تسجيل الدخول

زيغمونت باومان

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


الاسم الكامل

زيغمونت باومان Zygmunt Bauman

تاريخ الميلاد

19 تشرين الثاني/ نوفمبر 1925

مكان الميلاد

بوزنان، بولندا

تاريخ الوفاة

9 كانون الثاني/ يناير 2017 (92 عامًا)

مكان الوفاة

ليدز، المملكة المتحدة

الجنسية

بولندي، بريطاني

المهنة/ الدور العام

فيلسوف اجتماعي، عالم اجتماع، أستاذ جامعي

أهم الأعمال

  • الحداثة والهولوكوست (1989)
  • أخلاقيات ما بعد الحداثة(1993)
  • الحداثة السائلة (2000)


الموجز

زيغمونت باومان (Zygmunt Bauman، 1925-2017) فيلسوفٌ وعالم اجتماع بولندي المولد، يعدّ من أبرز منظري السوسيولوجيا النقدية المعاصرة، تشكّل وعيه الفكري والنقدي بين الحرب والمنفى وتجربة الانخراط المبكر في الشيوعية، وارتبط تكوينه بالماركسية المنفتحة، ولا سيّما بأعمال ماركس ولوكاش وغرامشي، قبل أن يقوده النفي إلى مسار أكاديمي أسهم في بلورة مشروعه النقدي، كما تأثر لاحقا بفلسفة إيمانويل ليڤيناس الأخلاقية في تطوير تصوره للمسؤولية الأخلاقية تجاه الآخر.

 اتسمت أعماله بنقد الحداثة بوصفها مشروعًا عقلانيًا ارتبط بالدولة والانضباط والسعي إلى التجانس مع إقصاء الاختلاف. وطرح فكرة القرابة الانتقائية بين الحداثة والهولوكوست، مؤكدا أنها لا يمكن اختزال الهولوكوست في كونه مشكلة يهودية أو ألمانية، وأنه لم يكن انحرافًا عن الحداثة بقدر ما كان أحد إمكاناتها الكامنة. كما تناول باومان طموحات ما بعد الحداثة وتناقضاتها، وما حملته من وعود بالتعدديّة والتحرر، وصولًا إلى نظرية الحداثة السائلة، التي حلل من خلالها تفكك الأشكال الاجتماعية المستقرة وتزايد السيولة واللايقين في المجتمعات المعاصرة. ومن أبرز أعماله: الحداثة والهولوكوست (1989)، وأخلاقيات ما بعد الحداثة (1993)، والحداثة السائلة (2000).

نشأته وتكوينه ومنفاه

نشأته

وُلد زيغمونت باومان (Zygmunt Bauman، 1925-2017) في بولندا لأسرة يهودية متعلمة. وكان والداه يهوديين من الناحية الإثنية، لكنهما غير مؤمنين أو ملتزمين. ولهما ميول صهيونية. ويصف باومان حياة صهيون التي كانت في مخيلة أبيه بأنها تمردٌ على الحياة غير الإنسانية، وتطلعٌ إلى عالم الأخوة والخير العالمي[1]. وقد أنهى باومان تعليمه الابتدائي عام 1938، وانضم في صغره إلى منظمة شباب صهيونية، ثم اضطر إلى مغادرة وطنه، مع أسرته، للمرة الأولى في حياته، وهو ابن الرابعة عشرة، لأن القوات الألمانية غزت بولندا في 1 أيلول/ سبتمبر 1939. وكانت الأيديولوجيا الشيوعية مُنتشرة حينئذٍ في المناهج المدرسية والجامعات وأماكن العمل، وغدَت فترة مثمرة في حياة باومان، لأنه تعلم اللغة الروسية، وتبحر في قراءة التاريخ والأدب، فضلًا عن أنه وجد صهيون التي تخيلها في مولودشنو، وشعر بجاذبية نحو الأيديولوجية الشيوعية، فراوده الأمل في إقامة نظام عادل غير عنصري[2].

وفي عام 1943، التحق باومان وكان عمره 18 عامًا بوحدات الجيش البولندي، لقتال النازيين[3]. وأصبح ضابطًا في فيلق الأمن الداخلي، وكان يرى أن التحاقه بهذا الفيلق أحد أشكال بناء الاشتراكية، وتعاونه مع وكالات الاستخبارات البولندية الموالية للسوڤيات عملًا وطنيًّا[4]، لأن النظام السوڤياتي كان يَعِد بالمساواة والعدالة الاجتماعية. ولم يرَ باومان في ذلك التعاون عبودية للاتحاد السوڤياتي وستالين، بل خطوة في بناء بولندا الجديدة، لكنه أدرك لاحقًا أن بعض القيم تتحول إلى أحلام غير واقعية فحسب[5].

التكوين

درس باومان علم الاجتماع في أكاديمية العلوم السياسية في وارسو من عام 1947 إلى 1950، وتعلم من المُنظِّر الماركسي آدم شاف (Adam Schaff، 1913-2006). وفي الأكاديمية، التقى باومان بزوجة المستقبل يانينا لوينسون (Janina Lewinson، 1926-2009)، وهي يهودية بولندية، كانت يهوديتها تتصل بخلفيتها الإثنية، والمعاناة المشتركة للجماعات اليهودية، والتطلع إلى بناء عالم يمكن أن تعيش فيه الجماعات اليهودية في سلام وكرامة[6].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ولم يفكر باومان في العيش في فلسطين، ولم يناصر الصهيونية، لأنها كانت تتناقض مع قناعاته الشيوعية، ومع اعتقاده بأن اليهود ليسوا أمة واحدة، بل أشتاتًا يعيشون في جميع أنحاء العالم، ويتحدثون لغات كثيرة، ويُشكلون جزءًا عضويًّا من البلدان التي يُولدون وينشَؤُون في كنفها. وقد فُصِل باومان من الجيش، بسبب اتصالات والده بالسفارة الإسرائيلية، بغرض الهجرة. وتابع دراسة الماجستير بجامعة وارسو في قسم الفلسفة والعلوم الاجتماعية. فأعد رسالة الماجستير بإشراف آدم شاف، وتعرّف فيها إلى ليشك كولاكوفسكي (wsLeszek Kolakoki، 1927-2009) وكان باومان وكولاكوفسكي يؤيدان ستالين، لكنهما أصبحا فيما بعد من التصحيحيين[7]، ونشأت بينهما صداقة، لكنها ضعفت وماتت، عندما ابتعد كولاكوفسكي عن الماركسية وتحول إلى الكاثوليكية، على حين التزم باومان برؤية اشتراكية علمانية للكون والسياسة[8]. وكان باومان قد عُين قبل حصوله على درجة الماجستير أستاذًا معاونًا مع السوسيولوجي الماركسي يوليان هوخفلد (Julian Hochfeld، 1911–1966)، الذي أثَّر في تكوينه الفكري[9].

وفي عام 1954 حصل باومان على درجة الماجستير، وعمل بعدها باحثًا مشاركًا في الأكاديمية البولندية للعلوم، ثم انتقل إلى إعداد أطروحة الدكتوراه بإشراف هوخفلد، تناولت: المذهب السياسي لحزب العمال البريطاني[10]. فناقش عام 1955 أطروحة الدكتوراه، ومُنح الدرجة في 1957[11]. حصل بعدها على زمالة ما بعد الدكتوراه في علم الاجتماع من مؤسسة فورد في بولندا مدة عام في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. وفي نهاية الخمسينيات من القرن العشرين، أدى دورًا مهمًا في مناصرة الماركسية الإنسانوية، وظل مخلصًا لمبادئها الأساسية، حين كان مدلول الشيوعية يشير إلى محاولة إعادة بناء ما دمرته الحرب العالمية الثانية. وحصل على شهادة التأهيل للأستاذية عام 1960[12]. وفي مطلع الستينيات، عُين باومان رئيسًا لقسم السوسيولوجيا والعلاقات السياسية في جامعة وارسو، وحصل على الأستاذية الكاملة من جامعة وارسو في عام 1966[13].

