الموجز
عزيز علي المصري (1879-1965)، سياسي وعسكري مصري، يعدّ أحد أبرز القادة العسكريين والمنظرين السياسيين الذين صاغوا مسار الحركة الوطنية العربية في النصف الأول من القرن العشرين. وُلد في
القاهرة لأسرة ذات جذور عربية من
البصرة تداخلت ثقافيًا مع الأصول الشركسية، ونشأ في مناخ وطني يجمع بين العداء للاحتلال البريطاني والولاء للدولة العثمانية.
اختار المصري المسار العسكري بالانتساب إلى الكلية الحربية في
إسطنبول، وتخرج فيها عام 1904، ليبدأ مسيرة حافلة خاض خلالها حروبًا في
مقدونيا واليمن وليبيا، حيث برز قائدًا بارعًا في حرب العصابات، وهو ما خلدته قصيدة "بطل برقة" لأحمد شوقي.
انخرط المصري مبكرًا في النشاط السياسي السري عبر
جمعية الاتحاد والترقي، وشارك في الانقلاب الدستوري عام 1908، إلا أن رؤيته الإصلاحية لمستقبل الدولة العثمانية بدأت تتمايز عن قيادات الاتحاديين، إذ كان يؤمن بضرورة تحويل الإمبراطورية إلى دولة فيدرالية ثنائية القومية (عربية-تركية) على غرار النموذج النمساوي المجري. ولتحقيق هذه الغاية، أسس في عام 1913 "جمعية العهد" السرية التي ضمت نخبة الضباط العرب في الجيش العثماني، وهو ما وضعه في صدام مباشر مع وزير الحربية
أنور باشا، انتهى باعتقاله والحكم عليه بالإعدام في عام 1914، وهي المحاكمة التي أثارت سخطًا شعبيًا ودوليًا واسعًا أجبر السلطات العثمانية على العفو عنه وإبعاده إلى مصر.
ومع اندلاع الثورة العربية الكبرى عام 1916، انضم المصري إلى جيش
الشريف حسين في
الحجاز وتولى رئاسة أركان حربه، ممارسًا دورًا تأسيسيًا في بناء الجيش النظامي العربي، بيد أن ريادته في اكتشاف المخططات الاستعمارية، وتحديدًا تسريبات اتفاقية سايكس-بيكو، دفعته لمحاولة فتح قنوات اتصال مع العثمانيين لتجنب وقوع الولايات العربية في قبضة القوى الغربية، وهو ما أدى إلى إبعاده مرة أخرى بضغوط بريطانية.
عاد المصري إلى مصر ليمثّل الأب الروحي للجيل الجديد من الضباط والشباب الناقم على السياسات الحزبية التقليدية والاحتلال البريطاني. تولى منصب المفتش العام للجيش المصري عام 1938، ثم رئيسًا للأركان عام 1939، إلا أن مواقفه الندية تجاه البعثة العسكرية البريطانية وميوله الصريحة نحو دول المحور خلال
الحرب العالمية الثانية باعتبارهما وسيلة لطرد الإنكليز أدت إلى إقالته واعتقاله بعد محاولته الشهيرة للفرار بطائرة للالتحاق بقوات رومل عام 1941.
استمر تأثيره الوطني حتى عام 1951 حين اختير قائدًا لكتائب التحرير الفدائية في منطقة القناة، حيث أشرف على تدريب المتطوعين على أساليب القتال ضد البريطانيين.
وعقب ثورة 23 تموز/ يوليو 1952، كان المصري بمنزلة "الأب الروحي" لتنظيم "الضباط الأحرار"، الذين تتلمذ كثيرٌ منهم على يديه، وعلى رأسهم
جمال عبد الناصر.
عُين سفيرًا في
موسكو عام 1953 لفترة وجيزة قبل أن يتقاعد بسبب تقدُّمه في العمر. رحل المصري في عام 1965، بعد مسيرة سياسية وعسكرية طويلة.
نشأته وتكوينه
وُلد عزيز علي عرفات، المعروف بعزيز علي المصري، في حدود العام 1879 أو 1880 في القاهرة. ويوجد جدل حول أصله العرقي إن كان عربيًا أم شركسيًا، وقد أدلى عزيز علي في عام 1916، بإفادة للسير
رونالد ستورس (1881-1955)، السكرتير الشرقي لدار
المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أوضح فيها جذور عائلته وتداخلها العرقي. وبحسب هذه الرواية، ينحدر المصري من أصل عربي، إذ كان جده سالم عرفات تاجرًا من مدينة
البصرة، ويمارس نشاطه التجاري مع بلاد
القوقاز المطلة على
البحر الأسود. وخلال عهد السلطان
محمود الثاني، توطدت علاقة عرفات بوكيله التجاري في القوقاز، وهو أحد الأعيان
الشراكسة ويُدعى حسن بك، الذي زوجه شقيقته وضمه رسميًا إلى قبيلته. ثم انتقلت العائلة إلى إسطنبول قبل أن يستقر بها المقام في مصر لمتابعة أعمالها التجارية. وبمرور الوقت، غلب الطابع الشركسي على الهوية الثقافية للعائلة أكثر من انتماءاتهم العربية الأصلية، رغم استمرارهم في الحفاظ على روابطهم بمدينة البصرة، وبنائهم شبكة صلات اجتماعية وثيقة مع القبائل العربية، لا سيما في مناطق غرب مصر[1].
نشأ المصري في مدينة القاهرة وأكمل دراسته في مدرسة ثانوية بها، خلال عهد
اللورد كرومر (بين عامَي 1883-1907). وقد تميزت الحركة الوطنية في تلك المرحلة التاريخية بسمتين متلازمتين هما: الشعور بالعداء للبريطانيين، و"الحنين" إلى العثمانيين[2]. وكان المصري الفتى والشاب مثل كثيرين من شباب مصر آنذاك ممن يرون في الدولة العثمانية دولة خلافة مستهدفة من الغرب الاستعماري، في حين لم يروا في بريطانيا سوى كونها استعمارًا.
وحين تخرج في الثانوية فإنه لم يختر إكمال دراسته الجامعية في أوروبا مع كونها فرصة متاحة، بل اختار الانتساب إلى الكلية الحربية بإسطنبول ذات النظام الألماني العصري الذي يقوم على تكامل المعارف الطوبوغرافية والرياضية والعلمية والتاريخية مع المعارف الاختصاصية العسكرية المحضة في الإعداد والتكوين، رابطًا مصيره المستقبلي بمصير الدولة العثمانية، كما بدا من خياره[3].
عزيز المصري ضابطًا عثمانيًا
حين انتسب عزيز علي إلى الكلية الحربية في إسطنبول حمل لقب المصري، وتخرج في الكلية في عام 1904 برتبة يوزباشي (نقيب)[4]. وأُرسل إلى الخدمة العسكرية في مقدونيا لقتال المجموعات العسكرية وشبه العسكرية البلغارية، وكان تحت قيادته عدد من أمهر الضباط العثمانيين، وكان بعضهم من العرب تمرسًا بحرب العصابات[5].
انخرط عزيز علي، على غرار نخبة خريجي الكلية الحربية، في صفوف
جمعية الاتحاد والترقي السرية، التي استهدفت في رؤيتها الجوهرية تحويل نظام الإمبراطورية العثمانية إلى نظام دستوري. وقد التزم المصري بتعاليم الجمعية عبر أداء يمين القسم الذي يرتكز على مبدأ "السمع والطاعة"، وبرز دوره عضوًا فاعلًا (اتحاديًا) في أحداث
الانقلاب الدستوري عام 1908 الذي أرغم السلطان
عبد الحميد الثاني (1842-1918) على إعلان الدستور. وعقب هذا النجاح، نال المصري ثقة الجمعية الكاملة، فكُلف قيادة إحدى الكتائب التي زحفت نحو إسطنبول للقضاء على حركة
الجمعية المحمدية المناهضة للدستوريين في آذار/ مارس 1909، وهي العمليات التي انتهت بإخماد التمرد وخلع السلطان عبد الحميد الثاني في نيسان/ أبريل من العام ذاته[6].
عقب ذلك، أرسلته هيئة أركان الجيش بعد ذلك إلى اليمن، وتمكن من إقناع الإمام
يحيى حميد الدين (1904-1948) بأن يسوي خلافاته مع
الباب العالي فيما يُعرف باتفاقية 9 تشرين الأول/ أكتوبر 1911 التي اعترفت بالاستقلال الداخلي لليمن[7].
الحرب العثمانية-الإيطالية
لعب المصري دورًا فاعلًا في الدفاع عن بنغازي في الحرب العثمانية-الإيطالية في طرابلس الغرب، إلى جانب
أنور بك الذي غدا باشا برتبة بكلربكي (تعادل رتبة الفريق العسكرية) ووزيرًا للحربية، ومصطفى كمال بك الصاعد نجمه يومئذ[8]. وكانت عمليات المصري في بنغازي ناجحة، ومن أهمها عمليته في 15 كانون الثاني/ يناير 1912 ضد الحامية الإيطالية في بنغازي[9]. وقد دوَّن
أحمد شوقي بطولاته في قصيدة اشتهرت يومئذ تحت عنوان "بطل برقة".
إثر عودة أنور بك ومصطفى كمال من ليبيا إلى إسطنبول، تولى المصري مسؤولية قيادة المقاومة في ليبيا، لكنه عاد بدوره إلى إسطنبول بعد توقيع معاهدة الصلح المعروفة بـمعاهدة أوشي بين الدولة العثمانية وإيطاليا في 3 تشرين الأول/ أكتوبر 1912[10]، ولم يترك برقة والجبل الأخضر إلا عندما تسلم برقية من الحكومة العثمانية تأمره بالانسحاب مع جنوده وضباطه والعودة إلى
إسطنبول[11].
