تسجيل الدخول

الحفاظ المعماري

(Architectural Conservation)

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


الموجز

الحفاظ المعماري (Architectural Conservation​) هو مجال تخصّصي في العمارة يُعنى بصَون المباني والمواقع ذات القيمة التاريخية أو الثقافية أو الجمالية، بهدف حمايتها من التدهور أو الاندثار، وضمان استمراريتها للأجيال القادمة. يشمل هذا المجال مجموعة من الممارسات والتقنيات التي تتراوح بين الصيانة الدورية، والترميم، وإعادة التأهيل، وصولًا إلى إعادة الاستخدام التكيفي للمباني التاريخية. ويُعَد الحفاظ المعماري أحد المكونات الأساسية في حماية التراث العمراني، لما يحمله من دلالات تتعلق بالهوية والذاكرة الجماعية والتطوّر الحضاري للمجتمعات.

التطور التاريخي

تعود جذور الحفاظ المعماري إلى ممارسات قديمة ارتبطت بصيانة المباني الدينية والعامة، إلا أن تطوره بوصفه مجالًا علميًا ومنهجيًا بدأ في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، في سياق التحولات الصناعية والعمرانية التي أدت إلى تهديد مبانٍ تاريخية عدة. وقد برز في هذه المرحلة اتجاهان فكريان رئيسان: الأول يدعو إلى إعادة المباني إلى حالتها "الأصلية" كما تصوّرها المعماريون، على حين يؤكد الاتجاه الآخر أهمية الحفاظ على الطبقات التاريخية جميعها التي مرّت بها المباني.

في هذا السياق، أدّى منظّرون مثل البريطاني جون راسكن (John Ruskin، 1819-1900) والفرنسي يوجين ڤيوليه-لو-دوك (Eugène Viollet-le-Duc، 1814-1879) دورًا محوريًا في صياغة النقاشات المبكّرة حول الترميم. فقد عارض راسكن التدخلات الجذرية، داعيًا إلى احترام تقادم الزمن[1]، على حين دعم ڤيوليه-لو-دوك فكرة "الترميم المثالي" الذي قد يتضمن إعادة بناء أجزاء مفقودة وفقًا لتصور نظري[2]. وقد شكّل هذا التباين بين الموقفين أساسًا لعدة نقاشات لاحقة في نظرية الحفاظ المعماري.

أما في مطلع القرن العشرين، فقد قدّم المؤرخ النمساوي ألويس ريغل (Alois Riegl، 1858-1905) إسهامًا مفصليًا من خلال تطوير مفهوم "قيم الأثر" (Monument Values)، حيث ميز بين القيم التاريخية والجمالية وقيم الاستعمال، مؤكدًا أن قرارات الحفاظ ينبغي أن تستند إلى فهم تعددية هذه القيم. ويُعد مفهوم "قيمة العمر" (Age Value) من المفاهيم الأساسية في نظريات حفظ التراث، وقد طرحه ريغل في سياق تحليله لقيم الآثار، مشيرًا إلى أن آثار الزمن والتقادم تُضفي على المباني التاريخية قيمة جمالية وثقافية مستقلّة[3]. وفي سياق لاحق، أسهم المنظّر الإيطالي تشيزاري براندي (Cesare Brandi، 1906-1988) في تأسيس نظرية متكاملة للترميم، تقوم على التمييز بين البعد المادي والعمل الفني، وعلى ضرورة احترام أصالة الأثر مع إمكانية قراءته بصريًا[4]. بالإضافة إلى أن المؤرخ والخبير البلجيكي بول فيليبو (Paul Philippot، 1925-2016)، أحد مؤسسي المركز الدولي لدراسة صون وترميم الممتلكات الثقافية (ICCROM)، طوّر مقاربة نقدية تؤكد البعد التاريخي للعمل الفني، وترفض الترميم الذي يؤدي إلى طمس تعددية الطبقات الزمنية[5]. وفي الاتجاه ذاته، قدّم المعمار الإيطالي جوڤاني كاربونارا (Giovanni Carbonara، 1942-2023) إسهامات معاصرة في نظرية الترميم، حيث دعا إلى مقاربة متوازنة تجمع بين احترام القِيَم التاريخية وإمكانية التدخل المعاصر على نحو نقدي ومدروس[6]. لقد أسهمت هذه الطروحات مجتمعة في تطوير إطار نظري متكامل للحفاظ المعماري، انتقل به من ممارسات تقنية فحسب إلى حقل معرفي قائم على تحليل القيم واتخاذ القرار. فضلًا عن أن هذا التطور النظري مهّد، ولا سيما في أعمال ريغل وبراندِي، لظهور مقاربات أكثر منهجية في الحفاظ المعماري، ترتكز على تحليل القِيَم وتقييم الأهمية الثقافية بوصفها أساسًا لاتخاذ قرارات الحماية والتدخل.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

