تسجيل الدخول

كارل ماركس

​​​​​​​​​​​​​

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الاسم الكامل

كارل هاينريش ماركس (بالألمانية Kark Heinrich Marx)

الاسم المشهور به

كارل ماركس

تاريخ الميلاد

5 أيار/ مايو 1818

مكان الميلاد

مدينة ترير (Trier) الواقعة في مملكة بروسيا آنذاك (وهي في أقصى غرب ألمانيا حاليًا)

تاريخ الوفاة

14 آذار/ مارس 1883

مكان الوفاة

لندن، المملكة المتحدة

مكان الدفن

مقبرة هايغيت، لندن

المجالات

الاقتصاد السياسي، علم الاجتماع، التاريخ​

أهم الأعمال

العائلة المقدسة

الأيديولوجيا الألمانية

البيان الشيوعي

رأس المال

في نقد الاقتصاد السياسي

المخطوطات الاقتصادية والفلسفية


​​الموجز

كارل ماركس (1818-1883) فيلسوف واقتصادي ومؤسس لتيار فكري. لم يعرف الفكر الغربي الحديث مفكرًا وصاحب نظرية في المجتمع والتاريخ بلغ تأثيره درجة تأثير ماركس من حيث انتشار أفكاره بعد​ وفاته، وظهور الحركات والأحزاب والتيارات الفكرية المتأثرة بفكره، وكذلك المناهضة له في أنحاء العالم، وكأنه صاحب دعوة. ووصل الأمر حدّ تشبيه بعض الباحثين فكره بالدعوة شبه الدينية العلمانية التي تعِدُ بالخلاص للبشرية. فماركس الشاب حدَّد الملكية الخاصة بوصفها أصل تعاسة البشر (كأنها الخطيئة الأولى، كما في حالة جان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau، 1712-1778) ورأى أن الخلاص يكمن في التخلّص منها، ولكن ليس بالعودة إلى مشاعية بدائية، بل بالانتقال إلى مجتمع شيوعي خالٍ من الطبقات يستفيد من تقدم الإنسانية التكنولوجي والفكري والثقافي والحقوقي الذي أنجزه آخر المجتمعات الطبقية، وهو الرأسمالية من منظوره. وحامل هذا الخلاص هو الطبقة العاملة الصناعية (البروليتاريا). انطلق ماركس في عمله الفكري لا من فضول معرفي لاكتشاف قوانين حركة المجتمع والتاريخ فحسب، بل أيضًا لاكتشاف جذور الاستغلال والظلم الاجتماعي في الطريق إلى وضع نظرية في خدمة التحرر منهما. وقد عاش سنوات نضجه الفكري في لندن في المرحلة التي تحققت فيها منجزات تكنولوجية باهرة، وتسببت فيها الحداثة الرأسمالية بألوانٍ من التعاسة والإفقار المادي والمعنوي للعمال في الوقت ذاته.

لم يكن ماركس متدينًا، ولا مهووسًا بأفكار خلاصية، بل كان حداثويًا تنويريًا خالصًا، ولكن نموذجه الفكري في تفسير مسار التاريخ بدا متواشجًا مع تصورات خلاصية، وإن حاول أن يثبتها باستنباط قوانين مُنجِزًا أبحاثًا ومناهج بحثية ذات أثر كبير في العلوم الاجتماعية والفكر عمومًا. وحين يسخَّر المنهج العلمي في العلوم الاجتماعية في خدمة رؤية أيديولوجية، أو حتى قِيَمية للعالم، يزداد الاحتمال أن تؤثر الأخيرة في المنهج نفسه أيضًا.

تاق ماركس في حياته إلى أن يجمع بين العلم والتحرر من استغلال الإنسان للإنسان، ومن تشيؤ العلاقات الاجتماعية وسيطرتها على الإنسان (صانعها) مقدمًا نمطًا جديدًا من الأيديولوجيا التي تسخِّر النظرية العلمية في الاقتصاد وفي التطور التاريخي في خدمة قضيتها، فسمّاها مقربون له مثل فريدريش إنغلز (1820-1895)، والأحزاب الشيوعية من بعده، اشتراكية علمية تمييزًا لها عن الاشتراكية الطوباوية. لم يستخدم هو هذه التسمية،إنجلز وبدت خطته كأنها جمعٌ مستحيل بين المنهج العلمي والحتمية التاريخية للوصول إلى مجتمع لا طبقي تزول فيه الملكية الخاصة، ويمارس الإنسان إنسانيته بحرية، وفرديته بانسجام مع اجتماعيته، وبحيث تسنح له الفرصة لتطوير متعدد الجوانب لشخصيته وملكاته. وقد جمع فكره بين وضع نظريات في التاريخ والاقتصاد، والفلسفة والتحليل السياسي، والسجالات الفكرية، مثلما جمع مسار حياته بين الكتابة الفكرية والصحافية والتنظير والنشاط السياسي، ولا سيما على مستوى تنظيم الطبقة العاملة. ولذلك تصعب الكتابة عنه بصفته مفكرًا أو عالم اجتماع أو اقتصاديًا فقط، ولا بد من الإحاطة بالأبعاد المتعددة لسيرته.

تركّز جهده البحثي على الرأسمالية، والانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية في أوروبا، باحثًا عن تفسير لحتمية الانتقال إلى الاشتراكية بقوانين الرأسمالية ذاتها. لم يوجد قبل ماركس ما يشبه تحليله للمجتمع الرأسمالي ونظامه الاقتصادي من حيث نشوؤُه، وبنيته، وتطوره، فكان هذا إنجازه الفكري الكبير. إضافة إلى ذلك، وضع ماركس نظرية في المجتمع والتطور التاريخي يعدّها عديد من علماء الاجتماع والمؤرخين إنجازَه الرئيس.

تقوم النظرية على محورين. ينطلق الأول، الذي سماه إنغلز الفهم المادي للتاريخ، وسُمِيَّ لاحقًا المادية التاريخية، من أن درجة تطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج المتوافقة معها (التي تظهر بوصفها علاقات ملكية) يشكلان معًا نمط إنتاج محددًا (بنية تحتية للمجتمع). يتفاعل نمط الإنتاج مع العلاقات السياسية والحقوقية (البنية الفوقية للمجتمع)، وهو الذي يحددها في نهاية المطاف. تدخل قوى الإنتاج في مرحلة من تطورها في صراع مع علاقات الإنتاج (المعبّر عنها بأنماط المِلْكية القائمة) وتدخل التشكيلة الاجتماعية-الاقتصادية السائدة (المؤلفة من نمط الإنتاج وبنيته الفوقية) في حالة ثورية. وعندما تمثل علاقات الإنتاج عائقًا أمام تطور قوى الإنتاج، يكون على الأولى أن تخلي مسرح التاريخ. أما المحور الثاني من النظرية فهو تحديد الصراع الطبقي بوصفه محرك التاريخ. ووفقًا لهذه النظرية، تتميز البنية الطبقية للمجتمع الرأسمالي بانقسامها إلى طبقتين؛ الرأسماليين والعمال، ولا سيما العمال الصناعيون (البروليتاريا). وتتـألف البروليتاريا من عمال أحرار قادرين على التعاقد، ولا يملكون إلا قوة عملهم، وهي الطبقة الأكثر ثورية في التاريخ، لأنها في تحريرها لنفسها تحرّر المجتمع بأسره من الاستغلال والملكية الخاصة.


حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​​ثمة من يؤسس الفهم المادي للتاريخ عند ماركس على نسق فلسفي أشمل أسسه ضمن رؤية للعالم تشمل الطبيعة، ويسمي هذه الفلسفة "المادية الجدلية". ومصدرها جمْع ماركس إنجازات فكرية للفلسفات المادية من قَبْله مع المنهج الجدلي عند غيورغ هيغل (Georg Hegel، 1770-1831). فعل ذلك رفيق دربه إنغلز، وتابع ڨلاديمير لينين (Vladimir Lenin، 1870-1924) وآخرون هذا التقليد في فهم ماركس والماركسية. لكن ماركس لم يطلق على منهجه تسمية المادية الجدلية، ولم يحاول تطبيقه على الطبيعة، خلافًا لما فعل إنغلز في محاولته الفلسفية المهمة والمثيرة للجدل في كتاب ديالكتيك الطبيعة (Dialektik der Natur) التي أرجع فيها تطور العلم الحديث، ولم يتمكن من إنهائه، لأنه انشغل بالعمل على مخطوطات ماركس بعد وفاته. هل يمكن تطبيق قوانين المنطق الجدلي على الطبيعة؟ وهل يستفيد العلم من ذلك؟ هذه أسئلة تبقى قائمة ولن يتطرق المدخل إليها.

أما نظرية ماركس في الاقتصاد فهدفت إلى اكتشاف أساس الاستغلال في النظام الرأسمالي، وقد وجده في عملية الإنتاج ذاتها. وشرطها التاريخي وجود رأس المال الاستثماري والعمل المأجور وعملية التبادل الحر بينهما على أساس تعاقدي في السوق، مبيّنًا أن العامل ينتج خلال زمن العمل المتعاقَد عليه سلعًا بقيمة تتجاوز قيمة قوة عمله التي أجّرها للرأسمالي، وتلقى عنها أجرًا، وفائض القيمة هذا هو مصدر ربح الرأسمالي. واستنتج تناقضًا مركزيًا للرأسمالية بين تورّط المجتمع كله في إنتاج كل سلعة بسبب تقسيم العمل من جهة، والطبيعة الخاصة للملكية من جهة أخرى. كذلك استنتج من زيا​دة استثمار رأس المال في التكنولوجيا الهادف إلى زيادة الإنتاجية وتناقص رأس المال المستثمر في العمل قانونَ انخفاض نسبة الربح.

لا يغيّر دحض التنبؤات التي بُنيت على نظريات ماركس في علمية هذه النظريات، لكونها قابلة للإثبات والدحض، وكانت تصلح نماذجَ تفسيرية في تلك المرحلة من تطور الرأسمالية.

تميّز ماركس بقدرته على طرح رؤيته من خلال معادلات بسيطة مفهومة، فقد اضطر في حالات كثيرة إلى طرحها شخصيًا في اجتماعات عمالية، أو في بيانات وكراسات مثل البيان الشيوعي، مقدمًا رؤية آسرة وجذابة ومحفزة على التفكير النقدي. لكن انتشار أفكاره حمل أيضًا انقسامًا حادًا بين متلقيها بشأنها، بين التعصب لها من جهة، ومعاداتها وتأليب القوى المحافظة والأنظمة الحاكمة للجمهور عليها، إلى درجة الشيطنة في بعض الحالات، من جهة أخرى.

تصعبُ دراسة ماركس، لا بسبب الفترة التاريخية التي مَرّت والتي ربما دحضت بعض فرضياته وأطروحاته وأظهرت تقادم غيرها فحسب، وإنما أيضًا لأنه في الوقت الذي قُبِل فيه فكره بوصفه منهجًا في البحث في قضايا المجتمع والتاريخ، تحولت الماركسية أيضًا إلى أيديولوجيا حزبية، أو إلى نوع من العقيدة التي تشعّبت عنها مذاهب تفسيرية وتأويلية مختلفة تقارب نصوص ماركس، بما فيها تلك التي لم ينشرها، وكأنها نصوص مقدسة تحتاج إلى تأويلات ولها كَهَنتها. وثمة من يُشدِّد على كونها نظرية علمية في فهم المجتمع والتاريخ، حتى إن البعض يذهب إلى عدّها فلسفة شاملة في الإنسان والمجتمع والطبيعة والعلوم تحت تسمية "المادية الجدلية" التي لم يستخدمها إطلاقًا، ولا ادّعى أنه صاحب نسق فلسفي. كذلك أدى تحويل إرث ماركس إلى مادة للحفظ والتلقين إلى حشره تحت عناوين مثل "المادية التاريخية"، وتحويل مقاربته المادية للتاريخ إلى معادلة سببية يشكّل فيها الاقتصاد سببًا، والعلاقات السياسية والحقوقية والفكر مجرد نتيجة، وعوامل متأثرة غير مؤثرة، وهو ما يناقض فكر ماركس في ما يتعلق بدور العلم والنظام السياسي القائم وعلاقات الملكية في الاقتصاد، وفي ما يتعلق أيضًا بفاعلية الإنسان وفكره وقيمه.

