موجز
المؤسسية (Institutionalism) هي مقاربة نظرية في العلوم الاجتماعية والسياسية تُعنى بدراسة المؤسسات وتأثيراتها العميقة في تشكيل البنى المجتمعية، والنظم السياسية، وتوجهات الفاعلين، حيث تُفهم المؤسسات بوصفها ترتيبات اجتماعية مستدامة نسبيًا تتحكم بالسلوك البشري وتوجهه بما يتوافق مع منظومات قيمية محددة، وهي تلعب دورًا حاسمًا في توزيع الموارد المادية والرمزية وتحديد المسارات الممكنة للفعل الاجتماعي ضمن أطر منضبطة ومستقرة.
تهدف النظريات المؤسسية إلى إبراز الدور المزدوج والمعقد للمؤسسات؛ فهي من جهة صنيعةُ الفاعلين الاجتماعيين ونتاج تفاعلاتهم وتوافقاتهم التاريخية، وهي من جهة أخرى قيدٌ بنيوي صارم يحدد نطاق حركتهم ويشكل هوياتهم ومصالحهم، مما يجعل السياسة في جوهرها ممارسات منضبطة تستلهم نظامًا معياريًا وليد السياقات المؤسسية التي تمنح الحياة العامة طابع التوقع والاستمرار. وقد شهدت هذه المقاربة تطورًا تاريخيًّا طويلًا بدأ بما يُعرف اليوم بـ "المؤسسية القديمة" التي ركزت على وصف البنى الرسمية والقانونية للدولة، مثل الدساتير والبيروقراطيات، متأثرةً بالمنطق
الڤيبيري {{نسبةً إلى عالِم الاجتماع الألماني ماكس ڤيبر.}} والنزعة التطورية التي رأت أن بقاء المؤسسة رهينٌ بقدرتها على التكيف الوظيفي، إلا أنها تراجعت مع صعود "المدرسة السلوكية" التي فضلت تحليل السلوك الفردي والجماعي الإمبيريقي، قبل أن تنبعث "المؤسسية الجديدة" في ثمانينيات القرن العشرين كاستجابة للاختزالية السلوكية، متبنّيةً رؤية أوسع تشمل القواعد غير الرسمية كالأعراف والتقاليد.
دوغلاس نورث
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تتميز المؤسسية بتشعّبها إلى مدرستين رئيستين: "مؤسسية الخيار العقلاني" (أو "المؤسسية العقلانية) التي تنظر للمؤسسات بوصفها قواعد للعبة تهدف لحل معضلات الفعل الجمعي، و"المؤسسية التاريخية"، التي تشدّد على أن المؤسسات هي نتاج مسارات تاريخية عريقة، حيث تؤدي القرارات المتخَذة في "المنعطفات الحرجة" إلى تثبيت مسارات يصعب التراجع عنها، مما يفسر استمرارية المؤسسات حتى لو فقدت كفاءتها الوظيفية.
وتختلف المؤسسية الجديدة عن القديمة في نزعها صفة العقلانية المطلقة عن المؤسسات، فهي تراها أحيانًا "طقوسًا وأساطير" تهدف لانتزاع الشرعية الاجتماعية أكثر من الكفاءة التقنية الصرفة، وتعتبر وظيفتها الأساسية هي كبح عقلانية الفاعلين وتقليص خياراتهم عبر الأعراف والتفاهمات التي تتجاوز القوانين المكتوبة. وفي هذا الإطار، ساهم رواد مثل
دوغلاس نورث {{Douglass C. North، 1920-2015}} في تعميق الفهم بتمييزه بين المؤسسات بوصفها قواعد والمنظمات بصفتها فاعلين، موضحًا أن المؤسسات قد تستمر رغم عدم كفاءتها بسبب نقص المعلومات والبنى العقلية الموروثة التي تحول دون التغيير الجذري، كما تبرز مفاهيم مثل "التجانس المؤسسي"، الذي يفسر كيفية تبنّي المؤسسات هياكل متشابهة سعيًا للشرعية بدلًا من الكفاءة.
تمثل المؤسسية الجديدة أرضية وسطى تجمع بين العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية، مما أعاد الاعتبار لقوة الدولة وتأثير السياسات العامة، جاعلةً من التحليل المؤسسي أداة محورية لفهم التفاعل المعقد بين الفاعلية البشرية والقيود البنيوية، ومفسرةً كيف تظل القواعد الثابتة هي المحرك الصامت للتفاعلات السياسية والاجتماعية الكبرى في العالم المعاصر، وكيف تسهم في تشكيل استقرار النظم الديمقراطية وتوزيع القوة داخل المجتمعات الحديثة عبر شبكات معقدة من التفاعلات الرسمية وغير الرسمية التي ترسم ملامح المستقبل السياسي.
تعريفها ومدارسها
يمكن تعريف المؤسسية بأنها مقاربة نظرية تُعنى بدراسة المؤسسات وتأثيرها في المجتمع والعلاقات الإنسانية، والنظم السياسية وخيارات الفاعلين. تنظر المنهجية المؤسسية إلى المؤسسات بوصفها ترتيبات اجتماعية مستدامة نسبيًا، تتحكم بالسلوك البشري بما يتوافق مع قيم محددة، وتؤثر في توزيع الموارد، وتسهم في تحديد خيارات الفاعلين. وتهدف النظريات المؤسسية إلى فهم المؤسسات واستقرارها وتحوّلاتها، مع تسليط الضوء على الدور المزدوج للمؤسسة، بوصفها صنيعة الفاعلين الاجتماعيين وقيدًا عليهم في الآن نفسه، أمّا السياسة من منظور المدارس المؤسسية المختلفة، فهي في أكثر مستوياتها تجريدًا، ممارسات منضبطة تستلهم نظامًا معياريًا وليد السياقات المؤسسية[1].
يشيع التحليل المؤسسي في مختلف حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية، بما فيها فروع علم السياسة، ويوظف باحثون كثر التحليلَ المؤسسي من دون أن يشيروا إليه أو يعرّفوه باسمه، ومن دون أن يكونوا باحثين مؤسسيين، غير أن الباحث المؤسسي (institutionalist) هو الباحث الذي ينطلق في منهجه البحثي، من أن الفاعلية (agency) تكمُن أساسًا في تشكيل الأطر المؤسسية، أو في تفاعل الفاعلين فرادى وجماعات معها[2].
وقد بدأت النظرية المؤسسية، المعروفة اليوم بـ "المؤسسية القديمة"، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، بوصفها فرعًا مستقلًا من علم السياسة، وعُنيت بدراسة منشأ المؤسسات العامة الرسمية والبيروقراطيات، والنُظم والأجهزة الإدارية العامة والخاصة، وتكيفها مع بيئتها أو مجتمعاتها المحلية، والتمييز بينها قانونيًا ودستوريًا، وأولت عناية خاصة بالقَوْنَنَة والتشريع ودواعيه، عداك عن التمييز بين المؤسسات وأشكال التنظيم الأخرى، وبلغت ذروة تطورها النظري عشية
الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، مع أعمال فيليب سيلزنك. وقد تأثرت المؤسسية القديمة بالتقليد الڤيبري، وعدت المؤسسات السياسية الحديثة بنًى عقلانية وظيفية[3]، وسيطرت عليها النزعة الداروينية، بمعنى أن ما يحكم مصير المؤسسات هو ما يحكم الكيانات الحية: إمّا التكيّف أو الانقراض[4].
أما المقاربة المؤسسية اليوم، أو ما عُرف في نهايات القرن الماضي بالمؤسسية الجديدة، فقد نزعت عن المؤسسات عقلانيتها، وعقّدت مفهومها ووسعته، فأصبحت توازنات ناجمة عن البنى والمؤسسات (institutional equilibrium)، تتوسّط اختيارات (preferences) الفاعلين وأذواقهم، فُرادَى أو جماعات من جهة، وخياراتهم (choices) من جهةٍ أخرى[5].
يهيمن على دراسة المؤسسات في علم السياسة مدرستان: الأولى هي مؤسسية الخيار العقلاني، أو
المؤسسية العقلانية (Rational Choice Institutionalism)، التي تنطلق من مبدأ نفعية الأفراد وعقلانيتهم، وترى المؤسسات بوصفها منظومة توازنات، والتحولات المؤسسية بوصفها تعديلًا على التوازنات أو انتقالًا من توازنٍ إلى آخر؛ أمّا الثانية فهي المؤسسية التاريخية، التي تنطلق من مبدأ المُلاءَمة (appropriateness) والرضا، وترى المؤسسات بوصفها إرثًا لعمليات تاريخية عريقة، والتحولات المؤسسية بوصفها انتقالات وليدةَ مزيجٍ من الفاعلية البشرية والمصادفات[6].
المؤسسية القديمة والجديدة
برزت "المؤسسية القديمة"، بوصفها فرعًا من فروع
علم السياسة، مع نهاية عصر الإمبراطوريات، ورسوخ
الدولة الحديثة وانتشارها في أواخر القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين. انشغل باحثو علم السياسة والإدارة العامة الأوروبيون، بإنتاج أبحاث دستورية تُعنى بوصف خرائط المؤسسات الرسمية للحكومة والدولة الحديثة ورسمها، سواء أكان ذلك في بلدانٍ محددة أم على أساس مقارن، وركّز هذا النوع من الأبحاث المؤسسية، الذي تأثر بالتطورية الداروينية، على وصف البنى الرسمية والقانونية والإدارية، للحكومة والقطاع العام وفهمها ومنطق تطورها، بما يشمل كذلك أجهزة الحكومة المحلية، ولاقى رواجًا كبيرًا بين السياسيين وكبار الموظفين، ليس في أوروبا فحسب، بل كذلك بين نظرائهم في دول الجنوب في مرحلة الاستعمار وما بعده[7].
تلقى هذا الاتجاه البحثي دفعة إضافية في مرحلة ما بين الحربين العالميتين، لا سيما مع بروز نموذج الدولة
الاشتراكية في مقابل الدولة
الرأسمالية، وتعدد نماذج الإدارة العامة في الدول الرأسمالية والاشتراكية نفسها. كان الغرض الأساسي للمؤسسية، فهم العلاقة بين الخصائص المؤسسية (characters) من ناحية أولى، والكفاءة (competence) من ناحية ثانية، والقيمة المجردة (value) من ناحية ثالثة. بهذا المعنى، تتبّع التقليد المؤسسي (القديم) ظهور أشكال وعمليات واستراتيجيات، وقوانين وأنماط وكفاءات إدارية محددة، استجابةً للبيئات الداخلية والخارجية. وعُرّفت المأسسة (institutionalization)، بحسب أحد المؤسسيين القدامى، بتولّد نمط منظم ومستقر ومتكامل اجتماعيًا، من أنشطة غير مستقرة أو غير منظمة، أو ذات طابع تقني محدود، وتحوّل هذا النمط إلى قيمة قائمة بذاتها تتجاوز المتطلبات التقنية المحلية، على النحو الذي يمكن فيه أن يقبل في بيئاتٍ أخرى غير تلك التي نشأ فيها[8]. ومعيار التمييز بين المأسسة وبين أشكال التنظيم الأخرى (organization)، هو قابلية الارتحال والاستخدام من مكانٍ إلى آخر، أي الاستعداد للتبني أو التخلّي أو التغيير، استجابةً لظروف أو متطلبات جديدة.
