
https://lithub.com/philosopher-of-change-how-henri-bergsons-radical-view-of-reality-came-to-be
Jacobs, Joseph & Goodman Lipkind. “Bergson, Michael.”
Jewish Encyclopedia. at:
https://www.jewishencyclopedia.com/articles/3070-bergson-michael
Kant, Immanuel.
Critique de la raison pure. Jean Tremesaygues & Bernard Pacaud (trans.). 6th ed. Paris: Presses Universitaires de France, 1968.
Kelly, Michael (ed.).
Bergson and Phenomenology. London: Palgrave Macmillan, 2010.
Kleinherenbrink, Arjen. “Time, Duration and Freedom - Bergson’s Critical Move Against Kant.”
Diametros. no. 39 (2014).
Lapoujade, David. "Intuition et sympathie chez Bergson."
Eidos: Revista de Filosofía de la Universidad del Norte. no. 9 (2008).
Lefebvre, Alexandre & Melanie White (eds.).
Bergson, Politics, and Religion. Durham/ London: Duke University Press, 2012.
Outreach, Nobel Prize. "The Nobel Prize in Literature 1927: Henri Bergson." NobelPrize.org. at:
https://www.nobelprize.org/prizes/literature/1927/bergson/facts
Piatti, Giulio. “The life and the crystal. Paths into the virtual in Bergson, Simondon and Deleuze.”
La Deleuziana. no. 3 (2016).
Reyes, Raniel. "Deleuze’s Bergsonism: Multiplicity, Intuition, and the Virtual."
Kritike: An Online Journal of Philosophy. vol. 10, no. 2 (2016).
Seung, Park Dae. "Two different kinds of multiplicity in Bergson: The multiplicity of conscious states and the multiplicity of material object." [Paper presentation]. 3rd BESETO Conference of Philosophy. University of Tokyo (February 2009).
Sinclair, Mark. "Bergson."
Routledge Philosophers. Abingdon/ New York: Routledge, 2019.
________. “Boutroux and Bergson on Freedom and Contingency.” Oxford Handbook of Modern French Philosophy. 2021. at:
https://www.academia.edu/42919088/Boutroux_and_Bergson_on_Freedom_and_Contingency
Solomon, Robert. “Henri Bergson.”
Stanford Encyclopedia of Philosophy. 18/5/2004. at:
https://plato.stanford.edu/entries/bergson
Stenner, Paul. “The Risky Truth of Fabulation: Deleuze, Bergson and Durkheim on the becomings of religion and art.”
Annual Review of Critical Psychology. no. 14 (2018).
Vieillard-Baron, Jean-Louis.
Bergson. Que sais-je? 3rd ed. Paris: Presses Universitaires de France, 2007.
[1] عبد الرحمن بدوي،
موسوعة الفلسفة، ج 1 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1984)، ص 321.
[2] Nobel Prize Outreach, "The Nobel Prize in Literature 1927: Henri Bergson," NobelPrize.org, accessed on 18/10/2025, at:
https://www.nobelprize.org/prizes/literature/1927/bergson/facts
[3] Robert Solomon, “Henri Bergson,”
Stanford Encyclopedia of Philosophy, 18/5/2004, accessed on 19/9/2025, at:
https://plato.stanford.edu/entries/bergson
[4] Philip Dematteis, "Bergson, Henri (18 October 1859 – 4 January 1941),"
Encyclopedia.com, accessed on 20/10/2025, at:
https://www.encyclopedia.com/arts/culture-magazines/bergson-henri-18-october-1859-4-january-1941
[5] Joseph Jacobs & Goodman Lipkind, “Bergson, Michael,”
Jewish Encyclopedia, accessed on 21/08/2025, at:
https://www.jewishencyclopedia.com/articles/3070-bergson-michael
[6] Emily Herring, “Philosopher of Change: How Henri Bergson’s Radical View of Reality Came to Be,” Literary Hub, 29/10/2024, accessed on 10/10/2025, at:
https://lithub.com/philosopher-of-change-how-henri-bergsons-radical-view-of-reality-came-to-be
[7] Mark Sinclair, "Bergson,"
Routledge Philosophers (Abingdon/ New York: Routledge, 2019), chap. 1, p. 1. accessed on 21/08/2025, via Academia.edu, at:
https://www.academia.edu/37931496/Bergson_Routledge_Philosophers_Chapter_One_Intellectual_Biography
[8] “Bergson, Henri Louis,” Complete Dictionary of Scientific Biography,
Encyclopedia.com, accessed on 21/08/2025, at:
https://www.encyclopedia.com/people/philosophy-and-religion/philosophy-biographies/henri-bergson
[9] Solomon.
