الموجز
تفسير القانون هو الوسيلة التي بها تُحدد القاعدة القانونية التي يتضمنها النص ونطاق تطبيقها، ومن ثم يكون التفسير جزءًا حيويًا في وضع النصوص القانونية موضع التطبيق العملي. والتفسير في اللغة بيان وكشف للمعنى، وفي السياق القانوني فإن التفسير عملية منهجية لإيضاح مدلول النص التشريعي، دستورًا كان أم قانونًا أم نظامًا أم لائحة، وتُطبق أيضًا منهجية مماثلة في تفسير المعاهدات الدولية والعقود، بل والأحكام القضائية في الأنظمة التي تجعل السابقة القضائية مصدرًا ملزمًا للقانون.
للتفسير وظائف هي إزالة الغموض والتعارض، وتعزيز حكم القانون عبر الاتساق في تطبيق القانون، وتمكين النص من مجابهة الوقائع المستجدة التي لم يتنبّه المشرّع إليها. غير أن غاية التفسير الأساسية ليست محل اتفاق، إذ ترى بعض مدارس القانون أن غاية التفسير هي تطبيق النص على نحو ما أراد المشرع، ما يستلزم التقيد بألفاظه لتعزيز التنبؤ واليقين القانوني، في حين ترى مدارس أخرى أن التفسير أداة لإحياء النص وإكسابه ديناميكية تستجيب للتحولات الاجتماعية من دون الجمود عند إرادة المشرع.
يشمل نطاق التفسير السياق وبنية النص وموقعه داخل النسق التشريعي، ويمتد إلى تحديد مضمون المبادئ العامة والدستورية غير المعرّفة صراحةً. وينقسم التفسير بحسب الجهة القائمة به إلى: التفسير التشريعي، مثل التفسير الملزم الصادر عن جهات دستورية مختصة، ثم التفسير القضائي وتتفاوت إلزاميته من نظام السوابق القضائية الملزمة في نظام القانون العام الأنكلوسكسوني إلى الاجتهاد غير الملزم في دول نظام القانون المدني، إلى جانب التفسير الإداري، والتفسير الفقهي بوصفه مرجعًا استرشاديًا.
يقوم التفسير اللغوي على طرق داخلية من فهم أنواع اللفظ وطرق دلالته على المعنى، مثل اللفظ العام والخاص، والمطلق والمقيد، والحقيقة والمجاز، ودلالات المنطوق والمفهوم. تختلف مدارس التفسير القانوني بشأن الوقوف عند ظاهر النص ودلالات الألفاظ الحرفية أو تجاوزها للبحث في قصد المشرع من خلال طرق خارجية، مثل الأعمال التحضيرية، واستنباط الغاية التشريعية. كذلك فإن التفسير المقاصدي/ الغائي يثير الجدل من منظور مبدأ الفصل بين السلطات، إذ تفترض مدرسة الشرح على المتون كفاية التشريع ووجوب أن يقف القاضي عند ألفاظه، في حين يتيح التفسير الغائي للقاضي فرصة إنشاء قواعد قانونية تحت غطاء التفسير.
كما ظهر اتجاه في التفسير يدعو إلى ضوابط علمية تكفل اتساق النظام القانوني وعدم تحكم القاضي، وهو التفسير العلمي، الذي نشأ لتفادي الجمود الذي ربما نتج عن التفسير اللغوي/ الحرفي، وكذلك لتفادي تحكمّات القضاة في حالة التفسير المقاصدي.
بصورة عامة ينبغي أن تتوفر ضوابط للتفسير السليم، منها قابلية النص للمعنى بحيث لا يُحمَّل النص ما لا تحتمله دلالات ألفاظه، واتساقه مع البناء القانوني العام، واحترام التدرج التشريعي والقيود الدستورية. وجود ضوابط للتفسير يعزز القدرة على التنبؤ بالقواعد القانونية المطبقة، ويمنع انزلاق التفسير إلى إنشاء قواعد جديدة خارج اختصاص السلطة التشريعية. قد تختلف ضوابط التفسير وهدفه من فرع قانون إلى فرع آخر، فالتفسير الدستوري يميل إلى مراعاة المآلات والتوازن بين السلطات والحقوق، في حين قد تكون نصوص القانون المدني والتجاري أكثر قابلية للتفسير الغائي والقياس لتيسير المعاملات، في حين يظل التفسير الجنائي، بموجب مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، أقرب إلى التضييق ورفض القياس.
تعريف تفسير القانون
يعدّ تفسير القانون الوسيلة التي تُستنبط بها القاعدة القانونية التي يحتويها النص القانوني، ونطاق تطبيقها، وبالتالي يكون التفسير جزءًا حيويًا في تنفيذ النصوص القانونية. فقد جاء في لسان العرب أن "الفَسْر: البيان. فَسَر الشيءَ: أبانَه، والتفسير مثله"، وفي القاموس المحيط "الفَسْر: الإبانة، وكشف المُغطّى". وسار المعجم الوسيط في الاتجاه ذاته، فعَرّف التفسير بأنه "الشرح والبيان". ولا يبتعد مفهوم التفسير القانوني عن المعنى اللغوي، إذ هو "التعرف من ألفاظ النص أو فحواه على حقيقة الحكم الذي تتضمنه القاعدة القانونية بحيث تتضح منه حدود الحالة الواقعية التي وضعت القاعدة من أجلها"[1]. فهو، بعبارة أخرى، إسناد معنى إلى النص التشريعي، دستورًا{{الدستور: القواعد القانونية الأسمى في هرم التدرج التشريعي، ويحدد شكل الدولة ونظام الحكم وتكوين سلطات الدولة واختصاصاتها والحقوق والحريات العامة.}} كان أم قانونًا أم نظامًا{{النظام: قواعد قانونية مكتوبة تصدر عن السلطة التنفيذية بموجب تفويض تشريعي ينص عليه الدستور أو القانون، ويُسمى لائحة في بعض الدول، ولا يجوز أن يخالف الدستور أو القانون.}} أم لائحة{{اللائحة: قواعد قانونية مكتوبة تصدر عن السلطة التنفيذية بموجب تفويض تشريعي ينص عليه الدستور أو القانون، وتُسمى نظامًا في بعض الدول.}}. وبمعنى أوسع، يشمل التفسير القانوني أيضًا تفسير المعاهدات الدولية والعقود، وتخضع الأحكام القضائية أيضًا للتفسير، لا سيما في نظام القانون العام الأنكلوسكسوني{{القانون العام الأنكلوسكسوني: نظام قانوني ارتبط تاريخيًا بإنكلترا وامتد منها إلى دول أخرى، مثل الولايات المتحدة الأميركية وأستراليا، ويتميز بأن الأحكام القضائية تعد مصدرًا تُستمد منه القواعد القانونية وتلتزم بها المحاكم في القضايا المستقبلية المماثلة، في حين يمكن للتشريع تعديل القواعد المستمدة من السوابق القضائية أو إلغاؤها.}} (Common Law) الذي يجعل السابقة القضائية مصدرًا ملزمًا للقانون.
