الموجز
سيمور مارتن ليبست
غلاف كتاب حول ستين روكان.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
المنعطفات الحرجة (Critical Junctures) مصطلح تعود جذوره إلى أطروحة كلٍّ من
سيمور مارتن ليبست (Seymour Martin Lipset، 1922-2006) وستين روكان (Stein Rokkan، 1921-1979) في كتابهما
النظم الحزبية وتحالفات الناخبين (Party Systems and Voter Alignments: Cross-National Perspectives, 1967)، الذي ركّزا فيه على العلاقة بين
التصدُّعات الاجتماعية (social cleavages) والنظام الحزبي (party system) في
أوروبا، وكيف أثّرت الديناميات الاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها القارّة في النظام الحزبي الذي نشأ في عددٍ من دولها، ولازَمها بعد انتقالها إليه من النظام الإقطاعي.
يعدّ مفهوم المنعطفات الحرجة لبنةً أساسية في بناء
المؤسسية التاريخية (historical institutionalism). وهو جهاز مفاهيمي تبلور في مجال
الاقتصاد المؤسسي (institutional economics)، وقد ارتبط تحليل المنعطفات الحرجة وقضايا
التنمية المؤسسية (institutional development) ارتباطًا واضحًا بالبحث الاقتصادي حول
تبعية المسار (path dependence).
تطرح أدبيات المؤسسية التاريخية نموذجًا مزدوجًا للتنمية المؤسسية لفهم مساراتها. ويتميز هذا النموذج بفترات طويلة نسبيًا من الاستقرار المؤسسي وإعادة الإنتاج المعتمد على المسار، وتتخلّلها أحيانًا مراحل قصيرة من السيولة المؤسسية، يشار إليها بالمنعطفات الحرجة، ويجري خلالها تغيير رئيس ومهم. وتعرِّف هذه الأدبيات المنعطفَ الحرج بأنه "فترة من التغيير الكبير، تحدث في الغالب بطرق مختلفة في بلدان مختلفة (أو في وحدات تحليل أخرى)، ويُفترض أن تُنتج إرثًا متميزًا". وانتقل المفهوم لاحقًا إلى
العلوم السياسية وعلم الاجتماع والتاريخ والقانون والسياسات العامة، واستُخدم أيضًا في مجال
العلاقات الدولية، إذ يُوظف هذا التحليل في فهم بناء
النظام الدولي وتشكيل
السياسة العالمية.
يمكن تقسيم المنعطفات الحرجة إلى خمس مراحل: الفترة السابقة لحدوثها، ومرحلة التصدّع والصدمة، ومرحلة قيامها وتحققها، وآليات إنتاجها، وإرثها وما تخلّفه. إضافة لذلك، فللمنعطف الحرج خمسة عناصر، هي: الظروف السابقة (من ظروف ميسِّرة وظروف إنتاجية)، والتصدع (أو الأزمة)، والإرث، والتفسيرات المتنافسة، والنهاية الحتمية للإرث.
ماهية المفهوم
يعدّ مفهوم المنعطفات الحرجة لبنةً أساسية في بناء المؤسسية التاريخية. وهو جهاز مفاهيمي تبلور في مجال الاقتصاد المؤسسي. وقد ارتبط تحليل المنعطفات الحرجة وقضايا التنمية المؤسسية ارتباطًا واضحًا بالبحث الاقتصادي حول تبعية المسار. ثم انتقل المفهوم أيضًا إلى العلوم السياسية وعلم الاجتماع والتاريخ والقانون والسياسات العامة والعلاقات الدولية.
