تسجيل الدخول

مهدي المنجرة

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الاسم

مهدي المنجرة

الميلاد

13 آذار/ مارس 1933

مكان الميلاد

الرباط، المغرب

الوفاة

13 حزيران/ يونيو 2014

مكان الوفاة

الرباط، المغرب

الجنسية

مغربي

المهنة

عالم مستقبليات، اقتصادي، عالم اجتماع، أستاذ جامعي

مجالات الاهتمام

  • دراسات المستقبل
  • العلاقات الدولية
  • فكر التنمية
  • التنوع الثقافي

التعليم

  • جامعة كورنيل (العلوم السياسية)
  • كلية لندن للاقتصاد (دكتوراه، 1957)

المؤسسات

اليونسكو، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، جامعة محمد الخامس بالرباط

أبرز المناصب

· مساعد المدير العام لليونسكو

· المدير العام للهيئة المغربية للإذاعة والتلفزيون (RTM)

· رئيس الاتحاد العالمي لدراسات المستقبل (1977-1981)

· رئيس جمعية فوتوريبل إنترناشيونال (1981-1990)

أبرز الأفكار

استعادة المستقبل، الحرب الحضارية، نزع الاستعمار الثقافي، الإمبريالية الكبرى، قيمة القيم

أبرز المؤلفات

· منظومة الأمم المتحدة: تحليل (1973)

· الحرب الحضارية الأولى (1991)

· الإذلال في عصر الإمبريالية الكبرى (2003)، قيمة القيم (2006)

الجوائز

· ضابط وسام الفنون والآداب الفرنسي (1985)

· وسام الشمس المشرقة الياباني (1986)


الموجز

مهدي المنجرة (1933-2014)، عالم مستقبليات واقتصاد واجتماع مغربي، تندرج أعماله في سياق دراسات المستقبل، وفكر التنمية، والنقد الثقافي من منظور الجنوب العالمي. أسهم تكوينه العابر للحدود، وعمله في المؤسسات المغربية والدولية في بلورة رؤيته النقدية للحوكمة العالمية والتفاوتات بين الشمال والجنوب.

ومن أبرز إسهاماته الدعوة إلى "استعادة المستقبل" من خلال بناء قدرات استشرافية مستقلة في أفريقيا، والجنوب العالمي، ونظريته بشأن الثقافة والتنوع الثقافي، و"تحرير الثقافة من الاستعمار"، باعتبارها عناصر أساسية للتنمية في مرحلة ما بعد الاستعمار، ومفهومه عن "حرب الحضارات"، الذي استخدمه للدفاع عن الحداثة التعددية. كما قدم تأملات مبكّرة بشأن حرب المعلومات، و"الإمبريالية الكبرى"، ونظام الإذلال. كما نقد التنمية القائمة على المساعدات، والعولمة النيوليبرالية، ودافع عن التعاون بين بلدان الجنوب، والمستقبل الإسلامي. وبذلك تشكّل أعمال المنجرة نقدًا معياريًا موجهًا نحو مستقبل النظام العالمي المعاصر من منظور الجنوب.

سيرة المنجرة وتكوينه

نشأته وتعليمه

وُلد مهدي المنجرة في الرباط في 13 آذار/ مارس 1933، في عائلة حضرية بارزة، في فترة كان فيها المغرب تحت الحماية الفرنسية. وتلقّى تعليمه المبكر في مدارس النظام التعليمي الفرنسي، ثم التحق بثانوية ليوتي (Lycée Lyautey) في الدار البيضاء عام 1944، حيث أكمل دراسته الثانوية في عام 1948. وعقب ذلك بوقت قصير، انتقل إلى الولايات المتحدة، حيث درس في مدرسة بوتني (Putney School in Vermont) بولاية فيرمونت، في الفترة الممتدة بين عامي 1948 و 1950، وهي مدرسة ثانوية تجريبية معروفة بنظامها التربوي التقدمي، وقد وصف المنجرة لاحقاً تجربته فيها بأنها أسهمت في تشكيل نظرته إلى النماذج البديلة للتعليم والتنظيم الاجتماعي. وبين عامي 1950 و 1954، درس في جامعة كورنيل (Cornell University) الأميركية، حيث تخصص في العلوم السياسية، وتعرّف إلى النقاشات الأميركية بشأن العلاقات الدولية والتنمية في أوائل حقبة الحرب الباردة. وأسهمت دراسته الجامعية في العلوم السياسية الأميركية، إلى جانب تجربته بوصفه طالبًا من بلد خاضع للاستعمار، في بلورة موقفه النقدي من سياسات القوى العظمى والمنظمات الدولية؛ وهو موقف برز لاحقًا في أعماله حول الأمم المتحدة والتنمية والنظام العالمي[1].

وفي عام 1954، انتقل إلى لندن لمتابعة دراساته العليا في كلية لندن للاقتصاد (London School of Economics)، حيث تخصص في العلاقات الدولية والعلوم السياسية. وأنجز عام 1957 أطروحته للدكتوراه، التي حملت عنوان جامعة الدول العربية، وتناول فيها التصميم المؤسسي والحدود السياسية للنظام الإقليمي العربي في أعقاب الحرب العالمية الثانية[2]. وركّزت أطروحته للدكتوراه على منظمة حكومية دولية ناشئة في الجنوب العالمي، وهو اهتمام مبكر اتصل بانشغاله اللاحق بالمؤسسات الدولية والتعاون الإقليمي والقيود الهيكلية التي تواجه بلدان ما بعد الاستعمار[3].

المسيرة المهنية والأدوار المؤسسية

عقب الانتهاء من دراسته، عاد المنجرة إلى المغرب الذي حصل على استقلاله حديثًا في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، ودخل الخدمة العامة، في البداية في وزارة الخارجية[4]. ثم شغل منصب المدير العام للهيئة المغربية للإذاعة والتلفزيون (RTM)، ومستشار البعثة المغربية لدى الأمم المتحدة، وهي مناصب وضعته في مفترق طرق بين الدبلوماسية الوطنية، والاتصال الجماهيري، ومنظومة الأمم المتحدة الناشئة[5].

وفي عام 1961، انضم المنجرة إلى اليونسكو في باريس، حيث شغل مناصب عليا حتى أوائل ثمانينيات القرن العشرين، حيث شغل بدايةً منصب رئيس قسم أفريقيا (1961-1963)، ثم مدير المكتب التنفيذي للمدير العام (1963-1966)، ثم مساعد المدير العام للعلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية والثقافة (1966-1969). وفي أوائل السبعينيات، أصبح مساعد المدير العام للبرمجة والدراسات المستقبلية (1971-1976)، وهو المنصب الذي أضفى الطابع المؤسسي على الدراسات المستقبلية داخل اليونسكو، وربط العمل على السيناريوهات طويلة الأجل بالتخطيط البرمجي للتعليم والثقافة والعلوم.