ومع أن التفسير ينصبّ، بحسب تعريفه، على الألفاظ والعبارات المستعملة في النص، بحيث يرد على التشريع بوصفه مصدر القواعد القانونية المكتوبة[2]، فإن محلّ التفسير القانوني ليس الألفاظ وحدها، بل يشمل فحص السياق، وتحليل بنية النص، وفهم موقعه في المنظومة القانونية، بحيث يُقرأ التشريع وحدة واحدة. ويتناول التفسير أيضًا تحديد مضمون المبادئ العامة، مثل بيان مبدأ الحقوق المكتسبة ومقتضياته، والمبادئ الدستورية التي يستلهمها المشرع الدستوري ولكنه لا ينص عليها صراحة ولا يضع تعريفًا لها، مثل مبدأ الفصل بين السلطات{{الفصل بين السلطات: مبدأ دستوري أساسي يعني توزيع وظائف الدولة الأساسية، وهي التشريع والتنفيذ والقضاء، بين سلطات مستقلة عن بعضها نسبيًا، مع وجود آليات رقابة متبادلة بينها، وعدم تركيزها في سلطة الحاكم لمنع الاستبداد. وقد بلور هذا المبدأ الفقيه الفرنسي مونتسكيو (Montesquieu، 1689-1755) في كتابه روح القوانين، ويُترجَم أيضًا روح الشرائع.}}، إذ إن فهم المفسِّر لهذا المبدأ سيؤثر في تفسيره للنصوص الدستورية التي تنظم العلاقة بين السلطات.
يهدف التفسير أساسًا إلى تحديد القاعدة القانونية وبيان نطاق تطبيقها العملي. ومن ثم فإن وظيفة التفسير تبرز عند الحاجة إلى إيضاح النص، أي إزالة الغموض والإبهام عنه، والتوفيق بين النصوص المتعارضة. بيْد أن المفسِّر قد يوظف التفسير لتمكين القانون من مواجهة الأوضاع والظواهر المستجدة التي لم يتصورها المشرّع عند وضع النص، ويثير توظيف التفسير لهذه الغاية الجدل لأنه قد يتجاوز حدود إيضاح النص إلى إنشاء قاعدة قانونية جديدة.
من هنا، تبرز أهمية التفسير وخطورته، "إذ إنه تبعًا للطريقة التي تتبع في تفسير النص القانوني، يمكن الوصول إلى توسيع أو تضييق نطاق تطبيقه، بل إن من الممكن أيضًا -وتحت ستار التفسير- التوصل إلى تغيير معنى النص القانوني"[3].
لذلك لم تتفق مذاهب فلسفة القانون ومناهج دراسته المختلفة على وظيفة التفسير وطريقته. بعضها يجعل غاية التفسير هي توضيح دلالات ألفاظ النص وفق إرادة المشرع الحقيقية بما يكفل اليقين القانوني، في حين ترى مدارس أخرى أن التفسير يُكسِب النص ديناميكية تكفل له حيويته وقدرته على الاستجابة للتحولات الاجتماعية، من دون تقيد بالإرادة الحقيقية للمشرع، وإنما يُفسر النص وفق الإرادة المحتملة للمشرع لو أراد وضع النص في ظل الظروف الجديدة، لا سيما أن التفسير هو الذي يحدد مدى وضوح النص، إذ قد يثور خلاف بشأن كون النص واضحًا أم لا[4]. في حين يرى بعض شراح القانون أن التفسير يمكن أن يوازن بين الاستقرار واليقين القانوني، من ناحية، والتطور من ناحية ثانية، وذلك من خلال إخضاع التفسير لمبادئ موضوعية عامة، فكلما كان التفسير منضبطًا بقواعد متفق عليها، أسهم في تعزيز حكم القانون من خلال ضمان الاتساق بين القوانين وتطبيقها بصورة واحدة في الظروف المتماثلة[5].
أنواع تفسير القانون
يُفرّق الفقه عادة بين أنواع مختلفة من التفسير بحسب الجهة التي تتولاه، فالتفسير التشريعي هو ما يصدر عن السلطة التشريعية لتوضيح نص سابق[6]، ويرى الفقه عمومًا أن للتفسير التشريعي أثرًا رجعيًا{{الأثر الرجعي: تطبيق قانون جديد على الماضي، أي على وقائع حدثت قبل صدوره، وهذا لا يكون إلا استثناء، إذ إن القاعدة العامة هي عدم سريان القانون بأثر رجعي.}} من دون المساس بالحقوق المكتسبة{{الحقوق المكتسبة: فكرة قانونية تعني أن المركز القانوني الذي نشأ واكتمل لصالح شخص معين بموجب قانون أو تصرف مشروع لا يجوز الانتقاض منه بموجب إجراء تشريعي أو إداري بأثر رجعي.}}. وقد يتضمن التشريع قواعد تفسيرية من خلال تضمينه تعريفًا لألفاظ استعملها المشرع[7]، مثل تعريف السرقة في قانون العقوبات، وتعريف الغلط في القانون المدني بوصفه عيبًا من عيوب الرضا. وقد يصدر التفسير التشريعي عن السلطة التشريعية نفسها في وقت لاحق للنص المطلوب تفسيره[8]. ويفضل أنصار مدرسة الشرح على المتون{{مدرسة الشرح على المتون: اتجاه في تفسير القانون يقوم على تقديس النص التشريعي باعتباره مصدرًا كافيًا للقانون، وقد نشأت من خلال أعمال فقهاء القانون الفرنسيين في شرح القانون المدني الفرنسي لسنة 1804.}}، التي سادت في القرن التاسع عشر، التفسير التشريعي على أساس الفصل بين السلطات، بحيث يبقى تحديد القواعد القانونية من اختصاص السلطة التشريعية، ويبقى التشريع كافيًا بوصفه مصدر القانون، في حين ينحصر دور القضاء في تطبيقه والبحث عن إرادة المشرع الحقيقية من خلال تفسير التشريع[9].
يمكن أن يلحق بالتفسير التشريعي التفسير الذي يصدر عن جهة أعطاها الدستور سلطة تفسير القانون بصورة ملزمة[10]، مثل المحكمة الدستورية بالنسبة إلى تفسير الدستور، إذ يُعد التفسير كاشفًا لمعنى النص ويحوز قيمته القانونية الملزمة، ومثل الديوان الخاص بتفسير القوانين في الأردن. ومع أن الهيئات التي ينيط بها الدستور اختصاص تفسير التشريع لا تصدر تشريعًا، فإن قراراتها تحوز قوة التشريع[11].
