الموجز
مدخل سوق الحميدية في دمشق، سوريا (بطاقة بريدية من أوائل القرن العشرين)
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
سوق الحميدية من أشهر أسواق دمشق وأبرز معالمها. يعود تأسيس الشوق إلى أواخر القرن الثامن عشر، ويعد رمزًا تاريخيًا واقتصاديًا بارزًا.
شُيّد قسمه الأول عام 1780 في عهد السلطان عبد الحميد الأول (1725-1789)، بمبادرة من آل العظم تجسيدًا للامركزية السياسية، بينما اكتمل قسمه الثاني عام 1885، عاكسًا سياسة مركزية وتطورًا حضريًا وتجاريًا واكب الانفتاح على أوروبا وزيادة النشاط التجاري معها ومع بقية مناطق الشام، مثل حوران وفلسطين وبيروت، فضلًا عن ازدهار السياحة.
تميز السوق، الذي استُبدل سقفه الخشبي بالحديد والتوتياء عام 1901 لحمايته من الحرائق، بتنوع معروضاته ومحالِّه، مثل بوظة بكداش الشهيرة، ليرتبط بوجدان أهالي دمشق ويعبر عن تعلّقهم بالمدينة.
إلى جانب ثقله التجاري، يحمل السوق رمزية سياسية؛ إذ شهد عام 1922 مظاهرات شعبية ضد الانتداب الفرنسي إثر اعتقال الزعيم الوطني عبد الرحمن الشهبندر، وتعرض للدمار الجزئي بسبب القصف الفرنسي عام 1925، ليبقى مدخله وداخله حتى اليوم منصة رئيسية للدعاية واللافتات والشعارات الوطنية والسياسية الهامة.
المرحلة الأولى من إنشائه
السلطان عبد الحميد الأول في لوحة معاصرة له
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يُعد سوق الحميدية من أسواق دمشق الحديثة نسبيًا، إذ يعود تأسيسه إلى أواخر القرن الثامن عشر، ففي تلك الفترة وفي أثناء حكم السلطان عبد الحميد الأول وولاية محمد باشا العظم (ت. 1783)، بُني القسم الأول من سوق الحميدية بشكل موازٍ لسوق أقدم منه يُدعى سوق الأروام[1]. وامتد هذا القسم من سور القلعة حتى سوق العصرونية، وكان ذلك في عام 1780 وسُمي وقتئذٍ السوق الجديدة، وهي تسمية كانت تُطلق على أي سوق يُعمر حديثًا. وكان بناء هذا السوق تعبيرًا عن جملة تغيرات كانت تشهدها دمشق في تلك الفترة، فمن ناحية جاء ضمن توجهات آل العظم التي ركزت على العمارة وتشييد معالم جديدة، ضمن رغبتهم في اندماج عائلتهم في النسيج الاجتماعي للمدينة وحصولها على مكانة بين عائلاتها العريقة. إضافة إلى ذلك، كان ولاة آل العظم أول المستفيدين من قرار السلطان بإعفاء حكام دمشق من المشاركة بالحروب وإبقائهم في منطقتهم وتوليهم إمارة الحج، وهذا ما أتاح لهم المجال للاهتمام بالعمارة، فعندما شيد محمد باشا العظم سوقَ الحميدية كانت المنطقة تشهد فترة هدوء من التوترات الحربية[2]. وبذلك كله أتى إنشاء السوق الجديد ليواكب نشاط الحركة التجارية للمدينة.
وعلى المستوى السياسي، كانت المرحلة الأولى من إنشاء سوق الحميدية دليلًا على حرية التصرف الواسعة التي تمتع بها بعض ولاة دمشق، وأبرزهم الولاة من آل العظم، كذلك تشير إلى سياسة اللامركزية التي اتبعتها السلطنة في هذا الجزء من أراضيها، وهذا ما فتح الباب لبعض الولاة لتنفيذ مشاريع جاءت بمبادرة منهم وضمن رؤيتهم الخاصة.