الخلاف مع الشريف السنوسي
انفجر الخلاف بين السيد
أحمد الشريف السنوسي (1873-1933) قائد المجاميع السنوسية وبين عزيز المصري، حين قرر الأخير أن تحتفظ الوحدة العثمانية بأسلحتها حتى وصولها إلى واحة
السلوم، وتسليمها بعد الوصول إلى السنوسيين لاتقاء مخاطر هجمات البدو عليها وهي غير مسلحة، في حين تشبث السنوسي باستلامها في برقة، فحاول السنوسي أن يسيطر عليها عنوة، وحاصر قوات المصري في منطقة البطنان في
درنة، وحدثت اشتباكات عنيفة بين الجانبين، سقط فيها قتلى وجرحى إلى أن تمكن المصري من فك الحصار، والوصول إلى السلوم ثم إلى
الإسكندرية في 13 تموز/ يوليو 1913[12].
نتج عن ذلك اتهام أنصار السنوسي للمصري بإضعاف موقف السنوسيين ضد الإيطاليين، ومحاولة إقناع السنوسي بعدم جدوى القتال، والتخلي عن برقة ومناطق أخرى للإيطاليين، ووصموه بخيانة المجاهدين، والتآمر عليهم مع الإيطاليين[13]، وأن تعليمات أنور بك قضت بأن ينسحب المصري بقواته بلا أي سلاح إلا الأسلحة الفردية، لكن المصري لم يسلمها للسنوسي، بل أحرقها حسب تلك الرواية قبل سفره. وتحاول تلك الرواية أن تثبت مزاعمها عن الاتصالات المشبوهة للمصري مع البريطانيين والإيطاليين في عدم تسليم الأسلحة للسنوسي[14]، ولم يكن ذلك منفصلًا عن وتيرة الاستقطاب بين المصري وأنور بك، فقد سبق لأنصار الشريف السنوسي أن تحزبوا في الصراع العلني بين المصري وأنور بك إلى أنور الذي غدا خصمًا شخصيًا للمصري[15].
الاتفاق الاتحادي-العربي
إثر انقلاب الاتحاديين في 13 كانون الثاني/ يناير 1913، وإسقاط الحكومة العثمانية الائتلافية التي كانت تؤيد منح صلاحيات لامركزية واسعة للولايات العربية، انعقد
المؤتمر العربي الأول في حزيران/ يونيو 1913 بباريس . وبغية احتواء مقرراته، أوفد الاتحاديون سكرتير جمعيتهم إلى باريس، ووقع مع قادة المؤتمر اتفاقًا اتحاديًا-عربيًا يستجيب لمقررات المؤتمر، إلا أن المرسوم الذي صادق فيه السلطان
محمد رشاد (1909-1918) على الاتفاق في 18 آب/ أغسطس 1913 اختزله وعدله، وأُحيط معظم ما تبقى منه بالغموض وهو ما أصاب رجال الحركة العربية بالخيبة ثم باليأس من مصداقية العهود مع الاتحاديين[16]، وتولدت لديهم قناعة راسخة بأن الاتفاق لم يتجاوز كونه محاولة لاحتواء قرارات المؤتمر وإجهاض نتائجها. وقد تعاظم هذا التوجه إثر الأحداث الدراماتيكية التي شهدتها إسطنبول في 13 نيسان/ أبريل 1913، التي جسدت الصراع المحتدم بين الاتحاديين القائمين على فكرة القومية والمركزية الإدارية، وبين الائتلافيين دعاة اللامركزية الذين كانوا يحظون بتأييد واسع من النخب العربية المطالبة بالإصلاح. وقُتل بنتيجة ارتفاع حدة الاستقطاب فيها الصدر الأعظم
محمود شوكت باشا (1857-1913)، في 15 حزيران/ يونيو 1913، واتهم الاتحاديون الأمير
صباح الدين بك (1877-1947) بتدبيرها[17].
حين نُشر المرسوم، جاهر المصري -وكان يعمل في هيئة أركان الحرب- بتحفظه على الاتفاق، وطالب بتطويره إلى اعتراف بالاستقلال الداخلي للعرب وأن يكون لهم جيشهم الخاص وأن تُعاد هيكلة الدولة على أساس دولة ثنائية القومية على غرار الملكية النمساوية-المجرية، فدمغه وزير الحربية أنور باشا الذي كان على نزاع شديد معه بالخيانة، وتوعده بجزاء عادل[18]. كانت الأفكار التي جاهر بها المصري، وواجه بها
أحمد جمال باشا في الواقع برنامج جمعية سرية قومية أعاد المصري تأسيسها هي جمعية العهد.
جمعية العهد
كان المصري يميل إلى تعزيز الوحدة العثمانية على أساس لامركزي، ورأب الصدع بين العرب والأتراك والبلقانيين[19]، لكن تطور حركة القوميات جذب إليه الضباط العرب وليس الضباط الأتراك والبلقانيين الذين كانت لهم جمعياتهم القومية. وفي هذا السياق جاء تأسيس المصري لـجمعية العهد في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 1913
[20]، وهي تنظيم قومي عربي عسكري سري اقتصرت عضويته على الضباط العرب في الجيش العثماني. استند برنامج الجمعية السياسي إلى رؤية إصلاحية تهدف إلى تحويل الدولة العثمانية إلى دولة فيدرالية (عربية-تركية)، مستلهمة نموذج
الاتحاد النمساوي المجري إطارًا لإدارة التعدد القومي داخل الإمبراطورية. جاءت خطوة المصري بتأسيس الجمعية بعد مجاهرته بالتحفظ على مراسيم الاتفاق المعلنة، وبالتزامن مع ورود تقارير تشير إلى وجود خطة تتبناها السلطات لإبعاد الضباط العرب ونقلهم إلى حاميات الولايات النائية. أثارت هذه الأنباء قلقًا واسعًا في الأوساط العسكرية العربية، وهو ما أدى إلى زيادة مطردة في وتيرة الانتساب للجمعية، فبحلول عام 1914، ضمت الجمعية في صفوفها غالبية الضباط العرب، إذ تشير الإحصاءات إلى انضمام ما لا يقل عن 315 ضابطًا من أصل 490 ضابطًا عربيًا كانوا في الآستانة آنذاك[21].
الصراع مع أنور باشا
يعود التوتر في العلاقات بين وزير الحربية أنور باشا وعزيز المصري إلى أيام الحرب العثمانية-الإيطالية، حين احتدم النزاع بينهما حول قرار أنور في آب/ أغسطس 1912 بشن عملية عسكرية ضد تحصينات الإيطاليين المنيعة في درنة، فامتنع مصطفى كمال عن المشاركة فيها لكونها محكومة بالفشل مسبقًا، كذلك حث بقية الضباط على اتخاذ الموقف ذاته. وقد أيد عزيز علي وجهة نظر مصطفى كمال وسانده في معارضة خطة أنور باشا. وإثر ذلك بات التوتر بين أنور بك وبين المصري "علنيًا ولم يخف شيء من ذلك عن الضباط"، ووصف جعفر العسكري عقابيل التوتر بينهما بأنها قد تحولت إلى ضغينة شخصية: "فكان كلما نجح عزيز في بنغازي امتعض أنور بك، كأنه اعتبر نجاح عزيز فوزًا لعدو"[22].
وعكس ذلك انقسامًا أوسع داخل المؤسسة العسكرية العثمانية بين تيارين: تيار موالٍ لأنور بك، وتيار يميل إلى مصطفى كمال بك. وقد اتخذ التوتر طباعًا علنيًا وحادًا في أعقاب العمليات العسكرية بليبيا، فرغم النجاحات الميدانية التي حققها المصري في جبهة بنغازي وقيادته لهجمات مؤثرة ضد القوات الإيطالية، فإن الصدام تزايد مع أنور بك الذي كان يشغل منصب القائد العام في بنغازي[23]. وحين تولى أنور بك وزارة الحربية في أوائل عام 1914، وغدا برتبة باشا بكلربكي (فريق) بعد مصاهرته السلطان، تقدم المصري في 20 كانون الثاني/ يناير 1914 إلى نظارة الحربية باستقالته، مبديًا في نصها استعداده للعودة عنها إن احتاج الوطن إلى خدماته، وإن عينت وزارة الحربية له القوة التي سيقودها[24]، فأبرز المصري في ذلك أعلى درجات تحديه لوزير الحربية الجديد الذي كان في الوقت نفسه أحد أبرز أقطاب القيادة الثلاثية لجمعية الاتحاد والترقي (أنور باشا، وطلعت باشا، وأحمد جمال باشا) التي استولت على الحكم. أما جمال باشا فرد التوتر بين المصري وأنور باشا، إلى غيرة المصري الشخصية منه بعد أن غدا باشا، وعُين وزيرًا للحربية[25].
المحاكمة والحكم بالإعدام
أصدر أنور باشا في 9 شباط/ فبراير 1914 أمرًا باعتقال المصري، وأُحيل إلى محكمة عسكرية بتهمة اختلاسه ثلاثين ألف جنيه سلمها إليه أنور باشا قبل مغادرته طرابلس[26]. وبعد محاكمته والحكم عليه بالاعدام، أصدرت الحكومة العثمانية بيانًا رسميًا بحق القائمقام (عقيد أركان حرب) عزيز المصري، أوضحت فيه أن المحكمة العسكرية، بناء على تحقيقات أجرتها في أعقاب شكاوى رسمية، قد وجهت إليه خمس تهم رئيسة، وهي:
- اتهامه بإخلاء سبيل المدعو حسين بسكري، الذي كان محكومًا عليه سابقًا بتهمة التجسس خلال فترة قيادة المصري في بنغازي.
- اتهامه بتبديد قوة عسكرية في مواجهات ميدانية وُصفت بأنها "بلا مبرر".