تختص المحاكم أيضًا بتفسير القانون، إذ إن التفسير خطوة أولية يستلزمها تطبيق النص على وقائع المنازعات التي ينظرها القضاء[12]. ويمتاز التفسير القضائي بالصبغة الواقعية لأنه يقع بمناسبة دعوى قضائية مرفوعة ويتأثر بوقائع النزاع المعروض على القاضي والظروف المحيطة به. ومن ثم، فإن القاضي يتبع طرق التفسير التي تؤدي إلى نتيجة تحقق العدالة في ضوء ظروف القضية "وقد يؤدي ذلك إلى الخروج عن المعنى الذي قصده القانون إذا ما تبين [للقاضي] مخالفته للعدالة، وذلك تحت ستار التفسير"[13].
تختلف حجية التفسير القضائي في القضايا المستقبلية باختلاف النظم القانونية، إذ يجعل بعضها الحكم القضائي سابقة ملزمة كما في نظام القانون العام الأنكلوسكسوني، وبعضها يجعل حكم القضاء اجتهادًا له قيمة أدبية غير ملزمة من الناحية الرسمية، كما في نظام القانون المدني/ اللاتيني (Civil Law/ Latin Law)[14].
يتصدى فقهاء القانون لتفسير النصوص القانونية من خلال مؤلفاتهم وبحوثهم في ما يُعرف بالتفسير الفقهي للقانون[15]. تاريخيًا، أدى الفقه دورًا مهمًا في القانون الروماني بوصفه مصدرًا للقانون، وإن كان دور الفقه تراجع في العصر الإمبراطوري[16]. في العصر الحديث لا يكون التفسير الفقهي ملزمًا من الناحية الرسمية، ولكنه يُعد مصدرًا استرشاديًا من مصادر القانون، "بمعنى أنه لا يجوز أن تبنى أحكام القضاء على آراء الفقهاء أيًا كانت مكانتهم"[17].
مناهج تفسير القانون
التفسير اللغوي
بحث منهج التفسير اللغوي في معاني الألفاظ، فإذا كانت معاني الألفاظ ودلالاتها واضحة، فلا حاجة إلى التفسير. وتتبنى مدرسة الشرح على المتون هذه المدرسة التفسيرية "على أساس أن المشرع يحسن استخدام اللغة، وأنه يستخدم الألفاظ في معانيها الصحيحة"[18].
تعبّر المادة 150 من القانون المدني المصري لسنة 1948 عن ذلك، في مجال تفسير العقود، بقولها إنه إذا كانت عبارة العقد واضحة فلا يجوز الانحراف عنها بحجة تفسيرها، غير أن النص ذاته يقضي بأنه إذا شاب العقد غموض وجب تحري الإرادة المشتركة للمتعاقدين، مع مراعاة طبيعة التعامل، ومتطلبات حسن النية. وهذا يبيّن أن أولوية اللفظ في التفسير اللغوي لا تعني الاكتفاء به، بل تعني تقييد سلطة المفسّر بحيث لا يحمّل النص أكثر معنى لا يحتمله.
في تفسير النصوص التشريعية كذلك يرى اتجاه فقهي بأنه ينبغي الوقوف عند المعنى الحرفي الظاهر ما دام يؤدي إلى نتيجة قابلة للتطبيق، بحيث لا يجوز الانحراف عن هذا المعنى عن طريق التفسير[19]. تؤكد قواعد التفسير المستمدة من أصول الفقه{{أصول الفقه: علم يبحث في الأدلة الشرعية، مثل نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، وكيفية استنباط الأحكام الفقهية منها، وشروط المجتهد الذي يستنبط الأحكام.}} الإسلامي هذا المنحى التفسيري، إذ تقرر القاعدة العامة أنه "لا اجتهاد في مورد النص"، والمقصود بلفظ "النص" في هذه القاعدة الألفاظ واضحة الدلالة، مثل الأعداد. فإذا ورد نص بأن سن الرشد يكون بتمام ثماني عشرة سنة شمسية، فإنه لا يمكن عن طريق التفسير الاجتهاد للقول بأنه يمكن إثبات تمتع الشخص دون الثامنة عشرة بقدرات عقلية تضاهي الراشد للحكم بأهليته، لأن التفسير اللغوي للعدد لا يحتمل غيره.
طرق التفسير اللغوي
يكون التفسير اللغوي بطرق داخلية، هي محل اتفاق عمومًا بين معتنقي هذا المنهج التفسيري، وطرق خارجية، بعضها على الأقل محل خلاف.
يُقصد بالطرق الداخلية للتفسير استجلاء معنى النص من خلال تركيبه اللغوي ودلالات ألفاظه وعلاقته بالنصوص الأخرى. مثلًا، تُحدد دلالة اللفظ أهو عام{{اللفظ العام: اللفظ الذي يدل حسب صيغته ووضعه اللغوي على شمول جميع الأفراد والحالات التي تندرج ضمن معناه، مثل صيغة الجمع أو اللفظ المعرف بأل ولفظ كل، والقاعدة العامة هي أن اللفظ العام يُحمل على عمومه ما لم يرد ما يخصصه.}} أم خاص{{اللفظ الخاص: اللفظ الذي يدل على فرد معيّن أو حالة مخصوصة، بحيث لا يتناول الحكم إلا ما عيّنه اللفظ أو حدّده نطاقه، مثل اسم العلم وألفاظ الأعداد.}}، بحيث يكون النص الخاص مقيدًا للنص العام. كذلك يميز التفسير بين اللفظ المطلق{{اللفظ المُطلَق: اللفظ الذي يدل على فرد شائع في جنسه من غير قيد، مثل لفظ النكرة "قلم"، إذ يدل على كل شيء يُعد قلمًا بغض النظر عن لونه أو نوعه مثلًا.}} والمقيد{{اللفظ المُقيَّد: اللفظ الذي يرد مقترنًا بقيد، مثل الصفة أو الغاية أو الشرط، مثل "قلم أزرق".}}، بحيث يكون النص المطلق أوسع، وإذا تعارض نص مطلق وآخر مقيد في الموضوع نفسه، يُحمل النص المطلق على المقيد، أي يعمل بالقيد الوارد في النص. إلى جانب ذلك، يُفسر النص بموجب المعنى الحقيقي لا المجازي ما دام معناه الحقيقي معقولًا[20].