المنفى

 في فترة الستينيات من القرن العشرين، انضم باومان إلى حزب العمال الموحد البولندي الحاكم، وكان ينعم بحياة سعيدة وبشعور قوي بالانتماء إلى بولندا، غير أنه تعرض في أواخر الستينيات للتجسس والمراقبة من الأجهزة الأمنية البولندية التي صنفته ضمن العملاء وأعداء الدولة، بسبب أنشطته البحثية التصحيحية وخلفيته الإثنية اليهودية[14]. وعُدَّ باومان في نظر الأجهزة الأمنية بمنزلة المتآمر الذي يثير الطلاب اليهود ضد الدولة، ويؤيد مطالبهم[15]. فظهرت دعوات لتطهير مؤسسات الدولة من اليهود[16]، وأعلنت الصحف والإذاعة البولندية عزل خمسة أكاديميين من قسم الفلسفة وأستاذ من قسم الاقتصاد. وكان باومان من بينهم[17]، فأُرغم على التخلي عن جنسيته البولندية[18]، ما جعل إسرائيل وجهته، لأنها الدولة التي غطّت تكاليف رحلته مع أسرته إليها، لوجود أقارب له ولزوجته وعدد كبير من البولنديين فيها.

في إسرائيل، لم يشعر باومان وأسرته أنهم جزء من المجتمع، بل ضحايا ويهود شتات ضعفاء، على العكس من المهاجرين البولنديين السابقين الذين أتقنوا اللغة العبرية، وخصّوا حياتهم للعمل الجاد في الكيبوتس، وحققوا انتصارات عسكرية على جيرانهم العرب[19]. ولم يكن من الممكن حينئذٍ انقسام الولاء بين جنسيتين أو دولتين أو ديانتين[20]. وكان هذا التوجه يتعارض مع هوية باومان الكوزمبوليتانية، ومع شعوره بهويته البولندية والانتماء إليها[21]. وأدرك أن إسرائيل ليست مستعدة للسلام، وأن حالة الحرب هي الحل الوحيد لبقائها[22].

في أكتوبر/ تشرين الأول 1968 عُيّن باومان أستاذًا في قسم السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة تل أبيب، وأستاذًا زائرًا في جامعة حيفا، وبعد 3 سنوات من وصوله إلى إسرائيل، غادر باومان إلى المملكة المتحدة ليعمل في جامعة ليدز. فعُيِّن رئيسًا لقسم السوسيولوجيا مدة عشرين عامًا حتى التقاعد[23]. وكانت قوة باومان تكمن في قدرته على القراءة بالروسية، والعبرية، والفرنسية، والألمانية، والتشيكية، والإيطالية، والإسبانية، لكنه صاغ أفكاره السوسيولوجية بلغتين: البولندية والإنكليزية[24].

وحدث تغيُّر في موقف بولندا من باومان، منذ عام 1980، ولا سيما مع ظهور حركة التضامن، ومطالبة مجلس جامعة وارسو لوزارة التعليم العالي في عام 1981 بسحب قرار طرد الأساتذة الذي صدر في أثناء احتجاجات الطلاب عام 1968. فدُعي أربعة أساتذة للعودة، مع استبعاد زيغمونت وماريا هيرزويتس[25]. لكن جامعة وارسو دعت باومان إلى إلقاء محاضرة في عام 1988، وقبِل باومان الدعوة. وفي عام 1990، اعتذر إليه وزير التعليم العالي عمّا حدث معه في الماضي، وطلب إليه العودة إلى منصبه في جامعة وارسو[26]. وفي عام 1991، عُيّن باومان أستاذًا بدوام جزئي في الأكاديمية البولندية للعلوم، وعُيّن في لجنة العلوم الاجتماعية بالأكاديمية ذاتها. ولم يسترد باومان جنسيته البولندية قط.

نقد تناقضات التنوير والحداثة

كان باومان يردد دائمًا إن حياته الحقيقية بدأت في ليدز في عام 1991، بعدما تقاعد عن العمل، واستطاع أن يكرس وقته للكتابة[27]. لكن باومان كان قد وضع قبل تقاعده 3 أعمال مهمة في نقد الحداثة والتبشير بما بعد الحداثة، وهي: أهل التشريع وأهل التأويل: في الحداثة وما بعد الحداثة والمفكرين (1987)[28]، والحداثة والهولوكوست (1989)[29]، والحداثة والإبهام (1991)[30]. فقد تبلور نقد الحداثة الغربية في خطاب باومان قبل ذلك بكثير، ولا سيما في كتابين نشرهما في منتصف السبعينيات من القرن العشرين، وهما: نحو علم اجتماع نقدي: مقال في الحس السليم والانعتاق (1976)[31]، والاشتراكية: اليوتوبيا النشطة (1976)[32].

نقد تناقضات التنوير

خلافًا لما يشيع، يؤكد باومان أن مشروع التنوير الغربي لم يكن حلمًا نبيلًا في نشر نور الحكمة والحرية بين الناس، بل أداةً لتعزيز طموحات الدولة وخلق آلية اجتماعية تحقق الانضباط[33]، مثل ارتباط فكرة الثقافة ذاتها بظهور الدولة القومية، بوصفها القوة المطلقة الجديدة القادرة على تعميم النماذج السلوكية والإدراكية من أجل خلق جماعة متخيلة تُرسّخ التماثل الإثني، والديني، واللغوي، والثقافي، وقد استعانت الدولة بالعلم والعقلانية لتحقيق الوحدة والتجانس والانسجام [34]. وكانت الدولة تملك سلطة تشريعية مطلقة، وبات العلماء والمفكرون يمارسون دور أهل التشريع على الحقيقة والمجاز، حتى أنهم تصوروا المجتمع فضاءً شاغرًا لا يسكنه أحد، وأرضًا لا صاحب لها، وخالية محتاجة إلى من يستعمرها، ويسن لها قوانينها، ويُحكِم السيطرة عليها في نموذج محدد[35].

ومن ثمّ، فقد تعامل باومان مع الحداثة بوصفها ظاهرة مركبة تستعصي على التعريف الجامع، لكنه ربطها بنماذج مجردة، مثل: الثورة التكنولوجية، وسيادة الإنسان على الطبيعة [36]. ووصف الحداثة الغربية بأنها انقطاع راديكالي في التاريخ الكوني، ولا سيما أن الغرب يرى نفسه المرجعية التي يقوم عليها تأويل الغاية النهائية من التاريخ، لذا أصبغ على نفسه شرعية وأحقية في استعمار المستقبل، واستعمر الفضاءات المحيطة، وحوّل الفضاءات والأزمنة الأخرى إلى موضوعات تخضع للتشكيل والتعليم والتثقيف فحسب. وتفترض هذه الرسالة الحضارية أن الأزمنة الأخرى نُسخ دونية بدائية متأخرة [37]، وأن الحداثة الغربية هي المركز المتعالي لكل سلطة، لأنها قائمة بذاتها، ومكتفية بنفسها، ومرجعية نفسها في الصواب والخطأ[38].

