تسجيل الدخول

عبد الحميد الثاني

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الاسم الكامل

عبد الحميد الثاني بن عبد المجيد الأول بن محمود الثاني

تاريخ الميلاد

21 أيلول/ سبتمبر 1842

مكان الميلاد

قصر تشراغان القديم (Eski Çırağan Sarayı)، الآستانة (إسطنبول)، الدولة العثمانية

تاريخ الوفاة

10 شباط/ فبراير 1918 (عن عمر ناهز 75 عامًا)

مكان الوفاة

قصر بكلربكي (Beylerbeyi Sarayı)، إسطنبول

مكان الدفن

تربة جده السلطان محمود الثاني، إسطنبول

الصفة والمنصب

السلطان الرابع والثلاثون للدولة العثمانية، وخليفة المسلمين دستوريًّا

فترة الحكم السلطاني

31 آب/ أغسطس 1876 – 27 نيسان/ أبريل 1909 (33 سنة)

أبرز الإنجازات العمرانية

خط سكة حديد الحجاز، شبكة البرق والتلغراف، المزارع السلطانية (الجفتلك)

المشروع السياسي الديني

الجامعة الإسلامية (الاتحاد الإسلامي) لتوحيد أقاليم الدولة

أبرز الأزمات الدولية

  • الحرب العثمانية الروسية (1877-1878)
  • معاهدة برلين
  • المسألة الأرمنية

نهاية الحكم

العزل والخلع بفتوى شرعية إثر واقعة 31 مارس (1909)، والنفي إلى سالونيك


الموجز

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

عبد الحميد الثاني (1842–1918) سلطان عثماني حكم بين عامي 1876 و1909، وشكّلت فترة حكمه التي استمرت ثلاثًا وثلاثين سنة واحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيدًا في تاريخ الدولة العثمانية. نشأ في كنف بيئة متأثرة بإصلاحات التنظيمات، وبأفكار العثمانيين الجدد الذين كانوا يعتبرونه نصيرًا لهم، وتلقى تعليمًا تقليديًا إلى جانب تعلمه لغات أجنبية مثل اللغتين الفارسية والفرنسية إضافة إلى اللغة العربية وعلوم التصوف، وتلقى أيضًا علومًا حديثة عن الموسيقى الغربية، فأتقن العزف على الكمان، ورافق في شبابه عمّه السلطان عبد العزيز (1830–1876) في رحلات أوروبية أثّرت في تكوينه، قابل خلالها عددًا من أبرز أباطرة وملوك عصره.

اعتلى السلطان عبد الحميد العرش، بعد اضطرابين سياسيين داخليين كبيرين متواليين تمثّلا في عزل عمه السلطان عبد العزيز الذي ما لبث أن قُتل، وأعادت الحكومة ذلك إلى انتحاره، ثم بعد قليل عزل السلطان مراد الخامس (1840-1904) الذي خلفه بدعوى تدهور قواه العقلية. وواجه منذ بدايات اعتلائه العرش قيام أنصار السلطان مراد الذي سبقه بمحاولة اغتيال فاشلة له، وللصدر الأعظم مدحت باشا. وكان عدد من اشتركوا في محاولة الاغتيال كبيرًا، حتى إنه قُبض على أربعمئة شخص من المشاركين فيها، ما كان له أثر كبير في اعتماد إجراءات أمنية مشددة منذ بداية عهده، وتنمية جهاز الجاسوسية والمخبرين السريين في السلطنة، فعُرف من معارضيه بسبب شدة إجراءاته الأمنية بـ "السلطان الأحمر". وعزف نتيجة ذلك عن السفر في مناطق السلطنة أو خارجها، وانحصرت حياته في قصره لا يغادره إلا أيام الجمعة أو في الأعياد للصلاة في مسجد الحميدية (Hamidiye Camii) الواقع أمام القصر مباشرة. كذلك ورث أزمات اقتصادية-مالية ثقيلة، ناتجة عن ارتفاع الديون الخارجية، التي كان يكلف تسديدها في بعض السنوات نصف موارد الدولة، وواجه مشكلات تفكك الدولة العثمانية في البلقان بعد مؤتمر برلين (1878)، الذي خسرت فيه الدولة العثمانية مناطق واسعة في البلقان، ولم يبق لها في أوروبا من مساحات تخضع لسيادتها الفعلية سوى مناطق محدودة.

وقد اشتُهر السلطان عبد الحميد بفهم التوازنات والمنافسات الدولية بين الدول الغربية المنخرطة في أمور ما دُعي بالمسألة الشرقية، الناتجة عن الوجود العثماني التاريخي المديد في أوروبا. وبرز ذلك منذ توليه السلطنة، إذ حاول في بداياتها أن يخفف من الضغوط الغربية على السلطنة بإعلان الدستور العثماني (القانون الأساسي)، حتى يدعم موقف الدولة العثمانية في مفاوضات مؤتمر ترسخانة (1876-1877) المنعقد بحضور الدول الغربية في إسطنبول لمعالجة تداعيات ما دُعي بالأزمة الشرقية الكبرى، ويخفّف من ضغوط القوى الغربية، التي كانت تسعى في المؤتمر لفرض الحكم الذاتي للبوسنة والهرسك وبلغاريا، فجاء الدستور العثماني بوصفه أداة سياسية لإظهار التزام الدولة بإصلاحات داخلية والحيلولة دون ضياع هذه الأقاليم. وتمكن عبد الحميد من رفض قرارات المؤتمر وإفشاله، فغادر سفراء الدول الغربية إسطنبول احتجاجًا على ذلك.

ما لبث السلطان بعد إفشال المؤتمر أن علق جلسات مجلس المبعوثان الذي انتُخب بموجب الدستور إلى أمد غير محدود؛ من دون أن يلغي الدستور نفسه الذي كان يمنحه شرعية أن يكون خليفة للمسلمين في العالم وليس سلطانًا على الدولة العثمانية فحسب، وإن غدت معظم مواده حبرًا على ورق. وأقال بعد ذلك مدحت باشا الملقب بأبي الدستور العثماني، وأبعده، ثم قُتِل في النهاية. وشدد الرقابة على الصحف، وتحولت مركزية الدولة بالنسبة إليه إلى مركزية السلطان بما يخرق نصوص الدستور وتقاليد التنظيمات، فحول قصره إلى مركز القرار السياسي والإداري، في حين أصبحت الصدارة العظمى تؤدي دورًا تنفيذيًا محدودًا تحت إشراف السلطان المباشر. وقد تحوّل قصر يلدز، مع حرمه السلطاني وأقسامه الإدارية، إلى مدينة صغيرة قائمة بذاتها، يسكنها عدة آلاف من الموظفين والخدم والجنود. وهو ما يُطلق عليه البعض اسم الإدارة الشخصية أو الاستبداد الحميدي.

واجه السلطان عبد الحميد إثر ذلك اندلاع حركات معارضة نشطة وقوية في أوساط الشباب وطلبة الكليات العسكرية، تمثلت بصورة أساسية في جمعية تركيا الفتاة التي انبثقت منها جمعية الاتحاد والترقي. كذلك طُبع حكمه بالتوترات الإثنية-السياسية مع المنظمات القومية الأرمنية الناشئة المتحالفة مع روسيا، ونفوذها في ست ولايات عثمانية هي أرضروم، وديار بكر، وسيواس، وخربوط (معمورة العزيز)، ووان، وبتليس تميزت بكثافة سكانية أرمنية فيها، ما أدى إلى اضطرابات دموية ونزاع تاريخي واسع. واتخذ موقفًا صلبًا من ضغوط الدول الغربية عليه لإجراء إصلاحات في تلك الولايات لصالح الأرمن خوفًا من انفصالها عن الدولة، ولم يسمح لأي من وزرائه بقبول أي تعاط مع تلك المطالب حتى إنه كان يعزل فورًا أي صدر أعظم أو وزير يميل إلى قبول المطالب الأوروبية الخاصة بالأرمن، ما دفع المنظمات الأرمنية إلى تشديد الأعمال العنيفة المسلحة ضده.

في المجال الخارجي، خسر العديد من الأراضي العثمانية في البلقان أمام القوى الغربية والروس، إلا أنه اتبع سياسة دبلوماسية حذقة حاول من خلالها استغلال التناقضات بين الدول المعادية والحفاظ على توازن القوى وقد سعى لترويج فكرة "الاتحاد الإسلامي" أو الجامعة الإسلامية، لتوحيد المسلمين تحت راية الخلافة، وكرسها الدستور العثماني له باعتباره خليفة للمسلمين في العالم. وهو مشروع سياسي وديني واجه انتقادات وشكوكًا في فاعليته، فلم يلغ الدستور نفسه بل اكتفى بتعليق الفقرات المتعلقة بمجلس المبعوثان، لأن الدستور يكرسه قانونيًا بوصفه خليفة، لكن لم يتقيد بمواد الدستور إلا جزئيًا وفي بعض المواقع التي تخدم تمركز سلطته، فكان بقاء الدستور فعليًا أقرب إلى حبر على ورق.

برزت في عهده مشاريع كبرى مثل سكة حديد الحجاز، وعمليات واسعة لاستصلاح الأراضي المهجورة وحماية الإنتاج الزراعي، من هجمات البدو الرحل، بتشكيل فرق ومخافر لحمايتها امتدت على طول الأراضي الزراعية، وتطوير شبكات التعليم، وتوسيع أجهزة الدولة البيروقراطية، والمضي بعملية تحديث الجيش، وبناء شبكة الاتصالات البرقية بين السلطة المركزية والولايات بما عزز قدرات تلك السلطة، والتوسع ببناء خطوط السكك الحديدية. واشتُهر بمشروعه العمراني السياسي الأكبر ببناء خط سكة حديد الحجاز وعزّز أيضًا علاقاته مع ألمانيا، خاصة في المجال العسكري. أما بشأن المسألة الصهيونية، فقد تعددت الآراء بشأن موقفه من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، بين من يرى أنه رفض المشروع الصهيوني، ومن يتهمه بالتساهل أو الازدواجية في الموقف.

في تسعينيات القرن التاسع عشر واجهت سياسات السلطان مقاومة شديدة في الداخل العثماني، تضافرت مع تدهور الأوضاع الاقتصادية-الاجتماعية، وارتفاع وتائر الدعوة لتقييد سلطته المطلقة، والعودة إلى العمل بالدستور، وارتفاع وتيرة الصدامات الدامية مع المجاميع الأرمنية القومية المسلحة، وتمكن جمعية الاتحاد والترقي من الهيمنة على الجيش بحيث باتت تمسك بمفاصله الأساسية.

انتهى حكمه الفردي بعد ثورة 1908 العسكرية-السياسية التي أعادت تفعيل الدستور، ثم خُلع عقب واقعة 31 مارس (13 نيسان/ أبريل 1909) ونُفي، وتُوفي في إسطنبول عام 1918، مخلفًا وراءه إرثًا متباينًا؛ إذ يُنظر إليه من جهة بوصفه حاكمًا مستبدًا، ومن جهة أخرى بوصفه سياسيًا بارعًا حاول إنقاذ ما تبقى من الدولة العثمانية في أوقات الانحدار والتفكك.

المولد والنشأة

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وُلد عبد الحميد الثاني في فترة التنظيمات، وهي مرحلة إصلاحات شهدتها الدولة في عهد والده بين عامي 1839 و1876. وقد انعكس هذا على تعليمه، إذ شمل برنامجه الدراسي إلى جانب المواد التقليدية مثل التاريخ العثماني، واللغة العربية والفارسية، والدروس الدينية، مواد إضافية أبرزها اللغة الفرنسية والموسيقى الغربية[2]. وقد تلقّى عبد الحميد تعلّمه على عادة معظم الأمراء في القصر وعلى أيدي أشهر المدرسين، من بينهم مؤرخ البلاط أحمد لطفي (1817–1907)[3].

في صيف سنة 1867 رافق الأمير الشاب عمّه السلطان عبد العزيز في أول رحلة سياحية يقوم بها سلطان عثماني إلى أوروبا وتوقف مع الوفد العثماني في فرنسا وألمانيا وإنكلترا وبلجيكا والإمبراطورية النمساوية المجرية. وكان السلطان عبد العزيز قد اصطحب أيضًا وليّ عهده الأمير مراد (لاحقًا السلطان مراد الخامس، الذي حكم لفترة قصيرة بين 30 أيار/ مايو 1876–31 آب/ أغسطس 1876). وكانت هذه الرحلة تلبية لدعوة الإمبراطور نابليون الثالث (Napoléon III، 1808–1873) لزيارة المعرض العالمي في باريس (1867). وسبق أن رافق عبد الحميد عمّه في رحلته إلى مصر عام 1863 وكانت هذه الرحلات من أهمّ الأحداث التي طبعت فترة شبابه، وقد تعرف خلالها إلى عدد كبير من أباطرة عصره وملوكه وأمرائه[4].

وقد أمضى عبد الحميد فترة شبابه في حرية نسبية بسبب بعده عن مرتبة الخلافة المباشرة، وكان يقيم غالب الوقت في مزرعة في إحدى ضواحي إسطنبول في قصر مسلك الكائن في منطقة مسلك حيث انشغل بالزراعة وتربية الماشية واكتسب في ذلك خبرة عملية، كذلك استثمر في استخراج معدن الإثمد، وكان له أسهم في البورصة، وحقق من ذلك ثروة شخصية قُدّرت بمئة ألف ليرة ذهبية حين ارتقى العرش[5]، في حين كان شقيقه السلطان السابق مراد مدينًا بنحو مليون ليرة ذهبية[6].

تولي العرش

اعتلى عبد الحميد الثاني العرش في 31 آب/ أغسطس 1876، وامتدت فترة حكمه على مدى ثلاث وثلاثين سنة، عُزل بعدها في 27 نيسان/ أبريل 1909. وقد اتفق عبد الحميد الثاني في بداية حكمه مع أحمد مدحت شفيق باشا المعروف بمدحت باشا (1822–1884) وعدد من أنصار الدستور، وعمل معهم على الإصلاح وإقامة نظام دستوري. كذلك نصّب في بداية عهده مدحت باشا صدرًا أعظم للدولة العثمانية (19 ديسمبر 1876–5 فبراير 1877). وسعى إلى كسب ثقة الجيش والشعب وخرج عن المألوف في التقاليد السلطانية فزار الترسخانة وتناول الطعام مع الجنود والبحّارة، وحضر الإفطار مع العلماء، وزار الجرحى العائدين من جبهات الحروب، وطاف بالمساجد وصلّى بين الناس، في مشهد كان جديدًا على المجتمع العثماني[7].

تولّى عبد الحميد العرش في ظرف أزمات حادة على الصعيد الداخلي والخارجي. ففي أواخر شهر أيار/ مايو أي قُبيل أشهر قليلة من اعتلائه العرش في 31 آب/ أغسطس 1876، عُزل عمّه السلطان عبد العزيز ليُعلَن انتحاره أيامًا قليلة بعدها، فاعتلى شقيقه مراد الخامس العرش، ولكن لم تمض إلا أسابيع قليلة بعد تسميته سلطانًا جديدًا، حتى عُزل مراد الخامس بدوره بناء على شهادة طبية أثبتت أن حالته النفسية لا تسمح بإدارة شؤون الدولة، وكانت سلطنة مراد الخامس الأقصر في تاريخ الدولة العثمانية. بُويع بعدها عبد الحميد الثاني، فاعتلى بذلك وللمرة الثالثة في السنة نفسها (1876) بوصفه سلطانًا جديدًا لعرش الدولة العثمانية[8]. لكن عبد الحميد الثاني واجه، فور اعتلائه العرش، محاولات للإطاحة به كان يخطط لها أنصار السلطان المعزول مراد الخامس، منها محاولة دبّر لها علي سعاوي (Ali Suavi، 1838–1878) في شهر أيار 1878 وأخرى خطّط لها كليانثي سكاليري (Cleanthi Scalieri، 1833-1892) في شهر آب/ أغسطس من السنة نفسها[9].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

كذلك كانت الدولة العثمانية عند اعتلاء عبد الحميد الثاني العرش ترزح تحت تعقيدات المسألة الشرقية وتحولاتها الجديدة ومنخرطة في حروب ضد صربيا، وضد الجبل الأسود، ومع أن الجيش العثماني كان متقدّمًا في الحرب على أعدائه، فإن روسيا مارست ضغوطًا لوقف الحرب، فوقّعت الدولة العثمانية هدنة مع صربيا مدتها ثلاثة أشهر. وفي هذا السياق، ظهر معارضون للصلح مع صربيا، فخطّطوا لاغتيال مدحت باشا، وخلع السلطان عبد الحميد الثاني عن العرش، وقد أُلقي القبض على أربعمئة شخص من المشاركين في تلك المؤامرات.[10]

اتخذ عبد الحميد بعدها إجراءات أمنية مشددة، فتخلى عن السفر حتى إلى نواحي إسطنبول القريبة، وانتقل من قصر الدولمه باغجة (Dolmabahçe Sarayı) إلى قصر يلدز (Yıldız Sarayı)، لا يغادره إلا أيام الجمعة أو في الأعياد للصلاة في مسجد الحميدية (Hamidiye Camii) الواقع أمام القصر مباشرة[11].

 مسألة الدستور

شكّل إعلان الدستور المعروف أيضًا بـ "القانون الأساسي أو المشروطية" (Meşrutiyet) أحد الأحداث البارزة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، فبعد بضعة أشهر من توليه العرش، شُكّلت لجنة من المسلمين والمسيحيين لإعداد مشروع الدستور. ولكنّ خلافًا بشأن مسودة الدستور دبّ بين مدحت باشا والصدر الأعظم حينئذ، محمد رشدي باشا المترجم (1811–1882)، واستقال هذا الأخير، ليخلفه مدحت باشا في منصب الصدارة العظمى في 19 كانون الأول/ ديسمبر 1876، وكان قد تقلّد هذا المنصب سنة 1872 في عهد السلطان عبد العزيز وذلك لثمانية أيام فقط. قدّم مدحت باشا مسودة الدستور أيامًا قليلة بعد تسميته صدرًا أعظم، وفي 23 كانون الأول/ ديسمبر 1876، أصدر السلطان فرمانًا أعلن فيه أول دستور للدولة العثمانية، وواكب الإعلان مئة وواحدة من طلقات المدفعية[12].

جاء هذا الإعلان للدستور على هامش فعاليات مؤتمر القسطنطينية (عُرف كذلك باسم مؤتمر ترسخانة) الذي انعقد بين 12 كانون الأول/ ديسمبر 1876 و20 كانون الثاني/ يناير 1877 برئاسة ناظر الخارجية صفوت باشا (1814-1883) لمناقشة تداعيات أزمة البلقان أو ما عُرف بالأزمة الشرقية الكبرى (1875–1878). وقد اختار السلطان عبد الحميد هذا التوقيت لإعلان الدستور حتى يدعم موقف الدولة العثمانية في المفاوضات ويخفّف من ضغوط القوى الغربية، التي كانت تسعى في المؤتمر لفرض الحكم الذاتي للبوسنة والهرسك وبلغاريا، فجاء الدستور العثماني بوصفه أداة سياسية لإظهار التزام الدولة بإصلاحات داخلية والحيلولة دون ضياع هذه الأقاليم[13].

