تسجيل الدخول

القوة الناعمة

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

التعريف

قدرة دولةٍ ما على التأثير وتحقيق مصالح لها عن طريق الجذب والإقناع، من دون استخدام العنف أو الإكراه أو الرّشى أو الابتزاز السياسي

الأدوات والآليات

· الدبلوماسية العامة

· الدبلوماسية الثقافية

· المساعدات الإنسانية

· التبادل الأكاديمي

· القيم السياسية والسياسات الخارجية الأخلاقية

المفاهيم المقارنة

· القوة الصلبة (العسكرية والاقتصادية)

· القوة الذكية (مزيج فعال بين القوتين الناعمة والصلبة)

أبرز النماذج الإقليمية

مصر، السعودية، الإمارات، قطر، تركيا، إيران

أمثلة تطبيقية

· إعلامية: قناة الجزيرة

· ثقافية: جائزة الشيخ زايد للكتاب، معهد يونس إمرة

· دينية: الجامع الأزهر، الحوزات الدينية الشيعية

· رياضية: استضافة قطر كأس العالم 2022

الأهداف الاستراتيجية

· تحسين الصورة الذهنية للدولة

· كسب التأييد الدولي

· ممارسة النفوذ العالمي بطرق سلمية

· تعزيز الجذب السياحي والاستثماري



القوة الناعمة (Soft power) مفهوم في العلاقات الدولية يعني قدرةُ دولةٍ ما على التأثير وتحقيق مصالح لها، عبر الجذب والإقناع، من دون استخدام العنف أو الإكراه أو الرّشى أو الابتزاز السياسي. صاغ هذا المفهومَ في مطلع تسعينيات القرن العشرين أستاذُ العلاقات الدولية الأميركي جوزيف ناي {{جوزيف ناي: (Joseph Nye، 1937-2025) العميد السابق لكلية جون كينيدي للحكم (John F. Kennedy School of Government) في جامعة هارڤرد. عمل ناي نائبًا للوكيل المساعد لوزير الخارجية الأميركي لشؤون الأمن والعلوم والتكنولوجيا (1977-1979)، وتولّى أيضًا رئاسة مجلس الأمن القومي المعني بعدم انتشار الأسلحة النووية، وكذلك مجلس الاستخبارات الوطني (1993-1994)، كما عمل مساعدًا لوزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي (1994-1995). وفي 2014 عُيِّن عضوًا في مجلس السياسة الخارجية.}} في كتابه مُلزَمة بالقيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأميركية، وذلك في سياق النقاش حول مدى قدرة الترسانة العسكرية الأميركية وحدها على مواجهة نظيرتها السوفياتية.

تنقسم مصادر القوة الناعمة إلى ثلاث فئات: 1) الفواعل: وهم الأفراد والمنظمات التي ترسم مبادرات القوة الناعمة وتُنفذها، وتشمل هيئات المجتمع المدني والشبكات والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية والأفراد. 2) المجالات التي تظهر فيها القوة الناعمة، كالسياستَيْن الخارجية والداخلية، والثقافة، والتاريخ، والتعليم، والأعمال، والتكنولوجيا، والسياحة، والرياضة، والبيئة، وغيرها. 3) الأدوات أو الطرق المحددة التي تُفعَّل من خلالها القوة الناعمة، مثل: القوانين، والسياسات، والاتفاقات (الداخلية والإقليمية والدولية)، والبرامج (مثل: التبادل الخارجي، والدبلوماسية الثقافية، وغيرهما)، والمؤتمرات، والمعارض، والحفلات الموسيقية، والمنشورات، وغيرها.

غير أن لهذه القوة الناعمة حدودًا تؤثّر في إمكانات تطبيقها وفاعليتها، وقدرتها على تحقيق أهداف السياسة الخارجية للدول، ومن هذه العوائق غيابُ آلية عمل توضّح كيفية تحويل الدولة مواردَها إلى قوة ناعمة قادرة على التأثير في خيارات الآخرين. علاوة على هذا، تتسم آثار القوة الناعمة بالبطء، فقد يستغرق تفعيل أدواتها عدةَ سنواتٍ لتحقيق النتائج المرغوبة، وهو أمرٌ لا يُلبّي متطلبات السرعة التي يتسم بها المجال السياسي. كذلك قد تتأثر القوة الناعمة في حال غياب الدعم المؤسسي لأنشطتها.

من جهة أخرى، تُقاس القوة الناعمة اعتمادًا على ثلاثة محدِّدات: 1) المعرفة، لأن القوة الناعمة لبلدٍ ما تزداد بزيادة معرفة المجتمع المستهدَف بهذا البلد ومميزاته وموارده؛ 2) السمعة، فالقوة الناعمة تكون أكبر حين تكون سمعة البلد قوية وإيجابية؛ 3) التأثير، وهذا مقياس مباشر للوجود والنفوذ المتصوَّرَيْن لبلدٍ ما في البلدان الأخرى المستهدَفة بهذه القوة الناعمة.

غير أن جوزيف ناي يرى أن القوة الناعمة وحدها لا تكفي لتحقيق التأثير المطلوب، تمامًا كما هي الحال مع القوة الصلبة، لذلك لا بد من الجمع بينهما من خلال استراتيجيات ناجعة تقوم على الخبرة والتحليل، وهو ما يمكن أن يطلق عليه القوة الذكية، وهي مزيج من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية والسياسية والقانونية والثقافية. بدورها، ترتبط القوة الذكية بالتطورات التكنولوجية التي شهدها العالم في العقود الأخيرة، ما أحدث نقلةً في تعارف الشعوب وتبادل الثقافات، وإمكانية تقديم كل بلد صورةً متكاملة عنه للمجتمعات الأخرى. وقد أضافت هذه التطوراتُ أيضًا وسائلَ جديدة لتوجيه الرأي العام، وأشركَت منظمات المجتمع المدني والأحزابَ والجامعات والمشاهير في ممارسة القوة الناعمة، ومن ثَمّ التأثير في السياسات العالمية.

ومن أبرز الأمثلة على توظيف القوة الناعمة في السياسة الخارجية في المنطقة العربية وجوارها، نموذج دولة قطر، وجمهورية مصر العربية، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والجمهورية التركية، والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

نشوء المفهوم

انشغل المُنظّرون السياسيون بالوصول إلى تعريف مفهوم "القوة" (Power)، وانتهى كثير منهم إلى أنها تعني قدرةَ الفاعل على التأثير في الآخرين للحصول على ما يريد. وقد قصر التفكير السياسي لسنوات عدة القوة على الأبعاد المادية، لا سيما تلك المرتبطة بأدوات العنف والقهر (العصا)، التي أُضيف إليها أيضًا ما يتصل بالحوافز والإغراءات المادية (الجزرة)[1]. إلا أن جوزيف ناي صاغ في بداية التسعينيات مفهومًا جديدًا، أثار كثيرًا من الجدل منذ ظهوره، ألا وهو مفهوم القوة الناعمة. وقد كشف ناي عن هذا المفهوم في كتابه: مُلزَمة بالقيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأميركية (1990)، الذي أوضح فيه أن القوة الناعمة إنما هي قدرة دولة ما على إقناع الآخرين بفعل ما تريده، من دون استخدام العنف أو الإكراه أو الرشى. وتزايد منذ ذلك الوقت الاهتمام بالمفهوم لتبيان مصادره وأهميته وحدوده، فضلًا عن تطوير المقاييس المختلفة لتقييمه، وتوضيح التطورات التي لحقت به مع تطور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

تعريفها

يمكن تعريف القوة الناعمة بأنها قدرة طرف على تحقيق ما يريد اعتمادًا على جاذبيته لدى الطرف الآخر. ولا يعني هذا النوع من القوة مجرد التأثير في الآخرين، لأن هذا ما تحققه أيضًا القوة الصلبة من خلال التهديد أو دفع الأموال، بل تشتمل القوة الناعمة على ثلاثة مضامين أساسية هي: أولًا: الجاذبية، إذ يترتّب على إعجاب الآخرين بك، أو بالنموذج الذي تُقدّمه، تبنيهم المواقف نفسها من دون أي تهديد، أو طمعًا في تحقيق مصلحة معينة؛ ثانيًا: الإقناع، من خلال التأثير في معتقدات الآخرين ومواقفهم؛ ثالثًا: القدرة على تحديد جدول الأعمال، بمعنى تحديد أولويات الأطراف الأخرى بما يخدم، أو يتفق مع، أولويات الطرف الذي يُمارِس القوة الناعمة[2].

صاغ جوزيف ناي هذا المفهوم في ظل الجدل الذي ظهر في منتصف الثمانينيات، بشأن تدهور القوة الأميركية، سواء العسكرية أم الاقتصادية. فقد ساد اعتقادٌ عند كثير من الباحثين، وقطاعات معتبرة من الرأي العام في الولايات المتحدة الأميركية، بأن الترسانة النووية الأميركية أضعف من مثيلتها السوفياتية، وأن القوة العسكرية التقليدية للاتحاد السوفياتي في وضع أفضل من نظيرتها الأميركية. وعلى المستوى الاقتصادي، انتشر الاعتقاد بتراجع الاقتصاد الأميركي مقارنة بنظيره الياباني. ولم تضع نهاية الحرب الباردة حدًّا للآراء القائلة بتراجع القوة الأميركية، فقد تنبَّأ بعض المحللين بمصير منتظر للهيمنة الأميركية، على غرار مصير كلٍّ من الهيمنتَيْن الإسبانية والبريطانية، نتيجة التمدد الإمبريالي الزائد[3].

تصدى ناي لنقض هذه الآراء، مجادلًا بأن مصادر القوة دائمًا ما تتغير، وترتبط آلياتها في القرن الحادي والعشرين بدرجة كبيرة بالتكنولوجيا والمعرفة، وغير ذلك من المصادر غير المادية، فمع زيادة تكلفة الترسانة العسكرية، وتناقص شرعية الاستخدام المباشر للقوة، تدرك القوى الكبرى أن اللجوء إلى مصادر "أنعم" للقوة لتغيير سلوك الفواعل الأخرى، قد يكون خيارًا أكثر فائدة وأقل تكلفة. كذلك تعزز العولمة من عملية التداخل الاجتماعي الاقتصادي، ومن ثم تزيد الترابط بين الشبكات التي تضم جهات فاعلة وطنية وعابرة للحدود. تتحول استراتيجيات تعظيم الثروة والنفوذ الوطنيَّيْن، في مثل هذه البيئة، بعيدًا عن القوة والإكراه، لِما قد يترتب على هذه الأساليب من تكاليف اجتماعية واقتصادية وسياسية كبيرة، تكون بمنزلة عقوبة ذاتية في هذا العالم المترابط[4]. في ظل هذه البيئة المتغيرة، التي تعمل في إطارها السياسة الخارجية، والتي أصبحت فيها القوة الناعمة نوعًا من أنواع ثلاثة للقوة، مثلها مثل العسكرية والاقتصادية، يخلص ناي إلى استمرار القيادة الأميركية بشكل جيد في القرن الحادي والعشرين[5]، انطلاقًا من أن القوة الناعمة تُمثل الإجابة عن الطبيعة المتغيرة للقوة الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. وفقًا لناي، لا تتمتع الولايات المتحدة فقط بوفرة في عناصر القوة الناعمة، ولكنها دائمًا ما برعت في استخدامها وتوظيفها.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


وقد مثَّلَت القوة الناعمة الشكل الأبرز للدبلوماسية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي خلال سنوات الحرب الباردة، إلا أن أفولها جعلها تبدو طريقة مستنزِفة للموارد لدى بعض التيارات السياسية وشرائح الرأي العام الأميركي، التي أصبحت أكثر اهتمامًا بتوفير الأموال من الاستثمار في القوة الناعمة. واتضح هذا التحول، بعيدًا عن القوة الناعمة، بعد انتهاء الحرب الباردة، لا سيما في ظل إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن (George W. Bush، 1946-)، فعل سبيل المثال، قلّلت وزيرة الخارجية في عهده، كوندوليزا رايس (Condoleezza Rice، 1954-)، من أهمية مقاربات القوة الناعمة، لعجزها عن تحقيق نتائج قصيرة المدى[6]. وربما لهذا أكد ناي على أهمية القوة الناعمة ورصد المزايا المتعددة المرتبطة بها، إذ رأى أن تمتُّع الدولة بسمعة قوية وقوة ناعمة إيجابية يمكّنها من ترويج نفسها بوصفها مكانًا للعيش والاستثمار. كذلك تُمكّن القوة الناعمة الدولة من تسويق منتجاتها وخدماتها، علاوة على تمتُّعها بالاحترام من جيرانها، وتشكيل صورة إيجابية لها في الساحة الدولية[7]. كذلك، فإن الحكم من خلال القوة الناعمة أقل تكلفة من الناحيتَيْن المالية والبشرية، مقارنة بفرض القيادة اعتمادًا على القوة العنيفة. ويُشار إلى أن ناي توسّع في تطبيق المفهوم، بحيث لم يعد قاصرًا على الدول فقط، وإنما طبّقه أيضًا على الأفراد والمنظمات، في كتابه الصادر عام 2008 عن صلاحيات القيادة[8].