تتبنى بعض القوانين المدنية العربية قواعد تفسير النصوص المستمدة من أصول الفقه الإسلامي. مثلًا، تنص المادة الثالثة من القانون المدني الأردني لسنة 1976 على تفسير النصوص وفق قواعد أصول الفقه[21]، وتضمنت بعض القوانين العربية، مثل قانون المعاملات المدنية الإماراتي لسنة 2025{{قانون المعاملات المدنية الإماراتي لسنة 2025: قانون صدر بالمرسوم رقم بقانون اتحادي رقم 25 لسنة 2025، ويسري منذ 1/6/2025 ويحل محل قانون المعاملات المدنية رقم 5 لسنة 1985.}} ونظام المعاملات المدنية السعودي{{نظام المعاملات المدنية: أول تقنين لقواعد القانون المدني في السعودية، وقد صدر سنة 2023.}}، والقانون المدني الأردني، مجموعة من القواعد الفقهية التفسيرية، مثل: "اليقين لا يزول بالشك"، التي يتفرع عنها قاعدة "الأصل في الكلام الحقيقة". تنسجم قواعد تفسير النصوص في أصول الفقه مع الطرق الداخلية لتفسير النصوص في القانون الحديث، وإن كانت القوانين الغربية لا تعرف منظومة نظرية متكاملة من قواعد التفسير على غرار أصول الفقه، بل تراكمت قواعد وضوابط تفسيرية متناثرة في السوابق القضائية.
من تطبيقات قواعد تفسير النصوص القائمة على الطرق الداخلية والمستمدة من أصول الفقه تفسير النصوص بموجب طرق دلالة ألفاظها على المعاني، فقد يدل اللفظ على المعنى بمنطوقه، أي بالألفاظ المستعملة في النص[22]. وتنقسم دلالة المنطوق إلى دلالة العبارة{{دلالة العبارة: دلالة اللفظ على الحكم الذي سيق النص لأجله أصالةً ويُفهم مباشرة من منطوقه وتركيبه اللغوي على وجه ظاهر، كما لو نص القانون على أن يلتزم البائع بتسليم المبيع خاليًا من العيوب، إذ يُستفاد منه حسب الظاهر أن تسليم المبيع من التزامات البائع.}} ودلالة الإشارة{{دلالة الإشارة: معنى غير مقصود أصالةً من سياق النص، ولكنه يُفهم من بنية الكلام، كما لو نص القانون على أن العامل يستحق يوم راحة كل ستة أيام، فدلالة العبارة هي استحقاق العامل يوم راحة، ودلالة الإشارة أن العامل يلتزم بالعمل ستة أيام في الأسبوع.}} ودلالة الاقتضاء{{دلالة الاقتضاء: دلالة النص على لفظ محذوف لا بد أن يُقدّر كي يستقيم معنى الكلام عقلًا أو شرعًا أو قانونًا، كما لو نص القانون على جواز نقل أسهم الشركة إلى الغير، فلا بد من تقدير أن المقصود هو نقل ملكية الأسهم، لأن الأسهم ليست شيئًا محسوسًا يُنقل.}}[23]. وقد يُستنبط المعنى من مفهوم النص، أي عن طريق استخراج حكم لمسألة غير مذكورة في النص عن طريق فهم علاقتها المنطقية بالمسألة المذكورة في النص، وتُسمى دلالة النص بهذه الطريقة بمفهوم النص، ويشمل مفهوم الموافقة والمفهوم من باب أولى ومفهوم المخالفة[24].
ومفهوم الموافقة هو استواء المسألة المسكوت عنها والمسألة المذكورة في النص في تحقق علة الحكم، وذلك كما لو نص القانون على منع المؤسسات الرسمية من وقف{{الوقف: إخراج مال من ملك صاحبه وحبسه عن التصرف فيه تصرفًا ناقلًا للملكية، وتخصيص منفعته أو ريعه لوجه من وجوه البر، وقد يكون أهليًا أو ذُرّيًا لمنفعة أقارب أو خيريًا لمنفعة جهة، مثل الفقراء. يُسمى منشئ الوقف بالواقف، وتعترف القوانين العربية عمومًا للوقف بشخصية اعتباريه يديرها ناظر الوقف أو متولي الوقف.}} أموالها، فيُستنتج من ذلك أن التبرع بالأموال ممنوع أيضًا لأنه تنازل عن المال من دون مقابل كالوقف. وقد يكون المفهوم من باب أولى، وذلك عندما تكون علة الحكم أشد ظهورًا في الحالة المسكوت عنها من الحالة المذكورة في النص، كما لو منع القانون القاصر من بيع أمواله، فيكون منعه من التبرع بها من باب أولى. وقد يُستفاد معنى من النص بمفهوم المخالفة، أي إعطاء عكس الحكم المنصوص عليه للحالة التي تنعكس فيها شروط تطبيقه، مثل استفادة إباحة ترقية الموظف الذي يحصل على تقدير لأدائه أعلى من جيد من النص الذي يحظر ترقية الموظف الحاصل على تقدير ضعيف[25].
إلى جانب الطرق الداخلية لتفسير النصوص، يمكن النظر في سياق النص المطلوب تفسيره، بحيث لا يلزم أن تكون نتيجة التفسير بالطرق الداخلية هي النتيجة النهائية للتفسير، بل قد يلجأ المفسِّر إلى البحث بطرق خارجية، أي وراء ألفاظ النص نفسه. من الطرق الخارجية الاستعانة بالأعمال التحضيرية للتشريع[26]، مثل مشروع القانون ومناقشاته والتعديلات التي أُدخلت في صياغته إلى أن أقرته السلطة التشريعية. ويُراعى أن الأعمال التحضيرية ليست جزءًا من القانون، ومن ثم فهي غير ملزمة ويمكن أن يحيد القاضي عن الاستدلال بها ويتبنى تفسيرًا بطريقة أخرى من طرق التفسير[27].
تشمل الطرق الخارجية أيضًا استنباط حكمة التشريع والغاية من وضعه، بحيث يتبنى المفسّر التفسير الأكثر تحقيقًا لحكمة التشريع في ضوء الظروف الجديدة[28]، أي افتراض وجود المشرع في الوقت الذي يجري فيه التفسير لاستكشاف ما كان سيقرره لتحقيق أهداف التشريع المطلوب تفسيره[29]. يمكن الاستهداء إلى قصد المشرع من خلال الظروف الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بوضع النص، أي إن قصد المشرع يُستفاد بمعايير موضوعية، ومما يثير الجدل في تفسير القانون البحث عن قصد المشرع وفق معيار شخصي يقوم على البحث عن نية أعضاء السلطة التشريعية الذين أقروا النص[30]. وانتُقد هذا الاتجاه الشخصي في التفسير لا سيما وأن بعض الوقائع المستجدة قد لا يُتصور أنها خطرت ببال واضع النص[31].