وتشير الحداثة في خطاب باومان إلى علمنة الأساليب الرعوية والتبشيرية، وتحريرها من الجسد الهرمي للكنيسة، وإعادة توظيفها في خدمة الدولة. ومن ثمّ، كان الفلاسفة والحكام والعلماء في العصر الحديث أهل تشريع على الحقيقة والمجاز، لأنهم عكفوا على ترويض الفوضى، وإرساء النظام، وتوضيح الأفكار المعقدة، والتبشير بمستقبل أفضل وأنفع على أساس علمي، لكن هذه الأفكار التنويرية انطوت على فلسفة فكرية متغطرسة تحتكر العقل والعقلانية. وتكمن المفارقة في أن دعوة عصر التنوير {{عصر التنوير (Enlightenment): حركة فكرية وثقافية ازدهرت في أوروبا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، دعت إلى إعلاء العقل والعلم ونقد السلطة التقليدية، وأسهمت في ترسيخ قيم الحرية والتسامح وحقوق الإنسان، وكان لها أثر كبير في نشأة الحداثة الغربية والدولة الحديثة.}} إلى التحرر من كل وصاية تقوم على احتفاء التنويريين أنفسهم بوصايتهم على الناس، فكان مشروع التنوير يستهدف تنوير الدولة وسياساتها من جهة، واحتواء رعاياها أو ترويضهم أو ضبطهم أو السيطرة عليهم، لذا فإن "الشعب" في خطابات التنويريين كان عوامًا وجُهّالًا فحسب، أو حتى بهائم شرسة ومخلوقات متوحشة[39].

الحداثة والهولوكوست

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

في عام 1986، نشرت زوجة باومان يانينا، كتابًا عنوانه شتاء في الصباح: حياة فتاة شابة في جيتو وارسو وما وراءه[40]. وتأثر باومان بالنقاش معها، فقرر أن يكتب عن فهمه الخاص لهذه المأساة في مقالة عنوانها: "السوسيولوجيا بعد الهولوكوست"[41]، وكانت هذه المقالة جزءًا من كتابه الذي صدر عام 1989 وعنوانه: الحداثة والهولوكوست. ويؤكد الكتاب أن الهولوكوست ليست مأساة فريدة تستعصي على الفهم والتكرار، بل نتاج إبادة ممنهجة تقوم على الترشيد العقلاني، حتى أن الجماعات اليهودية تورطت في حفر قبورها بنفسها. وكانت هذه أطروحة جديدة، أسفرت عن منح الرابطة الإيطالية للسوسيولوجيا الكتابَ جائزة أمالفي الأوروبية لعلم الاجتماع والعلوم الاجتماعية. وألقى باومان محاضرة في هذه المناسبة عام 1990، عنوانها: الاستغلال الاجتماعي للأخلاق، الفاعلون المُؤَخْلِقون، وتحييد الفعل أخلاقيًّا (The Social Manipulation of Morality: Moralizing Actors, Adiaphorizing Action)، وفيها أكد أن أفكار هذا الكتاب اختمرت في ذهنه في جامعة وارسو، وفي صحبة زملائه في بريطانيا. وأوضح أن التجربة المؤلمة التي مرت بها رفيقة دربه يانينا قد حوّلت مهمة تأليف كتاب الحداثة والهولوكوست إلى دافع فكري وواجب أخلاقي [42].

اتخذ باومان من الجماعات اليهودية حالة تطبيقية لفهم الأسس المعرفية للحداثة ومآلاتها. واجتهد في دحض الرؤية السائدة في النظرية الثقافية المعاصرة، التي تقول إن الحداثة هي قصة ارتقاء الإنسان من عالم البربرية إلى عالم العقلانية والتطور الأخلاقي، وإن الهولوكوست التي وقعت داخل البناء الحضاري الغربي وراح ضحيتها ملايين البشر من الجماعات اليهودية وغيرها، هي لحظة عابرة فحسب، انكسرت فيها القبضة الحضارية التي تُروض الرغبات الانفعالية البربرية، وكأنها حادثة استثنائية لا غير، أو نكوص عارض، أو انحراف تاريخي مؤقت عن مسار الحداثة الغربية العقلانية والتقدم الحضاري الغربي الرشيد.

 يرفض باومان هذه الرؤية، ويؤكد أن الهولوكوست قد توافقت مع الحداثة الغربية، وعقلانيتها، وتقديسها للعلم والقانون والنظام. فلم تمرّ ألمانيا بعوامل بنيوية وثقافية انحرفت بها عن مسار التقدم الغربي وميراث فلسفات التنوير، بل إن الجامعات الألمانية الحديثة قد غرست النموذج العلمي، بوصفه نشاطًا منفصلًا عن القيمة، وتعاونت دون عناء في تنفيذ المهام النازية. وخضعت جرائم الهولوكوست للتطبيقات العلمية والتكنولوجية، وقواعد الترشيد البيروقراطي، والإدارة العقلانية الحديثة. ومن ثمّ، لا يمكن فهم القرابة الانتقائية بين الحداثة والهولوكوست، دون إعادة قراءة فلسفات التنوير ومقولات أنصار الفلسفة العقلانية المادية[43].

لم يتعامل باومان مع الهولوكوست بوصفها مسألة يهودية أو مشكلة ألمانية، بل وجد أنها أحد إمكانات الحداثة عامة[44]. فأكد أن "الثقافة الحديثة ثقافة بستنة، فهي ترى نفسها خطة لحياة مثالية وتنظيم مثالي للأوضاع الإنسانية"[45]. وترتكز هذه الثقافة على لغة المعركة المقدسة ضمن ثنائيات متعارضة: الإنسانية ضد البربرية، والعقل ضد الجهل، والموضوعية ضد التحامل، والتقدم ضد التخلف، والحقيقة ضد الخرافة، والعلم ضد السحر، والعقلانية ضد الانفعالات والعواطف[46]. فلم تقض الحداثة تمامًا على الميتافيزيقا، بل استبدلتها، لتحل محلها مقولات ميتافيزيقية جديدة تدّعي الحق في احتكار الحقيقة والوجود. ما يشير إلى فكرة حلول الإله في العالم، ومن ثمّ، تحول العالم إلى بستان ملك للإنسان، لكن يقظة البستاني فقط هي التي تستطيع أن تحميه من الحشائش الضارة[47].

الحداثة ومحاربة الاختلاف

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

في كتاب الحداثة والإبهام (1991)، يواصل باومان استكشاف الطموحات الطوباوية التي كانت تراود الحداثة الغربية، ويؤكد أن القومية الإقصائية لم تكن مقصورة على بولندا، بل متبدية في فشل طموحات الإدماج في كثير من الدول الأوروبية الأخرى، إذ انحصرت مصداقية الاندماج الثقافي في علاقات الصالون الثقافي بين التنويريين والإصلاحيين. ومع أن المجتمعات الأوروبية قد شجعت الجماعات اليهودية على اكتساب الآداب والسلوكيات الراقية، واللياقة البدنية والأخلاقية واللغوية، فإن "اليديشية" (لغة يهود شرق أوروبا) كانت محط سخرية اليهود الألمان أنفسهم، وتعرضت اللغة البولندية أيضًا إلى الازدراء، بوصفها لغة لا ترقى إلى منزلة اللغة الألمانية. ونظرت المجتمعات الأوروبية إلى يهود شرق أوروبا بوصفهم أناسًا يحملون أمراضًا فتاكة وأوبئة قاتلة، وأنهم مجموعة من الرعاع يعيشون في غياهب الجهل والانحلال، وأنهم غرباء غير مرحب بهم[48].

هنا يؤكد باومان أن نجاح الجماعات اليهودية في أغلب مناحي الحياة لم يكن ضمانًا كافيًا للحصول على المساواة السياسية والقبول الاجتماعي، لأن الجماعات اليهودية في أوروبا كانت أمة بلا دولة، وفشلت جهود الإدماج الأوروبي شتى، فآل إلى ظهور الصهيونية السياسية وبرنامجها الذي يهدف إلى تأسيس دولة ليبرالية يهودية. فتمخّضت الصهيونية السياسية عن فشل جهود الإدماج في أوروبا، وليس عن التراث الديني اليهودي أو إحياء حب صهيون[49]. ويؤكد باومان أن مركزية الجماعات اليهودية في تفسير الحداثة ليست محاولة لتمجيدهم، وأن هذه القرابة الانتقائية بين الجماعات اليهودية والحداثة لا تضفي رسالة أو ميزة خاصة للخلفية اليهودية، بل إن ظروف التاريخ والمصادفة أرادت أن يكون للتجربة اليهودية دلالة خاصة لفهم منطق الثقافة الحديثة[50].