[10] Mark Sinclair, “Boutroux and Bergson on Freedom and Contingency,” Oxford Handbook of Modern French Philosophy, 2021, accessed on 21/08/2025, at:
https://www.academia.edu/42919088/Boutroux_and_Bergson_on_Freedom_and_Contingency
[11] Jean-Louis Vieillard-Baron,
Bergson, Que sais-je? 3rd ed. (Paris: Presses Universitaires de France, 2007), pp. 7-8.
[12] John Alexander Gunn, "Bergson and His Philosophy," Alexander Mair (Preface), gutenberg.org, 1/5/2004, accessed on 10/9/2025, at:
https://www.gutenberg.org/cache/epub/5717/pg5717-images.html
[13] Vieillard-Baron,
Bergson, p. 8.
[14] Sinclair, "Bergson".
[15] Vieillard-Baron,
Bergson, p. 14.
[16] Henri Bergson,
Essai sur les données immédiates de la conscience (Paris: Librairie Félix Alcan, 1921), p. 92.
[17] Herbert Samuel Demmin, "A Phenomenological Theory of Occurrent Thought and Husserl’s Intentionality,"
Husserl Studies, vol. 41 (2025), pp. 197-198.
[18] يُنظر: جيل دولوز،
البرغسونية، ترجمة أسامة الحاج (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1997).
[19] يُنظر: جيل دولوز،
الاختلاف والتكرار، ترجمة وفاء شعبان (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013).
[20] Raniel Reyes, "Deleuze’s Bergsonism: Multiplicity, Intuition, and the Virtual,"
Kritike: An Online Journal of Philosophy, vol. 10, no. 2 (2016), pp. 153-159.
[21] يُنظر:
Arjen Kleinherenbrink, “Time, Duration and Freedom - Bergson’s Critical Move Against Kant,”
Diametros, no. 39 (2014), pp. 203-230.
[22] Park Dae Seung, "Two different kinds of multiplicity in Bergson: The multiplicity of conscious states and the multiplicity of material object," [Paper presentation]. 3rd BESETO Conference of Philosophy, University of Tokyo (February 2009), p. 303.
[23] هنري برغسون،
بحث في المعطيات المباشرة للوعي، ترجمة الحسين الزاوي، مراجعة جورج كتورة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص 35-36.
[24] هنري برغسون،
التطور المبدع، ترجمة جمیل صلیبا (بیروت: اللجنة اللبنانیة لترجمة الروائع، 1981)، ص 10.
[25] Henri Bergson,
La Pensée et le mouvant: Essais et conférences (Paris: Les Presses universitaires de France, 1969), p. 93.
[26] Asadu Martin Ejike & N. U. Asogwa, “Henry Bergson's Theory of Duration: A Critical Review,”
Nigerian Journal of Philosophy Studies, vol. 3, no. 2 (2024), p. 119.
[27] زكريا إبراهيم،
كانت أو الفلسفة النقدية، ط 2 (القاهرة: دار مصر للطباعة، 1972)، ص 14.
[28] Immanuel Kant,
Critique de la raison pure, Jean Tremesaygues & Bernard Pacaud (trans.), 6th ed. (Paris: Presses Universitaires de France, 1968), p. 18.
[29] Bergson,
La Pensée, p. 20.
[30] Henri Bergson,
An Introduction to Metaphysics, T. E. Hulme (trans.) (New York/ London: G. P. Putnam’s Sons, 1912), pp. 45-47.