ظهرت مدرسة التفسير اللغوي المستند إلى الطرق الداخلية والخارجية في التفسير في النظم القانونية المختلفة، ففي الفقه الإسلامي ظهرت مدارس تتبنى المعنى الحرفي أو الظاهر للنصوص، مثل مدرسة أهل الحديث{{مدرسة أهل الحديث: اتجاه في التراث الإسلامي يغلّب المعنى الظاهر للنص، ويفسره بالآثار والرواية، ويتشدد في تفسيره بالقياس مع قبول القياس بضوابط إذا لم يوجد نص في المسألة.}} والمذهب الظاهري{{المذهب الظاهري: مذهب فقهي إسلامي يقف عمومًا عند المعنى الظاهر للنص، مع تفسيره بالطرق اللغوية، ويرفض القياس مبدئيًا. ارتبطت نشأة المذهب الظاهري تاريخيًا بداود بن علي، بيد أن مرجعه الأبرز هو ابن حَزْم الأندلسي.}}، وفي فرنسا ظهرت مدرسة الشرح على المتون أو التزام النصوص[32]، وفي الولايات المتحدة ظهرت مدرسة التفسير الأصلي (Originalism) بشأن تفسير نصوص الدستور الأميركي وفق قصد واضعيه[33]. ومع أن هذه الطريقة في التفسير تحد من تحكم القضاة واختلافهم في التفسير وتكفل تفسير النصوص بطريقة واحدة، فقد تعرضت إلى الانتقاد على أساس أنها "تصيب القانون بالجمود وتقف به عن التطور"[34].
في نظام القانون العام الأنكلوسكسوني، كما في المملكة المتحدة، يتبع القضاء عادة قواعد مماثلة للتفسير تقوم على الأخذ بالمعنى الحرفي الظاهر للنص ما دام ينتج أثرًا معقولًا[35]. فإذا كانت نتيجة التفسير اللغوي غير معقولة أو تصادم مبادئ عامة للقانون، بحيث لا يُفترض أن المشرع أرادها، يلجأ القاضي إلى البحث عن تفسير يحقق الغاية من النص. من الأدوات التي يطبقها القاضي الإنكليزي لتحديد غاية النص تحديد المشكلة التي أراد المشرع حلها عن طريق وضع النص المطلوب تفسيره، بحيث يفسر النص بما يحقق هدف التشريع. ويمكن أن يتوصل إلى ذلك بمقارنة تاريخ التشريع وتعديلاته في سياق الظروف الاجتماعية والاقتصادية المحيطة به[36]. وإذا كان النص غامضًا أجاز مجلس اللوردات البريطاني في قضية بيبر ضد هارت (Pepper v. Hart) سنة 1992 الرجوع إلى محاضر مجلس العموم البريطاني{{مجلس العموم: المجلس أو الغرفة الأدنى (lower chamber) المنتخَب في البرلمان البريطاني، في حين المجلس الأعلى (upper chamber) في البرلمان هو مجلس اللوردات (House of Lords).}} عند تفسير النصوص، لكن ذلك لم يؤد إلى تبني منهج عام في التفسير يقوم على تحري قصد المشرع بمعيار شخصي. بعبارة أخرى، يمكن البحث عن علة تشريع النص عن طريق مصادره التاريخية[37].
ويُعد أيضًا التفسير وفق المعنى العادي الذي يُعطى لألفاظ النص في سياقه وفي ضوء موضوعه والغرض منه هو القاعدة الأساسية في تفسير المعاهدات الدولية بموجب المادة 31 من اتفاقية ڨيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969[38].
التفسير المقاصدي
يتبنى اتجاه في تفسير القانون ما يُوصف بالتفسير المقاصدي أو الغائي، وهو طريقة في التفسير تهدف إلى إعطاء النص ديناميكية تحقق الغاية منه مع تغير الظروف. تتأثر طريقة التفسير هذه بقناعات المفسر بشأن الغاية المثلى التي ينبغي تحقيقها. ويمكن أن تُسمى هذه الطريقة بالتفسير البراغماتي{{البراغماتية: مذهب فلسفي يربط الأفكار وقيمتها المعرفية بما تُحدثه من آثار عملية، مثل إعطاء أهمية لآثار التفسير القانوني العملية على المجتمع.}} أو النفعي، بمعنى التفسير الذي يهدف إلى تحقيق المصلحة من وجهة نظر المفسِّر.
يُفرض، مثلًا، أن قانونًا صدر سنة 1940 ونص على حق الجار في تملك عقار جاره بالشفعة{{الشفعة: حق أولوية يخوّل صاحبه أن يطلب تملّك مال غير منقول بأخذه من المشتري بما قام عليه من الثمن. يثبت حق الشفعة، عمومًا، للجار والشريك في المال الشائع.}} إذا باعه جاره لغيره شريطة أداء الثمن نفسه، ثم تطورت الظروف الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وازدهرت حركة الاستثمار العقاري، وظهرت شكوى من أن حق الشفعة يؤدي إلى ارتفاع قيمة الأراضي لثني الجار عن أخذه بالشفعة، ما زاد كلفة الاستثمار. بموجب التفسير اللغوي أو قصد المشرع الأصلي الذي ربما أراد تغليب الاعتبارات الاجتماعية لمنع الضرر المحتمل بين الجيران، سيبقى حق الشفعة مُطبّقًا بالطريقة ذاتها. أما وفق التفسير المقاصدي، فإن القاضي سيغلّب المقاصد الأولى بالرعاية وقت التفسير، فإذا أراد تغليب سياسة تشجيع الاستثمار العقاري، فإنه قد يفترض شرطًا ضمنيًا للأخذ بالشفعة وهو أن يثبت الجار طالب الشفعة حدوث ضرر من بيع العقار للغير، مع أن هذا الشرط لا يُستفاد بسهولة من النص.
يرى أنصار التفسير اللغوي أن التفسير المقاصدي يجعل القاضي مشرعًا ما يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات. أما أنصار التفسير المقاصدي فيرون فيه وسيلة لتخطي جمود التشريع ووضع حلول للقضايا الجديدة تستلهم غاية التشريع وإن لم تتقيد بحرفيته. بحسب التفسير المقاصدي أو الغائي فإنه يمكن اللجوء إلى التفسير حتى عندما يبدو النص واضحًا ودلالته اللغوية معقولة. يظهر توظيف التفسير المقاصدي في تفسير الدستور[39]، وهو اتجاه بارز في تفسير الدستور الأميركي بوصفه وثيقة حية بعكس مدرسة التفسير بالمعنى الأصلي للدستور.