المرحلة الثانية من إنشائه
السلطان عبد الحميد الثاني
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
بعد قرن من إنشاء القسم الأول من سوق الحميدية، بدأت أعمال إنشاء قسمه الثاني، الممتد من سوق العصرونية حتى باب البريد ليتصل بعدها بسوق المسكية المقابل للمدخل الغربي للجامع الأموي. وكما جرى في القسم الأول، أكمل القسم الثاني مساره من الغرب إلى الشرق في خط مستقيم، أُنجز بحدود عام 1885[3].
جاءت توسعة سوق الحميدية هذه في سياق تغيرات عديدة شهدتها دمشق على المستوى الحضري-العمراني وعلى المستوى الاقتصادي، فعلى المستوى الحضري-العمراني كانت المدينة قد بدأت منذ زمن في الامتداد والتوسع خارج أسوارها باتجاه الغرب والشمال، وانتفت مع الوقت الوظيفة الدفاعية لقلعة دمشق، إضافة إلى تغير في خريطة بعض أحياء المدينة كان قد بدأ بعد مذبحة عام 1860[4]. أما على المستوى الاقتصادي، فكانت دمشق قد شهدت تغيرًا في علاقاتها التجارية، ففي مقابل التراجع البطيء والمستمر للتجارة المعتمدة على محمل الحج الشامي، كانت دمشق قد دخلت ضمن مجال التجارة الأوروبية، كذلك استفادت تجارة المدينة من تحسين خطوط النقل وافتتاح الطرق الجديدة، وهو ما عزز من نشاطها التجاري مع كل من: حوران، وفلسطين، وبيروت[5]، وكان ذلك يحدث بالتوازي مع توسع ظاهرة السياحة الأجنبية في المنطقة التي كانت دمشق محطة رئيسة من محطاتها[6].
على المستوى السياسي، وعلى عكس القسم الأول، كان إنشاء القسم الثاني من سوق الحميدية قد جرى في مرحلة اعتمدت فيها السلطنة سياسة مركزية صارمة وذلك في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918)، فقد بدأت الأعمال فيه في عهد الوالي أحمد حمدي باشا (1826-1885) الذي كان موثوقًا به من السلطان، ومنفذًا لسياسته في ولاية سورية، وانتُهي منها في عهد الوالي راشد ناشد باشا الذي كان ملتزمًا بسياسة السلطان أيضًا وسياسة الصدر الأعظم الشهير كامل باشا (1833-1913) وكان كل منهما يولي اهتمامًا خاصة ولايتي سورية وبيروت، وإضافة إليهما كانت دمشق تجني ثمرة اهتمام أحمد عزت باشا العابد (1851-1924) أكثر أبنائها حظوة ونفوذًا في السلطنة.
تجديده
في بداية القرن العشرين، كان سوق الحميدية مسقوفًا بسقف خشبي، ويقول الشهابي: "وقد استبدل الوالي حسين ناظم باشا (1854-1927) هذا السقف الخشبي وسقوفَ الأسواق الكبيرة في دمشق بسقف من الحديد والتوتياء وقاية لها من الحرائق"، ولا يحدد الشهابي تاريخًا للحدث. غير أن الأكيد في هذا الشأن أنه في حدود تموز/ يوليو 1901 حصل حريق أصاب سوق الخوجة القريب من مدخل الحميدية الغربي، ووصل الحريق إلى جزء من سوق الأروام، لكنه لم يصل إلى الحميدية، وبعد هذه الحادثة أمر الوالي حسين ناظم باشا باستبدال سقف من الحديد بالسقف الخشبي[7]. وكان هذا آخر تجديد عُرف للسوق في العهد العثماني، ويشير الشهابي إلى أنه عام في 1983 جرت عملية هدم عند مدخله الغربي "بغية كشف الجزء الذي كان يشغله هذا السوق من خندق القلعة وزاوية جدارها الجنوبية الغربية"[8].
مميزاته
سوق الحميدية، دمشق، سوريا – 28 أكتوبر 2017: محل بكداش
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
كبقية الأسواق الجديدة، يتميز سوق الحميدية بكونه سوقًا متنوعًا غير متخصص بتجارة واحدة، فقد كانت محالّه تبيع الألبسة النسائية المختلفة، وانتشرت فيه محال صغيرة وكبيرة لبيع التحف والمصنوعات الدمشقية اليدوية النحاسية والخشبية، ومحال لبيع الأقمشة المختلفة، إضافة إلى بعض المحال التي تبيع الحلويات والبوظة العربية، وأشهرها "بوظة بكداش".
