تسجيل الدخول

الترميم

(Restoration)

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.



الموجز

الترميم (Restoration) هو أحد أشكال التدخل في المباني والمواقع التراثية والأثرية، وهو أحد مفاهيم الحفاظ المعماري، ويُقصد به إعادة العنصر إلى حالة سابقة موثقة تاريخيًا، من خلال إزالة الإضافات اللاحقة أو إعادة تجميع مكوناته الأصلية، مع تجنب التخمين أو إعادة البناء غير المستندة إلى أدلة. وقد تبلور هذا المفهوم في سياق تطور نظريات الحفاظ والمواثيق الدولية، التي حددت أهدافه وحدود ممارسته.

يختلف الترميم عن مفاهيم أخرى ضمن حقل الحفاظ، مثل الحفظ (Preservation) والتجديد (Renovation). فالحفظ يركّز على إيقاف التدهور والحفاظ على الحالة الراهنة بأدنى حد من التدخل، دون استعادة شكل تاريخي محدد، في حين يتجه التجديد إلى تكييف المبنى مع متطلبات الاستخدام المعاصر، وقد يتضمن تغييرات واسعة في الشكل أو المواد. أما الترميم، فيقوم على إعادة حالة تاريخية معينة ضمن حدود الأدلة والمعرفة المتاحة، ما يجعله أكثر ارتباطًا بإشكاليات التأويل واختيار المرحلة الزمنية التي يُراد إبرازها. وقد أدى هذا التمييز إلى اعتبار الترميم مفهومًا وسطًا بين الصيانة المحافظة والتدخلات التغييرية، كما جعله محورًا رئيسًا في النقاشات النظرية التي رافقت تطور ممارسات الحفاظ المعماري منذ القرن التاسع عشر.

تطور مفهوم الترميم

تعود جذور ممارسات الترميم إلى فترات سبقت ظهور نظرياته الحديثة، إذ لم يكن يُنظر إليه بوصفه نشاطًا علميًا مستقلًا، بل باعتباره امتدادًا للعمل الفني نفسه. ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر، كان الهدف من الترميم يتمثل في استكمال الأجزاء الناقصة أو المتضررة بما يحقق انسجامًا شكليًا مع الكل، دون تمييز واضح بين ما هو أصلي وما أُضيف لاحقًا. وقد ارتبط هذا التوجه بنظرة جمالية ترى في العمل الفني وحدة متكاملة ينبغي الحفاظ على اكتمالها البصري، حتى وإن استدعى ذلك تدخلات تقديرية. غير أن التحولات الفكرية التي رافقت عصر التنوير، مع تطور مفاهيم علم الجمال والتاريخ وعلم الآثار، أدت إلى إعادة النظر في هذه الممارسات، حيث بدأت تتبلور تدريجيًا فكرة ضرورة التمييز بين العناصر الأصلية والإضافات، وتجنب أي تدخل قد يؤدي إلى تشويه المعنى التاريخي للعمل أو تضليل المتلقي أو الباحث[1].

في هذا السياق، برز في القرن التاسع عشر اتجاه يُدعى "الترميم الأسلوبي"، الذي ارتبط بالمعمار والمنظّر الفرنسي أوجين فيوليه-لو-دوك (Eugène Viollet-le-Duc، 1814-1879) [2]، والذي قدم تصورًا جديدًا للترميم بوصفه عملية تحليلية وإبداعية تهدف إلى إعادة المبنى إلى حالة مكتملة تعكس منطقه البنيوي. ولم يكن المقصود بذلك إعادة حالته التاريخية الفعلية، بل الوصول إلى حالة مثالية قد لا تكون وُجدت يومًا، غير أنها تمثل اكتماله المعماري. وقد جسد هذا التوجه في مشاريع عديدة، أبرزها ترميم أسوار كاركاسون (قرقشونة) في فرنسا، إذ أُعيد بناء أجزاء كبيرة منها وفق تصور نظري[3]، إضافة إلى أعمال مهمّة مثل كاتدرائية سيدة باريس.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