لكن ورغم إعلان الدستور، فإن الدول الغربية قدّمت مطالبها من دون تعديل أو تخفيف، فدعا السلطان إلى انعقاد المجلس العمومي المؤلف من 180 عضوًا من رجال الدولة والعلماء والقضاة وممثلي الطوائف غير المسلمة، وعرضت عليه المطالب، التي قرّر رفضها بالإجماع، وكان ذلك في 18 كانون الثاني/ يناير 1877. وردًا على ذلك، انسحب السفراء الأوروبيون من إسطنبول.[14]

بعد فشل مؤتمر الترسخانة بأيام قليلة، صدر فرمان بتاريخ 5 شباط/ فبراير 1877 بعزل مدحت باشا من منصب الصدر الأعظم وذلك بعد 47 يومًا فحسب من توليه الصدارة، ونصّ على نفيه إلى برنديسي في إيطاليا. ولكن السلطان عاد بعدها فعيّنه في تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1878 واليًا على سورية ثم على ولاية آيدين ومركزها إزمير. وفي أثناء ولايته هذه انتهت التحقيقات بشأن ملابسات وفاة السلطان عبد العزيز واتُّهِم مدحت باشا بالتدبير للقتل، فصدر حكم بإعدامه في 29 حزيران/ يونيو 1881، لكن السلطان خفّف حكم الإعدام وأمر بنفيه إلى الطائف، ولكنه قُتل بعدها في سجنه في ظروف غامضة في 8 أيار 1884[15].

ورغم أن السلطان عبد الحميد الثاني نفى مدحت باشا، فإنه لم يتخلَّ عن النظام الدستوري، فدُعي مجلس المبعوثان للاجتماع، وافتتح السلطان بنفسه أول مجلس عثماني نيابي في 19 آذار/ مارس سنة 1877 بخطاب ألقاه، وأُجريت أول انتخابات برلمانية، وفقًا لأحكام الدستور. وكان هذا أول مجلس مبعوثان في تاريخ الدولة العثمانية ترأسه أحمد وفيق باشا (1823–1891)، أحد أشهر رجال الدولة في عصره، وضمّ 141 عضوًا (115 نائبًا منتخبًا و26 عضوًا من مجلس الأعيان)، بينهم 69 مسلمًا و46 غير مسلم[16].

لكن في أثناء الحرب الروسية العثمانية العصيبة، تحوّل مجلس المبعوثان إلى ساحة صراع قومي، إذ شكّل النواب كتلًا قومية واحتدّت الخلافات والمجادلات حتى عجز المجلس عن اتخاذ قرارات حاسمة في خضم هذه الحرب المصيرية. فأصدر عبد الحميد الثاني فرمانًا في 13 شباط/ فبراير 1878 بتعليق عمل مجلس المبعوثان حتى إشعار آخر من دون إلغاء الدستور (القانون الأساسي) الذي واظبت الحكومة على نشره في نشرتها الرسمية طوال 31 سنة من دون انقطاع. وقد دامت هذه الحقبة الدستورية القصيرة مدة سنة وشهر و21 يومًا. وقد أدى قرار تعليق جلسات مجلس المبعوثان إضافة إلى تأزم المسألة الأرمنية إلى انتشار صورة سلبية لعبد الحميد الثاني في الصحف الأوروبية ولدى معارضيه، الذين نعتوه بــ"المستبد" و"الطاغية" و"السلطان الأحمر" (Kızıl Sultan)[17].

أزمات داخلية

شهدت الدولة العثمانية في فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني أحداثًا محورية تركت بصمتها على هذه المرحلة الأخيرة والانتقالية من تاريخها، من أبرزها:

أزمة اقتصادية ومالية

اعتلى السلطان عبد الحميد الثاني العرش في ظرف أزمة مالية مجحفة، إذ لم تكن خزينة الدولة قد استرجعت توازنها منذ أول قرض خارجي لها في حرب القرم (1853–1856)، وكان نديم باشا (1818–1883)، الصدر الأعظم في عهد السلطان عبد العزيز قد أعلن سنة 1875 أن الدولة العثمانية لا تستطيع أن تدفع أكثر من نصف ما التزمت به لتسديد ديونها، وفي سنة 1877 خصصت 14 من مجموع 18 مليار ليرة تركية مدخول الضرائب العمومية لدفع القروض الخارجية. ولهذا اتّسمت السياسة المالية لعبد الحميد الثاني بالحذر الشديد، فقد كان مدركًا أن الإفلاس مجددًا سيكون كارثيًا، وسيوفر كذلك ذريعة للقوى الأوروبية للتدخل المباشر في الشؤون المالية للدولة، على نحو ما حدث في مصر، ما قد يؤدي إلى فقدان الاستقلال السياسي العثماني[18].

لتفادي الإفلاس، ولاستعادة الثقة بالاقتصاد العثماني أبرم عبد الحميد الثاني في 20 كانون الثاني/ ديسمبر 1881 اتفاقًا مع ممثلي الدائنين الأوروبيين، عُرف باسم مرسوم محرم (Muharrem Fermanı)، وقبل على أساسه بإنشاء هيئة مالية -نظارة الديون العمومية (Düyûn-ı Umûmiye)-التي وُضعت تحت إشراف أوروبي مباشر لضمان سداد الديون. وقد منح الاتفاق الدول الدائنة وشركات وبنوكًا بريطانية وفرنسية وألمانية امتيازات لاستثمار الثروات الطبيعية في البلاد، لتسديد الديون منها كذلك مُنح البنك العثماني (Bank-ı Osmanî-i Şahane) صلاحيات واسعة للإشراف على مالية الدولة تحت إدارة خبراء أجانب. وقد حسّن هذا الاتفاق سمعة الدولة العثمانية في الأوساط المالية الأوروبية، ولكنه استنزف موارد الدولة[19].

ثورات الأرمن

في ظل هذه الأزمات السياسية والاقتصادية نمت حركات الأرمن الاستقلالية داخل البلاد -إذ بلغ تعدادهم نحو مليون نسمة[20]-وخارجها وارتفعت أصواتهم مطالبة بإصلاحات تضمن حقوقهم، وأسّس مجموعة من الطلبة الأرمن في مدينة جنيف بسويسرا صحيفة سُمّيت "هنشاق" (بالأرمنية: Հնչակ)، ثم في سنة 1887 جمعية سرّية حملت اسم الصحيفة نفسه. ولقيت مطالب الأرمن مساندة من القوى الغربية، إذ نصّت المادة 61 من معاهدة برلين 13 تموز/ يوليو 1878 على إجراء إصلاحات خاصة في ست ولايات عثمانية، هي أرضروم، وديار بكر، وسيواس، وخربوط (معمورة العزيز)، ووان، ووبتليس التي يمثّل الأرمن نسبة معتبرة من سكانها. لكن السلطان عبد الحميد الثاني رفض تطبيق هذه المادة إذ كان يرى فيها مدخلًا إلى حكم ذاتي أرمني وتمهيدًا للانفصال. ورغم ضغط القوى الأوروبية، وتهديداتها المتكررة، تشدّد السلطان في هذا الموقف، واعتبر أي تنازل للأرمن يمثّل خطرًا مباشرًا على وحدة الدولة، خاصة أن الأكثرية السكانية في تلك الولايات كانت -وبحسب الإحصاءات الرسمية- من المسلمين، لذلك كان يعزل فورًا أي صدر أعظم أو وزير يميل إلى قبول المطالب الأوروبية الخاصة بالأرمن[21].

تعدّدت حركات التمرّد الأرمنية منذ تأسيس جمعية الهنشاق في عام 1886 بوصفها حزبًا ثوريًا أرمنيًا يسعى إلى استقلال الأرمن بمساعدة روسيا والقوى الغربية. وفي سنة 1891 قاد ناشطون في الحزب احتجاجات ضد الضرائب الباهظة، وتصاعدت الأحداث لتقود إلى حركة احتجاجية وثورية واسعة سنة 1894، شملت 25 قرية، خاصة في مناطق ڨان وصاصون وبتليس (Van, Sason, Bitlis). ثم تلاها تمرّد في ديار بكر واحتجاجات أمام الباب العالي في إسطنبول، انتهت بطلق ناري وقتل عدّة من الأرمن في 10 أيلول/ سبتمبر 1895[22].

على إثر هذه الأحداث الدموية التي صبغت سنتي 1894–1895، ونتيجة لضغوط القوى الكبرى التي استندت إلى أحكام معاهدة برلين، اضطر السلطان عبد الحميد إلى أن يعلن برنامجًا إصلاحيًا في شأن الأرمن في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 1895. وقد كلّف لجنة بإعداد تقرير شامل عن أوضاع الولايات الشرقية، ترأسها أحمد شاكر باشا (1838–1899)، أحد أبرز رجال الإدارة العثمانية، فرفع في خريف 1895 مذكرة مفصلة ومعبّرة عن إرادة إصلاحية، تكوّنت من اثنين وثلاثين بندًا وتناولت مختلف القضايا التي تعاني منها ما عُرف بالولايات الست[23].

لكن التمردات تواصلت، فاندلع مجدّدًا تمرّد في مدينة ڨان سنة 1896 وآخر في منطقة مرعش وتمكن نحو خمسة عشر ألف مقاتل أرمني من إلحاق خسائر كبيرة بفيلق عثماني يفوقهم عددًا، وقد استمر هذا التمرّد لأشهر قبل إخماده في شباط/ فبراير 1896. وفي 26 آب/ أغسطس 1896 اقتحم الثوار الأرمن البنك العثماني في إسطنبول، وهدّدوا بتفجيره إن لم يوافق السلطان والحكومة على مطالبهم. تبع ذلك سلسلة من العنف والتقتيل ضد الأرمن، واتهمت الأوساط الأوروبية عبد الحميد الثاني بالتقاعس عن اتخاذ الإجراءات اللازمة، بل وبالتغاضي عن تلك الأحداث أو تشجيعها[24].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وفي سياق هذه التصعيدات، حاول اللورد سالزبوري (Lord Salisbury، 1830-1903) حثّ الدول الموقعة على معاهدة برلين على تبنّي موقف مشترك ضد الدولة العثمانية، استنادًا إلى المادة 61 من المعاهدة، وهو ما مثّل تهديدًا واضحًا للدولة العثمانية وهزّ عرش السلطان عبد الحميد الثاني، حتى إن الامبراطور الألماني فيلهلم الثاني (Wilhelm II، 1859–1941) الذي كان يُعدّ حليفًا له، رأى في إبعاده خيارًا مناسبًا. غير أن الرأي الغالب في وزارة الخارجية الألمانية كان يرفض المجازفة بإضعاف الحليف العثماني في تلك الفترة الحرجة، معتبرًا أن دعم استقرار السلطنة-على الرغم من اهتزاز موقع عبد الحميد الثاني-هو الخيار الأجدى للحفاظ على التوازنات السياسية[25]. وقد تواصلت بعدها عمليات التصعيد وتعرّض السلطان إلى محاولة اغتيال أرمنية أمام مسجد يلدز سنة 1905، نجا منها بمحض الصدفة. مع ذلك، ظل عبد الحميد الثاني ثابتًا على رفض منح الأرمن نظامًا خاصًا يميّزهم عن بقية رعايا الدولة[26].

معارضة داخلية: جمعية الاتحاد والترقي

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

نشأت في مرحلة حكم عبد الحميد الثاني عدّة جمعيات أخرى، في مقدّمتها جمعية الاتحاد والترقي، التي أدت دورًا محوريًا وكانت المحرّك للأحداث الأخيرة التي أدت إلى خلعه. وترجع بداياتها إلى سنة 1889؛ إذ وُضع في أكاديمية الطبّ العسكرية بإسطنبول الحجر الأساس لجمعية سرّية، أُطلق عليها اسم "جمعية الاتحاد العُثماني". أقام أنصار هذه الجمعية خلايا لها داخل الدولة العثمانية (القاهرة، ودمشق مثلًا) وكذلك خارجها في عدة عواصم ومدن كبرى منها: باريس وجنيف ولندن، وقد أدى أحمد رضا (1859–1930) دورًا مهمًا في منفاه في باريس، حيث أنشأ صحيفة مشورت (Meşveret) المعارضة. تغيّر اسم الجمعية في سنة 1894 إلى "جمعية الاتحاد والترقّي العثمانية"، ثم حُذفت صفة العثمانية من التسمية ليبقى اسم "جمعية الاتحاد والترقّي" (İttihad ve Terakki Cemiyeti) التي عُرفت كذلك بـ "جمعية تركيا الفتاة". وتمثّلت سياسة عبد الحميد الثاني تجاه معارضيه في السعي لكسبهم مقابل وظائف مرموقة كان يعرضها عليهم، ولكن سياسته هذه كانت ذات نجاح محدود[27].

رغم انقسام المعارضة بين مناصري الأمير صباح الدين (1879–1948) الذي نادى بسياسة اللامركزية ومناصري أحمد رضا الذي كان ينادي بسياسة مركزية، نجح الفريقان في تنظيم مؤتمر باريس الأول سنة 1902، ثم الثاني سنة 1907 وتطورت بذلك جمعية الاتحاد والترقي إلى جناح سياسي وجد له عضدًا قويًا بين ضباط الجيش في الأناضول، الأمر الذي أثبت فاعليته لاحقًا في ثورة سنة 1908 التي أعاد فيها الثوار تفعيل الدستور، وإعادة افتتاح مجلس المبعوثان الذي عُلّقت أعماله منذ سنة 1878[28].

​كان أغلب العثمانيين الجدد -ومن بينهم أحمد رضا- على شدة معارضتهم للسلطان عبد الحميد الثاني، واعين بأهمية العائلة العثمانية الحاكمة ومؤسسة الخلافة في الحفاظ على كيان الدولة العثمانية أمام المطامع الغربية والقلاقل الداخلية، فتلخّص مسعاهم حينئذ في التخلص من عبد الحميد الثاني وإعادة إعلان الدستور ومجلس المبعوثان. وكان عبد الله جودت (1869–1932) هو الصوت الوحيد الذي طالب حينئذ بتنحية العائلة الحاكمة العثمانية وإعلان الجمهورية[29].

لكن على الرغم من المعارضة القوية، استطاع عبد الحميد الثاني أن يحيط نفسه في البلاط بنخبة إدارية وسياسية شديدة الولاء لشخصه، وأن يدير بمساعدتهم السياسة الداخلية للبلاد. وكان من بين هؤلاء كوتشوك سعيد باشا (Küçük Said، 1838-1914)، الذي شغل منصب الصدر الأعظم سبع مرات، وكذلك حسن تحسين باشا (1933–1859) الذي كان رئيس المابين الهمايوني وظل في منصبه من سنة 1894 وحتى سنة 1908. كذلك أحاط السلطان عبد الحميد نفسه بقادة عسكريين أوفياء يضمنون ولاء العساكر له، منهم جواد باشا (1851–1900) الغازي عثمان باشا (1832–1900) الذي اشتُهر في معركة بلفنا في الحرب العثمانية–الروسية (1877–1878). كذلك أنشأ في سنة 1890 أفواج الخيالة الحميدية (Hamidiye Süvarî Alayları) لحماية الحدود شرق الأناضول وجعلهم عيونًا على تحرّكات الأرمن. وعمل في الوقت نفسه على تقوية علاقاته مع ألمانيا، فاستقبل سنة 1882 بعثة عسكرية يرأسها ڨون دير غولتز (Von der Goltz، 1893–1944) بغرض تحديث الجيش[30].

أزمات خارجية

في الوقت الذي كان فيه عبد الحميد الثاني يواجه هذه الأزمات على الصعيد الداخلي، اندلعت على مستوى السياسة الخارجية، ما عُرف بالأزمة الشرقية الكبرى أو أزمة البلقان (1875–1878)، التي جرّت الدولة العثمانية إلى خوض حرب ضد روسيا (1878–1877)، وانتهت بهزيمة فادحة للعثمانيين. كذلك دخلت الدولة العثمانية في عهد عبد الحميد الثاني في حرب أخرى ضد اليونان (18 نيسان/ أبريل-5 حزيران/ يونيو 1897).

أزمة البلقان والحرب العثمانية–الروسية (1877–1878)

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

اندلعت أزمة البلقان في سنة 1875 في شبه جزيرة البلقان، التابعة حينئذ للدولة العثمانية، وكانت الثورات في البوسنة والهرسك وبلغاريا قد بدأت منذ عهد السلطان عبد العزيز، وتبعتها ثورات وحروب في صربيا والجبل الأسود في عهد السلطان مراد الخامس. وبمبادرة من إنكلترا، وُقِّع بروتوكول لندن في 31 آذار/ مارس 1877، وقُدّم إلى الباب العالي في الثالث من نيسان/ أبريل 1877، غير أن مجلس المبعوثان العثماني رفض المصادقة عليه، لما اشتمل عليه من أحكام ثقيلة. وقد أبلغت الحكومة موقفها إلى الدول الغربية في 12 نيسان/ أبريل سنة 1877، ما أدى إلى إعلان روسيا الحرب على الدولة العثمانية في 24 نيسان/ أبريل 1877[31].

انضم إلى روسيا كلٌّ من رومانيا وصربيا والجبل الأسود وبلغاريا، وتواصلت هذه الحرب إلى سنة 1878، وتكبّد فيها العثمانيون خسائر فادحة. ورغم بعض الدفاعات البطولية لبعض القادة العثمانيين -أهمّهم الغازي عثمان باشا (1833–1900) في بلفنة وغازي أحمد مختار باشا (1839-1919) في الجبهة الشرقية- فقد استطاع الروس أن يحتلوا جزءًا من شرق الأناضول في غضون أشهر قليلة وتوغلوا في البلقان وصولًا إلى مدينة إدرنة التي سقطت في أيديهم في 8 كانون الثاني/ يناير سنة 1878، وواصلوا تقدّمهم حتى مشارف إسطنبول[32].