غلاف كتاب النظم الحزبية وتحالفات الناخبين
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
فعند بعض دارسي المجال، يتجلّى في بناء
النظام الدولي منطقُ المنعطفات الحرجة. فتبرز لحظات تمنح الدول القوية الفرصةَ لوضع مسارات تمضي عليها العلاقات بين الدول، وتَظهر اللحظات التي أعقبت حروبَ القوى العظمى بوصفها نقاطَ تحول رئيسةً: مثل أعوام 1648، و1713، و1815، و1919، و1945[1]. ففي هذه المنعطفات، أتيحت للدول القوية الجديدة فرصٌ استثنائية لتشكيل السياسة العالمية، فقد وجد زعماؤها في أعقاب الحروب، أنفسَهم في مواقف مؤاتية على نحو غير مألوف لطرح قواعد ومبادئ جديدة للعلاقات الدولية، ومن ثمّ، إعادة صياغة النظام الدولي. وتنطوي هذه المنعطفات الحرجة على فرص ومجموعات محددة من المطالب التي تقع على عاتق الدولة المنتصرة. وفي كل لحظة تاريخية، تكون المهمة الأساسية المتمثلة في بناء النظام مطروحة على الطاولة. وعليه، يمكن إرساء قواعد النظام ومؤسساته، ما يؤدي إلى تعزيز مصالح الدولة المنتصرة وحمايتها[2].
كان سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة من المنعطفات الحرجة في التاريخ الحديث
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
طُبّقت نظرية المنعطفات الحرجة تطبيقًا واسعًا على عدد من وحدات التحليل في دول
الشمال العالمي (Global North)، تراوحت بين التحوّل في السياسات أو في النظم الحزبية أو في الأنظمة السياسية. وفي دول
الجنوب العالمي (Global South)، حظيت أميركا اللاتينية بقدرٍ من الدراسات المهمة التي طبَّقت النظرية وطورتها ونالت اهتمامًا من الباحثين، كذلك طُبّقت أيضًا في الدول العربية والأفريقية على عدد محدود من البحوث[3].
تعود جذور مصطلح المنعطفات الحرجة إلى أطروحة كلٍّ من سيمور مارتن ليبست وستاين روكان في كتابهما
النظم الحزبية وتحالفات الناخبين، الذي صدر عام 1967[4]، وركّزا فيه على العلاقة بين التصدُّعات الاجتماعية والنظام الحزبي في أوروبا. وكيف أثّرت الديناميات الاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها أوروبا في النظام الحزبي الذي نشأ في عدد من دولها، ولازَمها بعد انتقالها إليه من النظام الإقطاعي. وقد أرجع الكتاب تشكُّلَ النظم الحزبية في ثلاث دول أوروبية (وهي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا) إلى ثلاثة منعطفات حرجة حدثت في تاريخ سابق[5].
غلاف كتاب «الأصول الاجتماعية للديمقراطية والديكتاتورية»، مترجمًا إلى العربية.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وَرَدَت الفكرة أيضًا في بعض الأعمال الرئيسة للتحليل التاريخي المقارَن في ستينيات القرن العشرين، ومنها كتاب
بارينغتون مور (Barrington Moore Jr، 1913-2005) عن
الأصول الاجتماعية للديموقراطية والديكتاتورية، الذي يشير فيه إلى أن الأنماط المختلفة للزراعة التجارية في مسار عملية التحديث شكّلت نقطةَ تحولٍ تاريخيةً وضعت البلدان على مسارات مختلفة نحو العالم الحديث، فسارت دولٌ نحو
الديموقراطية، على حين آلَت أخرى إلى أنظمة
تسلطية (authoritarian) أو
شمولية (totalitarian)[6].
تفترض حجج سببية عدة في الأدبيات المؤسسية التاريخية نموذجًا مزدوجًا للتنمية المؤسسية، يتميز بفترات طويلة نسبيًّا من الاستقرار المؤسسي وإعادة الإنتاج المعتمد على المسار، وتتخلّلها أحيانًا مراحل قصيرة من السيولة المؤسسية، يشار إليها بالمنعطفات الحرجة، ويجري خلالها تغيير رئيس ومهم. ويؤكد المنطق السببي وراء مثل هذه الحجج التأثير الدائم للخيارات التي اتُّخذت خلال تلك المنعطفات الحاسمة في التاريخ، وتحجب هذه الاختيارات الخيارات البديلة، وتؤدي إلى إنشاء مؤسسات قادرة على توليد عمليات ذاتية التعزيز تعتمد على مسار محدد[7]. ويبرز في هذا التناول
قدرة الفاعلين (agency) على إحداث تغيير،ٍ ما يجعل المنعطف الحرج جامعًا للفعل وللإرادة مع وجود
البنية (structure).