غير أن هذا الاتجاه أثار ردود فعل نقدية حادة، كان من أبرزها ما طرحه الناقد والمنظّر الإنكليزي جون راسكن (John Ruskin، 1819-1900)، الذي رفض فكرة إعادة تشكيل المباني التاريخية وفق تصورات حديثة، معتبرًا أن قيمتها الحقيقية تكمن في آثار الزمن التي تحملها. وقد رأى أن الترميم بهذا المعنى يُعد نوعًا من "التزوير"، لأنه يستبدل الأصل بقراءة معاصرة له، ودعا بدلًا من ذلك إلى صيانة المباني والحفاظ عليها كما هي، مع احترام ما يُعرف بقيمة القِدم، التي تتجلى في مظاهر التآكل والتغير عبر الزمن[4]. استمر هذا الاختلاف بين نزعتين أساسيتين -إحداهما تميل إلى إعادة بناء الماضي وفق تصور مثالي، والأخرى تدعو إلى الحفاظ عليه كما هو- في تشكيل الإطار النظري لممارسات الترميم حتى الوقت الحاضر، حيث لا يزال السؤال حول حدود التدخل ومشروعيته مطروحًا في مختلف السياقات.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

في محاولة للتوفيق بين هذين الاتجاهين، قدّم المعمار الإيطالي كاميلو بويتو (Camillo Boito، 1836-1914) في أواخر القرن التاسع عشر مقاربة وسطية تقوم على اعتبار المبنى وثيقة تاريخية متعددة الطبقات، ينبغي الحفاظ عليها دون طمس أي مرحلة من مراحلها. وقد شدد على ضرورة أن تكون الإضافات الجديدة قابلة للتمييز عن الأصل، سواء من حيث المواد أو الصياغة المعمارية، مع الحفاظ على درجة من الانسجام العام. كما أكد تلميذه لوكا بلترامي (Luca Beltrami، 1854-1933) على أهمية الوثائق التاريخية بوصفها مرجعًا أساسيًا لأي تدخل، ما عزز الطابع العلمي للترميم وربطه بالبحث التاريخي[5].

شهدت نظريات الترميم مع مطلع القرن العشرين تحولًا نوعيًا مع إسهامات المؤرخ النمساوي ألويس ريغل (Aloïs Riegl، 1858-1905)، الذي أدخل مفهوم القيَم بوصفه إطارًا لفهم التعامل مع التراث. فقد بيّن أن المباني التاريخيّة لا تحمل قيمة واحدة، بل مجموعة من القيم المتداخلة، مثل القيمة التاريخية، وقيمة القِدم، والقيمة الفنية، وأن هذه القيم قد تتعارض فيما بينها. ومن هنا، أصبحت قرارات الترميم تُفهم على أنها عملية موازنة بين هذه القيم، وليست مجرد تطبيق لقواعد ثابتة[6]. وقد تطور هذا المسار لاحقًا نحو مقاربة أكثر علمية مع المعمار الإيطالي غوستافو جيوفانوني (Gustavo Giovannoni، 1873-1947)، الذي ركز على أهميّة التوثيق والصيانة الدوريّة واحترام جميع المراحل التاريخيّة التي مرّ بها المبنى، دون السعي إلى إعادته إلى حالة مثاليّة مُفترضة[7]. كما دعا إلى استخدام التقنيات الحديثة عند الضرورة، شريطة ألا تؤدّي إلى طمس خصائصه الأصليّة، وهو ما أسهم في ترسيخ الترميم بوصفه ممارسة قائمة على التحليل العلمي والتقييم الموضوعي.[8]