- اتهامه بالانسحاب في أثناء القتال في وقائع "شينيمير" (Chenymèrc) على نحو يخالف الأوامر العسكرية الصاردة إليه وبلا إخطار مسبق، وهو ما أدى إلى مقتل عدد من الضباط والجنود.
- عجز المصري عن تقديم تفسيرات حول أوجه صرف مبالغ مالية كانت قد وُضعت تحت تصرفه لأغراض عسكرية.
- اتهامه باتخاذ مواقف أدت إلى إحداث شقاق وتفرقة بين الرعايا المسلمين وبقية الرعايا العثمانيين.
وبناء على هذه الحيثيات، واستنادًا إلى المادتين: 42 و83 من قانون العقوبات العسكري، أصدرت المحكمة العسكرية حكمًا يقضي بالإعدام بحق عزيز المصري[27].
أثار الحكم ثائرة الضباط والشخصيات العربية، وعددًا من الشخصيات التركية الساخطة على أنور باشا. وتحشدت التظاهرات في الشوارع احتجاجًا على ذلك، واشتدت الضغوط الدبلوماسية الغربية على الحكومة العثمانية كي تحول دون إعدامه، وهو ما دفع السلطان إلى تخفيف الحكم عليه في 15 نيسان/ أبريل 1914 من الإعدام إلى السجن خمسة عشر عامًا مع الأشغال الشاقة، ثم إصدار عفو عنه في 21 نيسان/ أبريل 1914، مشفوع بقرار إبعاده عن الآستانة، فغادر المصري إسطنبول إلى القاهرة[28].
الانضمام إلى الثورة العربية
إثر ارتفاع مؤشرات دخول الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا رأى معظم الشخصيات العربية وأعضاء الجمعيات العربية السرية المتشكلة سابقًا تجميد المطالب العربية مؤقتًا ريثما تنتهي الحرب[29]. ووجَّه عزيز المصري، بوصفه المؤسس السري للجمعية القحطانية ثم مؤسس جمعية العهد، من مقر إقامته في القاهرة "تحذيرًا لقادة الجمعية الجديدة، [أي جمعية العهد] في الولايات العربية العثمانية، من أن ينساقوا إلى القيام بعمل عدائي تجاه الدولة، لأن دخولها الحرب سيعرض ولاياتها العربية للغزو، وهذا ما يحتم عليهم الآن أن يقفوا بجانبها إلى أن يحصلوا على الضمانات الكفيلة بحماية هذه الولايات من المآرب الأوروبية"[30].
وبعد دخول السلطنة الحرب، سرى تقدير بين بعض الضباط العرب ومنهم عزيز المصري، بأن حالة الدولة العثمانية قد غدت بعد دخولها الحرب غير مستقرة و"أنهم يؤيدون ضرورة العمل لإنقاذ العرب وتحقيق أهدافهم"[31]، بمعزل عن أية معرفة باتصالات
الحسين-مكماهون[32].
وقد عاصرت جمعية العهد جمعية قومية عربية أخرى هي جمعية
العربية الفتاة (1909) التي اعتمدت نهج جمعية العهد، وكانت متفقة مع هذا النهج في كل ما يتعلق بالحكم الذاتي العربي[33]، وقررت التحالف مع
الشريف حسين في إعلان
الثورة العربية، من مكة خشية أن تقع الولايات العربية العثمانية في قبضة الغرب. وجاء في قرارها أنه "نتيجة لاشتراك تركية في الحرب أصبح مصير الولايات العربية في الدولة العثمانية معرضًا لمخاطر شديدة، ويجب بذل جميع الجهود لضمان حريتها واستقلالها. كما تقرر أنه إذا تحقق أن للدول الأوروبية مطامع في هذه البلاد فإن الجمعية ملزمة بأن تعمل إلى جانب تركية لكي تقاوم التدخل الأجنبي مهما تكن صورته"[34].
في إطار هذه الرؤية، التحق المصري بالثورة العربية في الحجاز التي أعلن عنها الشريف حسين في 10 حزيران/ يونيو 1916. ولم يكن في التحاقه انحراف عن مبادئه في تأسيس مبادئ العهد، إذ أعلن الشريف أن الثورة ليست ضد الدولة العثمانية بل ضد جمعية الاتحاد والترقي[35]. وبعد وصوله في أواسط أيلول/ سبتمبر 1916 إلى الحجاز، وتوليه في 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1916 رئاسة أركان الحرب ووكالة رئاسة الجند لتأسيس الجيش العربي النظامي في الحجاز[36]، حصل المصري على رتبة فريق بعد أن حمل رتبة الباشوية من درجة البيكلربيكية التي تؤهل حاملها لرتبة فريق.
انخرط المصري في الثورة العربية ضد التيار المركزي في جمعية الاتحاد والترقي وليس ضد الدولة العثمانية. ومن هنا حاول إثر وقوع المعارك الأولى ضد الحامية العثمانية في المدينة المنورة، أن يواصل اتصالاته مع القيادة العثمانية، وأن يقنعها بتجنب المواجهة حفاظًا على المدينة المنورة التي ترابط فيها الحامية العثمانية، فمن ناحية، ووفق بعض الشهادات، أعد رسالة حول ذلك إلى طلعت باشا وكلف علي جودت إيصالها[37]، ومن ناحية ثانية حاول أن يقنع الشريف حسين وابنه الأمير فيصل بأنه "من الأفضل عدم قطع الصلة تمامًا مع تركية وألمانية"[38].
التسريبات عن اتفاقية سايكس-بيكو
في أواخر حزيران/ يونيو، وأوائل تموز/ يوليو 1917، وقبل فضح البلاشفة في روسيا لاتفاقية سايكس-بيكو في 23 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1917، عبرت مذكرة بريطانية قدمها في تموز/ يوليو 1917
ديفيد جورج هوغارث (David George Hogarth، 1862-1927) مدير المكتب العربي عن تسرب أخبار
اتفاقية سايكس-بيكو لبعض الشخصيات العربية، وأن هذه الشخصيات تنامى لديها بعد هذه التسريبات إحياء فكرة الائتلاف العربي-التركي[39].
كان عزيز المصري، الذي عينه الشريف حسين رئيس هيئة الأركان ووزير الحربية في الحكومة العربية الهاشمية (الحجازية)، هو الذي تسربت عرضًا له بعض الشذرات عن الاتفاقية السرية في حديث دار بينه وبين
الكولونيل نيو كمب، وأبلغ المصري حسين بما سمعه، وبدوره أرسل الأخير رسالة إلى المعتمد البريطاني في الحجاز
الكولونيل سيريل ولسون (Cyril Wilson، 1873-1938) يستوضحه عن الموضوع في 16 آذار/ مارس 1917، وطلب منه التحقيق فيه، لكن ولسون أجابه بأن الكولونيل نيو كمب لا يذكر شيئًا من هذه التفاصيل التي دارت بينه وبين المصري، وأن على المصري أن يعرف أن بريطانيا ستعاضد الشريف حسينًا في المستقبل كما عاضدته في الماضي بكل وسيلة، وأنها وحلفاءها مصممون أن لا يعقدوا الصلح إلا بعد أن تُهزم ألمانيا تمامًا. وقد كان من ثقة الشريف بصدق أقوال الإنكليز أنه وافق على ما قاله له ولسون وقال إنه لا يصدق ما بلغه من عزيز[40].
أخذت الشكوك باتفاقيات سرية محوكة تدب في المصري، وأثارت مخاوفه القديمة من الأطماع الغربية، وعاد إلى التداول مع ضباطه حول مشروعه القديم بإنشاء دولة عربية-تركية ثنائية القومية على غرار اتحاد النمسا-المجر[41]، وأعاد بث شكوكه بتصريحه بما معناه: "يلوح لي أن الإنكليز يريدون القضاء على العرب والترك في آن واحد"[42]. كذلك حاول المصري أن يقنع الحسين وفيصلًا بأنه "من الأفضل عدم قطع الصلة تمامًا مع تركية وألمانية"[43].
وعمومًا، أثارت هذه الواقعة قلق الإنكليز جراء عزيز المصري، إذ كانوا يرغبون في كتمان أمر اتفاقية سايكس-بيكو، التي تسرع نيو كمب أن حدث المصري عنها، واتخذ الأخير موقفًا سياسيًا منها.
الاتصال مع الصدر الأعظم طلعت باشا
حاول المصري أن يتفاهم سرًا مع قائد الحامية العثمانية في المدينة المنورة بتسليمها إلى ضباط عرب في الجيش العثماني سلمًا للتفاهم مع الحكومة العثمانية على مصير البلاد العربية قبل أن يطأها الأجنبي، وزود أحد تلامذته وهو
علي جودت (1886-1969) بالخطة ليوصلها إلى
طلعت باشا (1874-1921) الصدر الأعظم والقطب الاتحادي المهيمن على قيادة الاتحاد والترقي، وأضاف جودت في رسالته إلى الأمير آلاي نجيب بك قائد حامية المدينة العثماني أن الضباط العرب في الحجاز سيكونون "إلى جانبهم إذا حصل الاتفاق على هذه الخطة"، وهو ما أثار امتعاض الحسين، واتخاذه قرارًا بإبعاده عزيز المصري إلى القاهرة، لولا تمكن الأمير فيصل من ثني والده عن ذلك[44].
انعكست حالة عدم الثقة المتبادلة على التنسيق العسكري في الحجاز، وتجسد ذلك في نشوب شكوك عميقة بين الشريف
علي بن الحسين (1879-1935)، قائد القوات العربية في منطقة رابغ، وبين عزيز المصري. وقد بلغت هذه الشكوك ذروتها حين قرر الشريف علي الانسحاب المفاجئ من خطة هجومية كان يعدها المصري لاستهدف المواقع التركية؛ وذلك خشية أن تكون التحركات المقترحة بمثابة "فخ عسكري" من تدبير المصري لاستدراج القوات العربية وتسليمها للقوات العثمانية، مما عكس هوة واسعة في التفاهم بين القيادتين الميدانيتين آنذاك[45].