ومنذ نهاية القرن العشرين تعاملت العلوم الاجتماعية في الجامعات الغربية مع فكره بودّ (بعد أن زال خطره المتمثل في تعبئة قطاعات جماهيرية واسعة خلف فكرة الثورة على النظم القائمة على الاستغلال الطبقي وفقًا لذلك الفكر)، ولكن بانتقائية، بوصفه منهجًا نافعًا للعلوم الاجتماعية، أو بوصفه أحد أهم مكونات إرث الفكر الحداثوي الغربي العقلاني.


حياته

نشأ كارل ماركس، المولود في 5 أيار/ مايو 1818، في ترير ​(Trier)، أقصى غرب ألمانيا، في أجواء ما بعد اجتياح نابوليون بونابرت (Napoléon Bonaparte، 1769-1821) ألمانيا عام 1806، واندحاره منها في تشرين الأول/ أكتوبر 1813، بعد أن أحدث فيها تأثيرًا كبيرًا بنقل أجواء فرنسا ما بعد الثورة الفرنسية إليها. وتبنى والده المحامي مبادئ الثورة الفرنسية، وشجع ابنه على قراءة أدبيات عصر التنوير وغيرها. وقد تحوَّل الوالد العلماني الاندماجي النزعة من اليهودية إلى المسيحية، فغيّر اسمه من هرشل هليفي ماركس إلى هنريش ماركس، بسبب انسداد أفق ترقّيه في ظل القيود على ممارسة اليهود بعض المهن. وقد أصبح نقيب محامي مدينة ترير عام 1833.


حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​​أرسل الوالد ابنه كارل، الذي ظلّ مقربًا جدًا منه حتى وفاته، لدراسة الحقوق في جامعة بون. وهناك انتقل اهتمامه بالتدريج إلى الفلسفة، ولا سيما بعد قراءة كتاب هيغل فنومينولوجيا الرّوح (1807). وبعد عام من الدراسة في بون، انتقل للدراسة في جامعة برلين حيث درَّسه أساتذة حقوق معروفون، مثل فريدريك كارل ڤون ساڤينيي (Friedrich Carl von Savigny، 1779-1861) وبرونو باور (Bruno Bauer، 1809-1882)، الفيلسوف العلماني الليبرالي الذي ظلّ رفيقًا له بعد تخرجه، وتعرف عن طريقه على الهيغليين الشباب الذين فسّروا هيغل بما يناقض قراءة المحافظين السائدة، كما قدَّمه لنادي حملة الدكتوراه (Doktorenklub) في برلين. بعد السنة الأولى من دراسة الحقوق، في نهاية عام 1837، انتقل ماركس إلى دراسة الفلسفة ونال الدكتوراه، وتضمنت رسالته بحثًا مقارنًا بين فلسفة الطبيعة عند كل من ديمقريط وأبيقور. في هذه المرحلة تعرَّض إلى تأثير أحد أهم الفلاسفة الشباب الصاعدين، وهو لودڤيش فويرباخ (Ludwig Feuerbach، 1804-1872)، ولا سيما بعد أن قرأ كتابه جوهر المسيحية (1841) وتابع جميع كتاباته. وثمة مراسلات منشورة بينهما. وقد وصف فريدريش إنغلز في كتيب أصدره بعد وفاة ماركس بعنوان لودڤيش فويرباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية (1888) عمق تأثير كتاب فويرباخ ذاك على ماركس وعليه، ولا سيما نقده لهيغل وجزمه بأسبقية الطبيعة على الفكر، وبأن الإنسان كائن طبيعي أولًا، بعبارة "إننا للحظة أصبحنا جميعًا فويرباخيين"[1].

قدّم ماركس أطروحته في جامعة يينا (Jena) بعد أن تخرّج في جامعة برلين عام 1841. وبعد تخرجه عرض عليه أحد الهيغليين الشباب، وهو موزس هِس (Moses Hess، 1812-1875)، الذي أُعجب بماركس الشاب، العملَ في صحيفة الراين Rheinische Zeitung في مدينة كولونيا رئيسًا للتحرير. ترك هِس أثرًا في ماركس، وخاصة في إثر لقاءاتهما المنتظمة بين عامي 1843 و1845. وشابهت شيوعية هِس، إلى حدّ بعيد، شيوعية ماركس اللاحقة، إذ تضمنت تصورًا للحياة الاجتماعية من دون دولة، ولا سيما في كتابه التاريخ المقدّس للإنسانية (Die heilige Geschichte der Menschheit) (1837)، وفي رأي غريغوري كليز، تشبه لغة هذا الكتاب لغة البيان الشيوعي. وقد توقع هِس أيضًا (مثل ماركس في مرحلة لاحقة) أن تُؤسِّس الصناعة البريطانية الأساس لمجتمع شيوعي في أوروبا[2]. وكان هِس وإدوارد غانس (Eduard Gans، 1797-1839) أحد مُدرِّسي ماركس في الحقوق، قد تبنيا أفكار هنري سان سيمون (Henri de Saint-Simon، 1760-1825) الاشتراكية التي تشمل تحقيق المساواة وإلغاء تقسيم العمل. وقد زار غانس مصانع في إنكلترا وعدّ ظروف العمال فيها نوعًا من العبودية، وحذّر في النهاية من مبدأ سان سيمون القائل "لكلٍّ حسب طاقته"، لأنه قد ينتهي أيضًا إلى العبودية ورقابة الدولة[3].

كان نهج ماركس في تحرير الصحيفة جمهوريًا ديمقراطيًا راديكاليًا، وحوّلها إلى الصحيفة المعارضة الأهم في ألمانيا. وجاء تطرقه إلى موضوعات الاقتصاد والملكية الخاصة بمناسبة سنّ قانون منع جمع الأغصان المتساقطة في غابات مملوكة، التي كانت مصدر حطب للفقراء. فكتب في تشرين الأول/ أكتوبر 1842 مقالًا ضد القانون برزت فيه بواكير نقده للملكية الخاصة، وكتب في هذه المرحلة مقالات أخرى ضد الرقابة ودفاعًا عن حرية الصحافة. كانت هذه بداية اكتشافه دور الدولة غير المحايد وانحيازها للمالكين.

في أثناء وجوده في مدينة كولونيا، قرأ ماركس أفكارًا اشتراكية لسان سيمون الذي نادى بإقامة تعاونيات غير طبقية، ومساواة المرأة بالرجل، والأهم أنه أكَّد على أولوية الاقتصادي على السياسي، وتطرّق إلى نزعة المجتمع الرأسمالي للانقسام إلى طبقتين فقط قبل ماركس بعقود. كذلك قرأ عند الاقتصادي السويسري جون شارل سيسموندي (Jean Charles de Sismondi، 1773-1842) أن العامل يُنتج أكثر من الأجر الذي يتلقاه مقابل عمله، وعن عملية تركز رأس المال وإفقار البروليتاريا. اطّلع كذلك على كتابات روبرت أوين (Robert Owen، 1771–1858)، وهو رأسمالي صناعي حَسَّن وضع عُمّاله بتقليص ساعات العمل، وبنى تجمعات سكنية في الريف بحيث يتناوب العامل العمل في المصنع والزراعة، وكذلك جيمس مِل (James Mill، 1773–1836). أما عن اشتراكيي فرنسا، فقد اطّلع ماركس على أعمال شارل فورييه (Charles Fourier، 1772–1837)، وبيير جوزف برودون (Pierre-Joseph Proudhon، 1809–1865) الذي نشر كتابه ما هي الملكية؟ (1840) مجيبًا: "إنها السرقة". وكان أتباع أوين، جورج مودي (George Mudie، 1788- مجهول سنة الوفاة) وويليام طومسون (William Thompson، 1775–1833) وجون غراي (John Gray، 1799–1883) من النّقاد الأوائل للاقتصاد السياسي الإنكليزي، واطّلع ماركس على نظريتهم في الأزمة الاقتصادية، ولا سيما بعد أول أزمة شهدها الاقتصاد الرأسمالي عام 1825.

بعد إطاحته من رئاسة التحرير بسبب مقال طاول النقد فيه ملك بروسيا، انتقل ماركس عام 1843 إلى باريس، حيث عمل على تأسيس مجلة مع صديقه آرنولد روغه (Arnold Ruge، 1802–1880) هي الحوليات الألمانية الفرنسية Deutsch–Französische Jahrbücher. وفي صيف العام 1844، نشر في المجلة مقالًا​ بعنوان "في نقد فلسفة القانون[4] عند هيغل" وآخر بعنوان "مسألة اليهود". ما يجمع المقالين هو عدم الاكتفاء بالتحرر السياسي من خلال المساواة القانونية والمواطنة في الجمهورية، والتأكيد على الانتقال إلى التحرر الإنساني من الفقر والاستغلال الطبقي. كذلك، شدد ماركس في المقالين على ضرورة الانطلاق من ظروف الحياة الواقعية لا من مبدأ نظري في الفلسفة، أو ما سمّاه لاحقًا "إيقاف هيغل على قدميه بعد أن كان قائمًا على رأسه" (وهو تعبير مأخوذ من فويرباخ). وقد استخدم مفهوم المجتمع البرجوازي (المدني) الذي استعاره هيغل من فلاسفة التنوير الإسكتلندي، للتأكيد على أنه أساس الدولة، وأن مفهوم الدولة الحديثة يستنبط منه (لا العكس)؛ ودعا إلى انتقال التفلسف من نقد السماء إلى نقد الأرض، أي الانتقال من نقد الدين إلى نقد العلاقات الاجتماعية التي تنتج الدين.

تزوج ماركس العلماني الملحد، الذي تنصَّر والده وأصبح بروتستانتيًا في مدينة ذات أغلبية كاثوليكية، من جيني ڤون ويستفالن (Jenny von Westphalen، 1814-1881) التي انتمت إلى عائلة أرستقراطية، في كنيسة بروتستانتية عام 1843.





حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​​في باريس، خالط ماركس شيوعيي فرنسا، ولا سيما لويس بلان (Louis Blanc، 1811–1882)، وإيتيان كابيه (Étienne Cabet، 1788–1856) الذي عدّ الشيوعية مبدأ إنسانيًا، أو الديانة الأكثر صدقًا والأقرب إلى الحقيقة، لأنها مثلت الإنسانية الكونية ضد المصالح الأنانية[5]. وفي حين كان ماركس يتخذ اتجاهًا اشتراكيًا، كان زميله في تحرير مجلة الحوليات الألمانية الفرنسية آرنولد روغه يتبنى توجهًا ليبراليًا[6].

ألّف ماركس نقد فلسفة القانون عند هيغل في عام 1843، وأيضًا المخطوطات الاقتصادية والفلسفية Ökonomisch-philosophische Manuskripte التي تُسمّى "مخطوطات باريس من عام 1844"، ولم ينشر المؤلَّفان في حياته، بل نُشِرَا في موسكو في ثلاثينيات القرن العشرين. ومنذ نشرهما، أصبحت المخطوطات تُشكِّل مصدرًا لما يُسمّى لاحقًا بالتوجّه الإنسانوي في الماركسية.

أرسل إنغلز، الذي لم يكن ماركس يعرفه حتى تلك المرحلة (ما عدا لقاء عابرًا عام 1842 لم يخلّف انطباعًا عميقًا لديه) من برلين مقالة للمجلة بعنوان "خطوط عريضة في نقد علم الاقتصاد" (Umrisse zu einer Kritik der Nationalökonomie) (1843)، يناقش فيها أفكارًا مثل توليد التجارة الحرة نقيضها، إضافة إلى تجريد فئات واسعة من السكان من ممتلكاتهم. وقد عبر ماركس عن إعجابه بها قبل أن تجمعهما صداقة دائمة. كان إنغلز، ابن العائلة الصناعية، أسبق من ماركس إلى الاهتمام بموضوعات نقد الاقتصاد السياسي، ومن الواضح أنه أسهم في تحفيزه للتعمق فيه.