ثمّ تعريفات عدة للمنعطف الحرج، إذ تعرّفه رُوث كولير (Ruth Berins Collier) وديڤيد كولير (David Collier) بأنه "فترة من التغيير الكبير، تحدث في الغالب بطرق مختلفة في بلدان مختلفة (أو في وحدات تحليل أخرى)، ويُفترض أن تُنتِج إرثًا متميزًا"[8]. أما جيوڤاني كابوشيا (Giovanni Capoccia) ودانيال كيلمان (R. Daniel Kelemen) فيعرفانه بأنه وضعٌ تضعف فيه التأثيرات البنيوية[9] على العمل السياسي، إلى حد كبير خلال فترة قصيرة نسبيًّا، وتكون ثم نتيجتان رئيستَان: مجموعة من الخيارات المعقولة المفتوحة، وتوسع كبير لقدرة الجهات السياسية الفاعلة على العمل، ومن المحتمل أن تكون عواقب قراراتها على النتيجة محل الاهتمام ذات تأثير كبير[10].
في إطار المؤسسية التاريخية، يوظَّف مفهوم المنعطف الحرج في تحليل المؤسسات المعتمدة على المسار. إذ يشكّل تحليل تلك المنعطفات جزءًا من حجج تبعية المسار، والتي بموجبها تصبح الترتيباتُ المؤسسية الموضوعة في نقطة معينة من الزمن راسخةً بسبب قدرتها على تشكيل الحوافز وتكريس الموارد للجهات الفاعلة والمجموعات المتأثرة بالتغيرات المجتمعية[11]. فهذا الإطار يناسب دراسة المجالات التي تتسم فيها المؤسسات بقدرتها على الاستدامة، ومثال ذلك أنظمة الأحزاب السياسية وأطر تنظيم الحركات النقابية. وتبرز هنا الأسئلة الآتية: لماذا تنشأ هذه المؤسسات؟ وما الذي يحدث عند المنعطف الحرج؟ وكيف تعمل وتكون قادرة على إدامة ذاتها؟ أي ما الإرث الذي يتركه المنعطف الحرج؟
في المؤسسية التاريخية ثم تفسيرات قائمة على نظرية
التوازن الاجتماعي (social balance)، تُعرف باسم نظرية المنعطف الحرج أو نهج
التوازن المتقطع (punctuated equilibrium) في التعامل مع
التغيُّر الاجتماعي (social change). ويزعم هذا النهج أن التشكيلات المؤسسية الكبرى (institutional arrangements)، مثل إعادة بناء الأنظمة السياسية أو إعادة تشكيل السوق، تحدث في أوقات الأزمات. وفي مثل هذه الفترات، يصبح النظام المؤسسي أكثر مرونةً، إذ تحاول الجهات الفاعلة إيجاد السبل للتعامل مع الأزمة، ويُطور نظام مؤسسي محدد ثم تمر الأزمة. وتكون وحدة التحليل في الغالب بيئة مؤسسية تكون فيها قرارات الفاعلين مقيدة خلال مراحل التوازن، وتكون أكثر حرية خلال مراحل التغيير. وقد تتراوح هذه المؤسسات بين أشكال مختلفة، مثل منظمة واحدة (مثل حزب سياسي أو اتحاد أو شركة)، أو التفاعل بين منظمات (من قبيل النظام الحزبي أو العلاقات بين فروع الحكومة)، أو سياسة عامة، أو النظام السياسي بوصفه كلًا[12].