الإبعاد من الحجاز إلى القاهرة
تضافر ذلك مع تصريحات المصري الاحتجاجية على البريطانيين على خلفية عدم تزويد البريطانيين الجيش بالمدافع[46]. وفي النهاية لم يعد وجود المصري مرغوبًا به ضمن قوات الشريف حسين، فُمنح إجازةً إلى القاهرة، ولم يعد بعدها قطُّ إلى الحجاز[47]، وفي القاهرة نصح الضباط الذين قرر البريطانيون الإفراج عنهم للالتحاق بالثورة العربية في الحجاز بألا يتسرعوا ويتورطوا فيما تورط به. وكان من أبرز من تلقى هذه النصيحة جعفر العسكري[48]، وعين عبد المنعم القيسوني بدلًا من المصري وزيرًا للحربية، وكان القيسوني مصري الجنسية وصفه
علي جودت الأيوبي أحد أبرز الضباط النظاميين في الجيش، بأنه "عين الإنكليز الساهرة على الملك حسين، وموضع ثقتهم في ما يكنه العرب نحوهم"، لكن تلامذة المصري رفضوا الانصياع إلى الضابط التركي الذي عينه القيسوني قائدًا لهم، ففُرض نوع من التضييق على بعض قادة الضباط، ونُقلوا إلى أمكنة أخرى بعيدة عن مكة، وعن الاتصال بالحامية العثمانية في المدينة، في حين أُبعد علي جودت إلى القاهرة[49].
دفع هذا القلق المندوب السامي البريطاني بالقاهرة في نيسان/ أبريل 1917 بعد احتواء خطة المصري التي عرضها على قائد الحامية العثماني
فخري بك بتسليم الحامية مقدمة للتفاهم والقتال معًا ضد الخطر الأجنبي، وإبعاد المصري وعلي جودت الأيوبي إلى القاهرة، ونقل
نوري السعيد (1888-1958) إلى جيش الأمير
عبد الله بن الحسين (1882-1951) بعيدًا عن مكة، إلى الاقتراح على وزارة الخارجية تقديم إيضاحات إلى الحسين حول "طمأنة الملك حسين بخصوص أهداف الفرنسيين في داخلية سورية" والإيضاح باحتفاظ بريطانيا في "بغداد ومنطقتها" بـ"السيطرة العسكرية والسياسية التي تتطلبها مصالحنا الاستراتيجية والتجارية". وجاء في البرقية أنه سيكون ممكنًا في اجتماع لاحق مع الحسين "إعطاء تفاصيل أخرى عن ذلك الجزء من الاتفاقية الإنكليزية-الفرنسية الذي يتعلق بإنشاء اتحاد عربي أو دولة عربية مستقلة"[50].
ومن ثم، كانت بعض خطوط اتفاقية سايكس-بيكو قد تسربت قبل فضح البلاشفة لها في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 1917، وأحدثت أول ردة فعل في الجيش العربي بالحجاز، تمثلت في تداوُل الضباط العهديين مسألةَ العودة إلى برنامجهم الأساسي وهو التفاهم العربي-التركي حول دولة ثنائية القومية.
الإبعاد إلى إسبانيا
عزيز المصري في السجن عام 1914
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
بُعيد عودته إلى القاهرة في أواخر العام 1916، غدا المصري في وضعية رقابة على حركته وتصريحاته واتصالاته. وكان المصري بطبيعته ممن يسهل مراقبته استخباريًا، إذ على الرغم من أنه كان مؤسس جمعية سرية، فقد اشتهر بالصراحة، معبرًا عن خصائصه الشخصية والعسكرية. وفي ضوء ما رصدته السلطات العسكرية البريطانية من تلك الحركة أبعدته إلى
إسبانيا للحد من تأثيره بزعم الاشتباه بميوله الألمانية، ليقضي فيها العامين الأخيرين من
الحرب العالمية الأولى (1914-1918)[51]. وفي إسبانيا اتصل بالسفير الألماني فيها، وعرض خدماته للقتال مع الجيش الألماني، والانضمام إلى هيئة الأركان الألمانية، مدعيًا قدرته على قيادة جيش مؤلف من خمسين ألف رجل، فهربته الاستخبارات الألمانية إلى ألمانيا، وعمل مدرسًا في كلية أركان الحرب[52] .
العودة إلى القاهرة
البحث عن عمل
بعد عودته إلى القاهرة عرض خدماته على القصر، وكان المصري يومها نجمًا، لكن تعامل معه الملك
فؤاد الأول (1922-1936) بحذر بسبب شكوكه بعلاقاته مع الخديوي السابق
عباس حلمي الثاني الذي تولى الخديوية خلال الفترة الممتدة بين عامي 1892-1914، وخلعه البريطانيون عن العرش في عام 1914. فاختار المصري الابتعاد، وحاول في ظل استبعاد الملك فؤاد له أن يبحث عن فرصة عمل.
زار المصري في رحلة البحث هذه بين عامي 1923 و1925 سورية والعراق وإيران. وفي العراق حاول أن يجد بواسطة صديقه العهدي القديم
ياسين الهاشمي (1882-1937) فرصة للعمل في الجيش العراقي الوليد، لكن الملك فيصل الذي كان يحافظ على درجة من التوازن بين المعارضين والمعتدلين تجاه السياسة البريطانية لم يرغب بذلك، إذ استاء من حديث المصري عن الفساد، وتدخله في الشؤون الداخلية. كذلك فإن المعتمد البريطاني ببغداد رفض ذلك مفضلًا منحه وظيفة مدنية في شركة النفط العراقية، فغادر المصري بغداد إلى طهران وعرض عليها خدماته العسكرية، لكنه لم يجد استجابة منها[53]، فعاد إلى القاهرة في عام 1926.
في خدمة القصر
لاحت للمصري بعد عودته إلى القاهرة فرصة للبروز في اجتماع له مع
سعد زغلول (1858-1927)، زعيم
حزب الوفد، وكان هذا اللقاء اعترافًا من زغلول بالقيمة الرمزية الكبيرة للمصري، كذلك كان مرضيًا للمصري بحسبان أنه التقى أقوى زعماء مصر السياسيين والبرلمانيين والشعبيين، لكن من المبالغة فيه الحديث عن أثر هذه العلاقة بأكثر من حرص سعد زغلول باشا على احتضان المصري واستثمار مكانته في تعظيم دور الوفد، وكانت العلاقة على العموم فترة قصيرة إذ وقعت وفاة زغلول المفاجئة في عام 1927، فلم يرحب من تولوا قيادة الوفد بعده بمنحه دورًا خشية من طموحاته الخاصة، فانزوى لفترة يخطب ود القصر إلى أن جاءته فرصة تعيينه مديرًا لمدرسة الشرطة (البوليس) في أثناء حكم وزارة
محمد محمود باشا (حزيران/ يونيو 1928 - تشرين الأول/ أكتوبر 1929) رئيس
حزب الأحرار الدستوريين، المعادية للوفد. وتعززت ثقة القصر به فعُين مرافقًا أو وفق التسمية الرسمية "رائدًا" لولي العهد آنذاك الأمير فاروق حين أوفد في تشرين الأول/ أكتوبر 1935 للدراسة في بريطانيا، وكان حينذاك في الخامسة عشر من عمره، لكن ضاق فاروق وحاشيته به ذرعًا، فلكونه عسكريًا كان المصري يتدخل في كل شيء ويعلق على أي سلوك لا يراه مناسبًا، فانتهى به الأمر إلى أن عاد إلى القاهرة[54]، في حين يرى آخرون أن الملك فؤادًا قد امتعض من بعض آراء المصري، فأعفاه من مسؤولية مرافقة فاروق، وأسندها إلى
أحمد حسنين باشا[55].
في الجيش المصري
مفتشًا عامًا للجيش
إثر الخلاف بين حكومة الوفد برئاسة
مصطفى النحاس باشا وبين الملك فاروق، حل الملك الحكومة، وكلف الخصم اللدود للوفد ورئيس حزب الأحرار الدستوريين
محمد محمود باشا تشكيل وزارته الثانية (30 كانون الأول/ ديسمبر 1937 - 27 نيسان/ أبريل 1938). وفي 11 كانون الثاني/ يناير 1938 عينت الحكومة عزيز المصري مفتشًا عامًا للجيش ومنحته رتبة لواء، وكان أول مصري يتولى هذا المنصب في الجيش، لكن المصري اصطدم بالبعثة البريطانية العسكرية، وتمكن البريطانيون في أوائل 1939 من تقييد صلاحياته وسلطاته مفتشًا عامًا إلى الحد الأدنى[56]، وقد احتج المصري على ذلك وعقد مؤتمرًا صحفيًا أبدى فيه استنكاره لتعطيل عمله موظفًا في الدولة[57]. وصب ذلك في رصيده لدى الحركات الشبابية عمومًا ولدى الضباط الشباب خصوصًا بوصفه معارضًا للسياسة البريطانية.
