تسوية لوكسمبورغ (Luxembourg Compromise) هي اتفاقية أُبرِمت عام 1966 بين دول الجماعة الاقتصادية الأوروبية بعد "أزمة الكرسي الشاغر" (Empty Chair Crisis)، وكرّست حق الدول الأعضاء في استخدام الفيتو عند تعرّض مصالحها القومية للخطر.
شكّلت هذه التسوية توازنًا بين الإجماع في القضايا السياسية والفيتو القومي، وبين التصويت بالأغلبية في المجالات الاقتصادية، ما مهّد لتطوير نهج تدريجي للتكامل الأوروبي.
أزمة الكرسي الشاغر
أثّرت الحقبة التي حكم فيها شارل ديغول (Charles de Gaulle، 1890-1970) فرنسا في مسيرة التكامل الأوروبي، فقد بنى ديغول تصوّره للوحدة الأوروبية من خلال قيام اتحاد سياسي بين حكومات أوروبية مستقلة في سياستها الخارجية، لا تتأثر بتناقضات الحرب الباردة وتقسيماتها لأوروبا، أي إنه دعَمَ الوحدة الأوروبية بمعناها الجيوسياسي، لا الأيديولوجي الذي قسّمها بين أوروبا شرقية وأخرى غربية. وقد قاطع ديغول الاجتماعات المختلفة لمؤسسات الجماعة الاقتصادية الأوروبية في المدة من 30 حزيران/ يونيو 1965 إلى 30 كانون الثاني/ يناير 1966، وفجّر هذا أزمةً عُرفت ضمن الجماعة بـ "أزمة الكرسي الشاغر"، لشغور كرسي فرنسا في اجتماعات الجماعة، وذلك لاعتراضه على موقف المفوضية الأوروبية في 8 نيسان/ أبريل 1965 القاضي بأن يخضع إنفاق الميزانية للرقابة البرلمانية. وبما أنه لا يمكن مراقبة ميزانية أوروبية من جانب ستة برلمانات منفصلة، لها نظمها وقوانينها التي تحكم عملها، فسيكون على البرلمان الأوروبي تولّي هذه المهمة، وهو ما رفضه ديغول، في حين وافقت عليه الدول الخمس الأخرى في الجماعة الاقتصادية الأوروبية[1].
التوصل إلى التسوية
واصلت باريس مقاطعتها مؤسسات الجماعة مدة ستة أشهر، ثم دخلت في سلسلة اجتماعات في لوكسمبورغ، لأنها خشيت من تأثير مقاطعة مؤسسات الجماعة في اقتصادها. وتوصّل أعضاء الجماعة إلى اتفاقٍ عُرف بـ "تسوية لوكسمبورغ".
أعطى هذا الاتفاقُ الدولةَ العضو في الجماعة حق استخدام النقض (الفيتو) على قرارات المجلس، والحق في المطالبة باتخاذ القرارات بـ "الإجماع" (Unanimity) في حال تعرّضت مصالحها القومية للخطر. لكن الاتفاق لم يحدد نوع المصالح القومية، أو كيفية حل النزاع بين الدول في حال تعارض تلك المصالح. ونصّت تسوية لوكسمبورغ على حصر دور البرلمان الأوروبي في المجال الاستشاري في الجانب المتعلق بميزانية الجماعة، في حين يستمر المجلس في ممارسة دوره الرقابي. كذلك حدّت التسوية من قدرة المفوضية على وضع مسائل وقضايا على جدول أعمال المجلس، فقد باتت مقيدةً ومشروطة بأن تُعرَض عرضًا أوليًا على ممثلي الحكومات الستة المقيمين على نحو دائم في بروكسل[2].