عمل ماركس في تلك الفترة على كتابات آدم سميث (1723–1790) وديڤيد ريكاردو (David Ricardo، 1772–1823)، وتأثر بأفكارهما المتعلقة باعتبار العمل أساس قيمة البضاعة، وعاد كذلك إلى سيسموندي، وقرأ عن سعي الرأسمالية الضروري إلى أسواق جديدة بسبب فائض المنتجات، وتخفيض تكلفة الإنتاج بإنقاص الأجور وزيادة وقت العمل، وتزايد الفقر مع وفرة الإنتاج، واتخاذ الدولة دور حماية رأس المال في ظروف إفقار الأغلبية المتضررة من الرأسمالية. في هذه المرحلة، بدأ ماركس يدرك أن الاقتصاد السياسي هو علم الرأسمالية البريطانية الذي يعكس ظروفها ويمثل مصالحها، وأن المهمة تكمن في نقد العناصر الأيديولوجية في هذا العلم، أي تلك المتعلقة بالمصالح الطبقية. ومع أن قراءاته وسَعة اطّلاعه لم تعرف حدودًا تخصّصية، فقد أصبح الاقتصاد هاجسه البحثي الرئيس. ولم يكتفِ بالاطّلاع على أدبياته، بل قرأ بالتفصيل آلاف الصفحات من تقارير اللجان الحكومية والبرلمانية بشأن أوضاع الطبقة العاملة، وهي التقارير التي سوف يدرسها بعناية في مكتبة المتحف البريطاني بعد انتقاله إلى لندن. وبرز في "مخطوطات باريس" اهتمامه بقضايا الفلسفة والاقتصاد، وظهر بوضوح سعيه للانتقال من النقد الفلسفي إلى نقد العلاقات الاجتماعية المبني على علم الاقتصاد. وقد احتل مفهوم الاغتراب (Alienation، وبالألمانية: Entfremdung) مكانة أساسية في هذه المخطوطات، وحوَّله من مفهوم فلسفي هيغلي متعلق باغتراب الفكرة عن ذاتها في العالم، واتحادها مع ذاتها في الدين والفلسفة، إلى اغتراب الإنسان عن عمله وعن النوع الإنساني في النظام الرأسمالي، الذي لا يمكن التغلّب عليه بالنقد الفلسفي، وإنما بإلغاء الملكية الخاصة.

في المرحلة نفسها، كتب إنغلز كتابًا في وصف أحوال الطبقة العاملة البريطانية Die Lage der arbeitenden Klasse in England (1845)[7]، وتلاشي الطبقة الوسطى، وانقسام المجتمع إلى طبقتين، الرأسماليين والعمال، وصيرورة الإفقار التي يتعرض لها العمال. أُعجب ماركس، الذي لم يزر مصنعًا في حياته، خلافًا لإنغلز، بهذا الكتاب. وانصبّ اهتمامه بالرأسمالية الإنكليزية، لأنها طليعة النظام الرأسمالي التي تمثّل مستقبله في القارة الأوروبية أيضًا.

كذلك تعرف ماركس شخصيًا إلى الاشتراكي الفرنسي برودون الذي انتقد الملكية الخاصة في تلك المرحلة، لكنه لم يدعُ إلى إلغائها، بل إلى ربطها بالعمل؛ فمن لا يعمل لا يفترض أن يملك. ورفض استغلال الإنسان للإنسان في المجتمع الطبقي، وعبادة الإنسان للإنسان في الدين، وحكم الإنسان للإنسان في الدولة، التي دعا إلى تقليص سلطتها، رافضًا فكرة شطب الملكية الخاصة لصالح ملكية الدولة.

بدأت علاقة الصداقة الشخصية بين ماركس وإنغلز في عام 1844، ولازم أحدهما الآخر منذ ذلك الحين، سواء بالمراسلة أو باللقاءات الشخصية طوال أربعين عامًا، وحتى وفاة ماركس. كانت هذه صداقة شخصية وفكرية متينة ودائمة، وعلى قدر كبير من التفاني من جانب إنغلز لناحية قبوله بدور الرجل الثاني المساند للأول ماليًا ومعنويًا. في هذه المرحلة، عملا معًا على كتاب العائلة المقدسة (1845) بإسهام محدود من إنغلز، وانحازا فيه إلى الاشتراكيين الفرنسيين ضد الهيغليين الشباب، مع إشادة بفويرباخ. ولم يحظ الكتاب باهتمام خاص، فقد كان سجالًا حادًا بين مثقفين ألمان مجهولين في ذلك الوقت. وفي كتاب الأيديولوجيا الألمانية (1845-1846) صفّيا الحساب مع فويرباخ أيضًا. ولكن الكتاب ظل مخطوطة غير منشورة حتى نُشر في موسكو في عام 1932. وشكّل القسم الأول غير السجالي منه مناسبة لطرح تصورات ماركس وإنغلز للفهم المادي للتاريخ، التي شكّلت بداية مرحلة النضج الفكري عند ماركس.

عاش ماركس في بروكسل بين عامي 1845 و1848، وأُبعد منها إلى باريس عام 1848. وهو العام الذي انطلقت فيها ثورات ربيع الشعوب، بدءًا من باليرمو ونابولي، فأجبرت المظاهرات الشعبية الملك فرديناند الثاني (Ferdinand II، 1810–1859، ملك صقلية من عام 1830) على الموافقة على الدستور. وأعلنت الدساتير في نابولي وفلورنسا وتورينو، فاستقال ملك فرنسا لويس فيليب (Louis Philippe، 1773-1850، ملك فرنسا بين عامي 1830 و1848)، وأقيمت حكومة جمهورية. وامتدت الثورة إلى النمسا وهنغاريا وبولندا وألمانيا، وانعقدت جمعيات تأسيسية في فرانكفورت وبرلين. وشهدت شوارع باريس اشتباكات دامية.علنت الدساأعتل

تابع ماركس هذه الثورات بدقة وكتب عنها مقالات عديدة. لقد كان داعمًا للثورة البرجوازية الديمقراطية، فقد كان مؤيدًا للديمقراطية، ولم ير احتمالًا لنشوء الشيوعية من دون المرور بالمرحلة التي تسيطر فيها البرجوازية. وقبل اندلاع الثورات، توجّهت إليه عصبة الشيوعيين لصياغة بيان العصبة الذي تحول إلى "بيان الحزب الشيوعي". يمكن القول إن ماركس قدّم في البيان الشيوعي تصورًا شاملًا ومبسّطًا لرؤيته المادية للتاريخ، ولصراع الطبقات باعتباره المحرّك الرئيس للتاريخ، ولدور البرجوازية التقدمي من زاوية النظر التاريخية بتثويرها العلاقات الاجتماعية، ودور الطبقة العاملة التاريخي في تخليص الإنسانية من المجتمع الطبقي والملكية الخاصة، ودور الشيوعيين في توعيتها لمصالحها.

أسهم ماركس في الثورة سياسيًا. وانتقل إلى كولونيا خلالها، حيث أصدر العدد الأول من صحيفة الراين الجديدة (Neue Rheinische Zeitung) التي ركّزت هجومها على المَلَكية. أما إنغلز، فشارك عسكريًا، وحارب في فرق الثوار في جنوب ألمانيا. وبعد انتصار الثورة المضادة، أصبح ماركس أكثر تشاؤمًا بشأن الثورة البرجوازية في ألمانيا، لأنها اختارت التحالف مع كبار المُلّاك العقاريين ومع العسكرتاريا البروسية ضد الليبرالية السياسية.

في هذه المرحلة، بدأ ماركس بالتفكير في دكتاتورية البروليتاريا (من دون استخدام المصطلح) في المرحلة الانتقالية بعد الثورة، لتحميها وتمنع أعداءها من العودة إلى الحكم، إذ لا ينبغي أن ينشغل الثوّار بالدستور، كما حصل في فرانكفورت، في الوقت الذي يستعيد فيه الطرف المهزوم مواقعه في الجيش والدولة. كتب ذلك في مقال بعنوان "البرجوازية والثورة المضادة"، في 16 كانون الأول/ ديسمبر 1848[8]. وفي شباط/ فبراير 1849 حوكم ماركس بتهمة التحريض على التمرد وأُغلقت الصحيفة، وغادر إلى لندن التي وصل إليها في بداية حزيران/ يونيو، ومكث فيها حتى وفاته. وقد رُفض طلبه الحصول على الجنسية البريطانية، على الرغم من أنه أمضى في بريطانيا أكثر من ثلاثة عقود. كانت ظروف سكنه في السنوات الأولى رديئة للغاية، فقد سكن مع عائلته (ستة أفراد عدا ماركس) في غرفة واحدة في حيّ تشلسي في حالة من الفقر والعوز، قبل أن ينتقل إلى سكن بائس في حي سوهو في أيار/ مايو 1850. وتشيررسائله إلى أنّه كان يتعرض لملاحقة الدائنين باستمرار.

هاجم ماركس دور روسيا وعدّها حصن الرجعية. لقد أنقذ الروس بروسيا والنمسا وأسهموا في قمع الثورة في هنغاريا وسحقوا الثورة في بولندا. وأُلغي حق الاقتراع العام في فرنسا بعد أن أخفق الاشتراكيون في انتخابات عام 1848، وقُمعت انتفاضة العمال بمجزرة قادها الجنرال لويس أوجين كافينياك (Louis Eugène Cavaignac) بالاعتماد على الجيش والحرس الوطني خلال ما يعرف في التاريخ الفرنسي بأيام حزيران/ يونيو 1848 الدامية. وبعد أن فاز لويس بونابرت (Louis Bonapart) (كانون الأول/ ديسمبر 1848) بأصوات الفلاحين وصغار المالكين رئيسًا للجمهورية (1848-1852)، ألغى الدستور في 2 كانون الأول/ ديسمبر 1851، ونصّب نفسه إمبراطورًا باسم نابوليون الثالث (Napoléon III، 1852-1870).

في مرحلة الثورة المضادة كتب ماركس المقالات بعنوان الصراعات الطبقية في فرنسا 1848-1850 والتي صدرت بصيغة كتاب لاحقا. واستخدم فيها لأول مرة مصطلح دكتاتورية البروليتاريا، وكلك كتاب الثامن عشر من برومير لويس بونابرت، الذي تميز بالتحليل الطبقي والسياسي للدكتاتورية وأسلوبه الأدبي الساخر من الظاهرة الشعبوية التي لم تكن قد سُميت بعد بهذا الاسم. وكان أيضا عبارة عن سلسلة مقالات صدرت لاحقًا في كتاب. واستنتج في مقالاته هذه ضرورة تشكيل البروليتاري تحالفات مع فقراء الفلاحين، إذ تشكل البروليتاريا أقلية من السكان، يمكن أن يؤدي الفلاحون دورًا رجعيًا فيها، ولا بد من احتوائهم للحيلولة دون اضطلاعهم بهذا الدور.

وفي عام 1857 بدأ يرتاد مكتبة المتحف البريطاني لمتابعة دراسته الاقتصاد السياسي والعمل على مؤلفه الرئيس رأس المال، مبتعدًا عن ظروف سكنه. وهدفه الذي حدده في المقدمة "كشف القوانين الاقتصادية لحركة المجتمع الحديث"[9]. وقد أصدر كتاب في نقد الاقتصاد السياسي عام 1859؛ أما رأس المال، كتاب العمر بالنسبة له، فلم يصدر المجلد الأول منه إلّا عام 1867. وأصدر إنغلز المجلدين، الثاني والثالث بعد وفاة صديقه. وقد صدرت في عام 1939 مخطوطة الغروندرِسِه، وهي مخطوطة مسودة لكتاب رأس المال، عمل عليها ماركس بين عامي 1857 و1858، وتحولت إلى مصدر مهم عن منهجه. كان انتشار كتاب رأس المال قليلًا، ولم يجد خلال حياته الصدى الذي أمله، ولم يكن له مردود مالي بالتأكيد. وقد عانى مؤلفه ندرة المراجعات وقلة الاهتمام بالكتاب في حياته.

في تلك الفترة، ومع صعود المستشار الألماني أوتو فون بسمارك (Otto von Bismarck، 1815-1898) إلى سدة الحكم في بروسيا، واضطلاع الأخيرة بعملية توحيد ألمانيا، اتّبع تكتيك احتواء الاشتراكيين، ولا سيما صديق ماركس الذي سرعان ما أصبح غريمه، فرديناند لاسال (Ferdinand Lassalle، 1825-1864)، بتشجيع من ينادون باشتراكية وطنية مقابل الاشتراكية الأممية التي نادى بها أمثال كارل ماركس. كانت تلك إرهاصات التحالف بين القوى المحافظة الحاكمة في ألمانيا والاشتراكية القومية.