طموحات ما بعد الحداثة وتناقضاتها

اهتم باومان باستشراف طموحات ما بعد الحداثة وتناقضاتها منذ الثمانينيات من القرن العشرين، ولم ينفصل نقده للحداثة عن التبشير بما بعد الحداثة. فخصّ باومان بعض الكتب لاستكشاف طموحات ما بعد الحداثة وتناقضاتها، من أهمها: إرهاصات ما بعد الحداثة (1992)، وأخلاقيات ما بعد الحداثة (1993)[51]، وحياة متشظية: مقالات في أخلاق ما بعد الحداثة (1995)[52]، وما بعد الحداثة وأوجاعها (1997)[53]. وناقش فلسفة ما بعد الحداثة في عدد من المقالات أيضًا، ومن أهمها مقالة عنوانها: "عن استخدامات الجنس في ما بعد الحداثة" (1998)[54]. ومنذ أواخر التسعينيات، شرع باومان في إصدار كتب حوارية مع علماء اجتماع وصحافيين وفلاسفة ونقاد، وكان الحوار الأول مع اثنين من الباحثين البولنديين في الفلسفة والدراسات الثقافية، وهما: آنا سايدلر يانيشفسكا (Anna Zeidler Janiszewska، 1951-2017) ورومان كوبيتسكي (Roman Kubicki). وقد صدرت حواراتهما معه عام 1997 في كتاب بالبولندية حمل عنوان: إنسانوي في العالم ما بعد الحداثي: حوارات في فن الحياة والعلم وحياة الفن وأمور أخرى[55]. وقد تناول دينس سميث إسهامات باومان في التبشير بفلسفة ما بعد الحداثة في كتاب عنوانه زيغمونت باومان: نبي ما بعد الحداثة (1999)[56]. وتعاون باومان مع بيتر بلهارز، الذي جمع مقالات باومان المحورية عن الحداثة وما بعد الحداثة، وأجرى معه حوارًا عن مشروعه النقدي، وصدرت المقالات والحوار في كتاب عنوانه قارئ باومان (2000)[57].

تحول وضعية المفكرين

انبهر باومان بفلسفة ما بعد الحداثة بادئ الأمر، ورأى فيها فرصة لانفتاح الأنساق المغلقة التي جاءت الحداثة الغربية بها، وذلك على عين المستجدات التي مرّت بها البلدان الثرية خلال القرن العشرين، والشكل الذي وصلت إليه في النصف الثاني من القرن العشرين[58]. فكانت ما بعد الحداثة تشير إلى انفتاح جديد وحالة إنسانية جديدة، ولا سيما انفصال الثقافة عن السلطة. ففي الممارسة ما بعد الحداثية لا يؤدي المفكرون دور أهل التشريع، بل تنحصر مهمتهم في أداء الدور المتواضع الذي يقوم به أهل التأويل ووسطاء العلامات والرموز. وربما ظل المفكرون مخلصين للمُثل السامية الجليلة، مثل الحرية والعدالة والتضامن، لكنهم تخلوا عن طموحات الحداثة التي تريد فرض رؤية واحدة في سائر أنحاء العالم. وإن افترضنا أن هذه الطموحات ما تزال تراودهم، فإن آراءهم لا تعلو فوق آراء المواطن العادي. فالدولة السياسية في مرحلة ما بعد الحداثة قلّما تحتاج إلى تعبئة فكرية، وتعتمد بدلًا من ذلك على الأساليب العقلانية للقهر والتحكم القائم على المراقبة وإغواء السوق. ومن ثمّ، لم تعد الثقافة وسلطتها حكرًا على المفكرين[59].

تبشر ما بعد الحداثة بنهاية "الإمبريالية الفكرية" التي مارسها المفكرون والتنويريون في صدر الحداثة[60]. فعلى النقيض من حركة التنوير وعصر الحداثة الصلبة{{الحداثة الصلبة (Solid Modernity): مفهوم استخدمه زيغمونت باومان للدلالة على المرحلة الكلاسيكية من الحداثة الغربية، التي اتسمت بقوة الدولة القومية، واستقرار المؤسسات الاجتماعية، وهيمنة البيروقراطية، ويقابلها مفهوم "الحداثة السائلة" التي تتسم بالسيولة وعدم اليقين.}} التي شهدت تمجيد دعاة التنوير ودورهم المحوري في تشكيل الوجود الإنساني ووجهته، تأتي ما بعد الحداثة لتجعل من المفكرين وسطاء تأويليين فحسب، تنحصر وظيفتهم في تسهيل التواصل بين الجماعات وتراثهم[61]. ولا يتردد باومان في الزعم بأن الجميع يزدرون ما لدى الدولة الحديثة من طموحات إمبريالية كونية متمركزة حول الإدماج[62]. فقد أضحى دور المفكر في أزمنة ما بعد الحداثة محط سخرية، لأن التاريخ ذاته أصبح تفاصيل وظواهر متناثرة فحسب، تحكمها النسبية المطلقة. وعالم الفن ليس استثناءً، فقد طُمست الحدود بين الفن واللافن، مثلما طُمست الحدود بين الحقيقة والزيف، والعدل والظلم، إضافةً إلى ذوبان الدال والمدلول وتشويه التواصل في عالم لا تحكمه قواعد أو قيود[63].

وجد باومان في فلسفة ما بعد الحداثة فرصةً يمكن من خلالها فتح الأنساق المغلقة التي أفرزتها الحداثة، وتجاوز الطموحات الكونية للمفكرين، لكنه أدرك أيضًا مأزق ما بعد الحداثة ومعضلاتها، ولا سيما نزوعها نحو التشكيك في الأسس والمرجعيات كافة. ويستشهد باومان بعالمي الفن والأدب، لأنهما يعكسان نهاية طموحات النزوع إلى التشريع في مرحلة ما بعد الحداثة. فلم تعد ثمّ أي قواعد واضحة ومحددة تحكم خطابات الذوق والنقد الفني. ويجد باومان في نظريات ما بعد الحداثة إعلانًا صريحًا عن كبح جماح طموحات الفن الحداثي والتلقي النقدي. فهي دعوة إلى نهاية كل من الطموحات السياسية التبشيرية للفن والقواعد الفنية الأساسية والاهتمام بالأسس الجمالية. إنها بإيجاز إعلان "بامتناع سن القواعد" التي تميز بين الفن الحقيقي واللافن أو الفن السيء[64].

طموحات ما بعد الحداثة

كانت ما بعد الحداثة{{ما بعد الحداثية (Postmodernism): تيار فكري ظهر في النصف الثاني من القرن العشرين، انتقد ادعاءات الحقيقة الكلية والسرديات الكبرى المرتبطة بالحداثة، وأكد التعددية والاختلاف ونسبية المعنى، وارتبط بأعمال مفكرين مثل جان فرانسوا ليوتار وجاك دريدا وميشيل فوكو.}} التي تصورها باومان تطمح إلى التخلي عن "الأسس الإبستمولوجية والأنطولوجية للحداثة"[65]. وهذا التخلي هو الذي يحدد طبيعة الطموحات الأخلاقية والإنسانية لما بعد الحداثة وأدوارها المتوقعة. ويبشر باومان بانقضاء الطموحات الكونية الرامية إلى فرض الوحدة والتجانس. واستنادًا إليه، تتمثل أدوار ما بعد الحداثة في قبول تعددية العالم، وكبح اندفاع الحداثة نحو القضاء على الاختلاف، والإيمان بإمكانية التعايش السلمي، والاحتفاء بثالوث الحرية والتنوع والتسامح، بدلًا من ثالوث الأمة والدولة والأرض.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

حاول باومان أن يخرج من مأزق الحداثة المادية العقلانية، ووجد ضالته في فلسفة إيمانويل ليڤيناس (Emmanuel Levinas، 1906-1995)، ولا سيما فكرة المسؤولية الأخلاقية تجاه الآخر. ووجد أن هذه الفكرة يمكن أن تنقذ الأخلاقيات من الفراغ الذي أفرزه التمرد التاريخي والميتافيزيقي في وجود الأدوات الحديثة للعقلانية[66]. وتكشف مركزية مفهوم المسؤولية تجاه الآخر عن استجابة فلسفية للعواقب السلبية التي أفرزتها الحداثة عامة، والهولوكوست خاصة. إنها محاولة لاستعادة فلسفة العلو/ التجاوز، من خلال معايشة التقاء الوجوه الإنسانية، وليس عبر التشريعات والقوانين والالتزامات التعاقدية والضرورة الاقتصادية. ويمثل هذا الالتقاء نزعة ميتافيزيقية، وإن كانت غير أنطولوجية، نحو العلو والمسؤولية تجاه الآخر[67].