مصادرها وأدواتها

من المشكلات الأساسية المرتبطة بمفهوم القوة الناعمة ما يتعلق بتحديد مصادرها، فثمة تباينات بشأن هذه النقطة، على خلاف الوضع عند تحديد مصادر القوة الصلبة[9]؛ لأن القوة الناعمة أكثر تعقيدًا، سواء في تصنيفها أم طبيعتها. فمن الناحية المفاهيمية، تعدّ القوة الناعمة قوة جذابة، ومن ثمّ تشير مواردها إلى تلك الأصول التي تُنتج مثل هذه الجاذبية[10]، وهي الأصول التي عادةً ما تكون غير مادية أو غير ملموسة، من قبيل الثقافة والقيم وتوجهات السياسات، ومن ثم تكون أقل قابلية للقياس الكمي. وتُصنَّف مصادر القوة الناعمة إلى ثلاث فئات أساسية:

  • أولًا: الفواعل: الأفراد والمنظمات التي ترسم مبادرات القوة الناعمة وتُنفذها، وتشمل: المجتمع المدني، والشبكات، والقطاع الخاص، والمنظمات غير الحكومية، والأفراد.
  • ثانيًا: المجالات التي تظهر فيها القوة الناعمة، مثل: السياسة الخارجية والداخلية، والثقافة، والتاريخ، والتعليم، والعلم، والأعمال، والتكنولوجيا، والسياحة، والرياضة، والبيئة [...][11].
  • ثالثًا: الأدوات أو الطرق المحددة التي تُفعَّل من خلالها القوة الناعمة، مثل: القوانين، والسياسات، والاتفاقات (الداخلية والإقليمية والدولية)، والبرامج (مثل التبادل الخارجي، الدبلوماسية الثقافية، [...])، والمناسبات، والمؤتمرات، والمعارض، والحفلات الموسيقية، والمنشورات [...][12].

من جانبه، ركّز ناي على ثلاثة مصادر أساسية للقوة الناعمة، هي: الثقافة، والقيم السياسية، والسياسات المتبعة. تشير الثقافة إلى مجموعة التوجهات والممارسات والقيم التي تميز المجتمع، وتُعدّ مصدرًا للقوة الناعمة في حال اشتمالها على قيم عالمية، مع إظهارها بشكل جذاب، والترويج لها بوصفها معبرة عن مصالح مشتركة مع الآخرين. يزيد هذا التصوير لثقافة المجتمع من إمكانية تحقيق الدولة للنتائج السياسية والاقتصادية المرغوب فيها، اعتمادًا على جاذبية ثقافتها للآخرين. في المقابل، فإن الدول والمجتمعات التي تتبنى قيمًا أقل رحابة، أو تتميز بثقافة محدودة، يقل احتمال تمتُّعها بالقوة الناعمة. وتتجلّى آثار القوة الناعمة في كثير من الأمثلة، ومنها الاعتقاد بأن من يدرس في إحدى الجامعات الأميركية، ويتعلم اللغة الإنكليزية، ويطّلع على الثقافة العامة الشعبية في الولايات المتحدة، يعود إلى بلاده محمَّلًا بتقدير كبير وتعاطف مع الثقافة الأميركية. وتشمل الثقافة العامة كلًّا من الأدب والفنون والتعليم وغيرها من الأنشطة التي تتعلق بالنُّخب، بينما تتعلق الثقافة الشعبية بكل ما مِن شأنه إمتاع الجماهير عامة[13]. ويؤدّي الإعلام، في هذا السياق، دورًا أساسيًا في تصوير الثقافة الشعبية؛ فعلى سبيل المثال، كان لأفلام هوليود والمسلسلات التلفزيونية الأميركية، على مدار السنوات، دورٌ كبير في إبهار الأجيال بالولايات المتحدة، وشكلت نسبةً كبيرةً من صادرات الثقافة الشعبية الأميركية[14]. ويشير ناي في هذا السياق إلى أن جدار برلين "سقط في نهاية المطاف عام 1989، ليس تحت وابل من المدفعية، ولكن من خلال المطارق والجرّافات التي يحملها أشخاص تأثّرت عقولهم بالقوة الناعمة الغربية"[15]، وقد جعلت الأفلام والأغاني والمسلسلات الأميركية سكان ألمانيا الشرقية يحلمون بالحياة الغربية، الأمر الذي أسهم فعلًا في تحطيم الجدار.

يظهر هنا أيضًا دور الرياضة وأثرها في الشعوب، من حيث كونها لغة عالمية يمكن لأي متابع أن يفهمها ويستمتع بها من دون حواجز ثقافية أو سياسية أو جغرافية. ومن هنا، تَعُدُّ كثير من الدول الرياضة فرصةً لتعزيز صورة البلاد وعلامتها التجارية، وتحقيق مكاسب تتعلق بالمكانة الإقليمية-العالمية، لذلك تُمثل استضافة الأحداث الرياضية الكبرى جزءًا من أنشطة القوة الناعمة[16].

وفيما يتعلق بالقيم السياسية، فتشير إلى التوجهات التي تدافع عنها دولة ما، وتنتصر لها بسلوكها في الداخل وفي المؤسسات الدولية، وكذلك في سياستها الخارجية. على سبيل المثال، يعد الانتصار للديمقراطية واحترام حقوق الإنسان مصدرًا من مصادر القوة الناعمة، في حالة ما إذا كانت الدولة ملتزمة بذلك داخليًا، وتعمل مع الآخرين في إطار المؤسسات الدولية على دعمه، وتتبنى في سياستها الخارجية تشجيعه. بدورها، تُمثل السياسات الحكومية مصدرًا لتعزيز القوة الناعمة أو تقويضها، وذلك بالنظر إلى مدى تمتُّعها بالشرعية، ومراعاتها لمصالح الآخرين، وتوافقها مع القيم السياسية المعلنة. لذلك، فإن السياسات المحلية والخارجية التي قد تبدو "متناقضة أو متغطرسة، أو غير مبالية برأي الآخرين، أو قائمة على معالجة ضيقة الأفق للمصالح الوطنية، قد تقوض من القوة الناعمة"[17]، فإذا كانت الدولة، على سبيل المثال، تُعلي من قيم التعددية والتسامح في حين أن حوادث العنصرية تنتشر فيها، فمِن شأن هذا تقويض المثل والرسالة التي تتوجه بها إلى الخارج.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى السياسة الخارجية، فإما أن تؤثر تأثيرًا قويًا في تفضيلات الآخرين من خلال جذبهم، وإما أن تتسبب في تنفيرهم، وهو السلوك الذي يتجلى على مستوى المؤسسات الدولية، من خلال الحرص على سبيل المثال على استشارة الآخرين وتدعيم التعددية، أو على مستوى العلاقات الثنائية حيث العمل على تعزيز التنمية وحقوق الإنسان[18]. ويوضح ناي إمكانية تحويل الموارد الأساسية في الدولة إلى قوة ناعمة، من خلال استراتيجيات ماهرة، لتضم الثقافة والقيم والسياسات المشروعة، والنموذج الداخلي الإيجابي، والإعلام، وبرامج التبادل، والمساعدات التنموية، والإغاثة في حالة الكوارث، وغيرها من الأدوات الرسمية للقوة الناعمة[19]. ولا يعني ذلك، ولا يجب أن يؤدي إلى تحكم الحكومة بالثقافة، فالمجتمع المدني هو أصل كثير من القوة الناعمة، بل إن غياب سياسات التحكم من السلطة يمكن أن يكون في ذاته مصدرًا للجاذبية[20].

وقد وسّع بعض الباحثين من مصادر القوة الناعمة، لتشمل أيضًا كلًّا من النموذج التنموي الاقتصادي، والمؤسسات الدولية، والصورة الدولية. يكون النموذج الاقتصادي مصدرًا من مصادر القوة الناعمة إذا كان ناجحًا داخليًا[21]، ومن ثم يصبح محطَّ إعجاب وتقدير -وربما تقليد- من جانب الدول الأخرى. فيما يتعلق بالمؤسسات الدولية، فإنها تكون مصدرًا من مصادر القوة الناعمة للدولة، متى كانت لديها القدرة على صياغة الأجندة ووضع قواعد اللعبة. أما الصورة الدولية، فهي نتاج تصرفات الحكومة وأدائها وقراراتها ذات البعد والتعاون الدوليَّيْن[22].

وتُعد الدبلوماسية العامة من الأدوات الأساسية التي توظفها الدول لتفعيل قوتها الناعمة. والدبلوماسية العامة هي: "عملية تواصل الحكومة مع الشعوب الأجنبية، في محاولة لتحقيق فهم لأفكار الدولة وقيمها ومؤسساتها وثقافتها، فضلًا عن أهدافها الوطنية وسياساتها"[23]. ومن ثم، وكما أوضح ناي، فإنها وسيلة لتحسين صورة الدولة، بطريقة تظهر قوتها الناعمة. وثمة عناصر أساسية يتفق عليها معظم الباحثين في تعريف الدبلوماسية العامة، وتتمثل في: أولًا: المعلومات، عبر إدارة المعلومات وتوزيعها، مع التركيز بشكل خاص على الأحداث أو الأزمات قصيرة الأجل، وتوضيح سياق قرارات السياسة المحلية والخارجية؛ ثانيًا: التأثير، ويتعلق بحملات الإقناع الأطول أجلًا، التي تهدف إلى التغيير في التوجّهات لدى الشعوب المستهدفة؛ ثالثًا: المشاركة، وذلك من خلال بناء علاقات طويلة المدى، لتعزيز الثقة والتفاهم المتبادلَيْن بين الشعوب[24].

توظف الدبلوماسية العامة كثيرًا من الأدوات الثقافية، مثل: برامج التبادل الثقافي، وتعليم اللغة، والتبادل الطلابي، واستحداث المعاهد الثقافية في الخارج. كذلك توظف التواصل مع دول العالم عبر البث الدولي للقنوات التلفزيونية، وإنشاء المواقع الإلكترونية الحكومية وغير الحكومية، الإخبارية والثقافية، للتواصل مع الشعوب والتفاعل معها. علاوة على ذلك، توجد بعثات المعلمين والأطباء والمهندسين، وكل ما من شأنه أن ينقل ثقافة البلد. ويدخل في هذا السياق أيضًا الإنتاج الإعلامي كالأفلام والمسلسلات، وكذلك الكتب والمؤلفات المختلفة. ويُعَد نمط الحياة ذاته، من عادات وتقاليد ومأكولات ومشروبات، من مكوّنات الثقافة التي تُروَّج بوصفها جزءًا من الدبلوماسية العامة.

وتُوظَّف أيضًا الأدوات التقليدية للسياسة الخارجية في تفعيل القوة الناعمة، عبر العمل على تقوية المؤسسات الدبلوماسية، وتوسيع رقعة التمثيل الدبلوماسي، وتخصيص مزيد من الموارد التي تتيح للبلد المعني تمثيل مصالحه والدفاع عنها، والتواصل مع الدول الأخرى على نحو أكثر فاعلية وعلى أكمل وجه. يُضاف إلى ذلك تبني مبادرات دبلوماسية أو طرحها تجاه الدول الأخرى، بهدف تحسين العلاقات الثنائية متعددة الأطراف أو تطويرها، على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية؛ وتبني -أو طرح- مبادرات تستهدف إحلال السلام أو الوساطة، أو حل النزاع بين الأطراف المختلفة[25].

ويُعَد تطوير وسم الدولة (Nation Branding) من الأدوات التي تُوظَّف في توليد القوة الناعمة وقياسها، ويُصنَع الوسم اعتمادًا على فكرةٍ تُمَيِّز الدولة، وتزيد جاذبيتها وتنافسيتها، من خلال الترويج لخصائص ومنتجات معينة لها، بحيث تصبح جزءًا أساسيًا من صورتها، وترتبط بها بوصفها سمة أو علامة تجارية مميزة لها لدى الجمهور الخارجي. وبهذا، يساعد "توسيم" الدول على بيان آليات واستراتجييات تطوير صورة الدولة أو بعض منتجاتها، بما يجعله قابلًا للتضمين في آليات الممارسة والتحويل الخاصة بالقوة الناعمة[26].

يندر أن تتمتع دولة واحدة ما بكل هذه المصادر، أو أن توظف كل هذه الأدوات. كذلك ليس هناك ما يمنع أن تكون بعض المصادر التقليدية للقوة بمنزلة مصادر للقوة الناعمة أيضًا، وذلك وفقًا للطريقة التي تُستخدَم فيها، فالأصول العسكرية، على سبيل المثال، قد تكون مصدرًا لتوليد القوة الناعمة، إذا ما استُخدمت كأداة في الأعمال الإنسانية، وإعادة الإعمار، وفي عمليات الإغاثة وحفظ السلام، أو برامج المساعدات العسكرية[27]. ولا يعني هذا التعدد أن تحقيق القوة الناعمة -وتفعيلها- عملية سهلة المنال، فوفقًا لناي، ثمة صعوبة في توظيف القوة الناعمة، لأن كثيرًا من مصادرها وأدواتها لا تكون بالضرورة تحت السيطرة الكاملة للحكومة، علاوة على أن نتائجها قد لا تكون مباشرة بالضرورة، وإنما تعمل بالأساس عن طريق تشكيل البيئة السياسية، وهو ما قد يستغرق وقتًا طويلًا لتحقيق النتائج المطلوبة. عمومًا، يوجد نموذجان للقوة الناعمة: الأول: يُوجَّه مباشرة إلى النخب الحكومية للتأثير في عمليات صنع القرار؛ والآخر: يُوجَّه إلى الجماهير أو قطاعات معينة فيها، لتشكيل بيئة مواتية (أو معارضة) تتيح لصانع القرار (أو تمارس ضغوطًا عليه) اتخاذ قرارات معينة أو الامتناع عنها. وتُمارَس هذه الأنماط من القوة الناعمة من خلال الإطار الرسمي للدبلوماسية التقليدية، أو من خلال دمج ذلك بآليات الدبلوماسية العامة والتواصل المجتمعي والتأثير، من خلال المنظمات الدولية المختلفة[28].