من جهة أخرى، بدأ الحفاظ المعماري في القرن العشرين يكتسب طابعًا مؤسسيًا، ولا سيما بعد الدمار الواسع الذي خلّفته الحروب العالمية، حيث ظهرت الحاجة إلى وضع معايير دولية واضحة. وقد تُوّج ذلك بإصدار عدد من المواثيق الدولية التي شكّلت مرجعيات أساسية في هذا المجال. وقد وثّق هذا التحول من الممارسات التقليدية إلى إطار نظري ومنهجي في أعمال متخصّصة تناولت تاريخ الحفاظ المعماري وتطوره، حيث يشير المعمار والمؤرخ الفنلندي يوكا يوكيليتو (Jukka Jokilehto، 1938-2023) إلى أن القرن العشرين شهد انتقال هذا المجال من اجتهادات فردية إلى منظومة مؤسساتية قائمة على مبادئ ومعايير دولية[7].

المفاهيم والمقاربات النظرية

يتضمّن الحفاظ المعماري مجموعة من المفاهيم والممارسات التي تختلف في أهدافها ودرجة تدخلها في المبنى التاريخي، ومن أبرزها: الترميم، والصيانة، وإعادة التأهيل وإعادة الاستخدام التكيفي، والحفظ، وإعادة البناء، والتجديد المعماري، وغيرها.

 الترميم

يشير الترميم (Restoration) إلى عملية إعادة المبنى إلى حالة سابقة محددة، غالبًا ما تكون ذات قيمة تاريخية مميزة، وذلك من خلال إزالة الإضافات اللاحقة أو إعادة بناء الأجزاء المفقودة استنادًا إلى أدلة موثوقة. يتطلب الترميم دقة علمية عالية، ويُفضّل أن يكون التدخل فيه محدودًا ومدروسًا. ويؤكد المعمار البريطاني برنارد إم. فايلدن (Bernard M. Feilden، 1919-2008)، أحد أبرز منظّري الحفاظ المعماري، أن نجاح الترميم يعتمد على فهم دقيق للقيم التاريخية للمبنى، وعلى استخدام تقنيات تتجنب الإضرار بالمواد الأصلية قدر الإمكان[8]. كما أقرّ المجلس العالمي للمعالم والمواقع (ICOMOS) هذا، حيث شدّد على ضرورة استناد الترميم إلى أدلة علمية واضحة[9]. من الأمثلة على ذلك، أعمال الترميم في القصر الأموي في العاصمة الأردنية عمّان.

الصيانة

تمثّل الصيانة (Maintenance) الإجراءات الوقائية الدورية التي تهدف إلى الحفاظ على سلامة المبنى ومنع تدهوره، مثل إصلاح الشقوق، وتنظيف العناصر المعمارية، ومعالجة الرطوبة. وتُعد الصيانة من أهم أدوات الحفاظ المستدام، نظرًا لانخفاض تكلفتها مقارنة بالتدخلات الكبرى. ويعرّف فايلدان الصيانة بأنها "الرعاية الوقائية المستمرة للمبنى"، مؤكدًا أن الصيانة المنتظمة تُعد أكثر الوسائل فاعلية لتقليل الحاجة إلى أعمال ترميم كبرى[10].