أعاد المؤرخ والناقد الفني الإيطالي تشيزاري براندي (Cesare Brandi، 1906-1988) في النصف الثاني من القرن العشرين صياغة مفهوم الترميم ضمن إطار نقدي، إذ اعتبره فعلًا تأويليًا يهدف إلى استعادة الوحدة الممكنة للعمل الفني دون الوقوع في التزوير أو إلغاء آثار الزمن[9]. وقد شدّد على أن الترميم لا ينبغي أن يُفهم بوصفه نشاطًا تقنيًا فحسب، بل بوصفه لحظة من الفهم النقدي للعمل، تستند إلى إدراك مسيرته التاريخيّة وقيمته الجماليّة، وهو ما جعل نظريته من أبرز الأسس الفكريّة للترميم المعاصر.

الترميم في المواثيق الدولية

تُظهر تعريفات الترميم في المواثيق الدولية تطورًا واضحًا في الفهم النظري والممارسة التطبيقية، إذ انتقلت من تصورات عامة تركز على الحماية، إلى مقاربات دقيقة تضبط حدود التدخل وشروطه. ويمكن قراءة هذه التعريفات ضمن ثلاثة محاور رئيسة: طبيعة التدخل، وحدوده، وعلاقته بالقيم، والأصالة.

 البدايات، كما في ميثاق أثينا (Athens Charter، 1931)، لم يكن هناك تعريف دقيق للترميم بقدر ما كان هناك تحذير ضمني من الإفراط في استخدام المواد الحديثة وأعمال التدعيم. فقد ركّز الميثاق على ضرورة احترام الطابع التاريخي للمباني، وهو ما يعكس مرحلة انتقالية خرج فيها الترميم من كونه إعادة إنشاء إلى كونه ممارسة حذرة تميل إلى الصيانة. هذه الصياغة غير المباشرة تعكس غياب إطار نظري مكتمل، غير أنها في الوقت ذاته تضع الأساس لفكرة الحدّ من التدخل[10].

مع ميثاق البندقية (Venice charter، 1964)، الذي أقرّه المجلس العالمي للمعالم والمواقع (ICOMOS)، أصبح الترميم أكثر تحديدًا من حيث المبدأ والمنهج. فقد نصّ البند التاسع على أن الترميم يجب أن يستند إلى احترام المادة الأصلية والوثائق التاريخية، وأن يتوقف عند حدود المعرفة المؤكدة. وهنا يظهر تحول جوهري، إذ لم يعد الترميم مجرد نشاط تقني، بل أصبح ممارسة معرفية مشروطة بالدليل، تُقيّدها قاعدة أساسية هي تجنب الافتراض غير المستند إلى دليل[11].

أما ميثاق بورا (Burra Charter، 1979-2013)، الصادر عن إيكوموس-أستراليا، فقد قدم تعريفًا أكثر دقة وإجرائية، إذ حصر الترميم في إعادة المكان إلى حالة سابقة معروفة، من خلال إزالة الإضافات أو إعادة تجميع العناصر القائمة دون إدخال مواد جديدة. ويُلاحظ هنا تضييق واضح لنطاق الترميم مقارنة بميثاق البندقية، إذ استُبعد أي تدخل إنشائي جديد، والتركيز بدلًا من ذلك على استعادة حالة موثقة فقط. وهذا يعكس انتقالًا نحو منهج محافظ (conservative) يحدّ من التأويل، ويعطي الأولوية للمادة الأصلية[12].

في مرحلة لاحقة، ومع صدور وثيقة نارا حول الأصالة (Nara Documentation Authenticity، 1994) برعاية كل من إيكوموس (ICOMOS) ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، اتخذ النقاش منحى أوسع، إذ لم يعد الترميم يُفهم فقط من خلال تقنياته، بل من خلال علاقته بمفهوم الأصالة. فقد أكدت الوثيقة أن أي تدخل يجب أن يُقيَّم في ضوء القيم الثقافية الخاصة بكل مجتمع، وأن مفهوم "الحالة الأصلية" ليس ثابتًا عالميًا، بل يتغير وفق السياق الثقافي. وبهذا، انتقل الترميم من كونه عملية تقنية محكومة بمعايير مادية، إلى فعل ثقافي يتطلب فهمًا سياقيًا متعدد الأبعاد[13].