حدودها

منذ أن طرح ناي مفهومه عن القوة الناعمة، ظهرت كثير من التحفظات بشأن تطبيقه ومدى فاعليته وقدرته على خدمة أهداف السياسة الخارجية للدول. ويتعلق أول تحفظ بغياب آلية العمل التي توضح كيفية تحويل الدولة مواردَها إلى قوة ناعمة قادرة على التأثير في خيارات الآخرين. وقد أغفل ناي نفسه هذه الآلية، واستعاض عنها بطرح كثير من الأمثلة عن تأثير القوة الناعمة. هذا علاوة على الإشكالية الخاصة بآلية عمل القوة الناعمة في الدول غير الديمقراطية، بالنظر إلى أن معظم أدبيات القوة الناعمة وآلية عملها تُركّز بالأساس على الأنظمة الديمقراطية، ولا تقول شيئًا عن كيفية عمل القوة الناعمة في هذه الأنظمة، أو أي مخرجات يمكن أن تترتب عليها. تترتب على إشكالية آلية العمل هذه صعوبة التنبؤ بنتائج القوة الناعمة، بوصفها كثيرًا ما تكون آثارًا غير مباشرة، وبسبب عدم خضوع كثير من الموارد المنتجة للقوة الناعمة لسيطرة لحكومة، فإذا كان استخدام القوة الصلبة يجري بقرار حكومي، وبإمكان الحكومة استخدامها متى كانت هناك حاجة إلى ذلك، فإن القوة الناعمة لا تعتمد على الحكومة فقط، بل يشترك فيها عدد كبير من الجهات غير الحكومية، ما يعني أن أي دولة تريد تفعيل القوة الناعمة لخدمة أهدافها السياسية، فعليها التنسيق مع جهات عدة[29]. وقد تُطوِّر هذه الجهات، مثل الشركات والجامعات والكنائس وحركات الاحتجاج، قوة ناعمة خاصة بها، قد تُعزّز في بعض الأحيان من أهداف السياسة الخارجية الرسمية، وقد تكون في أحيان أخرى على خلاف معها. علاوة على ذلك، فإن نجاح القوة الناعمة بوصفها قوة جذابة يعتمد على تقبّل الجمهور المستهدَف، وهو الأمر الذي يصعب التنبؤ به. من ناحية أخرى، يرى بعضهم أن القوة الناعمة وإن كانت تُوجَّه بالأساس نحو الرأي العام، فإن هذا الرأي لا يؤثر إلا بشكل محدود جدًا في السياسة الخارجية، وقضايا الأمن القومي التي لا تزال مجالًا حصريًا لنخبة صنع القرار، وقد لا يكون منشغلًا بالأساس بقضايا السياسة الخارجية[30].

كذلك تتسم آثار القوة الناعمة بالبطء، فقد يستغرق تفعيل أدواتها سنوات عدة لتحقيق النتائج المرغوبة بصورة كاملة، في حين أن كثيرًا من الساسة والعامة يتوقعون عوائد سريعة للأدوات المستخدمة، وآثارًا مباشرة على السياسة الخارجية. ومن ثم، فإن موارد القوة الناعمة أبطأ وأكثر تعقيدًا مقارنة بموارد القوة الصلبة، وقد اعترف ناي نفسه بهذه الحدود، وبإمكانية أن تنتشر القوة الناعمة للولايات المتحدة في العالم من دون أن تسهم بالضرورة في تحقيق نتائج محددة بسهولة. وتحدَّث أيضًا عن احتمالية انجذاب المجتمعات نحو الثقافة والقيم الأميركية في الوقت الذي تقاوم فيه السياسات الخارجية الأميركية وتمقتها[31]، بل يمكن أن يولّد الاعتماد على عناصر الثقافة والقيم خطابًا مقاومًا، إذا ما نُظِر إلى مثل هذا الترويج على أنه نوع من الاستعمار الثقافي[32]. وقد تتعقّد عملية ترويج القوة الناعمة في حالة عدم كفاية الدعم المؤسسي لأبحاثها وأنشطتها، ففي بعض الأحيان، تشكل الهياكل البيروقراطية عائقًا أمام الإنتاج الفعّال للقوة الناعمة، لا سيما إذا افتقرت إلى التكامل والتنسيق بينها[33]. وعلى الرغم من حدود القوة الناعمة، وأنها ليست المصدر الوحيد أو الأهم للقوة، فإن إهمالها أو تجاهلها يُعَد خطأً استراتيجيًا وتحليليًا خطِرًا[34].

قياسها

عمومًا، لا يوجد إطار منهجي شامل لقياس القوة الناعمة أو تقييم آثارها، حتى إن ناي نفسه أوضح أن تقييمها يجب أن يركز على النتائج، وألا يقوم فقط على فحص الموارد أو سلوك الفواعل. هناك أيضًا التركيز على تصورات المستهدَفين ومشاعرهم تجاه الفاعل المستخدِم للقوة الناعمة، وهو ما تهتم به بشكل خاص الدبلوماسية العامة[35]. وبصفة عامة، تدور عملية تقييم ما إذا كانت القوة الناعمة تؤدي دورًا حقيقيًا على الصعيد العالمي، أو ما إذا كانت لبعض الدول تقتصر على مناطق معينة أو انتماءات ثقافية محددة، حول محددات ثلاثة أساسية[36]: أولًا: المعرفة، حيث تتعزز القوة الناعمة إذا كان الأفراد في الدولة والمجتمع المستهدفَيْن يعرفون الكثير عن بلدٍ ما ومميزاته وموارده؛ ثانيًا: السمعة: كي تكون الدولة جذابة بوصفها مثالًا يُحتذى به لدى الآخرين، فيجب أن تكون سمعتها الكلية قوية وإيجابية؛ ثالثًا: التأثير: ويُعَد هذا مقياسًا مباشرًا للوجود والنفوذ المتصوَّرَيْن لبلد ما في البلدان الأخرى.

وقد شملت بعض المحاولات الكمية لقياس القوة الناعمة بعض المؤشرات، مثل معدلات التبادل الدولي للمهاجرين والزوار والطلاب والمنتجات الثقافية. ومن ضمن المحاولات الجادة لقياس القوة الناعمة، المؤشر السنوي الذي طوّره جوناثان ماكلوري ((Jonathan McClory، الذي يُرتب الدول وفقًا لما أسماه "مؤشر القوة الناعمة 30". ويتكوّن هذا المؤشر من ستة مؤشرات فرعية تتعلق بالقوة الناعمة، هي: الرقمنة (البنية التحتية الرقمية لدولة ما، وقدرتها فيما يتعلق بالدبلوماسية الرقمية)؛ والحكومة (الالتزام بالحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية ونوعية المؤسسات السياسية)؛ والثقافة (شهرة المخرجات الثقافية للمجتمع عالميًا وتقبلها، سواء الثقافة العليا أم العامة)؛ والمشروعات (جاذبية النموذج الاقتصادي للدولة، والمناخ الملائم للأعمال، والقدرة على الابتكار)؛ والتعليم (مستوى رأس المال الإنساني في الدولة، وإسهامها في المعرفة، وجاذبيتها للطلاب الدوليين)؛ والتعهدات الدولية (قوة الشبكة الدبلوماسية للدولة، وإسهامها في التنمية والانخراط العالميَّيْن)[37]. ويعيب هذا المؤشر تركيزه على استعراض القوة الناعمة بدلًا من قياس كيفية استقبالها من المستهدَفين، علاوة على خلطه بين أدوات القوة الناعمة وفواعلها ومنفّذيها.

مؤشر القوة الناعمة العالمي

بدأت بعض المؤسسات الدولية بإصدار تقارير سنوية تنطوي على مؤشرات لقياس القوة الناعمة للدول، وتحديد الممارسات التي تتبعها في سبيل تعزيز قوتها الناعمة. ومن أبرز هذه التقارير ما يتصل بمؤشر القوة الناعمة العالمي (Global Soft Power Index)، الذي تصدره مؤسسة براند فاينانس (Brand Finance)، ويشمل مجموعة كبيرة من الدول، ويُوسّع كذلك من حجم العينة التي تشملها الاستطلاعات والاستبانات، إذ يُجرَى في العادة استطلاعان للآراء، أحدهما يستهدف الجمهور العادي، والآخر موجّه إلى الخبراء، من أكاديميين ورجال أعمال ومحللين ماليين، وصحفيين من باحثي مراكز الأبحاث [...]. ويجري حساب المؤشر من خلال حاصل جمع الدرجات التي تحصل عليها كل دولة في فئات ثلاث أساسية: الألفة (familiarity)، والسمعة (reputation)، والتأثير/ النفوذ (influence). وفيما يتعلق بفئة التأثير، فتُحسَب بناء على بنود سبعة، تُعرف بالأعمدة السبعة للقوة الناعمة، وهي: التجارة والأعمال، والحوكمة، والعلاقات الدولية، والتراث والثقافة، والتواصل والإعلام، والتعليم والعلوم، والشعوب والقيم. ونظرًا للظرف الاستثنائي الذي مر به العالم، والمتمثل في جائحة كورونا، أُضيف بند ثامن، هو: "الاستجابة لجائحة كوفيد-19"، ومدى نجاح الدولة في التعامل مع الوباء[38]. ويأتي الإعلان عن التقرير سنويًا على هامش القمة العالمية للقوة الناعمة، التي تُنظّمها المؤسسة ذاتها، وبحضور نخبة من المهتمين والسياسيين والأكاديميين، من بينهم جوزيف ناي نفسه. ويعتمد المقياس على تعريف مُعيّن للقوة الناعمة، يضع في الحسبان مستجدات العصر، وتطورات الممارسات، والنماذج المرتبطة بالقوة الناعمة. ويتلخّص التعريف في مدى قدرة الدولة على التأثير في تفضيلات مختلف الأطراف وسلوكاتها في الساحة الدولية، من دول ومنظمات وشركات ومجتمعات وشعوب، عبر الجذب والإقناع عوضًا عن الإرغام بالقوة.

[الجدول 1] - ترتيب الدول وفقًا لمؤشر القوة الناعمة العالمي في التقارير من 2020-2023

الترتيب​

2020

2021

2022

2023

1

الولايات المتحدة

ألمانيا

الولايات المتحدة

الولايات المتحدة

2

ألمانيا

اليابان

المملكة المتحدة

المملكة المتحدة

3

المملكة المتحدة

المملكة المتحدة

ألمانيا

ألمانيا

4

اليابان

كندا

الصين

اليابان

5

الصين

سويسرا

اليابان

الصين

6

فرنسا

الولايات المتحدة

فرنسا

فرنسا

7

كندا

فرنسا

كندا

كندا

8

سويسرا

الصين

سويسرا

سويسرا

9

السويد

السويد

روسيا

إيطاليا

10

روسيا

أستراليا

إيطاليا

الإمارات

وقد صدرت عن المقياس حتى الآن أربعة تقارير عن السنوات من 2020-2023، وجاءت الولايات المتحدة في المرتبة الأولى في الترتيب العام للمؤشر في إصداره الأول، بمؤشر قوة 67.1 من مئة، وبفارق كبير عن ألمانيا التي احتلت المركز الثاني. وحصلت الولايات المتحدة على هذا التقييم لتمتّعها بنفوذ كبير في العلاقات الدولية، وحصولها على أعلى الدرجات فيما يتعلق بدرجة الألفة (familiarity) والتأثير، والجذب الاقتصادي الاجتماعي الثقافي، وإن كانت قد حصلت على مرتبة متدنية فيما يتعلق بمجال "العمل المناخي" و"العلاقات مع البلدان الأخرى". من جهتها، جاءت المملكة المتحدة في المرتبة الثالثة، على الرغم من عدم اليقين الذي أحاط بها بعد انسحابها من الاتحاد الأوروبي، ولكنها أظهرت أداءً ثابتًا في المجالات السبعة للمؤشر، ما يدل على سمعتها القوية في العالم، والنظر إليها على أنها رائدة في مجالات مثل التعليم والعلوم والثقافة. هذا علاوة على أثر العائلة المالكة البريطانية، التي كان لها أثر في زيادة الألفة في البلاد مع ارتفاع سمعتها. وأدت القوة الاقتصادية لسويسرا، وجاذبيتها السياحية، ومنتجاتها الثقافية، أدوارًا أساسية في دعم القوة الناعمة لها عاليًا[39]. وضمنت السويد مكانًا ضمن أفضل 10 دول في مجال السمعة والحوكمة، بسبب جهودها المستمرة في مجالات مكافحة تغير المناخ، والرفاه الاجتماعي، وحقوق الموظفين. وقد احتلت السويد المرتبة الأولى في التصنيف الصديق للبيئة، بفضل الناشطة غريتا ثونبرغ (Greta Thunberg، 2003-) إلى حد كبير[40].