من وجهة نظر الأدبيات الشارحة للمؤسسية الجديدة اليوم، تجاهل قُدامى المؤسسيين الثقافة والمجتمع، لا سيما الدور الذي تؤديه العلاقات غير الرسمية، والأعراف والأساطير والأديان والأيديولوجيا وغيرها، في استقرار المؤسسات وتحوّلاتها أو انهيارها، كذلك فإنها لم تولِ أهمية للتفسير والبناء النظري، واستغرقت بالوصف والتمييز، غير أنَّ هذا النقد الشائع في الأدبيات المدرسية الخاصة بالمؤسسية، لا يخلو في الواقع من تعسّف، فقد كان منظرو المؤسسية القدامى واعين بدور الثقافة والمجتمع في نجاح عمليات المأسسة، ومدركين لأهمية الأساطير والأعراف لاستمرارية المؤسسات[9]، ولكنهم حصروها بالتنشئة الاجتماعية (socialization)، التي يستبطن من خلالها الأفراد أو المجموعات احترام المؤسسات وإطاعتها، أو التمرّد عليها[10]. وحتى في نظرية المأسسة لدى
ماكس ڤيبر {{Max Weber، 1864-1920}}، الذي استلهمه المؤسسيون القدامى، تقف خلف الولاءات الحديثة في البيروقراطيات قيمٌ ذات علاقة بالثقافة[11].
والحال أن موجة الأبحاث الأولى، التي عُرّفت بأثرٍ رجعي، وتحديدًا منذ منتصف الثمانينيات، بوصفها تيارًا مجددًا، عدّت نفسها استمرارية للمؤسسية القديمة، وتجاهلت نقاط الاختلاف، قبل أن تقود حوارات الباحثين المؤسسيين الجدد، وتواصلهم فيما بينهم وعقدهم المؤتمرات العلمية، إلى عد أنفسهم تيارًا جديدًا في دراسة النظم الاجتماعية[12]. وينبغي الإضافة أيضًا أنّ جيل المؤسسيين القدامى كان أكثر تقيّدًا في تلك المرحلة بالحدود بين الاختصاصات، بتضييق نطاق اختصاصهم في دراسة المؤسسات الحديثة، فتركوا دراسة المجتمع والثقافة لحقول أخرى.
السلوكية والمصادر النظرية للمؤسسية الجديدة
تراجعت المؤسسية القديمة في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتراجع وصف الترتيبات المؤسسية ومسائل الشرعية القانونية إلى مجالات ضيقة، شملت أساسًا الدراسات الدستورية والإدارة العامة، فقد شككت الحرب بالتصورات العقلانية عن المؤسسات، فالدول التي تشن الحرب هي مؤسسات، ويُفترض أن تكون بيروقراطيات عاقلة. وقد فسح هذا المجال في الخمسينيات والستينيات، لهيمنة مدرسةٍ أخرى أميركية في علم السياسة، هي
المدرسة السلوكية، التي كانت، بحسب
روبرت دال {{Robert A. Dahl، 1915-2014}}، حركةً احتجاجية أكاديمية على علم السياسة الأوروبي، دعت إلى التركيز على الجوانب الإمبيريقية من السياسة وتحويلها إلى علمٍ تجريبي[13].
روبرت دال
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
همّش السلوكيون دور المؤسسات، وجادلوا بدلًا من ذلك بأن السلوك السياسي ومصادر السلطة السياسية، مستمدة في المقام الأول من خيارات الأفراد العقلانية وجماعات المصالح، وأنهما يتحددان من خلال العلاقات بين الفاعلين داخل مؤسسات الدولة من ناحيةٍ أولى، وبينهم وبين الفاعلين في المجتمع من ناحيةٍ أخرى. وطوّر السلوكيون موقفًا يتجنّب الحدس العلمي، ويركز على الملاحظة التجريبية، لا على التحليل النظري، مجادلين بأن موضوع العلوم السياسة، لا بد أن يقتصر على الظواهر التي يمكن ملاحظتها وقياسها كميًا بشكل مستقل، وأن دراسة السياسة يجب أن تبدأ من المجتمع والثقافة والرأي العام. لقد حوّل السلوكيون بذلك التركيز من الهياكل والبنى الرسمية والإدارية إلى جماعات الضغط، والسلوك السياسي الفردي، والتوزيع غير الرسمي للسلطة، عادِّين المؤسسات "أوعيةً فارغة يجري ملؤها بالأدوار والحالات والقيم الفردية"[14].
ليس من الصعب ملاحظة أن التشديد على فاعلية الأفراد، الذي عدّه نقّاد السلوكية مبالغًا فيه، كان في جانبٍ منه رد فعل أيديولوجي على الاتجاهات الماركسية، المفرطة في تقدير البنى الكبرى كالطبقات، التي لم تنشط في دول المعسكر الاشتراكي وفي دول
الجنوب العالمي فحسب، ولكن أيضًا في الأوساط الجامعية والفكرية الأوروبية والأميركية المتأثرة باليسار. وثمة من يعزي صعود السلوكيين أساسًا إلى تقاطع اهتمامات علماء السياسة من ناحية، ومصالح الحكومة الأميركية والهيئات العامة من ناحية أخرى، لا سيما بعدما تنامت حاجة الأجهزة الرسمية إلى بياناتٍ موثوقة ومفسّرة علميًا، تمكن المسؤولين من فهم جذور المشاكل الاجتماعية، والوطنية والعالمية المختلفة، والتنبؤ بالنتائج والتغيرات المستقبلية[15]. وقد كان من ثمرة هذا التقاطع، أن تبوأ كثير من السلوكيين مناصب مهمة في المجالس العلمية (councils)، واللجان الأكاديمية، التي أخذت على عاتقها تعزيز حضور المقاربات السلوكية في علم السياسة والعلوم الاجتماعية عمومًا[16].
غير أن السلوكية في علم السياسة سرعان ما تراجعت بعد عقدين من ازدهارها في الغرب. وعلى الرغم من تحقيقها نجاحات كثيرة، لا سيما في دراسات الرأي العام واتجاهات التصويت والانتماء والثقافة السياسية والتنبؤ العلمي، فإنها أظهرت قصورًا في فهم التحولات على المدى الطويل، وواجهت السلوكية كذلك معضلات كثيرة مع تراجع قوة
الأحزاب السياسية في الدول الغربية، وعزوف الناس عن التصويت، وصعود
الحركات الاجتماعية الجديدة، التي استعصت آنذاك دراستها بالمناهج الكمية، كذلك لم يخلُ نقدها مما كانت تتهم به غيرها: توظيف الحدس العلمي، لا سيما فيما يتعلق بالتمييز بين المتغيرات المستقلة والتابعة، وتحديدها، وحصرها[17].
غير أنَّ ما يوازي كل ذلك أهميةً هو ما أسهم به علمُ اقتصاد التنظيم الجديدُ (new economics of organization) في تراجُع السلوكية التي شددت، في إطار تفسيرها للأفعال الجمعية في السياقات المؤسسية، على اللا-فعل (الامتناع عن الفعل)، بعَدِّه فعلًا. ووفقًا لمَنسور أولسون {{Mancur Olson، 1932-1998}}، لا يعد تجنّب الفعل فعلًا بحدِّ ذاته فحسب، بل هو الحالة الأصلية التي يميل إليها الفاعلون، لا سيما في المجموعات الكبيرة، بسبب كلفة السلوك[18]. ويردّ عليه
ريتشارد ڤاغنر {{Richard E. Wagner، 1941-}}، بأنّ الفاعلين في السياقات المؤسسية هم مقاولون سياسيون (political entrepreneurs)، مستعيرًا بذلك مفهوم المنظّر السلوكي روبرت دال، فهم يمتنعون عن الفعل، لأنّهم يتحينون الفرص الاستراتيجية المناسبة[19]. وبعبارةٍ أخرى، نجحت السلوكية إلى حد ما، باستخدامها الأساليب الكمية، في قياس التعبيرات الموجبة للسلوك، لكنها عجزت عن تقديم أدوات مناسبة لدراسة تعبيراته السالبة، وأظهرت لذلك قصورًا في فهم تعقيد الأفعال الجمعية (collective action).
مَنسور أولسون
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ومع ذلك، لم يؤدّ تراجع هيمنة السلوكية منذ سبعينيات القرن الماضي إلى اختفائها، بل تخلّصها من أيديولوجيتها (تخلصها تحديدًا من الـ ism)، ولعلّ أحد أهم إنجازاتها كان في تفاعلها مع الاقتصاديات المؤسسية، وفرضها
نظرية الاختيار العقلاني (Rational Choice Theory) بوصفها إحدى النظريات الكبرى في العلوم الاجتماعية، والشائعة في مختلف التحليلات، وهي النظرية التي أدى تفاعل المؤسسية معها، إلى تدشين ما أصبح يُعرف بالمؤسسية العقلانية، وهي إحدى مدرستي المؤسسية الجديدة الكبيرتين: العقلانية والتاريخية.
كان تفاعل المؤسسية القديمة مع المدرسة السلوكية مصدرًا رئيسًا من مصادر ولادة التحليل المؤسسي الجديد، ولكنه لم يكن المصدر الوحيد، فقد انبثقت المؤسسية الجديدة أيضًا من تراجع هيمنة
المدرسة البنيوية-الوظيفية، وصعود اتجاهات جديدة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، شككت بالنزعة التطورية للتاريخ، وبالنظرة إلى المجتمع بوصفه بنًى متوازنة، وبقصدية الفاعلين الاجتماعيين، أي بوجود معانٍ لأفعالهم الاجتماعية. وقد افترضت
النظرية النقدية في علم الاجتماع، وجود وسائط مهيكلة[20] أو حقول[21] تتوسّط بين البنى الكبرى (الطبقة، والنظام العالمي، والتصنيع... إلخ)، وبين الفاعلين فرادى وجماعات، تجري فيها التفاعلات. وأسهمت البحوث التاريخية المقارنة للماركسيين الجدد، وروّاد
السوسيولوجيا التاريخية في إعادة المكانة للاستقلالية النسبية للمؤسسات السياسية[22]، كذلك أعلنت نظريات الممارسة، التي تأثرت بعلم النفس الاجتماعي، من شأن الروتنة (من الروتين) والمسرحة على حساب القصد الواعي، ونزعت نحو ممارسة منهجية فينومنولوجية (ظاهراتية) تدرس الأفعال كما تظهر، لا معانيها[23]، وقد أسهم كل ذلك في تثوير التحليل المؤسسي، وتزويده بأطرٍ مفاهيمية جديدة.
القديم والجديد: الفوارق الجوهرية
أدّى تفاعل المؤسسيين منذ سبعينيات القرن العشرين مع هذا الميراث النظري، إلى تثوير المفاهيم المركزية لدى التحليل المؤسسي الجديد، الذي لم يعد ينظر إلى المؤسسة بوصفها كيانات عقلانية وواعية، على الرغم من أنها نتيجة للنشاط البشري[24]. على العكس من ذلك، فسرت المؤسسية الجديدة استمرارية المؤسسة من لاعقلانيتها تحديدًا، أي بوصفها طقسًا وأسطورة[25]، أمّا سرّ بقاء المؤسسات، وفقًا للمؤسسية، فهو أن كلفة تغييرها أكبر بكثير من كلفة معاملاتها الداخلية (التفاوض والتنفيذ)، وهو ما يفسر صمود المؤسسات، حتى لو لم تتوافق مع بيئتها[26].