أما المبادئ اللاحقة الصادرة عن إيكوموس عام 2003، فقد عزّزت البعد العلمي في الترميم، مؤكدة أن أي تدخل يجب أن يستند إلى تحليل دقيق، وأن يهدف إلى تحسين قابلية قراءة المنشأ وفهمه. ويُلاحظ هنا تكامل بين البعدين: العلمي (من خلال التحليل والتوثيق) والعلاجي (من خلال إبراز المراقبة)، وهو ما يعكس نضجًا في فهم الترميم بوصفه أداة لإدارة المعرفة، وليس فقط لحفظ المادة[14].

بناءً على ذلك، يمكن القول إن هذه المواثيق تعكس مسارًا تطوريًا واضحًا: من الحذر العام تجاه إعادة البناء (أثينا)، إلى ضبط منهجي للتدخل (البندقية)، ثم إلى تعريف إجرائي صارم (بورا)، وصولًا إلى توسيع الإطار ليشمل القيم الثقافية والسياق (نارا)، وأخيرًا إلى دمج البعد العلمي والتواصلي في الممارسة (مبادئ 2003). ويكشف هذا التطور أن الترميم لم يعد يُنظر إليه باعتباره عملية ثابتة ذات قواعد مطلقة، بل ممارسة ديناميكية تتغير بتغير المعرفة والسياقات الثقافية، وتستند في جوهرها إلى تحقيق توازن دقيق بين الحفظ والتفسير.

أهم مبادئ الترميم

تستند ممارسات الترميم الحديثة، كما تبلورت في المواثيق الدولية، إلى مجموعة من المبادئ التي تهدف إلى ضبط حدود التدخل وضمان عدم الإضرار بالقيم التاريخية للمباني. ولا تُفهم هذه المبادئ بوصفها قواعد تقنية جامدة، بل إطارًا إرشاديًا يوجّه عملية اتخاذ القرار في سياقات معقدة ومتغيرة. في مقدمة هذه المبادئ يأتي مبدأ الاستناد إلى الأدلة (Evidence-based conservation)، إذ يُشترط أن يعتمد أي تدخل على وثائق تاريخيّة أو شواهد ماديّة واضحة، بما يحدّ من الاعتماد على التخمين. ويرتبط بذلك مبدأ قابلية التمييز (Distinguishability)، الذي يقتضي أن تكون الإضافات الجديدة قابلة للتفريق عن العناصر الأصلية، حفاظًا على صدقية المبنى بوصفه وثيقة تاريخية[15].

 كما يُعد مبدأ قابلية الإزالة (العكسيّة) (Reversibility) من الركائز الأساسيّة، إذ يُفضَّل أن تكون التدخلات قابلة للتراجع دون إلحاق ضرر بالمادة الأصلية، تحسبًا لتطور المعرفة المستقبلية. ويُكمل ذلك مبدأ الحد الأدنى من التدخل (Minimum Intervention)، الذي يدعو إلى تجنب أي أعمال غير ضرورية، والاكتفاء بما يضمن استقرار المبنى وحفظه. أما مبدأ احترام الطبقات التاريخيّة (Respect for Historic Stratification) فيعكس فهمًا تراكميًا للتراث، إذ يُنظر إلى المبنى بوصفه نتاجًا لمراحل زمنية متعددة، ينبغي الحفاظ عليها دون إقصاء تعسفي لإحداها. ومن خلال تفاعل هذه المبادئ، يتشكل الترميم باعتباره عمليّة توازن دقيقة بين الحفظ والتفسير، وليس مجرد إجراء تقني معزول.