خلال هذه الفترة، ألّف المنجرة كتاب منظومة الأمم المتحدة: تحليل، الذي صدر في عام 1973، وهو دراسة نقدية موضوعية لهياكل الأمم المتحدة وأدائها[6]. وقد تناول الكتاب التشرذم المؤسسي للمنظمة، وتفاوت القوى بين الدول الأعضاء، والتهميش الهيكلي للجنوب العالمي، متوقعًا الانتقادات اللاحقة للحكم متعدّد الأطراف، وعدم المساواة بين الشمال والجنوب[7].

ومع منتصف السبعينيات، عمل المنجرة أيضًا مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حيث شغل منصب منسق مؤتمر نيروبي لعام 1980 للتعاون التقني بين البلدان النامية، ومستشار خاص خلال السنة الدولية للمعوقين (1981)[8]. وفي هذه المناصب، روّج المنجرة للتعاون بين بلدان الجنوب، عادًا أن التعاون التقني ينبغي أن يكون وسيلة لتقليل الاعتماد على خبرات الشمال وتقنياته، بدلًا من تعزيزه[9].

وبموازاة مناصبه الدولية، درّس المنجرة في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الخامس في الرباط منذ عام 1958، حيث شغل منصب أستاذ في العلاقات الدولية، ثم في دراسات المستقبل، واستخدم هذه المنصة لتعريف أجيال من الطلاب المغاربة بالأساليب المستقبلية، والاقتصاد السياسي العالمي النقدي.

وكان المنجرة منخرطًا بشكل عميق في المجتمع المدني المغربي. فقد كان رئيسًا مؤسسًا للجمعية المغربية للدراسات المستقبلية، والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، ما يعكس قناعته بأن التفكير المستقبلي والديمقراطية وحقوق الإنسان تعزّز بعضها البعض[10]. كما ساعد في تأسيس الجمعية المغربية-اليابانية، وظل نشطًا في التبادلات الثقافية والفكرية مع اليابان، حيث تُرجمت العديد من كتبه، وعمل أستاذًا زائرًا في جامعة طوكيو في عام 1998، وباحثًا زائرًا في جامعة طوكيو كيزاي (Tokyo Keizai University) في عام 1999[11].

وعلى الصعيد الدولي، كان المنجرة أحد مؤسسي "الاتحاد الدولي لدراسات المستقبل"، الذي شغل منصب رئيسه من 1977 إلى 1981. وشغل منصب رئيس جمعية "فوتوريبل إنترناشيونال"( Futuribles International) في باريس، من 1981 إلى 1990[12]. وكان مرتبطًا بـ "نادي روما" (Club of Rome)، حيث شارك في مناقشاته بشأن الحدود العالمية والتعلم، ثم استقال من قيادته في عام 1988 بسبب خلافه بشأن توجه عمله[13].

مساهمات المنجرة وأفكاره الرئيسة

دراسات المستقبل ومنهجية التوقعات

كان المنجرة من أوائل الباحثين المنتمين إلى الجنوب العالمي الذين احتلوا مكانة مركزية في المجتمع الدولي للدراسات المستقبلية، وأصرّوا على أن التفكير في المستقبل ينبغي أن يعالج التفاوتات الهيكلية بين الشمال والجنوب[14]. وبصفته مساعد المدير العام المسؤول عن دراسات المستقبل في اليونسكو، شجّع المنجرة على تطوير مشاريع استشرافية في مجالات التعليم والثقافة والتغير التكنولوجي، بحجة أنّ منظومة الأمم المتحدة بحاجة إلى قدرات استباقية لتجنب اتخاذ قرارات مدفوعة بالأزمات[15]. وفي عام 1979، شارك المنجرة في تأليف تقرير نادي روما بعنوان لا حدود للتعلم: سد الفجوة البشرية[16]، وحاجج بأنّ المشكلة الرئيسة للبشرية ليست الحدود المادية للنمو، بل في "الفجوة البشرية" بين المعرفة المتاحة وقدرة الأفراد والمؤسسات على التعلم والتكيّف. وشدد التقرير على التعلم الاستباقي والتشاركي بوصفهما شرطين أساسيين لتوجيه المستقبل الجماعي، وهي مقاربة اعتُبرت لاحقًا مقدمةً لتركيز اليونسكو على "محو الأمية في مجال المستقبليات"، أي القدرة على استخدام المستقبل لتوجيه القرارات الحالية[17].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وفي مقالات مثل "استعادة المستقبل: دراسات المستقبل في أفريقيا" (1984)، و"أفريقيّة أفريقيا" (1986)، جادل المنجرة بأن أبحاث المستقبل في أفريقيا لا ينبغي أن تستورد بالجملة من المؤسسات الشمالية، بل يجب أن تنبثق من التجربة التاريخية الأفريقية، ومواردها الثقافية، واحتياجاتها الاستراتيجية[18]. وانتقد تركيز الخبرة المستقبلية في الشمال وميل السيناريوهات العالمية إلى معاملة الجنوب باعتباره كائنًا سلبيًا بدلًا من وكيل لمستقبله[19]. بالنسبة إليه، كان على البلدان النامية أن "تستعيد مستقبلها" من خلال بناء قدراتها المستقبلية الخاصة، وتدريب المخططين، والتعبير عن رؤاها الخاصة[20].