رئيسًا لأركان الجيش
لم يمكث المصري في منصب المفتش العام للجيش إلا شهورًا قليلة. ومع قرب اندلاع
الحرب العالمية الثانية وفي ظل ظرف دولي مشحون بالتوتر، أُقيلت حكومة محمد محمود باشا الرابعة، وتشكلت حكومة جديدة برئاسة رئيس الديوان الملكي
علي ماهر باشا (18 آب/ أغسطس 1939 - 27 حزيران/ يونيو 1940)، انتهجت سياسة عدم إعلان مصر الحرب على ألمانيا وتجنيبها ويلاتها، وضمت الحكومة بعض الساسة المصريين المعادين للسياسة البريطانية، ومن ذوي التوجه الإسلامي والعربي البعيدين نسبيًا عن نزعة التغريب، مثل:
عبد الرحمن عزام وصالح حرب، وفي هذا السياق استعانت الحكومة بعزيز المصري في رئاسة الجيش[58]. لقد وجد ماهر في المصري خير عسكري-سياسي ينفذ سياسته، فنصبه في 31 آب/ أغسطس 1939 رئيسًا لأركان الجيش المصري[59]، لكن ذلك أثار ريبة البريطانيين الشديدة بسبب ما عُرف عنه من العداء الشديد لبريطانيا وإعجابه الشديد بالعسكرية الألمانية. واستفحل الخلاف بين المصري والبعثة البريطانية العسكرية مع عمله الدائب لتقويض مركزها وإرخاء قبضتها عن الجيش ومحاولاته الاستقلال عنها، وأدائه بعض الإصلاحات في نظم الجيش، وهو الأمر الذي لفت إليه نظر الشباب من الضباط بوصفه مصلحًا يُرجى النفع على يديه، مع مراعاة أنه يوجد قسم من الحركة الوطنية وخاصة في صفوف الشباب كان يميل إلى ألمانيا كراهة للاحتلال البريطاني، عدو الحركة الوطنية المصرية الرئيس[60]. وقد اشتدت شكوك بريطانيا ومخاوفها من المصري بعد دخولها الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا بسبب صراحته في التعبير عن عواطفه واتجاهاته وآرائه.
مع ذلك حاول المصري اتقاء لعواقب هذه الشكوك أن يطور علاقة إيجابية مع البعثة البريطانية في القاهرة، لكن البريطانيين لم يروا في ذلك غير تحايل عليهم، فاستمروا بالضغط لإقالته. واضطُر علي ماهر، اتقاء لأزمة مع البريطانيين غير الراضين عنه وعن حكومته وامتصاصًا لضغوطهم عليه، إلى إصدار قرار بإقالة المصري في شباط/ فبراير 1940 من منصبه في صيغة إجازة لمدة ثلاثة أشهر. وامتعض المصري من ذلك امتعاضًا شديدًا، وأصبح في حالة عصبية غير طبيعية وانتابه الحزن والاضطراب في تلك الآونة، لكن منزله تحول إلى محج للضباط الشباب الساخطين على البريطانيين[61]، وتحول إلى رمز للحركات الشبابية الراديكالية، كذلك تحول منزله بعد الإفراج عنه إلى منتدًى يزوره الضباط الشباب وقادة الطلبة والشباب "وكانوا يعدونه جميعًا الأب الروحي لهم جميعًا"[62].
وقد بدأ دخول هؤلاء الضباط الشباب الكلية الحربية عام 1936، فكانوا ممن استفادوا من السياسة التي وضعها الوفد حين تولى الحكم عام 1936 لتوسيع الجيش ولئلا يبقى وقفًا على أبناء الطبقات الحاكمة، وذلك عقب عقد
معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا، وهو ما أتاح لأبناء الطبقات الشعبية الالتحاق بالجيش. وكانوا ذوي نزعات وطنية تغييرية معادية بشدة للبريطانيين، ستتضح لاحقًا في تركيبة الهيئة التأسيسية لتنظيم الضباط الأحرار، وأنهم من أصول شعبية ثمانية منهم دخلوا الكلية الحربية عام 1936 وخمسة آخرون بعد ذلك[63].
وفي سياق هذه الحالة التي انتابته والتي ارتفعت فيها وتائر سخطه على البريطانيين، أعلن المصري، وهو خارج الخدمة للضباط الشباب والشباب الذين دأبوا على زيارته والاستماع إليه، ضرورة تحشد الجيش المصري في العلمين، ونُقل عنه ضرورة استغلال ذلك للانضمام إلى الألمان[64]، فاشتدت الضغوط البريطانية على حكومة
حسن صبري باشا (27 حزيران/ يونيو - 14 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1940) التي حلت محل حكومة علي ماهر وضمت عناصر موالية للبريطانيين، من أجل التخلص من المصري، فأحالته هذه الحكومة إلى التقاعد بسبب ميوله الألمانية الواضحة[65].
محاولة الفرار إلى المواقع الألمانية: حادثة الطائرة
لم يستسلم المصري لإقالته، بل استمر في ممارسة دور فاعل في الأحداث السياسية مستندًا إلى ديناميكيته ومكانته الاعتبارية. وقد تركز تأثيره بشكل ملحوظ في أوساط الحركات الشبابية، لا سيما الضباط الشباب الذين استمروا في التواصل معه والاسترشاد بآرائه. اتسم التيار العسكري الملتف حول المصري بالراديكالية، إذ سادت بينهم قناعة بأن استقلال مصر من الاحتلال البريطاني لن يتحقق إلا عبر القوة العسكرية. وكان هؤلاء الضباط يترقبون تحول موازين القوى في الحرب العالمية الثانية، معولين على احتمالية هزيمة بريطانيا أمام ألمانيا فرصة مواتية لإعلان ثورة مسلحة تنهي الوجود البريطاني في البلاد[66].
وجاءت الفرصة سانحة له حين تقدم الجيش الألماني في عام 1941 نحو مصر بقيادة المارشال
إروين رومل (Johannes Erwin Eugen Rommel، 1891-1944)، وشهدت ثلاثينيات القرن العشرين في مصر تحولًا بارزًا في المشهد السياسي، تمثل في ظهور حركات وجماعات شبابية متمردة على نموذج "الأحزاب التقليدية البرلمانية" التي جسدها حزب الوفد وحزب الأحرار الدستوريين. وارتبط عزيز المصري بروابط وثيقة مع هذه القوى الجديدة، لا سيما تلك المعادية لنهج الوفد، مثل: جماعة الإخوان المسلمين، وحزب
مصر الفتاة، والحزب الوطني. وجدت هذه الحركات في أطروحات المصري دعمًا لمنطلقاتها، إذ كان يرى أن العمل الحزبي في مصر قد انحرف عن مساره الصحيح عقب وفاة سعد زغلول. وكثيرًا ما وجه المصري انتقادات لاذعة إلى إخفاقات الأحزاب التقليدية في تحقيق الاستقلال، ولم يستثنِ من ذلك حزب الوفد رغم كونه حزب الأغلبية الشعبية آنذاك. وتأثرت الجموع المصرية، المؤلفة أساسًا من تلك الحركات الشبابية الراديكالية، بالظروف الدولية إبان الحرب العالمية الثانية، إذ ساد شعور بأن هزيمة بريطانيا هي السبيل الوحيد للتحرر الوطني. وانعكس هذا التوجه في المظاهرات التي رفعت شعار "إلى الأمام يا رومل"، تعبيرًا عن التطلع إلى وصول القوات الألمانية إلى مصر لطرد الاحتلال البريطاني، وهو المناخ السياسي الذي كان المصري أحد رموزه الفكرية والروحية المؤثرة[67].
وجاءت حركة
رشيد عالي الكيلاني (أيار/ مايو 1941) لتعطي المصري فرصة الانضمام إليها والاتفاق مع الألمان على تهريبه بطائرة كانت تنتظر، حسب رواية الضابط الشاب
أنور السادات، في نقطة محددة عند مدخل طريق الفيوم للمشاركة. وكان المصري على معرفة بتكون نويات تنظيم الضباط الأحرار، فطلب من التنظيم عن طريق أنور السادات نقله إلى تلك النقطة في الصحراء، لكن سيارة النقل تعطلت، وفشلت خطة الانتقال، فاستُبدلت الخطة وفق رواية أنور السادات بالاستيلاء في 16 أيار/ مايو على طائرة واستخدامها للوصول إلى بيروت التي كانت يومئذ تحت حكومة فيشي الخاضعة للألمان[68]، في حين يشير محمد حسين هيكل إلى أن الهدف منها هو نقله إلى الخطوط الألمانية لكن يجمع الكل على أن الطائرة التي أقلته سقطت بعد دقائق من إقلاعها، ووصف هيكل انتشار هذا الخبر بأنه "أثار في البلاد دويًا وضجة"[69]، لا سيما بعد أن أعلنت الحكومة في بلاغين رسميين عن الحادثة، وخصصت جائزة قدرها ألف جنيه لمن يساعد في اعتقال المصري ورفيقيه الطيارين الأولين: عبد المنعم عبد الرؤوف وحسين ذي الفقار صبري، أو أحدهم، وهددت بعقوبات شديدة لمن يتكتم عنهم[70].
اعترف المصري لمدوِّن سيرته، محمد عبد الحميد، بأنه كان يريد أن يلتحق برومل ثم بهتلر، بهدف الانتصار على البريطانيين وإجلائهم عن مصر[71]، وكانت القاهرة حينذاك تموج بتظاهرات تطلق شعار "إلى الأمام يا رومل"[72]. تفاعلًا مع اعتقال عزيز المصري والملاحقات الأمنية التي طالت العناصر الوطنية الشابة، سادت حالة من الغضب في أوساط الجناح الراديكالي بالحزب الوطني. ووجه هؤلاء الشباب انتقادات حادة إلى رئيس الحكومة
حسين سري باشا، الذي تولى منصبه في 15 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1940، متهمين إياه بالتبعية الكاملة لسلطات الاحتلال البريطاني وتنفيذ إملاءاتها. وفي سياق هذا الاحتدام السياسي، تداول عدد من هؤلاء الشباب فكرة اغتيال حسين سري باشا، تعبيرًا عن رفضهم لسياسات حكومته التي اعتبروها أداة في يد الاحتلال، وردًا على الإجراءات القمعية التي استهدفت الرموز الوطنية وفي مقدمتهم المصري[73].