أدوات الترميم وتقنياته

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

يحذّر المعمار البريطاني برنارد إم. فايلدن (Bernard M. Feilden، 1918-2008)، أحد أبرز منظري الحفاظ المعماري، من أن الترميم غير المدروس قد يؤدي إلى فقدان معلومات تاريخية لا يمكن تعويضها. كما يرى فيلدن أن الهدف الأساسي من الترميم هو إطالة عمر الممتلكات الثقافية، مع الحفاظ على الرسائل التاريخية والجمالية التي تحملها. لم يعد الترميم يقتصر على الجوانب التقنية فقط، بل أصبح مرتبطًا بفهم القيم الثقافية للموقع، إذ يُقاس نجاح التدخل بمدى قدرته على تعزيز معنى الموقع وليس فقط بحلوله التقنية[16].

تشمل أعمال الترميم مجموعة من التدخلات التقنية، مثل[17]:

  1. إعادة تركيب العناصر المعمارية المفككة، أو ما يُطلق عليه أناستيلوسيس (Anastylosis).
  2. استكمال الأجزاء المفقودة باستخدام مواد متوافقة.
  3. إزالة الإضافات الحديثة التي تؤثر سلبًا في القراءة التاريخية.
  4. معالجة الأسطح والزخارف بهدف تحسين قابليتها للقراءة البصريّة (Visual Legibility).

الترميم في السياق المعاصر

تُظهر الأدبيات المعاصرة في مجال حفظ التراث المعماري وجود تعريفات منهجيّة واضحة لمفهوم الترميم، كما هو الحال في الولايات المتحدة الأميركية من خلال معايير إدارة المتنزهات الوطنية (National Park Service)، إذ يُفهم الترميم بوصفه عملية تستهدف إعادة إبراز الحالة التاريخيّة لمبنى ما في فترة محددة ذات دلالة، مع التركيز على صون عناصرها الأصلية والتعامل النقدي مع الإضافات اللاحقة، بما يعكس توجهًا دوليًا نحو توحيد المفاهيم وإرساء أطر معيارية للتدخل في المباني التاريخية[18].

في هذا السياق، لم يعد الترميم يُفهم بوصفه ممارسة تقنية مستقلة، بل أصبح جزءًا من منظومة أوسع لإدارة التراث الثقافي، تتقاطع مع مفاهيم مثل الاستدامة، والاقتصاد الثقافي، وإعادة الاستخدام التكيفي (Adaptive Reuse). فالمشاريع المعاصرة لا تسعى فقط إلى استعادة صورة الماضي، بل إلى إدماج المباني التاريخية ضمن أنظمة حضرية حية، بما يضمن استمراريتها الوظيفية والاجتماعية. ويعكس هذا التحول انتقالًا من التركيز على "المبنى" بوصفه كيانًا ماديًا، إلى النظر إليه بوصفه موردًا ثقافيًا ديناميكيًا، تُعاد صياغة قيمته من خلال الاستخدام والتفاعل المجتمعي.

الترميم في المنطقة العربية

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

أما في المنطقة العربية، فقد شهدت مؤخرًا اهتمامًا متزايدًا بالترميم، خاصة مع إدراك أهمية التراث في تعزيز الهوية الوطنية ودعم التنمية الثقافية والسياحية. وتتنوع التجارب بين الدول، إذ برزت مشاريع لترميم مراكز المدن التاريخية وإعادة تأهيلها، مثل فاس وتونس والسلط[19].

رغم هذا التقدم، تكشف التجارب العربية عن تحديات منهجية مشتركة، من أبرزها غياب الأطر النظرية الموحدة، وتداخل مفاهيم الترميم مع إعادة التأهيل والتطوير العمراني، ما يؤدي أحيانًا إلى تدخلات تُغير من البنية الأصلية للمواقع تحت مسمى "الترميم". كما يبرز تحدي الموازنة بين متطلبات الاستثمار السياحي والحفاظ على القيم الأصيلة، وهو ما يجعل الترميم في هذه السياقات أقرب إلى عملية تفاوض مستمرة بين الاعتبارات الاقتصادية والثقافية.