يرى المؤسسيون القدامى أن وظيفة المؤسسة تكمن في اختراع نظم إدارية وقانونية، تنظّم وتحدد التنافس بين الفاعلين (أفراد ومجموعات ومنظمات) والتضارب بين مصالحهم، وركزوا على الآثار السلبية التي تتركها البنى غير الرسمية، التي تعبر عن المصالح الضيّقة، على الحكومات والدول. في المقابل، حدّد المؤسسيون الجدد اللاعقلانية في البنى الرسمية ذاتها، وعدوا أنّ وظيفة المؤسسة هي كبح عقلانية الفاعلين وتقييدها وتقليص خياراتهم، وعدوا أنّ مهمتهم تكمن في استكشاف العلاقات بين استقرار المؤسسة من ناحية، والشرعية من ناحيةٍ ثانية، وقوة "التفاهمات المشتركة التي نادرًا ما يُعبّر عنها بشكلٍ صريح"؛ أي الأعراف، من ناحيةٍ ثالثة[27].
وتختلف المؤسسيتان القديمة والجديدة، في تصوّرهما للبيئة الاجتماعية، فعلى خلاف التصور المؤسسي القديم الذي يرى المؤسسات بوصفها وحدات تنظيمية مغروسة في بيئتها أو مجتمعها المحلي، يرى المؤسسيون الجدد، متأثرين غالبًا بالنظرية النقدية في علم الاجتماع، المؤسسات على نحو أكثر مرونة، لأنهم لا يبحثون أساسًا عن وحدات تنظيمية، أو منظمات محددة يمكن عزلها عن محيطها، بل عن أشكال وقواعد تنظيمية أو مصفوفات مترابطة من عناصر موحدة[28]، فالمؤسسات لديهم بهذا المعنى، هي مستويات أكثر تجريدًا من المنظمات يمكن الولاء لها[29].
وينبع أحد الفوارق الأخرى بين الاتجاهات القديمة والجديدة، من المؤسسية في درجة القمع التي تتخلل عملية المأسسة، لا سيما فيما يخص التنوع، فعلى خلاف المؤسسيين القدامى، الذين نظروا إلى عملية المأسسة بأنها تنظيمٌ لتنوع المنظمات، بل من شأنها كذلك أن تزيد من التنوع داخلها، يرى التحليل المؤسسي الجديد أن المأسسة تفترض أساسًا التجانس، وتفرض الانسجام على المنظمات والفاعلين الاجتماعيين ذوي الخلفيات المتنوعة. وينتج من هذا الفارق، فرقٌ آخر بين المنهجين في مقاربة مسألة التغيير المؤسسي، فالمؤسسات بالنسبة إلى القديمة هي دائمة التغير بتغير بيئتها المحلية، وتربطها ببيئتها علاقة تكيف مستمرة، في حين يرى المؤسسيون الجدد، أن عملية المأسسة تفترض أساسًا ثبات عناصرها المؤسسية واستقرارها، وبالتالي بطء التغيير. وبسبب غياب الحدود أساسًا بين البيئة والتنظيم، فلا معنى أصلًا لافتراض علاقات تكيّف واستجابة، على الأقل كما تخيلها قدامى المؤسسيين، بل تفاعل بين العناصر المؤسسية نفسها[30].
وتختلف المؤسسية الجديدة عن القديمة أيضًا في مسألة قصدية الفعل الإنساني (action)، فعلى الرغم من أن قدامى المؤسسية ومجدديها يتخذون موقفًا سلبيًا من السلوكية، فإنهم يختلفون في الدرجة، فقد نظر قُدامى المؤسسيين إلى الفاعلين داخل المؤسسة بوصفهم استراتيجيين نفعيين، أي إنّ سلوكهم وأفعالهم تنمّ عن وعي بالقواعد المؤسسية، وتسعى إلى تعظيم منافعهم، أو تعزيز مواقعهم المؤسسية، بناءً على تعلمهم للنظام القيمي - العقلاني الذي تسير وفقه المؤسسة، الذين بدورهم يكتسبونه من عملية التنشئة الاجتماعية[31]. في المقابل، يرفض المجددون فكرة التنشئة، عادِّين أن سلوك الفاعلين وأفعالهم ومصالحهم، وحتى شعورهم بالرضا، مبنية مؤسسيًا (institutionally constructed)، تُملى عليهم في السياق المؤسسي، ويتمثلها الفاعلون بوصفها حقائق معطاة سلفًا. إن عملية المأسسة، كما يرى التحليل المؤسسي الجديد، هي بالضرورة عملية إدراكية، وتعرض إلزاماتها المعيارية نفسها على الفاعلين، سواء أكانوا أفرادًا أم منظمات، على أنّها نظام الأشياء، قبل أن يسبغوا عليها الشرعية بأثرٍ تراجعي[32]. وعلى حدِّ تعبير
لِن زَكَر (Lynne G. Zucker)، يكفي أن يقول شخصٌ ما للآخر، إنَّ هذه هي الطريقة التي تجري بها الأمور، حتى يحفّزه للامتثال، لأنه بخلاف ذلك لا يمكن فهم أفعاله ولا أفعال الآخرين في النظام[33].
بذلك، مع حلول نهاية الثمانينيات، ومع اتضاح هذه الفوارق بين الباحثين المؤسسيين الجدد، نتيجةً لحواراتهم فيما بينهم، ثمّ التشديد عليها، تبلورت المؤسسية الجديدة بوصفها مدرسة واعية بنفسها في علم السياسة، منتزعة لنفسها لقبها التجديدي المعبر عنها باللاتينية (neo)، وانطلقت صيرورة تطورها بالتفاعل مع النظريات الأخرى منتجة اتجاهات وتيارات أخرى.
مدارس المؤسسية الجديدة في علم السياسة
كان سِرّ شعبية المؤسسية الجديدة الواسعة، منذ بداية الثمانينيات، هو أنها قدمت أرضية وسطى لالتقاء الباحثين من ذوي التدريب السلوكي، الذي كان سائدًا في دوائر العلوم الاجتماعية وبرامجها، في العالم الأنكلوسكسوني قبل أن يفقد هيمنته، وباحثي العلوم الاجتماعية البنيوية (structuralist) في أوروبا، (بمن فيهم المتأثرون بالنظريات الاجتماعية الماركسية) في مرحلة نهايات
الحرب الباردة (1947-1991)، غير أن المؤسسية الجديدة كذلك، مثلت أرضية مناسبة لإعادة المكانة لقضايا خفت الاهتمام بها بعد الحرب العالمية الثانية، قبل أن تعود وتفرض نفسها على أجندة العلوم الاجتماعية، مثل دور المؤسسات العامة وعلى رأسها الدولة، والتصورات الجديدة للسوق التي فرضها صعود دولة الرفاه الاجتماعي، وصعود الحركات الاجتماعية الجديدة وانتشار
سياسات الهوية، وهي قضايا مثلت آنذاك معضلات لدوائر علم السياسة. بهذا المعنى، كانت المؤسسية الجديدة في جوهرها "انحيازًا قائمًا على التجربة"، وعلى مفارقة "أنّ ما نلاحظه في العالم لا يتوافق مع الطرق التي تطالبنا النظريات المعاصرة أن نتكلم بها"[34].
غير أنه وبسبب تعدد مصادرها النظرية، وتنوع خلفيات الباحثين العلمية والأيديولوجية للباحثين الذين تفاعلوا معها، كان من المتوقع أن تبرز تيارات مختلفة، التي على الرغم من انطلاق كل تيار منها من مقدماتها النظرية (أو من بعضها على الأقل)، فإنه غلّب مقدّمةً نظرية على أخرى، أو زاوج بين تدريبه النظري السابق والمفاهيم المنهجية المؤسسية الجديدة، فقد عدّد مثلًا
غاي بيترز {{B. Guy Peters، 1944-}} ست مقاربات مؤسسية مختلفة في علم السياسة، هي:
العقلانية والتاريخية والإمبريقية والخطابية (أو
البنائيّة) والسوسيولوجية، مبررًا ذلك بأن كل مقاربة منها تخبرنا شيئًا ما عن المؤسسات لا تخبرنا بها غيرها، وتبدو أكثر فعالية في معالجة بعض الأسئلة من غيرها[35]، ولكنه لسبب ما، لم يُضف المؤسسية المنظماتية (أو الشبكية) (Network or Organizational Institutionalism) مع أنها أوسع انتشارًا في دراسات الثقافة السياسية والإدارة العامة والشبكات الاجتماعية. وهكذا بدأت المؤسسية الجديدة تفقد تميزها، بوصفها مدرسة ذات منهج واحد محدد. فهي ليست نظرية في العلوم الاجتماعية، بل يمكن أن تحسب عدةُ نظريات ومقاربات نفسَها عليها، كما أنها لا تقتصر على علم السياسة.
وكان
بيتر هول {{Peter A. Hall، 1950-}} وروزماري تايلور {{Rosemary C. R. Taylor}}، في مقالتهما المرجعيّة "علم السياسة والمؤسسيات الجديدة الثلاثة"، قد عدّدا ثلاث مدارس رئيسة في علم السياسة، هي العقلانية والتاريخية والسوسيولوجية، ولكنّهما لم يبررا ضمَّ المؤسسية السوسيولوجية، التي ترى المؤسسات في كلِّ شيءٍ تقريبًا، لا في السياسة فحسب[36]. والحال أن البحث عن المؤسسات أو البنى وتحليلها، ليس جديدًا على
السوسيولوجيا البنيوية منذ فجرها، أي منذ
إميل دوركايم {{Émile Durkheim، 1858-1917}}، ومن الممكن عد المؤسسية التاريخية فرعًا من فروع السوسيولوجيا التاريخية، وهي لا تخفي تأثرّها بها. وفي كل الأحوال، من الممكن نظريًا اشتقاق مقارباتٍ مؤسسية في عددٍ من الحقول البارزة في العلوم الاجتماعية، وقد راج بعض هذه المقاربات، في حين ظل بعضها الآخر ضمن المؤلفات المدرسية فحسب، ولا يكاد يشير إليه كثيرون.
فالمدرستان الكبيرتان في مدارس المؤسسية الجديدة في علم السياسة، هما، المؤسسية العقلانية والمؤسسية التاريخية. ومع اشتراكهما في النظر إلى المؤسسات بوصفها قيودًا لتنظيم التفاعل البشري، فإنهما تختلفان في الممارسة المنهجية وفي كثير من الأبعاد والعناصر النظرية والتحليلية.
المؤسسية العقلانية
تشير
المؤسسية العقلانية في علم السياسة، إلى مجموعة من النظريات التي تسعى إلى دراسة المؤسسات وتحوّلاتها، وتفسير سلوك الفاعلين السياسيين الفردية والجمعية، على افتراض أنهم عقلانيون ونفعيون، أي يسعون إلى تعظيم مصالحهم وحمايتها. يتمثل الدور الرئيس للمؤسسات بتنظيم التفاعل البشري عبر تأسيس توازنات مستقرة، ليست بالضرورة فعّالة أو مثالية، لكنها تساعد على تبديد الحيرة (uncertainty) وتبسيط التعقيد (complexity)[37]، فالمؤسسية العقلانية، هي مدرسة فضفاضة، تتراوح في تحليلاتها بين التبسيط والتعقيد، وفقًا لتفاعلها مع نظريات أخرى في العلوم الاجتماعية من جهة، ووفقًا للسياق المؤسسي الذي تعالجه من جهة أخرى، ولكنها تتفق في نظرتها إلى المؤسسات، بوصفها توازناتٍ مقيّدة بمجموعة من القواعد، وناتجة من سلوكيات الفاعلين العقلانية، وفي تفسيرها للتغيير المؤسسي بوصفه انتقالًا تدريجيًا وبطيئًا من توازن إلى آخر.