المحاكمة والإفراج
أخيرًا، اعتقلت السلطات الأمنية المصرية المصري في عام 1941 وشكلت مجلسًا عسكريًا خاصًا لمحاكمته، واستغرقت المحاكمة عدة أشهر، بدأت في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 1941 وتأجلت جلساتها عدة مرات لاعتبارات شكلية قانونية. ظل المصري في السجن حتى أفرجت حكومة مصطفى النحاس باشا عنه وعن زميليه بقرار استثنائي[74]، بهدف كسب ود الضباط الشباب الذين بلغ سخطهم على حكومة النحاس باشا ذروته بسبب أن حكومته قد تشكلت إثر
حادث 4 شباط/ فبراير 1942 الذي حاصرت فيه القوات البريطانية
قصرَ عابدين، وأرغمت الملك على تكليف النحاس بتشكيل الحكومة بدلًا من حكومة علي ماهر. وقد حصد المصري خلال جلسات محاكماته مزيدًا من الشعبية وسط الحركات الشبابية، وخرج بعد الإفراج عنه من السجن منتصرًا، فتدفق عليه الزوار، وكان في مقدمة من زاره في عام 1942 مجموعة ضباط شباب يتصدرهم جمال عبد الناصر، ممن برزوا بعد فترة مع تأسيس تنظيم "الضباط الأحرار". وقد جدد المصري أمامها بأن طريق الثورة هو الطريق الوحيد للتغيير[75].
الاعتقالات
ظل المصري على صلة مع كل الحركات الشبابية: الإخوان المسلمون والحزب الوطني والضباط الأحرار وبعض المجموعات الوطنية الشبابية المتطرفة المستقلة الأخرى، لكنه وفق بعض دارسيه لم يكن يؤيد الاتجاهات العنفية[76]، في حين يشير آخرون من أعضاء الخلايا السرية الشبابية التي كانت تحت رعاية المصري مباشرة إلى أنه كان ينمي لديهم "التوجه لاغتيال الجنود الإنكليز والحلفاء"، وأنه "كان ينزع إلى الاغتيالات السياسية، ويرى أنها يمكن أن تؤدي إلى إرهاب الحكام، وزعزعة مكانتهم، ثم القضاء عليهم بعد ذلك"[77].
إلا أن الثابت تاريخيًا هو الدور التوجيهي الذي مارسه المصري، إذ كان يحض الضباط والشباب الوطنيين بصفة مستمرة على المضي قدمًا في تنفيذ خططهم الرامية إلى الاعتراض السياسي أو التحرك الانقلابي ضد السلطات القائمة، محفزًا إياهم على اتخاذ خطوات فعلية لتغيير الواقع السياسي والتحرر من النفوذ الأجنبي[78].
اعتُقل المصري بعد عزله من رئاسة أركان الجيش أربع مرات. كانت المرة الأولى إثر حادثة الطائرة (13 آب/ أغسطس - 20 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1941) وخرج منها قويَّ النفوذ في أوساط الشباب، وذلك بعد إفراج حكومة مصطفى النحاس عنه وإلغائها المحاكمة. وجاء الاعتقال الثاني إثر اغتيال
أحمد ماهر، رئيس الحكومة المصرية، في 24 شباط/ فبراير 1945 بُعيد إعلانه الحرب على ألمانيا واليابان، إذ حوكم في أوائل آذار/ مارس 1945 مع عدد آخر أمام محكمة استئناف القاهرة بتهمة الاشتراك في قضية اغتيال ماهر[79]. ثم كان الاعتقال الثالث إثر اغتيال
أمين عثمان الوزير الوفدي الذي كان يُعتبر ممثل البريطانيين في حزب الوفد، في 5 كانون الثاني/ يناير 1946. أما الاعتقال الرابع فكان بعد اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي باشا في 28 كانون الأول/ ديسمبر 1948، وقد اتّهم المصري في حادثة ضبط سيارة متفجرات متوجهة إلى القاهرة، معروفة بقضية سيارة الجيب التي اتُّهم فيها عناصر من جماعة الإخوان المسلمين، إذ كان يقودها أحد من يترددون على مجالس المصري[80].
معارك القناة
قائدًا لكتائب التحرير
شجع المصري الشباب المنضوين تحت إطار جبهة تحرير وادي النيل في أوائل عام 1947 على التدرب العسكري تحت مظلة
جمعية الشبان المسلمين[81]. وجاء هذا التشجيع في سياق تعسكر شرائح واسعة من الشباب المتمرد على الأحزاب التقليدية، وحدوث موجة من أعمال العنف ضد بعض شخصيات النظام السياسي والشرطة، لكن دوره العملي في توجيه هذه النزعة العسكرتارية للشباب نحو الأهداف الوطنية المركزية، التي تركزت حول جلاء الإنكليز عن مصر وإلغاء المعاهدة المصرية- الإنكليزية، سيبرز في معارك القناة. فقد اختير المصري قائدًا للكتائب بالنظر إلى ثبات عدائه للبريطانيين، وخبرته العسكرية، ولاحزبيته، والاحترام الشعبي له، ونظم قادة اللجنة مظاهرة حاشدة توجهت إلى منزل المصري، وأطلقت هتافات من نوع "عزيز عدو الإنكليز" و"يحيا عزيز قائد التحرير" و"عزيز رجل الساعة" [...]. وطالبته باسم الشعب بأن يتولى قيادة الكتائب، ونشرت جريدة
المصري صورته وتحتها عبارة "قائد كتائب التحرير"[82].
برز المصري في التجمعات والمظاهرات خطيبًا وطنيًا محرضًا، ودأبت جريدة
المصري، الذائعة الانتشار آنذاك والناطقة بلسان حزب الوفد، على نشر تصريحاته. وتولى مكتبه تلقّي التبرعات لشراء الأسلحة والعتاد اللازم للكتائب[83]، وحين تشكلت أولى الكتائب تولى المصري رئاسة مجلسها الذي تألف من عدد من الضباط والحقوقيين والصحفيين البارزين. وفي غضون أيام قليلة، جمعت اللجنة نحو 32 ألف جنيه من التبرعات[84].
وبرز المصري بوصفه أحد أهم مدربي الكتائب على حرب العصابات ومهاجمة المخافر والمواقع البريطانية قبل توجهها إلى القنال، وهو الاختصاص العسكري الذي عُرف فيه منذ أيام خدمته العثمانية[85]، وتجلى أحد أبرز أدواره الذي يبدو أنه قد أثار مخاوف الحكومة المصرية في عمله على أن يعمل على تنظيم الكتائب بصورة تشبه تكوين "الأورطة العسكرية" النظامية، "لتصبح جيشًا كاملًا"[86].
محاولة الحكومة احتواء الكتائب
رغم الرعاية الرسمية التي أولتها حكومة الوفد للمظاهرات الوطنية الكبرى، ومشاركة أعضائها في مقدمة المسيرات وتشجيعها للتطوع في "كتائب التحرير"، فإن مخاوف جدية انتابت السلطة من احتمال فقدان السيطرة الميدانية. وقد برزت هذه التوترات في صدامات مباشرة بين بعض المجموعات الفدائية والأجهزة الأمنية في الأقاليم، لا سيما في مديرية الشرقية، حيث تبادل الطرفان التهديدات التي وصلت حد تلويح الأمن بتجريد الفدائيين من سلاحهم وترحيلهم للقاهرة، وهو ما قوبل بردود فعل عنيفة شملت إطلاق النار على عناصر الأمن. كذلك شابت العمليات الفدائية تجاوزاتٌ تنظيمية وجنائية نتيجة انضمام بعض أصحاب السوابق إلى صفوف المتطوعين، وهو ما أدى إلى وقوع حوادث سرقة للأسلحة والذخيرة والاتجار بها، وارتفاع معدلات الجنايات بين حاملي السلاح، وهو الأمر الذي هدد الانضباط العام للحركة الوطنية المسلحة آنذاك[87].
نظرًا إلى تخوف الحكومة من تحول الكتائب إلى تنظيمات عسكرية موازية، قد تتمرد عليها، وعصيان أوامرها في ظل تجدد المخاوف من نزعات المصري المغامرة، قررت في 25 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1951 وضع الكتائب تحت إشرافها، وحظر تلقي مكتب المصري أي تبرعات، وتنظميها عمليات الكتائب. ونتج عن ذلك محاولة احتواء الكتائب، وعزل المصري عن قيادتها. وكتب المصري وخطب مع عدد من قادة الحركات الشبابية المؤتلفين في "لجنة الميثاق" ضد القرار وحرض على التظاهر، لكن الحكومة استمرت بتطبيق قراراتها[88]. وجاء
حريق القاهرة، إضافة إلى تدهور الأوضاع الأمنية بصورة غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث، وعجز النخبة السياسية التقليدية عن حل المآزق التي دخل فيها نظام الحكم السياسي، ليمهّدَ للضربة القاضية بانقلاب تنظيم الضباط الأحرار في 23 تموز/ يوليو 1952، الذي ستتكرس تسميته حتى عقود لاحقة طويلة باسم "ثورة 23 تموز/ يوليو".
نهاية دوره وإيفاده إلى موسكو
شارع الفريق عزيز المصري
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
بارك المصري ثورة 23 يوليو/ تموز 1952 التي أداها تنظيم الضباط الأحرار، الذي كان عدد من أقطابه ينظر إلى المصري بوصفه أبًا روحيًا لهم. وتردد أن المصري كان أحد ثلاثة ضباط كبار، إلى جانب محمد نجيب وفؤاد صادق، رشحهم التنظيم لتولّي واجهته، لحاجته إلى ضابط كبير في الواجهة، لكن المصري اعتذر عن ذلك مفضلًا بقاء دوره الروحي[89]. غير أن هذا الدور الرمزي عند تنظيم الضباط الأحرار كان قد انتهى، إذ لم يكن عبد الناصر -القائد الحقيقي لمجلس قيادة الثورة- لِيقبل أية وصاية من أي نوع كان، سواء أكانت وصاية
حسن الهضيبي أم وصاية المصري؛ فسار في الاصطدام مع الهضيبي إلى النهاية، ومعه جماعة الإخوان المسلمين، في الوقت الذي تفادى فيه الصدام مع المصري الذي كان أكثر نصحًا وإرشادًا لضباطٍ تجاوزوا سن الرشد، وليس لديه تنظيم قوي وشامل مثل الهضيبي.