وقد انبهر باومان بفلسفة ليڤيناس، واعتقد أن أخلاقيات ما بعد الحداثة يمكن تحديد معالمها ضمن المنطلقات التالية: المواقف الأخلاقية للبشر مبهمة، والآداب الأخلاقية أمر شخصي محض، والظواهر الأخلاقية لاعقلانية بطبيعتها، لأنها ليست منتظمة أو متواترة أو يمكن التنبؤ بها، والأخلاق ليست كونية، فلا يمكن فرضها على العالم بأسره، لأنها نسبية من حيث الزمان والمكان، وأخلاق ما بعد الحداثة ليست نسبية ولا عدمية، وإنما هي ضد احتكار السلطة الأخلاقية[68]. ومن ثمّ، ترفض أخلاقيات ما بعد الحداثة المحاولات كافة الرامية إلى فرض نمط أخلاقي شامل يتجاهل أشكال الوجود الأخرى ويتحول إلى أداة للهيمنة[69].

تناقضات ما بعد الحداثة

أدرك باومان أن إرهاصات ما بعد الحداثة انطوت على وعود ومخاطر. فكان الحقل الدلالي لما بعد الحداثة يوحي بالانتقال من لغة الضرورة واليقين والحقيقة المطلقة، إلى لغة الحرية والتسامح والتضامن[70]. لكن انهيار السرديات الكبرى صاحبه تقويض للنظام الأخلاقي والاجتماعي[71]، وأسفر عن انتشار الخوف من الفراغ، جراء الافتقار إلى معايير ملزمة للجميع[72]، فضلًا عن خصخصة المشكلات البشرية وخصخصة مسؤولية حلها[73]. فصارت الحرية في الممارسة ما بعد الحداثية تنحصر في الاختيار الاستهلاكي من بين الوفرة الغزيرة للهويات التجارية[74].

يرتبط التنوع الذي تَعِد به ما بعد الحداثة بتنوع السوق، وحرية الاستهلاك، والإشباع الفوري للرغبات الفردية. ويُشار هنا، إلى مقارنة كتاب باومان ما بعد الحداثةوأوجاعها (1997) بكتاب سيغموند فرويد (Sigmund Freud، 1856-1939) الحضارة وأوجاعها (1930)[75]، فبينما يكشف فرويد عن مبدأ الواقع، ودلالات القمع والتحكم والكبت والتخلي القسري عن الحاجات، فإن باومان يبرز سطوة الحرية الفردانية الممزوجة بشعور متزايد باللايقين وانعدام الطمأنينة[76]. لذا، وجد باومان أن ما بعد الحداثة ترتبط "بالسيادة المطلقة لمبدأ اللذة في عالم الاستهلاك"، لأن الواقع ليس عدو اللذة مثلما كان قبلًا. فإنفاق المال واجب، لأنه يخلق تنافسًا رمزيًّا، ويحتكر تعريف الحياة الجيدة[77]. فامتلاك بعض الأشياء أو استهلاكها أضحى شرطًا ضروريًّا للسعادة، وربما للكرامة الإنسانية[78]. ولا يقتصر مبدأ اللذة على عالم الأشياء، بل يمتد إلى العلاقات الإنسانية، وهنا تأتي الشهوانية المتحررة وما يصاحبها من تهييج للغريزة الجنسية، و"ترفض أن تتحالف مع التكاثر الجنسي أو الحب، معلنة استقلالها عنهما، وترفض كل الرفض أي مسؤولية عن الأثر الذي يمكن أن تحدثه في مصيرهما، إنها تعلن بكل جرأة وافتخار أنها غاية نفسها وعلة نفسها المكتفية بذاتها"[79]. ومن ثمّ، يتمركز النشاط الجنسي في عصر ما بعد الحداثة حول أثر اللذة الجنسية، وتتمثل مهمته الكبرى في توفير تجربة بالغة القوة وجديدة كليًا[80]، ويصاحب الاحتفاء بالجنس تفتيت الأسرة بوصفها وحدة اجتماعية أساسية[81].

وتتبدى تناقضات ما بعد الحداثة في انعدام الطمأنينة الوجودية. وهنا، يؤكد باومان أن تناقضات ما بعد الحداثة أفرزت دينًا جديدًا ما بعد حداثي، وهو الأصولية. فإذا كانت الهولوكوست الابن الشرعي للحداثة، فإن الأصولية هي الابن الشرعي لما بعد الحداثة. فالأصولية تطرح "عقلانية بديلة" تريح أنصارها من عبء المسؤولية الذي صاحب ثقافة ما بعد حداثية مهيمنة تروج لها دعاية السوق التي لا يحدها حدود[82]

نظرية الحداثة السائلة

أكد باومان الحاجة الماسة إلى مفاهيم جديدة وخيال سوسيولوجي يناسب التجربة الحالية[83]، ولا سيما عندما تفقد الصور المجازية التقليدية كثيرًا من مقدرتها الإدراكية الأصيلة، ولا تشغل مكانة مهمة في تجربتنا المعاصرة [84].

التخلي عن مصطلح ما بعد الحداثة

لم يستخدم باومان لفظتي "الصلب" (Solid) و"الصلابة" (Solidity) إلّا في التسعينيات من القرن العشرين، ولفظتي "السائل" (Liquid) و"السيولة" (Liquidity) إلّا في عام 2000. وكانت كتاباته في الثمانينيات والتسعينيات عن ما بعد الحداثة ترتبط بالتحول إلى مرحلة السيولة، دون أن يستخدم اللفظ، وإن كان قد استخدم عبارات من قبيل "الحاضر الأبدي" (Eternal Present) و"التغير الدائم" (Permanent Change) و"استحالة الثبات" (Impossibility of Stability) وغيرها. ويظهر هذا الحقل الدلالي للسيولة في أعماله التي تكشف عن مركزية الجسد والجنس. والأهم أن باومان قد أدرك في أعماله المتأخرة أن المشهد النقدي يعج بتفسيرات متضاربة ومربكة لما بعد الحداثة، ولا سيما أن مفهوم ما بعد الحداثة في العلوم الاجتماعية (postmodernity) قد اختلط تمامًا بمفهوم ما بعد الحداثة (postmodernism). وعليه، وجد باومان نفسه ينتمي إلى أناس لا يشاركهم أفكارهم، ولا سيما أن كلمة ما بعد الحداثة صارت تشير ضمنيًّا إلى "نهاية الحداثة" (The End of Modernity)[85].