وينقسم باحثو هذه المدرسة في تفسيرهم للمؤسسة بين تيارين أساسيين، يرى أحدهما المؤسسات بوصفها قيودًا خارجية (exogenous)، تحدد توازن جميع عناصر العملية السياسية، وتشمل تلك العناصر الفاعلين، وسلوكياتهم واستراتيجياتهم وقواعد تفاعلهم، والفرص والمعلومات التي تتيح لهم الاختيار، علاوة على النتائج المتوقعة من أفعالهم السياسية، في حين لا يبقى للفاعلين سوى اختياراتهم السياسية، التي ينتج من توازن توزيعها التوازن المؤسسي، ومن اختلاله بفعل صدمات خارجية، التغيير المؤسسي[38]. أما التيار الثاني، فيرى أن مصدر القيود داخلي (endogenous)، أي إن الفاعلين أنفسهم هم من يحددونها، ويميل لذلك إلى النظر إلى المؤسسات بوصفها نقاط ارتكاز (focals)؛ طرقًا متوازنة لفعل الأمور، وتحظى بالقبول وما يمكن عده الإجماع[39]، وهو ما يفسح المجال للتغير المؤسسي دون صدماتٍ خارجية[40].
السياسة بوصفها سلسلة من معضلات الفعل الجمعي
تركز مقاربات المؤسسية العقلانية على المستويات الصغرى (المايكرو)، في السياقات المؤسسية الرسمية أو غير الرسمية، وغالبًا ما تركز على سياق مؤسسي واحد في مدة زمنية محددة أو عبر الزمن، وقد نشط هذا الاتجاه من المؤسسية في الولايات المتحدة الأميركية في سبعينيات القرن العشرين، وحفّزته رغبة الباحثين في فهم تقلبات نواب الكونغرس[41]، وقد ورثت الأدوات النظرية والنماذج الرياضية التي خلّفتها السلوكية بعد انحسار هيمنتها، وبتأثير واضح من باحثي اقتصاديات التنظيم الجديدة آنذاك[42]، غير أنّها تتجاوز السلوكية في تصدّيها لتفسير ما تسميه معضلة الأفعال الجمعية. إن السياسة، بهذا المعنى، هي التعامل مع سلسلة من معضلات الفعل الجمعي، إذ تعبّر المعضلة عن الحالة التي قد يؤدي فيها سعي الفاعلين إلى تحقيق أقصى قدر من مصالحهم إلى مصالح عامّة (public goods)، غير مرضية جماعيًا تخلّ بالتوازن المؤسسي، وهنا تتدخل السياسة لضمان سلوكياتٍ تكميلية من آخرين[43].
فسّر منظرو المؤسسية العقلانية الفعل الجمعيّ أو المواقف السياسية، بعدة نظريات مختلفة باختلاف فهم المؤسسة، أهي قيود داخلية أم خارجية؛ وأشهرها: نظرية الركوب المجّاني، ونظرية القيادة، ونظرية التعاون. عد أولسون، الذي يرى المؤسسات بوصفها قيودًا خارجية، بأن سلوك الفاعلين في المجموعات الكبيرة لا يشبه سلوكهم في الصغيرة منها، فعلى خلاف المجموعات الصغيرة التي يسعى جميع أعضائها إلى الإسهام في مصلحة المجموعة، يميل الفاعلون في المجموعات الكبيرة إلى الركوب المجاني (free-riding)، أي تجنب الإسهام الفردي في دفع الكلفة، والاستفادة في الآن نفسه من إسهامات الآخرين. وتبرز التوازنات المؤسسية لدى أولسون تحديدًا لحلّ هذه المشكلة، عبر إنشاء أنظمة مكافآت وعقوبات، تمنح المسهمين حوافز من شأنها تشجيع الآخرين على الإسهام، أو معاقبتهم في حال استنكفوا عن ذلك. ويكمن معيار كفاءة المؤسسات، بهذا المعنى، في قدرتها على تطوير أنظمة مزايا تحفّز المجموعات الساكنة[44].
ينتقد أصحاب الفهم المؤسسي الداخلي هذه النظرية، لأنها لا تسمح بالتغير المؤسسي إلا بصدماتٍ خارجية، ويقترحون بدلًا من ذلك نظريات أخرى، أهمها نظرية القيادة ونظرية التعاون. ترى نظرية القيادة أنَّ تعقيد المؤسسات ووظيفتها الكامنة بتخفيف الحيرة وتبسيط التعقيد، هو ما يجعل التغير المؤسسي ممكنًا دون الحاجة بالضرورة إلى صدمات خارجية، فمصدر المأسسة هو ذاته مصدر التغير المؤسسي، ولا يمكن لأي عملية مأسسة أن تبدد الحيرة نهائيًا، ولا يوجد حد أدنى لدرجات التبسيط، وهو ما يعني إمكانية دائمة لبروز مقاولين سياسيين (political entrepreneurs)، يبصرون فرصًا لا يبصرها غيرهم، فيستغلون حالة الحيرة الدائمة للمغامرة في عمليات تفاعلٍ مختلفة، من شأنها أن تنتج توازناتٍ جديدة للوصول إلى مستويات جديدة من التبسيط. ليست الحالة الأصلية للفاعلين الاجتماعيين في هذه الحالة هي السكون كما افترضت نظرية الركوب المجاني، بل الانتهازية وتحيّن الفرص المناسبة[45].
وتنطلق نظرية التعاون في المقابل من منطلقات الفهم الداخلي للمؤسسات لنظرية القيادة نفسها، لكنها تختلف عنها في تشديدها على دور المعرفة والخبرات السابقة، أي التاريخ والأيديولوجيا، وهو ما يجعلها نظريةً مشتركة بين المؤسسية العقلانية والمؤسسية التاريخية، ويجري عادة تصويرها من خلال ما يتعارف عليه بمعضلة السجناء (Prisoners’ dilemma)، التي يؤدي فيها عدم تعاون السجناء فيما بينهم، وتصرّف كل سجين منهم على حدة بأنانية، بالوشاية على غيره عند التحقيق معه، دون اكتراث لمصالح زملائه الذين اعتقل معهم بالتهمة نفسها، إلى فقدان فرصتهم جميعًا في تخفيف العقوبة، ولكنَّ معرفة السجناء بالتجارب السابقة، تجعل أحدهم يسلك سلوكًا لا يعبّر بالضرورة عن السلوك الأمثل، الذي يعبر عن مصالحه الفردية، لأن أنماط التوقّعات المشتركة، بتعبير
راسل هاردِن {{Russell Hardin، 1940-2017}}، تؤدي دورًا في أن يأخذ الفاعل الاجتماعي بالحسبان النسبة بين التكلفة والمنفعة[46].
روبرت أكسلرود
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ويوظّف
روبرت أكسلرود {{
Robert Axelrod، 1943-}} أيضًا هذه المعضلة، لنقدِ اقتصار التفسيرات المؤسسية على التحليل الموضعي السايكروني (synchronic)، دون الأخذ بالحسبان التحليل الزمني الدياكروني (diachronic)، مجادلًا أن من شأن الأخير أن يخفف من أنانية الفاعلين، أو بلغته "يخصم من نفعيتهم" (discount parameter). ويعني ذلك أن معرفة الفاعلين بالتفاعلات المؤسسية السابقة لا تؤثر في سلوك الفاعلين السياسيين، بتحفيزهم على تكرار السلوكيات الماضية فحسب، بل يحفّزهم على الشعور بأن سلوكهم السياسي الآني قد يصبح ميراثًا يكرره الفاعلون السياسيون المستقبليون
[47]. يظهر هنا شكلٌ خفي من أشكال المنافع المتوقعة، لا يشمله تحليل النظريتين السابقتين، يأخذ بالحسبان تاريخ الأطر المؤسسية، أو لعبة التكرار بلغة المؤسسيين العقلانيين، ووعي الأفراد بأنفسهم وبغيرهم التي تصبح جميعها جزءًا لا يتجزأ من التوازن، ويظهر هنا دور المؤسسات بتقليل تكاليف المعاملات (transaction costs) وتسهيل تدفق المعلومات، أو تخفيف كلفة المعلومات (information costs)
[48]، بخلقها مستويات معيارية تساعد على أن يتنبأ الفاعلون الاجتماعيون سلوكيات الآخرين وردود فعلهم
[49].
واستفاد
كينيث شيبسل {{Kenneth A. Shepsle، 1945-}} من تطور النظرة إلى عناصر التوازن الظاهرة والخفية، وبلور مقاربته النظرية التي ميّز فيها بيْن التوازن المؤسسي (institutional equilibrium)، ومؤسسة التوازن (equilibrium institution)، والمقصود هو التمييز بين الكيفية التي تنتج فيها الأطر المؤسسية توازنات مستقرة يمكن دراستها وتوقعها، وبين الحالة التي تتحول فيها تلك التوازنات إلى أطر مؤسسية، تعيد إنتاج نفسها بنفسها عبر الممارسات السياسية[50]، ويُعدّ تمييز شبسل أحد الأسس النظرية المركزية للبحوث المؤسسية المُعاصرة[51].
التغيير المؤسسي
فتح هذا الفهم الباب للمؤسسية العقلانية للانشغال في مسألة التغيير المؤسسي، أو تاريخ المؤسسات، وكان أهم إسهاماتها في هذا المجال، هو تشكيكها بحتمية الداروينية التاريخية في البنيوية-الوظيفية في التحليل التاريخي، بتبيينها أن المؤسسات قد تبقى، حتى لو كانت عاجزة أو غير فعالة، وهي في كل الأحوال لا تنقرض. ويسعى المؤسسيون العقلانيون في تحليلاتهم التاريخية، بدلًا من ذلك، إلى فهم كيفية تعديل التوازنات، آخذين بالحسبان جميع العناصر التي نوقشت في القسم السابق، وكيف يؤدي تتابع التعديلات إلى الانتقال من توازنٍ إلى آخر[52].
وتُعد دراسة دوغلاس نورث رائدةً في هذا المجال، وهو يرى أن ثمة مبالغة في التصورات الرائجة عن كفاءة المؤسسات ودورها في تبديد الحيرة، ومبالغة أخرى في قدرة الفاعلين على الحصول على معلوماتٍ مكتملة عن الفرص، وعن ممارسات غيرهم من الفاعلين الاجتماعيين[53]. وبرأيه، يضمر الفهم المؤسسي الكلاسيكي كفاءة الأطر المؤسسية، التي تتجاهل كلفة المعاملات، وتفترض قدرة الفاعلين على امتلاك نماذج صحيحة، غير أن ذلك نادر الحدوث، لأن الفاعلين يتصرفون وفقًا لمعلومات ناقصة، ويعالجونها عبر بنى عقلية غير مثالية، تؤدي باستمرار إلى مساراتٍ غير فعالة. يفسّر ذلك، كما يرى نورث، استمرار مؤسسات ونظم حتى في المدد الزمنية، والأماكن التي أدى فيها ارتفاع تكاليف المعاملات إلى فشلها، فالنماذج غير المثالية، والمتأثرة بالتاريخ والأيديولوجيا، التي يتبناها الفاعلون، في محاولتهم لفهم المشاكل المعقدة التي تواجههم، هي ما يسمح باستمرارها[54].