إضافة إلى ذلك، وجد مجلس قيادة الثورة حرجًا كبيرًا في رفض طلبات المصري وتوصياته أو رفض قبولها لديه بشأن حماية بعض مصالح العائلة المالكة التي ارتبط بها ارتباطًا وثيقًا لتنافيها مع مبادئ الثورة[90].
من هنا أقنعه بعض قادة المجلس، وخاصةً عبد الناصر، بضرورة الركون إلى الراحة، والبعد عن المشكلات المضطرمة يومئذ، بتعيينه في منصب كبير. فتقرر في البداية تعيينه سفيرًا لمصر في ألمانيا الغربية، لكن قطع العلاقات الدبلوماسية بين مصر وألمانيا الاتحادية جعل أولئك القادة يوفدونه إلى موسكو وزيرًا مفوضًا، وأن يرافقه -لتسهيل عمله بعد كبر سنه- تلميذه السابق والقديم مراد غالب، العضو المدني في تنظيم الضباط الأحرار الذي عُين سكرتيرًا ثانيًا في السفارة[91]، فأصدر الوصيُّ المؤقت على العرش قرارًا بإيفاده في أواخر آذار/ مارس 1953 لتولي أعمال المفوضية المصرية بموسكو[92]. لكن المصري ما لبث أن أُعيد إلى مصر لتقدمه بالسن، وللحاجة إلى وزير مفوض شاب من نوع جديد في مرحلة دخول العلاقات المصرية-السوڤياتية تاريخًا جديدًا، في سياق احتدام الحرب الباردة. وفي 19 كانون الثاني/ يناير 1960، كرمه عبد الناصر بتقليده
قلادة النيل[93].
واجه المصري يومئذ مرضًا شديدًا أقعده في منزله نحو ستة أشهر، وباع منزله وحديقته في حيّ عين شمس للإنفاق على علاجه ونفقاته الأخرى، وغدا رجلًا من الماضي يكاد ينحصر دوره في سرد ذكرياته، إذ سجل له التلفزيون عدةَ ساعات يروي فيها تجربته، لكن لم يُعثر على تلك التسجيلات.
وفاته
كان المصري يشعر باقتراب أجله، فالتقى بابنه الوحيد من زوجته الأميركية، ويُدعى عمر (1930-2010)، بعد فراق دام خمسة وعشرين عامًا، لكن ابنه لم يُطِل الإقامة؛ إذ اضطُر للعودة إلى مزاولة تدريسه لعلم الاجتماع في جامعة باكنغهام، ليمضي المصري أعوامه الأربع الأخيرة مع زوجته المصرية زينب خير الله، التي نقل لها في وصية مسجلة بتاريخ كانون الثاني/ يناير 1960 كلَّ منقولات بيته، وأوصى بأن توارى الثرى إلى جواره[94].
رحل المصري في 15 حزيران/ يونيو 1965، وترك مبلغًا من المال قدره 500 جنيه، وسيارة شيفروليه قديمة. وقد شُيِّع في جنازة عسكرية بحضور كبار رجال الدولة، ودُفن في مقبرته التي بناها لنفسه في
مقابر الخفير. لكن يذكر محمد سيد صالح، الذي كان من أبرز مَن تتبَّع سيرة أعوامه الأخيرة بالتفصيل، أنه بحث عن ضريحه ولم يستطع العثور عليه والتأكد منه[95].
المراجع
العربية
أبو المجد، صبري.
عزيز علي المصري وصحبه: بناة الوحدة العربية والإسلامية 1900-1916. ج 1. القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، 1990.
إسماعيل، هبة شوقي. "دور عزيز المصري في تنظيم حركة الكفاح في قناة السويس".
مجلة بحوث الشرق الأوسط. مج 4، العدد 38 (2016). ص 377-378.
"أمر ملكي رقم 24 لسنة 1953 بتعيين الفريق عزيز المصري لتولي أعمال المفوضية المصرية في موسكو". الصادر في 31 آذار/ مارس 1953.
الوقائع المصرية. العدد 30 (9 نيسان/ أبريل 1953).
أنطونيوس، جورج.
يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية. ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس. بيروت: دار العلم للملايين؛ نيويورك: مؤسسة فرانكلين، 1962.
برج، محمد عبد الرحمن.
عزيز المصري والحركة الوطنية المصرية. القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 1980.
برو، توفيق علي.
العرب والترك: في العهد الدستوري العثماني 1908-1914. القاهرة: معهد الدراسات العربية العالية، 1960.
________.
القضية العربية: في الحرب العالمية الأولى 1914-1918. دمشق: دار طلاس، 1989.
البشري، طارق.
الحركة السياسية في مصر 1945-1953. ط 2. القاهرة: دار الشروق، 2002.
جمال باشا.
مذكرات أحمد جمال باشا. إعداد محمد السعيدي. بيروت: دار الفارابي، 2013.
جودت، علي.
ذكريات علي جودت 1900-1958. بيروت: مطابع الوفاء، 1967.
الحسني، عبد الرزاق.
تاريخ العراق السياسي الحديث. ج 1. ط 7. بيروت: الرافدين، 2008.
خدوري، مجيد. "عزيز علي المصري والحركة القومية العربية".
مجلة حوار. العدد 9 (نيسان/ أبريل 1964). ص 13.
________.
عرب معاصرون: أدوار القادة في السياسة. بيروت: الدار المتحدة للنشر، 1973.
داغر، أسعد.
مذكراتي على هامش القضية العربية. تحقيق وتقديم خالد زياردة. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020 [1900].
الرافعي، عبد الرحمن.
مقدمات ثورة 23 يوليو 1952. ط 3. القاهرة: دار المعارف، 1987.
السادات، محمد أنور.
البحث عن الذات: قصة حياتي. ط 3. القاهرة: المكتب المصري الحديث، 1979.
ستورس، رونالد.
توجهات بريطانية-شرقية:مذكرات السير رونالد ستورس. تعريب رءوف عباس. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2004.
السعيد، نوري.
مذكرات نوري السعيد: عن الحركات العسكرية للجيش العربي في الحجاز وسوريا 1916-1918. ط 2. بيروت: الدار العربية للموسوعات، 1987.
شقرة، جمال.
راهب الكفاح الوطني: مذكرات عبد الوهاب حسني،
1930-1952. القاهرة: المكتبة الأنجلو مصرية، 2007.
شكري، محمد فؤاد.
السنوسية دين ودولة. القاهرة: دار الفكر العربي، 1948.
صالح، محمد السيد.
عزيز المصري: أبو الثوار. القاهرة: شركة بتانة للنشر، 2018.
محمد السيد صالح. "’أبو الثوار‘: عبد الناصر يشيعه إلى ’قبر مجهول‘".
المصري اليوم. 24/6/2017. في:
https://acr.ps/hByaQNx
صالحية، محمد عيسى. "صفحات مجهولة من تاريخ ليبيا: وثائق من تاريخ السيد أحمد الشريف السنوسي 1292-1350هـ/ 1875-1933م".
سلسلة حوليات كلية الآداب. مج 1، العدد 2 (1980). ص 10-11.
صفوة، نجدة فتحي (ترجمة وتحقيق). الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية. مج 3. بيروت: دار الساقي، 1998.
الصلابي، علي محمد محمد.
الثمار الزكية للحركة السنوسية في ليبيا. الشارقة: مكتبة الصحابة؛ القاهرة: مكتبة التابعين، 2001.
عبد الحميد، محمد.
أبو الثائرين الفريق عزيز المصري. كتاب اليوم 333. القاهرة: دار أخبار اليوم، 1990.
العسكري، جعفر.
مذكرات جعفر العسكري. تحقيق وتقديم نجدة فتحي صفوة. لندن: دار اللام، 1988.
غالب، مراد.
مذكرات مراد غالب: مع عبد الناصر والسادات، سنوات الانتصار وأيام المحنة. القاهرة: الأهرام، 2001.
قدري، أحمد.
مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى. دمشق: مطابع ابن زيدون، 1956.
"المرسوم الشريفي بتأليف هيئة الوكلاء في 7 ذي الحجة 1334هـ".
القبلة. العدد 17 (15 ذي الحجة 1334هـ). ص 7.
موسى، سليمان.
الحركة العربية: المرحلة الأولى للنهضة العربية الحديثة 1908-1924. ط 3. بيروت: دار النهار، 1986.
نظمي، وميض جمال عمر.
الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية: الاستقلالية في العراق. ط 3. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986.
هيكل، محمد حسين.
مذكراتي في السياسة المصرية: من 29 يوليو سنة 1937 إلى 26 يوليو سنة 1952. ج 2. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1953.
ياب، مالكولم.
نشوء الشرق الأدنى الحديث 1792-1923. ترجمة خالد الجبيلي. دمشق: دار الأهالي، 1998.
الأجنبية
“L'Égyte et la Turquie.”
La Petite Presse (17 Avril 1914).
Province, Michael.
The Last Ottoman Generation and the Making of the Modern Middle East. Cambridge: Cambridge University Press, 2017.[1] رونالد ستورس،
توجهات بريطانية-شرقية:مذكرات السير رونالد ستورس، تعريب رءوف عباس (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2004)، ص 234.
[2] وميض جمال عمر نظمي،
الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية: الاستقلالية في العراق، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986)، ص 144.
[3] مجيد خدوري،
عرب معاصرون: أدوار القادة في السياسة (بيروت: الدار المتحدة للنشر، 1973)، ص 41.
[4] محمد عبد الحميد،
أبو الثائرين الفريق عزيز المصري، كتاب اليوم 333 (القاهرة: دار أخبار اليوم، 1990)، ص 17.