إعادة التأهيل

 تشير إعادة التأهيل (Rehabilitation) إلى تكييف المبنى التاريخي ليتلاءم مع استخدامات معاصرة من خلال أعمال الإصلاح والتعديل، مع الحفاظ على العناصر التي تعبّر عن قيمته التاريخية والمعمارية. وتُبرز هذه المقاربة الحاجة إلى إدخال تغييرات مدروسة -بما في ذلك الإضافات- لضمان استمرارية الاستخدام، مع الحفاظ على الطابع التاريخي العام للمبنى[11].

إعادة الاستخدام التكيفي

 تُعَد إعادة الاستخدام التكيفي (Adaptive Reuse) من أهم الاستراتيجيات الحديثة، حيث تُحوّل وظيفة المبنى إلى استخدام جديد بالكامل، مثل تحويل منشآت التراث الصناعي إلى فضاءات ثقافية أو سكنية. وتُسهم هذه المقاربة في تحقيق استدامة اقتصادية ووظيفية للمباني التاريخية، مع الحفاظ على هويتها. وقد ناقش يوكيليتو هذا التوجه ضمن تطور مفاهيم الحفاظ وربطه بالتنمية المستدامة. من الأمثلة على ذلك، مثل إعادة الاستخدام التكيفي لكل من هانجر الكهرباء في راس العين (الأردن) وموقع حي جاكس في الدرعية (السعودية).

الحفظ

يشير الحفظ (Preservation) إلى الإبقاء على المبنى أو العنصر التراثي في حالته الحالية، مع الحد الأدنى من التدخل، بهدف إبطاء التدهور والحفاظ على القيم القائمة من دون تغيير جوهري. ويُستخدم هذا المفهوم غالبًا في الحالات التي تكون فيها سلامة المبنى مستقرة نسبيًا. ويشمل المعالجات الوقائية والإجراءات العلاجية.

إعادة البناء

تعني إعادة البناء (Reconstruction) إعادة تشييد أجزاء مفقودة أو مدمّرة من المبنى استنادًا إلى أدلة تاريخية موثوقة، مثل الوثائق أو الصور أو البقايا المادية. ويُعد هذا النوع من التدخل مثيرًا للجدل بسبب ارتباطه بمفهوم الأصالة، ولذلك يُستخدم بحذر وفي حالات استثنائية فقط، كما ورد في ميثاق البندقية [12]. من الأمثلة على ذلك، إعادة بناء وسط مدينة وارسو (بولندا) بعد الحرب العالمية الثانية، وإعادة بناء المئذنة الحدباء في الموصل (العراق).

التجديد المعماري

يشير التجديد المعماري (Renovation) إلى تحسين المبنى أو تحديثه من خلال إصلاح عناصره القائمة وإدخال مكونات جديدة بهدف تحسين أدائه أو مظهره العام، من دون الالتزام الصارم بالحفاظ على قيمه التاريخية. وغالبًا ما يُعد هذا النوع من التدخل أقل كلفة من إعادة البناء أو الترميم الشامل، تبعًا لحالة المبنى وطبيعة الأعمال المنفذة.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


المواثيق والمنظمات الدولية

شهد مجال الحفاظ المعماري تطورًا ملحوظًا بفضل الجهود الدولية التي هدفت إلى توحيد المفاهيم ووضع معايير مهنية. ومن أبرز هذه المرجعيات[13]:

  1. ميثاق أثينا (1931): من أوائل الوثائق التي تناولت مبادئ ترميم المعالم التاريخية.
  2. ميثاق البندقية (1964): يُعد من أهم الوثائق الدولية، حيث وضع أسسًا واضحة للحفاظ والترميم، مؤكدًا أهمية الحد الأدنى من التدخل.
  3. وثيقة نارا (1994): وسّعت مفهوم الأصالة ليشمل الأبعاد الثقافية غير المادية.