وإن كان من العسير العثور في كتابات المنجرة على نصوص تأسيسية وتأصيلية لـ "علم" المستقبل، في حدّ ذاته (per se)، فلأنّه لم يكن يشتغل بهذا "العلم" لذاته أو لتحديد مجاله وفضائه بقدر ما كان ينطلق من أدواته وآلياته، لاستشراف مستقبل الظواهر المختلفة على آماد زمنية محددة. صاغ المنجرة مفهوم دراسات المستقبل باعتبارها تخصصًا أفقيًا يشمل مختلف القطاعات والمجالات الأكاديمية، وليس تخصصًا عموديًا معزولًا عن السياسة والثقافة اليومية[21]. فمجال دراسات المستقبل (أو علم المستقبليات) هو مجال متعدّد الاختصاصات يبحث في المستقبلات الممكنة والمحتملة والمفضلة باستخدام أدوات مثل السيناريوهات، وتحليل الاتجاهات، والرؤية التشاركية، بغرض توجيه القرارات الحالية[22]. وفي العالم الفرنكوفوني، يركز مفهوم الاستشراف (Prospective) على التفكير المعياري طويل المدى في المستقبل الجماعي، مع دمج الأساليب الكمية والنوعية. ولهذا السبب، فقد كان المنجرة يشدد على أنّ الدراسات المستقبلية تستلزم أن يتّسم تحليل معطيات الواقع واتجاهات الأحداث من جهة، والطريقة المنهجية المتّبعة من جهة أخرى بطابع الدقة والموضوعية. ويتابع للتدقيق: "لكن الغاية من هذه الأداة تكتسي صبغةً معيارية في جوهرها، إذ هي استجلاء للمرامي والأغراض ليس إلا". فجدّة الدراسات المستقبلية تتأتّى هنا -بنظره- من صوغ تلك الأغراض في "إطار ابتكار وإبداع وأنساق قيم اجتماعية ثقافية، وترجمة تلك الأغراض إلى مخطّطٍ عملي، في شكل اختيارات بديلة وسيناريوهات ممكنة"[23].

ويلاحظ المنجرة أنّ تقدّم المناهج والتقنيات في الدراسات المستقبلية أصبح أمرًا واقعًا، ولا مزايدة كبيرة حوله أو بشأنه. بيد أنّه إذا كان ثمة بعض من المبالغات في استعمال بعض هذه المناهج والتقنيات، كالنمذجة الرياضية والإحصائية التطبيقية مثلًا، فإنّ الخطأ "لا يرجع إلى المنهج، بل إلى كيفية استخدامه من دون مراعاة حدوده"[24]. ومع أنّ المنجرة يعترف بأنّ انشغال الدراسات المستقبلية الحثيث بالتحليل الكمي وبالنمذجة، يبقى مرحلةً ضرورية لضبط صلاحيات المؤشرات المعتمدة، وتجسيم الرؤى المحددة، فإنّ ذلك يبقى غير كافٍ إذا لم يُستتبع بتحاليل معمقة تقف عند الذي تحقق، وتقيّم العملية تقييمًا موضوعيًا ودقيقًا، في أفق تقويم مسالكها وتعديل مساراتها. وإذا كان صحيحًا، يلاحظ المنجرة من ناحية ثانية أنّ الدراسات المستقبلية أتت ولا تزال تؤتي أكلها في المجال العسكري للدول الكبرى ومن بين ظهراني الشركات المتعددة الجنسيات، فلأنّ السّر في نجاحها في هذه الحالات يكمن في اتكائها على أهداف محدّدة بدقة، أي على ملامح في التحليل موحدة، وعلى نظام لسلالم القرارات قويّ الهيكلة، فضلًا عن الوفرة الهائلة في الوسائل وتقليص كبير للمراقبة والرقابة السياسيتين، أي أنّ الباحثين يشتغلون بحرية ومن دون مضايقة من أيّ مستوى كان.

وبالمقابل، فإنّ تدنّي سبل نجاح هذه الدراسات غالبًا ما يكون مرتبطًا بتدنّي الأولوية التي تعطى للجوانب النوعية، من قبيل "أولوية مشاركة السكان وتطوير البنيات الذهنية، مع احترامٍ تامّ لنظام القيم القائمة، ولحرية اختيار الأشخاص المعنيين"[25]. وهو النموذج الذي يرى المنجرة أنّ دول العالم الثالث والدول العربية ضمنه لا تزال بعيدةً عنه. ومع ذلك، فهذا لا ينفي -بنظر الباحث- أنّ هذه الدول لا تلجأ إلى الدراسات المستقبلية. بالعكس، فهي تركب ناصيتها بقوة، لكن لأغراض أخرى، بعيدةً تمامًا عن الغايات التي وضعت الدراسات المستقبلية من أجلها. يقول المنجرة بهذا الخصوص: "كثيًرا ما نلجأ حاليًا إلى الدراسات المستقبلية لكون أزمات معيّنة ترغمنا على ذلك. ويتعلق الأمر ذاك بمستقبلية تفاعلية، تقاوم الحاضر بتبرير الماضي، عوضًا عن ابتكار المستقبل. تُطلب النجدة كذلك من الدراسات المستقبلية حينما يصبح الواقع لا يطاق، لتبرير هروب إلى الأمام إخلاءً للحاضر، تلك مستقبلية تحذيرية، قريبة من الديماغوجيا في بعض الأحيان. وتُستعمل الدراسات المستقبلية أيضًا للتأثير في الحركات الفكرية، وذلك بحصر الأولوية لفائدة التصورات المستقبلية، دون أخذ رأي المعنيين بالأمر. في هذه الحالة، نكون أمام مستقبلية الانتهاز على المستوى الوطني، أو مستقبلية الاحتكار على المستوى الدولي"[26].

ويشدّد المنجرة على أن التفكير في المستقبل ينطوي دائمًا على قيم ونظرة إلى العالم، ومن ثمَّ ينبغي أن يكون معياريًا بشكل صريح، ومستندًا إلى الثقافة. ففي منظوره، التظاهر بوجود علم المستقبلات الخالي من القيم لا يؤدي إلا إلى إخفاء علاقات القوة القائمة[27].

وفي السياق الإسلامي، فسّر مقال المنجرة "مستقبل العالم الإسلامي" مفاهيم قرآنية مثل "الغيب والمستقبل"، مجادلًا بأنّ الإسلام يشجع على المسؤولية التطلعية والابتكار (الإبداع) والتفكير القائم على المشاهد المستقبلية[28]، ومميزًا بين الابتكار المحظور (البدعة)، والابتكار الإبداعي (الإبداع)، الذي يمكّن المجتمعات الإسلامية من التكيّف والتخطيط للمستقبل، وخلص إلى أن المستقبل ينبغي أن يُنظر إليه من منظور تعددي، بمعنى "مستقبلات"، بدلًا من مصير واحد محدد سلفًا[29].

التنوع الثقافي والحوار الحضاري

البُعد الثاني الرئيس في أعمال المنجرة يتعلق بالثقافة والهوية والحوار الحضاري. وتجدر الإشارة إلى أنّ مهدي المنجرة لم يتحدّث عن التنوّع الثقافي بوصفه قيمةً ثقافية وحضارية، من المفروض تثمينها والدفاع عنها، ولكن لأنّ مصطلح المستقبلية مشتق بنظره من الكلمة الإغريقية "بروسبيكت" (Prospect)، التي تعني المنظور أو طريقة النظر إلى الشيء. وهذه الطريقة تُحيل صوبًا على عنصر التنوع، "لأنه لا يوجد اثنان ينظران لنفس الشيء بنفس الطريقة، ثم إنّ طريقة النظر ليست عملية موضوعية فقط، بل تتدخّل فيها الثقافة بالضرورة". وإضافةً إلى ذلك، فإنّ الحديث عن المستقبل هو في المحصّلة النهائية حديث عن "المستقبلات"، إذ المستقبل متعدد بالفعل "لأنه مفتوح ويتيح بدائل متعددة، ومن ثمّ فهو بالتعريف متنوع ثقافيا"[30].