يشير مصطلح المنعطفات الحرجة إلى حدث أو إلى سلسلة من الأحداث، غالبًا ما تكون خارجية نسبة إلى المؤسسة المعنية، تؤدي إلى مرحلة من
عدم اليقين السياسي (political uncertainty)، إذ تكون الخيارات المختلفة للتغيير المؤسسي الجذري قابلة للتطبيق. وتحدد الظروف السابقة مجموعة البدائل المؤسسية المتاحة لصنّاع القرار، لكنها لا تحدد البديل المختار. ويؤدي اللجوء إلى أحد هذه الخيارات إلى توليد إرث مؤسسي طويل الأمد[13]. ويرى
ستيڤن كراسنر (Stephen D. Krasner) أن التغيير المؤسسي هو تغيير عرَضي ودراماتيكي، وليس مستمرًا ومتزايدًا، وتشكّل الأزمات أهميةً مركزية في حدوثه، ثم يُورِد تعريف
ستيڤن سكورونيك (Stephen Skowronek) للأزمة بأنها "حدث متقطع ومزعج يتحدى فجأة قدرة الدولة على الحفاظ على السيطرة، ويغير الحدود التي تحدد الاستخدام المشروع للإكراه"[14]. وخلال فترات الأزمات، تتحول السياسة إلى صراع حول القواعد الأساسية للعبة بدلًا من تخصيص الموارد ضمن مجموعة معينة من القواعد. وفور انتهاء الأزمات، تميل الترتيبات المؤسسية إلى الاستقرار[15].
مراحل المنعطفات الحرجة
يمكن تقسيم المنعطفات الحرجة إلى خمس مراحل[16]: الفترة السابقة لحدوثها، ومرحلة التصدّع والصدمة، ومرحلة قيامها وتحققها، وآليات إنتاجها، وإرثها وما تخلّفه.
تُعزَى الفترة السابقة لحدوث المنعطف الحرج، وهي المرحلة الأولى، إلى أسباب مختلفة سياسية واقتصادية واجتماعية، وقد تشمل منعطفات حرجة حدثت في فترات سابقة. ويدور بين دارسي المنعطفات الحرجة نقاشٌ حول ما إذا كانت الفترة السابقة للمنعطف تشير إلى احتمالية حدوث المنعطف الحرج، أم أن حدوثه أمرٌ حتمي، وهو ما سيؤثر في شكل المنعطف الحرج وطبيعته.
وتأتي المرحلة الثانية، وهي التصدّع أو الصدمة. ويُنظر إلى المنعطف الحرج على أنه ناتج من تصدع اجتماعي أو سياسي رئيس، مثل وقوع تصدع بين المركز والهامش، أو بين ملاك أرض وأصحاب الصناعة، أو بين أصحاب الأعمال والأُجراء. وفي بعض الحالات قد ينتج من صدمة، مثل الأزمة المالية في الثمانينيات أو هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001. هنا، قد يحدث خلط بين الفترة السابقة للمنعطف الحرج وبين حدوث المنعطف ذاته. فأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لا تمثّل منعطفًا حرجًا، لكن ما حدث بعدها هو المنعطف الحرج. وحدوث أزمة أو صدمة ليس أمرًا ضروريًا لتحقُق المنعطف الحرج، فقد يحدث دون قيام أزمة أو صدمة.
أما المرحلة الثالثة، وهي مرحلة تحقُّق المنعطف الحرج، فتشير إلى حدوث تحوّل مؤسسي يُنتج أثرًا مستمرًا، مثل إعادة ترتيب العلاقة بين المؤسسات الدينية والدولة، أو تأسيس بنية جديدة للنقابات العمالية. وهنا تثار مسألة ما إذا كان التحوّل شاملًا أم جزئيًا، وما إذا كان ناتجًا من عوامل احتمالية أم حتمية.
وأما في المرحلة الرابعة فتتبدّى الآليات التي يُنتَج عبرها المنعطف الحرج في أشكال مختلفة، مثل الانتقال مباشرةً إلى واقع جديد مستمر أو عبر تسلسل تفاعلي معقد (complex reactive sequence) أو من خلال غلة متزايدة (increasing returns).
وتشير المرحلة الخامسة إلى قيام مؤسسات مستقرة. وتكمن مصادر الاستقرار التي تؤدي إلى استمرار المؤسسات في المفاهيم السببية الآتية: البنية السببية ذاتية التكرار، والتجميد، والتقييد، واللزوجة، وتبعية المسار. وتبرز هنا أسئلة تتعلق بالمدى الزمني المطلوب لاستقرار الإرث المؤسسي، ومدى عدّ عدم الاستقرار المزمن الذي تتسم به بعض المجتمعات إرثًا مستقرًا.