نقد الترميم

لا يقتصر نقد الترميم على الاعتراض على بعض ممارساته التطبيقية، بل يمتد ليشمل الأسس المعرفية التي يقوم عليها، خاصة فيما يتعلق بفكرة "إمكانية استعادة الماضي". إذ يشكك بعض الباحثين في قدرة أي تدخل معاصر على تمثيل حالة تاريخية بدقة، معتبرين أن الترميم يعكس بالضرورة رؤية الحاضر أكثر مما يعكس حقيقة الماضي. كما أشار المعمار والمؤرخ الفنلندي يوكا يوكيليتو (Jukka Jokilehto، 1942) إلى أن الترميم، إذا لم يُضبط نظريًا، يمكن أن يتحول إلى إعادة اختراع للماضي[20]. وقد تعرّض الترميم لانتقادات متعددة، منها:

  1. أنه قد يعكس رؤية المعماري أكثر من الواقع التاريخي.
  2. احتمال فقدان الطبقات الزمنية اللاحقة.
  3. صعوبة التمييز بين الأصل والإضافة في بعض الحالات.

يُعدّ الترميم من أكثر المفاهيم إثارةً للجدل في مجال الحفاظ المعماري منذ بدايات تشكّل هذا الحقل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وذلك لارتباطه بطبيعة الحكم الذي يصدره المرمّم حول كيفية التعامل مع الماضي. فالمباني التاريخية لا تمثل لحظة زمنية واحدة، بل تتكون من طبقات متراكمة تعكس تحولات وظيفية وثقافية امتدت عبر فترات طويلة، الأمر الذي يجعل أي تدخل فيها قائمًا على اختيار ضمني لمرحلة معينة بوصفها الأكثر تمثيلًا لقيمتها. ومن هنا، فإن الترميم لا يقتصر على كونه عملية تقنيّة، بل هو فعل تأويلي ينطوي على تحديد ما ينبغي الحفاظ عليه، وما يمكن استبعاده.

في ضوء ذلك، يمكن النظر إلى الترميم على أنه ممارسة تقع عند تقاطع التاريخ والمعرفة والتقنية، بحيث لا يكون الهدف إعادة إنتاج الماضي بقدر ما يكون فهمه وإتاحته ضمن شروط الحاضر. ومن هنا، فإن قيمة الترميم لا تكمن فقط في نتائجه المادية، بل في قدرته على الكشف عن طبقات المعنى الكامنة في المباني التاريخيّة، وإعادة إدماجها في الوعي المعاصر بوصفها عناصر فاعلة في تشكيل الهوية الثقافية.

المراجع

العربية

أصلان، زكي. "مقدمة إدارة مواقع التراث: الأساس المنطقي في التخطيط واتخاذ القرار لحفظ المواقع الأثرية وعرضها"، حفظ التراث الثقافي في المنطقة العربية: قضايا في حفظ المواقع التراثية وإدارتها. روما: إيكروم، 2016.

الأجنبية

Brandi, Cesare. Theory of Restoration, in: Cynthia Rockwell) Trans(.. Florence: Nardini, 2005.

Ceschi, Carlo. Teoria e storia del restauro. Rome: Bulzoni, 1970.

Feilden, Bernard. Conservation of Historic Buildings. Oxford: Architectural Press, 2003.

ICOMOS. International Charter for the Conservation and Restoration of Monuments and Sites (Venice Charter) (Venice: 1964).

ICOMOS. Principles for the Analysis, Conservation and Structural Restoration of Architectural Heritage (Paris: 2003).

ICOMOS. The Burra Charter: The Australia ICOMOS Charter for Places of Cultural Significance (Australia: 2013).

International Museums Office (IMO). The Athens Charter for the Restoration of Historic Monuments. adopted at the first International Congress of Architects and Technicians of Historic Monuments. (Athens: 1931).