وهو يرى أنّ أحد الأخطاء الكبرى التي يرتكبها المدافعون عن القيم الغربية، "إضافةً إلى المطابقة المنهجية بين التحديث والتغريب، يكمن في أنهم وصفوا بالعالمية كلّ قيم ومفاهيم الديموقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والإنصاف والعقلانية والمنهج العلمي والتكنولوجيا وعلم الجمال"[31]. إنّه منطق "الغطرسة الثقافية"، لأنّه لو كان للإنسان مستقبل، فللتنوع الثقافي مستقبل أيضًا. إنّه مكمن القيم التي تُعدّ مفتاحًا من مفاتيح المستقبل. ليس معنى هذا أن يتقوقع المرء خلف التقاليد بتصلّب وتشدّد، لكنّه يجب ألّا يستبعد القيم التقليدية في كل حين: "فإذا كان بعضها متخلفًا، فإن البعض الآخر قابل لأن يكون ذا نفع كبير، وزيادةً على ذلك، فمصطلح قيمة لا يرتبط بالضرورة بالتقليد، إذ إنّ هناك قيمًا كانت بمثابة رد فعل على الماضي"[32].

ليس هذا فحسب، بل إنّ الشعوب "تعلّمت حدسيًا أنه بإمكانها الاعتماد على قيمها الثقافية إذا أرادت التطور وفق طموحاتها. وهذه القيم هي بالطبع قيم متعددة وغير ذات جنس واحد داخل البلد الواحد. فالتعدّد هو الذي يمنح الحركية الثقافية على المستوى الوطني، إذا ما تمّ احترامه على المستوى المحلي. إنّ المجتمع يشتغل على قواعد من أجل حماية التعدد البيولوجي، إلا أنه لا يبدو أنّ هناك اهتمامًا فعليا بتشجيع التعدد الثقافي. إننا نعتقد أنّ هناك مصلحة في حماية الأشياء العارضة والآثار والمواقع، ولكننا لا نرى نفس المصلحة في دراسة أنظمة القيم انطلاقًا من مقاربة غير إثنولوجية"[33]. ويؤكّد المنجرة أنّ الذود عن القيم الثقافية "يمكن أن يفضي إلى نزاعات كردّ فعل على عدوان ثقافي، لكني لا أعتقد مع ذلك أنّ الانقسامات الثقافية تشكل في حد ذاتها مصدرًا للنزاعات. إذ هذه الاختلافات هي من طبيعة تجعلها تغني العالم، من خلال التنوع الثقافي وتجعله قادرًا على الاستمرار في الحياة"[34].

وفي كتاب شمال/ جنوب: مقدمة لما بعد الاستعمار، الذي صدر في عام 1992، جادل بأنّ حقبة ما بعد الاستعمار لا يمكن فهمها من منظور التغيرات العسكرية أو السياسية وحدها، فقد أدت الهيمنة الثقافية وإهمال الأبعاد الثقافية للتنمية إلى فشل العديد من نماذج ما بعد الاستقلال[35]. وأكد في الكتاب أنّ الترتيبات الاقتصادية والسياسية ستظل غير مستقرة طالما لم يستعد الجنوب السيطرة على سردياته وقيمه الثقافية[36].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وقد وسّع المنجرة نطاق هذه المخاوف في كتابه نزع الاستعمار الثقافي: أحد التحديات الكبرى في القرن الحادي والعشرين، الذي صدر في عام 1996، حيث دعا إلى تحرير ثقافي من شأنه أن يكمل المهمة غير المكتملة للتحرر السياسي[37]. وجادل بأن الجنوب لا يزال تابعًا للشمال، ليس على المستوى الاقتصادي فحسب، وإنما أيضًا معرفيًا ورمزيًا، إذ إنّ المناهج الدراسية ووسائل الإعلام والعلوم الاجتماعية تمنح الأفضلية لوجهات نظر الشمال[38].

وفي كتابه الحرب الحضارية الأولى، الذي كُتب في سياق حرب الخليج، وصدر في عام 1991، وصف المنجرة ذلك الصراع بأنه "الحرب الحضارية الأولى"، مشيرًا إلى أنه لم يُخض لأسباب استراتيجية واقتصادية فحسب، بل كان أيضًا مواجهة بين أنظمة القيم والهويات الثقافية[39]. وحذر من أنه ما لم تعترف السياسة العالمية بالتعددية الثقافية وتحترمها، فإن الصراعات اللاحقة ستتخذ على نحو متزايد شكل صراعات حضارية. واستشهد صامويل هنتنغتون لاحقًا بصياغة المنجرة في كتابه صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي، معترفًا بأن الباحث المغربي مهدي المنجرة كان أول من تحدث عن "أول حرب حضارية" فيما يتعلق بصراع الخليج[40].

وفي كتابه اللاحق قيمة القيم، الذي صدر في عام 2006، طور المنجرة فلسفةً للقيم دافع فيها عن فكرة أن الصراعات العالمية هي في تزايد بوصفها صراعات بين أنظمة قيم متنافسة، وأن العلاقة بين الشمال والجنوب لا يمكن أن تكون مستقرةً طالما أن الشمال يرفض احترام قيم الجنوب[41]. وفسّر حرب الخليج والتدخلات التي تلت ذلك، على أنها ليست فقط محاولات لتأمين المصالح الاستراتيجية، بل أيضًا لنزع الشرعية عن القيم غير الغربية، داعيًا بدلًا من ذلك إلى حوار أخلاقي قائم على الاحترام المتبادل والاعتراف[42].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ولذلك، لم يتردّد المنجرة في القول بأنّ نزاعات المستقبل ستكون نزاعات ثقافية وحضارية بامتياز، وهي نزاعات لا يمكن أن تستمر، ولا يمكن أن نخضعها لسيناريو الإصلاح، لأنها مبنيّة على القوة وعلى العنف. وعليه "لم يعد هناك على المدى المتوسط أي حل إلا سيناريو التغيير البنيوي الوظيفي الجذري لمواجهة التحديات الجديدة والتطورات التي يشهدها العالم. وهذه المرحلة هي مرحلة انتقالية ستدوم ما بين 3 أو 5 سنوات، سيحصل بعدها تغيير أساسي لا داخل بلدان العالم الثالث فحسب، بل في علاقات الشمال والجنوب أيضا"[43]. ويتابع القول بأنّ "الحروب أضحت منذ عهد قريب تعكس استكبارًا ثقافيا، وعلينا اليوم أن نستحثّ بإصرار ومصابرة روح التواضع الثقافي، إذ نبذ أي استعلاء حضاري هو المفتاح الصحيح للتعايش السلمي. وبصرف النظر عن المخاطر والصعاب، يمكن أن نقول إنّ الاتصال الثقافي كما يتراءى لذوي النيات الحسنة، من شأنه أن يؤمّن للإنسانية مستقبلًا آمنًا".