بمرور الوقت، ارتبطت فكرة زيارة دمشق بزيارة سوق الحميدية، وأصبح السوق رمزًا لارتباط أهالي دمشق بمدينتهم. ومن جهة أخرى، حمل سوق الحميدية رمزية سياسية وتاريخية، كانت بدايتها بتسميته، نسبةً إلى السلطان عبد الحميد الثاني. وبهذا دخل السوق قائمة الرموز التي استُخدمت للدعاية للسلطان والتي استخدمها السلطان للدعاية لنفسه ولسياسته.
وفي عهد الاتحاد والترقي (1908-1914) تعززت مكانة السوق عند أهل المدينة. فبعد إطاحة الاتحاديين بالسلطان عبد الحميد الثاني، ومع صدور أوامر بإزالة التسميات التي تشير إليه، اقترح العروبيون الدمشقيون تسمية السوق باسم محمود شوكت باشا (1856-1913)، الضابط العربي الذي قضى على الثورة المضادة في إسطنبول عام 1909، لكن السوق احتفظ في النهاية باسم السلطان[9].
في مرحلة الانتداب الفرنسي، كان سوق الحميدية شاهدًا على أحداث تاريخية ومشاركًا فيها أيضًا، من أبرزها ما حصل في 7 نيسان/ أبريل 1922، إذ شهد السوق أول مواجهة مباشرة بين السوريين والاحتلال الفرنسي في دمشق بعد معركة ميسلون، وذلك بعد اعتقال الزعيم الوطني عبد الرحمن الشهبندر (1879-1940) ورفاقه في اليوم السابق، فخرجت مظاهرة شعبية من الجامع الأموي مرورًا بسوق الحميدية الذي أُقفلت محاله تحية للمتظاهرين[10]. وفي أواخر تشرين الأول/ أكتوبر عام 1925، وضمن أحداث الثورة السورية الكبرى، قصف الجيش الفرنسي جزءًا حيويًا من وسط المدينة في دمشق، تسبب في مقتل الكثير من الدمشقيين وتدمير أحياء عديدة منها جزء من سوق الحميدية[11].
من جهة أخرى، يُعد المدخل الغربي لسوق الحميدية من أبرز الأماكن التي تُستخدم للأغراض الدعائية، فقد شهد هذا المدخل تعليق صور ضخمة كثيرة، تعددت بين أفيشات الأفلام السينمائية والشعارات الوطنية أو الحزبية، وصور القادة والسياسيين. أما في داخل السوق فمن النادر أن يخلو جانباه من حبال تُعلَّق عليها أعلام سورية، أو صور الرؤساء، حتى لافتات تأييد مذيلة بأسماء التجار، أو لافتات إعلانية لمرشحين عن غرفة التجارة أو البرلمان.
المراجع
العربية
الإيبش، أحمد وقتيبة الشهابي. معالم دمشق التاريخية. دمشق: وزارة الثقافة، 1996.
ثمرات الفنون. العدد 617 (26/1/1887).
________. العدد 1464 (18/1/1904).
________. العدد 1485 (20/6/1904).
الحسني، علي. تاريخ سوريا الاقتصادي. دمشق: مطبعة بدائع الفنون، 1923.
خوري، فيليب. سوريا والانتداب الفرنسي: سياسة القوميّة العربية 1920-1945. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1997.
سامي، عبد الرحمن. القول الحقّ في بيروت ودمشق. بيروت: دار الرائد العربي، 1981.
الشهابي، قتيبة. دمشق: تاريخ وصور. دمشق: وزارة الثقافة، 1986.
________. أسواق دمشق القديمة ومشيداتها التاريخية. دمشق: وزارة الثقافة، 1990.
الشهبندر، عبد الرحمن. مذكرات عبد الرحمن الشهبندر. بيروت: دار الإرشاد، 1967.
عثمان، هاشم. تاريخ سورية الحديث. بيروت: دار رياض الريس للكتب والنشر، 2012.