في القارة الآسيوية، تربعت اليابان على عرش القوة الناعمة في 2020، لتمتعها بعلامات تجارية قوية، وجاذبيتها للاستثمار التجاري، وثقافتها الغنية، وتكنولوجيتها المبتكرة. كذلك سجلت كوريا الجنوبية درجات عالية، لا سيما في مجال الأعمال والتجارة. وشهدت كلٌّ من الصين وروسيا ارتفاعًا كبيرًا في التصنيفات، إلا أنهما أظهرتا فجوة بين النفوذ والسمعة، ففي الوقت الذي تتمتّعان فيه بترتيب جيد فيما يتعلق بالنفوذ، فإن سمعة كلٍّ منهما لا تزال تواجه تحديات، بوصفهما أقل انفتاحًا وديمقراطية من كثير من الدول الغربية، وأقل احترامًا لحقوق الإنسان[41]. تعتمد الصين أساسًا في تعزيز قوتها الناعمة على استثماراتها الأجنبية المباشرة في أكثر من 70 دولة، ضمن مبادرة "الحزام الواحد - الطريق الواحد" {{مبادرة "الحزام الواحد - الطريق الواحد": مبادرة صينية في الاقتصادية والبنية التحتية تهدف إلى تعزيز التجارة والاستثمار بين الصين والدول الأخرى في آسيا وأوروبا وأفريقيا. وعلى الرغم من الانتقادات التي يثيرها بعضهم بشأن المبادرة بسبب تأثيرها البيئي الاجتماعي، فقد أسهمت أيضًا في تعزيز القوة الناعمة للصين}}. علاوة على ذلك، تستخدم الصين أيضًا الثقافة لتعزيز صورتها العالمية، وتفعل ذلك من خلال دعم المعاهد الصينية في الخارج، وتمويل ترجمة الأعمال الصينية إلى لغات أخرى، وتنظيم فعاليّات ثقافية صينية في جميع أنحاء العالم[42].

في عام 2021، فقدت الولايات المتحدة مركزها المتفوّق بوصفها قوة ناعمة عُظمى، فقد كان للحملة الانتخابية المضطربة التي شهدتها في هذه المدة، والاستجابة غير المنضبطة لجائحة كوفيد-19، أثرهما في انخفاض مؤشر القوة الناعمة لها بمقدار 9 درجات، ومن ثم الهبوط من المركز الأول إلى المركز السادس. كذلك أدت حالة الاستقطاب التي شهدها المجتمع الأميركي، خلال السنة الأولى من الولاية الأولى للرئيس دونالد ترمب (Donald J. Trump، 1946-)، إلى تدهور قوة واشنطن الناعمة[43]. بدورها، حافظت المملكة المتحدة على مكانتها في المركز الثالث في 2021، وإن سجلت انخفاضًا قدره 9.3 نقطة، يرجع أساسًا إلى التصورات بشأن تعاملها مع الوباء، والانتقادات الواسعة التي وُجِّهت في ذلك الوقت إلى حكومة بوريس جونسون (Boris Johnson، 1964-) بعدم وضوح منهجها في العمل على الحد من انتشار الڨيروس، وترددها في فرض الإغلاق. على الرغم من ذلك، فقد جاءت المملكة المتحدة في المرتبة الأولى عالميًا في البعد الخاص بالإعلام والاتصالات، متجاوزة بذلك الولايات المتحدة الأميركية، ويرجع ذلك إلى المكانة التي تتمتع بها وسائل الإعلام البريطانية في العالم، لا سيما تلك الخاصة بشبكة بي بي سي (BBC)، التي تُعَد من أعظم أدوات القوة الناعمة للمملكة المتحدة.

بالمثل، شهدت دول أخرى انخفاضًا عامًّا في درجات مؤشر القوة الناعمة في 2021، نتيجة تعاملها أيضًا مع الجائحة، وما ترتب عليه من تقديرات سلبية في مقاييس التأثير والثقافة والتراث والشعب والقيم. وقد جاءت فرنسا ضمن تلك الحالات، إذ سجّلت انخفاضًا في عدة ركائز للقوة الناعمة، خاصةً في الثقافة والتراث والتأثير، التي غالبًا ما ترتبت على ضعف حركة السياحة بسبب الوباء، ومن ثمّ قلّ عدد الأشخاص الذين تمكنوا من تجربة ثقافة فرنسا وتراثها ومأكولاتها، وإن كانت ركيزة الأعمال والتجارة فيها لم تشهد إلا انخفاضًا هامشيًا.

عانت كلٌّ من الصين وروسيا انخفاضًا في تقديراتهما، خاصةً في ركيزتَي السمعة والعلاقات الدولية، وفي حين أن الصين احتفظت بمكان ضمن العشرة الأوائل، فقد تراجعت روسيا إلى المركز الثالث عشر. وقد تأثر تقييم الصين أساسًا بالتغطية الإعلامية العالمية لِما حدث في مدينة ووهان (Wuhan)، بؤرة وباء كوفيد-19، وذلك على الرغم من معالجة السلطات للأزمة بشكل فعّال، وتسجيل نمو إيجابي في الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2020. وقد شهدت الصين انخفاضًا في تقييم ركيزة الحوكمة، بسبب التصورات الغربية لنظامها السياسي، التي تقف عائقًا أساسيًا أمام قدرتها على تحسين قدراتها العامة.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


ويُلحَظ في تقرير 2021 كيف عانت كلٌّ من إيطاليا وإسبانيا من انخفاض كبير في تقديراتهما وفقًا للمؤشر، فقد هبطت الأولى ثماني مراتب إلى المركز التاسع عشر، وخرجت الأخرى من المراكز العشرين الأولى. ويرجع ذلك إلى تصدر الدولتين، في بداية الوباء، عناوين الصحف الرئيسة في جميع أنحاء العالم، بسبب ارتفاع أعداد الوفيات الناجم عن الموجة الأولى. أما ألمانيا، فقد تفوّقت على الولايات المتحدة، وأصبحت القوة الناعمة العُظمى الرائدة في العالم في 2021، متفوقةً، بما يزيد على ست نقاط، على اليابان صاحبة المركز الثاني. وقد احتلت ألمانيا المرتبة الأولى في خمسة من مقاييس المؤشر، لا سيما فيما يتعلق بالحوكمة والأعمال والتجارة. ومن الأسباب الأساسية التي دفعت بألمانيا إلى هذه المكانة، استجابة رئيسة الوزراء الألمانية السابقة أنجيلا ميركل (Angela Merkel، 1954-) للجائحة، التي تمتعت بالمصداقية والمنهجية المنتظمة في التعامل، والتي أدت إلى تسجيل ألمانيا أقل عدد من الحالات لكل مئة ألف، مقارنة بنظيراتها في أوروبا الغربية.

ظهرت خلال تقرير عام 2021 خمس عشرة دولة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤشر القوة الناعمة. كذلك شهدت جميع دول المنطقة التي ظهرت في تقرير 2020 تحسنًا في درجاتها: الإمارات العربية المتحدة (+ 2.4 نقطة)، المملكة العربية السعودية (+ 2.3 نقطة)، قطر (+ 3.8 نقطة)، مصر (+ 3.5 نقطة)، إيران (+ 0.4 نقطة)، الجزائر (+ 1.3 نقطة)، العراق (+ 2.5 نقطة). وجاءت الإمارات العربية المتحدة الدولة الأعلى تصنيفًا في المنطقة، بتقدير 48.4 من مئة، ويعود ذلك إلى ارتفاع تقييمها فيما يتعلق بمجالات الحوكمة والتعليم والعلوم والشعب والقيم. كذلك شهدت كلٌّ من قطر والمملكة العربية السعودية تحسينات ملحوظة في ركيزة الحوكمة، وارتفاعات كبيرة في التصورات الإيجابية عن قادتهما، والنظر إليهما على أنهما دولتان تتمتعان بالأمن والاستقرار[44].

في تقرير عام 2022، عادت الولايات المتحدة إلى صدارة تصنيف مؤشر القوة الناعمة العالمي، بعد تجاوزها المرحلة الصعبة لجائحة كورونا. وشهدت واشنطن أسرع تحسن سنوي، عبر العلامات التجارية لجميع الدول التي يضمها التقرير، فقد سجلت ارتفاعًا قدره +14.8 نقطة. وجاءت كل من المملكة المتحدة وألمانيا والصين بعدها في الترتيب على التوالي، وكلها دول أدت دورًا فعالًا في انتشال العالم من الأزمة الصحية عبر تطوير اللقاحات. ويرجع السبب الرئيس في عودة الولايات المتحدة إلى الصدارة، إلى التغير الهائل في درجة استجابتها للجائحة، علاوة على التحسينات التي شهدتها أيضًا في مجالات السمعة والحوكمة والشعب والقيم، تحت تأثير إدارة الرئيس جو بايدن (Joe Biden، 1942-)، وابتعاده عن نهج "أميركا أولًا"، الذي دأب الرئيس ترامب على تكراره، وسبَّب كثيرًا من النفور الدولي عن الولايات المتحدة، علاوة على سياسات الأخير الداخلية المثيرة للانقسام. ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تعاني من تقديرات منخفضة في أبعاد تتعلق بالأمن والحماية، بسبب الجرائم المتعلقة بالأسلحة، وتداول صور عنف الشرطة في التعامل مع السود من المواطنين، وكلها أمور تؤثر في التصورات الدولية، وستستمر في التأثير حتى تُعالَج هذه القضايا من الجذور.

من جانبها، حققت الصين أفضل أداء لها على الإطلاق في مؤشر القوة الناعمة العالمي في 2022، متجاوزةً اليابان في القارة الآسيوية، فقد شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في درجة مؤشر القوة الناعمة بمقدار +9.9 درجة، ما أدى إلى انتقالها من المركز الثامن إلى المركز الرابع في التصنيف العالمي. وقد جاءت الصين في المرتبة الرابعة في مجال الألفة الدولية، وحلّت الثانية في مجال التأثير، وارتفعت تقديراتها فيما يتعلق بالسمعة، بعد الانخفاض الذي لحق بها مع أزمة كورونا، ويرجع السبب في ذلك الارتفاع إلى الأداء الجيد الذي قدمته، لا سيما فيما يتعلق بمجال الأعمال والتجارة، فقد جاءت في المرتبة الأولى، متفوقةً بذلك على كلٍّ من الولايات المتحدة وألمانيا واليابان. بالنسبة لروسيا، فقد كان لحربها مع أوكرانيا أثرها في تدهور تقديرها للقوة الناعمة بشدة، فقد اتهمها الجمهور في معظم الدول بالمسؤولية عن الصراع، وإن كانت الآراء في كلٍّ من الهند والصين أكثر دعمًا للموقف الروسي[45].


في تقرير 2023، فقدت روسيا كثيرًا من سمعتها في مجال القوة الناعمة، ففي الوقت الذي زادت فيه تقديرات شهرتها وتأثيرها بسبب قرارها خوض الحرب، تعرضت سمعتها الإجمالية لأضرار جسيمة (التدهور من المرتبة 23 إلى 105)، ما ترتب عليه خروجها من المراكز العشرة الأولى في التصنيف العام للمؤشر. بدورها، واصلت الولايات المتحدة تقدّمها على وسوم الدول الأخرى (nation-brands)، بارتفاع قدره +4.1 نقطة، فقد تحسنت تصورات الاقتصاد الأميركي، واحتلت الولايات المتحدة المركز الأول في الأعمال والتجارة، متقدمة على الصين. كذلك استفادت الولايات المتحدة من إدخال سمة جديدة، وهي "الاستثمار في استكشاف الفضاء"، المندرجة تحت ركيزة التعليم والعلوم.

وعلى الرغم من أن الصين شهدت نموًا محدودًا في تقدير مؤشر القوة الناعمة، فقد تراجعت في الترتيب من المركز الرابع في عام 2022 إلى المركز الخامس في 2023، وإن كانت لا تزال تتجاوز اليابان. كذلك احتفظت الصين بالمرتبة الثانية في العالم من حيث التأثير، والثالثة في ركيزة التعليم والعلوم. وفيما يتعلق بالاستثمار في استكشاف الفضاء، حلت في المركز الثالث. وتحتفظ بأعلى المراكز في "سهولة التعامل" و"إمكانات النمو المستقبلي".

عمومًا، لم يكن هناك كثير من التغيّرات في المراكز العشرة الأولى، إلا التقديرات الخاصة بدولة الإمارات العربية المتحدة، فقد حققت الإمارات أعلى درجة لأي وسم وطني في الشرق الأوسط بحسب التقرير، ووصلت الزيادة في 2023 إلى 3.2 نقطة، ما نتج منه انتقالها من المركز الخامس عشر إلى العاشر، وكان لزيادة تقديراتها في السمعة والتأثير أثرها في تحقيق هذا التقدم[46].