عناصر المنعطفات الحرجة
حددت رُوث كولير وديڤيد كولير خمسة عناصر ينبغي أن تتوفّر في المنعطف الحرج، وهي:
أولًا: الظروف السابقة، وتمثل خط الأساس الذي تقيّيم على أساسه المرحلة الحرجة والإرث. ثانيًا: التصدع (أو الأزمة)، الذي ينشأ عن الظروف السابقة ويؤدي بدوره إلى حدوث المنعطف الحرج. ثالثًا: مكونات الإرث، وهي: آليات إنتاج الإرث. وغالبًا لا يتبلور الإرث فورًا بعد المنعطف الحرج، بل يتشكل من خلال سلسلة من الخطوات المتداخلة. وآليات إعادة إنتاج الإرث، فاستقرار الإرث ليس نتيجة تلقائية، وإنما يتحقق من خلال العمليات المؤسسية والسياسية المستمرة. واستقرار السمات الأساسية للإرث، أي السمات الأساسية التي نتجَت من المنعطف الحرج. رابعًا: التفسيرات المتنافسة، وتضمّن أسبابًا ثابتة تمثل نوعًا من تلك التفسيرات التي يجب أخذها في الحسبات. خامسًا: النهاية الحتمية للإرث، التي لا بد أن تحدث في وقت ما[17].
وفيما يتعلق بالظروف، يميّز
هيليل ديڤيد سوفير (Hillel David Soifer) بين نوعين من الظروف السببية العاملة في أثناء تبلور المنعطف الحرج: الظروف الميسّرة، التي تخفِّف القيود البنيوية وتجعل التغيير ممكنًا، والظروف الإنتاجية، التي تحقِّق -في وجود الظروف الميسّرة- النتيجةَ أو مجموعةَ النتائج التي يُعاد إنتاجها بعد اختفاء الظروف الميسّرة ووصول المنعطف إلى نهايته[18].
وفي أي منعطف حرج يمكن تحديد مجموعة من الأوضاع الميسرة التي تسمح بقيامه وتسهم في تحديد مدته، ويمكن تعريف تلك الأوضاع بأنها تلك العوامل أو الظروف التي تغيِّر السياق الأساسي بما يزيد من قدرة الفاعلين على الحركة وترفع من احتمالات التباعد عن المؤسسة القائمة. وفي وجود الأوضاع الميسرة للإنتاج، تبرز القدرة على تحديد مخرجات المنعطف الحرج. وتعرّف الأوضاع الميسرة بأنها تشمل عناصر المنعطف الحرج التي تشكّل المخرجات الأولية عبر عدد من الحالات[19].
إضافةً لما سبق، تعد الاحتمالية من العناصر الأساسية في تحليل المنعطفات الحرجة. يقول
جيمس ماهوني (James Mahoney) إن "عمليات الاختيار في أثناء المنعطف الحرج تتسم بالاحتمالية [...] التي تشير إلى عدم قدرة النظرية على التنبؤ أو على تفسير حدوث نتيجةٍ معينة، سواء أكان حتميًا أم احتماليًا"[20]. أي إنه في تسلسل يعتمد المسار، ويعد الحدث الأول الذي يحرك سلسلةَ ردود الفعل الإجماليةَ قد تحقَّق تحققًا احتماليًا. ويضيف ماهوني إلى أن "الحدث العرَضي هو حدث لم يكن من المتوقع حدوثه، بالنظر إلى بعض الرؤى النظرية لكيفية تفاعل العمليات السببية. وعلى الرغم من أن بعض المحللين يتصورون الحدثَ العرَضي نوعًا من التباين غير المنهجي المتأصل في العالم، والذي لا يمكن من حيث المبدأ استبعادُه من النظريات السببية، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن الحدث العرَضي هو حدث غير متوقع"[21].