ينسجم التفسير المقاصدي أو الغائي مع المدرسة التاريخية أو الاجتماعية في القانون التي ترى "أن تفسير التشريع يجب أن يكون متفقًا مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية في الوقت الذي يحصل فيه التفسير ولا عبرة بإرادة المشرع الحقيقية أو المفترضة عند وضع النص [...] وإنما العبرة بالإرادة المحتملة، أي الإرادة التي كان يتجه إليها المشرع لو أنه وجد في الظروف الحالية التي تحيط بالفقيه أو القاضي عند تفسيرهما للقانون"[40].
برز التفسير المقاصدي أو الغائي الذي لا يتقيد بحرفية النص في تفسير المعاهدات الدولية المختصة بحقوق الإنسان، بحيث يُفسر النص، أو يُعاد تفسيره، في ضوء الظروف المحيطة به وقت التفسير، بما في ذلك التحولات الثقافية، وبما يسمح "بفهم المعاهدة بشكل حركي أو متحرك أو نشط للمعاهدة، وبتطويرها من منظور وظيفي وإلى أبعد من النية الأصلية للأطراف"[41].
التفسير العلمي
إزاء جمود القانون الذي قد يؤدي إليه التفسير اللغوي أو الحرفي وفق مدرسة التزام النص، وإزاء احتمال تحكم القاضي في التفسير من خلال التفسير المقاصدي أو البراغماتي، ظهر اتجاه في التفسير يدعو إلى ضوابط علمية تكفل اتساق النظام القانوني وعدم تحكم القاضي.
تُنسب مدرسة التفسير العلمي إلى الفقيه الفرنسي فرانسوا جيني (François Gény، 1861-1959)، صاحب كتاب طرق التفسير ومصادر القانون الخاص الوضعي[42]. تتلخص أفكار جيني في أنه ينبغي تفسير التشريع بحسب الإرادة الحقيقية للمشرع، فإذا لم يؤد هذا التفسير إلى حل للنزاع المعروض على القاضي، لا بد من التسليم بنقص التشريع من دون البحث عن إرادة احتمالية للمشرع، وإنما يكمل القاضي التشريع ببحث علمي وفق جوهر القانون الذي يقوم على حقائق واقعية وتاريخية ومثالية وعقلية، وبحيث يتوصل القاضي إلى حل للنزاع المعروض أمامه ولا ينشئ بهذا قاعدة قانونية ملزمة في القضايا اللاحقة[43]. ويرى بعض الشراح أن القوانين المدنية العربية، مثل القانون المصري، تميل إلى هذه المدرسة من خلال النص على أن القاضي يطبق التشريع، فإذا لم يجد حكمًا فيه يبحث في المصادر المكملة، مثل العرف، فإن لم يجد حكمًا اجتهد رأيه وفق مبادئ العدالة والإنصاف[44].
يرى بعض أنصار المدرسة الوضعية{{المدرسة الوضعية: مذهب في فلسفة القانون يقرّر أن وجود القاعدة القانونية وصحتها يُحدَّدان بالرجوع إلى مصادر اجتماعية/ مؤسسية، مثل الاختصاص والإجراءات الدستورية، لا بالرجوع إلى معيار أخلاقي خارجي، إذ تفصل المدرسة الوضعية بين القانون والأخلاق.}} أن القاضي يكمل التشريع بإنشاء قواعد ملزمة يتوصل إليها بموجب سلطة تقديرية. في المقابل، ذهب رونالد دوركين{{رونالد دوركين: (Ronald Dworkin، 1931-2013) هو أستاذ قانون أميركي عمل أستاذًا في أكسفورد ونيويورك، يُصنف بأنه من أنصار المدرسة التفسيرية، واشتُهر بثلاثة أعمال تأسيسية: أخذ الحقوق على محمل الجد (Taking Rights Seriously, 1977)، وإمبراطورية القانون (Law’s Empire, 1986)، وحرية القانون: القراءة المعنوية للدستور الأميركي (Freedom’s Law: The Moral Reading of the American Constitution, 1996).}} إلى أن القانون يقوم على النزاهة بحيث إن القاضي عند تفسير النص التشريعي، للتوصل إلى حل لمسائل لم يذكرها النص، ينبغي أن يراعي اتساق التفسير مع القضايا السابقة والمبادئ العامة للقانون المستخلصة منها، التي تشكل مرجعية تحد من السلطة التقديرية للقاضي. دعا دوركين إلى تطبيق منهجه التفسيري، الذي وصفه بالتفسير البناء (constructive interpretation)، على تفسير الدستور الأميركي، من خلال ما وصفه بالقراءة المعنوية أو الأخلاقية للدستور التي تراعي أن نصوص الحقوق في الدستور صيغت عمدًا بأسلوب الصياغة المعيارية العامة، ومن ثم ينبغي للقضاة تفسيرها تفسيرات أخلاقية-سياسية تسعى إلى أفضل فهم لمفاهيم مثل الكرامة، والمساواة، وحرية التعبير، في ضوء تقاليد المجتمع وحججه العامة. بهذا لا يكون الدستور مجرد نص تاريخي يُفسر حسب قصد واضعيه، وفي الوقت ذاته لا يكون مجرد أداة براغماتية، وإنما وثيقة تعبّر عن مبادئ سياسية أخلاقية، تتطلب قراءة تفسيرية مستمرة تجعلها أفضل ما يمكن أن تكون عليه من حيث احترام الحقوق والمساواة.
ودعا أيضًا بعض أنصار المدرسة البراغماتية أو الغائية في التفسير إلى تبني "براغماتية عاقلة" (sensible pragmatism) تتجنب التعسف والنتائج غير المتوقعة للتفسير.
يمكن أن يشترك تفسير النصوص وفق أصول الفقه الإسلامي مع فكرة التفسير العلمي من حيث الدعوة إلى ضبط التفسير بحقائق معينة أو مبادئ مستنبطة من فروع القانون وتطبيقاتها على مر السنين، مع خصوصية أصول الفقه من حيث مرجعيته الدينية. فإلى جانب مدرسة الحديث أو الفقه الظاهري، نشأت مدرسة الرأي في الفقه الإسلامي التي شكلت قواعد التفسير في أصول الفقه منهجًا موضوعيًا لها، إذ يبدأ التفسير من قواعد اللغة وينضبط بمقاصد الشريعة المستنبطة باستقراء النصوص التي تشكل حدودًا للتفسير الذي يؤديه المجتهد[45]. "فلا يكفي أن يعرف المجتهد وجوه دلالات الألفاظ على المعاني، بل لا بد له من معرفة أسرار التشريع والأغراض العامة التي قصدها الشارع من تشريعه الأحكام المختلفة حتى يستطيع أن يفهم النصوص ويفسرها تفسيرًا سليمًا، ويستنبط الأحكام في ضوء هذه المقاصد العامة"[46].