[31] David Lapoujade, "Intuition et sympathie chez Bergson,"
Eidos: Revista de Filosofía de la Universidad del Norte, no. 9 (2008), pp. 11-12.
[32] Henri Bergson,
Essai sur les données immédiates de la conscience (Paris: Presses Universitaires de France, 1970), p. 102.
[33] Henri Bergson,
Matière et mémoire (Paris: Les Presses universitaires de France, 1965), p. 203.
[34] Henri Bergson,
L’évolution créatrice (e-book edition, Les Échos du Maquis, 2013), p. 78.
[35] Henri Bergson,
Creative Evolution, Arthur Mitchell (trans.) (New York: Henry Holt & Company, 1911), p. 345.
[36] حسن حنفي،
برجسون:
فيلسوف الحياة (وندسور: مؤسسة هنداوي، 2025)، ص 169.
[37] Henri Bergson,
Matter and Memory, Nancy Margaret Paul & Scott Palmer (trans.), 8th ed. (New York: Zone Books, 2005 [1911]), pp. 9-10.
[38] Ibid., pp. 37-38.
[39] ينعته في كتابه
الذاكرة المادة بـ "الفقر الضروري للإدراك" (la pauvreté nécessaire de la perception).
[40] Ibid., pp. 208-209.
[41] Bergson,
Matière et mémoire, p. 70.
[42] Ibid., pp. 145-146.
[43] Henri Bergson,
Creative Evolution, Arthur Mitchell (trans.) (New York: Henry Holt & Company, 1911), p. 195.
[44] Ibid., pp. 45-47.
[45] Ibid., p. 136.
[46] Ibid., pp. 113-115.
[47] Ibid., pp. 140-141.
[48] Ibid., p. 30.
[49] Ibid., p. 152.
[50] Ibid., pp. 178-179.
[51] Ibid., pp. 344-345.
[52] نورة بوحناش،
إشكالية القيم في فلسفة برغسون (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الجزائر: منشورات الاختلاف؛ الإمارات: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، 2010)، ص 267.
[53] زكريا إبراهيم،
برجسون، سلسلة نوابغ الفكر الغربي (القاهرة: دار المعارف، 1968)، ص 188-189.
[54] إبراهيم التومي علي، "مصادر القيم الدينية والأخلاقية عند برغسون"،
مجلة كليات التربية، العدد 5 (يوليو 2016)، ص 104.
[55] هنري برغسون،
منبعا الأخلاق والدين، ترجمة سامي الدروبي وعبد الله عبد المنعم (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1971)، ص 113.
[56] إسماعيل الموساوي، "الدين السكوني والدين الحركي عند هنري برغسون (Henri Bergson (1859-1941"، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 23/10/2017، شوهد في 18/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPy9
[57] إ. م. بوشنسكي،
الفلسفة المعاصرة في أوروبا، ترجمة عزّت قرني، سلسلة عالم المعرفة، العدد 165 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1992)، ص 154.
[58] بوحناش،
إشكالية القيم في فلسفة برغسون، ص 271.
[59] خالد البحري، "الخلق والقيم لدى برغسون أو ما حاجة الله إلينا؟"،
تبين للدراسات الفكرية والثقافية، مج 3، العدد 11 (شتاء 2015)، ص 86.
[60] إبراهيم،
برغسون، ص 203.
[61] Reyes, "Deleuze’s Bergsonism," p. 156.
[62] Giulio Piatti, “The life and the crystal. Paths into the virtual in Bergson, Simondon and Deleuze,”
La Deleuziana, no. 3 (2016), pp. 51-57.
[63] Dan Zahavi, "Life, Thinking and Phenomenology in the Early Bergson," in: Michael Kelly (ed.),
Bergson and Phenomenology (London: Palgrave Macmillan, 2010), p. 119.
[64] Alexandre Lefebvre & Melanie White (eds.),
Bergson, Politics, and Religion (Durham/ London: Duke University Press, 2012), pp. 3-4.
[65] Paul Stenner, “The Risky Truth of Fabulation: Deleuze, Bergson and Durkheim on the becomings of religion and art,”
Annual Review of Critical Psychology, no. 14 (2018), pp. 179-180.