عنحوري، سمير. "التطور العمراني في مدينة دمشق، 1860- 1960". معابر. في: https://acr.ps/hByaRgE
الكرمل. العدد 802 (12/4/1922).
________. العدد 1152 (28/10/1925).
لسانالحال. العدد 8592 (7/4/1922).
________. العدد 8594 (10/4/1922).
________. العدد 9609 (22/10/1925).
المقتبس. العدد 132 (23/5/1909).
الأجنبية
Gross, Max L. “Ottoman Rule in the Province of Damascus 1860-1909.” Ph.D. Dissertation. Georgetown University. 1979.
Rafeq, Abdul-Karim. The Province of Damascus, 1723-1783. Beirut: Khayats, 1966.
[1] قتيبة الشهابي، دمشق: تاريخ وصور (دمشق: وزارة الثقافة، 1986)، ص 233؛ قتيبة الشهابي، أسواق دمشق القديمة ومشيداتها التاريخية (دمشق: وزارة الثقافة، 1990)، ص 61؛ أحمد الإيبش وقتيبة الشهابي، معالم دمشق التاريخية (دمشق: وزارة الثقافة، 1996)، ص 301.
[2] Abdul-Karim Rafeq, The Province of Damascus, 1723-1783 (Beirut: Khayats, 1966), pp. 309-310.
[3] يذكر الشهابي أنّ أعمال بناء القسم الثاني امتدت بين عامي 1883-1884 "أيام الوالي راشد ناشد باشا"، لكن في هذه الأعوام كان الوالي هو أحمد حمدي باشا واستمر حتى عام 1885. وبالرجوع إلى أرشيف جريدة ثمرات الفنون، فهناك إشارة إلى قرب الانتهاء من أعمال توسيع السوق، لكنها في عام 1887، أي في ولاية راشد ناشد باشا التي استمرت حتى عام 1888. أما عبد الرحمن سامي الذي زار المدينة في 1890 فيقول: "إن السوق أُنشئ حديثًا في عهد ولاية أحمد حمدي باشا". يُنظر: ثمرات الفنون، العدد 617 (26/1/1887)؛ عبد الرحمن سامي، القول الحقّ في بيروت ودمشق (بيروت: دار الرائد العربي، 1981)، ص 91؛ الشهابي، دمشق: تاريخ وصور، ص 233؛ الشهابي، أسواق دمشق القديمة ومشيداتها التاريخية، ص 61.
[4] الشكر للمهندس المعماري مالك المحاسني على طرح هذه الفكرة ومناقشتها، مراسلة شخصية في 24/6/2025. يُنظر أيضًا: سمير عنحوري، "التطور العمراني في مدينة دمشق، 1860- 1960"، معابر، في: https://acr.ps/hByaRgE
[5] علي الحسني، تاريخ سوريا الاقتصادي (دمشق: مطبعة بدائع الفنون، 1923)، ص 243-246.
[6] Max L. Gross, “Ottoman Rule in the Province of Damascus 1860-1909,” Ph.D. Dissertation, Georgetown University, 1979, p. 99.
[7] ثمرات الفنون، العدد 1464 (18/1/1904)؛ المرجع نفسه، العدد 1485 (20/6/1904).
[8] الشهابي، أسواق دمشق القديمة ومشيداتها التاريخية، ص 62.
[9] المقتبس، العدد 132 (23/5/1909).
[10] جاءت الحادثة نتيجة لزيارة تشارلز كرين إلى دمشق بين الأول والسادس من نيسان/ أبريل. يُنظر: هاشم عثمان، تاريخ سورية الحديث (بيروت: دار رياض الريس للكتب والنشر، 2012)، ص 59؛ عبد الرحمن الشهبندر، مذكرات عبد الرحمن الشهبندر (بيروت: دار الإرشاد، 1967)، ص 57-66؛ الكرمل، العدد 802 (12/4/1922)؛ لسانالحال، العدد 8592 (7/4/1922)؛ المرجع نفسه، العدد 8594 (10/4/1922).
[11] فيليب خوري، سوريا والانتداب الفرنسي: سياسة القوميّة العربية 1920-1945 (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1997)، ص 217؛ الكرمل، العدد 1152 (28/10/1925)؛ لسانالحال، العدد 9609 (22/10/1925).