بشكل عام، مع اختلاف مدارس التفسير وطرقه، فإن هناك مبادئ وضوابط شائعة للتفسير، منها الاتساق وعدم التناقض، بحيث يتسق التفسير مع المنظومة القانونية، يُعبَّر عن ذلك بالقول إن التشريع يُفسر بوصفه وحدة واحدة. كذلك فإن من قواعد التفسير الشائعة أن إعمال الكلام أولى من إهماله، بحيث لا يستقيم والمنطق القانوني ومبدأ الفصل بين السلطات أن يُفسر نص على نحو يعطل نصًا آخر كليًا. كذلك، فإن التفسير يتقيد بمبدأ التدرج التشريعي، فلا يجوز تفسير نص قانوني على نحو يؤدي إلى نتيجة تخالف نصًا دستوريًا. مثلًا، إذا أجاز نص قانوني تفتيش شخص عند الاشتباه به، فلا يجوز التوسع في تفسيره بحيث يخول عناصر الشرطة دخول المساكن، من دون إذن قضائي، للبحث عن ذلك الشخص، لأن هذا التفسير يتعارض مع القاعدة الدستورية بخصوص حرمة المساكن.
تأثر تفسير القانون بطبيعة فروع القانون
يدل الاجتهاد القضائي والفقه القانوني المقارن على أن أهمية ضوابط التفسير تختلف تبعًا لطبيعة فرع القانون الذي ينتمي إليه النص المفسَّر. مثلًا، تفسير النصوص الدستورية لا يقف بالضرورة عند الطرق الداخلية والخارجية للتفسير، بل تبرز ظاهرة توخي المفسِّر تحقيق غاية الدستور والموازنة والتناسب عندما تؤثر نتيجة التفسير في حقوق متعارضة أو عند توضيح اختصاصات سلطات الدولة بحيث لا يؤدي التفسير إلى إضعاف الفصل بين السلطات أو إلى تغول واحدة منها على أخرى.
مثلًا، فحصت المحكمة العليا للولايات المتحدة ما إذا كان النص الدستوري الخاص بسلامة الإجراءات (due process) بموجب التعديل الدستوري الخامس يقتضي عقد جلسة رسمية لسماع البينات التي قدمها شخص من ذوي الإعاقة في اعتراضه الخطي قبل إصدار قرار إداري{{القرار الإداري: إفصاح سلطة إدارية عامة عن إرادتها إحداث أثر قانوني معين أو تعديله أو إلغاءه، مثل تعيين موظف أو عزله.}} بوقف تأمينات العجز عنه[47]. طبقت المحكمة معيارًا من ثلاثة عناصر لتحديد مدى كفاية الإجراءات الإدارية للموازنة بين المصلحة الخاصة للفرد من جهة، وبين خطر الخطأ في القرار الإداري، والأعباء المالية والإدارية التي ستتحملها الحكومة لعقد جلسات استماع لكل حالة من جهة أخرى. توصلت المحكمة إلى أن تقييم العجز يعتمد على تقارير طبية موضوعية، وأن خطر الخطأ أيضًا يمكن تداركه في الاعتراض على القرار الإداري أمام المحكمة المختصة، ومن ثم لا مبرر لتحميل الإدارة أعباء إدارية ومالية في عقد جلسات سماع. وعلى ذلك، فقد وجدت المحكمة أن الاكتفاء بمراجعة التقارير والأوراق يُعد سليمًا من الناحية الدستورية. يتضح من هذا المثال أن المحكمة تدبرت في عواقب قرارها وأثره في الموازنة بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، ولم تفسر النص بموجب القواعد اللغوية فقط.
أما في القانون المدني والتجاري، فإن ضمان أمن المعاملات واستقرارها، وتحقيق المصالح الخاصة، يمكن أن يسوغ القياس على النصوص القانونية والتوسع في تفسيرها حسب ما تقتضيه المصلحة التي يهدف النص إلى حمايتها[48]. فمثلًا، النص الذي يجيز لمؤسسة عامة إنشاء وقف على أرض مملوكة لها، يمكن أن يُفسر بأنه يجيز التبرع بذلك المال، أي هبته من دون مقابل مادي، وذلك بموجب مفهوم الموافقة لأن الوقف فيه معنى التبرع، أو يُفسر بأنه لا يجيز سوى الوقف، وذلك بموجب مفهوم المخالفة، إذا كان المقصود تجنب تعارض المصالح والمحاباة في التصرف في المال العام.
من مظاهر التفسير الموسع في القانون التجاري، تبني قوانين التجارة العربية، عمومًا، نظرية الأعمال التجارية بالقياس[49]، كما جاء في المادة 6(2) من قانون التجارة الأردني رقم 12 لسنة 1966 مثلًا، التي تجيز للقاضي أن يسبغ الصفة التجارية على أعمال لم ينص قانون التجارة عليها، وذلك بقياسها على الأعمال التجارية المنصوص عليها. ويتطلب ذلك تفسير النصوص التي ذكرت الأعمال التجارية لاستخلاص صفاتها وخصائصها، ومن ثم إنزالها على العمل غير المنصوص عليه[50]. ويُعد القياس بابًا لتكملة التشريع وليس تفسيره وحسب، حتى قيل إن "القياس ليس مصدرًا تفسيريًا ولا مصدرًا رسميًا للقانون، بل هو يمثل مكانًا وسطًا بينهما"[51]، أي إن القياس ليس فقط كشفًا لمعنى نص، وإنما يقترب من إنشاء قاعدة قانونية.
في المقابل، يرى معظم شراح قانون العقوبات أن النصوص الجزائية تُفسر تفسيرًا ضيقًا، ولا يُقاس عليها[52]، وذلك لأن القياس أو التفسير الموسِّع يمكن أن يؤدي إلى مخالفة مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات{{مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات: من أهم المبادئ الدستورية الجنائية، وبموجبه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني صادر عن السلطة التشريعية ونافذ وقت ارتكاب الجريمة.}}، ويتعارض القياس والتفسير الموسِّع أيضًا مع القاعدة العامة التي تقضي بأن الأصل في الأشياء الإباحة. مثلًا، إذا نص قانون العقوبات على أن الموظف العام يُعاقَب إذا ارتكب جريمة الرشوة، فإنه ليس من السائغ تطبيق هذا النص على موظف شركة خاصة، إلا إذا ورد نص خاص بذلك. لكن النصوص الجنائية تتنوع بين نص تجريمي ونص يقرر أسباب الإباحة أو الأعذار المخففة للعقوبة أو المعفية منها، ومن ثم قد تتنوع آليات التفسير تبعًا للغرض من النص[53].