وشهدت السياسة الزراعية المشتركة (Common Agricultural Policy - CAP)، التي أُسِّست بموجب معاهدة روما، إصلاحاتٍ جزئيةً في عام 1966 ضمن ما نصّت عليه تسوية لوكسمبورغ، ولا سيما فيما يتعلق بالتصويت بالأغلبية المؤهَّلة {{آلية تُستخدم داخل المجلس الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي لاتخاذ القرارات من دون الحاجة إلى الإجماع، لكنها تتجاوز الأغلبية البسيطة للأعضاء. وثمة نوعان من الأغلبية المؤهَّلة: القياسية، والمعزَّزة. في الأولى تُتّخذ القرارات إذا وافق ما لا يقل عن 55 في المئة من الدول الأعضاء، التي تمثل ما لا يقل عن 65 في المئة من سكان الاتحاد الأوروبي. أما الأخرى فيجب أن يوافق 72 في المئة على الأقل من الدول الأعضاء، التي تمثل النسبة نفسها من سكان الاتحاد. والأغلبية المؤهلة القياسية هي الإجراء العادي المستخدم في معظم تشريعات الاتحاد، في حين تستخدم الأغلبية المؤهّلة المعزّزة إذا كان المجلس يعمل بناء على اقتراح لم يأتِ من المفوضية، أو من وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، وذلك عند انتخاب المناصب الرئيسة في مؤسسات الاتحاد.}} (Qualified Majority Voting - QMV) على السياسات الزراعية المشتركة التي تهدف إلى زيادة الإنتاجية الزراعية، وضمان مستوى معيشة لائق للمزارعين، وتحقيق الاستقرار في الأسواق، وتوفير الإمدادات المتاحة بسهولة، والوصول إلى أسعار معقولة للمستهلكين، فضلًا عن التشريعات المتعلقة بالسوق الموحدة والبحث العام والتِّقانة[3].
وقد دلت تسوية لوكسمبورغ في مسار عملية التكامل الأوروبي على أمرين: الأول، الحاجة الضرورية إلى تطوير التكامل الأوروبي عمومًا وتحسينه، والتكامل في المجال القطاعي (لا سيما الحديد والفحم والطاقة النووية وقطاع الزراعة والمجالات الاقتصادية المنوعة)، مع إدخال تعديلات على النهج التكاملي، حتى يسهم في عملية انتقال سَلسة ومتدرجة إلى مرحلة التكامل والاندماج. أما الأمر الآخر، فهو ضرورة تفعيل آليات جديدة تسهّل اتخاذ قرارات الجماعة الاقتصادية الأوروبية وتنفيذها، ولا سيما مع صعوبة فصل المجال الاقتصادي كلّيًا عن المجال السياسي. كان ذلك المحرك الأساسي للتوصل إلى تسوية لوكسمبورغ، عبر إقرار قاعدة الإجماع فيما يتعلق بالمسائل المرتبطة ارتباطًا أساسيًا بالمصالح القومية للدول الأعضاء، وقاعدة الأغلبية في القرارات المتعلقة بالمجالات الاقتصادية[4].
المراجع
العربية
حسين، أحمد قاسم. الاتحاد الأوروبي والمنطقة العربية: القضايا الإشكالية من منظور واقعي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021.
نافعة، حسن. الاتحاد الأوروبي والدروس المستفادة عربيًا. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004.
الأجنبية
Camps, Miriam. European Unification in the Sixties: From the Veto to the Crisis. New York: McGraw-Hill, 1966.
“The Luxembourg Compromise (January 1966).” Centre virtuel de la connaissance sur l’Europe.at: https://acr.ps/1L9Ba7K
[1] حسن نافعة، الاتحاد الأوروبي والدروس المستفادة عربيًا (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004)، ص 151.
[2] Miriam Camps, European Unification in the Sixties: From the Veto to the Crisis (New York: McGraw-Hill, 1966), p. 112.
[3]“The Luxembourg Compromise (January 1966),” Centre virtuel de la connaissance sur l’Europe, accessed at: https://acr.ps/1L9Ba7K
[4] نافعة، 159، وللمزيد يُنظر: أحمد قاسم حسين، الاتحاد الأوروبي والمنطقة العربية: القضايا الإشكالية من منظور واقعي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص 68-70.