قضايا في تحليل المنعطفات الحرجة
يثير تحليل المنعطفات الحرجة عددًا من القضايا على النحو الآتي[22]:
- الفرضيات حول كيفية حدوث المنعطف الحرج، لأن ثمّ تباينًا ملحوظًا في كيفية حدوثه في حالات مختلفة.
- كم من الوقت يستمر المنعطف الحرج؟ فقد تتراوح المنعطفات الحرجة ما بين التحولات السريعة نسبيًّا -مثل لحظات التغيير البنيوي الكبير- إلى فترة ممتدة قد تتوافَق مع مدة رئاسية واحدة أو أكثر، أو فترة سياسة طويلة، أو فترة نظام مطوّلة.
- أزمة أم تصدّع؟ وهنا ينصب التركيز على نحو خاص على التوترات التي تؤدي إلى المنعطف الحرج. والسبب في ذلك أن هذه الانقسامات يُنظر إليها على أنها تُنتِج المنعطف الحرج أو تُفرِزه
- تحديد الإرث التاريخي، إذ لا يمكن تحديد أهمية المنعطف الحرج أو عدم أهميته، عمومًا، بل يجب تناوله بالإشارة إلى إرث تاريخي محدد.
- مدة الإرث: عند تحليل إرث المنعطف الحرج، من المهم أن يُدرك أن أيّ إرثٍ لا يدوم إلى الأبد.
- مقارنة المسار الجديد بالنظام القديم: وهذا يتطلّب تقييم الاستمرارية والتغيير.
- نوع التفسير: وهنا توضع الأسباب الثابتة مقابل الأسباب التاريخية[23].
- التفسيرات المتنافسة: هي التي تشير إلى وجود أسباب ثابتة تُنافِس المنعطف الحرج في تفسير الظاهرة.
- مشكلة التفسير الجزئي: تشير إلى أن الفرضية لديها القدرة على تقديم تفسير جزئي على الأقل.
نقد المنعطفات الحرجة
كاثلين ثيلين
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وجهت كاثلين ثيلين (Kathleen Thelen) انتقادًا مهمًا للمنعطفات الحرجة المستندة إلى تصور التوازن المتقطّع، القائم على فترة طويلة من الاستقرار المؤسسي تعقبه فترة قصيرة من السيولة المؤسسية، وتكون بسبب صدمة أو أزمة من خارج الإطار المؤسسي تؤدي إلى فتح الباب أمام الفاعلين لابتكار مؤسسات جديدة. وترى ثيلين أن التحليل المؤسسي التاريخي يفصل بين قضايا الابتكار المؤسسي، إذ تبرز مؤسسات جديدة، وقضايا إعادة إنتاج المؤسسات. ووفقًا لهذا المنظور، تسهم النظرية في فهم الاستقرار فقط، لكن دورها محدود في توسيع إدراك الإنسان لعمليات التغيير[24].
لذا، ترى ثيلين أن التغيير الحقيقي والممكن هو ذلك التغيير التدريجي (incremental change) الذي يتراكم مع مرور الوقت فيُحدِث تحوّلات مؤسسية، ومن ثمّ، لا ترى أهميةً في التطلّع إلى تلك اللحظات المفصلية (big-bang moments)، مثل الأزمة المالية العالمية، وانتظار أنها ستدفع إلى إحداث تغييرات مؤسسية وبنيوية[25]. فتلك المنعطفات الحرجة، وفقًا لهذه الرؤية، هي نتيجة تراكم لحظات تغيير تدريجي عدّة.
المراجع
العربية
مور، بارينجتون.
الأصول الاجتماعية للديموقراطية والديكتاتورية: اللورد والفلاح في صنع العالم الحديث. ترجمة أحمد محمود. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008.
الأجنبية
Capoccia, Giovanni & R. Daniel Kelemen. “The Study of Critical Juncture: Theory, narrative, and Counterfactuals in historical institutionalism.”
World Politics. vol. 59, Issue. 3 (2007), pp. 341-369.
Collier, Ruth Berins & David Collier.
Shaping the Political Arena: Critical Junctures, the Labor Movement and Regime Dynamics in Latin America. 2nd ed. Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 2002.