لقد شكّل ميثاق البندقية (Venice charter، 1964) على نحو خاص مرجعًا عالميًا في تحديد مبادئ الحفاظ، إذ ركّز على ضرورة التمييز بين الأجزاء الأصلية والإضافات الحديثة[14]. أما وثيقة نارا حول الأصالة (Nara Document on Authenticity، 1994) فقد أسهمت مع غيرها من المواثيق الدولية في توسيع مفهوم "القيم"، التي تمنح المبنى أهميته وتبرر حمايته، كالقيم التاريخية والمعمارية/ الجمالية والاجتماعية/ الاقتصادية والرمزية والتقنية، بحيث لا تقتصر على المعايير الغربية، بل تأخذ في الحسبان التنوع الثقافي واختلاف السياقات الحضارية[15]. من جهة أخرى، يُعد ميثاق بورا (Burra Charter، 1979/2013) من أهم المرجعيات التي أرست مفهوم "الأهمية الثقافية" بوصفه أساسًا لعمليات الحفاظ[16]. 

وللمنظمات الدولية دورٌ مهمٌ، مثل إيكوموس (ICOMOS)، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، التي تُشرف على لائحة التراث العالمي وتدعم جهود الحفظ في مختلف الدول. فضلًا عن أن دراسات معاهد متخصصة، كمعهد غيتي للحفاظ، أسهمت في ترسيخ مفهوم القيم بوصفه أساسًا لتحليل الأهمية الثقافية واتخاذ قرارات الحفاظ[17].

الأهمية الثقافية

تمثل الأهمية الثقافية (Cultural Significance) أحد المفاهيم المحورية في الحفاظ المعماري، إذ تُستخدم لتحديد أسباب حماية موقع أو مبنى معين، وتوجيه القرارات المتعلقة بإدارته والتدخل فيه. وتعتمد الأهمية الثقافية على تحليل منهجي مرتبط بثلاثة مفاهيم: تقييم الأهمية، تقييم الأصالة، وتقييم السلامة.

تقييم الأهمية (Significance Assessment): يهدف تقييم الأهمية إلى تحديد القِيَم المذكورة آنفًا التي تعطي الأهمية للموقع، وترتيبها وفقًا لسياقها الثقافي. ويُعد هذا التقييم خطوة أساسية تسبق أي تدخل، حيث يحدد طبيعة الحماية المطلوبة وحدودها. بالإضافة إلى أن مفهوم "القِيَم" يُعد امتدادًا مباشرًا للتطورات النظرية في مجال الحفاظ المعماري، ولا سيما منذ إسهامات ألويس ريغل الذي وضع إطارًا تحليليًا لفهم تعددية القيم المرتبطة بالمباني التاريخية.

تقييم الأصالة (Authenticity Assessment): يشير تقييم الأصالة إلى مدى احتفاظ الموقع أو المبنى بخصائصه الأصلية، سواء أمن حيث المواد، أم التصميم، أم الحِرف، أم الاستخدام. وقد أكدت وثيقة نارا حول الأصالة أن هذا المفهوم لا يُقاس بمعايير موحدة، بل يتأثر بالسياقات الثقافية المختلفة، ما يتطلب فهمًا مرنًا ومتعدد الأبعاد للأصالة[18].

تقييم السلامة (Integrity Assessment): يتعلق تقييم السلامة بمدى اكتمال الموقع أو المبنى، وقدرته على التعبير عن قيمه من دون تشويه أو فقدان لعناصره الأساسية. ويشمل ذلك سلامة النسيج العمراني، وحماية السياق المحيط.

تُستخدم هذه التقييمات مجتمعة لتشكيل أساس علمي لاتخاذ قرارات الحفاظ، بحيث تضمن أن تكون التدخلات متوافقة مع القيم الحقيقية للموقع، وليس مع اعتبارات شكلية أو وظيفية فقط.