رفض باومان المصطلحات البديلة المتاحة حينئذٍ، وهي: الحداثة المتأخرة (late modernity) عند أنتوني غيدنز (Anthony Giddens)، والحداثة الثانية (second modernity) عند أولريش بيك (Ulrich Beck، 1944-2015)، والحداثة الفائقة (supermodernity) عند جورج بالانديه (Georges Balandier، 1920-2016)، وقرر أن يتخلى عن فكرة ما بعد الحداثة برمتها، بعدما اكتشف أنها "جعجعة فحسب، لا فردوس موعود"[86]، وأنها "ثورة ضد الرؤية الأخروية للعالم"[87]. ويتضح إدراك باومان لضياع هالة ما بعد الحداثة حين نشر كتابه ما بعد الحداثة وأوجاعها (1997). ويقول بيلهارز: "قرابة عام 1989 كانت فكرة ما بعد الحداثة ما تزال تحتفظ بهالة الرسالة الحداثية، رسالة ترمي إلى إنقاذنا من الماضي الذي يُسفِّهنا واليقين القوي الذي تتميز به الحداثة. وكان يبدو أن ما بعد الحداثة بوسعها أن تقدم الكثير، لكن بعد أقل من 10 سنوات، بعد عقد من الحياة دون بديل، بدت ما بعد الحداثة حِلية مبهرجة وسلعة رخيصة، إذ لم تقدم إلّا النزر اليسير من طرق الحياة للمفكرين أو حتى للحيارى العاديين"[88].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وحين بلغ باومان 70 عامًا، تخفف من تقاليد الكتابة الأكاديمية الصارمة، وسعى إلى مخاطبة جمهور أوسع. وأدت دار بوليتي البريطانية (Polity Press) دورًا مهمًا في ذيوع صيته، ونشر أفكاره، ولا سيما بعد صدور كتابه: الحداثة السائلة (2000)[89]. وبدأ التعاون بينهما عندما أعادت بوليتي نشر 3 كتب مهمة لباومان، وهي: أهل التشريع وأهل التأويل (1989)، والحداثة والهولوكوست (1989)، والحداثةوالإبهام (1993). وشكّل كتاب الحداثة السائلة (2000) محطة بارزة في مسيرته الفكرية، إذ انتقل من أسلوب النصوص الأكاديمية الذي يخاطب المتخصصين إلى أسلوب يخاطب الجمهور العام، وأصبح من أكثر الكتب مبيعًا[90].

الحداثة السائلة وفكرة الإذابة

كانت "الحداثة السائلة" هي الصورة المجازية الجديدة البديلة لمصطلح ما بعد الحداثة، وهي تُذكّر بمقولة كارل ماركس (Karl Marx، 1818-1883) "كل ما هو صلب يذوب ويتبخر"[91]. وكانت هذه الصورة المجازية تشير في الأصل إلى روح الحداثة الصلبة الواثقة بذاتها وتطلعها إلى إذابة التقاليد البالية. وقد استخدم مارشال برمان (Marshall Berman، 1940-2013) هذه الصورة المجازية ذاتها، جاعلًا إياها عنوانًا لكتابه عن الحداثة عام 1982، مؤكدًا أن التقارب بين ماركس والحداثيين يتضح أكثر بذكر ما تبقّى من الصورة المجازية: "كل ما هو صلب يذوب ويتبخر، كل ما هو مقدس يتدنس، وأُجبر الناس أخيرًا على أن يواجهوا بحس عاقل ورصين الظروف الواقعية التي يحيونها والعلاقات التي يدخلون فيها مع إخوانهم"[92].

في أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، اكتسبت فكرة الإذابة معنىً جديدًا، لأن المصطلحات والمفاهيم الماركسية مثل: المجتمع البورجوازي (Bourgeois Society)، والاغتراب{{الاغتراب (Alienation): مفهوم فلسفي واجتماعي يصف حالة انفصال الإنسان عن ذاته أو عمله أو محيطه الاجتماعي. اكتسب أهميته في الفكر الحديث مع هيغل وماركس، الذي استخدمه لوصف وضع العامل في ظل الرأسمالية، حيث يفقد السيطرة على نتاج عمله ويغدو خاضعًا لقوى اقتصادية واجتماعية تبدو مستقلة عنه.}})، والتشيؤ{{التشيؤ (Reification): مفهوم ماركسي يشير إلى تحوّل العلاقات الاجتماعية والإنسانية إلى أشياء تبدو مستقلة عن إرادة البشر. ارتبط خصوصًا بجورج لوكاش، الذي رأى أنه من أبرز آثار الرأسمالية الحديثة على الوعي والحياة الاجتماعية.}} ، والذوبان (Liquefaction/Melting)، قد استُخدمت في سياقات وظروف مختلفة، ولأغراض تحليلية مختلفة. واختار باومان السيولة صورةً مجازية تعيننا على استيعاب هذه المرحلة من تاريخ الحداثة، لأن المواد السائلة، على عكس المواد الصلبة، لا يمكن أن تحتفظ بأشكالها بسهولة، وترفض الاحتفاظ بأي شكل لفترة طويلة، وهي دائمًا مستعدة وميّالة للتغير والتبدل[93]. وللموائع حساسية للزمن والتغير خلافًا للمواد الصلبة، فهي تُظهر هشاشة الهويات، والعلاقات الإنسانية، وقابليتها للانكسار والتفتت. وقد تصدرت صورة السيولة كتابات باومان بفضل دار بوليتي، ومنها: الحداثة السائلة (2000)، والحب السائل (2003)[94]، والحياة السائلة (2005)[95]، والخوف السائل (2006)[96]، والأزمنة السائلة (2006)[97]، والثقافة في زمن الحداثة السائلة (2011)[98]، والمراقبة السائلة (2013)[99]، والشر السائل (2016)[100].

في زمن الحداثة السائلة، يتوارى دور المفكرين والساسة والمنتجين، ويفسحون الطريق إلى نهاية اليوتوبيا الصلبة، ويتحقق التحول من يوتوبيا أهل التشريع والبستنة إلى يوتوبيا اللاعبين والسائحين والمستهلكين[101]. ويرتبط هذا التحول بديناميات السوق التي حلت محل الدولة الاجتماعية والمصنع وميدان المعركة، وتتصدر المشهد النزعات الحسية الجسدية، بوصفها منتهى الغاية لسياسة الحياة، ويشغل الجسد "مكانة فريدة لا يضاهيها أي دور أُسند إلى أي كيان آخر في عالم الحياة"[102].

سمات الأزمنة السائلة

في عام 1998، وضع باومان كتابًا عنوانه: العولمة: العواقب الإنسانية (1998)[103]، وتعتمد سلسلة كتب السيولة كثيرًا على الأفكار الواردة فيه، ولا سيما حين يتناول باومان قضايا الموضة والهوية والثقافة،[104] وصعود اليمين الديني، ومجتمع المخاطر، والهجمات الانتحارية والإرهابية، وتديين السياسة، وتسييس الدين، والرؤية المانوية للعالم[105]. ويُوسّع باومان تأملاته ونظراته في الأزمنة السائلة في 3 صور مجازية أساسية تناولها من قبل في كتاباته عن ما بعد الحداثة والعولمة والهوية، وهي: اللاعب، والسائح، والصعلوك[106]. وترتبط هذه الصور الثلاث بتحولات جوهرية متداخلة تحدد معالم الأزمنة السائلة، ومن أهمها: إذابة البنى الاجتماعية الحاكمة، وانفصال السلطة عن السياسة في فضاء العولمة، وتلاشي مفهوم المجتمع في ظل الانسحاب التدريجي للدولة من أدوارها الاجتماعية، وانهيار التفكير والتخطيط والفعل طويل الأجل، وتحميل الأفراد مسؤولية حل المشكلات المعقدة والمتغيرة ومخاطر الاختيار وعواقبه[107].

تتشكل الثقافة والهوية في الأزمنة السائلة على أساس حرية الاختيار والمسؤولية الفردية. وتنتقل فكرة التقدم من خطاب الارتقاء المشترك بالحياة، من أجل الخلاص الجمعي، إلى خطاب البقاء الشخصي، من أجل الخلاص الفردي. ما يعني أن يوتوبيا الأزمنة السائلة ليست يوتوبيا أهل البستنة، بل يوتوبيا أهل اللعب والصيد، وهي يوتوبيا متمركزة حول سلسلة لانهائية من الهموم الفردية[108]. وينحصر دور الحكومات في حفظ الأمن والنظام، بعدما انعدمت أهمية التعبئة الأيديولوجية والثقافية للمواطنين[109]. ولا يطمح الأفراد في الأزمنة السائلة إلى تحقيق نظام معين، وفقًا لمسارات محددة نحو اقتصاد مستقر، أو نحو منظومة متوازنة، أو مجتمع عادل، أو جماعة يحكمها القانون العقلاني والأخلاقيات العقلانية، بل يتبعون نموذج السوق ولعبة العرض والطلب. ويصاحب هذه الحالة تخلي الأفراد والنخب الثقافية عن بناء نموذج العدالة الاجتماعية بوصفها الغاية الكبرى[110].