ويميز نورث بين المؤسسات، التي تحيل إلى أي شكل من أشكال القواعد التي ينشِئُها البشر لتسهيل تفاعلاتهم من جهة، والمنظمات (organizations) التي تشير إلى مجموعات من الأفراد المرتبطين ببعض الأهداف المشتركة، لتحقيق أهدافٍ محددة من جهة أخرى. تنشأ المنظمات للاستفادة من الفرص التي تحددها الأطر المؤسسية، أما التغيير المؤسسي فينتج من تطور المنظمات، وتزعزع علاقتها التعايشية مع نظام الفرص والمزايا الذي توفره المؤسسات، ليقتنع حينئذ قادة المنظمات بقدرتهم على الإنجاز عبر تعديل التوازنات المؤسسية، أو انتقالها من توازنٍ إلى آخر، ومع ذلك، تعتمد قناعات القادة على المعلومات التي يحصلون عليها، وعلى الطريقة التي يعالجونها بها، وكذلك يفسّر تغيير المنظمات للأطر المؤسسية التحول المؤسسي، فإن توافقها فيما بينها للحفاظ عليها، مهما بدت عاجزة، هو الذي يمنع التغيير[55].
لقد جاء معظم النقد لإسهامات المؤسسية العقلانية في التحليل التاريخي، من منافستها المؤسسية التاريخية، التي لا تنطلق أساسًا من مبدأ نفعية الأفراد وعقلانيتهم، بل من مبدأ الرضا والملاءمة (appropriateness). وصدرت انتقادات من مقاربات نظرية أخرى قريبة منها - تنطلق من عقلانية الفرد ونفعيته، انتقدتها لمغالاتها بالتأثر بنظريات التنظيم الاقتصادي، وإسباغ منطق السوق على الأطر المؤسسية السياسية[56]، ومبالغتها في التركيز على المؤسسات الغربية، وتهميشها دور السرديات المحلية للمجتمعات غير الغربية، بما يشمل الإرث الكولونيالي، وهو ما عبّر عنه
روبرت بيتس {{Robert H. Bates، 1942-}} ورفاقه في مشروع السردية التحليلية (Analytic Narrative)[57].
غير أنه عند تنحية التحليل التاريخي جانبًا، يصعب التشكيك بنجاعة المؤسسية العقلانية في دراسة السلوك السياسي، لا سيما في المؤسسات السياسية الرسمية وفي حقل الإدارة العامة، ودراسة الخيارات العامة (public choices)، وتساعد نماذجها التي تتراوح مستوياتها بين التبسيط والتعقيد، في فهم عملية اتخاذ القرار والتنبؤ بها داخل الشركات العامة، والبرلمانات والمحاكم، والبيروقراطيات والأحزاب السياسية، والرأي العام والانتخابات، وغيرها[58]. كذلك وُظّفت نماذجها أيضًا في بحوث
السياسة المقارنة، لفهم تشابه السلوك السياسي واختلافه، للقادة السياسيين في النظم السياسية المختلفة.
المؤسسية التاريخية
المؤسسية التاريخية هي تقليد بحثي يستند إلى إطارٍ مفهومي، مشتق من عدد كبير من الأبحاث التاريخية، والتاريخية - المقارنة، التي تشترك جميعها في اعتقادها باستحالة تفسير المؤسسات وتحولاتها، وسلوكها حصرًا من حاضرها، بل كذلك من تاريخها[59]. يجادل هذا التقليد بأنه على الرغم من تفاعل المؤسسات مع المجتمعات التي تحكمها، ومع الجماعات المهيمنة التي تقودها، فإنه يمكن تمييز مصالح مستقلة وأهداف متميزة وسرديات خاصة لها، ويمكن التعرف عليها عبر دراسة العمليات والأحداث التاريخية الكبرى التي شكلت هذه المؤسسات[60]. اكتسبت المؤسسية التاريخية اسمها في التسعينيات من القرن المنصرم، ردًا على صعود مدرسة المؤسسية العقلانية وتفاعلًا معها، وازدهرت مع موجة الدراسات التي أرّخت للتطور السياسي في الولايات المتحدة الأميركية، بما يشمل النظام، والمؤسسات والسياسات العامة، والأحزاب السياسية، والحركات الاجتماعية والأيديولوجيات، وغيرها[61].
وقد نسب آباء هذا التقليد، الذين عرّفوا أنفسهم بأثرٍ تراجعي بوصفهم مؤسسيين تاريخيين، أعمالهم إلى بحوث تاريخية مقارِنة، يعود معظمها إلى عقدي الستينيات والسبعينيات، يجمع بينها تحررها من هيمنة المدرسة البنيوية-الوظيفية، ومن قَوْنَنة التاريخ وفهمه بوصفه عملية تقدم[62]، فقد اشتقّت
ثيدا سكوكبول {{Theda Skocpol، 1947-}} مقاربتها النظرية للدولة من مقاربات الماركسيين الجدد ومقاربات الصراع السياسي، وجميعها أعادت المكانة إلى المؤسسات السياسية، لا سيما الدولة، إما بمنحها استقلالية نسبية (الماركسيون الجدد)، وإما بعدها ميدانًا لحسمِ الصراعات[63]. وقارنت كذلك نظريتها مع نظريات معاصريها ممن استندوا إلى التحليل التاريخي المقارن[64]، مثل
بارينغتون مور {{Barrington Moore، 1913-2005}} الذي فسّر جذور
الديمقراطية والديكتاتورية بالطريقة التي جرى فيها حلّ المسألة الزراعية[65]، وإريك وولف {{Eric R. Wolf، 1923-1999}} الذي ربط نجاح الثورات الفلاحية بالمأسسة والتنظيم[66]. وفي المقابل، لم يخفِ بيتر هول وكاثلين ثِلين {{Kathleen Thelen، 1956-}} وآخرون تأثرهم بتيار
الكوربوراتية الجديدة (neo-corporatism)[67]، والأعمال الكثيرة التي درست تأثير توسع الرأسمالية وصعودها، في نشوء مسارات متباينة في تطور الدول القومية الحديثة[68]، التي بدورها استلهمت أعمال المؤرخ الاقتصادي الهنغاري
كارل بولاني {{Karl Polanyi، 1886-1964}}[69]. وفي ضوء كل تلك الأعمال، تبحث المؤسسية التاريخية في التاريخ والتاريخ المقارن، لاستنتاج علاقات سببية تفسر اختلاف المسارات المؤسسية أو تشابهها، وتحولاتها.
المؤسسات بوصفها عملياتٍ تاريخية
تشترك المؤسسية التاريخية مع منافستها العقلانية، في النظر إلى المؤسسات بوصفها قيودًا تنظم التفاعل البشري، لكنها تختلف معها في معظم العناصر التحليلية الأخرى، فعلى خلاف المؤسسيين العقلانيين، تحمل المؤسسية التاريخية فهمًا أكثر تعقيدًا لاختيارات الفاعلين وممارساتهم المؤسسية، فبدلًا من مبدأ المنفعة الذي يختزلهم إلى باحثين عن مصالحهم، يظهر الفاعلون في الأبحاث المؤسسية التاريخية وفق مبدأ الملاءمة: ساعين إلى الرضى، ومدفوعين بحسِّ الواجب الذي تفرضه عليهم القواعد المؤسسية[70]، ويعتريهم شعورٌ دائم بأن ممارساتهم المؤسسية يمكن ملاحظتها[71]، فإذا كانت أهداف الفاعلين لدى المؤسسيين العقلانيين هي المصلحة بحكم البداهة، فإن المؤسسيين التاريخيين يطرحون مسألة تعريف الأفراد والجماعات، لأهدافهم الذاتية واختياراتهم بوصفها إشكالية، لأنّها تتشكل مثل بقية عناصر العملية السياسية، في السياق المؤسسي[72]. بهذا المعنى، تنظر المؤسسية التاريخية إلى الفرد بوصفه "كيانًا متورطًا بعمق في عالم من المؤسسات، يتكون من رموز ونصوص وروتين"، لا تساعده على اتخاذ المواقف والاختيارات فحسب، بل كذلك على بلورة هويته وفهمه لنفسه[73].
وترفض المؤسسية التاريخية أيضًا عزل الأطر المؤسسية عن بعضها، والانفراد بدراسة إطار دون آخر، ذلك أن التراكب (intercurrence) هو في صُلب تعريفها، فالتاريخ يرمي أمام الفاعلين مجموعةً كبيرة من التوازنات المختلفة، دفعةً واحدة تجعل من ممارسة العزل والتحليل أمرًا صعبًا[74]. يعني التراكب أن الأطر المؤسسية التي تشكّل النظام السياسي بتواريخها المتعددة وسردياتها المتباينة، وسلطاتها المختلفة وأهدافها المتناقضة، هي أشبه بالفسيفساء، أي إن التنافر والتنافس والتدافع فيما بينها هي حالتها الأصلية. يمنح التراكب الفاعلين، فرادى وجماعات، إمكانية الاختيار المتعدد بين أطرٍ مؤسسية مختلفة في الوقت ذاته، ويساعدهم على استغلال تناقضاتها لبلورة فرصٍ لا نهائية، وصناعة أهداف جديدة ليست بالضرورة مشتقّة من كل إطار مؤسسي على حدة، بل من فجوات تصميم النظام من جهة، والفجوات بين أولئك الذين صمموا الأطر المؤسسية، وهؤلاء الذين ورثوه من جهة أخرى[75]. لهذا السبب، يجعل التراكب من مسألة الاقتصار على البحث المايكروي (micro)، أي حصر التحليل في مؤسسة سياسية واحدة - وهي ممارسة شائعة لدى المؤسسيين العقلانيين- أمرًا إشكاليًا، إن لم يكن مضلّلًا، لا سيما إن نزع إلى التعميم[76].
لهذه الأسباب، يجادل المؤسسيون التاريخيون أنه من العبث دراسة المؤسسات بوصفها توازنات فحسب، بل بوصفها أيضًا ميراثًا عريقًا لعمليات تاريخية طويلة، وثمة صراع على هذا الميراث[77]. ويعني ذلك أن للمؤسسات أهدافًا وسرديات وأنماطًا متميزة من العلاقات وأمجادًا ضاربة في تاريخها، ليست بالضرورة ذات طبيعة عملية، لكنها على الأقل قادرة على التأثير في ممارسات الفاعلين المؤسسية وتقييدها، بمنحهم خيارات تشعرهم بالرضى، الذي يشمل المعنى، ولا يقتصر على المصلحة بل يتجاوزها، ويمكن أن يتناقض معها، لهذا السبب، يلجأ باحثو هذا التقليد، من أجل فهم المؤسسات، إلى دراسة التاريخ الطولي؛ أي دراسة التطورات المؤسسية في مُدد زمنية طويلة، مفترضين علاقات سببية بين الماضي والحاضر لتفسير استقرار المؤسسة وتحولاتها[78].
التغيير المؤسسي: الصدفة، والفاعلون، والمنعطفات الحاسمة
تتفق أعمال المؤسسيين التاريخيين المبكرة، على أن للمصادفة وللفاعلية أدوارًا مهمة في التغيير المؤسسي، تحديدًا في
المنعطفات الحرجة/الحاسمة (critical junctures)، التي تُفهم - في أكثر تعريفاتها عمومية - بوصفها مُدَدًا زمنية قصيرة نسبيًا في الماضي، يتخللها أحداثٌ كبرى وتطورات تاريخية مهمة، تقود إلى بروز أطر مؤسسية جديدة[79]، غير أنهم يتباينون في تفسير كيفية حصول ذلك، إذ يشدد أصحاب الفهم الداخلي (endogenous) للمؤسسات، على دور المصادفات (contingencies)، أي الأحداث التي لا يمكن توقعها، في حين يركز أصحاب الفهم الخارجي (exogenous) لها، على أدوار الفاعلين في السياقات المؤسسية[80].