وبين عامي 1862 و1864 أسهم ماركس في تأسيس المنظمة العالمية للشغيلة (The International Working Men’s Association) التي اختُصرت تسميتها بالصفة The International (الأممية). وفي عام 1869 ضمّت ممثلي العمال من تسع دول. وقد استمرت حتى حلت نفسها عام 1872، بعد أن استنفدت دورها وأنهكتها الخلافات الداخلية. أسهم ماركس في تنظيمها والتنظير لها، وخاض فيها صراعًا متواصلًا ضد التيارات الأناركية المختلفة، ولا سيما تيار ميخائيل باكونين (Mikhail Bakunin، 1814-1876) الذي كان في البداية معجبًا بماركس ومتحمّسًا له، وترجم البيان الشيوعي إلى الروسية. وانصب الخلاف على درجة تنظيم الأممية ذاتها، والثورة العنيفة التي لم يعدّها ماركس هدفًا قائمًا بذاته، والحاجة إلى الدولة في المراحل الانتقالية بعد الثورة. دفع ماركس الأممية نحو العمل السياسي، وأيضًا إلى الانخراط في نضالات تقصير يوم العمل وتعميم حق الاقتراع، وقد برزت زعامة ماركس فيها إلى درجة اتهام الأممية واتهامه شخصيًا بالتآمر لتنظيم تمرد كومونة باريس عام 1871.

اعتاش ماركس من الكتابة في الصحف، ولا سيما بعد أن أصبح، بين عامي 1851 و1862، المراسل الرئيس لـصحيفة نيويورك ديلي تريبيون[10]New York Daily Tribune في أوروبا، ومن مساعدات صديقه إنغلز المنتظمة والمتواصلة. وقد أصبحت مقالاته وتقاريره في الصحيفة من أهم المصادر عن فكره السياسي ومواقفه من القضايا الدولية وقضايا المستعمرات.

تمكّن ماركس من سداد ديونه والانتقال إلى سكن لائق فقط بعد أن تسلّمت زوجته حصتها من إرث عائلتها، وبعد أن ورث هو أيضًا حصته من إرث عائلته. فحتى ذلك الحين عانى الفقر، وقد توفي ثلاثة من أبنائه وبناته الستة من المرض في ظروف الإملاق التي عاشوها. كذلك عانى آلام التهابات الكبد وغيرها من الأمراض التي وصف في رسائله إعاقتها لعمله.




حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​​​​كان متابعًا مثابرًا للسياسة والأحداث السياسية في عصره، ولا سيما في أوروبا وأميركا وكذلك لتطور العلوم والتكنولوجيا، ولم يعمل بانتظام في أي مهنة، فقد كان كاتبًا متفرغًا ومناضلًا. توفي ماركس يوم 14 آذار/ مارس 1883، ودفن في مقبرة هايغيت في لندن، وألقى إنغلز كلمة تأبينية على قبره.

فكره وسيرته الفكرية

من هيغل إلى الهيغليين الشباب، ومنهم إلى الشيوعية والاقتصاد السياسي

ماركس هو بداية فيلسوف ألماني يتحدر فكره من تقاليد الفلسفة الألمانية[11]، ولا سيما هيغل، أبرز ممثلي الفلسفة الكلاسيكية الألمانية في القرن التاسع عشر، الذي كان تأثيره في جامعة برلين طاغيًا في مرحلة دراسة ماركس الشاب فيها. وبعد وفاة الفيلسوف الألماني، وبتأثير من فلسفته، نشأ تياران فلسفيان متأثران بها؛ أحدهما يفسّر هيغل تفسيرًا مُحافظًا، ويعدّ الدولة والنظام الاجتماعي القائم تجسيدًا لدرجة تطور العقل في كل مرحلة من مراحل التطور التاريخي، ومن ثم يعدّ هذا التيار تبريريًا، فهو يستند إلى نزعة هيغلية توجزها مقولته "الواقعي هو العقلاني". والتيار الثاني، هو الذي سمّي تيار الهيغليين الشباب، الذي رأى أن التناقض والصراع هما سنّة الكون في منطق هيغل الجدلي، وأن مغزى مقولة "الواقعي (أو الفعلي das Wrikliche) هو العقلاني، والعقلاني (das Venünftige) هو الواقعي" ليس اعتبار أن المنطق الجدلي (العقلاني) كامن في الحتميات والضرورات خلاف الظواهر العابرة، بل في أن الواقع التاريخي يجب أن يُحاسَب بموجب إملاءات العقل وتقدّمه في التاريخ. وهذا يعني أن النقد ونقد النقد، والنفي ونفي النفي، هي العناصر المنهجية الباقية من فلسفته، وهو ما يوجب نقد فلسفته ذاتها، ولا سيما غياب الذات الإنسانية الفاعلة عنها.

تَحرَّر ماركس الذي بدأ طريقه الفكري هيغليًا شابًا مهتمًا بمجال الفلسفة، من هذا التضاد بين نوعين من تفسير الهيغلية. فتبنى بدايةً مقاربة فويرباخ التي تنطلق من الإنسان لا من الفكرة، خلافًا لفلسفة هيغل، ويضا نقده قلب المبتدأ والخبر (الحامل والمحمول) في فلسفة هيغل التي تستنبط التطور التاريخي من جدلية الفكرة وتطورها. وقد تضمن كتاب فويرباخ جوهر المسيحية نقدًا للدين يقوم على تحليل الطبيعة البشرية، وعلى أن سر الثيولوجيا هو الأنثروبولوجيا. لقد كانت مادية فويرباخ الناقدة لفلسفة هيغل المثالية مادية أنثروبولوجية؛ ففي مركزها الإنسان. وطبق فيها بديله لمنهج هيغل من خلال استنباط الدين من اغتراب الإنسان عن ذاته المعبَّر عنه بموضَعَةِ مُثُلِه الإنسانية "في السماء". سوف ينتقد ماركس لاحقًا اقتصار النقد على مسألة الدين، ويوسّع فكرة الاغتراب لتنطلق أساسًا من تحديد جوهر الإنسان لا بالمُثُل التي تتموضع في عالم آخر (السماء مثلًا) لتنتج ظاهرة الدين، بل بأمرين: الأول أن الإنسان كائن اجتماعي لا مجرد فرد؛ والآخر هو تفاعله مع الطبيعة من خلال العمل لسدّ حاجاته.

وقد توصل ماركس الشاب مبكرًا إلى نتيجة مفادها أن نقد الدين يجب أن يتجاوز النقد الفلسفي، ولا بد من الانتقال إلى نقد العلاقات الاجتماعية التي تولّده. ففي مقاله "في نقد فلسفة القانون عند هيغل"، التي نشرها في الحوليات الألمانية الفرنسية، لام ماركس فويرباخ على عدم إيلائه اهتمامًا لما يمكن تسميته بلغة السوسيولوجيا المعاصرة وظائف الدين الاجتماعية. وفيه قال العبارة الشهيرة "الدين أفيون الشعب"، التي سبق أن قرأها عند هِس[12]: "بالنسبة إلى ألمانيا أُنجزت مهمة نقد الدين، فنقد الدين مقدّمةٌ لأيّ نقدٍ [...] والإنسان الذي وجد واقع السماء الخياليّ هناك، حيث بحث عن الإنسان الأعلى (أو الإنسان الفائق)، فعثر على انعكاسٍ لذاته، لم يعد قادرًا على العثور على انعكاسٍ لذاته في الإنسان الأعلى، حين يبحث عن الواقع الحقيقيّ. الأصل في النقد اللادينيّ للدين هو ما يلي: الإنسان هو الذي يصنع الدين، وليس الدين هو ما يصنع الإنسان. وصحيحٌ أن الدين وعيٌ ذاتيٌ، وشعورٌ ذاتيٌ عند الإنسان الذي لم يكتسب نفسه بعد، أو خسرها حالما كسبها، لكنّ الإنسان ليس تجريدًا، أو كائنًا قابعًا خارج العالم؛ الإنسان هو عالم الإنسان، والدولة، والاجتماع. الدولة والاجتماع يُنتجان الدينَ وعيًا مقلوبًا، لأنهما عبارةٌ عن عالم مقلوب. فالدين هو نظرية العالم العامة، موسوعته المختصرة، منطقُهُ بصيغة شعبية [...] تعبيره المعنويّ، تتميمه الاحتفالي، عزاؤه العام، وأساس تبريره. إنه التحقق الخيالي لجوهر الإنسان، حينما لا يكون لجوهر الإنسان من واقع حقيقي. الصراع ضد الدين هو نضالٌ ضد ذلك العالم الذي يشكل الدين نكهته الروحية. البؤس الديني تعبير عن بؤس الواقع. وهو في الوقت ذاته احتجاج على بؤس الواقع. الدين هو تنهيدة المظلوم، وقلب عالم بلا قلب، وروح أوضاع بلا روح [...] إنه أفيون الشعب. والنفي الجدلي للدين باعتباره سعادة وهمية للشعب هو السعي لتحقيق سعادته الحقيقية [...]. يخيّب نقد الدين الإنسان لكي يدرك الإنسان الخائب واقعه ويصحّح هذا الواقع [...] هكذا يتحوّل نقد السماء إلى نقد الأرض، ونقد الدين إلى نقد القانون[13]، ونقد اللاهوت يصبح نقد السياسة"[14].

وبالمجمل، اعتبر ماركس أن نقد هيغل فلسفيًا لا يفي بالغرض، وقد كتب ببلاغة فلسفية أن "سلاح النقد" (الفلسفة)، ليس بديلًا "للنقد بالسلاح"، لأنه يجب مواجهة الواقع المادي غير العادل أو غير المنصف بقوة مادية، هي الفعل البشري.

ومع أن نقد الدين هو مقدمة لأي نقد، كما كتب مبكرًا (في مقال "في نقد فلسفة القانون عند هيغل" من العام 1844)، فإن مهمة النقد الفلسفي للدين بالنسبة لألمانيا قد أُنجزت، ولم تعد المهمة فلسفية، بل متعلقة بنقد الظروف الاجتماعية. هنا تعامل ماركس للمرة الأخيرة، مع موضوع الدين نظريًا. نقد الدين ليس الحل، بل يكمن الحل في تغيير العلاقات القائمة؛ وهو ما يسميه ماركس الانتقال من نقد السماء إلى نقد الأرض. إن سعادة الناس الحقيقية هي التي تقود إلى إلغاء الدين الذي هو سعادتهم الوهمية. لأجل ذلك، يجب إلغاء الظرف الذي يتطلب مثل هذا الوهم. ومن يمكنه فعل ذلك، حسب تشخيصه للتطور التاريخي في ظل الرأسمالية، هو البروليتاريا (الطبقة العاملة الصناعية). وهي طبقة ذات سمات كونية في نظره. إنها لا تملك شيئًا، وستكون مهمتها التاريخية إلغاء الملكية الخاصة. ويتعامل ماركس الشاب مع البروليتاريا وكأنها مفهوم فلسفي، فيستنتج مهماتها التاريخية من تحديده لمفهومها، ويعرّفها انطلاقًا من أن استغلالها عام وكوني، ومن ثم ستؤدي مُهمّة كونية؛ ولأنها تمثّل خراب الإنسان الشامل، فإنها ستتوق إلى بناء الإنسان الشامل (وهو هدف التحرر الذي يتكرر عنده: استعادة الإنسان، إتاحة المجال للتطور الشامل للإنسان). وبحسب استنباطاته، بما أن البروليتاريا هي الطبقة التي أنتجها النظام الرأسمالي، وبما أن الرأسمالية، وهي آخر أشكال الاستغلال الطبقي القائم على الملكية الخاصة، وتقود إلى انقسام المجتمع إلى طبقتين، إحداهما تشكل الأغلبية التي لا تملك شيئًا إلا قوة عملها، فإن البروليتاريا بثورتها تخلّص المجتمع البشري من الملكية الخاصة: بها تجد الفلسفة سلاحها، والبروليتاريا تجد أيضًا في الفلسفة سلاحها[15]، إلى آخر ذلك من الاستنباطات التأملية الفلسفية.

لم تستند هذه التأملات إلى تحليل اجتماعي اقتصادي للواقع القائم، أو حتى إلى تحليل لواقع هذه الطبقة وسماتها الفعلية (سيفعل ذلك لاحقًا). ولم يكن ماركس قد تعرف بعد إلى أي حركات عمّالية عند كتابة هذه النصوص. ونجد في لغته مطلقات مثل أن الاشتراكية لن تكون استبدال نظام بآخر، بل سوف تلغي الدولة والسياسة عمومًا، وأن الطبقة العاملة تحرر البشرية بتحررها.