وعليه، يصبح الوجود أقرب إلى لعبة، وتميل خطط المستقبل إلى أن تكون وقتية ومتغيرة ومتبدلة[111]. وتتحول فكرة التقدم المتفائلة والمبشرة بالسعادة الجمعية، والحلم الجميل بالمجتمع الفاضل، إلى كابوس مخيف ولعبة كراس موسيقية واقعية وخطيرة تهدد باستبعاد الضعفاء والفقراء[112]. ويتحول البشر والأشياء إلى مواد استهلاكية في خدمة اللاعبين والسائحين، وتتحول بقية الناس إلى صعاليك (الفقراء، والعاطلين، واللاجئين، والمهاجرين غير المرغوب فيهم، والطبقات الخطرة).[113] وتكمن براعة الفرد في الهروب من قيود الارتباط الدائم والمصاهرة والتكاثر وإعداد أجيال المستقبل[114]. وتصبح السوق هي الفردوس الاستهلاكي، ومملكة الحرية والتحرر، والفضاء الوحيد لممارسة حرية الاختيار، والديمقراطية، والهوية الجنسية، والهوية الهجينة، والهوية السائلة. وإلى جانب السوق تقع الأحياء العمرانية المغلقة التي تعيش فيها النخب العولمية، حيث تنعم بالحالة الجنينية التي يمثلها رحم الأم والبيت الآمن[115].

 المراجع

العربية

أبو جبر، حجاج. نقد العقل العلماني: دراسة مقارنة لفكر زيغمونت باومان وعبد الوهاب المسيري. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.

باومان، زيغمونت. الحب السائل. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016. 

________. الحداثة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016.

________. الحياة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016.

________. الخوف السائل. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017.

________. الأزمنة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017.

________. الحداثة والإبهام. ترجمة حجاج أبو جبر. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2018.

________. الثقافة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2018.

________. الحداثة والهولوكوست. ترجمة حجاج أبو جبر ودينا رمضان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.

الأجنبية

Abbinnett, Ross. Culture and Identity: Critical Theories. London: Sage Publications, 2003.

Bauman, Janina. Winter in the Morning: A Young Girls Life in the Warsaw Ghetto and Beyond 1939-1945. New York : Free Press, 1986.

Bauman, Zygmunt. SocialismThe Active Utopia. New York: Holmes & Meier, 1976.

 ________. Towards a Critical Sociology, An Essay on Commonsense and Imagination. London/ Boston: Routledge & K. Paul, 1976.

________. SocialismThe Active Utopia. New York: Holmes & Meier, 1976.

________. Legislatorsand Interpreters: On Modernity, Postmodernity and the Intellectuals. Cambridge: Polity Press, 1987.

________. “Sociology after the Holocaust.” British Journal of Sociology. vol.39, no.4 (1988), pp. 469-497.

________. Modernity and the Holocaust. Cambridge: Polity Press, 1989.

________.Modernity and Ambivalence. Ithaca: Cornell University Press, 1991.

________. Intimations of Postmodernity. London/ New York: Routledge, 1992.

________.Postmodern Ethics. Oxford/ Cambridge: Blackwell, 1993.

________. Life in Fragments: Essays in Postmodern Morality. Oxford /Cambridge: Blackwell, 1995.

________. Postmodernity and its Discontents. New York: New York University Press, 1997.

________. Globalization: The Human Consequences. Cambridge: Polity Press, 1998.

________. “On Postmodern Uses of Sex.” Theory, Culture & Society. vol.15, no. 3-4 (1998), pp. 19-33.

________. Liquid Modernity. Cambridge: Polity Press, 2000.

_______ (ed.) The Bauman Reader. Oxford/ Boston: Blackwell, 2000.

________. “Identity in the Globalising World.” Social Anthropology. vol. 9, no. 2 (2001), pp. 121-239.

________. Liquid Love: On the Frailty of Human Bonds. Cambridge: Polity Press, 2003.

________. Liquid Life. Cambridge: Polity Press, 2005.

________. Liquid Fear. Cambridge: Polity Press, 2006.

________. Liquid Times: living in an age of uncertainty. Cambridge: Polity Press, 2006.

________. Culture in a Liquid Modern World. Lydia Bauman (trad). Cambridge: Polity Press, 2011.

________. Liquid Surveillance: A Conversation. Cambridge: Polity Press, 2012.

________. Liquid Evil: living with TINA. Cambridge: Polity Press, 2016.

Bauman, Zygmunt & Keith Tester. Converstations with Zygmunt Bauman. Cambridge: Polity, 2001.

Beilharz, Peter. Zygmunt Bauman: Dialectic of Modernity. London: Sage Publications, 2000.

Berman, Marshall.  All That is Solid Melts into Air: The Experience of Modernity. New York: Penguin, 1982.

Freud, Sigmund. Civilization and its Discontents. 2nd ed. James Strachey (trad). New York/ London: Norton & Company, 1989.

Jacobsen, Michael. “From Solid Modern Utopia to Liquid Modern Anti-Utopia? Tracing the Utopian Strand in the Sociology of Zygmunt Bauman.” Utopian Studies. vol.15, no.1 (2004), pp. 63-87.

Marx, Karl & Friedrich Engels. Manifesto of the Communist Party. Samuel Moore (trad). 2nd. ed. Moscow: Progress Publishers, 1977.

  1. Hall & P. Du Gay (eds.), Questions of Cultural Identity. London: Sage Publications, Inc., 1996.

Smith, Dennis. Zygmunt Bauman: Prophet of Postmodernity. Cambridge: Polity Press, 1999.

Tester, Keith. “Paths in the Social Thought of Zygmunt Bauman.” Thesis Elven. vol.70, no.1 (2002), pp. 55-71.

Wagner, Izabela. Bauman: A Biography. Cambridge: Polity Press, 2020.

[1]Izabela WagnerBauman: A Biography (Cambridge: Polity Press, 2020), pp. 18-19.

[2] Ibid., pp. 51-55.

[3] Ibid., p. 77.

[4] Ibid., pp. 111-112.

[5] Ibid., p. 119.

[6] Ibid., pp. 150-151.

[7] Ibid., p. 174.

[8] Ibid., p. 359.

[9] Ibid., p. 178.

[10] Ibid., p. 187.

[11] Ibid., p. 198.

[12] Ibid., pp. 211-213.

[13] Ibid., p. 218.

[14] Ibid., p. 227.

[15] Ibid., p. 268.

[16] Ibid., p. 274.

[17] Ibid., p. 275.

[18] Ibid., p. 281.

[19] Ibid.

[20] Ibid., p. 295.

[21] Ibid., p. 296

[22] Ibid., p. 311.

[23] Ibid., p. 326.

[24] Ibid., pp. 336-337.

[25] Ibid., p. 372.

[26] Ibid., p. 373.

[27] Ibid., p. 337.

[28] يُنظر:

Zygmunt Bauman, Legislatorsand Interpreters: On Modernity, Postmodernity and the Intellectuals (Cambridge: Polity Press, 1987).

[29] يُنظر:

Zygmunt Bauman, Modernity and the Holocaust (Cambridge: Polity Press, 1989).

[30] يُنظر:

Zygmunt Bauman,Modernity and Ambivalence (Ithaca: Cornell University Press, 1991).