مجالات أخرى في فكر المنجرة

التعليم والتعلم و"حضارة المعرفة"

أولى المنجرة اهتمامًا كبيرًا بالتعليم والموارد البشرية. ففي كتابه احتياجات التعلم في عالم متغير، الذي صدر في عام 1986، جادل بأن التغير العلمي والتكنولوجي السريع يتطلب الانتقال من التعلم عن ظهر قلب إلى أشكال من التعليم تنمّي الإبداع والتفكير النقدي والقدرة على التعامل مع عدم اليقين[44]. وتصور "حضارة المعرفة" التي تكون فيها الموارد البشرية وليس الموارد الطبيعية هي الأصل الرئيس للمجتمعات، لكنه حذر من أن ذلك لن يكون ممكنًا إلا إذا أعيد توجيه النظم التعليمية على نحو جذري نحو التعلم التوقّعي مدى الحياة[45].

وأكد المنجرة أنّ الأولويات التكنولوجية والاقتصادية قد تتغير، ولكن القيم الإنسانية الأساسية مثل الكرامة، والعدالة، والتضامن، ينبغي أن تظلّ ثوابت توجيهية في السياسات التعليمية والتنموية[46]. وربط بين غرس هذه القيم، ومنع التفتّت الاجتماعي، وإساءة استخدام العلم والتكنولوجيا[47].

المستقبل الإسلامي والعالم العربي والمسلمون في أوروبا

كان المنجرة أحد أبرز علماء المستقبليات الذين حلّلوا مستقبل الإسلام والعالم العربي والأقليات المسلمة في الغرب. ففي كتابه مستقبل العالم الإسلامي، الذي صدر في عام 1990، وفي مقالات لاحقة، جادل بأن الإسلام إذا فُهم بشكل صحيح هو دينامية حيّة للتغيير، تشجّع التخطيط والابتكار والبصيرة[48]. وشدّد على أن المسلمين ينبغي أن يميزوا بين المواقف القدرية، والفهم الاستباقي للهداية الإلهية التي تدعو إلى العمل المسؤول في التاريخ[49].

وفي تحليله للعالم العربي، شدد على أن المنطقة ليست "سيّدة مصيرها"، مستشهدًا بالتفكك الجيوسياسي والحدود المفروضة من الخارج، والتوزيع غير المتكافئ للدخل، باعتبارها عقبات هيكلية[50]. واقترح سيناريوهات بديلة لمستقبل العرب، تتراوح بين استمرار الاستقرار الاستبدادي، والطرق الإصلاحية، والتحويلية، مجادلًا بأن السيناريوهات القائمة على الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية المحلية هي وحدها التي يمكن أن تُفضي إلى مستقبل مستدام[51].

وفيما يتعلق بالمسلمين في أوروبا، جادل المنجرة في محاضرته عام 2005 بعنوان "ما مستقبل الإسلام في أوروبا؟"، وبعض النصوص ذات الصلة، بأنّ القضية الرئيسة ليست مستقبل الإسلام باعتباره دينًا، الذي اعتبر حيويته الديمغرافية والتاريخية آمنة، بل مستقبل المسلمين في المجتمعات الأوروبية[52]. وسلط الضوء على التباينات الديمغرافية بين سكان أوروبا المتقدمين في السن، والمجتمعات الإسلامية الأصغر سنًا، وحذر من المخاوف المتبادلة والقوالب النمطية، وأصر على أن التعايش السلمي يتطلب احترام قوانين البلد المضيف، والاعتراف بالتعددية الثقافية والدينية[53].

وشدد على دور المرأة، مجادلًا بأنه "لا مستقبل للإسلام من دون مشاركة فعّالة للمرأة"، وانتقد تهميش نصف السكان المسلمين باعتباره سببًا رئيسًا للتخلّف[54].

القيم والأخلاق والإذلال

في أعماله المتأخرة بشأن القيم، طور المنجرة تحليلًا أخلاقيًا ونفسيًا للسياسة العالمية. وجادل بأن الإذلال الذي يُفهم على أنه الإنكار المنهجي للكرامة من خلال الاحتلال، والعقوبات، والمعايير المزدوجة، والازدراء الثقافي، أصبح سمةً أساسية في العلاقات بين الشمال والجنوب[55]. وأكد أن هذا الإذلال يغذي التطرف والصراع، ولا يمكن معالجته من خلال التدابير الاقتصادية أو الأمنية فحسب[56].

بالنسبة إلى المنجرة، ينبغي أن يقوم أيّ نظام عالمي قابل للتطبيق على "قيمة القيم"، وهي الاعتراف بأن الالتزامات الأخلاقية (الاحترام، والمعاملة بالمثل، والعدالة) ليست زخارف اختيارية، بل هي شروط بنيوية للسلام[57]. وانتقد ما اعتبره "حكم الإذلال" على الصعيد العالمي، حيث تتلاعب الدول القوية بالمعلومات والقانون من أجل مصالح قصيرة الأجل، بحجة أن هذا لا يقوّض الجنوب فحسب، بل يقوض شرعية المؤسسات الدولية نفسها[58].