اضطر العثمانيون تجاه الخطر الروسي الذي بلغ مدينة إسطنبول إلى القبول بالشروط المجحفة لمعاهدة سان ستيفانو {{سان ستيفانو: San Stefano، اليوم يشيل كوي Yeşilköy بضواحي إسطنبول.}} في 3 آذار/ مارس 1878، وفرضت هذه المعاهدة استقلالية الجبل الأسود وصربيا ورومانيا وبلغاريا. لكن بريطانيا وإمبراطورية النمسا والمجر رأت في تقوي الروس تهديدًا لمصالحها، فطالبت بمراجعة المعاهدة في مؤتمر دولي، بحجة أن المعاهدة تخالف معاهدة باريس (1856). وبسعي من المستشار الألماني أوتو ڨون بسمارك (Otto von Bismarck، 1815-1908)، اجتمع الروس والعثمانيون والقوى الأوروبية في برلين وأمضوا معاهدة برلين في 13 تموز/ يوليو 1878، التي أسفرت عن خارطة سياسية جديدة للبلقان وأُجبر فيها العثمانيون على تنازلات جديدة، منها البوسنة والهرسك للإمبراطورية النمساوية المجرية -وإن بقيت اسميًا تحت السيادة العثمانية- ولم تلبث بلغاريا أن استولت على روميليا الشرقية (1885)[33]. وقُدر حجم الأراضي التي خسرتها الدولة العثمانية بموجب معاهدة برلين في أوروبا وحدها بنحو 217298 كيلومترًا مربعًا، بتعداد 7884000 نسمة، يضاف إلى ذلك خسارة ألوية قارص وآرتقين وأجارستان (باطوم) في آسيا[34].

كذلك عملت بريطانيا خلال مؤتمر برلين، على انتزاع تنازلات من الدولة العثمانية بخصوص قبرص، وتمكّنت في 4 حزيران/ يونيو 1878 من عقد اتفاقية قبرص التي منحتها حق إدارة الجزيرة مؤقتًا، وقد قاوم عبد الحميد الثاني تصديق هذه الاتفاقية، لكن بريطانيا هدّدت عسكريًا، ما اضطره إلى الموافقة بعد أن أخذ تعهّدًا بأن السيادة العثمانية على الجزيرة لن تُمسّ[35].

إضافة إلى هذه الخسائر في أراضيها، كان على الدولة العثمانية أن تدفع تعويضات باهظة لروسيا، كذلك أُجبرت على إصلاحات في المقاطعات الأرمنية، وتكبّدت الدولة العثمانية خسائر بشرية فادحة إضافة إلى تدفق مئات الآلاف المهجرين من البلقان الذي أرهق خزينة الدولة. أضعفت هذه المعاهدة الدولة العثمانية كثيرًا وأصبحت تُلقّب بعدها بـ "الرجل المريض"[36].

خرجت الدولة العثمانية من أزمة البلقان مستنزفة لتجد نفسها في مواجهة الحركات الاستعمارية الغربية، التي زحفت على أراضيها، ففي سنة 1881 أعلنت فرنسا الحماية على إيالة تونس التابعة للدولة العثمانية حينئذ واحتلت بريطانيا في السنة الموالية مصر ووضعت يدها على قناة السويس[37].

كريت والحرب مع اليونان

اندلعت أزمة جزيرة كريت في مطلع سنة 1897 في سياق اضطرابات حادة بين السكان المسيحيين والمسلمين في الجزيرة، وتحوّلها إلى تمرّد مسلّح ذي طابع انفصالي، مدعوم سياسيًا وعسكريًا من اليونان. وقد أدى إنزال القوات اليونانية في كريت في 13 شباط/ فبراير 1897 إلى تدويل الأزمة. ورغم محاولات السلطنة والقوى الأوروبية الكبرى احتواء الأزمة دبلوماسيًا ورغم تردّد السلطان عبد الحميد الثاني في اللجوء إلى الخيار العسكري، وحرصه على تفادي اندلاع الحرب، فإن تصاعد التوترات على الحدود العثمانية–اليونانية، ولا سيما بعد توغّل مجموعات يونانية غير نظامية داخل الأراضي العثمانية، دفع الدولة العثمانية إلى إعلان الحرب على اليونان في 17 نيسان/ أبريل 1897، التي استمرت نحو شهر حتى 20 أيار/ مايو 1897، وهو ما جعلها تُعرف باسم "حرب الثلاثين يومًا". وقد تمكّنت القوات العثمانية من تحقيق تفوّق ميداني واحتلّت معظم إقليم تساليا، لكن تدخّل القوى الأوروبية الكبرى لفرض تسوية حال دون تحقيق الدولة العثمانية مكاسب دائمة، وفُصلت جزيرة كريت فعليًا عن الإدارة العثمانية، ووُضعت تحت نظام خاص برعاية القوى الكبرى، ما مهّد لانسحاب الدولة العثمانية النهائي من الجزيرة سنة 1898[38].

السياسة الخارجية

إحياء الخلافة

انتهت الخلافة العباسية في بغداد سنة 656هـــ/ 1258م حين اجتاح المغول المدينة وقتلوا الخليفة المستعصم بالله عبد الله بن المستنصر (640–656هــ/ 12581212م) آخر الخلفاء العباسيين. وقد نجا بعض أمراء بني العباس، ومن بينهم أبو العباس أحمد الحاكم بأمر الله (ت. 701هـ/ 1302م)، الذي استنصر بالمماليك في القاهرة فبايعوه خليفة جديدًا، وكان غرضهم من مبايعته خليفة، إضفاء الشرعية الدينية على حكمهم، فلم تكن للخلفاء العباسيين في مصر سلطة فعلية، بل أصبح منصب الخلافة رمزيًا[39].

لا يبدو أن لقب الخليفة كان بمفهومه التقليدي محور الشرعية السياسية لدى العثمانيين، فلم يحمل السلاطين العثمانيون لقب الخليفة، ولم يتلقب أي منهم حتى عبد الحميد الثاني بلقب خليفة المسلمين، لكن هذا فيه خلاف بين الباحثين؛ ومع ذلك حرص السلاطين على إظهار حضورهم القوي في المدينتين المقدستين، مكة والمدينة، إذ عملوا على ترميم الأبنية التي كانت قائمة منذ ما يقرب من ألف عام، وشرعوا أيضًا في النصف الأول من القرن الثامن عشر، في اتخاذ تدابير دقيقة لحماية طرق الحج بتحصين القلاع وتعزيز الحاميات على طول الطرق المؤدية إلى مكة والمدينة[40].

في القرن الثامن عشر عادت مسألة الخلافة لتُطرح بقوة، ففي الجزيرة العربية ظهرت الحركة الوهابية –نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب (1115-1206هــ/ 1703-1792م)– وتعاظم خطرها حين تحالف هذا الأخير مع الأمير محمد بن سعود (1100–1179هــ/ 1689–1765م) في اتفاقية عُرفت بـ "ميثاق الدرعية" سنة 1157هــ/ 1744م، أدت إلى توسّع بني سعود وسيطرتهم على أجزاء واسعة من شبه الجزيرة العربية وأجزاء من العراق والشام واليمن، حتى تمكنوا في أوائل القرن التاسع عشر من السيطرة على مكة والمدينة، مهدّدين بذلك السلطة الدينية والعسكرية للعثمانيين[41].

على جبهة أخرى، قامت في أواخر القرن الثامن عشر، الحرب العثمانية–الروسية الأولى (1182–1188هـ/ 1768–1774م) وانهزم العثمانيون، وكانت هذه من أسوأ الهزائم في تاريخهم، واضطروا إلى توقيع معاهدة كوجك قينارجه (Küçük Kaynarca) القاسية في سنة 1188هــ/ 1774م، وكان من نتائجها أن فُصل القرم عن الدولة العثمانية، ففقدت الجيوش العثمانية مصدر تجنيد كان يسدّ ثغرة الإنكشارية لعشريات عديدة، وقد انهارت القوة العسكرية والسياسية العثمانية بعدها انهيارًا ملموسًا.

لكن استطاع العثمانيون في الوقت نفسه أن ينتزعوا في هذه المعاهدة اعترافًا رسميًا من روسيا بالسلطان العثماني خليفةً على مسلمي القرم، ليكون مرجعية دينية لهم. بهذا كرّست معاهدة كوجك قينارجه لسنة 1188هــ/ 1774م لقب الخليفة في السياسة الدولية وبدأ يأخذ موقعًا في الدبلوماسية العثمانية، وإن ظل مفهوم هذا اللقب وصلاحيات الخليفة غامضة[42]. في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، نصّ دستور سنة 1876 على أن السلطان هو خليفة وحامي الدين الإسلامي، وبهذا تمأسس منصب الخلافة دستوريًا[43]. وفي هذا السياق تبلورت الخلافة في الوعي السياسي العثماني بوصفها أداة رمزية وعملية معًا.

وعلى الرغم من أن السلطان عبد الحميد الثاني جمد عمل مجلس المبعوثان فإنه حافظ اسميًا على الدستور الذي ينصّ على أن السلطان هو خليفة المسلمين، فقد كان يحمل وعيًا عميقًا بأهمية هذا اللقب ووظفه وسيلةً لتقوية الرابطة الروحية بين المسلمين في أنحاء العالم، وتكريس نفوذه السياسي داخل السلطنة وخارجها، في وقت كان ملايين المسلمين يرضخون للاستعمار البريطاني والروسي والفرنسي في الهند وآسيا الوسطى وشمال أفريقيا. عزّز عبد الحميد الثاني الخطاب الذي يؤكد أن السلطان العثماني هو خليفة المسلمين جميعًا، ومثّلت هذه الفكرة نواة مشروع "الجامعة الإسلامية"[44]. وقد كانت فكرة الخلافة، بكلّ ما تحمله من مجد تاريخي وحنين إلى "العصر الذهبي" الإسلامي، جذّابة على نحو خاص بين مسلمي آسيا الوسطى والهند، الذين كانوا تحت الاحتلال البريطاني والروسي. وقد أثار هذا حفيظة الإنكليز والروس، إضافة إلى الفرنسيين، إذ رأوا في هذه السياسة تهديدًا لمصالحهم في الهند ومصر وشمال أفريقيا.[45]

في هذا الوقت نفسه وفي سياقات استعمارية واضحة –الطعن الإيطالي في حق العثمانيين في طرابلس الغرب، ومسعى بريطاني في أوائل القرن العشرين لإرساء خلافة عربية[46]– أعادت أوساط عربية إحياء شرط قُرشيّة الإمام/ الخليفة للطعن في شرعية السلطان–الخليفة عبد الحميد الثاني، بحجّة أنه لا يستوفي شرط الانتماء إلى قريش وهو من أهم شروط الخلافة التي يضعها بعض الفقهاء[47].

بالتوازي انشغل مستشرقون بارزون، أبرزهم كارلو ألفونسو نالّينو (Carlo Alfonso Nallino، 1872-1938) وتوماس ووكر آرنولد (Thomas Walker Arnold، 1864-1930)، بتأليف كتابات تدحض شرعية الدعوى العثمانية في الخلافة، كذلك كتب سنوك هرخرونيه (Snouck Hurgronje، 1857-1936)، المستشار الهولندي في شؤون الإسلام في ذلك الوقت، سلسلة تقارير ومحاضرات بين 1880 و1914 يصف فيها الخلافة بأنها نظام ميت أعاد عبد الحميد الثاني إنعاشه[48].

كان عبد الحميد الثاني واعيًا بخطورة المساعي البريطانية والتهديد بإقامة خلافة عربية، فوظّف مؤسسات الدولة التعليمية والدينية لمنع الانقسام الداخلي بشأن شرعية الخلافة، وبأمر مباشر منه، حُذف باب الإمامة من كتاب شرح العقائد النسفية، في طبعة سنة 1317هـ/ 1899م، الذي كان يُدرّس في المدارس العثمانية وينص على قرشية الخليفة، وفي الوقت نفسه، كتب عدد من العلماء والمفكرين المسلمين ردودًا لتأكيد أن الإمامة لا تتوقف على النَّسَب القرشي، وأن الحفاظ على وحدة الأمة ومصلحة المسلمين مقدَّم على هذا الشرط المختلف فيه. ومن بين الردود على تلك الحملة رسالة كتبها شيخ من بيشاور يُدعى حافظ عبد الجَمِيل البشاوري الطوروي (ت. 1946)، ثم تُرجمت إلى العربية تحت عنوان الظفر الحميدية في إثبات الخلافة الشرعية، بيّن فيها ارتباط حملات التشكيك في شرعية الخلافة العثمانية بالدعاية الاستعمارية.[49]

في هذا السياق أيضًا يبرز موقف محمد رشيد رضا (1865-1935) الذي أعاد قراءة حديثٍ حول قرشيّة الإمامة في ضوء مقصد الشوكة والقدرة السياسية، فإذ تحقّقت الشوكة السياسية، جاز انعقاد الخلافة لآل عثمان ولو لم يكونوا قُرشيّين، وإلا آل الأمر إلى إضعاف السلطة الإسلامية برمّتها. ويكتب رضا قائلًا:

"ونقول قبل الدخول في البحث إن كل من يحاول إشراب الأفهام وجوب نزع الإمامة من بني عثمان فهو عامل على الإجهاز على السلطنة الإسلامية ومحوها من لوح الوجود، وما لهؤلاء النوكى من تكأة يتكئون عليها إلا قولهم "الخلافة في قريش" وغفلوا أو أغفلوا الشروط المهمة التي لا توجد اليوم في قرشي كالعدالة على شروطها الجامعة [...] وما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الخلافة في قريش إلا لما كان لهم من المكانة في النفوس التي من أثرها اجتماع القلوب عليهم، والإذعان لسلطانهم عن رضى واختيار، وقد نال هذا المعنى آل عثمان فحصل المقصود الشرعي به"[50].

سياسة الاتحاد الإسلامي

اعتمد عبد الحميد الثاني سياسة عُرفت باسم "الاتحاد الإسلامي". ويُعرّف "الاتحاد الإسلامي" (أو أيضًا الرابطة أو الجامعة الإسلامية) على أنه تيار سياسي، يسعى لإنشاء كيان سياسي يجمع بين المسلمين في جميع أنحاء العالم على أساس الرابطة الدينية. يرتبط هذا التيار فكريًا بشخص جمال الدين الأفغاني (1839–1897) ، وسياسيًا بشخص السلطان عبد الحميد الثاني وتاريخيًا بسياق التوسّع الاستعماري الغربي في الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية أواخر القرن التاسع عشر، منها احتلال فرنسا لتونس سنة 1881، واحتلال بريطانيا لمصر سنة 1882، إضافة إلى الحرب الروسية–العثمانية سنة 1877/ 1878، وهزيمة الدولة العثمانية الفادحة فيها[51].

وقد وظف عبد الحميد الثاني آليات مختلفة لإنجاح سياسة الاتحاد الإسلامي، أهمها توطيد السيادة الرمزية والفعلية على الحرمين في مكة والمدينة ومسالك الحج، فحظر على الحكام المسلمين الآخرين إرسال كسوة الكعبة وتولت الدولة العثمانية المهمة. كذلك شدد إجراءات التحصين ودعم الحاميات في مكة والمدينة. وفي أواخر القرن التاسع عشر أمر السلطان عبد الحميد الثاني بتشييد سكة حديد الحجاز التي تربط دمشق بالمدينة المنورة ثم مكة، لا لغايات اقتصادية فحسب، بل لتعزيز الصلة بين مركز الخلافة والأراضي المقدسة، ولتسهيل الحج للمسلمين القادمين من الأناضول وبلاد الشام وما وراءهما. وكان ينظر إلى هذا المشروع بوصفه رمزًا لوحدة العالم الإسلامي تحت راية الخلافة، وقد مُوّل المشروع في معظمه من تبرعات المسلمين.[52]

كذلك وظف عبد الحميد الثاني شبكة من رجال الدين والبعثات والإرساليات، بوصفها أداة مركزية لدعم الخلافة العثمانية وفكرة الجامعة الإسلامية، وعمل من خلالها على ربط الزوايا والتكايا الصوفية في سائر أقاليم الدولة بإسطنبول، إذ أنشأ لجنة مركزية ضمّت عددًا من كبار العلماء وشيوخ الطرق، مثل الشيخ أحمد أسعد المدني الحسيني الماتريدي (1829–1896)، والشيخ محمد ظافر الطرابلسي (1824–1895). وقد امتد نفوذ هذه الشبكة عبر فروع سرّية، خاصة في شمال أفريقيا، حيث اضطلعت بتنسيق العمل بين الجماعات الدينية (الشاذلية، والقادرية، والمدنية) لمواجهة الاستعمار الفرنسي، وهو ما أثار مخاوف الفرنسيين من إقدام السلطان على حشد قوة دينية منظّمة[53].

وفي حرب العثمانيين ضد الروس مثلًا، بعث السلطان ببعثة رفيعة إلى أفغانستان لطلب العون ضد العدو الروسي، كذلك ذُكر اسمه في خطب الجمعة في أنحاء البلاد، اعترافًا بخلافته. كذلك تتابعت البعثات لتعزيز نفوذ الخلافة في بخارى وخانات خيوة (خوارزم سابقًا (وخوقند وغيرها من المناطق الواقعة اليوم في أوزبكستان، بل وسُكّ اسم السلطان على النقود في كاشغر (Kashgar) الواقعة اليوم في تركستان. كذلك أقام السلطان عبد الحميد الثاني علاقات وطيدة مع المسلمين في القوقاز والهند، وزار مبعوثه الهند البريطانية حيث استُقبل استقبالًا حاشدًا في بومباي، كذلك عزّز مكانة الأزهر الشريف في مصر، وربط مؤسساته العلمية بالسلطنة[54].

وأرسل عبد الحميد أيضًا العلماء والوعّاظ إلى جنوب أفريقيا والصين واليابان لنشر الدعوة الإسلامية وتعزيز الصلة بالخلافة، وسلّمهم رسائل ممهورة بتوقيعه بوصفه "خليفة المسلمين". كذلك أقرّ عدد من الحكام المسلمين بالخلافة العثمانية منهم خانات الأوزبك (في أوزبكستان اليوم)، وخانات القرم، وسلاطين سومطرة (إندونيسيا)، كذلك أُنشئت في بيجين مدرسة إسلامية عليا، رُفعت عليها الراية العثمانية وذُكر فيها اسم الخليفة عبد الحميد الثاني في الخطب[55].

ولم يقتصر الأمر على البعثات والرسائل، بل وظف السلطان الجهاز القنصلي العثماني في أماكن عدة مثل باتافيا (جاكرتا اليوم) وسنغافورة وجاوة ليكون شبكة تواصل مع العلماء والوجهاء المحليين. فكان القناصل يرسلون إلى الآستانة تقارير دورية عن أوضاع المسلمين في هذه المناطق. كذلك موّل السلطان نشر كتب دينية تُوزَّع في المشرق والمغرب، وأمر بتدريس السيرة النبوية في المدارس الرسمية بوصفها أداة لتثبيت الولاء الديني والسياسي في آن واحد. وقد أثارت هذه السياسة مخاوف الدول الأوروبية، فراح دبلوماسيّوها ينبّهون من الخطر المحتمل على مستعمراتهم[56].

العرب في بلاط عبد الحميد الثاني

جمع عبد الحميد الثاني في بلاطه عددًا من شيوخ الطرق الصوفية العرب، مثل الشيخ محمد ظافر المدني الشاذلي (1828–1907)، الذي ينتمي السلطان عبد الحميد نفسه إلى طريقته، ثم الشيخ فضل بن علوي مولى الدويلة (1825–1900)، الذي ينتمي إلى إحدى أقوى قبائل حضرموت، وأبي الهدى الصيادي (1849–1909)، شيخ الطريقة الرفاعية الذي كان معلّمه في شبابه ولقّنه علوم التصوف، وقد كان هؤلاء الشيوخ يعيشون في محيط قصر السلطان طوال حكمه[57].