[31] يُنظر:

Zygmunt Bauman, Towards a Critical Sociology, An Essay on Commonsense and Imagination (London/ Boston: Routledge & K. Paul, 1976).

[32] يُنظر:

Zygmunt Bauman, SocialismThe Active Utopia (New York: Holmes & Meier, 1976).

[33] Bauman, Legislators and Interpreters, p. 80.

[34] Ibid., p. 125.

[35] Ibid., p. 28. 

[36] Bauman, Socialism: The Active Utopia, p. 39.

[37] Bauman, Legislators and Interpreters, pp.110-111.

[38] Ibid., pp.115-116.

[39] Bauman, Legislators and Interpreters, pp. 74-78.

[40] يُنظر:

Janina Bauman, Winter in the Morning: A Young Girl's Life in the Warsaw Ghetto and Beyond1939-1945 (New York : Free Press, 1986).

[41] يُنظر:

Zygmunt Bauman, “Sociology after the Holocaust,” British Journal of Sociology, vol.39, no.4 (1988), pp. 469-497.

[42] زيغمونت باومان، الحداثة والهولوكوست، ترجمة حجاج أبو جبر (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 341.

[43] حجاج أبو جبر، نقد العقل العلماني: دراسة مقارنة لفكر زيغمونت باومان وعبد الوهاب المسيري (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص 87-92.

[44] باومان، الحداثة والهولوكوست، ص 63.

[45] المرجع نفسه، ص 190.

[46] المرجع نفسه، ص 195.

[47] المرجع نفسه، ص 353.

[48] Bauman, Modernity and Ambivalence, pp. 129-140.

[49] Ibid., pp. 129-140.

[50] Bauman, Intimations of Postmodernity(London/ New York: Routledge, 1992), p. 228. 

[51] يُنظر:

Zygmunt Bauman, Postmodern Ethics (Oxford/ Cambridge: Blackwell, 1993).

[52] يُنظر:

Zygmunt Bauman, Life in Fragments: Essays in Postmodern Morality (Oxford/ Cambridge: Blackwell, 1995).

[53] يُنظر:

Zygmunt Bauman, Postmodernity and its Discontents (New York: New: York University Press, 1997).

[54] يُنظر:

Zygmunt Bauman, “On Postmodern Uses of Sex,” Theory, Culture & Society, vol.15, no. 3-4 (1998), pp.19-33.

[55] Wagner, Bauman: A Biography, p. 343.

[56] يُنظر:

Dennis Smith, Zygmunt Bauman: Prophet of Postmodernity(Cambridge: Polity Press, 1999).

[57] يُنظر:

Peter Beilharz, The Bauman Reader (Oxford/ Boston: Blackwell, 2000).

[58] Bauman, Intimations of Postmodernity, p. 187.

[59] Bauman, Legislators and Interpreters, p. 124.

[60] Bauman, Intimations of Postmodernity, p. 104.

[61] Ibid., p. 42.

[62] Bauman, Postmodernity and its Discontents, p. 31.

[63] Bauman, Intimations of Postmodernity, p. viii.

[64] Bauman, Legislators and Interpreters, p. 118. 

[65] Bauman, Intimations of Postmodernity, p. 26.

[66] Keith Tester, “Paths in the Social Thought of Zygmunt Bauman,” Thesis Elven, vol.70, no.1 (2002), pp. 55-71.

[67] Ross Abbinnett, Culture and Identity: Critical Theories (London: Sage Publications, 2003), p. 16.

[68] Bauman, Postmodern Ethics, pp.10-13.

[69] Ibid., p. 14.

[70] زيجمونت باومان، الحداثة والإبهام، ترجمة حجاج أبو جبر (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2018)، ص 287-288.

[71] المرجع نفسه، ص 308.

[72] المرجع نفسه، ص 309.

[73] المرجع نفسه، ص 320.

[74] المرجع نفسه، ص 335.

[75] Sigmund Freud, Civilization and its Discontents, James Strachey (trad) 2nd ed. (New York/ London: Norton & Company, 1989).

[76] Ibid., p. 26.

[77] Bauman, Intimations of Postmodernity, p. 50.

[78] Bauman, PostmodernityanditsDiscontents, p. 40.

[79] Bauman, “On Postmodern Uses of Sex,” p. 21.

[80] Ibid., p. 24.

[81] Bauman, PostmodernityanditsDiscontents, p. 149.

[82] Ibid., pp. 184-185.

[83] Zygmunt Bauman & Keith Tester, Conversations with Zygmunt Bauman (Cambridge: Polity, 2001), p. 71.

[84] Bauman, PostmodernityanditsDiscontents, p. 132.

[85] Bauman & Keith, p. 97.

[86] Michael Jacobsen, “From Solid Modern Utopia to Liquid Modern Anti-Utopia? Tracing the Utopian Strand in the Sociology of Zygmunt Bauman,” Utopian Studies, vol.15, no.1 (2004), p. 66.

[87] Bauman, Postmodernity and its Discontents, p. 173.

[88] Peter Beilharz, Zygmunt Bauman: Dialectic of Modernity (London: Sage Publications, 2000), p. 131.

[89] يُنظر:

Zygmunt Bauman, Liquid Modernity (Cambridge: Polity Press, 2000).

[90] Wagner, Bauman: A Biography, pp. 352-354.

[91] Karl Marx & Friedrich Engels, Manifesto of the Communist Party, Samuel Moore (trad), 2nd ed (Moscow: Progress Publishers, 1977), p. 40.

[92] يُنظر:

Marshall Berman, All That is Solid Melts into Air: The Experience of Modernity (New York: Penguin, 1982), p. 89.

[93] Bauman, Liquid Modernity, p. 2.

[94] يُنظر:

Zygmunt Bauman, Liquid Love:On the Frailty of Human Bonds (Cambridge: Polity Press, 2003).

[95] يُنظر:

Zygmunt Bauman, Liquid Life (Cambridge: Polity Press, 2005).

[96] يُنظر:

Zygmunt Bauman, Liquid Fear (Cambridge: Polity Press, 2006).

[97] يُنظر:

Zygmunt Bauman, Liquid Times: Living in an Age of Uncertainty (Cambridge: Polity Press, 2007).

[98] يُنظر:

Zygmunt Bauman: Culture in a Liquid Modern World, Lydia Bauman (trad) (Cambridge: Polity Press, 2011).

[99] يُنظر:

Zygmunt Bauman, Liquid Surveillance: A Conversation (Cambridge: Polity Press, 2012).

[100] يُنظر:

Zygmunt Bauman, Liquid Evil: living with TINA (Cambridge: Polity Press, 2016).

[101] باومان، الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016)، ص 206.

[102] المرجع نفسه، ص 126.

[103] Zygmunt Bauman, Globalization: The Human Consequences (Cambridge: Polity Press, 1998).

[104] يُنظر: زيغمونت باومان، الثقافة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2018)، ص 37-52.

[105] يُنظر: زيغمونت باومان، الخوف السائل، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017)، ص 135-174.

[106] Zygmunt Bauman, “From Pilgrim to Tourist—or a Short History of Identity,” in: S. Hall & P. Du Gay (eds.), Questions of Cultural Identity (London: Sage Publications, Inc., 1996), pp. 19-36; Zygmunt Bauman, “Identity in the Globalising World,” Social Anthropology,” vol. 9, no. 2 , (2001), pp. 121-239.

[107] زيجمونت باومان، الأزمنة السائلة (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017)، ص 25-27.

[108] باومان، الثقافة السائلة، ص 34.

[109] المرجع نفسه، ص 75.

[110] المرجع نفسه، ص 81-82.

[111] باومان، الحداثة السائلة، ص 203.

[112] باومان، الحياة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016)، ص 99.

[113] Bauman, Globalisation, p. 93.

[114] زيجمونت باومان، الحب السائل، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016)، ص 92.

[115] باومان، الحداثة السائلة، ص 293.


المحتويات

الهوامش