من القوة الناعمة إلى القوة الذكية

يرى جوزيف ناي أن كلًّا من القوتَيْن الناعمة والصلبة وجهان لعملة واحدة، وغالبًا ما تُعزِّز إحداهما الأخرى وتتداخلان بقوة. وقد تعمق ناي بشكل أكبر في مفهوم القوة الناعمة في كتابه الصادر عام 2004 بعنوان: القوة الناعمة: وسائل النجاح في السياسة العالمية[47]، وأكد فيه على أن القوة الناعمة ما هي إلا مكون واحد فقط للقوة، ونادرًا ما تكون كافية بمفردها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى القوة الصلبة، التي قد تكون شرطًا ضروريًا للأمن القومي، ولكنها ليست كافية وحدها، ومن ثم فإن الجمع بينهما من خلال استراتيجيات ناجحة قائمة على الخبرة والتحليل، هو ما يمكن أن نطلق عليه القوة الذكية[48]. ويرتبط مفهوم القوة الذكية على هذا الشكل، بالمقدار الصحيح من كلتا القوتين، علاوة على توظيفه في السياق المناسب[49]. وتتطلب القوة الذكية تناغم الدول مع سكانها، واستيعابها لرغباتهم، وقدرتها في الوقت نفسه على التمييز بين هذه الرغبات، مع تحقيقها والأهداف المرتبطة بها. كذلك يتطلب الأمر من الدول النظر أيضًا في الآثار الإقليمية والعالمية لأفعالها، وتحديد الاستراتيجيات المناسبة للدبلوماسية التي يجب استخدامها لكل حالة[50].

وتتخذ القوة الذكية أشكالًا مختلفة، إلا أنها في الواقع مزيج من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية والسياسية والقانونية والثقافية. وقد طوّر ناي مفهومه عن القوة الذكية أكثر في كتابه الصادر عام 2011 عن مستقبل القوة، ليضم أيضًا القوة السيبرانية، موضحًا فيه ضرورة توقُّف الأميركيين عن طرح الأسئلة بشأن من يُمثّل رقم واحد في العالم، والبدء في طرح أسئلة عن كيفية دمج أدوات القوة المختلفة في استراتيجيات ذكية للتعامل مع دول أخرى، بدلًا من مجرد التغلب عليها[51]. وقد أوضح ناي أن الدول المرشحة للتمتع بالقوة الناعمة في عصر المعلومات؛ هي تلك التي تقترب ثقافتها وأفكارها السائدة من المعايير العالمية المتعلقة بالليبرالية والتعددية والاستقلالية، وتكون لديها قدرة أكبر على الوصول إلى قنوات اتصال متعددة، تُترجَم إلى مزيد من التأثير في كيفية صياغة القضايا؛ وكذلك تلك الدول التي تتعزز مصداقيتها بناءً على أدائها على الصعيدَيْن المحلي والدولي[52]. وقد تبنّى فعلًا كثير من المحللين هذه المنطلقات، في وضع توصيات تتعلق بتطوير الولايات المتحدة لمبادئ ذكية لسياستها الخارجية، في مجالات خمسة أساسية: التحالفات والشراكات والمؤسسات، والتنمية العالمية، والدبلوماسية العامة، والتكامل الاقتصادي، والتكنولوجيا والابتكار.

تأثير التطورات التكنولوجية في القوة الناعمة

أثرت التطورات في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في طبيعة القوة وانتشارها، ومن ثم في ممارسة القوة الناعمة، فقد سمح تطور القنوات التلفزيونية على الأقمار الاصطناعية -على سبيل المثال- بدخول أنماط حياتية وثقافية لمجتمعات مختلفة إلى كثير من المنازل حول العالم، ومن ثم نشر القوة الناعمة لمجتمعات بعينها. كذلك ينطوي عالم الإنترنت على كثير من الأدلة التي يمكن استخدامها لقياس مدى جاذبية دولة عن الأخرى وتأثيرها، إذ تتمتع الأفلام وغيرها من مواد الترفيه بحضور كبير على الإنترنت. ومن ثم، يكشف تتبع المعجبين والمشاركين في هذه المساحات فواعل جديدة في العلاقات الدولية، أكثر عرضة للتأثر بهذه المصادر للقوة الناعمة. كذلك يُمثل التزايد السريع للتعليم عبر الإنترنت مساحة واعدة أخرى لفحص علاقات القوة الناعمة عبر القومية[53]، ويُلحَظ كذلك العدد المتزايد من البلدان التي تلجأ إلى منصات المشاركة الرقمية، من أجل ممارسة الدبلوماسية وإدارة شؤونها الدولية، ما يؤشر إلى إمكانية حدوث "تحول تكنولوجي" في التفكير في القوة الناعمة[54]، أو ما يُطلَق عليه "القوة الناعمة لوسائل الإعلام الاجتماعية". قد تمارس وسائل التواصل الاجتماعي أشكالًا جديدة من القوة الناعمة، عن طريق تدعيم الاهتمام الدولي بموضوع ما، وتشجيع المشاركة فيه، وتحقيق التعاطف مع قضية معينة تتبناها الدولة أو جهات فاعلة غير حكومية، فقد غيرت وسائل الإعلام الجديدة اتجاه نشر رسائل القوة الناعمة، من مصادرها الدبلوماسية التقليدية المقتصرة على الدول إلى فواعل أخرى، مثل منظمات المجتمع المدني، والأحزاب، والجامعات، والمشاهير، إلخ[55]، التي قد تؤدي أدوارًا مباشرة في السياسة العالمية، انطلاقًا من ممارسة القوة الناعمة.

لطالما كان للتغيّرات في مجال المعلومات تأثير مهم في ممارسة القوة، ويُعَد المجال السيبراني بيئة جديدة ومتقلبة من صنع الإنسان، تُقلّل من بعض تباينات القوة بين الفواعل، وتعمل على انتشار القوة والسلطة إلى الفواعل غير الحكومية، بشكل أصبح سمة مميزة للسياسة العالمية في القرن الحادي والعشرين[56]. تتصرف هذه الفواعل أحيانًا على أنها "الضمير العالمي" الذي يُمثّل المصالح العامة، التي تتجاوز نطاق اختصاص الدول الفردية، أو تلك التي عادةً ما تتجاهلها الدول. وتضغط هذه الفواعل، إما مباشرةً على الحكومات وقادة الأعمال لتغيير السياسات، وإما بصورة غير مباشرة، من خلال العمل على تغيير التصورات العامة لِما يجب أن تفعله الحكومات والشركات. ونظرًا لندرة امتلاك هذه الفواعل لموارد القوة الصلبة، فقد عزّزت ثورة المعلومات بشكل كبير من قوتها الناعمة، وجوانبها المرتبطة بالأفكار والثقافات والسياسات[57]. وهكذا، يجري تبادل القوة الناعمة في العالم الرقمي، بوساطة قنوات غير تقليدية تتطوّر باستمرار، ويُعاد تشكيلها بشكل متزايد من الأفراد لا الحكومات، بحيث يصبح التنافس على نشر المعلومات والروايات المختلفة، وعلى اجتذاب الجمهور المستهدَف والتأثير فيه، من خلال جاذبية الرسائل ومصداقيتها[58].

نماذج وخبرات

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

على الرغم من أن مفهوم القوة الناعمة ارتبط لدى كثيرين بالولايات المتحدة الأميركية، نظرًا لإسهامات جوزيف ناي واهتمامه الأساسي بالحالة الأميركية، فإن المفهوم يمكن دراسته في حالات أخرى عدة، وفي سياقات ثقافية وسياسية مختلفة. على سبيل المثال، تُعد جمهورية مصر العربية من الأمثلة التقليدية على القوة الناعمة في المنطقة العربية، التي تستند بالأساس إلى تراثها الثقافي والفكري والسياسي. هذا علاوة على وجود كثير من مؤسسات القوة الناعمة في العاصمة المصرية، مثل الجامع الأزهر، أقدم مؤسسة للتعليم الديني في العالم الإسلامي السني. وكان أيضًا للأنشطة الثقافية المصرية الكثيرة، وخاصةً فيما يتعلق بصناعة الترفيه، أثرها في تأثر كثير من المجتمعات العربية بأنماط الحياة والفكر المصرية[59]. كذلك يوجد تأثير ديموغرافي مصري على الإقليم، من خلال تجمّعات المغتربين في المجالات المختلفة، ونشرهم الثقافة المصرية في البلاد المجاورة. ومثّلت فترة الخمسينيات والستينيات تحديدًا، ذروة القوة الناعمة لمصر، تحت قيادة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر (1918-1970)، الذي أصبح المتحدث الرسمي باسم القومية العربية الداعية إلى وحدة العرب ومعاداة الإمبريالية. ومثلت القضية الفلسطينية أحد أهم مكوّنات هذا الخطاب، واكتسبت أهمية كبيرة في تصورات عبد الناصر لمصادر التهديد وتعريف الأعداء، وكذلك في قدرته على توجيه الجماهير العربية. وقد وظّف عبد الناصر أدوات مختلفة لتعزيز صورة مصر، وترويج قيمها، وتأليب الجماهير العربية على بعض أنظمتها. ومَثَّل الإعلام أداةً من هذه الأدوات التي وُظِّفت بفاعلية لتحقيق هذه الأهداف؛ ومن أبرز الأمثلة في هذا السياق إذاعة صوت العرب، التي كانت تبثّ لثماني عشرة دولة عربية، والتي روّجت لصورة مصر وأيديولوجيتها عن القومية العربية، وأصبحت منبرًا لمهاجمة خصومها السياسيين، وتعبِئة الرأي العام العربي ضدهم[60]. إلا أن القوة الناعمة المصرية شهدت منذ هزيمة 1967، تراجعًا ملحوظًا على المستوى الإقليمي.

واعتمدت المملكة العربية السعودية على كلٍّ من النفط والإسلام بوصفهما مصدرَيْن أساسيَّيْن لتدعيم قوتها الناعمة، فتمتُّعها بوجود المقدسات الإسلامية على أرضها عزَّز من مكانتها في العالم الإسلامي، لا سيما في ظل استقبالها كل عام لكثير من الحجاج من أرجاء العالم كافة. لذلك، عمدت الرياض إلى تأسيس المنظمات الدولية الإسلامية ودعمها، كرابطة العالم الإسلامي ومنظمة التعاون الإسلامي، لتعزيز قوتها الناعمة وزيادة نفوذها، وخلق شبكات من المتأثرين بالتوجهات الدينية والأيديولوجية للمملكة، بحيث يمكن حشدها لدعم القضايا السياسية وفقًا لتوجهاتها[61].

وقد حظيت القوة الناعمة باهتمام متزايد في المملكة منذ عام 2017، تمثّل في إنشاء وزارة الخارجية وكالة متخصصة تُسمّى وكالة شؤون الدبلوماسية العامة، علاوة على التوظيف المكثف وغير المسبوق لمصادر القوة الناعمة السعودية، عبر الأنشطة والفعاليات والقرارات من مختلف الجهات الحكومية، خاصة وزارات الثقافة والسياحة والخارجية والرياضة والتعليم، والهيئة العامة للترفيه[62]. وقد عملت المملكة في السنوات الأخيرة على تطوير وسمها الوطني، وتحديدًا في جوانبه الثقافية والاجتماعية، وأخذت منذ عام 2015 في التحوّل تدريجيًا من صورة المجتمع المغلق إلى مجتمع أكثر انفتاحًا. وكانت حركة الانفتاح الاجتماعي واحدة من أدوات القوة الناعمة المهمة في هذا الإطار، لذلك اتخذت الدولة خطوات على طريق منح حقوق المرأة، وكذلك زيادة الترفيه في المملكة لإعادة تشكيل الصورة المرتبطة بها، واستثمرت الملايين في إنتاج الأفلام وتطوير قطاع السياحة، لجذب جميع الجنسيات في العالم. كذلك برز الجانب الرياضي في استراتيجية القوة الناعمة للمملكة، فقد أنفقت منذ بداية 2021 وحتى نهاية 2023، ما لا يقل عن 3.6 مليارات دولار على صفقات رياضية، ما أثر بشكل واضح في سوق الانتقالات الدولية لكرة القدم بشكل خاص، مع اجتذاب كبار اللاعبين إلى الدوري السعودي، أو الاستعانة ببعضهم بوصفهم مؤثرين للترويج للمملكة، وهو الاستثمار الذي يُفترَض أن يدعم مكانة جديدة للمملكة، تُمكّنها من التبادل الثقافي مع العالم، والتأثير في الرأي العام العالمي. وسيزداد هذا الأمر بالتأكيد مع حصول المملكة على حق استضافة كأس العالم 2030، وهو الحدث الذي سيؤدي دورًا كبيرًا في تعزيز القوة الناعمة لها، وتغيير صورتها في العالم[63].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


وكان للتطور الكبير في مجال الاتصالات والمعلومات المصاحب لعملية العولمة أثره في توفير فرص متزايدة للدول الصغيرة، لممارسة قدر أكبر من التأثير على المستويَيْن الإقليمي والعالمي، وظهر ذلك بوضوح في السياق الإقليمي العربي، حيث صعدت فواعل جديدة تعتمد أساسًا على القوة الناعمة في دعم مكانتها الإقليمية. ومن أشهر الأمثلة في هذا السياق، الدور المتصاعد لكلٍّ من قطر والإمارات العربية المتحدة. بدأ الدور القطري في الصعود منذ منتصف التسعينيات، بشكل يتجاوز بكثير ثقلها الإقليمي، بوصفها من الدول الصغيرة، واعتمدت قطر استراتيجية للقوة الناعمة تقوم على ركائز ثلاث أساسية: الركيزة الأولى: استراتيجية إعلام فعالة تعمل على فرض وجود قطر على المسرح الإقليمي، وإرساء شعبية محلية وإقليمية للدولة الصغيرة[64]، وتمثّل ذلك أساسًا في قناة الجزيرة التي أطلقتها قطر عام 1996، والتي أثرت تأثيرًا كبيرًا في المجتمع العربي والسياسة الإقليمية، بوصفها سبّاقة في تقديم الأخبار من رؤية عربية، تعبّر عن آراء قطاعات عريضة في المجتمعات العربية لطالما هُمِّشت أصواتها وآراؤها في السابق. وبذلك، أصبحت الجزيرة سمة أساسية من الوسم الوطني لدولة قطر على المستوى الإقليمي أولًا، ثم العالمي لاحقًا، بعد أن أصبحت شبكة عالمية[65].