وتختلف آراء الباحثين بشأن دور هؤلاء الشيوخ وفي ما إذا كان عبد الحميد الثاني قد وظفهم في سياسة الاتحاد الإسلامي. فيذهب رأي إلى أنه أحاط نفسه بشيوخ الدين -خاصة من المناطق العربية- ووظفهم في هذه السياسة، وقد كتب أبو الهدى الصيادي عدة مؤلفات يشرع فيها لخلافة عبد الحميد. كذلك كان للشيخ محمد ظافر المدني علاقات وثيقة بشيوخ الطرق والزوايا في شمال أفريقيا وذلك في وقت كانت فيه طرابلس الغرب محط أنظار الإيطاليين[58].

ولكن رأيًا آخر يرى أن الفرق الصوفية كانت غارقة في صراع المنافسة ولم تولِ اهتمامًا كبيرًا لسياسة الاتحاد الإسلامي، ويؤكد هذا الرأي أن كتابات أبي الهدى الصيادي بشأن "الاتحاد الإسلامي" مثلت جزءًا صغيرًا من مؤلفاته، بل إنه دعا إلى التروّي في اعتمادها[59]. كذلك يشير إلى أن كلًا من الشيخ ظافر وأبي الهدى الصيادي كانا قد استقرّا في إسطنبول قبل صعود عبد الحميد الثاني سُدّة الحكم، وأن وجودهما لم يرتبط بسياسة الاتحاد الإسلامي، بل إن استخدام الطرق الصوفية في اللعبة السياسية أو دعمها لغاية ما، لم تكن حكرًا على عبد الحميد، فالسياسة العثمانية سبق ودعمت أبا الهدى وطريقته الرفاعية للحدّ من نفوذ الطريقة البكطاشية في البلقان مثلًا[60].

مجموعة من طلاب مدرسة العشائر، إسطنبول، ألبوم الصور الخاص بالسلطان عبد الحميد الثاني.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

إضافة إلى الشيوخ، نُصِّبت في عهد عبد الحميد الثاني شخصيات عربية في مراتب سياسية مهمة، فاستُقدم أحمد عزت باشا العابد (1855–1924) وكذلك خير الدين باشا التونسي (1820–1890) الذي تولّى منصب الصدر الأعظم، وإن كان هذا لفترة لا تتجاوز الثمانية أشهر خلال سنة 1878/ 1879[61]. وفي سياق هذه السياسة، أُنشئت مدرسة العشائر (Aşiret Mektebi) لتعليم أبناء شيوخ القبائل[62]. كما أولى السلطان اهتمامًا خاصًا بالحرمين الشريفين في مكة والمدينة. أما على صعيد اللوائح الرسمية لسنة 1886 فقد انقلبت الموازين عن سنة 1877 مثلًا، فبعد أن كانت ولايات الروملي تحتل المراتب الأولى، تصدّرت الولايات العربية-سورية، والحجاز، وبغداد، والبصرة، واليمن ثمّ حلب-بقية الولايات. ويعكس هذا التحول الإداري إعادة توجيه لسياسة الحكومة المركزية، وتوزيع المخصصات المالية، وتركيز الكوادر الكفؤة وغيرها من الإجراءات الإدارية[63].

يرى البعض في هذا سياسة "تفضيلية للعرب" ضمن مشروع الاتحاد الإسلامي[64]. ويذهب هؤلاء إلى حد القول إن عبد الحميد الثاني عمل على كسب ولاء العرب وأولى هذا مكانة أساسية ضمن هذه السياسة، فأغدق الأموال على إصلاح المساجد والتكايا، ودعم معاهد التعليم العربية، وشكّل فرقة حرس خاصة به من الجنود العرب، وقرّب الشخصيات العربية إليه، وجعل بعضهم ضمن دائرة مستشاريه الضيقة، بحيث شكلت هذه الشخصيات مفاتيح التأثير في القصر[65]، ويضاف أن عبد الحميد قد استجاب لنصيحة الصدر الأعظم خير الدين باشا التونسي بـ "إعطاء أهمية خاصة للعنصر العربي في الوظائف [...] لكونهم يشكلون الغالبية من سكان الدولة العلية"[66] –وكان هذا في سياق معاهدة برلين–. وعمومًا اتسمت سياسة عبد الحميد تجاه العرب بالإيجابية، وقد كانت اللغة التركية بموجب الدستور هي اللغة الرسمية للدولة، وكان تعليم اللغة العربية مقررًا في زمن عبد الحميد لكنه لم يُنفَّذ[67]. في المقابل سمح لـ "أمور التقاضي والمرافعة" و"صدور الأحكام القضائية" في ولايتي سورية وبيروت وجبل لبنان وفلسطين بأن تجري باللغة العربية، "فلا يترجم منها إلى التركية إلا ما يجب رفعه إلى محكمة التمييز في العاصمة"[68].

في المقابل، يرى البعض الآخر أن عزت العابد، على قربه من السلطان وولائه له، لم يؤد دورًا في سياسة الاتحاد الإسلامي، وكذلك شأن خير الدين التونسي، لقد كان التوجه نحو الولايات العربية وارتفاع نسبة العرب في المجالين العسكري والإداري وفي القصر ذاته من باب سياسة التنويع الواعية للحرس السلطاني، وزيادة في الاحتياط والحيلولة دون حدوث مؤامرات على حياة السلطان. كذلك سعى عبد الحميد الثاني من خلال هذا الاستقطاب للعرب، أولًا إلى سياسة تعويضية عن خسارة أراضي البلقان وما تبعها من خسائر في الموارد الطبيعية والبشرية، وثانيًا بوصفه أداة دعائية في إطار سياسة مركزية، تسعى لدمج المناطق العربية وربطها بالسلطة العثمانية، وبهذا يُفسَّر وجود بعض الشخصيات العربية المؤثرة في مواقع سياسية مهمة مثل أحمد عزّت العابد، وكذلك شيوخ الطرق كأبي الهدى الصيادي الذي مرّ ذكره، وعدة من "ضيوف" السلطان المقيمين في يلدز، على رأسهم شريف مكة الحسين بن علي (1853–1931) وعائلته[69].

لقد كرّس عبد الحميد الثاني سياسة المركزية والعثمنة هذه -التي سبق وحقّقت نجاحًا ليس بالمحدود في ألبانيا- في الولايات العربية لضبط التحرّكات القومية الانفصالية، وفي ظل مخاوف من قيام "حكومة عربية" أو خلافة عربية منافسة في مصر أو الحجاز، تهدد شرعية السلطان الدينية ذاتها. وقد أثارت مظاهر السخط في سورية والحجاز بين عامي 1878 و1880 هذه التخوّفات وتفاقمت بفعل حركة أحمد عرابي في مصر (1881–1882) ثم ثورة المهدي في السودان ابتداءً من عام 1883[70].

كذلك وُظِّفت هذه السياسة لتشريك النخب المحلية في الحياة السياسة والإدارية وإدماجهم في "المجتمع العثماني"، في محاولة للحيلولة دون الزحف الاستعماري، منه الإيطالي في طرابلس الغرب والفرنسي الذي استولى في آخر الأمر على إيالة تونس سنة 1881 والإنكليزي الذي استولى على مصر سنة 1882.

 دوافع سياسة الاتحاد الإسلامي

اختلفت الآراء بشأن الدوافع والأسباب التي دفعت عبد الحميد لتبني سياسة الاتحاد الإسلامي، فالبعض يرى أن المفكر الإصلاحي جمال الدين الأفغاني عرض عليه فكرة تتمثل في إعادة الشيعة إلى حضن السنّة وتوحيد صفوف الأمة الإسلامية، وأنها وجدت قابلية واضحة لديه بدافع تديّنه وورعه بالأساس[71]. لكنّ رأيًا آخر يذهب إلى أن عبد الحميد احتوى الأفغاني وفكرته في خطوة استباقية حتى لا يتحوّل إلى صف الخلافة العربية سواء تحت راية الشريف حسين أو تحت قيادة خديوي مصر ويدعمها[72]. في حين يذهب رأي إلى أن عبد الحميد الثاني استخدم "الاتحاد الإسلامي" بوصفه أداة سياسية دفاعية بعد استيلاء إنكلترا على مصر وذلك في محاولة منه لاحتواء الحركات القومية وتغيير وجهتها حتى لا تشكّل خطرًا على الدولة والعرش[73]. ويولّف رأي بين الدافع الديني والدافع السياسي، فعبد الحميد كان يرى أن المصلحة الدينية ومصالحه السياسية بصفته خليفة المسلمين واحدة، لذا فإن توظيفه لسياسة الاتحاد الإسلامي، كانت تخدم في آخر الأمر مصلحته بوصفه حاكمًا للمسلمين كافة وخليفتهم[74].

ويُنبّه موقف آخر إلى "تسييس" مسألة "الاتحاد الإسلامي" في صراع القوى المختلفة، ويؤكد أن نجاح هذه السياسة كان نسبيًا[75]، إذ ظل تأثيرها محدودًا[76]، وظل "الاتحاد الإسلامي" فكرة مثالية، افتقدت إلى بنية تنظيمية وآليات حشد فعالة[77].

من ناحية أخرى، انتقد المؤرخون الأتراك ذوو التوجه الكمالي سياسة الاتحاد الإسلامي بشدة، إذ تصفها كتب التاريخ المدرسية والموسوعات التركية -منها موسوعة إينونو (İnönü Ansiklopedisi)- بأنها سياسة عقيمة، لأنها استندت إلى وهم كبير مفاده إمكانية الاعتماد على ولاء العرب، وفشلت أمام توسّع الحركات القومية العربية. كذلك تصفها بأنها سياسة خطرة، إذ استثارت عداوة الأوروبيين ضد الدولة العثمانية ومنحتهم الذريعة للتدخّل في الشؤون الداخلية للدولة ما أدى إلى أزمات دبلوماسية متكررة وتوترات شديدة، سرّعت في عملية انهيار الدولة[78].

سياسة التوازن وعدم الانحياز

أنشأ عبد الحميد الثاني في قصره مركزًا خاصًا للمعلومات لمتابعة الأحداث السياسية في العالم متابعة دقيقة. وكان هذا المركز يجمع كل ما يُنشر في الصحف العالمية عن الدولة العثمانية، إضافة إلى التقارير الواردة من السفارات والقنصليات العثمانية في أنحاء العالم. وكانت التقارير والأخبار تُقدّم إلى السلطان شخصيًا لبحثها وتقييمها. كذلك كان عبد الحميد الثاني يستشير علماء وخبراء محليين وأجانب في قضايا السياسة الدولية، فكان عالمًا بأحوال السياسة العالمية ومطلعًا على دقائقها[79].

وقد اتبع عبد الحميد الثاني سياسة توازن دقيقة بين الدول الأوروبية، واستطاع أن يستفيد من تضارب المصالح بينها، فكانت سياسته تتغير وفق المستجدات، فاتجه إلى التقارب مع عدوه الشديد روسيا، حين كانت في مرحلة معينة أقل خطرًا من إنكلترا، واعتمدها وسيلةً لموازنة النفوذ البريطاني، خاصة في مصر. كذلك استفاد من التنافس بين فرنسا وإيطاليا في شمال أفريقيا، وفي البلقان استغل الخلافات بين الدول الصغيرة الناشئة وعمل على منع تحالفها ضد الدولة العثمانية، وكان هدفه الأساس ضمان بقاء دولته وسط اشتداد التنافس بين القوى الكبرى على السيطرة على أراضيها.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

في الوقت نفسه انتهج عبد الحميد الثاني سياسة حيادية، مستقلة، ولم يرتبط بتحالف دائم مع أي دولة. فبعد أن أخلّت بريطانيا بوعودها في مؤتمر برلين عام 1878، واستولت على قبرص ومصر في السنة نفسه، واستولت فرنسا على تونس في سنة 1881، أصبحت علاقاته بالبلدين حذرة للغاية. ولكنه أقام علاقات وثيقة مع ألمانيا، التي كانت تتطلّع إلى توسيع نفوذها في المنطقة بوصفها قوة اقتصادية، وشمل التعاون مشاريع الإعمار والمواصلات، إذ عملت الشركات الألمانية على مشروعات سكك الحديد والمواني. كذلك عمل عبد الحميد الثاني على إقامة تعاون في المجال العسكري[80].

وقد استطاع عبد الحميد الثاني بهذه السياسة أن يحافظ على سلام نسبي لدولته امتد أكثر من ربع قرن من سنة 1878 (مؤتمر برلين) وحتى مطلع القرن العشرين، فتمكّن من تجاوز إعصارات هذه الفترة دون أن تسقط الدولة العثمانية فريسة بين يدي الدول الغربية، بل إن فكرة تقسيم الدولة العثمانية اختفت من أجندتها. كذلك انتصر على اليونانيين في حرب تيساليا سنة 1897 واستطاع المحافظة على جزيرة كريت ضمن حدود الدولة العثمانية. ولئن ظل الحفاظ على الجزيرة مؤقتًا، فإن هذا الانتصار كان مهمًا، إذ مكّن السلطان من إسكات المعارضة في الداخل والخارج[81]. وكذلك شكّل نزول الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني ضيفًا على السلطان سنة 1898 وانطلاق مشروع خط سكّة الحديد نصرًا دبلوماسيًا مهمًا[82].

لكنّ نجاح سياسة التوازن التي ظل عبد الحميد الثاني يتّبعها طوال الثلاث والثلاثين سنة كان محدودًا زمنيًا واقتصر على فترة حكمه الأولى، في حين آلت هذه السياسة إلى فشل تامّ أوائل القرن العشرين، وذلك حيال التحولات السياسية الجديدة على الساحة العالمية، إذ تقاربت الرؤية السياسية الروسية مع سياسة الإمبراطورية المجرية-النمساوية في شأن مسألة البلقان، كذلك قرّبت المصالح السياسية الخارجية إيطاليا من فرنسا وهذه الأخيرة من إنكلترا وروسيا[83].

السياسة الداخلية

أنشأ السلطان عبد الحميد الثاني نظامًا عُرف في التركية باسم "المابين" وهي كلمة من أصل عربي المقصود بها ما بين الحرملك والباب العالي. وكان المابين مبنى مستقلًا داخل قصر يلدز، وضمّ مكاتب كبار الحجّاب وكتّاب المراسلات السلطانية.[84] وقد عمل السلطان من خلال هذا النظام على تعزيز نفوذ "القصر" أو "الديوان السلطاني". ومن هنا نشأت سلطة كاتب المابين، مثل حسن تحسين باشا وعزّت العابد. كذلك نُقلت المكاتب الحساسة إلى قصر يلدز، الذي تحوّل بالتدرّج إلى مركز القرار السياسي والإداري، في حين أصبحت الصدارة العظمى تؤدي دورًا تنفيذيًا محدودًا تحت إشراف السلطان المباشر. وقد تحوّل قصر يلدز، مع حرمه السلطاني وأقسامه الإدارية، إلى مدينة صغيرة قائمة بذاتها، يسكنها عدة آلاف من الموظفين والخدم والجنود[85].

في الوقت نفسه، اعتمد السلطان عبد الحميد الثاني سياسة احتوائية تجاه القوى التقليدية، فدعم المؤسسات الدينية والأوقاف، وتقرّب من زعماء الطوائف والعشائر والأعيان المحليين، ما مكّنه من بناء قاعدة اجتماعية متينة حول حكمه، أسهمت في استقرار نسبي داخل المجتمع العثماني[86].

كذلك أرسى السلطان عبد الحميد الثاني جهازًا واسعًا وشبكة معقدة للتجسس، وأُطلق على هذا الجهاز اسم "الخَفْية"، أي الشرطة السرية. وكانت مهمة هذا الجهاز جمع المعلومات عن أحوال الولايات، ومراقبة الموظفين، ومتابعة ما يُكتب في الصحافة، ورصد النشاط السياسي في العاصمة والأقاليم. وكان العاملون في هذا الجهاز يرسلون تقارير مكتوبة، كانت تُعرف باسم "جورنال"، وهي كلمة أُخذت من تعبير إداري استخدمه سابقًا محمد علي باشا )1769–1849) في مصر، وكان معناها الأصلي "التقرير الإداري"[87].

كذلك عمل على إعادة تنظيم ديوان المحاسبات ونظام التفتيش الإداري في الولايات، وأقام شبكة مراسلات برقية مباشرة بين القصر والولاة عبر خطوط التلغراف، لضمان اتصال دائم وسريع بالولايات كافة.[88] وقد كانت الرقابة على المطبوعات في عهده شديدة الصرامة، ووُضعت قوائم بالمصطلحات الممنوعة من بينها "حرية"، و"انفجار"، و"قنبلة"، و"اغتيال"، و"مؤامرة" وغيرها، واعتُبرت هذه العبارات تهديدًا لأمن الدولة واستقرارها[89]. وقد أُقيم هذا النظام في وقت كانت فيه المؤامرات السياسية تتصاعد في الدولة، ويبدو أيضًا أن حادثتي خلع السلطان عبد العزيز وكذلك السلطان مراد قد تركتا أثرهما في السلطان عبد الحميد الثاني، إلى جانب محاولات خلعه.

الإصلاحات

 الإصلاح الإداري والاجتماعي

رغم الأزمة المالية الشديدة وقيود نظارة الديون العمومية الصارمة والامتيازات التي استنزفت موارد الدولة، فقد عمل عبد الحميد الثاني على إجراء إصلاحات إدارية واجتماعية، منها إصدار "نظام الولايات الجديد" الذي أعاد توزيع الصلاحيات بين الوالي والمجالس المحلية، وألزم الولاة بإرسال تقارير دورية إلى القصر، كذلك شُكّل جهاز تفتيش خاص لتقييم أدائهم، ما أدى إلى تحقيق انضباط إداري نسبي في كثير من الولايات. كذلك أُحدثت وزارات للتجارة والصناعة، والصحة، والتعليم، والأشغال العامة، وأخذ يُديرها بالتدرج مختصّون متمرّسون في مجالاتهم، وارتفعت أعداد الموظفين الحكوميين ارتفاعًا ملحوظًا[90].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

كذلك يُعدّ التعليم من أبرز مجالات إصلاح السلطان عبد الحميد الثاني، إذ شهد عهده توسعًا غير مسبوق في البنية التعليمية كمًا ونوعًا. فأُنشئت في السنة الخامسة عشرة من حكمه وحدها 160 مدرسة رشدية (متوسطة)، و55 مدرسة إعدادية (ثانوية)، و14 دارًا لإعداد معلمي المرحلة الابتدائية، إلى جانب 19 مدرسة إسلامية متخصّصة، فضلًا عن افتتاح 9649 مدرسة ابتدائية حديثة في مختلف أنحاء الدولة. وإلى جانب هذا حُوِّلت 5138 مدرسة تقليدية للبنين إلى مدارس ابتدائية حديثة. وتؤكد الإحصاءات الرسمية لعام 1893 حجم هذا التقدم، إذ بلغ عدد التلاميذ في عموم الدولة نحو 896 ألف تلميذ، موزعين على أكثر من 29 ألف مدرسة، يشرف عليهم قرابة 23 ألف معلم. وفي الإحصاء ذاته، بلغ عدد مدارس إعداد المعلمين 30 مدرسة، منها 14 في الأقاليم النائية و16 في إسطنبول، بينها مدرسة واحدة مخصصة للإناث. كذلك تُظهر المقارنة التاريخية أن عدد المدارس الإعدادية ارتفع من أرقام محدودة في السنوات الأولى من حكمه إلى 55 مدرسة بحلول عام 1887، ثم إلى 88 مدرسة قبيل إعلان المشروطية عام 1907، أي بزيادة تقارب 150 في المئة خلال نحو عقدين، بما يعني افتتاح ما يقرب من أربع مدارس إعدادية سنويًا[91].