فمثلًا، يتجنب
بول بيرسون {{Paul Pierson، 1959-}}، صاحب الفهم الداخلي للمؤسسات، استخدام تعبير المنعطفات الحاسمة في تفسيره للتحولات المؤسسية، وبدلًا من ذلك، يستعمل مفهوم الظرف (conjuncture)، الذي يحيل إلى وضعية تغيير سريع، تنتج من تفاعل سلاسل مختلفة من الأحداث السببية في وقت واحد، ينتج منها ديناميكيات تعيد تكرار نفسها حتى في غياب الوضعية الأصلية يقدّرها الفاعلون المؤسسيون، ويسمي بول بيرسون كل هذه العملية بـ "تبعية المسار" (path-dependency)[81]. بهذا المعنى، يظهر العالم وفق هذا التفسير بوصفه سلسلةً من المصادفات، في حين يتراجع دور الفاعلين في السياقات المؤسسية في تغيير نظرتهم الإدراكية بين الأسباب والنتائج، وصناعة روتين جديد.
في المقابل، يمنح أصحاب الفهم الخارجي للمؤسسات، ممارسات الفاعلين دورًا أكبر، فبالنسبة إليهم، المنعطفات الحاسمة هي المُدد الناجمة عن صدمات خارجية، التي يتحرر فيها الفاعلون، فرادى أو جماعات، نسبيًا من القيود المؤسسية، إلى الحدِّ الذي قد تسهم خياراتهم وممارساتهم المؤسسية في إنتاج إرث جديد، يخلق تبعية مسار خاصة به، ويدشن بذلك مسارًا مؤسسيًا جديدًا، ولا يعني ذلك أن المسارات المؤسسية الجديدة، سوف تعكس بالضرورة نيات المبادرين وتطلعاتهم، كذلك فإنه لا يعني أن الفاعلين سوف يقدمون دائمًا على المبادرة، فمن الممكن أن يفوّت الفاعلون منعطفًا حاسمًا، بمواجهته بالخيارات المؤسسية القائمة نفسها[82]. بهذا المعنى، تظهر المصادفة، وفق التفسير الخارجي، في خيارات الفاعلين ذاتها، وينحو باحثوها إلى "دراسة ما حصل في سياق ما كان يمكن أن يحصل"[83].
ويتفرّع عن أصحاب الفهم الخارجي لماهية الفاعلين في المنعطفات الحاسمة، تقليدان بحثيان رئيسان، يحدد الأول الفاعلين المبادرين، بأفراد أو مجموعات قوية ومؤثرة في المؤسسات السياسية، تبادر إلى خيارات إصلاحية لم تكن متاحةً سابقًا، ويمكن عد أدبيات
الانتقال الديمقراطي، وأدبيات
المرونة السلطوية، أمثلة أساسية في هذا الاتجاه، فهي تشدد على خيارات النخب الحاكمة[84]؛ أمّا التقليد الثاني، فيرى أن الأطر المؤسسة متشكلة ثقافيًا، ومن ثم يحدد الفاعلين بتيارات ثقافية وقُوى أيديولوجية، تسعى إلى تعزيز أفكار معينة ونشرها وترسيخها في المجال العام، وهي الأفكار التي من شأنها أن تعرّف الأزمة وتوفر وصفة مؤسسية لحلها، وأبرز الأمثلة على هذا التقليد، هو حقل دراسات الحركات الاجتماعية التي تركز على التيارات الصاعدة من قلب المجتمع[85].
وفي منتصف المسافة بين الفهم الداخلي والخارجي المؤسسي، قدّم مؤسسيون تاريخيون متأخرون، إسهامات انتقدت المبالغة في ربط التغيير المؤسسي بالمنعطفات الحاسمة، أو بالصدمات الخارجية، مجادلين بأنَّ التغيير المؤسسي قد يحدث بشكل تدريجي أيضًا في مُدَد الاستقرار، حين يختلف فاعلون جدد في تفسير القواعد ذاتها التي وضعها أسلافهم، أو ما تسميه ثيلين التحوير (conversion)، أو حين ينجحون في إضافة أطر مؤسسية جديدة على الأطر المؤسسية القديمة، دون المساس بالأخيرة، أو ما تسميه ثيلين أيضًا المراكمة (layering)[86]. لكن معظم النقد الجذري للمؤسسية التاريخية جاء من مصادر أخرى، انتقدت تحيزها إلى الاستقرار المؤسسي، وإفراطها بالتركيز على التاريخ النخبوي. بالنسبة إلى المتأثرين بنظريات الصراع مثلًا، فإن التغيّر لا الاستقرار، هو الحالة الأصلية لدى السياقات المؤسسية - على الأقل - في كثير من دول الجنوب، التي تظهر الدولة فيها ميدانًا لتصفية الحسابات بين الجماعات، أو تبرز فيها مؤسساتٌ سياسية متصارعة، تجعل الاستقرار هو الاستثناء لا القاعدة، أما المفارقة بالنسبة للاتجاهات الجديدة في التأريخ، فتكمن في أن المؤسسية التاريخية وضعت أوزارها النظرية، بعدما هجر المؤرخون الجدد تاريخ المؤسسات إلى تاريخ الأشياء وعامة النّاس[87].
ومع ذلك، يصعب التشكيك في إسهامات المؤسسيين التاريخيين، بما يشمل ولا يقتصر على دراسات الدولة، وتحوّلات الأنظمة السياسية والاقتصاد السياسي وأبحاث التنمية، والثورات والحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية، وعلى علاقة السياسة بالأفكار والأيديولوجيات، ودراسات الانتقال بمختلف أشكالها. وتجري العادة في البحوث المؤسسية التاريخية، إما في مقارنة مسارات مؤسسية متعددة من حالاتٍ مختلفة، واستنتاج أنماط أو نماذج نظرية مشتركة، وإما في دراسة أنماط التحوّل في مسار مؤسسي واحد.
ومن الأمثلة المعروفة على الدراسات المقارنة، ما فعلته سكوكبول في بحثها العلاقة الجدلية بين الثورة والدولة في فرنسا وروسيا والصين، واستنتجت منها نموذجها النظري لتفسير استقلالية الدولة، التي تراوغ بين ضغوط
النظام الدولي الخارجي من جهة، وضغوط المصالح السياسية الداخلية المنظمة من جهة أخرى[88]. وتشتهر كذلك مقارنة
ريتشارد بنسل {{Richard Bensel، 1949-}}، بين مسارَي تطور المؤسسات السياسية في شمال الولايات المتحدة وجنوبها عشية
الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865)، التي شككت في العلاقة بين تطور أجهزة الدولة والتحديث الاقتصادي التي افترضتها
نظرية التحديث[89]، وتنبّه كذلك
شيري بيرمان {{Sheri Berman، 1965-}} إلى دور الأيديولوجيا في اختلاف تجربتي الأحزاب الاشتراكية، في مرحلة ما بين الحربين العالميتين في السويد وألمانيا، التي قادت في الثانية إلى صعود
النازية[90]. أما
مارتن شيفتر {{Martin Shefter، 1943-2023}} فيقارن بين التجربة الأوروبية في بناء الدولة والتجربة الأميركية، مستنتجًا أن فعالية السياسات الرعوية (patronage politics) تعتمد أساسًا على توقيت نشوء السياسات الجماهيرية[91]، وتبرز عربيًا في هذا الإطار، المقارنة التي أجراها عزمي بشارة بين تجربتَي الانتقال الديمقراطي في تونس ومصر، والمقارنة بين الانتقال الديمقراطي التاريخي المتدرج في الديمقراطيات التاريخية من جهة، والانتقال المباشر من الديكتاتورية إلى الديمقراطية من جهة أخرى، وأهمية دور الثقافة السياسية للنخب المتورطة في عملية الانتقال، ومؤسسة الجيش والعوامل الخارجية في الحالة الأخيرة، ما يغير النظرة إلى مقاربة الانتقال الديمقراطي في دول الجنوب[92].
أمّا الأمثلة المعروفة في تناول التحولات داخل السياق المؤسسي الواحد، فتشتهر دراسة
جون جيرنغ {{John Gerring}} التي اشتقت تعريفًا جديدًا للأيديولوجيا، من فهم التحولات الفكرية داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري الأميريكين[93]، ودراسة سكوكبول التي درست التطوعية الجماهيرية (voluntarism) في الولايات المتحدة، مستنتجةً أنها لم تكن حتى ستينيات القرن الماضي ذات طبيعة محلية، أو منفصلة عن الحكم والسياسة
الفدرالية، وأن انحسارها كان بسبب تحولات في المؤسسات السياسية الأميركية، خلقت نقاطًا جديدة للتأثير لا تحتاج إلى عضوية جماهيرية، لتشكك بذلك في المقاربات التي ربطت بين الروابط الطوعية، أو
رأس المال الاجتماعي بتعبير
روبرت بوتنام {{Robert Putnam، 1941-}}، وبين ضعف الديمقراطية[94]. لقد أصبحت هذه الأمثلة، وغيرها مما يصعب حصره، أمثلةً نموذجية تحيل إليها مختلف الأبحاث المنهجية، والكتابات المدرسية، تدلل على إسهامات البحث المؤسسي التاريخي في دراسة مختلف الظواهر السياسية.
المراجع
العربية
بشارة، عزمي.
الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020.
مور، بارينغتون.
الأصول الاجتماعية للديمقراطية والديكتاتورية. ترجمة أحمد محمود. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008.
الأجنبية
Axelrod, Robert.
The Evolution of Cooperation. New York: Basic Books, 1984.
Bates, Robert H. et al. Analytic Narratives. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1998.
Bensel, Richard Franklin. The Founding of Modern States. Cambridge: Cambridge University Press, 2022.
________. Yankee Leviathan: The Origins of Central State Authority in America, 1859-1877. Cambridge: Cambridge University Press, 1990.
Berlin, Isaiah. “Historical Inevitability.” In: Patrick Gardiner (ed.).
The Philosophy of History. Oxford: Oxford University Press, 1974.
Berman, Sheri. The Social Democratic Moment. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1998.
Bourdieu, Piere. “Social Space and Symbolic Power.”
Social Theory. vol. 7, no. 1 (Spring 1998). pp. 14-25.
________.
The Logic of Practice. Stanford, CA: Stanford University Press, 1992.
Capoccia, Giovvani. “Critical Junctures.” In: Orfeo Fioretos, Tulia G. Falleti & Adam Sheingate (eds.). The Oxford Handbook of Historical Institutionalism. Oxford: Oxford University Press, 2016.
Conran, James & Kathleen Thelen. “Institutional Change.” In: Orfeo Fioretos, Tulia G. Falleti & Adam Sheingate (eds.). The Oxford Handbook of Historical Institutionalism. Oxford: Oxford University Press, 2016.
Dahl, Robert A. “The Behavioral Approach in Political Science: Epitaph for a Monument to a Successful Protest.” American Political Science Review. vol. 55, no. 4 (1961). pp. 763-772.
Dowding, Keith. “The Compatibility of Behaviouralism, Rational Choice and New Institutionalism.” Journal of Theoretical Politics. vol. 6, no. 1 (1994). pp. 105-117.
Eisenstadt, S. N. “Introduction: Charisma and Institution Building: Max Weber and Modern Sociology.” In: Max Weber.
On Charisma and Institution Building. Chicago, IL: University of Chicago Press, 1968.
Fioretos, Orfeo, Tulia G. Falleti & Adam Sheingate. “Historical Institutionalism in Political Science.” In: Orfeo Fioretos, Tulia G. Falleti, & Adam Sheingate (eds.). The Oxford Handbook of Historical Institutionalism. Oxford: Oxford University Press, 2016.