المنشورات الرئيسة لمهدي المنجرة

عبر مسيرته العلمية والفكرية المديدة، ترك المنجرة مؤلفات عديدة بارزة، هذه بعض أهمها:

  1. منظومة الأمم المتحدة: تحليل (The United Nations System: An Analysis) (1973)[59]: دراسة نقدية شاملة للهيكل المؤسسي للأمم المتحدة، وعمليات صنع القرار، وتفاوتات القوة، ترى أن النظام يميل إلى إعادة إنتاج هيمنة القوى الكبرى وتهميش البلدان النامية. وغالبًا ما يُستشهد بهذه الدراسة في المناقشات بشأن إصلاح الأمم المتحدة، ما جعلها ترسّخ سمعة المنجرة بوصفه محللًا ذا بصيرة في مجال الحوكمة العالمية.
  2. لا حدود للتعلم: سد الفجوة البشرية (No limits to learning: bridging the human gap; a report to the Club of Rome) (1979): بالتعاون مع جيمس بوتكين وميرسيا ماليتزا[60]: يعيد تقرير نادي روما توجيه الانتباه من "حدود النمو" المادية إلى "الفجوة البشرية" بين المعرفة المتاحة وقدرتنا على التعلم، ويميز بين "تعلّم الصيانة" (Maintenance Learning)، و"تعلم الصدمة" (Shock Learning)، و"تعلم الابتكار" (Innovative Learning). وقد كان له تأثير كبير في النظرية التربوية ودراسات المستقبل، وكثيرًا ما يُشار إليه باعتباره بيانًا مبكرًا عن التعلم التوقعي التشاركي من أجل التغيير العالمي.
  3. استعادة المستقبل: دراسات المستقبل في أفريقيا (Reclaiming the Future: Futures Studies in Africa) (1984)[61]: في هذه المقالة، يجادل المنجرة بأن أفريقيا ينبغي أن تطور قدراتها البحثية المستقبلية الخاصة بها، بدلًا من استيراد نماذج الشمال، مع التركيز على مواردها الثقافية، والتعاون جنوب-جنوب.
  4. الحرب الحضارية الأولى (Premiere Guerre Civilisationnelle) (1991): ألّف المنجرة هذا الكتاب في أعقاب حرب الخليج، وفسّر فيه هذا الصراع على أنه مواجهة حضارية تنطوي على أبعاد عسكرية واقتصادية ورمزية، وقدم لأول مرة مفهوم "الحرب الحضارية"[62]. وقد جذب هذا الكتاب الانتباه بعد نشره بسنوات قليلة لأن صامويل هنتنغتون اعترف بفضل المنجرة في أطروحته لصدام الحضارات[63].
  5. شمال/جنوب: مقدمة لما بعد الاستعمار (Nord-Sud, prélude à l’ère postcoloniale) (1992): يحلل هذا الكتاب العلاقات بين الشمال والجنوب في بداية فترة ما بعد الحرب الباردة، ويجادل بأن "عصر ما بعد الاستعمار" سيظل ناقصًا طالما استمرت الهيمنة الثقافية وتجاهلت استراتيجيات التنمية الأبعاد الثقافية[64]. وهو نص أساسي لفهم التكامل الذي يقيمه المنجرة بين التنمية، والثقافة، والقوة العالمية.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

  1. التنوع الثقافي: مفتاح البقاء (Cultural Diversity Key to Survival) (1995): نُشر هذا الكتاب تحت رعاية اليونسكو، ودافع فيه المنجرة عن التنوع الثقافي باعتباره ضروريًا لبقاء الإنسان، وأكد أن سياسات التجانس تقوض السلام والإبداع. وكثيرًا ما يُستشهد به في المناقشات بشأن الحقوق الثقافية والعولمة.
  2. الإذلال في عصر الإمبريالية الكبرى (Humiliation à l'ère du méga-impérialisme ) (2003): مجموعة من المقالات التي تحلل النظام العالمي عقب الحرب الباردة باعتباره نظام "إمبريالية كبرى"، تجمع بين القوة العسكرية والضغوط الاقتصادية والإذلال الذي تمارسه وسائل الإعلام على المجتمعات الأضعف[65]. وقد كان لهذا الكتاب تأثير في النقاشات بشأن الأبعاد النفسية والرمزية للهيمنة.

  3. قيمة القيم (Valeur des valeurs) (2006): يطور هذا الكتاب فلسفة القيم التي تركز على فكرة أن الصراعات المعاصرة هي صراعات بشأن أنظمة القيم، وأن السلام العالمي يتطلب الاحترام المتبادل للقيم المتنوعة، خاصة بين الشمال والجنوب[66]. وهو مرجع أساسي لمنظور المنجرة الأخلاقي، وفكره الحضاري.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

إرث مهدي المنجرة وتأثيره اللاحق

يُعدّ مهدي المنجرة أحد رواد المستقبليين في العالم العربي، وفي العالم الإسلامي على نطاق أوسع، وصوتًا رئيسًا في التعبير عن دراسات المستقبل من منظور جنوبي ما بعد الاستعمار[67]. فقد ساهم المنجرة في إضفاء الطابع المؤسسي على المقاربات الاستشرافية داخل اليونسكو، ومنظمات دولية أخرى، وفي توسيع النطاق الجغرافي والثقافي لهذا المجال.

وسلط باحثو المستقبل الإسلامي الضوء على دوره في إثبات أن التفكير المستقبلي له جذور عميقة في المفاهيم الإسلامية للمسؤولية والتغيير والمساءلة، وفي حثّ المجتمعات الإسلامية على تبنّي مقاربات منهجية وتعددية تجاه مستقبلها. وغالبًا ما يُستشهد بإصراره على التعاون بين بلدان الجنوب وضرورة استعادة الجنوب العالمي للمستقبل باعتباره تعبيرًا مبكرًا عما أصبح لاحقًا دعوات أوسع نطاقًا لتحرير المستقبل، وإنتاج المعرفة من الاستعمار[68].

وفي مجال التحليل الثقافي والحضاري، كان مفهومه عن "حرب الحضارات" مؤثرًا ومثيرًا للجدل في آن واحد. ففي حين أن أطروحة هنتنغتون عن "صراع الحضارات" قد شاع استخدامها على نطاق واسع بوصفها إطارًا تحليليًا في العلوم السياسية الغربية، فإن استخدام المنجرة المبكر للمصطلح وضعه في سياق نقد للهيمنة الغربية، ودعوة للاعتراف بالتعددية الثقافية[69]. ويذهب البعض إلى أن المنجرة -على عكس نظريات صدام الحضارات الحتمية- تعامل مع تحذيرات الحرب الحضارية بوصفها أساسًا للدعوة إلى الحوار، وتعدد القيم، وإعادة التوجيه الأخلاقي للعلاقات بين الشمال والجنوب، وليس كقدر محتوم[70].