وإلى جانب هذا التوسع في التعليم العام، أنشأ عبد الحميد الثاني عددًا من المدارس العليا المتخصصة لتكوين نخبة إدارية وفنية قادرة على إدارة شؤون الدولة وفق أساليب حديثة، من بينها مدرسة الإدارة لإعداد كبار الموظفين والولاة، ومدرسة الحقوق لتخريج القضاة والمحامين، ومدرسة الفنون الجميلة، ومدرسة الهندسة المدنية، ودار المعلّمين العليا لإعداد مدرّسي التعليم المتوسط والعالي، فضلًا عن مدارس متخصصة في المالية والتجارة والزراعة والشرطة، والمدرسة الطبية العسكرية[92]. كذلك شمل هذا المشروع التعليمي مدارس عليا للملاحة التجارية، والغابات، والمعادن، ومدارس خاصة بالبكم والصم والمكفوفين، إضافة إلى مؤسسات تعليمية موجهة للإناث مثل دار المعلّمات ومدارس الصناعة للبنات. وتُوّج هذا الصرح بإنشاء دار الفنون، التي ضمّت كليات للعلوم والآداب، وتطورت بالتدريج لتكون نواة التعليم الجامعي الحديث في الدولة العثمانية[93].

ولم يقتصر اهتمام عبد الحميد الثاني على التعليم النظامي، بل توسّع ليشمل المؤسسات الثقافية، ففي عهده تأسس متحف الآثار القديمة، الذي عُدَّ من أهم متاحف الآثار في الشرق، والمتحف العسكري الذي جمع آثار التاريخ العسكري العثماني، ومكتبة يلدز التي ضمت آلاف المخطوطات والكتب، والمكتبة العامة في بايزيد. ومن مشاريعه اللافتة تكليف المصوّرين بتصوير المدن والمعالم العثمانية في ألبومات ضخمة، ما يزال جزء كبير منها محفوظًا في مكتبة جامعة إسطنبول، وتُعدّ اليوم من أغنى الأرصدة البصرية لتاريخ الإمبراطورية[94].

كذلك أُنشئ مستشفى حيدر باشا الطبي ومستشفى شيشلي للأيتام بدعم كبير من ماله الخاص. وأنشأ دار العجزة لتأمين الرعاية لكبار السنّ، وكانت من أبرز منشآت الرعاية الاجتماعية في ذلك الوقت.

الإصلاح الاقتصادي

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

عمل عبد الحميد الثاني على تشجيع الاقتصاد الداخلي، فعمل على تعبيد الطرق بين إسطنبول والأناضول، وتحديث المواني في إسطنبول وإزمير وسالونيك. كذلك أُدخلت إلى دمشق العربات الكهربائية (Tramvay) في عام 1907 ثم تلتها سالونيك في عام 1908، وأُنشئت شبكة سكة حديدية لربط المواني بالمدن الداخلية (كخط حيدر باشا–أنقرة)، كذلك ربطت خطوط التلغراف العاصمة بسائر الأقاليم، حتى الحجاز والبصرة واليمن. وأصدر تشريعات لتنظيم العملة والجمارك، كذلك طُوّر نظام للقروض ليكون نواة بنك الزراعة، الذي افتُتح في سنة 1888 وسرعان ما تعددت فروعه في أنحاء الدولة، فكان أداة لتقديم القروض للفلاحين. كذلك شجّع عبد الحميد الثاني تأسيس شركات زراعية وصناعية وتجارية وطنية منها مصنع للنسيج، ومصنع للخزف. وأُرسلت أيضًا بعثات من الضباط والمهندسين إلى ألمانيا للتخصص، وعادوا ليُسهموا في تحديث الصناعة العسكرية[95].

ورغم الأزمة المالية التي كانت تضع قيودًا واضحة على سياساته، وتعطلت العديد من المشاريع بسببها، فإنه حقق نجاحات تُحسب له في مجال الزراعة، فحاول تعويض موارد الدولة المستنزفة لتتمكّن الدولة من تسديد ديونها المتراكمة، فعمل على استصلاح الأراضي المهجورة والخربة وإحياء البور منها من خلال نظام الجفتلك (المزرعة العائلية الصغيرة)، فكان يعفي الفلاحين المُستجلبين إلى هذه المزارع من الجندية، ويحميهم من تعدي أرباب الوجاهة، ويُقرضهم المال بلا ربا حتى عمرت تلك الأنحاء[96]. وشهد نظام الجفتلك أوجه في عهد السلطان عبد الحميد الذي ضم أراضيه إلى نطاق أوسع دعي بالمزارع السلطانية كانت تُؤجر وفق نظام الجفتلك بمساحات صغيرة للفلاحين الذين لا يملكون أرضًا[97]، وكذلك للعشائر البدوية لتحقيق استقرارها الزراعي القروي. وعُرفت أراضي السلطان عبد الحميد الثاني تحت أسماء الجفتلك والأراضي السلطانية والحميدية، والسنية[98] –وقد عُرفت هذه الملكيات بعد انقلاب جميعة الاتحاد والترقي بـ" الأراضي المدورة"-[99]، وكان السلطان قد وضع لهذه الأراضي "لجنة إدارية خاصة ظهرت في سجلات الكتاب العثماني السنوي بوصفها جزءًا من جهاز الدولة"[100]، وشكل هذا النظام أحد عوامل نجاحه في تسديد قسم كبير من الديون الخارجية التي بلغت نحو 252 مليون ليرة ذهبية، وتمكن أيضًا من إقناع الدولتين الدائنتين الكبيرتين فرنسا وبريطانيا بإسقاط 146 مليون ليرة منها، ولم تقترض الدولة في عهده من الخارج إلا قليلًا، وعند عزله عن العرش كانت الدولة قد دفعت معظم مستحقاتها من الديون[101].

أما مشروع سكة الحديد، فكان له أهمية خاصة لدى السلطان عبد الحميد الثاني، إذ كان لهذا المشروع قيمة استراتيجية كبيرة، وكان أيضًا وسيلة لربط عاصمة الدولة بالأناضول وبالولايات العربية، إضافة إلى تسهيل نقل الجنود والبضائع، وإحياء الاقتصاد، وتضمّن المشروع خطين.

عُرف الخط الأول بسكة حديد بغداد، وقد تمتع البنك الألماني والشركات الألمانية بعقود امتيازات واسعة لتنفيذ مشروع الخط الحديدي الذي يربط الأناضول بالعراق والخليج، وذلك لعدة أسباب، فألمانيا لم تكن تملك مستعمرات واسعة في العالم الإسلامي، ولم يكن لها تاريخ طويل في الصدام مع الدولة العثمانية، كذلك وقوفها –نسبيًا– إلى جانب الدولة العثمانية في المسألة الأرمنية، إضافة إلى تقديم الإمبراطور الألماني ويلهلم نفسه صديقًا للمسلمين وقد كان الإمبراطور من الداعمين لمشروع سكة الحديد وانتقل به في رحلته إلى الشرق سنة 1898 إلى دمشق والقدس. وقد عمل عبد الحميد الثاني من خلال هذا المشروع على خلق رابط مصالح يجبر ألمانيا على الدفاع عن الدولة في وجه الأخطار الخارجية، حمايةً لاستثماراتها[102].

أما الخط الثاني فهو سكة الحجاز التي تمتد من دمشق في سورية إلى المدينة في الحجاز. وفي حين أن الأجزاء السابقة للمشروع كانت مع شراكات أجنبية، فقد سعى عبد الحميد الثاني إلى أن تتكفّل الدولة العثمانية بتمويل كامل مشروع سكة الحجاز داخليًا دون إشراك لشركات أجنبية، وذلك عبر تبرعات المسلمين في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، بالإضافة إلى "طابع الحجاز" الذي خُصصت عائداته بالكامل لبناء المشروع. وافتُتح العمل في السكة الحديدية في 1 أيلول/ سبتمبر 1900، بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتولّي السلطان العرش وقد وصل الخط الحديدي إلى المدينة المنورة سنة 1908[103]. ويقرأ البعض هذا المشروع في إطار سياسة "الاتحاد الإسلامي" إذ استطاع السلطان بواسطته أن يظهر أمام ثلاثمئة مليون من المسلمين في كل أنحاء العالم بصورة الخليفة الغيور على الدين الإسلامي ومصلحة المسلمين، لكن وبقدر ما كان لهذا المشروع من أهداف دينية، كان له في الوقت نفسه أهداف سياسية وحربية، إذ أصبح ممكنًا من خلاله إيصال العساكر العثمانية إلى شبه الجزيرة العربية، وكان الجيش ينتقل قبلها بحرًا عبر قناة السويس[104].

موقف السلطان عبد الحميد الثاني من الهجرة اليهودية إلى فلسطين

تضافرت عدة عوامل أدت إلى هجرة اليهود واستيطانهم في فلسطين، أهمها الدافع الاقتصادي، إضافة إلى الدافع الديني. ولكن أهم هذه الدوافع كانت المذابح وحملات التهجير التي تعرّضوا لها في أوروبا الشرقية وخاصة في روسيا ابتداء من سنة 1881، بعد اتهام عدد من اليهود بالتواطؤ في عملية اغتيال القيصر الروسي ألكسندر الثاني (Tsar Alexander II، 1818–1881، حكم بين 1855–1881)[105]، وموجة الاضطهاد التالية في فرنسا إثر قضية دريفوس (1894). في الوقت نفسه تهيأت الظروف في الدولة العثمانية، التي استقبلت اليهود في فترات مختلفة من تاريخها، واستفادت منهم في إنماء الزراعة وتطوير الاقتصاد[106]. ففي سنة 1856 أصدر السلطان عبد المجيد الأول فرمان الإصلاح، الذي منح الأقليات الدينية في الدولة العثمانية حق المساواة مع المسلمين، ومنح للأجانب حق الحماية لدى دولهم إضافة إلى امتيازات عديدة أخرى، تلاه فرمان أصدره السلطان عبد العزيز في سنة 1869 يسمح للأجانب بتملّك أراض في كل أنحاء الدولة العثمانية ما عدا الحجاز. في الوقت نفسه كانت القوى الغربية، وفي سياق التنافس في ما بينها على أراضي الدولة العثمانية وعلى ثرواتها وعلى المناطق الاستراتيجية فيها، قد افتتحت عدة قنصليات في فلسطين –إضافة إلى مدن عثمانية أخرى–، وستؤدي هذه القنصليات لاحقًا دورًا مهمًا في تسهيل المعاملات لليهود اللاجئين من أوروبا الشرقية، وكذلك في حجّهم إلى القدس، وستكون أيضًا ملجأ لليهود الذين تسللوا إلى فلسطين رغم فرمانات السلطان بتقييد الهجرة اليهودية[107].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


كذلك وفي نهاية القرن التاسع عشر نشأت بوادر الحركة الصهيونية، إذ نشر تيودور هرتزل (Theodor Herzl، 1860–1904) كتابه دولة اليهود باللغة الألمانية سنة 1896، وفي بداية أيلول/ سبتمبر 1897 عقدت المنظمة الصهيونية العالمية في سياق تداعيات قضية دريفوس في فرنسا مؤتمرًا للصهيونية في مدينة بازل (Basel) بسويسرا. هيأت كل هذه العوامل هجرة اليهود خاصة من أوروبا الشرقية إلى فلسطين التي كانت حينئذ جزءًا من الدولة العثمانية واستقروا خاصة في متصرفية عكا العثمانية (شملت أقضية حيفا وطبريا وصفد) ومتصرفية نابلس (شملت قضائي جنين وطولكرم) وكانتا تتبعان ولاية بيروت وفي متصرفية القدس (شملت أقضية القدس ويافا وغزة والخليل وبئر السبع) وكانت حينئذ تتبع ولاية الشام[108].

وقد نشأت في عهد عبد الحميد الثاني عدة مستوطنات لليهود منها ثماني مستوطنات بين سنتي 1882 و1883 وحدهما[109]، فعمل السلطان على إصدار عدة فرمانات للحدّ من هجرة اليهود إلى فلسطين، من بينها فرمان أصدره في شهر نيسان/ أبريل 1882 شدّد فيه شروط الإقامة وشراء الأراضي[110]، كذلك أرسل في حزيران/ يونيو 1882 إلى متصرف القدس بمنع المهاجرين اليهود من روسيا ورومانيا من الإقامة الدائمة في أقضية القدس ويافا وحيفا[111]. وكانت هذه الإجراءات مناقضة لفرمان التملّك الصادر في سنة 1869، فلجأ اليهود المهاجرون إلى قنصليات الدول الأوروبية، باعتبارهم رعايا أجانب وطالبوا بتنفيذ قوانين الحماية بحقهم وتمكينهم من التمتع بالامتيازات الأجنبية. وقد عملت القنصليات الأوروبية وخاصة القنصلية البريطانية في القدس على مساعدتهم في عمليات الشراء وتحصيل رخص البناء. واحتجّ قناصل الدول الأوروبية الكبرى (خاصة روسيا، وألمانيا والنمسا وفرنسا وبريطانيا) لدى الحكومة العثمانية بأن الإدارة المحلية غير مسؤولة عن الأجانب وطالبوا بالالتزام بفرماني خط همايون (1856) والتملك (1869)، ما اضطر الحكومة العثمانية إلى التراجع عن قرار الحظر هذا[112].

في مرحلة لاحقة، أصدر السلطان عبد الحميد الثاني ابتداء من سنة 1886 عدة فرمانات تنظيمية، نصّ بعضها على تحديد الزيارات الدينية لليهود في القدس بفترة لا تتجاوز الثلاثة أشهر[113]. لكن وأمام ضغوط الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، عاد فحصر تطبيق هذا القرار على المهاجرين بأعداد كبيرة فقط. وفي سنة 1887 لجأ السلطان عبد الحميد الثاني إلى إعلان متصرفية القدس كيانًا إداريًا مستقلًا ورُبط مباشرة بنظارة الداخلية في إسطنبول لتكريس النظام المركزي في هذه المقاطعة والحيلولة دون أي تجاوزات[114]. وفي سنة 1898 أصدر السلطان فرمانًا يفرض على اليهود المعتمرين إلى القدس، دفع تأمين وتقديم تعهد بمغادرة فلسطين خلال ثلاثين يومًا، ليعود بعدها في سنة 1899 ويصدر تحت ضغط الدول الغربية فرمانًا يمدّد هذه الفترة[115].

بذلك استطاع اليهود في عهد عبد الحميد الثاني شراء أراضٍ كثيرة، وقد توسّلوا إلى ذلك بطرق مشروعة وغير مشروعة، ومن بين الاستراتيجيات التي ابتكروها لتجاوز العوائق القانونية والإجراءات الإدارية، تسجيل الأرض باسم أحد الرعايا العثمانيين، أو التقدّم بطلب للحصول على ترخيص لبناء "منشآت زراعية"، وهو ترخيص كان من الممكن الحصول عليه بسهولة نسبية من السلطات المحلية[116]، بسبب تبني الدولة العثمانية في مرحلة السلطان عبد الحميد سياسة تشجيع النمو الزراعي. وحدث كذلك أن عرضت الحكومة العثمانية أراضي للبيع في المزاد العلني لعجز أهلها عن تسديد الضرائب المترتّبة عليهم فاشتراها اليهود وبنوا عليها مستوطنات جديدة أو أضافوها لمستوطنات قائمة (مثلًا بناء مستوطنة ريشون ليتصيون سنة 1882، وتوسيع مستوطنة بتاح تكفا سنة 1883)، وبذلك تواصل بناء المستوطنات بنسق متواتر، حتى بلغ عدد المستوطنات عند نهاية حكم السلطان عبد الحميد الثاني 68 مستوطنة، إضافة إلى عدة أحياء سكنية أخرى[117].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وقد أدت عدة مؤسسات وجمعيات يهودية منها التحالف الإسرائيلي العالمي (Alliance israélite universelle) وكذلك مستثمرون ومصرفيون بارزون ذوو نفوذ ومال دورًا مهمًا في شراء الأراضي وتمويل هذه المستوطنات[118]، من بينهم البارون إدموند جيمس دي روتشيلد (Baron Edmond James de Rothschild، 1845-1934) الذي أسّس إدارة اضطلعت في تسيير شؤون المستوطنات فكانت بمنزلة مؤسسة شبه حكومية. وقد كوّنت إدارة روتشيلد شبكة واسعة من العلاقات الرسمية وغير الرسمية مع كل من السلطات العثمانية المحلية وكذلك المركزية، استفادت منها لتعزيز مشروع الاستيطان اليهودي عبر حل المشكلات الإدارية والقانونية التي واجهت المستوطنات، والسعي إلى إلغاء الأوامر الصادرة بتقييدها. فعلى سبيل المثال، كانت هذه المؤسسة تلجأ في كثير من الأحيان إلى السلطات العثمانية المحلية بطلبات لملاحقة العرب الذين ألحقوا أضرارًا بالمستعمرات أو اعتدوا على المستوطنين، وتمارس نفوذها لضمان تنفيذ الإجراءات اللازمة، فوفّرت بذلك للمستوطنين دعمًا بالغ الأهمية ونفوذًا ملموسًا في تعاملهم مع السلطات. وعندما كان روتشيلد يزور فلسطين، كان يلتقي بكبار المسؤولين العثمانيين، ويوطّد معهم علاقات شخصية، ويقدّم تبرعات لمؤسسات خيرية محلية في محاولة لتعزيز نفوذه لدى السلطات العثمانية. وكذلك كان شأنه مع كبار المسؤولين العثمانيين في إسطنبول، بل وحظي روتشيلد بعدد من المقابلات مع السلطان عبد الحميد الثاني نفسه. وقد منح بنك روتشيلد في لندن قروضًا للدولة العثمانية التي كانت في أمسّ الحاجة إلى السيولة[119].