Jokilehto, Jukka. A History of Architectural Conservation. Oxford: Butterworth-Heinemann, 1999.

Riegl, Alois. “The Modern Cult of Monuments: Its Character and Its Origin.” Kurt W. Forster & Diane Ghirardo (Trans.). Oppositions. vol. 25 (1982 [1903]).

Ruskin, John. The Seven Lamps of Architecture. London: Smith, Elder & Co., 1903.

“The Secretary of the Interior’s Standards for the Treatment of Historic Properties,” National Park Service. at: https://www.nps.gov/orgs/1739/secretary-standards-treatment-historic-properties.htm

UNESCO & ICOMOS. The Nara Document on Authenticity (Nara, Japan: 1994).

“Urban Heritage Management in Arab Cities: Municipal Perspectives and Practices.” Arab Urban Development Institute (AUDI). at: https://araburban.org/en/

Viollet-le-Duc, Eugène. Dictionnaire raisonné de l’architecture française. Paris: A. Morel, 1875.

[1] Jukka Jokilehto, A History of Architectural Conservation (Oxford: Butterworth-Heinemann, 1999), pp. 47-65.

[2] زكي أصلان، "مقدمة إدارة مواقع التراث: الأساس المنطقي في التخطيط واتخاذ القرار لحفظ المواقع الأثرية وعرضها،" حفظ التراث الثقافي في المنطقة العربية: قضايا في حفظ المواقع التراثية وإدارتها (روما: إيكروم، 2016)، ص. 10-9.

[3] Jokilehto, pp. 147-149; Eugène Viollet-le-Duc. Dictionnaire raisonné de l’architecture française (Paris: A. Morel, 1875).

[4] John Ruskin, The Seven Lamps of Architecture (London: Smith, Elder & Co., 1849), pp. 179-190.

[5] Carlo Ceschi, Teoria e storia del restauro (Rome: Bulzoni, 1970), p.108.

[6] Alois Riegl, “The Modern Cult of Monuments: Its Character and Its Origin,” Kurt W. Forster & Diane Ghirardo (Trans.), Oppositions, vol. 25 (1982 [1903]), pp. 21–30.

[7] Jokilehto, p. 219

[8] أصلان، ص. 11.

[9] Cesare Brandi, Theory of Restoration, in: Cynthia Rockwell) Trans). (Florence: Nardini, 2005), pp. 47-55.

[10] International Museums Office (IMO), The Athens Charter for the Restoration of Historic Monuments. adopted at the first International Congress of Architects and Technicians of Historic Monuments, (Athens: 1931), IV.

[11] ICOMOS, International Charter for the Conservation and Restoration of Monuments and Sites (Venice Charter) (Venice: 1964), article no. 9.

[12] ICOMOS, The Burra Charter: The Australia ICOMOS Charter for Places of Cultural Significance )Australia:2013), article no. 7.1

[13] UNESCO & ICOMOS, The Nara Document on Authenticity )Nara, Japan:1994), article no. 10.

[14] ICOMOS, Principles for the Analysis, Conservation and Structural Restoration of Architectural Heritage )Paris: 2003).

[15] ICOMOS, 1964, article no. 12

[16] Bernard Feilden, Conservation of Historic Buildings (Oxford: Architectural Press, 2003), pp. 1-15.

[17] International Museums Office (IMO), op. cit.

[18] “The Secretary of the Interior’s Standards for the Treatment of Historic Properties,” National Park Service, accessed on 7/4/2026, at: https://www.nps.gov/orgs/1739/secretary-standards-treatment-historic-properties.htm

[19] “Urban Heritage Management in Arab Cities: Municipal Perspectives and Practices”, Arab Urban Development Institute (AUDI), accessed on 23/4/2026, at: https://araburban.org/en/

[20] Jokilehto, p. 218.




المحتويات

الهوامش