وتمثلت الركيزة الثانية في استراتيجية علاقات عامة، وتسويق للترويج لصورة إيجابية عن الدولة، ضمن جهد واسع مرتبط بالدبلوماسية الرياضية والعامة، بهدف إبراز نهضة قطر وحداثتها وثرواتها وقدراتها الابتكارية. وكانت خطوة فوز قطر باستضافة كأس العالم عام 2022 حدثًا فارقًا في هذا المجال، بوصفها أول دولة في الشرق الأوسط تستضيف هذا الحدث الرياضي الأكثر متابعةً في العالم[66]. وكرّست قطر كثيرًا من الموارد لهذا الحدث، ووظّفت كثيرًا من الاستراتيجيات للترويج له، وبناء الوسم الوطني للدولة. وتمثلت هذه الاستراتيجيات في: تكثيف الوسم الوطني والتسويق له، من خلال المشاركة النشطة في الهيئات والروابط الرياضية المختلفة؛ وبناء القدرات في المجال الرياضي لتصبح قطر مركزًا رياضيًا دوليًا؛ والحرص على تنظيم الفعاليات الرياضية المتنوعة، وبناء المنشآت الرياضية المتميزة في هذا السياق؛ إلى جانب توظيف الشخصيات الرياضية الشهيرة ليكونوا سفراء للدبلوماسية الرياضية القطرية[67]. علاوة على ذلك، فقد حرصت قطر على الترويج لنفسها بوصفها مركزًا إقليميًا للتعليم، فقدّمت حوافز مالية لتشجيع عدد من الجامعات المرموقة على إقامة شراكات وافتتاح فروع لها في المدينة التعليمية بالدوحة، لجذب الطلاب الأجانب من أجل القدوم إلى قطر والدراسة فيها، ومن ثم التعرف إلى ثقافتها والتطورات الحادثة فيها[68].

الركيزة الثالثة هي حملات العلاقات العامة لكسب التأييد، والحفاظ على التحالفات الاستراتيجية للبلاد، لا سيما في مواجهة استراتيجيات منافسة تسعى إلى عزلها أو تقزيم دورها. واهتمّت قطر في هذا السياق بتعزيز مبادراتها الدبلوماسية والمواقف المستقلة لسياستها الخارجية، واستضافت كذلك كثيرًا من المؤتمرات الدولية، وتوسّطت في النزاعات والصراعات للوصول إلى توافقات، كما حدث في حالة السودان وفلسطين ولبنان واليمن. وكان لحرص قطر على مد خطوط الاتصال بين أطراف متعددة ومعسكرات متنوعة، أثره في قدرتها على تأدية أدوار الوساطة والاتصال بين الخصوم[69].

وقد حققت دولة الإمارات العربية المتحدة مكانة متميزة في مجال القوة الناعمة عالميًا، وانضمّت حديثًا للعشرة الكبار في مؤشر القوة الناعمة، واحتلت المكانة الأولى على المستوى العربي. وقد أولت الدولة اهتمامًا خاصًا للقوة الناعمة، ووضعت في عام 2017 استراتيجية من أربعة أهداف لدعمها، تقوم على: تطوير هوية موحدة للبلاد في المجالات المختلفة، وتعزيز موقع الإمارات بوصفها بوابة للمنطقة العربية وعاصمة للثقافة والفن والإعلام والسياحة والعلم في العالم العربي، وتطوير شبكات دولية فاعلة من الأفراد والمؤسسات حول العالم، وكذلك ترسيخ سمعة البلاد بوصفها دولة حديثة منفتحة متسامحة، ومحبّة لشعوب العالم كافة. وجرى العمل على محاور أساسية لتفعيل تلك الاستراتيجية، تشمل: الدبلوماسية الإنسانية، ودبلوماسية الشخصيات والتمثيل الدولي، والدبلوماسية الشعبية، والدبلوماسية العلمية والأكاديمية، والدبلوماسية الثقافية والإعلامية، والدبلوماسية الاقتصادية، والهوية الموحدة[70].

وقد وظفت الإمارات الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية لتفعيل نموذج قوتها الناعمة: سياسيًا: ركزت الإمارات على حقيقة أنها النموذج الاتحادي الوحيد الناجح في المنطقة؛ واقتصاديًا: استفادت الدولة من تطورها بوصفها مركزًا عالميًا للأعمال والتجارة والسياحة، للترويج للـ"معجزة" الاقتصادية في دبي، وجعلها عنصر جذب للعالم الخارجي. واهتمت في هذا السياق بتطوير معالم سياحية وإنشائها، لتصبح علامة مميزة للدولة تجعلها مقصدًا لسكان العالم، مثل برج خليفة وجزيرة النخلة. هذا علاوة على توظيف شركتَي الطيران: الاتحاد، والإماراتية، في الترويج للإمارات، وكذلك العمل على جذب المشاهير والمبدعين للقدوم إلى دبي، من خلال توفير الإقامة الذهبية، أو تنظيم الفعاليات ودعوتهم إليها؛ ثقافيًا: اهتمت الإمارات بتصوير نفسها بوصفها دولة تُقدّر الثقافة والتنوع الثقافي الديني، علاوة على وصفها حاضنة للثقافة العربية. ومن هنا، جاء افتتاحها لمتحف اللوفر - أبو ظبي، وإقامة منطقة السعديات الثقافية[71]. وتندرج في هذا الإطار المبادرات الثقافية على المستوى العربي، إذ تحتل الإمارات الصدارة في تأسيس ورعاية مبادرات وجوائز ثقافية عربية، تسهم في إنتاج الثقافة العربية ونشرها، مثل: جائزة الشيخ زايد للكتاب، والجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، ومسابقة شاعر المليون، ومسابقة أمير الشعراء وغيرها. كذلك حرصت أبو ظبي على رسم صورة الدولة المنفتحة المتسامحة مع جميع الثقافات والديانات، فأصدرت قانون عام 2015 لمكافحة التمييز ونبذ الكراهية وازدراء الأديان، وأقامت أماكن لممارسة الشعائر والمعتقدات الدينية المختلفة. كذلك كرّست الإمارات كثيرًا من الجهد لدعم ما يُسمّى بـ"الإسلام الوسطي"، فأسّست مركز هداية عام 2012، ومركز صواب عام 2015، لمحاربة التطرف في الساحات الفكرية وساحات الفضاء الإلكتروني، وذلك لتعزيز صورتها بوصفها دولة وسطية، ومجتمعًا متسامحًا يقبل التعايش مع الآخر[72].

وتتشابه الإمارات مع قطر فيما يتعلق بالاهتمام بالدبلوماسية الإنسانية، وتقديم المساعدات الإنمائية للدول النامية، وتوفير الإغاثة للدول التي تواجه الكوارث. كذلك تهتم بالاستثمار في التعليم، وافتتاح فروع للجامعات الغربية الكبرى فيها، لتقديم جودة تعليم أفضل للمواطنين، وجذب الطلاب الأجانب واستقطابهم للقدوم إلى الإمارات والعيش فيها، والتعرف أكثر إلى طبيعة المجتمع والدولة[73].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


إقليميًا أيضًا، تعد تركيا واحدة من الدول الفاعلة في مجال توظيف القوة الناعمة لدعم مكانتها الخارجية وسياساتها الإقليمية، وقد برز ذلك تحديدًا مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002، وتغييره لوجهة تركيا الخارجية من الغرب، في ظل تبدّد آمال الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إلى الشرق حيث عمقها التاريخي الجغرافي الإسلامي. ووظفت أنقرة مجموعة من المصادر لدعم قوتها الناعمة، ومنها العوامل الأيديولوجية، إذ تبنّى حزب العدالة والتنمية سياسة جديدة عُرِفت بـ "العثمانية الجديدة"، للترويج لإعادة الارتباط بالمناطق التي كانت في السابق تحت الحكم العثماني، لا سيما في البلقان والشرق الأوسط[74]. وجرى التركيز على العامل الديني، خاصةً على مستوى الخطاب، بوصفه القاسم المشترك الرئيس بين المجتمع التركي والمجتمعات العربية والإسلامية. هذا علاوة على الترويج للنظام السياسي في تركيا تحت حكم العدالة والتنمية، بوصفه نموذجًا يُحتذى به في التوفيق بين الديمقراطية والعلمانية والإسلام[75]. كذلك عملت تركيا على نشر ثقافتها، فزادت من وسائل الإعلام التي أخذت في الترويج الثقافي للمجتمع التركي، وأصبحت الثقافة الشعبية التركية من الصادرات الرئيسة للبلاد، وأدّت دورًا في تكوين صورة إيجابية عنها[76]. ويبرز هنا تحديدًا دور المسلسلات التلفزيونية التركية التي أصبحت قوة جذب لكثير من بلدان الشرق الأوسط، خاصةً العربية منها، إذ حقّقت نسبًا عالية من المشاهدة. وبفضل ذلك، تمكنت تركيا من استقطاب الرأي العام العربي، واكتسبت قاعدة جماهيرية تدعو إلى تبني الأفكار التركية والسياسات المرتبطة بها، علاوة على تزايد نفوذها الدبلوماسي والثقافي. ويؤدي أيضًا المركز الثقافي التركي (معهد يونس إمره) دورًا في السياسة الخارجية التركية في الشرق الأوسط، من خلال العمل على نشر الثقافة واللغة والتعريف بتاريخ تركيا، من خلال إقامة الدورات التعليمية، وتنظيم الفعاليات المختلفة في الخارج[77]. وتُعد المساعدات الخارجية التركية الإنسانية والإنمائية مكونًا أساسيًا في قوتها الناعمة، وتمتلك تركيا شبكة قوية من المنظمات الحكومية وغير الحكومية التي تُقدّم المساعدات، وتُعزّز من ثَمّ صورة تركيا بوصفها دولة خَيِّرة، وقد وضح ذلك بشكل خاص تجاه أزمة اللاجئين السوريين، فقد استضافت تركيا الملايين منهم[78].

وتُعد إيران من أبرز النماذج الإقليمية في توظيف القوة الناعمة، منذ ثورتها عام 1979، التي مزجت بين مجموعة من القيم الدينية والسياسية، وضمّت كثيرًا من الرموز الإسلامية وتلك المعادية للغرب. وقد مثلت الثورة الإسلامية في ذاتها أحد الأسس المهمة للقوة الناعمة للجمهورية الإسلامية، ففكرة أن تأتي ثورة اجتماعية وشعبية بحكم إسلامي، كانت مصدر جذب وإعجاب من كثيرين مِمّن ينتمون إلى الإسلام السني، ليس بالضرورة رغبةً منهم في تقليد نموذجها الشيعي في الحكم، ولكن بوصفها حركة تستند إلى الإسلام هزمت نظامًا استبداديًا علمانيًا مدعومًا من الغرب، خاصةً الولايات المتحدة[79]. واستطاعت إيران تحت تأثيرات الثورة استقطاب شخصيات دينية وسياسية من العالمَيْن العربي والإسلامي، من خلال تبني مفهوم الثورة، التي اتخذها الشيعة رمزًا لمقاومة الظلم ونصرة المظلوم ومناهضة الاستعمار. كذلك عملت إيران على دعم قوتها الناعمة في الإقليم من خلال سياستها تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي، ودعمها لحركات المقاومة ضد إسرائيل، إذ عملت على استقطاب الشباب العربي، بظهورها في صورة القوة الوحيدة المهتمة بالقضية الفلسطينية بعد "خُذلان العرب"، وتسويق نفسها على أنها داعمة للمستضعفين وقوى التحرر ضد "قوى الاستكبار". وفعلًا، وجدت هذه المقولات صدًى في الشارع العربي، لا سيما بعد حرب حزب الله في لبنان مع إسرائيل عام 2006، والتأكيد على أنه لا سبيل إلى الحرية والاستقلال سوى الإيمان بـ "الثورة الحسينية"[80].