كذلك أدى تيودور هرتزل دورًا مهمًا، وقد زار إسطنبول خمس مرات بين سنتي 1896 و1902، اثنتان منهما على نفقة السلطان عبد الحميد الثاني نفسه[120]. وقد عرض هرتزل فكرة تكوين حكم ذاتي لليهود في فلسطين مقابل تسديد كل ديون الدولة العثمانية[121]. كذلك تفاوض هرتزل مع السلطان عبر مقرّبين منه مثل الكونت فيليب نيولسكي (Philipp Michael von Newlinski، 1841-1899) وصموئيل مونتاغيو (Samuel Montagu، 1832-1911)، وحظي نفسه بالمثول بين يدي السلطان عبد الحميد الثاني في 18 أيار/ مايو 1901، بل ومُنح الوسام المجيدي. في المقابل وعد هرتزل أن يسعى إلى تحسين صورة الدولة في الصحافة الأوروبية وتهدئة حملاتها بخصوص المسألة الأرمنية، وأن يوفّر للدولة العثمانية قرضًا قدره مليونا ليرة تركية[122].

في أثناء زيارته الأخيرة لإسطنبول سنة 1902، جاء الرد النهائي من السلطان عبد الحميد الثاني بشأن مقترح تكوين حكم ذاتي لليهود في فلسطين، برفض إصدار فرمان يسمح لليهود بالاستقرار والتملك في فلسطين، وسمح في المقابل باستقرارهم في مناطق أخرى من الدولة العثمانية، بشرط ألا يجتمعوا في مكان واحد بل في أماكن تحدّدها لهم الحكومة العثمانية، وشرط أن تقرر الحكومة عددهم مسبقًا وبشرط أن يصبحوا رعايا عثمانيين وأن يقبلوا فرمانات الدولة العثمانية بما فيها الخدمة العسكرية[123].

كرّر هرتزل، خلال العامين اللذين سبقا وفاته عام 1904، محاولاته لإقناع السلطان عبد الحميد بمخططات مالية جديدة، تنقذ الدولة العثمانية من الديون المتراكمة عليها، قبل أن يعقد مشروعات بديلة لتوطين اليهود في شبه جزيرة سيناء وشرق أفريقيا، غير أنه لم يتمكّن من جمع المال الذي كان يطمح له وظلت محاولاته لدى السلطان من دون جدوى[124].

اختلفت آراء الباحثين بشأن موقف عبد الحميد الثاني من الهجرة اليهودية، فيذهب رأي إلى أن السلطان كان حازمًا في تعامله مع المسألة، من ذلك أنه وفي سنة 1891 أصدر ثلاثة فرمانات في شهر واحد (تموز/ يوليو 1891) كلها توضّح مخاطر هذه الهجرة والخشية من نشأة حكومة يهودية في فلسطين وطلب من الصدارة العظمى اتخاذ القرارات اللازمة، وقد جاء في الفرمان الأول بتاريخ 21 حزيران/ يونيو 1891: "إن قبول الذين طُردوا من كل مكان، في الممالك العثمانية سيؤدي في المستقبل إلى تشكيل حكومة يهودية، لذا فإن إجراء هذه المعاملات غير جائز [...] لذا فلا يُقبل هؤلاء بل يجب وضعهم في السفن فورا لإرسالهم إلى أميركا [...] وبناء على ذلك وحتى لا يبقى هناك أي مجال بعد الآن لأية معروضات أخرى بهذا الخصوص، تُعاد هذه المذكرة للصدارة العظمى لاتخاذ قرار عام في هذا الموضوع"[125].

ويشير أصحاب هذا الرأي إلى أن عبد الحميد الثاني رفض رفضًا قاطعًا عرض هرتزل بإنقاذ الدولة العثمانية من الديون التي كانت تثقل كاهلها، مقابل حصول اليهود على فلسطين[126]، ويأتي في هذا السياق ردّ السلطان عبد الحميد المشهور على المبعوث الخاص الذي بلّغ عرض هرتزل، وقد أورد هرتزل نفسه هذا الردّ في مذكراته بتاريخ 19 حزيران/ يونيو 1896:

"إنني لا أستطيع أن أبيع شبرًا واحدًا من الأرض، فهي ليست ملكي بل ملك شعبي. لقد نال شعبي هذه الإمبراطورية بدمه، ورواها بدمه، وسنرويها بدمنا مرة أخرى قبل أن نسمح بانتزاعها منّا. لقد استُشهد رجال فوجين من السوريين والفلسطينيين في معركة بلفنة واحدًا بعد آخر؛ لم يتراجع أحد منهم، بل بذلوا جميعًا أرواحهم على ذلك الميدان. إنّ الدولة العثمانية ليست ملكي، بل هي ملك الشعب التركي. ولا أستطيع أن أتنازل عن أي جزء منها. ليدّخروا (اليهود) ملياراتهم. فعندما تُقسَّم إمبراطوريتي سيحصلون على فلسطين من غير ثمن. ولكن قَسْمَ الجسد لا يكون إلا بعد الموت، وأنا لا أوافق على التقطيع وأنا حيّ"[127].

ويميّز هذا الرأي بين موقف السلطان الحازم تجاه مسألة الهجرة اليهودية إلى فلسطين وموقف الإدارة العثمانية، خاصة المحلية في فلسطين التي كانت تتحايل على القانون وتتعاون مع القناصل وتسهل دخول اليهود إلى فلسطين مقابل الرشاوى[128]. ويذهب هذا الرأي إلى أبعد من ذلك فيرى أن السلطان عبد الحميد "خسر عرشه من أجل فلسطين"، إذ ألّب ضده اليهود والقوى الغربية بسبب رفضه لمطالبهم بخصوص وطن لليهود في فلسطين[129].

في حين يتهم رأي آخر السلطان عبد الحميد الثاني بغضّ النظر عن نشاطات اليهود وبالتهاون في موقفه من قضية الاستيطان، ويرى أن الإجراءات التي اتخذها لم تكن بالحزم الكافي، ولم يُترجم موقفه المعلن عن سياسته على الأرض. كذلك يرى هذا الرأي أن سياسة الفرمانات التي اتبعها السلطان فشلت، إذ إنها ظلت حبرًا على ورق، والحكومة كانت تعود فتصدر في كل مرة قرارات تعدّل فيها ما جاء في الفرمانات، وهو ما صعّب عمل الإدارة المحلية في فلسطين. كذلك لم تكن شؤون الإدارة المحلية ولا المركزية العثمانية منظمة ولا نزيهة، وأصبحت أكثر سوءًا تحت ضغط الديون الخارجية وازدياد نفوذ الدول الغربية، والأفراد المشمولين بحمايتها بناء على الامتيازات العثمانية السابقة التي منحت لها ولرعاياها[130]، ما أدى إلى تملّك اليهود مزيدًا من الأراضي وتوسّعوا في القدس والخليل وصفد وطبريا ويافا وحيفا وغيرها من المدن والقرى الفلسطينية، وحتى سنة 1897 بلغ عدد المستوطنات 19 مستوطنة، وظل عددها في تزايد مستمر حتى بلغ 68 مستوطنة في سنة 1908. وقد تضاعف عدد اليهود في فلسطين في عهد السلطان عبد الحميد ثلاث مرات وبلغت نسبتهم 11 في المئة من تعداد السكان لسنة 1908، بل وشكّلوا الأغلبية في القدس. هذا مع الأخذ بالحسبان أن اليهود عمدوا إلى التحايل على القانون والدخول بطرق ملتوية إلى فلسطين، ما يجعل عددهم الحقيقي أعلى مما جاء في الإحصائيات الرسمية، وازداد معها نفوذهم الاقتصادي والسياسي[131].

يذهب رأي ثالث إلى أن عبد الحميد الثاني قد سلك سياسة مزدوجة وبراغماتية، فهو من جهة اتّبع سياسة متشددة حيال هجرة اليهود إلى فلسطين، فأصدر الفرمانات التي قيّدت من إقامة الحجيج اليهود إلى القدس، وأمر باتخاذ إجراءات إدارية لتعقيد عملية الشراء والتملّك[132]. إضافة إلى ذلك وفي سنة 1900 نقل الملف الكامل المتعلّق بمسألة تملّك اليهود للأرض في فلسطين إلى قصر يلدز وتولّى السلطان المسألة بنفسه ولم يكن يسمح لأي من الإدارات الرسمية، أو الدوائر الوزارية، وحتى الصدارة العظمى أن تنظر في أي من جوانبها من دون العودة إليه[133]. ولكنه ومن جهة أخرى حاول الاستفادة من الهجرة اليهودية، فلم يكن يُمانع استقرار اليهود في مناطق يعمّرونها، والإسهام في زيادة المحصول ومردود الضرائب. حتى إنه أبدى استعداده في سنة 1893 لمنح اليهود اللاجئين ملجأ في أراضيه، واقترح توطينهم في شرقي الأناضول كي يمدّوه، مع اليهود المقيمين في الدولة العثمانية، بقوة قوامها مئة ألف جندي تُلحَق بالجيش الرابع، إلا أن مجلس الوزراء العثماني رأى فيه رأيًا غير صائب[134].

حالت أسباب كثيرة دون تفريط السلطان عبد الحميد بالأراضي الفلسطينية لصالح المستوطنين اليهود؛ إذ لم يكن–رغم الديون والضغوط–في موقع يسمح له بالتخلي عن أي أقاليم تابعة للسلطنة في ظل تنامي خطر الحركات القومية والانفصالية التي هددت تماسك الدولة، وفي مقدمتها القومية البلغارية، واليونانية، والأرمنية والسلافية. فقد كان من شأن السماح لليهود بالاستقرار في فلسطين خلق بؤرة قومية جديدة. وبموازاة الاضطرابات العنيفة في أرمينيا وكريت ومقدونيا وحوران، ومع معارضة "تركيا الفتاة" القوية واتهامها له برهن أملاك الدولة والتفريط بقبرص وغيرها من الأراضي العثمانية، كان التنازل عن أي أراض لليهود سيهدّد عرشه بقوة. كذلك سيُهدّد التفريط في القدس ذات المكانة الدينية الخاصة لدى العرب ولدى المسلمين عامة منصب الخليفة الذي تقمّصه وسياسة الاتحاد الإسلامي التي اتّبعها في مسعى لحشد ولاء رعاياه المسلمين في كافة أنحاء الإمبراطورية وخارجها[135]. كذلك كانت مخططات هرتزل المالية تفتقر إلى الطابع العملي[136]، ولم تكن وعوده بالاكتفاء بحكم ذاتي محدود، ولا تأكيداته المتكرّرة على ولاء اليهود الدائم للسلطان، كافية لإضفاء المصداقية على مشروعه والموثوقية بقدرته على أن يجعل الدول العظمى تتخلى عن إدارة الديون العمومية، التي كانت مفتاحها للسيطرة على الشؤون الداخلية للدولة العثمانية. وقد ذكر هرتزل في مذكراته أن السلطان كان يُسوّف في الرد على عروضه ويساوم في الأثناء الفرنسيين والبريطانيين بشأن ديون الدولة العثمانية[137].

نهاية حكم عبد الحميد الثاني

أدت القبضة الأمنية الشديدة التي حكم بها السلطان عبد الحميد الثاني البلاد، وغياب الحياة النيابية، وسيطرة الأجانب على موارد الدولة، وتفرده بعزل من يشاء وتنصيبه، إلى تصاعد التذمر في أوساط المثقفين والضباط، فظهرت تنظيمات سرّية جمعت الأصوات المعارضة، أهمها جمعية الاتحاد والترقي، التي كانت وراء اندلاع ثورة تركيا الفتاة سنة 1908، إذ أعلن قادة عسكريون العصيان، وانضمّت إليهم الفرق العسكرية الواحدة تلو الأخرى.

فشل السلطان في إخماد الثورة فاضطر إلى الخضوع إلى مطالب الثوار وإعلان الدستور مجدّدًا في 23 تموز/ يوليو 1908. فبدأ ما عُرف بـالعهد الدستوري الثاني، وعاد معظم المعارضين من منفاهم، من بينهم الأمير صباح الدين (1879–1948)، زعيم الاتجاه اللامركزي شبه الليبرالي في جمعية تركيا الفتاة، واجتمع مجلس المبعوثان لأول مرة من جديد في 17 كانون الأول/ ديسمبر 1908 تحت رئاسة أحمد رضا، رئيس جمعية الاتحاد والترقي واحتفلت الجمعية بإعلان الدستور بوصفه ثمرة لثورتها[138].

لكن هذا الحدث الذي استُقبل بحماس شديد في جميع أنحاء الدولة العثمانية، تلته أحداث سرّعت تفكك الإمبراطورية، ففي 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1908 أعلنت النمسا–المجر ضم البوسنة والهرسك رسميًا إليها، وأنهت بذلك تبعيتها الاسمية للدولة العثمانية، وفي اليوم نفسه أعلنت بلغاريا استقلالها، وبعدها بيوم، أعلن نواب كريت اتحادهم مع اليونان[139].

مع ذلك حافظ عبد الحميد الثاني على عرشه حتى عُزل إثر اضطراباتٍ سياسية وعسكرية عُرفت بواقعة 31 مارس 1325-حسب التقويم المالي المتّبع في الدولة العثمانية أيامها- (الموافق 13 نيسان/ أبريل 1909م)، التي أفضت في النهاية إلى خلعه في صيف سنة 1909[140]؛ إذ لقيت الحكومة الاتحادية الجديدة معارضة رجال الدين خاصة بسبب محاولتها إلزام طلاب المدارس الدينية بالتجنيد العسكري[141]. وقد تفاقمت هذه الأزمة حين تمرد آلاف من طلبة العلم والجنود واحتجوا أمام البرلمان منادين بإعادة الشريعة، وحل جمعية الاتحاد والترقي. وقد سيطر المحتجون على مدينة إسطنبول لعدة أيام متتالية، قبل أن تتمكّن فرقة عسكرية قادمة من سالونيك، كان يقودها محمود شوكت باشا (1856–1913)، من القضاء على التمرّد واسترجاع المدينة في 24 نيسان/ أبريل 1909[142].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ليس مؤكدًا إن كان لعبد الحميد الثاني دور في هذا التمرّد، لكن موقفه التصالحي مع الثوار أثار حفيظة الأتراك الشباب، الذين قرّروا خلعه[143]. اجتمعت غرفتا البرلمان (مجلس الأعيان ومجلس المبعوثان)، وصوّت النواب وأعضاء مجلس الأعيان المجتمعون على خلع عبد الحميد الثاني، وهو قرار دُعم في اليوم نفسه بفتوى. وكان ممن صاغ مسوّدة الفتوى العالم المعروف محمد حمدي يازر إلماليلي (1878–1942) ووقّعها شيخ الإسلام محمد ضياء الدين أفندي (1847-1918) في 27 أبريل/ نيسان 1909، وصادق عليها المجلس. أوفد المجلس بعدها وفدًا إلى قصر يلدز فبلّغ السلطان قرار العزل. وتكوّن الوفد من أربعة أشخاص، أحدهم من أعيان الأرمن واسمه آرام آچکباشیان أفندي (1867–1915)، وهو نائب عن الطائفة الأرمنية وعضو في مجلس المبعوثان، والأميرال عارف حكمت باشا، المعروف بلاظ عارف (1851–1915)، ونائب سالونيك إيمانويل قراصو (1862–1930)، وهو يهودي، والألباني أسعد توبتاني (1863–1920) نائب دُراس (اليوم في ألبانيا) .[144]

نُفي عبد الحميد الثاني على إثرها إلى سالونيك مع حوالي 40 شخصًا من عائلته ومرافقيه من القصر. وخلفه أخوه الأمير محمد رشاد (1844–1918، حكم بين 1909–1918) على العرش[145]. وُضع عبد الحميد الثاني تحت رقابة مشددة في ڨيلا ألاتيني (Villa Allatini) في سالونيك، حيث بقي فيها نحو ثلاث سنوات. لكن وأثناء حرب البلقان (1912–1913)، واقتراب جنود الدول البلقانية (اليونان والبلغار والصرب) المتحالفة ضد الدولة العثمانية من مدينة سالونيك، قرر الأتراك الجدد إعادة عبد الحميد الثاني إلى إسطنبول فنُقل إليها في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1912، حيث أُنزل بقصر بكلربكي، وعاش فيه حتى تُوفي على إثر التهاب رئوي في 10 شباط/ فبراير 1918 عن عمر ناهز الخامسة والسبعين. دُفن السلطان المعزول عبد الحميد الثاني في تربة جده السلطان محمود الثاني (1785–1839، حكم بين 1808–1939) في إسطنبول[146].

الخلاف حول الدور اليهودي

يرى بعض الباحثين، أنه قد كان لبعض اليهود لهم دور حاسم في عملية خلع السلطان عبد الحميد الثاني، وأنهم قد أدوا دورًا فاعلًا بين أعضاء الاتحاد والترقي وكانوا يشاركون في اجتماعات الجمعية في مقرها في مدينة سالونيك من بينهم نسيم روسو ونسيم مازلياح وإيمانويل قاراصو. كذلك وُجد إلى جانب الفرقة العسكرية التي تدخّلت لإنهاء واقعة 31 مارس وأدت إلى خلع السلطان عبد الحميد الثاني يهود من سالونيك[147]، كذلك كان إيمانويل قاراصو اليهودي أحد أعضاء الهيئة التي أبلغت السلطان بفتوى خلعه[148].

لكن برنارد لويس (Bernard Lewis، 1916-2018) يذهب مذهبًا آخر، وينفي الدور البارز الذي تنسبه بعض الدراسات لليهود في ثورة سنة 1908 وفي عملية خلع السلطان عبد الحميد، ويرى أن قوات الحلف وخاصة الدوائر البريطانية، قد اتبعت سياسة دعائية ضد العدو التركي في الحرب، فروّجت لاختراق اليهود لجمعية الاتحاد والترقي، وذلك للحيلولة دون نجاح سياسة "الاتحاد التركي"، التي اتبعتها حكومة الاتحاد والترقي[149].

ويرى المؤرخ اللبناني حسان علي حلاق (1946-2023) أن إنكلترا كانت مغتاظة بسبب منح السلطان عبد الحميد الثاني ألمانيا امتياز الخط الحديدي، إذ ازداد نفوذ الألمان في الشرق الأدنى وأصبح بمقدورهم الوصول عبر سكة حديد بغداد–الحجاز إلى الخليج العربي وجنوب الجزيرة العربية وعدن، وكان ذلك يعني ضرب المصالح البريطانية في المنطقة. وزاد الوضع خطورة مع مشروع ربط هذه السكة الحديدية بمناطق فلسطين وسورية، فأصبح من اليسير على العثمانيين التقدم جنوبًا حتى فلسطين ومهاجمة مصر منها، مع ما يترتب على ذلك من أخطار على قناة السويس الشريان الحيوي للاستعمار البريطاني[150]. وقد تسبب هذا المشروع في النزاع الإنكليزي–العثماني على طابا وخليج العقبة (1906)، وهو النزاع الذي ظهرت فيه بريطانيا لأول مرة بوصفها المدافع الرسمي عن المصالح المصرية.[151] فعملت إنكلترا على استغلال العناصر التي كان لها مصلحة في خلع السلطان عبد الحميد الثاني وفي مقدمتها "تركيا الفتاة" واليهود ودعمتها بالمال، فتضافرت جهود هؤلاء مجتمعين حتى تُوّجت بثورة سنة 1908 وخلع السلطان عبد الحميد الثاني[152].