Gerring, John. Party Ideologies in America, 1828-1996. Cambridge: Cambridge University Press, 2001.
Giddens, Anthony. The Constitution of Society: Outline of the Theory of Structuration. Berkeley, CA: University of California Press, 1984.
Gunnell, John G. “The Real Revolution in Political Science.” PS: Political Science & Politics. vol. 37, no. 1 (2004). pp. 47-50.
Hall, Peter A. “Politics as a Process Structured in Space and Time.” In: Orfeo Fioretos, Tulia G. Falleti & Adam Sheingate (eds.). The Oxford Handbook of Historical Institutionalism. Oxford: Oxford University Press, 2016.
Hall, Peter A. & Kathleen Thelen. “Institutional Change in Varieties of Capitalism.” Socio-Economic Review. vol. 7, no. 1 (2009). pp.7-34.
Hall, Peter A. & Rosemary C. R. Taylor. “Political Science and the Three New Institutionalisms.” Political Studies. vol. 44, no. 5 (1996). pp. 936-957.
Hamati-Ataya, Inanna. “Behavioralism.” Oxford Research Encyclopedia of International Studies. 11/1/2018. at:
https://acr.ps/hByaRdt
Hardin, Russell. Collective Action. Washington: RFF Press, 2015.
Hirsch, Paul M. & Michael Lounsbury. “Ending the Family Quarrel: Toward a Reconciliation of “Old” and “New” Institutionalisms.” American Behavioral Scientist. vol. 40, no. 4 (1997). pp. 406-418.
Katznelson, Ira & Barry R. Weingast. “Intersections Between Historical and Rational Choice Institutionalism.” In: Ira Katznelson & Barry R. Weingast (eds.). Preferences and Situations: Points of Intersection Between Historical and Rational Choice. New York: Russell Sage Foundation, 2005.
March, James G. & Johan P. Olsen. “The New Institutionalism: Organizational Factors in Political Life.” American Political Science Review. vol. 78, no. 3 (1983). pp. 734-749.
Mayhew, Anne. “The Beginnings of Institutionalism.” Journal of Economic Issues. vol. 21, no. 3 (1987). pp. 971-998.
Meyer, John W. & Brian Rowan. “Institutionalized Organizations: Formal Structure as Myth and Ceremony.” American Journal of Sociology. vol. 83, no. 2 (1977). pp. 340-363.
North, Douglass C. Institutions, Institutional Change and Economic Performance. Cambridge: Cambridge University Press, 1990.
Olson, Mancur. The Logic of Collective Action: Public Goods and the Theory of Groups. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971.
Orren, Karen & Stephen Skowronek. “Institutions and Intercurrence: Theory Building in the Fullness of Time.” In: Ian Shapiro & Russell Hardin (eds.).
Political Order: Nomos XXXVIII. New York, USA: New York University Press, 1998.
________. The Search for American Political Development. Cambridge: Cambridge University Press, 2004.
Peters, B. Guy.
Institutional Theory in Political Science: The New Institutionalism, 3rd ed. Cheltenham: Edward Elgar Publishing, 2012.
Peters, B. Guy. Institutional Theory in Political Science: The New Institutionalism, 4th ed. Cheltenham: Edward Elgar Publishing, 2019.
Pierson, Paul. Politics in Time: History, Institutions, and Social Analysis. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2004.
Polanyi, Karl. The Great Transformation: The Political and Economic Origins of Our Time. Boston, MA: Beacon Press, 1944.
Powell, Walter W. & Paul J. DiMaggio (eds.). The New Institutionalism in Organizational Analysis. Chicago, IL: University of Chicago Press, 1991.
Riker, William H. “Implications from the Disequilibrium of Majority Rule for the Study of Institutions.” In: Peter C. Ordeshook & Kenneth A. Shepsle (eds.), Political Equilibrium: A Delicate Balance (Dordrecht, Netherlands: Springer, 2012).
Rutherford, Malcolm. Institutions in Economics: The Old and the New Institutionalism. Cambridge: Cambridge University Press, 1996.
Sanders, Elizabeth. “Historical Institutionalism.” In: R. A. W. Rhodes, Sarah A. Binder, & Bert A. Rockman (eds.).
The Oxford Handbook of Political Institutions. Oxford: Oxford University Press, 2008.
Selznick, Philip. “Institutionalism “Old” and “New”.” Administrative Science Quarterly. vol. 42, no. 2 (1996). pp. 270-277.
Selznick, Philip.
The Moral Commonwealth: Social Theory and the Promise of Community. Berkeley, CA: University of California Press, 1992. p. 232.
Shefter, Martin.
Political Parties and the State: The American Historical Experience. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1993.
Sheingate, Adam D. “Political Entrepreneurship, Institutional Change, and American Political Development.” Studies in American Political Development. vol. 17, no. 2 (2003). pp. 185-203.
Shepsle, Kenneth A. “Institutional Equilibrium and Equilibrium Institutions.” In: Herbert F. Weisberg (ed.). Political Science: The Science of Politics. New York: Agathon Press, 1986.
________. “Studying Institutions: Some Lessons from the Rational Choice Approach.” Journal of Theoretical Politics. vol. 1, no. 2 (1989). pp. 131-147.
________. “Rational Choice Institutionalism.” In: R. A. W. Rhodes, Sarah A. Binder, & Bert A. Rockman (eds.). The Oxford Handbook of Political Institutions. Oxford: Oxford University Press, 2008.
Skocpol, Theda. “Bringing the State Back In: Strategies of Analysis in Current Research.” In: Peter B. Evans, Dietrich Rueschemeyer & Theda Skocpol (eds.). Bringing the State Back In. Cambridge: Cambridge University Press, 1985.
________.
Diminished Democracy: From Membership to Management in American Civic Life. Norman, OK: University of Oklahoma Press, 2013.
________. States and Social Revolutions: A Comparative Analysis of France, Russia and China. Cambridge: Cambridge University Press, 1979.
Thelen, Kathleen. “Beyond Corporatism: Toward a New Framework For the Study of Labor in Advanced Capitalism.”
Comparative Politics. vol. 27, no. 1 (1994). pp. 107-124.
Thelen, Kathleen & Sven Steinmo. “Historical Institutionalism in Comparative Politics.” In: Sven Steinmo, Kathleen Thelen, & Frank Longstreth (eds.). Structuring Politics: Historical Institutionalism in Comparative Analysis. Cambridge: Cambridge University Press, 1992.
Wagner, Richard E. “Pressure Groups and Political Entrepreneurs: A review Article.” Papers on Non-Market Decision Making. vol. 1, no. 1 (1966). pp. 161-170.
Weingast, Barry R. “Political Institutions: Rational Choice Perspectives.” In: Robert E. Goodin & Hans-Dieter Klingemann (eds.). A New Handbook of Political Science. Oxford: Oxford University Press, 1996.
Weingast, Barry R. & William J. Marshall. “The Industrial Organization of Congress; or, Why Legislatures, like Firms, are not Organized as Markets.” Journal of Political Economy. vol. 96, no. 1 (1988). pp 132-163.
Williamson, Oliver E. The Economic Institutions of Capitalism: Firms, Markets, Relational Contracting. New York: The Free Press, 1985.
Wolf, Eric R. Peasant Wars of the Twentieth Century. London: Faber & Fabor, 1973.
Zucker, Lynne G. “Organizations as Institutions.” Research in the Sociology of Organizations. vol. 2, no. 1 (1983). pp. 1-47.
Zucker, Lynne G. “The Role of Institutionalization in Cultural Persistence.” American Sociological Review. vol. 42, no. 5 (1977). pp. 726-743.
مراجع للاستزادة
Lecours, André )ed.)
New Institutionalism: Theory and Analysis. vol. 23. Toronto: University of Toronto Press, 2005.
Thelen, Kathleen. “Historical Institutionalism in Comparative Politics.” Annual Review of Political Science. vol. 2, no. 1 (1999). pp. 369-404.
Pierson, Paul, & Theda Skocpol. “Historical Institutionalism in Contemporary Political Science.” Political Science: The State of the Discipline. vol. 3, no. 1 (2002). pp. 1-32.
[1] عزمي بشارة،
الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص 223-230؛
B. Guy Peters, Institutional Theory in Political Science: The New Institutionalism, 3rd ed. (Cheltenham: Edward Elgar Publishing, 2012), p. 118.
[2] Peters, p. 118.
[3] يرى ماكس ڤيبر أن البيروقراطيات الحديثة تتسم بالعقلانية الوظيفية (functional rationality)، لا العقلانية فحسب، وهي نتيجة عمليات التمايز والبرقرطة الحديثة. أما العقلانية في المؤسسات والتنظيم الاجتماعي لديها فليست بالضرورة حديثة، بل هي جزء لا يتجزأ من كل النظم الاجتماعية منذ فجر البشرية. يُنظر:
S. N. Eisenstadt, “Introduction: Charisma and Institution Building: Max Weber and Modern Sociology,” in: Max Weber,
On Charisma and Institution Building (Chicago, IL: University of Chicago Press, 1968), p. li.
[4] Philip Selznick,
The Moral Commonwealth: Social Theory and the Promise of Community (Berkeley, CA: University of California Press, 1992), p. 232.
[5] Kenneth A Shepsle, “Institutional Equilibrium and Equilibrium Institutions,” in: Herbert F. Weisberg (ed.), Political Science: The Science of Politics (New York: Agathon Press, 1986), p. 52.
[6] Peters, p. 20.
[7] Anne Mayhew, “The Beginnings of Institutionalism,” Journal of Economic Issues, vol. 21, no. 3 (1987), pp. 971-998.
[8] Philip Selznick, “Institutionalism “Old” and “New”” Administrative Science Quarterly, vol. 41, no. 2 (1996), pp. 270-277.
[9] Ibid.
[10] Paul M. Hirsch & Michael Lounsbury. “Ending the Family Quarrel: Toward a Reconciliation of “Old” and “New” Institutionalisms,” American Behavioral Scientist, vol. 40, no. 4 (1997), pp. 406-418.
[11] Weber, pp. 69-70.
[12] Walter W. Powell & Paul J. DiMaggio (eds.), The New Institutionalism in Organizational Analysis (Chicago, IL: University of Chicago Press, 1991), p. 15.
يعد هذا العمل الجماعي، الذي يجري اقتباس مقدمته مرارًا في المحور الأول من هذه المقالة، واحدًا من الإسهامات الجماعية الأولى لمجموعة من الباحثين الفرادى، الذين نشروا بحوثهم المؤسسية في ثوب المؤسسية القديمة، قبل أن تسهم حواراتهم في تنبيههم أن الفجوة بينهم وبين القديم كافية لانتزاع حقهم بالادعاء بالتجديد، وقبل أن يصبحوا هم أنفسهم آباء المؤسسية الجديدة.
[13] Robert A. Dahl, “The Behavioral Approach in Political Science: Epitaph for a Monument to a Successful Protest,” American Political Science Review, vol. 55, no. 4 (1961), pp. 763-772.
[14] Kenneth A. Shepsle, “Studying Institutions: Some Lessons from the Rational Choice Approach,” Journal of Theoretical Politics, vol. 1, no. 2 (1989), pp. 131-147.
[15] Inanna Hamati-Ataya, “Behavioralism,” Oxford Research Encyclopedia of International Studies, 11/1/2018, accessed on 24/8/2025, at:
https://acr.ps/hByaRdt
[16] Dahl,
op. cit.
[17] Hamati-Ataya,
op. cit.; John G. Gunnell, “The Real Revolution in Political Science,” PS: Political Science & Politics, vol. 37, no. 1 (2004), pp. 47-50.