من جانب آخر، لا تقتصر عملية الحفاظ المعماري على تحديد القيم الثقافية للمباني، بل تمتد لتشمل فهمًا أوسع لمجموعة المصالح المرتبطة بها، سواء أكانت اجتماعية أم اقتصادية أم سياسية. وفي هذا الإطار، تُطرح مقاربات منهجية تربط بين تحديد القيم وصياغة استراتيجيات الحماية والتخطيط، وصولًا إلى تحديد طبيعة التدخلات المناسبة. وتمر عملية الحفاظ عبر تسلسل مترابط يبدأ بتحديد المصالح، ثم القيم، قبل الانتقال إلى أدوات الحماية والتخطيط، وانتهاءً بقرارات التدخل[19].

وتتجلى أهمية الحفاظ المعماري في أبعاد مترابطة عدة؛ منها البعد الثقافي والبعد الاقتصادي والبعد البيئي. أما البعد الثقافي فيسهم الحفاظ في حماية الهوية الثقافية للمجتمعات، حيث تعكس المباني التاريخية تطور القيم والعادات والتقنيات عبر الزمن. وأما البعد الاقتصادي، فيمكن أن يشكل التراث المعماري موردًا اقتصاديًا من خلال السياحة الثقافية، وإعادة توظيف المباني في أنشطة إنتاجية. وأما البعد البيئي، فيُعد الحفاظ على المباني القائمة أكثر استدامة من الهدم وإعادة البناء، إذ يسهم في تقليل استهلاك الموارد والطاقة، ويحد من النفايات. وتشير دراسات في مجال مواد البناء والحفاظ إلى أن إعادة استخدام المباني القائمة تسهم في تقليل البصمة الكربونية مقارنة بالبناء الجديد، نتيجة تقليل استهلاك المواد والطاقة، كما يوضح الباحث البريطاني جون أشورست (John Ashurst، 1937-2008) في دراساته حول مواد البناء التاريخية[20].

إدارة مشاريع الحفاظ المعماري

تتطلب مشاريع الحفاظ المعماري مقاربة متعددة التخصصات، تشمل المعماريين، والمهندسين، والمؤرخين، وخبراء المواد، إلى جانب الجهات الإدارية. وتبدأ هذه المشاريع غالبًا بمرحلة التوثيق، التي تتضمن جمع البيانات التاريخية والمعمارية، تليها مرحلة التقييم لتحديد القيم والأولويات، وكذلك رفع المبنى مساحيًا -أي رسم مساقط المبنى وواجهاته- بالإضافة إلى مقاطع توضح تقسيمات المبنى طوليًا وعرضيًا.

كذلك تشمل العملية وضع خطط تدخل واضحة، تأخذ في الحسبان الحالة الإنشائية للمبنى، والموارد المتاحة، والاستخدامات المستقبلية. ويؤكد المخطط الحضري والباحث البريطاني جون بندلبري (John Pendlebury) أن نجاح مشاريع الحفاظ يرتبط بقدرتها على تحقيق توافق بين مختلف الأطراف المعنية، بما في ذلك المجتمع المحلي [21].

التحديات المعاصرة

يواجه الحفاظ المعماري عددًا من التحديات، من أبرزها الضغط العمراني ولا سيما في المدن النامية، حيث تُستبدل المباني التاريخية بمشاريع حديثة[22]. كما تواجه مشاريع الحفاظ المعماري تحديات متعلقة بنقص التمويل، إذ تتطلب أعمال الترميم مواردًا مالية وتقنية كبيرة[23]. وتهدد التغيرات المناخية عمليات الحفاظ المعماري إذ تؤثر في المواد التقليدية وتزيد معدلات التدهور[24]. ويؤدي ضعف التشريعات أو غياب تطبيقها إلى فقدان مواقع تراثية عدة[25]. وعليه، تتطلب هذه التحديات تبني سياسات متكاملة تجمع بين التخطيط الحضري، والتشريعات، والمشاركة المجتمعية.