[5] Michael Province,
The Last Ottoman Generation and the Making of the Modern Middle East (Cambridge: Cambridge University Press, 2017), p. 41.
[6] جمال باشا،
مذكرات أحمد جمال باشا، إعداد محمد السعيدي (بيروت: دار الفارابي، 2013)، ج 1، ص 135؛ جورج أنطونيوس،
يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية، ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس (بيروت: دار العلم للملايين؛ نيويورك: مؤسسة فرانكلين، 1962)، ص 196.
[7] أنطونيوس، ص 196، 201-202؛ مجيد خدوري، "عزيز علي المصري والحركة القومية العربية"،
مجلة حوار، العدد 9 (نيسان/ أبريل 1964)، ص 13.
[8] جمال باشا، ص 139.
[9] محمد فؤاد شكري،
السنوسية دين ودولة (القاهرة: دار الفكر العربي، 1948)، ص 139.
[10] مجيد خدوري، "عزيز علي المصري والحركة القومية العربية"، ص 14؛ جعفر العسكري،
مذكرات جعفر العسكري، تحقيق وتقديم نجدة فتحي صفوة (لندن: دار اللام، 1988)، ص 73.
[11] شكري، ص 155.
[12] المرجع نفسه.
[13] علي محمد محمد الصلابي،
الثمار الزكية للحركة السنوسية في ليبيا (الشارقة: مكتبة الصحابة؛ القاهرة: مكتبة التابعين، 2001)، ص 349، 352.
[14] محمد عيسى صالحية، "صفحات مجهولة من تاريخ ليبيا: وثائق من تاريخ السيد أحمد الشريف السنوسي 1292-1350هـ/ 1875-1933م"،
سلسلة حوليات كلية الآداب، مج 1، العدد 2 (1980)، ص 10-11.
[15] العسكري، ص 73.
[16] أنطونيوس، ص 193-194.
[17] جمال باشا، ص 68-99.
[18] المرجع نفسه، ص 135.
[19] Province, p. 45.
[20] سليمان موسى،
الحركة العربية: المرحلة الأولى للنهضة العربية الحديثة 1908-1924، ط 3 (بيروت: دار النهار، 1986)، ص 34؛ عبد الرزاق الحسني،
تاريخ العراق السياسي الحديث، ط 7 (بيروت: الرافدين، 2008)، ج 1، ص 148-149.
[21] مالكولم ياب، نشوء الشرق الأدنى الحديث 1792-1923، ترجمة خالد الجبيلي (دمشق: دار الأهالي، 1998)، ص 231-232؛ قارن مع موسى، ص 34.
[22] العسكري، ص 73.
[23] المرجع نفسه، ص 72-73.
[24] أسعد داغر،
مذكراتي على هامش القضية العربية، تحقيق وتقديم خالد زياردة (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020 [1900])، ص 107.
[25] جمال باشا، ص 139.
[26] المرجع نفسه، ص 139، 142.
[27] “L'Égyte et la Turquie,”
La Petite Presse (17 Avril 1914), p. 4.
[28] جمال باشا، ص 139، 142؛ أنطونيوس، ص 195، 198-199؛ خدوري، "عزيز علي المصري والحركة القومية العربية"، ص 15؛ توفيق علي برو،
العرب والترك: في العهد الدستوري العثماني 1908-1914 (القاهرة: معهد الدراسات العربية العالية، 1960)، ص 562-565.
[29] توفيق علي برو،
القضية العربية: في الحرب العالمية الأولى 1914-1918 (دمشق: دار طلاس، 1989)، ص 78-79، 142.
[30] المرجع نفسه، ص 142.
[31] نوري السعيد،
مذكرات نوري السعيد: عن الحركات العسكرية للجيش العربي في الحجاز وسوريا 1916-1918، ط 2 (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 1987)، ص 22.
[32] المرجع نفسه، ص 22-23.
[33] نظمي، ص 143.
[34] أنطونيوس، ص 237؛ وللتفاصيل، يُنظر: أحمد قدري،
مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى (دمشق: مطابع ابن زيدون، 1956)، ص 37-38.
[35] المرجع نفسه.
[36] "المرسوم الشريفي بتأليف هيئة الوكلاء في 7 ذي الحجة 1334هـ"،
القبلة، العدد 17 (15 ذي الحجة 1334هـ)، ص 7.
[37] علي جودت،
ذكريات علي جودت 1900-1958 (بيروت: مطابع الوفاء، 1967)، ص 43-44.
[38] "محضر مقابلة ]سي. ثي. ويلسن[ مع الملك حسين في جدة في 17 تموز/ يوليو 1918"، في: نجدة فتحي صفوة (ترجمة وتحقيق)،
الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية (بيروت: دار الساقي، 1998)، ج 3، ص 440.
[39] د. ج. هوغارث، "مذكرة عن الاتفاقية الإنكليزية-الفرنسية-الروسية عن الشرق الأدنى، 9 تموز/ يوليو 1917"، في: المرجع نفسه، ج 3، ص 279-281.
[40] موسى، ص 295-296.
[41] المرجع نفسه، ص 294.
[42] السعيد، ص 214.
[43] "محضر مقابلة ] سي. ثي. ويلسن[ مع الملك حسين في جدة في 17 تموز/ يوليو 1918"، في: صفوة، ج 3، ص 440.
[44] جودت، ص 43-44؛ خدوري،
عرب معاصرون، ص 39.
[45] جودت، ص 42-43؛ موسى، ص 294.
[46] السعيد، ص 214.
[47] جودت، ص 42؛ السعيد، ص 214.
[48] العسكري، ص 104.
[49] جودت، ص 44-45.
[50] "من المندوب السامي (البريطاني) في مصر (القاهرة) إلى وزارة الخارجية، 28 نيسان/ أبريل 1917"، في: صفوة، ج 3، ص 271.
[51] خدوري،
عرب معاصرون، ص 37-38.
[52] عبد الحميد، ص 57، 62-63؛ محمد عبد الرحمن برج،
عزيز المصري والحركة الوطنية المصرية (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 1980)، ص 8.
[53] برج، ص 10-11.
[54] خدوري، "عزيز علي المصري والحركة القومية العربية"، ص 34-37.
[55] برج، ص 133.
[56] المرجع نفسه، ص 42.
[57] المرجع نفسه، ص 50.
[58] طارق البشري،
الحركة السياسية في مصر 1945-1953، ط 2 (القاهرة: دار الشروق، 2002) ص 62.
[59] عبد الحميد، ص 118؛ برج، ص 54.
[60] البشري، ص 542.
[61] برج، ص 75-77.
[62] جمال شقرة،
راهب الكفاح الوطني: مذكرات عبد الوهاب حسني،
1930-1952 (القاهرة: المكتبة الأنجلو مصرية، 2007)، ص 100.
[63] البشري، ص 539.
[64] عبد الحميد، ص 118.
[65] خدوري، "عزيز علي المصري والحركة القومية العربية"، ص 38.
[66] محمد أنور السادات،
البحث عن الذات: قصة حياتي، ط 3 (القاهرة: المكتب المصري الحديث، 1979)، ص 26-28، 30.
[67] عبد الحميد، ص 118-119.
[68] السادات، ص 38-39.
[69] محمد حسين هيكل،
مذكراتي في السياسة المصرية: من 29 يوليو سنة 1937 إلى 26 يوليو سنة 1952 (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1953)، ج 2، ص 214.
[70] برج، ص 84.
[71] عبد الحميد، ص 122-123.
[72] شقرة، ص 105.
[73] المرجع نفسه، ص 99-101.
[74] برج، ص 117-121؛ خدوري، "عزيز علي المصري والحركة القومية العربية"، ص 39؛ هيكل، ج 2، ص 214-215.
[75] برج، ص 129.
[76] المرجع نفسه، ص 128.
[77] مراد غالب،
مذكرات مراد غالب: مع عبد الناصر والسادات، سنوات الانتصار وأيام المحنة (القاهرة: الأهرام، 2001)، ص 21-22.
[78] خدوري، "عزيز علي المصري والحركة القومية العربية"، ص 39.
[79] صبري أبو المجد،
عزيز علي المصري وصحبه: بناة الوحدة العربية والإسلامية 1900-1916 (القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، 1990)، ج 1، ص 5.
[80] عبد الحميد، ص 144، 154-155.
[81] أبو المجد، ص 8.
[82] شقرة، ص 135-138.
[83] هبة شوقي إسماعيل، "دور عزيز المصري في تنظيم حركة الكفاح في قناة السويس"،
مجلة بحوث الشرق الأوسط، مج 4، العدد 38 (2016)، ص 377-378.
[84] البشري، ص 589.
[85] عبد الرحمن الرافعي،
مقدمات ثورة 23 يوليو 1952، ط 3 (القاهرة: دار المعارف، 1987)، ص 61.
[86] إسماعيل، ص 380-381.
[87] البشري، ص 591.
[88] إسماعيل، ص 380-385؛ الرافعي، ص 61؛ البشري، ص 592، 598.
[89] برج، ص 151.
[90] غالب، ص 22.
[91] المرجع نفسه، ص 23.
[92] "أمر ملكي رقم 24 لسنة 1953 بتعيين الفريق عزيز المصري لتولي أعمال المفوضية المصرية في موسكو"، الصادر في 31 آذار/ مارس 1953،
الوقائع المصرية، العدد 30 (9 نيسان/ أبريل 1953).
[93] محمد السيد صالح، "’أبو الثوار‘: عبد الناصر يشيعه إلى ’قبر مجهول‘"،
المصري اليوم، 24/6/2017، شوهد في 1/9/2026، في:
https://acr.ps/hByaQNx
[94] محمد السيد صالح،
عزيز المصري: أبو الثوار (القاهرة: شركة بتانة للنشر، 2018)، ص 249-251.
[95] المرجع نفسه.