كان ماركس في تلك المرحلة يُفكِّر بالدولة والمجتمع والاقتصاد تفكيرًا فلسفيًا ويستخدم المفاهيم الفلسفية في وصف العمليات الاجتماعية. وبهذا المعنى، كان لا يزال هيغليًا آنذاك، إذ رأى أن الثورة البروليتارية تُحقق هدف الفلسفة النهائي، وهو عنده العدالة والحرية، ولكنها تحقق الفلسفة بإلغائها من خلال الانتقال إلى الممارسة. فلكي يحصل ذلك، لا بد من الانتقال من الثورات الفلسفية إلى الثورة الاجتماعية، التي تحصل بتوعية الناس بظروفهم الاجتماعية. وتصبح هذه المهمة التنويرية وظيفة الفلسفة على أساس نقد البنى الاجتماعية القائمة، فكتب: "علينا أن نجعل العلاقات المُتشيئة ترقص بعزف نغمتها الخاصة بها"[16]. والتشيؤ عند ماركس هو تخيّل الناس علاقاتهم الحية وكأنها أشياء، أو ظواهر، أو بنى خارجة عن إرادتهم، وتتحكم بهم عوض أن يتحكموا بها.

لقد بدأ ماركس نقده لهيغل في مخطوطات كتبها عام 1843 -ولم تنشر في حياته- بنقد فلسفة القانون التي توصلت إلى اعتبار أن الدولة تجسيد موضوعي للعقل الأخلاقي، وأن دولة الاستبداد المتنوّر البروسية هي قمة تطور العقل الأخلاقي. وانطلق نقده من أن الدولة يجب أن تكون أداة في يد البشر، لا العكس، ولا يمكن أن تكون الدولة أداة في يد البشر في مجتمع ما من دون الديمقراطية، وكان لا يزال حينئذٍ يقصد الديمقراطية التي جاءت بها الثورة الفرنسية. وبحكم استخدامه تعابير الفلسفة الهيغليّة في تلك المرحلة المبكرة من إنتاجه، وتعريفه للدولة بوصفها ممثلًا لمجمل المصالح الاجتماعية والمجتمع، رأى أن الدولة غير الديمقراطية جسم غريب بالنسبة إلى المجتمع.

أما لاحقًا، في مقالتيه في الحوليات الألمانية الفرنسية، فقد رأى أن الصراع على الديمقراطية لا يكون على مستوى العلاقات السياسية وحدها، ولا على مستوى المواطنة، فمن الممكن تحقيق المساواة الحقوقية القانونية على مستوى الدولة، في حين يظلّ الإنسان عبدًا على مستوى المجتمع المدني. والمقصود به عند هيغل وماركس هو المجتمع البرجوازي القائم على علاقات التبادل بين الأفراد في اقتصاد السوق على أساس المصالح. لقد أخذ هيغل مفهوم المجتمع المدني عن مفكري التنوير الإسكتلندي مثل آدم سميث وآدم فيرغسون (Adam Ferguson، 1723-1816)، وأيضًا الإنكليزي جيمس مِل. ويشمل المفهوم افتراض وجود أفراد أحرار قادرين على التعاقد والتبادل (التجاري) باستقلال عن سلطة الدولة، تعبيرًا عن الاعتماد المتبادل الناجم عن تقسيم للعمل.

وفي سياق التفكير بالمجتمع البرجوازي، لاحظ هيغل العلاقة بين ازدياد الثروة وازدياد الفقر في الوقت ذاته، وإفقار الآلة للعامل ماديًا وروحيًا، ومن ثم الحاجة إلى تدخل الدولة لضمان رفاه المجتمع، مشيدًا بالنموذج البروسي الألماني في مقابل النموذج الإنكليزي[17]. تتوسط الدولة عنده في صراعات المجتمع المدني، مجسّدةً الصالح العام موضوعيًا، وهي ليست ناجمة عن مجرد تقاطع إرادات البشر، بل هي فضاء عمومي واعٍ لنفسه من خلال البيروقراطية، باعتبارها طبقة كونية لا تمثل مصالح جزئية.

في مخطوطة نقده الأولي لفلسفة هيغل في القانون المذكورة آنفًا، تظهر الديمقراطية في صيغة الجمهورية أولًا، ونموذجها الولايات المتحدة، وهي حالة متقدمة من السلطة البرجوازية، وتتميّز بالفصل بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية. ولكن هذه الديمقراطية ليست حقيقية، أو غير مكتملة في أفضل الحالات، لأنها تقتصر على ما يسميه "الدولة المجردة"، ولا تطاول "الدولة المادية"، أي المجتمع المدني أو المجتمع البرجوازي بلغته، فلا تتحقق المساواة إذا لم تخترق النظام الاجتماعي والاقتصادي القائم على استغلال الإنسان للإنسان[18].

تتوقف الديمقراطية عن أن تكون مُجرّد دستور سياسي عندما تطبَّق أيضًا على مستوى الاقتصاد والمجتمع المدني. فالديمقراطية الحقة هي الديمقراطية الاقتصادية في مقابل إرغاميّة "يد السوق الخفية" للإنسان، التي تبدو للإنسان في المجتمع الرأسمالي وكأنها قوة طبيعية خارجة عن إرادته. ويصف ماركس العلاقات السائدة في السوق الرأسمالي في مقال "المسألة اليهودية"[19]، مستعيرًا تعابير توماس هوبس (Thomas Hobbes، 1588-1679)، بحرب "الكل ضد الكل" (وباللاتينية: bellum omnium contra omnis)، وهو أساس التصورات السائدة للإنسان والمجتمع في الفكر الحديث. فالكائن الحقيقي ليس الدولة، ولا السوق وقوانينه، بل هو الإنسان في واقعه الحياتي الذي يخضع للاستغلال الاقتصادي في الحياة اليومية، والذي ينتقل من الاندماج المنسجم في الجماعة (على حساب فرديته) في مرحلة ما قبل الرأسمالية إلى تناقض فرديته مع الآخرين في المجتمع المدني. وفي ظل النظام الرأسمالي، ثمة تمايز بين المواطن المتمتع بالحقوق القانونية والإنسان المستغل في الاقتصاد. ولم تعرف الجماعات الأهلية في العصر الوسيط مثل هذا الانفصام، لأن الطبقات كانت اقتصادية اجتماعية سياسية قبل أن تتمايز هذه المجالات.

يجدر الانتباه إلى أن شيوعيته في تلك المرحلة المبكرة، خلافًا لليوتوبيات الشيوعية الدينية وغير الدينية من العصر الوسيط وعصر النهضة، وخلافًا لتصورات الشيوعية اللاحقة في ظل حكم الأحزاب الشيوعية، لم تتضمن إلغاء الفرد وذوبانه في الجماعة، بل تضمنت تحريره. تعني الملكية الخاصّة تأكيد الأفراد ذواتهم ضد الآخرين، وإلغاؤها لا يلغي تأكيد الأفراد لذواتهم، بل إلغاء الصراع مع الآخرين. ويقوم المجتمع الشيوعي عنده على العلاقات بين أفراد أحرار، تحرروا من قيود الاستغلال وتشيؤ العلاقات الاجتماعية، ويسعون إلى التحرر من قيود الطبيعة أيضًا.

يُكرر ماركس النقاش نفسه مع الهيغليين الشباب في مقال المسألة اليهودية، وتحديدًا مع صديقه وأستاذه برونو باور، أبرزهم في تلك المرحلةأيضا. كان باور مُكتفيًا بتحقيق المساواة القانونية وتحرير الدولة من الدين، بوصفهما الحل للمسألة اليهودية. وكان ماركس قد تأثر بشدة بنقد باور للدين، مثلما تأثر بكتاب ديڤيد شتراوس (David Friedrich Strauss، 1808-1874) حياة يسوع مدروسة نقديًا (Das Leben Jesu, kritisch bearbeitet) (1836). ولكن ماركس واصل تطوره الفكري ولم يتوقف عند نقد الدين، فاعتبر أن حل المسألة اليهودية في أوروبا لا يكون بتخلي الدولة عن دين الدولة وتخلي اليهود عن تعريفهم الذاتي بوصفهم جماعةً دينيةً فحسب، فهذا يقود إلى تحررهم باعتبارهم مواطنين مع بقاء استغلال المواطنين بصفتهم بشرًا، بسبب استمرار المجتمع الطبقي. لا يتحرر المواطن فعلًا من دون تحرير الإنسان، وهو ما يعني أن الديمقراطية في النهاية يجب تحقيقها لا على المستوى السياسي فحسب، بل أيضًا على المستوى الاجتماعي. كذلك إن تحرر اليهود غير ممكن من دون تخلّص أوروبا من يهوديتها (واليهودية هنا هي استعارة لرأس المال وسيطرة المال على العلاقات الاجتماعية). ويكتب ماركس في مقالته: "إن المال هو إله إسرائيل الغيور الذي لا يحب أن يبقى أمامه أي إله آخر [...] ما هو المعنى الدنيوي لليهودية؟ إنه الحاجة العملية والنفع الشخصي. ما هي العبادة الدنيوية لليهودية؟ إنها التجارة. ما هو إلهها الدنيوي؟ إنه المال"[20]. ومن ثم فإن التحرر من المسألة اليهودية يتطلب تحرر أوروبا من رأس المال، ويصيغ ماركس فكرته هذه مستخدمًا استعارة "تحرر أوروبا من يهوديتها"، أي من نظامها الرأسمالي[21].

ظل باور صديقًا لماركس، لكنه رفض أفكاره الشيوعية محذرًا من أنها تقود إلى دولة شاملة تحكم كل شيء، وتخضِعُ كل شيء للمساواة المطلقة، دولة شمولية بمصطلحات عصرنا[22].

المخطوطات الاقتصادية والفلسفية (مخطوطات باريس 1844) ونظرية اغتراب العمل

كتب ماركس في المخطوطات الاقتصادية والفلسفية التي تسمى أيضًا "مخطوطات باريس" أن فكر فويرباخ يستحق أن يُعدّ ثورة فلسفية إلى جانب فينومينولوجيا الروح وعلم المنطق لهيغل[23]. لقد انطلق من مادية فويرباخ الإنسانية (الأنثروبولوجية) لفهم الإنسان، وهو في ماهيته نوع إنساني (menschliche Gattung ,Human species)؛ بمعنى أن الإنسان يدرك كونه إنسانًا، ويتعامل مع ذاته على هذا الأساس، ومن ثم فهو في جوهره كائن حر؛ وكأن ماركس الشاب يقول إن جوهر الإنسان هو الإنسانية الواعية لذاتها. "البشر هم كائنات النوع ليس فقط لأنهم في الممارسة والنظرية يتبنون النوع باعتباره موضوعهم (object)[...]، وإنما أيضًا لأنهم يعاملون أنفسهم باعتبارهم نوعًا حيَّا فعليًّا. [...] يتساوى الحيوان مع نشاطه الحياتي ولا يُميّز نفسه عنه [...]، أما البشر فيجعلون نشاطهم الحياتي ذاته موضوعًا لإرادتهم ولوعيهم"[24]. يتميز الإنسان عن بقية المخلوقات بأن تفاعله مع الطبيعة يكون عن طريق العمل. ويؤدي العمل في ظروف الملكية الخاصة إلى اغتراب الإنسان عن جوهره الاجتماعي. الإنسان كائن اجتماعي، وحين يتفرّد فإنه يتفرّد في المجتمع. أما الإنسان الذي يحتل مكانة مركزية في فلسفة فويرباخ، فهو تجريد يعكس رؤية الإنسان الفرد في المجتمع البرجوازي.

يقصد ماركس أن البشر لا ينتمون فقط إلى النوع البشري، بل هم ذوات. إنهم يصنعونه ويجعلونه موضوعًا لتفكيرهم وفعلهم، فالإنسان يعي عمله، وعلاقته بعمله علاقةٌ أداتية، ولذلك فإن فاعليته حرة، بمعنى غير خاضعة للغريزة الطبيعية. ففعل الحيوان غريزي لسدّ حاجاته المباشرة، أما عمل الإنسان فليس بالضرورة لسدّ حاجة مباشرة. ويمكن في ظروف اجتماعية معينة، مثل تقسيم العمل وتبادل منتجاته التي تبلغ قمّتها في العمل المأجور في ظل الرأسمالية، أن يحوّل العمل المغترب الإنسان إلى أداة، فيصبح جوهره الإنساني أداة وجودِه الشخصي[25]. بعد عقدين، كتب ماركس في المجلد الأول من كتاب رأس المال أن "العنكبوت يدير عملياته التي تشبه عمل النسّاج، والنحلة تحرج أي معماري في بناء خلاياها. لكن ما يُميّز أسوأ معماري عن أفضل نحلة هو أن المعماري يُشيّد معماره في الخيال قبل أن يُشيّده في الواقع"[26]. وجاء في الأيديولوجيا الألمانية أن "إشباع الحاجة الأولى [...] يقود إلى حاجات جديدة، وإنتاج هذه الحاجات الجديدة هو الفعل التاريخي الأول"[27]. والناس بهذا المعنى ينتجون النوع البشري، بأنهم يتغيرون ويغيرون أنفسهم بإنتاج حاجات جديدة[28]. تتغير شخصية الإنسان مع تغير طرق إنتاج ما يحتاج إليه البشر للعيش، مثل التكنولوجيات الجديدة التي تظهر من جديد والحاجات الجديدة التي تظهر بعد سدّ الحاجات.