الحفاظ المعماري في المنطقة العربية

شهد العالم العربي اهتمامًا متزايدًا بالحفاظ المعماري خلال العقود الأخيرة، ولا سيما مع إدراك أهمية التراث في تعزيز الهوية الوطنية ودعم التنمية الثقافية والسياحية. وتتنوع التجارب بين الدول، حيث برزت مشاريع لترميم مراكز المدن التاريخية مثل فاس (المغرب) والقاهرة (مصر) والموصل (العراق) وجدة (السعودية)، إلى جانب مبادرات لإعادة استخدام المباني التراثية في مدن مثل جبيل (لبنان) والسلط (الأردن)[26]. بالإضافة إلى ذلك، اهتم عدد من المؤسّسات المحلية العربية في التوثيق والحفاظ للمعالم والمواقع التراثية، كما هو الحال مع مركز المعمار الشعبي – رواق في فلسطين. وفي هذا السياق، يشير تقرير المعهد العربي لإنماء المدن إلى أن البلديات العربية بدأت تتبنى مقاربات أكثر تكاملًا في إدارة التراث الحضري، تجمع بين الحماية القانونية، والتخطيط العمراني، وإشراك المجتمعات المحلية، رغم التفاوت الكبير في مستويات التطبيق بين المدن[27].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


مع ذلك، ما تزال الجهود تواجه تحديات تتعلق بالتوسع العمراني السريع، وضعف التكامل بين سياسات التنمية والحفاظ، إضافة إلى محدودية الموارد والخبرات في بعض الحالات. وقد بدأت بعض الدول في تطوير أطر تشريعية ومؤسسية، وإنشاء هيئات متخصصة، إلى جانب التعاون مع منظمات دولية لتعزيز القدرات في هذا المجال. ويشير المعمار الأردني رامي ضاهر (1965)، المتخصص في دراسات التراث الحضري، إلى أن نجاح مشاريع الحفاظ في السياق العربي يتطلب فهمًا عميقًا للخصائص المحلية، بما في ذلك أنماط الاستخدام الاجتماعي، ودور الفاعلين المحليين، وليس تطبيق نماذج مستوردة فقط[28]. ويلفت ضاهر إلى أن بعض مشاريع الحفاظ في المنطقة العربية ارتبط بعمليات "تجميل حضري" أو استثمارات سياحية قد تؤدي أحيانًا إلى إقصاء المجتمعات المحلية أو تغيير الطابع الاجتماعي للمناطق التاريخية[29]. من جهة أخرى، يتمثل أحد أبرز التحديات في المنطقة العربية في ضعف برامج التأهيل المهني والتدريب المتخصص في مجال الحفاظ، ما يؤثر في جودة الممارسات التطبيقية واستدامتها[30].

وتتجه بعض المدن العربية إلى ربط الحفاظ المعماري بمشاريع التنمية الحضرية الشاملة، من خلال إدماج المناطق التاريخية ضمن خطط إعادة إحياء المراكز الحضرية. ويشمل ذلك تحسين البنية التحتية، وتنشيط الاستخدامات الاقتصادية، وتعزيز السياحة الثقافية. ومع ذلك، ما تزال الحاجة قائمة إلى تطوير أدوات تخطيطية أكثر مرونة، وتحديث الأطر القانونية بما يواكب التحولات العمرانية المتسارعة في المنطقة (الشكل 3).

يمثّل الحفاظ المعماري أداة أساسية لتحقيق التوازن بين الماضي والحاضر، إذ يتيح صون القيم التاريخية والثقافية للمباني، مع تكييفها لتلبية احتياجات المجتمعات المعاصرة. ومع تزايد التحديات المرتبطة بالتحضر والتغيرات البيئية، تبرز الحاجة إلى تبني مقاربات شاملة ومستدامة تعزز دور التراث المعماري بوصفه عنصرًا فاعلًا في التنمية.


المراجع

العربية

أصلان، زكي (مشرف). حفظ التراث الثقافي في المنطقة العربية: قضايا في حفظ المواقع التراثية وإدارتها. ترجمة ماري عوض. قراءات مختارة من إيكروم- الشارقة 1. روما: إيكروم، 2017.