Collier, David & Gerardo L. Munck. “Building Blocks and Methodological Challenges: A Framework for Studying Critical Junctures.”
Qualitative & Multi-Method Research. vol. 15, no. 1 (2017), pp. 2-9.
Fioretos, Orfeo, Tulia G. Falleti & Adam Sheingate (eds.).
The Oxford Handbook of Historical Institutionalism. Oxford: Oxford University Press, 2016.
Krasner, Stephen D. “Review: Approaches to the State: Alternative Conceptions and Historical Dynamics.”
Comparative Politics. vol. 16, no. 2 (1984), pp. 223-246.
Lipset, Seymour Martin & Stein Rokkan (eds.).
Party Systems and Voter Alignments: Cross-National Perspectives. New York: The Free Press; London: Collier-Macmillan Limited, 1967.
Mahoney, James.
The Legacies of Liberalism: Path Dependence and Political Regimes in Central America. Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press, 2001.
Mahoney, James & Kathleen Thelen (eds.).
Advances in Comparative-Historical Analysis. Cambridge: Cambridge University Press, 2015.
Mahoney, James & Dietrich Rueschemeyer (eds.).
Comparative Historical Analysis in the Social Sciences. Cambridge: Cambridge University Press, 2003.
Mahoney, James. “Path Dependence in Historical Sociology.”
Theory & Society. vol. 29 (2000), pp. 507-548
Paxton, Will & Kathleen Thelen. “Juncture interview: Kathleen Thelen on liberalisation.”
IPPR. 16/12/2013. accessed on 20/08/2025 at:
https://acr.ps/hByaQvB
Reyntjens, Filip. “Path dependence and critical junctures: three decades of interstate conflict in the African great lakes region.”
Conflict, Security & Development. vol. 20, no. 2 (2020), pp. 1-16.
Soifer, Hillel David. “The Causal Logic of Critical Junctures.”
Comparative Political Studies. vol. 45, no. 12 (2012), pp. 1572-1597.
Tadros, Mariz. “A political settlements lens onto Egypt’s critical junctures and cyclic violence (2011-2014).”
Conflict, Security & Development. vol. 17, no. 3 (2017), pp. 265-286.
Thelen, Kathleen. “Historical Institutionalism in Comparative Politics.”
Annual Review of Political Science. vol. 2 (1999), pp. 369-404.
[1] فهذه السنوات هي السنوات التي أعقبَت عددًا من الحروب الكبرى، وهي: حرب الثلاثين عامًا (1618-1648) التي انتهت بصلح وستفاليا، وحرب الخلافة الإسبانية (1701-1713) التي انتهت بمعاهدة أوترخت، والحروب النابوليونية (1803-1815) التي انتهت بهزيمة نابوليون بونابرت في معركة واترلو وتوقيع معاهدة باريس الثانية، والحرب العالمية الأولى (1914-1918) التي انتصر فيها الحلفاء وأدت إلى تفكك الإمبراطوريات الألمانية والروسية والعثمانية والنمساوية-المجرية وتقسيم الشرق الأوسط إلى دول عدة، ثم تأسست عصبة الأمم، والحرب العالمية الثانية (1939-1945)، وفيها انتصر الحلفاء وتفككت الإمبراطورية الألمانية، مع بروز حالة من التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ثم تأسست الأمم المتحدة.
[2] G. John Ikenberry, “The Rise, Character, and Evolution of International Order,” in: Orfeo Fioretos, Tulia G. Falleti & Adam Sheingate (eds.),
The Oxford Handbook of Historical Institutionalism (Oxford: Oxford University Press, 2016), pp. 538-552.
[3] ينظر على سبيل المثال:
Ruth Berins Collier & David Collier,
Shaping the Political Arena: Critical Junctures, the Labor Movement and Regime Dynamics in Latin America, 2nd ed. (Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 2002); James Mahoney,
The Legacies of Liberalism: Path Dependence and Political Regimes in Central America (Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press, 2001).