الإنسان كائن اجتماعي يعمل لكي يعيش، وكلا الأمرين (الاجتماعية والعمل) يتضمنان الوعي. أما اعتبار أن الفردية والتعاقد والتبادل صفات الإنسان الطبيعية، فهي تجريدات الاقتصاد السياسي بوصفه علمًا برجوازيًا. لقد نفى ماركس وإنغلز وجود طبيعة ثابتة للإنسان تتجاوز ما يجمع البشر من صفات إنسانية عامة (العمل، الوعي). ومن هذا المنظور، كانت صورة الإنسان في كتابات متنوّري القرن الثامن عشر، من هوبس إلى جون لوك (John Locke، 1632-1704) وروسو وغيرهم، إسقاطًا لتصوّر للإنسان البرجوازي على الحالة الطبيعية.

اعتمد عديد من الماركسيين لاحقًا على هذه المخطوطات بسبب مركزية الإنسان فيها؛ عادوا إليها لتبيين أن تصوّر ماركس للشيوعية لم يُشبه النظام الشيوعي الذي قام في روسيا ولاحقًا في شرق أوروبا، إذ يتجلى فيها الصراع بين سعي الإنسان إلى الحرية التي تعني أيضًا تحقيق الإنسان للنوع الإنساني الذي يشكل جوهره من جهة، واغتراب العمل الذي يحوّل الإنسان إلى أداة من جهة أخرى.

كذلك تظهر المخطوطات نفور مؤلفها الحداثوي النقدي من التصورات الرومانسية لما سمّاه الشيوعية الفظة، التي تعني إلغاء اللامساواة بالعودة إلى المشاعية البدائية في الجماعة ما قبل نشوء الطبقات، أي إلى مساواة الحد الأدنى في ظروف من تدني الدخل والفقر وإلغاء الملكية الخاصة، مع نفي إنجازات النظم السابقة التي قامت على الملكية الخاصة - العلم والحضارة والثقافة. إن العودة إلى الشيوعية البدائية غير ممكنة لأنها عودة إلى الماضي. أما الانتقال إلى الشيوعية الذي تطلّع إليه ماركس فممكن، لأن النظام الرأسمالي ألغى الملكية الخاصة للغالبية الساحقة وحصرها في فئة صغيرة من المجتمع، ولأن تطور قوى الإنتاج فيه أوجد الوفرة اللازمة لتحقيق المساواة في الرفاهية، لا المساواة في الفقر. هذا النفي للملكية الخاصة هو نفي جدلي وفقًا للمنطق الهيغلي (أي نفي يتبعه نفي للنفي، هكذا يُتجاوز التناقض، بحيث يعاد إنتاج المقولة وهي أكثر تركيبًا، وهذا يعني أكثر تطورًا، باحتوائها على عناصر من المقولة ومن نفيها، من الظاهرة التي تعبر المقولة عنها ونقائضها)[29].

الشيوعية هي نفي جدلي للملكية الخاصة، وتجاوز لاغتراب الإنسان عن ذاته إلى تَملّك الإنسان جوهره الإنساني وعودته الكاملة والواعية إلى ذاته بوصفه إنسانًا يتملك منجزات الحقب السابقة وثرواتها، ولا سيما الرأسمالية التي طوّرت قوى الإنتاج على نحو غير مسبوق. تعني الشيوعية طبيعة الإنسان المتحققة، وهي الحل الحقيقي للصراع بين الإنسان والطبيعة، والوجود والجوهر، والتشيّؤ والتحقيق الذاتي، والفرد والنوع الإنساني. إنها بلغته "اللغز المحلول للتاريخ"[30]. يَدلّ هذا الاقتباس على أنه في خضم دراسته لعلم الاقتصاد، في أثناء إقامته في باريس، لم يتخلص ماركس الشاب من لغة هيغل الفلسفية، وأن الشيوعية في نظره هي مثال يتطلع إليه، وتتحقق فيه الحرية والمساواة والانسجام بين الفرد والمجتمع والمصلحة العامة والخاصة بإلغاء الملكية الخاصة، كما في اليوتوبيات الخلاصية التي حملها مفكرون قبل ماركس، من دون أن يستدلوا عليها بجدلية تاريخية. أما هو، فأرسى الطريق إلى الشيوعية في خطة مفاهيمية جدلية منزرعة في التاريخ. وقد تركت الطوباوية والمثاليات التي تُميّز كتاباته المُبكرة أثرًا بالتأكيد في كتاباته المُتأخرة.

استندت المخطوطات الاقتصادية والفلسفية التي خلَّفها ماركس إلى ثقافته الفلسفية من جهة، وإلى أدبيات الاقتصاد الفرنسية والإنكليزية تحديدًا من جهة أخرى. فكتب فيها عن تحويل الاشتراكية من خطة إصلاح اجتماعي إلى فكرة عالمية من منظور عالمي يجمع بين الفلسفة والاقتصاد. كانت هذه بداية المشروع الذي عمل ماركس على كتابته على نحو متقطع طوال حياته، وتَمَثَّل أخيرًا في صيغته الأخيرة في كتاب رأس المال. ويتضح من المخطوطة الأولى للكتاب الغروندرِسِه Grundrisse أنه عاد إلى "مخطوطات باريس" واستفاد من تلخيص أدبيات الاقتصاد السياسي فيها.

في مخطوطاته الباريسية هذه، حلّ العمل محلّ الفكرة في فلسفة هيغل، فاستُبدل بالعمل الإنساني في الإنتاج "عمل" الفكرة في التاريخ، واستبدل باغتراب العمل اغتراب الفكرة. العالم الموضوعي عند هيغل هو اغتراب للوعي الذاتيّ، ولذلك فإذا شِئنا أن نستخدم مصطلح العمل في فلسفة هيغل، يكون العمل عنده هو العمل العقلي أو الروحي[31] الذي يتجسد في كل ما هو قابل للفهم بأدوات العقل إلى أن يعود إلى ذاته، ويتعرف إليها في الفلسفة.

أسس ماركس نظرته إلى الإنسانية على العمل بوصفه عملية تبادل مع الطبيعة بعد قراءته وتبنّيه نقد فويرباخ لهيغل. وهو، خلافًا لديكارت وكانط، لا يبدأ بالوعي الذاتي المستقل، بل بالعلاقة الفاعلة مع الطبيعة. وهي علاقة تفاعل واعٍ، أي ممارسة إنسانية. فقط التجريد يُمكنّنا من تخيّل الإنسان باعتباره كائنًا واعيًا لذاته من جهة، في مقابل الطبيعة من جهة أخرى؛ في حين أن الإنسان نفسه هو طبيعة ووعي في الوقت ذاته، إنه يجمع الأمرين.

لقد أوضحت له قراءة فويرباخ مدى تأملية الحل الهيغلي وتعسّفه، ذلك الحل لمعضلة كانط الفلسفية المتعلقة بحدود المعرفة، واستحالة معرفة ما خلف الظواهر المحسوسة، أو ما سماه "الشيء بذاته"، أي المستقل عن إدراك الحواس بالتجربة. فاعتبر ماركس الشاب أن الأسئلة الإبستيمولوجية التقليدية والأسئلة الفلسفية عن العلاقة بين الوعي ووجود "عالم مادي" مستقل عن الوعي، وأولية أحدهما على الآخر، أسئلة ميتافيزيقية غير مُفيدة. وقد وصفها في مكان آخر بأنها أسئلة لاهوتية، أو "سكولاستية" (scholastic)، في الإشارة إلى لاهوت العصر الوسيط.

والطبيعة عنده هي موضوع للعمل الإنساني، فالإنسان جزء من الطبيعة غير مُنفصل عنها، والوعي الإنساني غير منفصل عن الإنسان. ولا تتبين حقيقة الوعي من خلال التأمل الفلسفي في العلاقة بين الوعي والعالم الخارجي، بل من خلال الممارسة البشرية. ليس الإنسان لديه كائنًا مُجرّدًا ومُدرِكًا غير فاعل لعالم مادي من حوله مستقلّ موضوعيًا عنه، ولا العالم المادي مجرد تجسيد لوعيه الذاتي، فموقفه هنا موجّه ضد المثالية الفلسفية وضد المادية الفلسفية في الوقت ذاته[32]. إنه يدرك، مثل الفلاسفة الماديين، وجود عالم قائم بذاته مستقل عن الوعي، ولكن العلاقة بين الفكر والعالم المسمى العالم المادي ليست مسألة تحديد الفلسفة أولوية أحدهما على الآخر. والغريب هو أن إنغلز في كتاب فويرباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية الذي سبق ذكره، أعاد طرح السؤال عن العلاقة بين الفكر والوجود بوصفه سؤال الفلسفة الأول[33]، مقترحًا الحل الفلسفي المادي إجابةً؛ فكما أن الطبيعة سابقة على وجود الوعي (وهذا صحيح عند فويرباخ وماركس وداروين أيضًا)، فإن المادة (وهي خلافًا للطبيعة مقولة فلسفية) سابقة على الوعي بالمعنى الفلسفي الذي عدّه ماركس مسألة لاهوتية. وعدَّ علاقة الفكر بالعالم الموضوعي القائم خارجه علاقة تفاعلية تتبلور بالممارسة؛ إذ ليس الحل للغز الفلسفة المتعلق بأولوية الوعي أم المادة فلسفيًا، بل هو وظيفة الممارسة[34]. العالم الخارجي هو بالنسبة للإنسان وسيلة لإشباع الحاجات أولًا، قبل أن يكون موضوعًا للتأمل، ويُحدّد الإنسان مصطلحاته عن العالم بناءً على حاجاته المادية. وهي عند ماركس ليست مُجرد انعكاس عن الواقع، كما هو خارج الوعي، بل يمرّ عبر التفاعل الإنساني بدءًا بالحاجات الإنسانية وتلبية هذه الحاجات.

ليس الحديث هنا عن مادية فلسفية من النوع الذي نسبه الماركسيون الدوغمائيون إلى ماركس. ولم يتغير فهم ماركس هذا للتفاعل بين الوعي والواقع في سنوات نضجه، فلم تصبح عنده الأفكار مجرد انعكاس للواقع. هنا تتضح طبيعة مقاربة ماركس، فهي ليست فلسفة مادية بالمعنى الفظ الذي يعدّ الوعي مجرد انعكاس لعالم مادي قائم خارجه. ولذلك أيضًا اعتُبر مضمون هذه المخطوطات عند نشرها في ثلاثينيات القرن العشرين دحضًا لتسطيح الفكر الماركسي في مادية فلسفية، كما عند جوزِف ستالين (Joseph Stalin، 1878-1953) والماركسية المدرسية السوڤياتية.

لقد استفاد ماركس من نقد روبرت أوين تقسيم العمل، وشَدَّد عليه كثيرًا في المخطوطات. وكان آدم سميث، في الكتاب الخامس من ثروة الأمم(The Wealth of Nations) (1776)، قد وصف العامل في ظل تقسيم العمل وتبسيطه في خدمة الآلة في المصانع بالكلمات الآتية: "على أسوأ درجة من الجهل والغباء التي يمكن أن يصلها الكائن الإنساني"[35]. وهذا يعني أن منظري الاقتصادي السياسي الرأسمالي كانوا واعين للثمن الإنساني الرهيب للصناعة وتقسيم العمل الذي أسهب ماركس في وصفه ناقدًا الاقتصاد السياسي.

وبلغة ماركس الشاب الهيغلية، تؤدي الملكية الخاصة وتقسيم العمل إلى اغتراب الإنسان عن جوهره، أي النوع البشري، باغترابه عن طابعه الاجتماعي وعن نتاج عمله. وحين يُصبح العمل ذاته سلعة أو بضاعة من خلال العمل المأجور، يتعمّق اغتراب الإنسان عن ذاته، لأن الإنسان يغترب عن عمله وعن نتائج هذا العمل. وكلَّما أنتج العامل ثروات أكثر، يصبح أفقر في ظل شروط العمل المتدهورة باستمرار. وكُلَّما تَمثّل الطبيعة في ذاته بالعمل، حرم نفسه من شروط الحياة. وبدلًا من أن يكون العمل تحقيقًا للذات يُصبح اغترابًا عنها، فالعامل بأجر لا يعمل ليلبي حاجاته، بل ليظل حيًّا. إنه ليس ذاته خلال العمل، إنما هو غريب عنها. وذاته تصبح موضوعًا للبيع والشراء، فنشاطه الجسديّ ليس له. هذه خلاصة ما يُعدُّ نظرية الاغتراب عند ماركس. وقد أصبح هَمّ ماركس الفكري الكشفَ عن شروط الاغتراب الاجتماعية وكيفية تملّك الإنسان لنفسه من جديد بإلغاء تقسيم العمل والملكية الخاصة وتحقيق سيطرة الإنسان على عمله وعلى نتاج عمله. لا يوجد قطع بين أفكار ماركس الشاب هذه وعمل ماركس اللاحق في نقد علم الاقتصاد السياسي في كتاب رأس المال.