وتُعد الدبلوماسية الثقافية واحدة من الركائز الأساسية في استراتيجية إيران، إذ وظفت العامل الثقافي في توسيع قوتها الناعمة وتعزيزها، من خلال العمل على نشر تعليم اللغة الفارسية، وتشجيع عملية التبادل الثقافي بينها وبين الدول الأخرى، وتعزيز المبادلات الأكاديمية والعلمية. وقد أدت المراكز الثقافية والبحثية الإيرانية دورًا أساسيًا في هذا الأمر في كثير من دول المنطقة العربية والدول المجاورة. ويُمثّل البُعد الطائفي أيضًا واحدًا من مرتكزات القوة الناعمة في السياسة الخارجية الإيرانية، إذ تعتمد طهران كثيرًا في سياستها الخارجية على عناصر الهوية الشيعية، وهو ما يجعلها تتواصل مع كثير من الحركات والكيانات الشيعية التي استفادت منها طهران في جعل سياستها الخارجية أكثر فاعلية وتأثيرًا. ومن هنا، جاء اهتمام إيران بنشر الحوزات العلمية الشيعية في بعض الدول العربية، مثل سورية ولبنان والسودان والأردن، وإقامة بعض الحسينيات في مصر والأردن، هذا علاوة على دعم المراكز الثقافية والمساجد الشيعية في البلدان التي توجد فيها أقليات مسلمة[81].

شكَّل الإعلام أيضا ركنًا أساسيًا في القوة الناعمة الإيرانية، فقد اهتمت طهران منذ وقت باكر بالأداة الإعلامية، فدعمت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، التي تشمل أكثر من 35 قناة إذاعية وتلفزيونية حكومية. كذلك تتنوّع الفضائيات الإيرانية بين تلك الدينية المعتدلة التي تدعو إلى التقارب والوحدة، وأخرى أكثر تشددًا تُصرّح بالرغبة في نشر التشيع، هذا إلى جانب القنوات السياسية الإخبارية وقنوات الأطفال والقنوات الفنية والتعليمية، التي تبثّ بعضها بلغات عدة[82].

المراجع

العربية

إبراهيم، هديل أحمد وإسماعيل صبري مقلد وعلاء عبد الحفيظ محمد. "القوة الناعمة الإيرانية: مصادرها وأساليب استخدامها". المجلة العلمية لكلية التجارة جامعة أسيوط. العدد 72 (2021).

باكير، علي. "نحو إطار نظري في صناعة القوة الناعمة". سياسات عربية. مج 9، العدد 53 (2021).

حميدو، كمال. "الإعلام والرياضة أداتَين لبناء السمة الوطنية والتسويق لها: الاستراتيجية القطرية نموذجًا". سياسات عربية. مج 10، العدد 57 (2022).

خضر، رانيا علاء الدين. "ملامح القوة الناعمة المصرية". المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة. العدد 3 (2020).

الدرعي، حمدان محمد. "استراتيجية القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة". مجلة القانون المغربي. العدد 64 (2021).

عزيز، زيد كريم وزيد علي الخفاجي. "القوة الناعمة في السياسة الخارجية التركية تجاه منطقة الشرق الأوسط: دراسة في الجغرافيا السياسية". مجلة جامعة بابل للعلوم الإنسانية. مج 28، العدد 2 (2020).

العواد، تركي بن صالح. "القوة الناعمة: تعريفها ومصادرها وأهميتها واختلافها عن القوة الصلبة". مجلة الدراسات الدولية. العدد 27 (2016).

كاتب، سعود. "نحو رؤية شاملة لاستراتيجية وطنية للقوة الناعمة السعودية". مركز أسبار. يونيو 2020.

معوض، علي جلال. مفهوم القوة الناعمة وتحليل السياسة الخارجية. الإسكندرية: مركز الدراسات الاستراتيجية بمكتبة الإسكندرية، 2019.

ناي، جوزيف س. القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية. ترجمة محمد توفيق البجريمي. تقديم عبد العزيز عبد الرحمن الثنيان. الرياض: مكتبة العبيكان، 2007.

هيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية. استراتيجية القوة الناعمة لدولة الإمارات. أبو ظبي: 2017. في: https://bit.ly/41b2QX9

الأجنبية

Alhussein, Eman. "Football’s Coming Home: Saudi League and Fan Base Get a Big Boost." The Arab Gulf States Institute in Washington. 22\6\2023. at: https://bit.ly/3RlXntm

Armitage, Richard L. & Joseph S. Nye, Jr. (eds.). CSIS Commission on Smart Power: A Smarter More Secure America. Washington, DC: CSIS Press, 2007.

Brand Finance. "The Decline of US Soft Power? Last Year's Ranking Leader, America Plummets Down the Global Soft Power Index." Cision PR Newswire. 2/3/2021. at: https://bit.ly/47U8Ky4

Çevik, Senem B. "Reassessing Turkey’s Soft Power." Alternatives: Global, Local, Political. vol. 44, no. 1 (2019).

Coutu, Diane. "Smart Power." Harvard Business Review. November 2008. at: https://bit.ly/415F3rt

Dargiel, Jessica. "'Smart Power': A Change in U.S. Diplomacy Strategy." E-International Relations. 21/6/2009. at: https://bit.ly/480gf6w

Erricker, Penny. "Global Soft Power Index 2021: UK Ranked 3rd in World for Soft Power Prowess." Brand Finance. 25/2/2021. at: https://bit.ly/414WbO3

Golob, Brittany. "Global Soft Power Report Examines Reputation, Influence of Nation Brands." Transform Magazine. 26/3/2020. at: https://bit.ly/47Coeah

Hamidou, Kamal. "Qatar’s Soft Power Strategy in Shaping Its International Profile." Middle East Institute Singapore. no. 186 (2018). at: https://mei.nus.edu.sg/publication/insight-186-qatars-soft-power-strategy-in-shaping-its-international-profile/

Haskel, Barbara G. "Access to Society: A Neglected Dimension of Power." International Organization. vol. 34, no. 1 (1980).

Hayden, Craig. "Technologies of Influence: The Materiality of Soft Power in Public Diplomacy (Section Overview)." in: Naren Chitty et al. (eds.). The Routledge Handbook of Soft Power. London: Routledge, 2017.

Jacob, Jacob Udo-Udo. "Cultural Approaches to Soft Power (Section Overview)." in: Naren Chitty et al. (eds.). The Routledge Handbook of Soft Power. London: Routledge, 2017.

Ji, Li. "Measuring Soft Power (Section Overview)." in: Naren Chitty et al. (eds.). The Routledge Handbook of Soft Power. London: Routledge, 2017.

Kelley, John Robert. "Between “Take-Offs” and “Crash Landing”: Situational Aspects of Public Diplomacy." in: Nancy Snow & Philip Taylor (eds.). The Routledge Handbook of Public Diplomacy. London: Routledge, 2009.

Kennedy, Paul. The Rise and Fall of Great Powers: Economic Change and Military Conflict from 1500-2000. New York: Random House, 1987.

Milner, Helen V. Resisting Protectionism: Global Industries and the Politics of International Trade. Princeton: Princeton University Press, 1988.

Mirrlees, Tanner. "American Soft Power of American Cultural Imperialism?." in: Colin Mooers (ed.). The New Imperialists: Ideologies of Empire. London: Oneworld, 2006.

Nye, Joseph. "Cyber Power." Belfer Center for Science and International Affairs. May 2010, at: https://www.belfercenter.org/sites/default/files/pantheon_files/files/publication/cyber-power.pdf

________. "Global Soft Power Index 2022: USA Bounces Back Better to Top of Nation Brand Ranking." Brand Finance. 15/3/2022. at: https://bit.ly/3N9jRLL

________. "Gulf Nations on the Rise in Global Soft Power Index 2023 – UAE, Saudi Arabia, Qatar Climb in New Rankings." Brand Finance. 2/3/2023. at: https://bit.ly/47Cqa2x

________. "Soft Power and American Foreign Policy." Political Science Quarterly. vol. 119, no. 2 (2004).

________. "Soft Power: The Evolution of a Concept." Journal of Political Power. vol. 14, no. 1 (2021).

________. "The Information Revolution and American Soft Power." Asia- Pacific Review. vol. 9, no. 1 (2002).________. "Whatever Happened to Soft Power?." Project Syndicate. 11/1/2022, at: https://bit.ly/3uGk9Do

________. Bound to Lead: The Changing Nature of American Power. New York: Basic Books, 1990.

________. Soft Power: The Means to Success in World Politics. New York: Public Affairs, 2004.

________. The Future of Power. New York: Public Affairs, 2011.

________. The Powers to Lead. Oxford: Oxford University Press, 2008.

Raimzhanova, Aigerim. "Power in IR: Hard, Soft, and Smart." Institute for Cultural Diplomacy and the University of Bucharest. December 2015. at: https://docslib.org/doc/8229309/power-in-ir-hard-soft-and-smart

Rich, Ben & Leena Adel. "Is Saudi Arabia Using ‘Sportswashing’ to Simply Hide its Human Rights Abuses – or Is There a Bigger Strategy at Play?." The Conversation. 6/7/2023. at: https://bit.ly/410Z5na

Rubin, Lawrence, "A Typology of Soft Powers in Middle East Politics." The Dubai Initiative. December 2010.

Thomson, Steve. "Soft Power: Why it Matters to Governments, People, and Brands." Brand Finance. 25/2/2020. at: https://bit.ly/3R4xY5Z

Tuch, Hans. Communicating with the World: US Public Diplomacy Overseas. New York: Palgrave Macmillan, 1990.Wu, Irene S. "Measuring Soft Power with Conventional and Unconventional Data." National Academies. at: https://bit.ly/3T65MlK

Yang-Spooner, Jasmin & Taha Ahmed. "US Tops Global Soft Power Ranking." fDi Intelligence. March 2020, at: https://web.archive.org/web/20240704135913/https://www.fdiintelligence.com/content/news/us-tops-global-soft-power-ranking-77019

مراجع للاستزادة

Chitty, Naren & Lilian Ji & Gary D. Rawnsley (eds.). The Routledge Handbook of Soft Power. London: Routledge, 2023.

Gallarotti, Giulio. "Soft Power: What it is, Why it’s Important, and the Conditions under Which it Can Be Effectively Used." Journal of Political Power. vol. 4, no.1 (2011).

Kurlantzick, Joshua. Charm Offensive: How China’s Soft Power is Transforming the World. New Haven: Yale University Press, 2007.

Nye, Joseph S. "Notes for a Soft-Power Research Agenda." in: Felix Berenkoetter & M. J. Williams (eds.). Power in World Politics. London: Routledge, 2007. pp. 162-172.

________. Power in the Global Information Age: From Realism to Globalization. London: Routledge, 2004.

________. "Public Diplomacy and Soft Power." The Annals of the American Academy of Political and Social Science. vol. 616, no.1 (2008).

________. "Soft Power." Foreign Policy. no. 80 (1990).

________. "The Benefits of Soft Power." Compass: A Journal of Leadership (Spring 2004). at: https://hbs.me/31Q8PX0

________. "The Velvet Hegemon: How Soft Power Can Help Defeat Terrorism." Foreign Policy. no. 136 (May/June 2003).

________. The Paradoxes of American Power: Why the World’s Only Superpower Can’t Go It Alone. Oxford: Oxford University Press, 2002.

Ohnesorge, Hendrik W. Soft Power: The Forces of Attraction in International Relations. London: Springer, 2020.

[1] يشير التعريف التقليدي للقوة إلى تلك الموارد المتمثلة في القدرات العسكرية والمساحة وعدد السكان، إلا أن التحولات العالمية التي حدثت منذ السبعينيات وحتى نهاية الحرب الباردة، قد سلطت الضوء على الأبعاد المختلفة للقوة. ومن هنا أصبحت العوامل الاقتصادية والتكنولوجية والمعرفية مهمة أيضًا في تحليل القوة جنبًا إلى جنب مع العوامل التقليدية، وربما تسبقها في الأهمية.

[2] Joseph Nye, Soft Power: The Means to Success in World Politics (New York: Public Affairs, 2004), p. 6-7.

[3] شكلت هذه الفكرة جوهر الأطروحة الشهيرة للمؤرخ الأميركي -بريطاني الأصل- بول كينيدي في كتابه الصادر عام 1987 عن صعود وهبوط القوى العظمى. ودرس كينيدي القوى العظمى منذ 1500 وحتى 1980، وانتهى إلى أن صعود القوى العظمى يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالموارد المتاحة وقوتها الاقتصادية، موضحًا أن التمدد العسكري المفرط دائمًا ما يصاحبه تراجع نسبي، إذ يصبح طموح هذه القوى، ومتطلباتها الأمنية، أكبر مما تتحمله أو توفره قاعدة مواردها الاقتصادية. للمزيد بشأن هذه الأطروحة، ينظر:

Paul Kennedy, The Rise and Fall of Great Powers: Economic Change and Military Conflict from 1500-2000 (New York: Random House, 1987).

[4] Barbara G. Haskel, "Access to Society: A Neglected Dimension of Power," International Organization, vol. 34, no. 1 (1980), pp. 89-120; Helen V. Milner, Resisting Protectionism: Global Industries and the Politics of International Trade (Princeton: Princeton University Press, 1988).

[5] Joseph Nye, Bound to Lead: The Changing Nature of American Power (New York: Basic Books, 1990), pp. 22-29.

[6] Jessica Dargiel, "'Smart Power': A Change in U.S. Diplomacy Strategy," E-International Relations, 21/6/2009, accessed on 20/9/2025, at: https://bit.ly/480gf6w

[7] Steve Thomson, "Soft Power: Why it Matters to Governments, People, and Brands," Brand Finance, 25/2/2020, accessed on 20/9/2025, at: https://bit.ly/3R4xY5Z

[8] Joseph Nye, The Powers to Lead (Oxford: Oxford University Press, 2008).