أما فرنسوا جورجون (François Georgeon، 1942-) فيبيّن أن عملية الخلع هي نتيجة معارضة سياسية قوية، رفضت حكم عبد الحميد الأوتوقراطي، واحتجّت ضد مراقبة الصحف وحل البرلمان وإلغاء الدستور ورهن أملاك الدولة، إضافة إلى معارضة الانسحاب من جزيرة كريت وترك مصير مسلميها بأيدي اليونانيين. ويبيّن جورجون أن اندلاع الثورة في البلقان، لا يعني أن المعارضة اقتصرت على ذلك الفضاء الجغرافي، بل إن المعارضة عمّت كل جيش الأناضول، الذي رفض الاستجابة لأوامر السلطان بالوقوف ضد الثائرين وانضم إليهم. وقد كان لثوار البلقان دوافعهم الخاصة والمباشرة للثورة التي كان من أهم دوافعها لقاء الملك البريطاني إدوارد السابع (Edward VII، 1841–1910)، وقيصر الروس نيكولاس الثاني (Nicholas II، 1868–1918) في مدينة تالين (Tallin) يومي 9–10 يونيو/ حزيران 1908 وقرار اقتسام أراضي البلقان بينهما[153].

كذلك تتبنّى المؤرخة الفلسطينية خيرية قاسمية مقاربة تاريخية حذرة ترفض التبسيط التآمري، فاليهود لم يكونوا كتلة واحدة، ولم يكن جميعهم صهاينة أو متفقين على الأهداف النهائية، وأن عددًا من اليهود كذلك ظلوا موالين للدولة العثمانية. لكنها في الوقت ذاته لا تنفي وجود دور يهودي فعّال داخل البنية السياسية والتنظيمية التي أفضت إلى خلع السلطان عبد الحميد الثاني. وتُبرز أن الدور الذي أداه يهود سالونيك، وخاصة جماعة الدونمة، داخل مجالس "تركيا الفتاة"، لم يكن هامشيًا، إذ كان لهم دور تنظيمي ومالي واستخباراتي مهم في تأمين قنوات الاتصال والدعم في الإعداد للثورة. وتخلص قاسمية إلى أن خطورة الدور اليهودي، في هذا السياق، لا تكمن في كونه العامل الوحيد أو الحاسم في خلع السلطان، بل في كونه عاملًا متداخلًا مع عوامل أخرى، وهي: ضعف النظام، ونشاط الاتحاد والترقي، والتغلغل الماسوني، والتدخلات الدولية، ولا سيما البريطانية التي كانت تسعى لمواجهة النفوذ الألماني المتنامي في الدولة العثمانية.[154]

المراجع

العربية

أبو بكر، أمين. "ملكية السلطان عبد الحميد الثاني في فلسطين (1876–1937)".مجلة جامعة النجاح للأبحاث والعلوم الإنسانية. مج 17، العدد 1 (2003). ص 221–260.

أنطونيوس، جورج. يقظة العرب. تعريب ناصر الدين الأسد وإحسان عباس. بيروت: دار العلم للملايين، 1966.

أنيس، محمد. الدولة العثمانية والمشرق العربي 1514–1914. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1984.

أورخان، محمد علي. السلطان عبد الحميد الثاني: حياته وأحداث عهده. الرمادي: مكتبة دار الأنبار، 1987.

أوزتونا، يلماز. موسوعة تاريخ الإمبراطورية العثمانية السياسي والعسكري والحضاري. ترجمة عدنان محمد سلمان ومحمود الأنصاري. بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2010.

إحسان أوغلي، أكمل الدين. الدولة العثمانية: تاريخ وحضارة. ترجمة صالح سعداوي. مج 1. إسطنبول: مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (IRCICA)، 1999.

إينالجك، خليل ودونالد كواترت. التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للدولة العثمانية، 16001914. ترجمة عبد اللطيف الحارس. بيروت: دار المدار، 2007.

جتين، أتيلا. خير الدين باشا التونسي من خلال وثائق تونسية وتركية نادرة. ترجمة مصطفى الستيتي. إسطنبول: مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية؛ تونس: وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، 2005.

الجندي، أنور. السلطان عبد الحميد والخلافة الإسلامية. بيروت: دار ابن زيدون، 1986.

الحزماوي، محمد ماجد. ملكية الأراضي في فلسطين. القدس: دار الجندي، 2018.

الحصري، ساطع. البلاد العربية والدولة العثمانية. بيروت: دار العلم للملايين، 1960.

حرب، محمد. السلطان عبد الحميد الثاني: آخر السلاطين العثمانيين الكبار. القاهرة: دار البشير، 2018.

حسن، جاسم محمد. "هموم السلطان عبد الحميد الثاني وجهاز الجاسوسية في الدولة العثمانية". مجلة العلوم الاجتماعية. مج 10، العدد 2 (1982). ص 23–37.

حلاق، حسان علي. موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية 1897–1909. بيروت: دار الأحد، 1978.

الخالدي، محمد روحي. أسباب الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة. القاهرة: دار الهلال، 1908.

رضا، رشيد. "رحلة صاحب المنار إلى القسطنطينية". المنار، 29 صفر 1328هـ/ 11 آذار/ مارس 1910م، ج 2، مج 13. ص 145–149.

زين، زين نور الدين. نشوء القومية العربية: مع دراسة تاريخية في العلاقات العربية–التركية. بيروت: دار النهار للنشر، 1986.

الصلابي، علي محمد محمد. الدولة العثمانية: عوامل النهوض وأسباب السقوط. القاهرة: شركة الأمل، 2001.

العزاوي، قيس جواد. الدولة العثمانية: قراءة جديدة لعوامل الانحطاط. بيروت: الدار العربية للعلوم/ مركز دراسة الإسلام والعالم، 1994.

العظمة، عبد العزيز. مرآة الشام، تاريخ دمشق وأهلها. تحقيق نجدة فتحي صفوة. ط 2. دمشق/ بيروت: دار الفكر، 2002.

فخر الدين، منير. "الأرض وحقوق الملكية والإرجاء الاستعماري بين وعد بلفور والنكبة". أسطور. مج 4، العدد 8 (2008)، ص 193209.

قاسمية، خيرية. النشاط الصهيوني في الشرق العربي وصداه 1908–1918. بيروت: منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث، 1973.

كرد علي، محمد. خطط الشام. دمشق: مكتبة النوري، [د. ت.].

كوثراني، وجيه. السلطة والمجتمع والعمل السياسي: من تاريخ الولاية العثمانية في بلاد الشام. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988.

محمد، نياز وسيد رشيد علي. "تحقيق وتدوين "الظفر الحميدية في إثبات الخليفة" لعبد الجميل البشاوري الطوروي". Malakand University Research Journal of Islamic Studies. مج 3، العدد 1 (2021). ص 114–128.

محمود، أنيس عبد الخالق. "الخفية والجورنالجية: لمحة عن التجسس والاستخبارات في عهد السلطان عبد الحميد الثاني". دراسات تأريخية. العدد 20 (2025). ص 167–192.

المويلحي، إبراهيم. ما هنالك. مصر: مطبعة المقطم، 1896.

النتشة، رفيق شاكر. السلطان عبد الحميد الثاني وفلسطين: السلطان الذي خسر عرشه من أجل فلسطين. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1991.

نصيرات، فدوى. السلطان عبد الحميد الثاني ودوره في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين 1876–1909. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2014.

الأجنبية

Abu Manneh, Butrus. “Sultan Abdulhamid II and Shaikh Abulhuda al-Sayyadi.” Middle Eastern Studies. vol. 15 (1979). pp. 131–153.

Aharonson, Ran. Rothschild and Early Jewish Colonization in Palestine. Lanham & Jerusalem: Rowman & Littlefield; Magnes Press, 2000.

Armağan, Mustafa. Abdülhamid’in Kurtlarla Dansı. İstanbul: Ufuk Kitap, 2006.

Barckhausen, Joachim. Männer und Mächte am Bosporus: Abdülhamid und seine Zeit. Berlin: Verlag E. S. Mittler & Sohn, 1938.

Ben-Bassat, Yuval. “Proto-Zionist–Arab Encounters in Late Nineteenth-Century Palestine.” Journal of Palestine Studies. vol. 38, no. 2 (2009). pp. 42–63.

Beyhan, Mehmet Ali. “II. Abdülhamid Döneminde Hafiyye Teşkilâtı ve Jurnaller.” İlmî Araştırmalar. vol. 8 (1999). pp. 65–83.

Büssow, Johann. Hamidian Palestine: politics and society in the district of Jerusalem 1872–1908. Leiden: Brill, 2011.

Buzpınar, Tufan. Hilafet ve Saltanat: II. Abdülhamid Döneminde Halifelik ve Araplar. İstanbul: Alfa Basım, 2016.

Çetinsaya, Gökhan. Ottoman Administration of Iraq, 1890–1908. London & New York: Routledge, 2006.

Deny, J. “ʿAbd al-Ḥamīd II.” in: Encyclopaedia of Islam. 2nd ed. Leiden: Brill, 2012.

Deringil, Selim. The Well-Protected Domains: Ideology and the Legitimation of Power in the Ottoman Empire, 1876–1909. London: I.B. Tauris, 1998.

Eich, Thomas. Abū l-Hudā aṣ-Ṣayyādī. Berlin: Klaus Schwarz Verlag, 2003.

Ekinci, Mehmet Uğur. “The Origins of the 1897 Ottoman-Greek War: A Diplomatic History.“ PhD diss. Bilkent University, Ankara, 2006.

Ende, Werner & Udo Steinbach (eds.). Der Islam in der Gegenwart. München: Beck, 1989.

Ende, Werner. “Sayyid Abu l-Huda.” Zeitschrift der Deutschen Morgenländischen Gesellschaft. Suppl. III/2 (1977). pp. 1143–1155.

Engin, Vahdettin. II. Abdülhamid ve Dış Politika. İstanbul: Yeditepe Yayınevi, 2005.

Eraslan, Cezmi. II. Abdülhamid ve İslâm Birliği. İstanbul: Ötüken Neşriyat, 1992.

Erbakan, İlyat. “Osmanlı Döneminde Şazeliyye Tarikatının Derkaviyye Kolu Yayılması.” Tasavvuf. vol. 44 (2019). pp. 49–78.

Farah, Caesar E. “Arab Supporters of Sultan Abdulhamid II.” Archivum Ottomanicum. vol. 15 (1997). pp. 189–219.

Georgeon, François. Abdülhamid II: Le Sultan Calife. Paris: Fayard, 2003.

Haerkötter, Ruth. Sultan ʿAbdulhamid II in der türkischen Publizistik seit Gründung der Republik. Frankfurt: Peter Lang, 1996.

Hanioğlu, M. Şükrü. The Young Turks in Opposition. Oxford: Oxford University Press, 1995.

--------. Preparation for a Revolution: The Young Turks, 1902–1908. Oxford: Oxford University Press, 2001.

Heidemann, Stefan. Das Aleppiner Kalifat (A.D. 1261). Leiden: Brill, 1994.

Herzl, Theodor. in: Raphael Patai (ed.). The Complete Diaries. Harry Zohn (trans.). London & New York: Herzl Press, 1960.

Karpat, H. Kemal (ed.). Past Ottoman and Today’s Turkey. Leiden: Brill, 2000.

--------. The Politicization of Islam. Oxford: Oxford University Press, 2001.

Kayalı, Hasan. Arabs and Young Turks. Berkeley: University of California Press, 1997.

Keddie, Nikki R. “The Pan-Islamic Appeal.” Middle Eastern Studies. vol. 3 (1966). pp. 46–67.

Kedourie, Elie. “Egypt and the Caliphate 1915–1946.” Journal of the Royal Asiatic Society. vol. 3, no. 4 (1963). pp. 208–248.

Kersten, Carool (ed.). The Caliphate. Berlin: Gerlach Press, 2015.

Kieser, Hans-Lukas. Vorkämpfer der ‘Neuen Türkei’. Zürich: Chronos, 2005.

Kodaman, Bayram. “Abdülhamid Devrinde Eğitim ve Öğretim.” in: Doğuştan Günümüze Büyük İslam Tarihi. vol. 12. İstanbul: Çağ Yayınları, 1993. pp. 455–490.

Kreiser, Klaus & Christoph Neumann. Kleine Geschichte der Türkei. Stuttgart: Reclam, 2008.

Kreiser, Klaus. Atatürk: Eine Biographie. München: C.H. Beck, 2008.

Küçük, Cevdet. “Abdülhamid II.” in: İslâm Ansiklopedisi. vol. 1. pp. 216–224.

Landau, Jacob M. “Al-Afghani’s Panislamic Project.” Islamic Culture. vol. 26, no. 3 (1952). pp. 50–54.

--------. The Politics of Pan-Islam. Oxford: Clarendon Press, 1990.

Léon Buskens, Jan Just Witkam & Annemarie van Sandwijk. Scholarship in Action: Essays on the Life and Work of Christiaan Snouck Hurgronje (18571936). Leiden: Brill, 2022.

Lewis, B. et al. (eds.). Encyclopaedia of Islam. 2nd ed. Leiden: Brill, 1978.

Lewis, Bernard. The Emergence of Modern Turkey. Oxford: Oxford University Press, 2002.

Mandel, Neville J. “Turks, Arabs and Jewish Immigration into Palestine, 1882–1914.” D.Phil. dissertation. University of Oxford, Oxford, 1965.

Matuz, Josef. Das Osmanische Reich: Grundlinien seiner Geschichte. Darmstadt: Wissenschaftliche Buchgesellschaft, 2012.

Ochsenwald, William. “Ḥijāz Railway.” in: Encyclopaedia of Islam. Leiden: Brill, 2008.

Öke, Mim Kemal. Saraydaki Casus. İstanbul: Hikmet Neşriyat, 1991.

Ongunsu, A. H. “Abdülhamid II.” in: İnönü Ansiklopedisi. vol. I. Ankara: Milli Eğitim Bakanlığı, 1943. pp. 76–80.

Ortaylı, İlber. İkinci Abdülhamit Döneminde Osmanlı İmparatorluğunda Alman Nüfuzu. Ankara: Ankara Üniversitesi Basımevi, 1981.

Özcan, Azmi. Abdülhamid ve Hilafet. İstanbul: Yeni Şafak Gazetesi, 1995.

Öztuna, Yılmaz. Büyük Türkiye Tarihi. İstanbul: Ötüken Yayınevi, 1983.

Quataert, Donald. The Ottoman Empire, 1700–1922. Cambridge: Cambridge University Press, 2000.

Rogan, Eugene L. “Aşiret Mektebi: Abdülhamid’s School for Tribes (1892–1907).” International Journal of Middle East Studies. vol. 28 (1996). pp. 83–107.

Sakaoğlu, Necdet. Bu Mülkün Kadın Sultanları. İstanbul: Alfa, 2015.

Salem, Ahmed Ali. “Challenging Authoritarianism, Colonialism, and Disunity the Islamic Political Reform Movements of Al-Afghani and Rida.” American Journal of Islam and Society. vol. 21, no. 2 (2004). pp. 25–54.

Sırma, İhsan Süreyya. “Sultan II. Abdülhamid ve Çin Müslümanları.” İslâm Tetkikleri Enstitüsü Dergisi. vol. 7 (1979). pp. 199–205.

--------. İkinci Abdülhamid’in İslam Birliği Siyaseti. İstanbul: Beyan Yayınları, 2006.

--------. “2. Abdülhamîd'in Çin Müslümanlarını Sünnî Mezhebine Bağlama Gayretlerine Dair Bir Belge.” Tarih Dergisi. vol. 32 (2011). pp. 559–563.

Uluçay, M. Çağatay. Padişahların Kadınları ve Kızları. İstanbul: Ötüken, 2011.

Uzunçarşılı, İsmail Hakkı. “Ali Suavi ve Çırağan Sarayı Vak‘ası.” Belleten. vol. 8, no. 29 (1944). pp. 71–117.

--------. “V. Murad’ı Tekrar Padişah Yapmak İsteyen K. Skaliyeri–Aziz Bey Komitesi.” Belleten. vol. 8, no. 30 (1944). pp. 245–326.

[1] Necdet Sakaoğlu, Bu Mülkün Kadın Sultanları (İstanbul: Alfa, 2015), pp. 543, 575–577, 585–588, 673–674; M. Çağatay Uluçay, Padişahların Kadınları ve Kızları (İstanbul: Ötüken, 2011), pp. 204–205.

[2] François Georgeon, Abdülhamid II: Le Sultan Calife (Paris: Fayard, 2003), pp. 19–26.

[3] Klaus Kreiser & Christoph Neumann, Kleine Geschichte der Türkei (Stuttgart: Reclam, 2008), p. 341.

[4] Georgeon, pp. 31–35; علي محمد محمد الصلابي، الدولة العثمانية: عوامل النهوض وأسباب السقوط (القاهرة: شركة الأمل، 2001)، ص 399–400.; يلماز أوزتونا، موسوعة تاريخ الإمبراطورية العثمانية السياسي والعسكري والحضاري، ترجمة عدنان محمد سلمان ومحمود الأنصاري، ج 3 (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2010)، ص 98.

[5] Kreiser & Neumann, pp. 333–336.

[6] أوزتونا، ص 99.

[7] Küçük Cevdet, “Abdülhamid II,” in: Küçük Cevdet (ed.), İslâm Ansiklopedisi, vol. 1 (Istanbul: Türkiye Diyanet Vakfı, 1988), pp. 216–217.

[8] أكمل الدين إحسان أوغلي، الدولة العثمانية: تاريخ وحضارة، ترجمة صالح سعداوي، مج 1 (إسطنبول: مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (IRCICA)، 1999) ص 117.Kreiser & Neumann, pp. 332–333;

[9] İsmail Hakkı Uzunçarşılı, “Ali Suavi ve Çırağan Sarayı Vak’ası,” Belleten, vol. 8, no. 29 (1944), pp. 71–117.; İsmail Hakkı Uzunçarşılı, “V. Murad’ı Tekrar Padişah Yapmak İsteyen K. Skaliyeri–Aziz Bey Komitesi,” Belleten, vol. 8, no. 30 (1944), pp. 245–326.

[10] محمد حرب، السلطان عبد الحميد الثاني: آخر السلاطين العثمانيين الكبار (القاهرة: دار البشير، 2018)، ص 60.

[11] Kreiser & Neumann, p. 347.

[12] Josef Matuz, Das Osmanische Reich: Grundlinien seiner Geschichte (Darmstadt: Wissenschaftliche Buchgesellschaft, 2012), pp. 235–236.