واستبقت تحليلاته للإذلال والإمبريالية الكبرى وحرب المعلومات النقاشات اللاحقة بشأن القوة الناعمة، وتأطير وسائل الإعلام، والأبعاد النفسية للسياسة العالمية. فنقد المنجرة لـ "النظام القائم على الكذب" (Mensonge-cratie)، ولشرعية التدخلات العسكرية المدفوعة بوسائل الإعلام، قد أنذر بالمخاوف المعاصرة بشأن التضليل، وسياسة "ما بعد الحقيقة" (Post-truth). وتركيزه على "قيمة القيم" لا يزال وثيق الصلة بالنقاشات بشأن الأخلاق الكونية، والحوار بين الحضارات، وكرامة الإنسان[71].

وفي المغرب، وفي العالم العربي بشكل عام، أثّر المنجرة في النقاشات الأكاديمية والخطاب العام. فقد شارك في حركات الدفاع عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني، وجعلته انتقاداته الصريحة في كثير من الأحيان للسلطوية والهيمنة الخارجية والتبعية الثقافية شخصية مرجعية للمثقفين والناشطين الشباب، خاصة خلال الانتفاضات العربية في عام 2011، وفي أعقابها. وقد سلّط بعض المراقبين الضوء على الطابع "التنبؤي" لسيناريوهاته المتعلقة بالانتفاضات الشعبية، وحدود الاستقرار الاستبدادي، مع الإشارة أيضًا إلى النبرة المعيارية في كتاباته[72].

وعلى الصعيد الدولي، ساهمت مساهماته في جمعية "فوتوريبل إنتناشيونال"، و"الاتحاد العالمي للدراسات المستقبلية"، و"نادي روما"، في تعزيز مجال الدراسات المستقبلية، وتوسيع نطاق اهتماماته المواضيعية، لتشمل التنوع الثقافي، وحقوق الإنسان، وأخلاقيات المعرفة والمعلومات[73].

وتُرجمت كتبه إلى عدة لغات، بما في ذلك اليابانية، حيث وجدت تفسيراته لحرب الخليج والحرب الأفغانية باعتبارها صراعات حضارية وتحليلاته للعولمة صدى واسعًا[74].

وبذلك تتفق العديد من الأدبيات على اعتبار مهدي المنجرة شخصية مركزية في صياغة النقد المستقبلي والمستند ثقافيًا، القادم من الجنوب العالمي للنظام العالمي المعاصر[75].

وفاته وتكريمه

توفي المنجرة في الرباط في 13 حزيران/ يونيو 2014، تاركًا وراءه مجموعة واسعة من الكتب والمقالات، باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية ولغات أخرى[76].

حصلت إسهامات المنجرة العلمية على الكثير من الجوائز والتكريمات، ومنها -على سبيل المثال لا الحصر- "جائزة الحياة الاقتصادية" (Prix de la Vie Économique) في عام 1981، و"الميدالية الكبرى للأكاديمية الفرنسية للهندسة المعمارية" (Grande Médaille de l'Académie française d'architecture) في عام 1984، ورتبة ضابط في "وسام الفنون والآداب" الفرنسي (Ordre des Arts et des Lettres) في عام 1985، و"وسام الشمس المشرقة" (Japan’s Order of the Rising Sun) الياباني في عام 1986. وفي عام 1995، منحته "الجمعية العالمية لدراسات المستقبل" (World Futures Studies Federation) جائزة خاصة تقديرًا لخدماته في مجال دراسات المستقبل.

المراجع

العربية

المنجرة، مهدي. "الدراسات المستقبلية: حبر المستقبل". عالم الفكر. (آذار/ مارس 1988)، ص 200-201.

________. "اليابان وثقل التنوع الثقافي". لوك جابان. (كانون الأول/ ديسمبر 1999).

________. "ما بعد الاستعمار: التنوع الثقافي ودراسات المستقبل". الرأي. (تشرين الأول/ أكتوبر 1994).

________. "نزاعات المستقبل ثقافية-حضارية". الرأي. (آب/ أغسطس 1996).

________. الحرب الحضارية الأولى: مستقبل الماضي وماضي المستقبل. ط 7. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، [1991] 2001.

________. حوار التواصل: من أجل مجتمع معرفي عادل. ط 7. مراكش: دار وليلي، 2001.

________. قيمة القيم. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2008.

اليحياوي، يحيى. "المستقبل في فكر مهدي المنجرة". استشراف للدراسات المستقبلية. الكتاب السنوي الأول (2016)، ص 226-251.

الأجنبية

Elmandjra, Mahdi. "Learning Needs in a Changing World: Role of Human Resources in a Civilization of Knowledge." Futures. vol. 18, no. 6 (Dec. 1986), pp. 731-737.

________. "Reclaiming the Future: Futures Studies in Africa." Futures. vol. 16, no. 6 (1984), pp. 574-578.

________. "South–South Cooperation: A Peaceful Decolonization of the Future." IFDA Dossier. vol. 38 (1983), pp. 51-53.

 ________. "The Africanization of Africa." Futures. vol. 18, no. 2 (Apr. 1986), pp. 222-229.

________. "The Future of the Islamic World." Paper presented at the ‘Symposium on the Future of the Islamic World.’ Algiers, 4-7 May 1990.

________. "What Future for Islam in Europe?." Lecture delivered at the Valencia Chapter of the Club of Rome and the Islamic Cultural Centre of Valencia. 15 September 2005.

________. Décolonisation culturelle: défi majeur du XXIe siècle. Casablanca: Afrique-Orient, 1996.

________. Humiliation à l’ère du méga-impérialisme. Casablanca: Najah El Jadida, 2003.

________. Nord / Sud: Prélude à l’ère postcoloniale. Casablanca: Toubkal, 1992.

________. "The League of Arab States." PhD London School of Economics and Political Science, 1957.

________. The United Nations System: An Analysis. London: Faber and Faber, 1973.

Gourram, Zhor. Mahdi Elmandjra: le futurologue marocain. Paris: IMA, 2019.

Wan Fariza, Zakaria A.W. "Mahdi Elmandjra and the Future of the Muslim World." International Journal of Islamic Thought. vol. 3 (2013), pp. 100–105.

Laifa, Assala & Fatiha Bouhrine. "The Philosophy of Values in the Thought of Mahdi Elmandjra." Science. Education and Innovations. vol. 8, no. 5 (2025), pp. 225-236.

Oltmans, Willem. On Growth Two. New York: Capricorn Books & G.P Putnam’s Books, 1975.

Inayatullah, Sohail. There’s a Future: Visions for a Better World. Bilbao: BBVA, 2013.

Huntington, Samuel P. The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. New York: Simon & Schuster, 1996.

WFSF (World Futures Studies Federation). "WFSF Award to Professor Mahdi Elmandjra." WFSF Newsletter (1995).