على سبيل المثال، بدأت الشركات في جميع أنحاء العالم خلال السنوات الأخيرة بتبنّي مفاهيم المسؤولية الاجتماعية، في سياساتها وعملياتها، اقتناعًا بأن الاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات جزء من ضمان استدامة الأعمال على المدى الطويل. ومن هنا أصبح لديها حافز لدعم استراتيجيات القوة الناعمة في عملها.

[9] تاريخيًا، تُقاس القوة الصلبة من خلال فئات محددة مثل حجم السكان، والإقليم، والموارد الطبيعية، والقوة العسكرية، والاستقرار السياسي.

[10] Nye, The Powers to Lead, p. 31.

[11] يحدد بعضهم ما يُطلق عليه الأعمدة السبعة للقوة الناعمة، وتتراوح بين الثقافة والقيم والسياسة الخارجية، إلى الموارد العلمية والتعليمية للدولة، والتأثير الإعلامي والمناخ الملائم للأعمال.

Thomson, op. cit.

[12] Aigerim Raimzhanova, "Power in IR: Hard, Soft, and Smart," Institute for Cultural Diplomacy and the University of Bucharest, December 2015, accessed on 19/9/2025, at: https://docslib.org/doc/8229309/power-in-ir-hard-soft-and-smart

[13] Nye, Soft Power, p. 11.

[14] Jacob Udo-Udo Jacob, "Cultural Approaches to Soft Power (Section Overview)," in: Naren Chitty et al. (eds.), The Routledge Handbook of Soft Power (London: Routledge, 2017), p. 140.

[15] Joseph Nye, "Soft Power: The Evolution of a Concept," Journal of Political Power, vol. 14, no. 1 (2021), p. 5.

[16] تركي بن صالح العواد، "القوة الناعمة: تعريفها ومصادرها وأهميتها واختلافها عن القوة الصلبة"، مجلة الدراسات الدولية، العدد 27 (2016)، ص 82-83.

[17] جوزيف س. ناي، القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية، ترجمة محمد توفيق البجريمي، تقديم عبد العزيز عبد الرحمن الثنيان (الرياض: مكتبة العبيكان، 2007)، ص 26.

[18]Joseph Nye, "Whatever Happened to Soft Power?," Project Syndicate, 11/1/2022, accessed on 11/9/2025, at: https://bit.ly/3uGk9Do; Nye, Soft Power, p. 15.

[19] Joseph Nye, The Future of Power (New York: Public Affairs, 2011), p. 228.

[20] Nye, Soft Power, p. 17.

[21] علي باكير، "نحو إطار نظري في صناعة القوة الناعمة"، سياسات عربية، مج 9، العدد 53 (2021)، ص 72.

[22] المرجع السابق، ص 72.

[23] Hans Tuch, Communicating with the World: US Public Diplomacy Overseas (New York: Palgrave Macmillan, 1990), p. 3.

[24] John Robert Kelley, "Between “Take-Offs” and “Crash Landing”: Situational Aspects of Public Diplomacy," in: Nancy Snow & Philip Taylor (eds.), The Routledge Handbook of Public Diplomacy (London: Routledge, 2009), p. 73.

[25] علي جلال معوض، مفهوم القوة الناعمة وتحليل السياسة الخارجية (الإسكندرية: مركز الدراسات الاستراتيجية بمكتبة الإسكندرية، 2019)، ص 74.

[26] المرجع السابق، ص 54.

[27] باكير، ص 73.

[28] معوض، ص 67.

[29] العواد، ص 96.

[30] معوض، ص 66.

[31] Joseph Nye, "Soft Power and American Foreign Policy," Political Science Quarterly, vol. 119, no. 2 (2004), p. 256.

[32] يرى أنصار أطروحة الاستعمار الثقافي أن خطاب القوة الناعمة الأميركية عادةً ما يشير إلى أسس الهيمنة الأميركية العالمية، من خلال تصدير القيم الثقافية الأميركية عن طريق الهيئات الحكومية ومؤسسات الإعلام. يُنظر:

Tanner Mirrlees, "American Soft Power of American Cultural Imperialism?," in: Colin Mooers (ed.), TheNew Imperialists: Ideologies of Empire (London: Oneworld, 2006), pp. 198-228.

[33] Raimzhanova, op. cit.; Richard L. Armitage & Joseph S. Nye, Jr. (eds.), CSIS Commission on Smart Power: A Smarter More Secure America (Washington, DC: CSIS Press, 2007), p. 7.

[34] Nye, "Whatever Happened to Soft Power."

[35] Li Ji, "Measuring Soft Power (Section Overview)," in: Naren Chitty et al. (eds.), The Routledge Handbook of Soft Power (London: Routledge, 2017), p. 78.

[36] Thomson, op. cit.

[37] للمزيد من المعلومات عن التقرير، يُنظر: https://softpower30.com/what-is-soft-power

[38] تتمثل منهجية البحث المتبعة من براند فاينانس من أجل إصدار المؤشر في استطلاع رأي أكثر من مئة ألف شخص من أكثر من مئة دولة حول العالم، وذلك بتوجيه أسئلة تُقيَّم ضمن مؤشر التقرير. وتتمحور أسئلة الاستطلاع حول أي الهويات التسويقية للدول تقع ضمن نطاق معرفة العينة، ومدى حضورها في أذهانهم، ودرجة تأثير الدول المتضمنة في الاستطلاع على دولة الشخص المشمول ضمن العينة، وقياس مدى قوة سمعة الدولة عالميًا وإيجابيتها، وتقييم أداء الدول فيما يتعلق بالمرتكزات السبعة المذكورة سابقًا، علاوة على الكيفية التي تعاملت بها الدول مع جائحة كوفيد-19 اعتمادًا على محاور ثلاثة: التعافي الاقتصادي، والرعاية الصحية والتطعيم، والمساعدات الدولية.

[39] Brittany Golob, "Global Soft Power Report Examines Reputation, Influence of Nation Brands," Transform Magazine, 26/3/2020, accessed on 11/9/2025, at: https://bit.ly/47Coeah

[40] Jasmin Yang-Spooner & Taha Ahmed, "US Tops Global Soft Power Ranking," fDi Intelligence, March 2020, accessed 20/10/2023 at: https://web.archive.org/web/20240704135913/https://www.fdiintelligence.com/content/news/us-tops-global-soft-power-ranking-77019

[41] Golob.

[42] Golob.

[43] Brand Finance, "The Decline of US Soft Power? Last Year's Ranking Leader, America Plummets Down the Global Soft Power Index," Cision PR Newswire, 2/3/2021, accessed on 11/9/2025, at: https://bit.ly/47U8Ky4

[44] Penny Erricker, "Global Soft Power Index 2021: UK Ranked 3rd in World for Soft Power Prowess," Brand Finance, 25/2/2021, accessed on 11/9/2025, at: https://bit.ly/414WbO3

[45] Penny Erricker, "Global Soft Power Index 2022: USA Bounces Back Better to Top of Nation Brand Ranking," Brand Finance, 15/3/2022, accessed on 11/9/2025, at: https://bit.ly/3N9jRLL

[46] Penny Erricker, "Gulf Nations on the Rise in Global Soft Power Index 2023 – UAE, Saudi Arabia, Qatar Climb in New Rankings," Brand Finance, 2/3/2023, accessed on 11/9/2025, at: https://bit.ly/47Cqa2x

[47] يُلحَظ أن هذا الكتاب نُشِر في ظل أحداث حرب العراق التي بدأت في 2003، التي مثلت تناقضًا واضحًا لأفكار القوة الناعمة، حيث تفضيل إدارة بوش الابن استخدام القوة الصلبة تحت دعاوي "تحرير العراق"، وفي ظل السياق الأوسع الخاص بـ"الحرب على الإرهاب". وهكذا استُخدِم مفهوم القوة الناعمة في هذا السياق من جوزيف ناي في الغالب، بوصفه أداة تحليلية لانتقاد أوجه القصور في السياسة الخارجية الأميركية. مع انتخاب باراك أوباما رئيسًا للولايات المتحدة، اكتسب مصطلح "القوة الناعمة" اهتمامًا عامًّا واسعَ النطاق، بوصفه مبدأً إرشاديًا يجب اتباعه لتوجيه السياسة الخارجية الأميركية، وفقًا لفهم ناي للسياسة الذكية.

[48] اكتسب تعبير "السياسة الذكية" اهتمامًا إعلاميًا واسع النطاق، بسبب الإشارة المتكررة من وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون إليه في شرح رؤيتها للسياسة الخارجية الأميركية.

[49] Diane Coutu, "Smart Power," Harvard Business Review, November 2008, accessed on 11/9/2025, at: https://bit.ly/415F3rt

[50] Dargiel, op. cit.

[51] Nye, The Future of Power, p. xvii.

[52] Joseph Nye, "The Information Revolution and American Soft Power," Asia- Pacific Review, vol. 9, no.1 (2002), p. 70.

[53] Irene S. Wu, "Measuring Soft Power with Conventional and Unconventional Data," National Academies, accessed on 11/9/2025, at: https://bit.ly/3T65MlK

[54] Craig Hayden, "Technologies of Influence: The Materiality of Soft Power in Public Diplomacy (Section Overview)," in: Naren Chitty et al. (eds.), The Routledge Handbook of Soft Power (London: Routledge, 2017), p. 188.

[55] Ibid., p. 197.

[56] Joseph Nye, "Cyber Power," Belfer Center for Science and International Affairs, May 2010, p. 19, accessed on 15/09/2022, at: https://www.belfercenter.org/sites/default/files/pantheon_files/files/publication/cyber-power.pdf

[57] Nye, "The Information Revolution and American Soft Power," pp. 66-67.

[58] معوض، ص 68.

[59] رانيا علاء الدين خضر، "ملامح القوة الناعمة المصرية"، المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة، العدد 3 (2020)، ص 53، 55.

[60] Lawrence Rubin, "A Typology of Soft Powers in Middle East Politics," The Dubai Initiative, December 2010, p. 9.

[61] Ibid., p. 11.

[62] سعود كاتب، "نحو رؤية شاملة لاستراتيجية وطنية للقوة الناعمة السعودية"، مركز أسبار، (يونيو 2020)، ص 3.

[63] Ben Rich & Leena Adel, "Is Saudi Arabia Using ‘Sportswashing’ to Simply Hide its Human Rights Abuses – or Is There a Bigger Strategy at Play?," The Conversation, 6/7/2023, accessed on 11/9/2025, at: https://bit.ly/410Z5na; Eman Alhussein, "Football’s Coming Home: Saudi League and Fan Base Get a Big Boost," The Arab Gulf States Institute in Washington, 22/6/2023, accessed on 11/9/2025, at: https://bit.ly/3RlXntm

[64] Kamal Hamidou, "Qatar’s Soft Power Strategy in Shaping Its International Profile," Middle East Institute Singapore, no. 186 (2018), p. 3, accessed on 20/10/2023 at: https://mei.nus.edu.sg/publication/insight-186-qatars-soft-power-strategy-in-shaping-its-international-profile/https://mei.nus.edu.sg/wp-content/uploads/2018/07/Qatar-PR-1.pdf

[65] كمال حميدو، "الإعلام والرياضة أداتَين لبناء السمة الوطنية والتسويق لها: الاستراتيجية القطرية نموذجًا"، سياسات عربية، مج 10، العدد 57 (2022)، ص 34.

[66] المرجع نفسه، ص 6.

[67] المرجع نفسه، ص 38.

[68] Rubin, p. 16.

[69] Hamidou, p. 9.

[70] هيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية، استراتيجية القوة الناعمة لدولة الإمارات (أبو ظبي: 2017)، شوهد في 11/9/2025، في: https://bit.ly/41b2QX9https://u.ae/ar-ae/about-the-uae/strategies-initiatives-and-awards/strategies-plans-and-visions/strategies-plans-and-visions-untill-2021/the-uae-soft-power-strategy

[71] حمدان محمد الدرعي، "استراتيجية القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة"، مجلة القانون المغربي، العدد 64 (2021)، ص 156، 158.

[72] المرجع نفسه، ص 158.

[73] Rubin, p. 16.

[74] زيد كريم عزيز وزيد على الخفاجي، "القوة الناعمة في السياسة الخارجية التركية تجاه منطقة الشرق الأوسط: دراسة في الجغرافيا السياسية"، مجلة جامعة بابل للعلوم الإنسانية، مج 28، العدد 2 (2020)، ص 211.

[75] المرجع نفسه، ص 214.

[76] المرجع نفسه، ص 212.

[77] Senem B. Çevik, "Reassessing Turkey’s Soft Power," Alternatives: Global, Local, Political, vol. 44, no.1 (2019), p. 58.

[78] Ibid., p. 57.

[79] Rubin, p. 12.

[80] هديل أحمد إبراهيم وإسماعيل صبري مقلد وعلاء عبد الحفيظ محمد، "القوة الناعمة الإيرانية: مصادرها وأساليب استخدامها"، المجلة العلمية لكلية التجارة جامعة أسيوط، العدد 72 (2021)، ص 315. وإن كانت هذه الصورة قد تأثرت بشدة نتيجة الدور الذي أدته إيران في دعم النظام السوري ضد الثورة السورية التي اندلعت في 2011.

[81] المرجع نفسه، ص 318-319.

[82] المرجع نفسه، ص 322-323.




المحتويات

الهوامش