[13] محمد روحي الخالدي، أسباب الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة (القاهرة: دار الهلال، 1908)، ص 64–66.

[14] الخالدي، ص 67–68.

[15] Kreiser & Neumann, p. 339.

[16] Küçük, p. 217.

[17] الخالدي، ص 75–87؛ ساطع الحصري، البلاد العربية والدولة العثمانية (بيروت: دار العلم للملايين، 1960)، ص 99–100؛ أوزتونا، ص 99؛ الصلابي، ص 402–405، Kreiser & Neumann, p. 339

[18] Matuz, pp. 247–248.

[19] Gökhan Çetinsaya, Ottoman Administration of Iraq, 1890–1908 (London & New York: Routledge, 2006), pp. 11–12.

[20] أوزتونا، ص 129.

[21] Küçük, p. 220; أوزتونا، ص 129

[22] Kreiser & Neumann, p. 37.2

[23] Ibid., pp. 372–.373

[24] Ibid., pp. 37.3

[25] Ibid., pp. 373–374

[26] إحسان أوغلي، ص120–124.

[27] Bernard Lewis, The Emergence of Modern Turkey (Oxford: Oxford University Press, 2002), pp. 210–212; Hasan Kayalı, Arabs and Young Turks (Berkeley: University of California Press, 1997), pp. 42–58, 224–254.

[28] Matuz, pp. 250–253.

[29] M. Şükrü Hanioğlu, Preparation for a Revolution: The Young Turks, 1902–1908 (Oxford: Oxford University Press, 2001), pp. 38–40; Hans-Lukas Kieser, Vorkämpfer der ‘Neuen Türkei’ (Zürich: Chronos, 2005), pp. 40–42; Georgeon, p. 396.

[30] Kreiser & Neumann, pp. 347–349; Georgeon, pp. 228–250.

[31] Küçük, p. 217.

[32] Kreiser & Neumann, p. 339.

[33] Matuz, pp. 236–240.

[34] أوزتونا، ص 125.

[35] Küçük, p..21; Matuz, p. 240.

[36] Georgeon, pp. 91–92; الصلابي، ص 414–415.

[37] Matuz, pp. 240–242.

[38] Matuz, pp. 254–261; Mehmet Uğur Ekinci, “The Origins of the 1897 Ottoman-Greek War: A Diplomatic History,“ PhD diss., Bilkent University, Ankara, 2006, pp. 1–2, 78–80; 120–119. إحسان أوغلي، ص 120-121.

[39] P. M. Holt, “Some Observations on the ʿAbbāsid Caliphate of Cairo.” in: Carool Kersten (ed.), The Caliphate, vol. II (Berlin: Gerlach Press, 2015), pp. 162–166; Stefan Heidemann, Das Aleppiner Kalifat (A.D. 1261) (Leiden: Brill, 1994), pp. 27–30, 54–60.

[40] Donald Quataert, The Ottoman Empire, 1700–1922 (Cambridge: Cambridge University Press, 2000), pp. 97–98.

[41] Gerard Van Krieken, “Snouck Hurgronje and Pan-Islamism,” in: Léon Buskens, Jan Just Witkam & Annemarie van Sandwijk (eds.), Scholarship in Action: Essays on the Life and Work of Christiaan Snouck Hurgronje (1857–1936) (Leiden: Brill, 2022), pp. 263–264.

[42] Quataert, pp. 83ff; Tufan Buzpınar, Hilafet ve Saltanat: II. Abdülhamid Döneminde Halifelik ve Araplar (İstanbul: Alfa Basım, 2016), pp. 41–50.

[43] Van Krieken, p. 263.

[44] Quataert, p. 40.

[45] Ibid., p. 83ff; Van Krieken, pp. 263–264.

[46] Abderrahmane El Moudden, “The Idea of the Caliphate between Moroccans and Ottomans: Political and Symbolic Stakes in the 16th and 17th Century-Maghrib,” in: Carool Kersten (ed.), The Caliphate, vol. II (Berlin: Gerlach Press, 2015), pp. 179–180; Elie Kedourie, “Egypt and the Caliphate 1915–1946,” Journal of the Royal Asiatic Society, vol. 3, no. 4 (1963), pp. 208–248, sp. p. 216.

[47] El Moudden, pp. 179–180; H. A. R. Gibb, “Lutfi Pasha on the Ottoman Caliphate,” in: Carool Kersten (ed.), The Caliphate, vol. II (Berlin: Gerlach Press, 2015), pp. 41–95.

[48] Van Krieken, pp. 275–27; El Moudden, pp. 179–180.

[49] نياز محمد وسيد رشيد علي، "تحقيق وتدوين "الظفر الحميدية في إثبات الخليفة" لعبد الجميل البشاوري الطوروي"، Malakand University Research Journal of Islamic Studies، مج 3، العدد 1 (2021)، ص 114–128؛ Küçük, p. 220.

[50] رشيد رضا، "رحلة صاحب المنار إلى القسطنطينية"، المنار، 29 صفر 1328هـ/ 11 آذار/ مارس 1910م، ج 2، مج 13، ص 145–149.

[51] الصلابي، ص 420–423.

[52] Quataert, pp. 83, 97–98; Van Krieken, p. 278.

[53] الصلابي، ص 423–425.

Buzpınar, pp. 96ff; İhsan Süreyya Sırma, İkinci Abdülhamid’in İslam Birliği Siyaseti (İstanbul: Beyan Yayınları, 2006), pp. 60–69.

[54] Quataert, p. 83ff.

[55] Quataert, p. 83ff; İhsan Süreyya Sırma, “Sultan II. Abdülhamid ve Çin Müslümanları,” İslâm Tetkikleri Enstitüsü Dergisi, vol. 7 (1979), pp. 199–205; İhsan Süreyya Sırma, “2. Abdülhamîd'in Çin Müslümanlarını Sünnî Mezhebine Bağlama Gayretlerine Dair Bir Belge,” Tarih Dergisi, vol. 32 (2011), pp. 559–563; Sırma, İkinci Abdülhamid'in İslam birliği siyaseti, pp. 70–94.

[56] Van Krieken, pp. 268–270, 274.

[57] Buzpınar, pp. 171–240; Butrus Abu Manneh, “Sultan Abdulhamid II and Shaikh Abulhuda al-Sayyadi,” Middle Eastern Studies, vol. 15 (1979), pp. 131–153; Thomas Eich, Abū l-Hudā aṣ-Ṣayyādī (Berlin: Klaus Schwarz Verlag, 2003), pp. 256-262; İlyat Erbakan, “Osmanlı Döneminde Şazeliyye Tarikatının Derkaviyye Kolu Yayılması,” Tasavvuf, vol. 44 (2019) pp. 49–78;. أوزتونا، ص 97.

[58] Buzpınar, pp. 17–40; Werner. Ende, “Sayyid Abu l-Huda,” Zeitschrift der Deutschen Morgenländischen Gesellschaft, Suppl. III/2 (1977), pp. 1143–1155; Klaus Kreiser, Atatürk: Eine Biographie (München: C.H. Beck, 2008), pp. 343–345.

[59] Lewis, pp. 342–343, 408; Eich, pp. 60–62, 256–262.

[60] Hanioğlu, pp. 55 ff.; Caesar E. Farah, “Arab Supporters of Sultan Abdulhamid II,” Archivum Ottomanicum, vol. 15 (1997), p. 192.

[61] Kreiser & Neumann, p. 344.

[62] Georgeon, p. 185; Eugene L. Rogan, “Aşiret Mektebi: Abdülhamid’s School for Tribes (1892–1907),” International Journal of Middle East Studies, vol. 28 (1996), pp. 83–107.

[63] Georgeon, pp. 184–190.

[64] Farah, p. 189, 193–194.

[65]جورج أنطونيوس، يقظة العرب، تعريب ناصر الدين الأسد وإحسان عباس (بيروت: دار العلم للملايين، 1966)، ص 139–140، عبد العزيز العظمة، مرآة الشام، تاريخ دمشق وأهلها، تحقيق نجدة فتحي صفوة، ط 2 (دمشق/ بيروت: دار الفكر، 2002)، ص 372.

[66] أتيلا جتين، خير الدين باشا التونسي من خلال وثائق تونسية وتركية نادرة، ترجمة مصطفى الستيتي (إسطنبول: مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية؛ تونس: وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، 2005)، ص 308.

[67] رضا، ص 149.

[68] قيس جواد العزاوي، الدولة العثمانية: قراءة جديدة لعوامل الانحطاط (بيروت: الدار العربية للعلوم/ مركز دراسة الإسلام والعالم، 1994)، ص 33.

[69] Kreiser & Neumann, p. 344; Georgeon, pp. 216–224.

[70] Çetinsaya, p. 11.

[71] Nikki R. Keddie, “The Pan-Islamic Appeal,” Middle Eastern Studies, vol. 3 (1966), pp. 46–67; Jacob M. Landau, “Al-Afghani’s Panislamic Project,” Islamic Culture, vol. 26, no. 3 (1952), pp. 50–54.; Lewis, p. 343, 408; Ahmed Ali. Salem, “Challenging Authoritarianism, Colonialism, and Disunity the Islamic Political Reform Movements of Al-Afghani and Rida,” American Journal of Islam and Society, vol. 21, no. 2 (2004), pp. 25–54.

[72] Rudolph Peters, “Erneuerungsbewegungen im Islam,” in: Werner Ende & Udo Steinbach (eds.), Der Islam in der Gegenwart (München: Beck, 1989), p. 119.

[73] Joachim. Barckhausen, Männer und Mächte am Bosporus: Abdülhamid und seine Zeit (Berlin: Verlag E. S. Mittler & Sohn, 1938), p. 208; Landau, p. 9; Matuz, p. 241.

[74] Albert Hourani, Arabic Thoughtin the Liberal Age 1798–1939 (Cambridge: Cambridge University Press, 1983), p. 112.

[75] Lewis, pp. 343, 408.

[76] Quataert, p. 83ff.

[77] Van Krieken, p. 276.

[78] A. H. Ongunsu, “Abdülhamid II,” in: İnönü Ansiklopedisi, vol. I (Ankara: Milli Eğitim Bakanlığı, 1943), pp. 76–80.

[79] Küçük, p. 220.

[80] Ibid., p. 220.

[81] Kieser, p. 47ff.

[82] Georgeon, pp. 335–337.

[83] Ibid., pp. 354–355, 359–360.

[84] إبراهيم المويلحي، ما هنالك (مصر: مطبعة المقطم، 1896)، ص 31–44.

[85] J. Deny, “ʿAbd al-Ḥamīd II,” in: Encyclopaedia of Islam, 2nd ed. (Leiden: Brill, 2012).

[86] وجيه كوثراني، السلطة والمجتمع والعمل السياسي: من تاريخ الولاية العثمانية في بلاد الشام (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988)، ص 128.

[87] أنيس عبد الخالق محمود، "الخفية والجورنالجية: لمحة عن التجسس والاستخبارات في عهد السلطان عبد الحميد الثاني"، دراسات تأريخية، العدد 20 (2025)، ص 167–192.؛ جاسم محمد حسن، "هموم السلطان عبد الحميد الثاني وجهاز الجاسوسية في الدولة العثمانية"، مجلة العلوم الاجتماعية، مج 10، العدد 2 (1982)، ص 23–37. Mehmet Ali. Beyhan, “II. Abdülhamid Döneminde Hafiyye Teşkilâtı ve Jurnaller,” İlmî Araştırmalar, vol. 8 (1999), pp. 65–83.;

[88] Küçük, p. 219.

[89] Deny, op. cit.

[90] Quataert, p. 62; Küçük, p. 220.

[91] Mehmet Alkan, “Modernization From Empire to Republic and Education in the Process of Nationalism,” in: H. Kemal Karpat (ed.), Past Ottoman and Today’s Turkey (Leiden: Brill, 2000), pp. 47–132; Quataert, p. 62.

[92] Kreiser & Neumann, p. 345.

[93] Küçük, p. 220.

[94] Ibid., p. 220.

[95] Çetinsaya, pp. 11–12; Küçük, p. 220–221.

[96] محمد كرد علي، خطط الشام، ج 4 (دمشق: مكتبة النوري، [د. ت.])، ص 195–196.

[97] خليل إينالجك، ودونالد كواترت، التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للدولة العثمانية، 1600–1914، ترجمة عبد اللطيف الحارس، ج 2 (بيروت: دار المدار، 2007)، ص 638.

[98] أمين أبو بكر، "ملكية السلطان عبد الحميد الثاني في فلسطين (1876–1937)"، مجلة جامعة النجاح للأبحاث والعلوم الإنسانية، مج 17، العدد 1 (2003)، ص 221.

[99] محمد ماجد الحزماوي، ملكية الأراضي في فلسطين (القدس: دار الجندي، 2018)، ص 70.

[100] منير فخر الدين، "الأرض وحقوق الملكية والإرجاء الاستعماري بين وعد بلفور والنكبة"، أسطور، مج 4، العدد 8 (2008)، ص 198.

[101] أوزتونا، ص 127.

[102] Kreiser & Neumann, pp. 340–348; William. Ochsenwald, “Ḥijāz Railway,” in: Encyclopaedia of Islam (Leiden: Brill, 2008); Küçük, p. 221.

[103] Kreiser & Neumann, pp. 340–348; Ochsenwald, op. cit.

[104] أنطونيوس، ص 142؛ زين نور الدين زين، نشوء القومية العربية: مع دراسة تاريخية في العلاقات العربية–التركية (بيروت: دار النهار للنشر، 1986)، ص 57؛ محمد أنيس، الدولة العثمانية والمشرق العربي 1514–1914 (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1984)، ص 243–244.

[105] حسان علي حلاق، موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية 1897–1909 (بيروت: دار الأحد، 1978)، ص 75–76.

[106] المرجع نفسه، ص 77–80.

[107] المرجع نفسه، ص 78–88، 126–127.

[108] رفيق شاكر النتشة، السلطان عبد الحميد الثاني وفلسطين: السلطان الذي خسر عرشه من أجل فلسطين (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1991)، ص 81–90، حلاق، ص 68–70;

 Neville J. Mandel, “Turks, Arabs and Jewish Immigration into Palestine, 1882–1914,” D.Phil dissertation, University of Oxford, Oxford, 1965, p. 40; Johann. Büssow, Hamidian Palestine: politics and society in the district of Jerusalem 1872–1908 (Leiden: Brill, 2011), pp. 215–216, 525–535.

[109] فدوى نصيرات، السلطان عبد الحميد الثاني ودوره في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين 1876–1909 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2014)، ص 103–107.

[110] حلاق، ص 89؛ Mandel, p. 8.

[111] حلاق، ص 91–92; Büssow, p. 525.

[112] حلاق، ص 96، 150–151؛ نصيرات، ص 14–16، 68؛ .Büssow, pp. 215, 535–536

[113] حلاق، ص 96، 170–171.

[114] Kreiser & Neumann, p. 346; Georgeon, p. 320;

 نصيرات، ص 14–16؛ النتشة، ص 129.

[115] نصيرات، ص 17.

[116] Ran. Aharonson, Rothschild and Early Jewish Colonization in Palestine (Lanham & Jerusalem: Rowman & Littlefield; Magnes Press, 2000), p. 73.

[117] حلاق، ص 143–144؛ نصيرات، ص 14–16، 68، 107–119.

[118] حلاق، ص 88–89، 93–94.

[119] Yuval Ben-Bassat, “Proto-Zionist–Arab Encounters in Late Nineteenth-Century Palestine,” Journal of Palestine Studies, vol. 38, no. 2 (2009), p. 49; Aharonson, pp. 61–67, 73–ـ76;

 نصيرات، ص 136–137؛ حلاق، ص 94.

[120] Mim Kemal Öke, Saraydaki Casus (İstanbul: Hikmet Neşriyat, 1991), pp. 339–341.

[121] حلاق، ص 110111–، 176–177Küçük, p. 220; .

[122] Theodor Herzl, in: Raphael Patai (ed.), The Complete Diaries, Harry Zohn (trans.) vol. 1 (London & New York: Herzl Press, 1960), p. 401; Herzl, vol. 3, pp. 1110–1120; Mandel, pp. 80 –81;

حلاق، ص 113–114؛ نصيرات، ص 145–150.

[123] نصيرات، ص 72، 169؛ حلاق، ص 182–183؛

 Büssow, pp. 525–535.

[124] Mandel, p. 87.

[125] نصيرات، ص 80؛ محمد علي أورخان، السلطان عبد الحميد الثاني: حياته وأحداث عهده (الرمادي: مكتبة دار الأنبار، 1987)، ص 257–258.

[126] أنور الجندي، السلطان عبد الحميد والخلافة الإسلامية (بيروت: دار ابن زيدون، 1986)، ص 87، 104.

[127] Herzl, vol. 1, p. 378.

[128] حلاق، ص 90.

[129] النتشة، ص 124، 128 –129.

[130] حلاق، ص 70–74، 90.

[131] حلاق، ص 102–105؛ نصيرات، ص17–19، 28–32، 46–47، 82–84، 103، 131.

[132] Büssow, pp. 525–535.

[133] Büssow, pp. 41–59; Mandel, p. 82.

[134] Herzl, vol. 3, p. 1225.

[135] حلاق، ص 265–267.

[136] المرجع نفسه، ص 184–185.

[137] حلاق، ص 117–118؛ Herzl, vol. 3, p. 1256;

[138] Kreiser & Neumann, pp. 354–355; Georgeon, pp. 417–425.

[139] Küçük, p. 220.

[140] Kreiser & Neumann, pp. 354–355; Georgeon, pp. 417–425.

[141] Feroz Ahmad, “Ittiḥād-ı Muḥammedī Djemʽiyyeti,” in: B. Lewis et al. (eds.), Encyclopaedia of Islam, vol. 4, 2nd ed. (Leiden: Brill, 1978), pp. 283–284.

[142] Kreiser & Neumann, pp. 351–364; Georgeon, pp. 403–425.

[143] Kreiser & Neumann, pp. 351–364; Georgeon, pp. 403–425; Ahmad, op. cit.

[144] Küçük, pp. 222–ـ224

[145] Georgeon, pp. 403–425; Ahmad, op. cit.

[146] Georgeon, pp. 436–441.

[147] Kreiser, pp. 59, 178; Georgeon, p. 424.

[148] النتشة، ص 116–120، 129–135؛

Mustafa Armağan, Abdülhamid’in Kurtlarla Dansı (İstanbul: Ufuk Kitap, 2006), pp. 143–147, 159–176.

[149] Lewis, pp. 210–212.

[150] حلاق، ص 281–282، 299.

[151] Deny, op. cit.

[152] حلاق، ص 291–299، 304–307.

[153] Georgeon, pp. 348, 398–400.

[154] خيرية قاسمية، النشاط الصهيوني في الشرق العربي وصداه 1908–1918 (بيروت: منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث، 1973)، ص 42–47.

المحتويات

الهوامش