إيكوموس. المواثيق الدولية لحفظ وترميم المعالم والمواقع التاريخية. الشارقة: إيكوموس، 2016.

إيكوموس. ميثاق إيكوموس لحماية وإدارة التراث الأثري. لوزان: إيكوموس، 1990، المادة 3.

الأجنبية

Ashurst, John & Francis G Dimes.Conservation of Building and Decorative Stone. Oxford: Butterworth-Heinemann, 2007 [1998].

Aslan, Zaki. “Education and Professionalization for Heritage Conservation in the Arab Region: Review of Current Status and Strategic Directions.” Conservation and Management of Archaeological Sites. vol.16, no. 2 (2014), pp. 120-123.

Avrami, Erica, Randall Mason & Marta de la Torre. Values and Heritage Conservation: Research Report. Los Angeles:The Getty Conservation Institute, 2000.

Brandi, Cesare. Theory of Restoration, Cynthia Rockwell (trad.). Florence: Istituto centrale per il restauro; Nardini, 2005.

Carbonara, Giovanni. Avvicinamento al Restauro:teoria, storia, monumenti. Naples: Liguori Editore, 1997.

Daher, Rami. “Conservation in Jordan: A Comprehensive Methodology for Historical and Cultural Resources.” Journal of Architectural Conservation. vol. 2 (1996), pp. 52-55.

Daher, Rami. “Urban Regeneration/Heritage Tourism Endeavours: The Case of Salt, Jordan ‘Local Actors, International Donors, and the State’.” International Journal of Heritage Studies, vol. 11 (2005), pp. 183-188.

Feilden, Bernard. Conservation of Historic Buildings. Oxford: Architectural Press, 2003.

ICOMOS. International Charter for the Conservation and Restoration of Monuments and Sites (Venice Charter). 1964: art. 9.

Jokilehto, Jukka. A History of Architectural Conservation. Oxford: Butterworth-Heinemann, 1999.

National Park Service. The Secretary of the Interior’s Standards for the Treatment of Historic Properties. 2017.

Pendlebury, John. Conservation in the Age of Consensus. London: Routledge, 2008.

Riegl, Alois. “The Modern Cult of Monuments: Its Character and Its Origin.” Kurt W. Forster & Diane Ghirardo (Trans.). Oppositions. vol. 25 (1982), pp. 21-30.

Ruskin, John. The Works of John Ruskin, vol. 8: The Seven Lamps of Architecturen, E. T. Cook & Alexander Wedderbur (eds.). London\ New York: George Allen; Longmans, Green, And Co, 1903.

Stanley-Price, Nicholas, M. Kirby Talley Jr. & Alessandra Melucco Vaccaro (ed.). Historical and Philosophical Issues in the Conservation of Cultural Heritage. Los Angeles: Getty Conservation Institute, 1996.

The Burra Charter. The Australia ICOMOS Charter for Places of Cultural Significance, 2013.

“Urban Heritage Management in Arab Cities: Municipal Perspectives and Practices.” Arab Urban Development Institute (AUDI). 28\5\2025, accessed on 23/4/2026, at https://acr.ps/hBy5ONy

UNESCO World Heritage Committee. Nara Document on Authenticity. Thailand, 1994.

UNESCO. Recommendation on the Historic Urban Landscape. Paris: UNESCO. 2011.

[1] John Ruskin, The Works of John Ruskin, vol. 8: The Seven Lamps of Architecturen, E. T. Cook & Alexander Wedderbur (eds.), (London\ New York: George Allen; Longmans, Green, And Co, 1903), pp. 179-190.

[2] Jukka Jokilehto, A History of Architectural Conservation (Oxford: Butterworth-Heinemann, 1999), pp. 219-230.

[3] Alois Riegl, “The Modern Cult of Monuments: Its Character and Its Origin,” Kurt W. Forster & Diane Ghirardo (Trans.), Oppositions, vol. 25 (1982), pp. 21-30.