[18] Mancur Olson, The Logic of Collective Action: Public Goods and the Theory of Groups (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971).
[19] Richard E. Wagner, “Pressure Groups and Political Entrepreneurs: A review Article,” Papers on Non-Market Decision Making, vol. 1, no. 1 (1966), pp. 161-170.
[20] المقصود بذلك نظرية الهيكلة (structurization) لأنتوني غيدنز. يُنظر:
Anthony Giddens, The Constitution of Society: Outline of the Theory of Structuration (Berkeley, CA: University of California Press, 1984).
[21] المقصود بذلك نظرية الممارسة لدى بيير بورديو. يُنظر:
Piere Bourdieu,
The Logic of Practice (Stanford, CA: Stanford University Press, 1992); Piere Bourdieu, “Social Space and Symbolic Power,”
Social Theory, vol. 7, no. 1 (Spring 1998), pp. 14-25.
[22] يُنظر القسم الخاص بالمؤسسية التاريخية في هذا المدخل.
[23] ينظر القسم التالي من المدخل.
[24] Powell & DiMaggio, p. 8.
[25] John W. Meyer & Brian Rowan, “Institutionalized Organizations: Formal Structure as Myth and Ceremony,” American Journal of Sociology, vol. 83, no. 2 (1977), pp. 340-363.
[26] Douglass C. North, Institutions, Institutional Change and Economic Performance (Cambridge: Cambridge University Press, 1990), p. 73-104.
[27] Lynne G. Zucker, “Organizations as Institutions,” Research in the Sociology of Organizations, vol. 2, no. 1 (1983), pp. 1-47, cited in: Powell & DiMaggio, p. 12.
[28] Powell & DiMaggio, p. 14.
[29] Meyer & Rowan,
op. cit.
[30] Powell & DiMaggio, pp. 14-15.
[31] Ibid.
[32] Ibid.
[33] Lynne G. Zucker, “The Role of Institutionalization in Cultural Persistence,” American Sociological Review, vol. 42, no. 5 (1977), pp. 726-743.
[34] James G. March & Johan P. Olsen, “The New Institutionalism: Organizational Factors in Political Life,” American Political Science Review, vol. 78, no. 3 (1983), pp. 734-749.
[35] B. Guy Peters, Institutional Theory in Political Science: The New Institutionalism, 4th ed. (Cheltenham: Edward Elgar Publishing, 2019), p. 29.
[36] Peter A. Hall & Rosemary C. R. Taylor, “Political Science and the Three New Institutionalisms,” Political Studies, vol. 44, no. 5 (1996), pp. 936-957.
[37] North, p. 6.
[38] Shepsle, “Studying Institutions: Some lessons from the Rational Choice Approach.”
[39] Kenneth A. Shepsle, “Rational Choice Institutionalism,” in: R. A. W. Rhodes, Sarah A. Binder & Bert A. Rockman (eds.), The Oxford Handbook of Political Institutions (Oxford: Oxford University Press, 2008), pp. 24-25.
[40] Adam D. Sheingate, “Political Entrepreneurship, Institutional Change, and American Political Development,” Studies in American Political Development, vol. 17, no. 2 (2003), pp. 185-203.
[41] Hall & Taylor,
op. cit.
[42] Keith Dowding, “The Compatibility of Behaviouralism, Rational Choice and New Institutionalism,” Journal of Theoretical Politics, vol. 6, no. 1 (1994), pp. 105-117.
[43] Hall & Taylor,
op. cit.
[44] Olson,
op. cit.
[45] Sheingate,
op. cit.
[46] Russell Hardin, Collective Action (Washington: RFF Press, 2015).
[47] Robert Axelrod,
The Evolution of Cooperation (New York: Basic Books, 1984).
[48] Oliver E. Williamson, The Economic Institutions of Capitalism: Firms, Markets, Relational Contracting (New York: The Free Press, 1985), p. 17.
[49] Malcolm Rutherford, Institutions in Economics: The Old and the New Institutionalism (Cambridge: Cambridge University Press, 1996), p. 81.
[50] Shepsle, “Institutional Equilibrium and Equilibrium Institutions.”
[51] بالأصل عدّل شبسل على نموذج ويليام ريكر، الذي عَدَّ المؤسسات توازنات أذواق ناتجة من البنى (equilibrium of tastes)، ويستخدم ريكر الآراء ((opinions، والقيم (values)، والأذواق (tastes)، بشكلٍ متبادل، مع أنه يميز بينها.
William H. Riker, “Implications from the Disequilibrium of Majority Rule for the Study of Institutions,” in: Peter C. Ordeshook & Kenneth A. Shepsle (eds.), Political Equilibrium: A Delicate Balance (Dordrecht, Netherlands: Springer, 2012), pp. 3-24.
ويطلق شيبسل على ما يسميه ريكر توازنات أذواق، توازنات ناجمة عن البنى، ويضيف عليها مؤسسات التوازن، ليفسر اختيار التوازن المؤسسي بالأساس.
[52] Ira Katznelson & Barry R. Weingast, “Intersections Between Historical and Rational Choice Institutionalism,” in: Ira Katznelson & Barry R. Weingast (eds.), Preferences and Situations: Points of Intersection Between Historical and Rational Choice (New York: Russell Sage Foundation, 2005), p. 11.
[53] North, p. 8.
[54] Ibid.
[55] Ibid.
[56] Barry R. Weingast & William J. Marshall, “The Industrial Organization of Congress; or, Why Legislatures, like Firms, are not Organized as Markets,” Journal of Political Economy, vol. 96, no. 1 (1988), pp. 132-163.
[57] Robert H. Bates et al., Analytic Narratives (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1998).
[58] Barry R. Weingast, “Political Institutions: Rational Choice Perspectives,” in: Robert E.Goodin & Hans-Dieter Klingemann (eds.), A New Handbook of Political Science (Oxford: Oxford University Press, 1996), pp. 167-191.
[59] James Conran & Kathleen Thelen, “Institutional Change,” in: Orfeo Fioretos, Tulia G. Falleti, & Adam Sheingate (eds.), The Oxford Handbook of Historical Institutionalism (Oxford: Oxford University Press, 2016), p. 53.
[60] Orfeo Fioretos, Tulia G. Falleti & Adam Sheingate, “Historical Institutionalism in Political Science,” in: Orfeo Fioretos, Tulia G. Falleti, & Adam Sheingate (eds.),
The Oxford Handbook of Historical Institutionalism (Oxford: Oxford University Press, 2016), p. 3.
[61] Karen Orren & Stephen Skowronek, The Search for American Political Development (Cambridge: Cambridge University Press, 2004).
يعد هذا العمل محاولةً لتلخيص الجهود المنهجية لهذه الموجة، التي اهتمت بدراسة تاريخ السياسة الأميركي.
[62] Theda Skocpol, “Bringing the State Back In: Strategies of Analysis in Current Research,” in: Peter B. Evans, Dietrich Rueschemeyer, & Theda Skocpol (eds.), Bringing the State Back In (Cambridge: Cambridge University Press, 1985), p. 6.
[63] Theda Skocpol, States and Social Revolutions: A Comparative Analysis of France, Russia and China (Cambridge: Cambridge University Press, 1979), p. 13, 25-26, 35.
[64] Ibid., p. 6.
[65] بارينغتون مور،
الأصول الاجتماعية للديمقراطية والديكتاتورية، ترجمة أحمد محمود (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008).
[66] Eric R. Wolf, Peasant Wars of the Twentieth Century (London: Faber & Fabor, 1973).
[67] Peter A. Hall, “Politics as a Process Structured in Space and Time,” in: Orfeo Fioretos, Tulia G. Falleti & Adam Sheingate (eds.), The Oxford Handbook of Historical Institutionalism (Oxford: Oxford University Press, 2016), p. 31; Kathleen Thelen, “Beyond Corporatism: Toward a New Framework For the Study of Labor in Advanced Capitalism,”
Comparative Politics, vol. 27, no. 1 (1994), pp. 107-124.
[68] Fioretos, Falleti, & Sheingate, p. 5.
[69] Karl Polanyi, The Great Transformation: The Political and Economic Origins of Our Time (Boston: Beacon Press, 1944).
[70] Kathleen Thelen & Sven Steinmo, “Historical Institutionalism in Comparative Politics,” in: Sven Steinmo, Kathleen Thelen, & Frank Longstreth (eds.), Structuring Politics: Historical Institutionalism in Comparative Analysis (Cambridge: Cambridge University Press, 1992), p. 7.
[71] Peter A. Hall & Kathleen Thelen, “Institutional Change in Varieties of Capitalism,” Socio-Economic Review, vol 7, no. 1 (2009), pp. 7-34.
[72] Thelen & Steinmo,
op. cit.
[73] Hall and Taylor,
op. cit.
[74] Katznelson & Weingast, p. 4.
[75] Paul Pierson, Politics in Time: History, Institutions, and Social Analysis (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2004), p. 120.
[76] Karen Orren & Stephen Skowronek, “Institutions and Intercurrence: Theory Building in the Fullness of Time,” in: Ian Shapiro & Russell Hardin (eds.),
Political Order: Nomos XXXVIII (New York, USA: New York University Press, 1998), pp. 111-146.
[77] Conran & Thelen, pp. 60- 61.
[78] Elizabeth Sanders, “Historical Institutionalism,” in: R. A. W. Rhodes, Sarah A. Binder, & Bert A. Rockman (eds.),
The Oxford Handbook of Political Institutions (Oxford: Oxford University Press, 2008).
[79] Giovvani Capoccia, “Critical Junctures,” in: Orfeo Fioretos, Tulia G. Falleti & Adam Sheingate (eds.),
The Oxford Handbook of Historical Institutionalism (Oxford: Oxford University Press, 2016), p. 89.
[80] Conran & Thelen,
op. cit.
[81] Pierson, pp. 17- 53.
أو بلغة رياضية مبسطة: حين يدرك الفاعلون المؤسسيون أنّ (ز+1) هي (ز)، إذ (ز) تحيل إلى الزمن.
[82] Capoccia, p. 91.
[83] Isaiah Berlin, “Historical Inevitability,” in: Patrick Gardiner (ed.),
The Philosophy of History (Oxford: Oxford University Press, 1974), pp. 161-186, cited in: Capoccia, p. 92.
[84] بشارة، ص 223-230.
[85] Capoccia,
op. cit.
[86] Capoccia,
op. cit.; Conran & Thelen,
op. cit.
[87] Ibid.
[88] Skocpol, p. 32.
[89] Richard Franklin Bensel, Yankee Leviathan: The Origins of Central State Authority in America, 1859-1877 (Cambridge: Cambridge University Press, 1990).
تُنظر كذلك مقارنة بنسل في عمل جديد بين مسارات نشوء الدول، في بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وروسيا وإيران، التي استنتجت أهمية الأخذ بالحسبان للمقصد الاجتماعي المتعالي، أو إرادة الشعب في عملية المأسسة:
Richard Franklin Bensel, The Founding of Modern States (Cambridge: Cambridge University Press, 2022).
[90] Sheri Berman, The Social Democratic Moment (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1998).
[91] Martin Shefter,
Political Parties and the State: The American Historical Experience, vol. 36 (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1993).
[92] بشارة، مرجع سابق.
[93] John Gerring, Party Ideologies in America, 1828-1996 (Cambridge: Cambridge University Press, 2001).
[94] Theda Skocpol, Diminished Democracy: From Membership to Management in American Civic Life (Norman, OK: University of Oklahoma Press, 2013).