[1] Mahdi Elmandjra, The United Nations System: An Analysis (London: Faber and Faber, 1973).

[2] Mahdi Elmandjra, "The League of Arab States," PhD London School of Economics and Political Science, 1957.

[3] Elmandjra, The United Nations.

[4] Willem Oltmans, "Mahdi Elmandjra," in: On Growth Two (New York: Capricorn Books & G.P Putnam’s Books, 1975), pp. 339-345.

[5] Fariza, pp. 100-101.

[6] Elmandjra, The United Nations.

[7] Ibid. 

[8] Zakaria A.W. Wan Fariza, "Mahdi Elmandjra and the Future of the Muslim World," International Journal of Islamic Thought, vol. 3 (2013), p.101.

[9] Mahdi Elmandjra, "South–South Cooperation: A Peaceful Decolonization of the Future," IFDA Dossier, vol. 38 (1983), pp. 51-53; Elmandjra, "Reclaiming the Future: Futures Studies in Africa," Futures, vol. 16, no. 6 (1984), pp. 574-578

[10] Fariza, op. cit.

[11] Ibid.

[12] Hugues de Jouvenel, "Quelles perspectives à l'horizon 2010–2020? Une étude de Futuribles International: synthèse Générale," Futuribles, no. 305 (February 2005), pp. 47-52.

[13] Fariza, op. cit. 

[14] Elmandjra, "Reclaiming"; Mahdi Elmandjra, "The Africanization of Africa," Futures, vol. 18, no. 2 (Apr. 1986), pp. 222-229.

[15] Elmandjra, The United Nations System.

[16] James W. Botkin, Mahdi Elmandjra & Mircea Malitza, No Limits to Learning: Bridging the Human Gap: A Report to the Club of Rome (Oxford: Pergamon Press, 1979).

[17] Ibid.

[18] Elmandjra, "Reclaiming"; Elmandjra, "The Africanization."

[19] Elmandjra, "Reclaiming."

[20] Ibid.; Mahdi Elmandjra, "Learning Needs in a Changing World: Role of Human Resources in a Civilization of Knowledge," Futures, vol. 18, no. 6 (Dec. 1986), pp. 731-737.

[21] يحيى اليحياوي، "المستقبل في فكر مهدي المنجرة"، استشراف للدراسات المستقبلية، الكتاب السنوي الأول (2016)، ص 226-251.

[22] Sohail Inayatullah, "Futures Studies: Theories and Methods," in: Nayef Al-Rodhan et al. (eds.), There’s a Future: Visions for a Better World (Bilbao: BBVA, 2013), pp. 36-66.

[23] مهدي المنجرة، "الدراسات المستقبلية: حبر المستقبل"، عالم الفكر (آذار/ مارس 1988)، ص 200-201.

[24] المرجع نفسه، ص 200.

[25] المرجع نفسه.

[26] المرجع نفسه.

[27] Mahdi Elmandjra, Nord / Sud: Prélude à l’ère postcoloniale (Casablanca: Toubkal, 1992).

[28] Mahdi Elmandjra, "The Future of the Islamic World," Paper presented at the ‘Symposium on the Future of the Islamic World,’ Algiers, 4-7 May 1990.

[29] Elmandjra, "The Future of the Islamic World."

[30] مهدي المنجرة، "ما بعد الاستعمار: التنوع الثقافي ودراسات المستقبل"، الرأي (الرباط) (2 تشرين الأول/ أكتوبر 1994).

[31] مهدي المنجرة، حوار التواصل: من أجل مجتمع معرفي عادل، ط 7 (مراكش: دار وليلي، 2001)، ص 30.

[32] مهدي المنجرة، قيمة القيم (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2008)

[33] المنجرة، حوار التواصل، ص 32.

[34] مهدي المنجرة، "اليابان وثقل التنوع الثقافي"، لوك جابان (كانون الأول/ ديسمبر 1999).

[35] Elmandjra, Nord / Sud.

[36] Ibid.

[37] Mahdi Elmandjra, Décolonisation culturelle: défi majeur du XXIe siècle (Casablanca: Afrique-Orient, 1996).

[38] Elmandjra, Décolonisation culturelle.

[39] مهدي المنجرة، الحرب الحضارية الأولى: مستقبل الماضي وماضي المستقبل، ط 7 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، [1991] 2001)، ص 14-15.

[40] Samuel P. Huntington, The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order (New York: Simon & Schuster, 1996), p. 246.

[41] المنجرة، قيمة القيم.

[42] المرجع نفسه.

[43] مهدي المنجرة، "نزاعات المستقبل ثقافية-حضارية"، الرأي (الرباط) (22 آب/ أغسطس 1996).

[44] Elmandjra, "Learning."

[45] Ibid. 

[46] المنجرة، حوار التواصل.

[47] المرجع نفسه.

[48] Elmandjra, "The Future of the Islamic World."

[49] Ibid.

[50] المنجرة، الحرب الحضارية الأولى.

[51] المرجع نفسه.

[52] Mahdi Elmandjra, "What Future for Islam in Europe?," Lecture delivered at the Valencia Chapter of the Club of Rome and the Islamic Cultural Centre of Valencia, 15 September 2005.

[53] Ibid.

[54] Elmandjra, "The Future of the Islamic World."

[55] Elmandjra, Humiliation à l’ère du méga-impérialisme (Casablanca: Najah El Jadida, 2003)

المنجرة، قيمة القيم.

[56] Elmandjra, Humiliation à l’ère du méga-impérialisme.

[57] المنجرة، قيمة القيم.

[58] Elmandjra, Humiliation.

[59] Elmandjra, The United Nations.

[60] Botkin, Elmandjra & Malitza, op. cit.

[61] Elmandjra, "Reclaiming."

[62] المنجرة، الحرب الحضارية الأولى.

[63] Huntington, op. cit.

[64] Elmandjra, Nord / Sud.

[65] Elmandjra, Humiliation.

[66] المنجرة، قيمة القيم.

[67] Fariza, op. cit. 

[68] اليحياوي، مرجع سابق.

[69] Gourram, op. cit. 

[70] Ibid.

[71] Assala Laifa & Fatiha Bouhrine, "The Philosophy of Values in the Thought of Mahdi Elmandjra," Science, Education and Innovations, vol. 8, no. 5 (2025), pp. 225-236.

[72] Fariza, op. cit.

[73] WFSF (World Futures Studies Federation), "WFSF Award to Professor Mahdi Elmandjra," WFSF Newsletter (1995).

[74] Gourram, op. cit.

[75] Laifa & Bouhrine, op. cit.

[76] Ibid.




المحتويات

الهوامش