[4] Cesare Brandi, Theory of Restoration, Cynthia Rockwell (trad.) (Florence: Istituto centrale per il restauro; Nardini, 2005), pp. 47-55.

[5] Paul Philippot, “Historic Preservation: Philosophy, Criteria, Guidelines,” in: Nicholas Stanley-Price, M. Kirby Talley Jr. & Alessandra Melucco Vaccaro (ed.), Historical and Philosophical Issues in the Conservation of Cultural Heritage (Los Angeles: Getty Conservation Institute, 1996), pp. 268-272.

[6] Giovanni Carbonara, Avvicinamento al Restauro:teoria, storia, monumenti (Naples: Liguori Editore, 1997) pp. 310-320.

[7] Jokilehto, pp. 295-310.

[8] Bernard Feilden, Conservation of Historic Buildings (Oxford: Architectural Press, 2003), pp. 3-12.

[9] ICOMOS, International Charter for the Conservation and Restoration of Monuments and Sites (Venice Charter), 1964: art. 9.

[10] Feilden, pp. 3-5.

[11] National Park Service, The Secretary of the Interior’s Standards for the Treatment of Historic Properties, 2017.

[12] ICOMOS, art. 15.

[13] إيكوموس، المواثيق الدولية لحفظ وترميم المعالم والمواقع التاريخية (الشارقة: إيكوموس، 2016)، ص 8-22.

[14] ICOMOS, art. 9

[15] UNESCO World Heritage Committee, Nara Document on Authenticity, Thailand, 1994, pp. 5 - 8.

[16] The Burra Charter, The Australia ICOMOS Charter for Places of Cultural Significance, 2013, p. 10.

[17] Erica Avrami, Randall Mason & Marta de la Torre, Values and Heritage Conservation: Research Report (Los Angeles:The Getty Conservation Institute, 2000), pp. 8-12.

[18] UNESCO, pp. 9-11.

[19] زكي أصلان، "مقدمة إدارة مواقع التراث: الأساس المنطقي في التخطيط واتخاذ القرار لحفظ المواقع الأثرية وعرضها"، في: زكي أصلان (مشرف)، حفظ التراث الثقافي في المنطقة العربية: قضايا في حفظ المواقع التراثية وإدارتها، ترجمة ماري عوض، قراءات مختارة من إيكروم- الشارقة 1 (روما: إيكروم، 2017)، ص 25-30.

[20] John Ashurst & Francis G Dimes, Conservation of Building and Decorative Stone (Oxford: Butterworth-Heinemann, 2007 [1998]), pp. 15-22.

[21] John Pendlebury, Conservation in the Age of Consensus (London: Routledge, 2008), pp. 45-60.

[22] UNESCO, Recommendation on the Historic Urban Landscape, Paris: UNESCO. 2011, pp. 1-7.

[23] إيكوموس. "المواثيق الدولية"، ص 36.

[24] المرجع نفسه، ص 53.

[25] إيكوموس، ميثاق إيكوموس لحماية وإدارة التراث الأثري، لوزان: إيكوموس، 1990، المادة 3.

[26] “Urban Heritage Management in Arab Cities: Municipal Perspectives and Practices,” Arab Urban Development Institute (AUDI), 28\5\2025, accessed on 23/4/2026, at https://acr.ps/hBy5ONy

[27] Ibid.

[28] Rami Daher, “Urban Regeneration/Heritage Tourism Endeavours: The Case of Salt, Jordan ‘Local Actors, International Donors, and the State’,” International Journal of Heritage Studies, vol. 11 (2005), pp. 183-188.

[29] Rami Daher, “Conservation in Jordan: A Comprehensive Methodology for Historical and Cultural Resources,” Journal of Architectural Conservation, vol. 2 (1996), pp. 52-55.

[30] Zaki Aslan, “Education and Professionalization for Heritage Conservation in the Arab Region: Review of Current Status and Strategic Directions,” Conservation and Management of Archaeological Sites, vol.16, no. 2 (2014), pp. 120-123.

المحتويات

الهوامش