المراجع
العربية
تناغو، سمير. النظرية العامة للقانون. الإسكندرية: منشأة المعارف، 1999.
جاجان، عبد الرزاق عمر. "العمل التجاري بين النص القانوني والقياس: دراسة نقدية للمادة الثانية من نظام المحكمة التجارية السعودي". مجلة كلية القانون الكويتية العالمية. مج 8، العدد 29 (2020). ص 319-359.
دويدار، هاني. الأعمال التجارية بالقياس. القاهرة: دار الجامعة الجديدة، 2004.
زيدان، عبد الكريم. الوجيز في أصول الفقه الإسلامي. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1996.
السنهوري، عبد الرزاق. علم أصول القانون. القاهرة: مطبعة فتح الله إلياس نوري وأولاده، 1936.
الصده، عبد المنعم فرج. "القسم الأول". أصول القانون. القاهرة: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1965.
الصراف، عباس وجورج حزبون. المدخل إلى علم القانون. عمان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2001.
الصيفي، عبد الفتاح مصطفى. القاعدة الجنائية: دراسة تحليلية لها على ضوء الفقه الجنائي المعاصر. الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية، 2019.
عبد الله، عامر عاشور. "القياس في القانون المدني والفقه الإسلامي". مجلة الرافدين للحقوق. مج 15، العدد 52 (2012). ص 53-78.
علوان، محمد يوسف. القانون الدولي العام: النظرية العامة والمصادر. ط 4. عمان: دار وائل للنشر، 2021.
العوا، محمد سليم. تفسير النصوص الجنائية: دراسة مقارنة. الرياض: دار عكاظ، 1981.
فرج، توفيق حسن. المدخل للعلوم القانونية: النظرية العامة للقانون. بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1993.
الأجنبية
Brennan Jr., William J. “The Constitution of the United States: Contemporary Ratification.” South Texas Law Review. vol. 27, no. 3 (1986). pp. 433-446.
Gutmann, Amy (ed.). A Matter of Interpretation: Federal Courts and the Law. New Jersey: Princeton University Press, 1997.
“Mathews v. Eldridge, 424 U.S. 319 (1976).” JUSTIA U.S Supreme Court, at: https://acr.ps/hByaR9g
Wacks, Raymond. Law: A Very Short Introduction. Oxford: Oxford University Press, 2008.
[1] عبد المنعم فرج الصده، "القسم الأول"، أصول القانون (القاهرة: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1965)، ص 241.
[2] المرجع نفسه؛ عبد الرزاق السنهوري، علم أصول القانون (القاهرة: مطبعة فتح الله إلياس نوري وأولاده، 1936)، ص 110-111.
[3] توفيق حسن فرج، المدخل للعلوم القانونية: النظرية العامة للقانون (بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1993)، ص 391.
[4] عباس الصراف وجورج حزبون، المدخل إلى علم القانون (عمان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2001)، ص 59؛ الصده، ص 246-248.
[5] الصده، ص 248-249.
[6] المرجع نفسه، ص 242.
[7] فرج، ص 392.
[8] المرجع نفسه، ص 393-394.
[9] سمير تناغو، النظرية العامة للقانون (الإسكندرية: منشأة المعارف، 1999)، ص 738-739؛ الصده، ص 246-247.
[10] الصده، ص 243-244.
[11] تناغو، ص 741.
[12] المرجع نفسه، ص 742.
[13] فرج، ص 398.
[14] الصراف وحزبون، ص 61.
[15] المرجع نفسه، ص 79-80.
[16] تناغو، ص 746.
[17] المرجع نفسه، ص 748.
[18] المرجع نفسه، ص 750.
[19] الصراف وحزبون، ص 59.
[20] تناغو، ص 762-764.
[21] الصراف وحزبون، ص 63.
[22] المرجع نفسه، ص 63.
[23] الصده، ص 255.
[24] الصراف وحزبون، ص 64-66.
[25] الصده، ص 266-270.
[26] السنهوري، ص 117-118؛ الصراف وحزبون، ص 77.
[27] الصراف وحزبون، ص 78.
[28] السنهوري، ص 117.
[29] الصراف وحزبون، ص 76-77.
[30] تناغو، ص 767.
[31] عبد الفتاح مصطفى الصيفي، القاعدة الجنائية: دراسة تحليلية لها على ضوء الفقه الجنائي المعاصر (الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية، 2019)، ص 242-243.
[32] فرج، ص 401.
[33] يُنظر:
Antonin Scalia, in: Amy Gutmann (ed.), A Matter of Interpretation: Federal Courts and the Law (New Jersey: Princeton University Press, 1997).
[34] فرج، ص 402.
[35] Raymond Wacks, Law: A Very Short Introduction (Oxford: Oxford University Press, 2008), p. 31.
[36] Ibid.
[37] تناغو، ص 766.
[38] محمد يوسف علوان، القانون الدولي العام: النظرية العامة والمصادر، ط 4 (عمان: دار وائل للنشر، 2021)، ص 390-392.
[39] يُنظر:
William J. Brennan Jr., “The Constitution of the United States: Contemporary Ratification,” South Texas Law Review, vol. 27, no. 3 (1986), pp. 433-446.
[40] فرج، ص 402.
[41] علوان، ص 399.
[42] الصراف وحزبون، ص 59، هامش 2.
[43] تناغو، ص 755-756.
[44] المرجع نفسه، ص 757.
[45] الصده، ص 252.
[46] عبد الكريم زيدان، الوجيز في أصول الفقه الإسلامي (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1996)، ص 378.
[47] “Mathews v. Eldridge, 424 U.S. 319 (1976),” JUSTIA U.S Supreme Court, accessed on 12/5/2026, at: https://acr.ps/hByaR9g
[48] يُنظر: عامر عاشور عبد الله، "القياس في القانون المدني والفقه الإسلامي"، مجلة الرافدين للحقوق، مج 15، العدد 52 (2012)، ص 53-78.
[49] عبد الرزاق عمر جاجان، "العمل التجاري بين النص القانوني والقياس: دراسة نقدية للمادة الثانية من نظام المحكمة التجارية السعودي"، مجلة كلية القانون الكويتية العالمية، مج 8، العدد 29 (2020)، ص 336.
[50] يُنظر: هاني دويدار، الأعمال التجارية بالقياس (القاهرة: دار الجامعة الجديدة، 2004).
[51] عبد الله، ص 65.
[52] تناغو، ص 766.
[53] الصيفي، ص 260-274؛ يُنظر: محمد سليم العوا، تفسير النصوص الجنائية: دراسة مقارنة (الرياض: دار عكاظ، 1981).