وفي الدول العربية والأفريقية، يُنظر:
Mariz Tadros, “A political settlements lens onto Egypt’s critical junctures and cyclic violence (2011-2014),”
Conflict, Security & Development, vol. 17, no. 3 (2017), pp. 265-286; Filip Reyntjens, “Path dependence and critical junctures: three decades of interstate conflict in the African great lakes region,”
Conflict, Security & Development, vol. 20, no. 2 (2020), pp. 1-16.
[4] Seymour Martin Lipset & Stein Rokkan (eds.),
Party Systems and Voter Alignments: Cross-National Perspectives (New York: The Free Press; London: Collier-Macmillan Limited, 1967).
[5] Ibid., pp. 37-38.
وهذه المنعطفات الحرجة هي: الإصلاح الديني (Reformation) في القرن السادس عشر في ألمانيا، و"الثورة الديمقراطية" التي أعقبت الثورة الفرنسية عام 1789، والثورة الصناعية في بريطانيا خلال القرن الثامن عشر والتاسع عشر.
[6] بارينجتون مور،
الأصول الاجتماعية للديموقراطية والديكتاتورية: اللورد والفلاح في صنع العالم الحديث، ترجمة أحمد محمود (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008).
[7] Giovanni Capoccia & R. Daniel Kelemen, “The Study of Critical Juncture: Theory, narrative, and Counterfactuals in historical institutionalism,”
World Politics, vol. 59, Issue. 3 (2007), pp. 341-369.
[8] Collier & Collier, p. 29.
[9] أي الاقتصادية والثقافية والأيديولوجية والتنظيمية.
[10] Capoccia & Kelemen, p. 343.
[11] Giovanni Capoccia, “Critical Junctures and Institutional Change,” in: James Mahoney & Kathleen Thelen (eds.),
Advances in Comparative-Historical Analysis (Cambridge: Cambridge University Press, 2015), p. 147-179.
[12] Capoccia & Kelemen,
op. cit.
[13] Capoccia, p. 151.
[14] للاطلاع على التعريف، يُنظر:
Stephen D. Krasner, “Review: Approaches to the State: Alternative Conceptions and Historical Dynamics,”
Comparative Politics, vol. 16, no. 2 (1984), pp. 223-246.
[15] Ibid.; Capoccia & Kelemen, p. 349.
[16] David Collier & Gerardo L. Munck, “Building Blocks and Methodological Challenges: A Framework for Studying Critical Junctures,”
Qualitative & Multi-Method Research, vol. 15, no. 1 (2017), pp. 2-9.
[17] Collier & Collier, pp. 30-31.
[18] Hillel David Soifer, “The Causal Logic of Critical Junctures,”
Comparative Political Studies, vol. 45, no. 12 (2012), pp. 1572-1597.
[19] Ibid., pp. 1574-1575.
[20] James Mahoney, “Path Dependence in Historical Sociology,”
Theory & Society, vol. 29 (2000), pp. 507-548
[21] Ibid.
[22] Collier & Collier, pp. 31-38.
[23] يشير السبب الثابت إلى أنه يحدث دائمًا، عامًا بعد عام، ونتيجةً لذلك يمكن ملاحظة الاستمرارية النسبية في المُخرَج الذي ينتجه هذا السبب. أما السبب التاريخي فإنه يشير إلى مجموعة معينة من الأسباب التي تشكّل نتيجة معينة أو إرثًا في نقطة أو فترة معينة، وبعد ذلك يتكرر النمط الذي أنشئ دون أن يتكرار السبب الأصلي. لمزيد من التفصيل، يُنظر:
Ibid.
[24] Kathleen Thelen, “Historical Institutionalism in Comparative Politics,”
Annual Review of Political Science, vol. 2 (1999), pp. 369-404; Kathleen Thelen, “How Institutions Evolve: Insights from Comparative Historical Analysis,” in: James Mahoney & Dietrich Rueschemeyer (eds.),
Comparative Historical Analysis in the Social Sciences (Cambridge: Cambridge University Press, 2003), pp. 208-240.
[25] Will Paxton & Kathleen Thelen, “Juncture interview: Kathleen Thelen on liberalisation,”
IPPR, 16/12/2013, accessed on 20/08/2025 at:
https://acr.ps/hByaQvB