ليس الاغتراب مجرد عملية تخريج أو اختراج (externalization). لقد ساوى هيغل بينهما، لأن الاغتراب عنده هو تموضع ما كان داخل الذات خارجها. لكن ماركس لم يساوِ بينهما، بل يتحدث عن عطب طرأ على علاقة الإنسان مع عمله، أما الاختراج فمقولة عامة وصيرورة لا يمكن تخيّل الحياة من دونها.

تقوم فكرة تحرير الإنسان من الاغتراب على حكم قيمة بشأن ماهية الإنسانية التي يهدف ماركس إلى تحريرها من القيود التي يصنعها الإنسان. الاغتراب نفسه هو مقولة فلسفية استخدمت في تحليل الواقع، ولكنه أيضًا حكم قيمة، فهو في نظر ماركس عملية موضوعية، في الوقت ذاته عطبٌ يطرأ على البشرية، ذلك لأنه يتصوّر حالة بشرية أفضل لا اغتراب فيها[36] في الشيوعية التي يزول فيها تقسيم العمل والملكية الخاصة. إنها يوتوبيا ماركس الشاب القريبة من اليوتوبيات الشيوعية في عصره، التي تزول فيها الملكية الخاصة وكذلك تقسيم العمل.

في كتبه اللاحقة، يتوقف ماركس عن استخدام مفهوم الاغتراب، إذ ينتقل من هذا المفهوم الفلسفي إلى مفهوم اقتصادي هو الاستغلال. ولم تفارقه الجدلية الفلسفية في أعماله الناضجة، وكذلك التطلّع إلى الشيوعية، التي اعتقد أنه يمكن التوصل إليها وإثبات حتميتها بأدوات علمية.

تنتهي المخطوطات الاقتصادية والفلسفية بإحدى عشرة أطروحة عن فويرباخ نشرها إنغلز عام 1888. وقد راجت الأطروحة الحادية عشرة في الأدبيات الماركسية:د "لقد فسّر الفلاسفة حتى الآن العالم، لكن المُهمّة تكمن في تغييره". تمثّل هذه الجملة التحدي الذي يضعه ماركس الشاب أمام الفلسفة، وهو فكّ عزلتها عن العالم، فعليها ألّا تكتفي بالتأمل في الواقع وتفسيره. ولكن تغيير العالم في النهاية لن يكون مهمة الفلسفة، فهذه المهمة تقع خارجها، إذ يجب أن يكون الإنتاج الفكري النقدي جزءًا من الممارسة التحررية اللازمة لتغيير العالم. وفي مقدمة كتابه في نقد الاقتصاد السياسي (1859)، رأى ماركس أن تحليل المجتمع المدني يكون بأدوات نقد الاقتصاد السياسي، ما يعني أنه يجب البحث عن أداة النقد الفكرية في علم الاقتصاد، قبل الأداة العملية، وهي تنظيم البروليتاريا والثورة.

وأكد في أطروحاته عن فويرباخ مرة أخرى على أنه لا يكفي تفسير الدين من خلال إعادته إلى الدنيا بكشف أصوله في الدنيا، كما فعل فويرباخ، بل يجب فهم لماذا يُنتَج، وما الظروف الاجتماعية التي تؤدي إلى إنتاجه، بل وأيضًا الذهاب أبعد من ذلك، بإدراك أن الانسان يخلق الظروف الاجتماعية. وقد قدّمت أطروحته السادسة نقدًا لفويرباخ بأنه يذيب الدين في الجوهر الإنساني. ولكن الجوهر الإنساني، وفقًا لماركس، ليس فكرة مجردة تسكن في الإنسان الفرد، بل هو مجمل علاقاته الاجتماعية[37]. والنقد الحقيقي للدين لا يكون في الفلسفة، بل في تغيير العلاقات الاجتماعية التي أدت إلى نشوء الدين.

كتاب الأيديولوجيا الألمانيّة ونظرية في التطور التاريخي

كتاب الأيديولوجيا الألمانية تتويجٌ لتلك المرحلة من شباب ماركس الفكري ومغادرته لها في الوقت ذاته، وتمهيدٌ لمجمل عمله اللاحق. عن هذا كتب ماركس في عام 1859 في مقدمته الشهيرة لكتاب في نقد الاقتصاد السياسي: "حين تواجد فريدريك إنغلز أيضًا في بروكسل في ربيع 1845، وهو الذي ربطتني به علاقة تبادل أفكار منذ أن نشر مخطوطته العبقرية في نقد المصطلحات الاقتصادية، حيث توصل إلى النتائج نفسها التي توصلتُ إليها بطرق أخرى، قررنا أن نصوغ معًا تناقُضَ رؤيتنا مع الفلسفة الأيديولوجية الألمانية، وتسوية الحساب مع ضميرنا الفلسفي في ذلك الوقت. وجاء النص في صيغة نقد الفلسفة ما بعد الهيغلية. وكانت المخطوطة [...] المؤلفة من مجلدين قد أرسلت إلى دار نشر في ويستفاليا قبل مدة طويلة من تلقينا خبرًا مفاده أن تغير الظروف لا يسمح بطباعتها. فتركنا برغبتنا المخطوطة لنقد الفئران، لأن الهدف الرئيس قد أنجز، وهو التوصل إلى فهمنا الذاتي"[38]. وقد عاد بعض ما كُتِبَ هناك، ولا سيما في الفصل الأول، وظهر في مقدمة كتاب نقد الاقتصاد السياسي آنف الذكر.

إن هدف نص الأيديولوجيا الألمانية (السجالي للغاية، وإن بدرجة أقل من الكتاب السجالي الذي نشراه بعنوان العائلة المقدسة) هو التخلص من الدوران في فلك الفلسفة الألمانية. فقد اعتبر المؤلفان أن مشكلة الهيغليين الشباب هي المراوحة في النقد الفلسفي لفلسفة هيغل، وكرّرا أن النقد يفترض أن ينتقل إلى نقد العلاقات الاجتماعية السائدة[39].

استخدم المؤلفان في الأيديولوجيا الألمانية مفاهيم غير مألوفة لمن اعتاد قراءة مصطلحات الماركسية الجاهزة، مثل "علاقات الحياة"، و"الحياة تحدد الوعي وليس الوعي هو الذي يحدد الحياة"، ولم يستخدما مصطلحات مثل المادية التاريخية، التي استخدمت في صياغة الفكر الماركسي بعد وفاة ماركس. يتميّز الحديث عن علاقات الإنتاج في الأيديولوجيا الألمانية باستخدام مصطلحات علاقات التواصل مع علاقات الإنتاج Produktions- und Verkehrsverhältnissen (تترجم كلمة Verkehr إلى intercourse في الإصدارات الإنكليزية لأعمال ماركس)، وأدوات التواصل (أو التفاعل أو التبادل) الإنساني Verkehrsmittel, مع قوى الإنتاج Produktionskräfte und Verkehrsmittel وأشكال التواصل Verkehrsformen مع أنماط الإنتاج Produktionsformen، ويستخدمان باستمرار تعبيرات مثل "العلاقات بين البشر في عملية إنتاج حيواتهم" عند الحديث عن علاقات الإنتاج. وقد استغنى ماركس في كتاباته اللاحقة عن مفردة التواصل هذه التي ترافق الإنتاج هنا، حيث ذكر مرارًا علاقات التواصل التي "تشترطها" درجة معينة من تطور قوى الإنتاج، أو تتلاءم مع درجة معينة من تطور قوى الإنتاج[40]. ولا يستخدم مفردات مثل "تقرّرها" أو "تحددها".

في هذا الكتاب بدأت صياغة نموذج نظري أساسه وجود بنية تحتية وبنية فوقية للمجتمع، بحيث تشكل الأولى قاعدة للثانية المشروطة بها، والمتلائمة معها. تشمل البنية التحتية علاقات المِلكية التي تقوم بدورها على شكل محدد من تملك الطبيعة (درجة تطور تكنولوجي معينة) من خلال العمل والإنتاج (نمط إنتاج). أما البنية الفوقية، فتشمل العلاقات السياسية والحقوقية السائدة وأنماط الوعي. لكن الفكر الإنساني ليس أسير البنية التحتية، فمنطق تطوره وتناقضاته مختلف عن منطق تطور علاقات التبادل والملكية السائدة. كذلك توصلا في هذا الكتاب إلى استنتاج أن الرأسمالية شرط الشيوعية.

لا يزول نمط الإنتاج السائد في حقبة تاريخية معينة، والمؤلّف من مجمل علاقات الإنتاج والملكية السائدين على مستوى معين، من تطور قوى الإنتاج (أدوات إنتاج الناس لحياتهم المادية) وفقًا لمؤلفَي الأيديولوجيا الألمانية، إلا بعد أن تتطوّر قوى الإنتاج إلى مستوى يتناقض مع قدرة علاقات الإنتاج (علاقات الملكية) السائدة على إتاحة تطورها واحتوائه. فتصبح هذه العلاقات عائقًا أمام تطور قوى الإنتاج[41]. هنا ينشأ وضع "ثوري"، ويصبح على علاقات الملكية أو الإنتاج السائدة أن تخلي المكان لعلاقات إنتاج جديدة تحل محلها، وتتناسب مع درجة تطور قوى الإنتاج. يتبع ذلك تغييرات في البنية الفوقية السياسية والحقوقية والفكرية التي كانت سائدة. والحديث هنا عن مراحل تاريخية كبرى، لا عن تفاعل فوري ومباشر.

لا يوضح ماركس وإنغلز العلاقة الضرورية بين الصراع بين تطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج السائدة من جهة، والصراع الطبقي من جهة أخرى، والحالة الثورية الناشئة موضوعيًا للطبقة التي تتولى القيام بالثورة! ويظلّ الرابط متوقفًا على الأزمات الاقتصادية والإفقار، ومستوى تنظيم الطبقة التي تصبح وظيفتها التاريخية أن تتولى حمل مشعل الثورة. وهي أمور يصعب إضفاء طابع الحتمية والقوانين التاريخية عليها. وقد ظلت موضع نقاش لا ينتهي في ما بات يسمى الماركسية منذ سنوات ماركس الأخيرة. 

إن الانتقال الثوري الأكثر أهمية الذي تابعه كارل ماركس في كتاباته، ولا سيما في كتاب رأس المال بعد أكثر من عقدين ونصف، هو الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية بنشوء قوى الإنتاج (الثورة العلمية والثورة الصناعية والثورة في المواصلات) التي قادت إلى تركيز العمل وتقسيمه على نحو غير معروف من قبل، وانفصال الفلّاح عن الأرض وعن التبعية للإقطاع، وكل ما ترتب على زوال الإقطاع من تغيرات سياسية وثقافية، وحتى قيمية. وقد تبيّنت خصوصية نمط الإنتاج الرأسمالي التاريخية بوضوح من خلال هذا الانتقال من علاقات الإنتاج الزراعية إلى المجتمع الصناعي. ولا تتوقف قوى الإنتاج عن التطور والنمو في ظل علاقات الإنتاج الرأسمالية، إلى أن تُصبح نظامًا سائدًا عالميًا. وهو ما شُرح لاحقًا في البيان الشيوعي الذي كتبه ماركس أيضًا مع فريدريك إنغلز عام 1848.


حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​​يُميّز ماركس وإنغلز في كتاب الأيديولوجيا الألمانية بين ما هو طبيعي/ فطري (naturwüchsig)، وما هو نتاج الحرية، أي الاختيار الإرادي. وتُشكِّل هذه الجدلية بين هذين الأمرين المتعاكسين خلفية لفكر ماركس (العلمي بنزعة خلاصية) في التغلب على العلاقات الاجتماعية المتشيّئة التي تبدو وكأنها معطيات طبيعية، في حين أنها نتاج فعل البشر ويمكن تغييرها، وكذلك فهمه للديمقراطية، إذ إنها في المجتمع الشيوعي تعني إدارة المجتمع لذاته في ظروف من المساواة والحرية، فهكذا تنشأ الديمقراطية الحقيقية. إذ إنه لكي تظهر الديمقراطية الحقيقية يجب أن يعي الناس أن لديهم صالحًا مُشتركًا، وهو الحفاظ على الكل الاجتماعي كُلًا مشتركًا. وسبق أن كتبا في العائلة المقدسة قبل ذلك بعام واحد أن المساواة هي وعي الإنسان بالبشر الآخرين باعتبارهم مساوين لهم. إن المساواة هي تعبير الفرنسي عن وحدة النوع الإنساني ووعي الإنسان الذاتي بإنسانيته. والشيوعية في هذا الكتاب هي نفي النفي، أي إنها فلسفيًا مفهوم إنساني للاجتماع غير المغترب، وليس طريقة مُحدَّدة لإنتاج مجتمع منظم[42].

فيما يتعلق بالدولة، رأى ماركس وإنغلز أن الصراع السياسي ضمن الدولة هو تعبير عن الصراع الطبقي، وفي هذا الصراع تقدم كل طبقة منظمة ذات متحدثين أيديولوجيين باسمها مصالحها على أنها مصالح المجتمع كله. وليست الدولة في هذه المسألة محايدة، ولا هي تجسيد للعقل أو الأخلاق؛ إنها تخدم مصالح الطبقة الحاكمة وتحمي النظام الاجتماعي الاقتصادي القائم. يكمن الصالح العام في الاعتماد المتبادل للأفراد، لكن تقسيم العمل وعلاقات الملكية تُحوِّل الاعتماد المتبادل إلى صراع. جاء في الأيديولوجيا الألمانية أن "نتيجة للصراع بين الخاص/ الجزئي والصالح المشترك، يتَّخِذ الصالح المشترك شكلًا مستقلًا في دولة منفصلة عن الأفراد الحقيقيين والمصالح المشتركة، وتُقدِّم ذاتها في الوقت ذاته بوصفها جماعة وهمية"[43]. يظهر الصالح المشترك، أو الصالح العام، المنفصل عن المصالح الجزئية المتصارعة في المجتمع المدني، في صورة الدولة، "جماعة وهمية" أو متخيّلة (مع وعي الفرق بين الأمرين، من الجدير بالتذكير هنا أن ماركس استخدم هذا التعبير قبل بندكت أندرسن (Benedict Anderson) في كتابه الجماعات المتخيلة بقرن ونصف). ويُضيف ماركس في ملاحظة على مخطوطة الكتاب أن الأفراد ينشدون مصالح جزئية مُعتقدين أنها تلتقي مع الصالح المشترك، لذلك يظهر هذا الصالح المشترك صالحًا جزئيًا، ولكنه فريد، لأنه يُقدّم نفسه على أنه كوني ومستقل عنهم. وحين يدور الصراع بين المصالح الجزئية، فإنه يجري في تعارض مع المصالح المشتركة الحقيقية والوهمية، فيتّخذ القسر والإرغام لحماية المصلحة "الكونية" شكل دولة، وهي جماعتية وهمية (illusorische Gemeischaftlichkeit)[44]. والبديل الذي يُطرح هو العمل والعيش في ظل هذا الصراع بين مصالحهم الخاصة والمصلحة المشتركة الحقيقية، كما في الديمقراطية السياسية. وتختفي الدولة، ومعها مؤسساتها كافة، إذا أصبح الصالح العام خاصًا والصالح الخاص عامًا، كما في المرحلة الشيوعية. وفي هذه الحالة تصبح الديمقراطية نقيضًا للدولة السياسية التي لا يعود ثمة حاجة إليها.

ويعمّم ماركس مفهومه للاغتراب الناجم عن العمل في ظروف تقسيم العمل والملكية الخاصة إلى مجمل العلاقات الاجتماعية، لا إلى الدين فقط كما عند فويرباخ. ولكي يعيد الإنسان سيطرته على العلاقات الاجتماعية، يجب منحه السلطة للسيطرة على نتائج أعماله، وهذا هو أساس أنسنة التاريخ. مُهمّة الشيوعية هي إلغاء تقسيم العمل وإتاحة المجال للإنسان لتطوير قدراته الكامنة، وذلك بالعمل في عدة مجالات، بحيث لا يكون عبدًا لتقسيم العمل.

وكما ورد في "نقد فلسفة القانون"، يكرّر المؤلفان أن الثورات كافة استبدلت حُكم طبقة بأخرى، أما الطبقة العاملة فسوف تُلغي النظام الطبقي بأسره وفقًا لمخطوطة الأيديولوجيا الألمانية. لا يهدف ماركس، كما يقول، إلى نشوء حالة تحل فيها أيديولوجيا صائبة محل أخرى خاطئة؛ يغني عن ذلك وعي الإنسان بشروط حياته والتخلص من الاغتراب ومن الوهم بأن الفكر يمكن أن يكون شيئًا آخر غير التعبير عن الحالة الحياتية.

وقد وضع ماركس وإنغلز تعريفًا غير مألوف للشيوعية في هذا الكتاب: "ليست الشيوعية بالنسبة لنا حالة ينبغي صنعها، ولا مثالًا أعلى ينبغي على الواقع أن يتجه نحوه. فنحن نسمي شيوعية تلك الحركة الواقعية التي تنفي الحالة الراهنة نفيًا جدليًا"[45]. وبعد عدة فصول من الكتاب، يوردان وصفًا مختلفًا تمامًا للشيوعية: "وفي المجتمع الشيوعي، حيث لا يكون لكل فرد مجال نشاط حصري، بل يستطيع أن يكتسب المهارة في المجال الذي يعجبه، ينظم المجتمع الإنتاج العام، وهو ما يمنحني الإمكانية لنشاط ما اليوم، ونشاط آخر، كالقنص صباحًا، وصيد السمك بعد الظهر، وتربية الحيوانات مساءً، والنقد بعد العشاء، بحسب رغبتي، من دون أن أصبح صيادًا أو ناقدًا"، ولهذا السبب "لن يكون في المجتمع الشيوعي رسامون، بل على الأكثر أناس يرسمون من بين أشياء أخرى"[46]. والغريب أنه ينتقل من جملة بعيدة عن اليوتوبيا مثل أن "الشيوعية ليست حالة، بل حركة التاريخ الواقعية" التي سبق أن وردت في العائلة المقدسة، وترد في البيان الشيوعي، إلى وصف يوتوبي متطرف. تحافظ الشيوعية عنده على دلالات إلغاء تقسيم العمل والمؤسسات السياسية بما فيها الدولة. وهكذا في الأيديولوجيا الألمانية، وكذلك عند ماركس الناضج عمومًا.

أما حديثه عن المجتمع الشيوعي حيث ينتهي تقسيم العمل ويمارس الإنسان أعماله من دون أن يتخصص به، مثلًا أن يرسم من دون أن يصبح رسامًا، أو أن يعمل في النهار ويصبح ناقدًا أدبيًا في المساء (وكلام مقترض من فورييه من هذا النوع) فقد تخلى عنه ماركس في مرحلة تأليف رأس المال. وكتب في الغروندرسه أن العمل ليس تسلية كما يعبّر فورييه في مصطلح العمل الجذاب (travail attractif). لقد أصبح العمل الجذاب يعني عند ماركس الذي تجاوز مرحلة الشباب تحقيق الفرد لذاته، ولا يعني أن يصبح العمل لعبة، كما يرغب فورييه[47]. فتبدأ عنده حرية العامل بتقليص ساعات العمل وإتاحة وقت فراغ أكبر للإنسان. ونجد في المجلد الثالث من كتاب رأس المال بوضوح أن الهدف هو تقصير مدة العمل بحيث تبدأ مملكة الحرية حين يتوقف العمل المحكوم بالضرورة والحاجات، ويصبح الهدف من استغلال التكنولوجيا القائمة زيادة رفاهية العامل، لا زيادة ربح الرأسمالي[48].

في مقابل التحليل البنيوي الجريء لعملية التطور التاريخي، والعلاقة بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، والعلاقة بين الأخيرة والبنية الطبقية للمجتمعات، وجدلية البنى التحتية والفوقية، التي تظل كلها نظريات علمية تفسيرية، ظل هذا الانتقال من الرأسمالية المتطورة إلى الاشتراكية والشيوعية غير خاضع لتفكير علمي، بل لنهج تفكير لا يكفي وصف "ثوري" للإحاطة بجانبه غير العلمي، أو الأيديولوجي، بل لا بد من إضافة أن فيه جانبًا خلاصيًا.

ما يُميِّز البشر عن الوحوش وفقًا لماركس وإنغلز في كتاب الأيديولوجيا الألمانية هو ليس التفكير بدايةً، بل صنع الأدوات وحاجة الإنسان للعمل، أي إنه يصنع شروط حياته المادية، ويتطور دماغه وفكره بوساطة التبادل مع الطبيعة لحاجة الإنسان لإنتاج شروط حياته. فضلًا عن ذلك، إن تطور قوى الإنتاج يشترط نوع تقسيم العمل، وتتلاءم معه أشكال المِلكية وعلاقات التبادل بين البشر. وبعد تقسيم العمل إلى جسدي وفكري، يصبح الوعي قادرًا على تصوّر نفسه مختلفًا عن وعيه العملي، وقادرًا على التفكير بالتفكير، ويبدأ بإنتاج أشكال من النشاط الفكري مثل الفلسفة واللاهوت وعلم الأخلاق وغيرها. وكذلك تنشأ فكرة الأيديولوجيا بما في ذلك فكرة الإنسانية ذاتها واشتقاق العلاقات الإنسانية منها كما فعل هيغل. ليس للأيديولوجيا تاريخ خاص بها، فهي تتبع شروط الحياة المادية التي تُنتجها، و"ليس الوعي هو الذي يحدد الحياة، بل الحياة تحدد الوعي". والوعي ليس وعيًا ذاتيًا مطلقًا ولا تجريدًا، وإنما هو دائمًا وعي أفراد[49].

يتضمن كتاب الأيديولوجيا الألمانية نقاشًا مهمًا مع ماكس شتيرنر (Max Stirner، 1806-1856)، أحد الهيغليين الشباب، الذي ينتقد الفكرة الكونية عند هيغل وتحويل الإنسان إلى أداة لها، وينتقد كذلك الفكرة الإنسانية عند فويرباخ التي تعتبر الفرد تجسيدًا للإنسانية، مؤكدًا على الفرد الفريد المتميز الذي لا يمكن اختزاله إلى الإنسانية، وأن وعي الفرد وجوده هو معنى الوجود. بهذا المعنى يمكن عد شتيرنر سابقًا على الفلسفة الوجودية (مع أن الوجوديين لا يذكرونه)، واعتبار سجال ماركس وإنغلز ضده نقاشًا مبكرًا مع الفلسفة الوجودية. بدايات الوجودية عند شتيرنر في رفض إخضاع الفرد ووعيه الذاتي إلى موجودات غير شخصية أو وجود غير شخصي. وتحرير الإنسان يكون بالتأكيد على الشخصية الفردية، وفي محل الإنسان يضع شتيرنر الأنا ego (ما يدفع المرء للتساؤل هل قرأ نيتشه ما كتبه شتيرنر؟). يتفق ماركس مع شتيرنر بأنه لا توجد إنسانيّة، بل أفراد، ولكنه يرى أن تفرد الفرد الذي يتحدث عنه شتيرنر هو نفسه نتاج صيرورة تاريخية، وأنه في فرديته لا ينفصل عن علاقاته الاجتماعية.

لا يهاجم ماركس شتيرنر من منطلقات هيغلية بالدفاع عن فكرة الإنسانية أو من منطلقات فويرباخية بالدفاع عن تجسد الإنسانية في الفرد، بل بالتأكيد على الفردية الحقيقية التي تحتفظ بفرادتها في الجماعة، وأن الفرد لا يتحرر بإدارة ظهره للواقع، والاهتمام فقط بذاته وبوعيه الذاتي، بل يتحرر بالتحرر الاجتماعي. فالانعزال الوجودي من منظوره هو عجز وتقاعس وقبول بالواقع. وهي مقولة تصح في مناقشة الفلسفة الوجودية عمومًا.

تضمنت مخطوطة الأيديولوجيا الألمانية تشديدًا على الفاعليّة الإنسانيّة مقارنة بكتاباته اللاحقة، وصرامة أقل في التقسيم بين ما أصبح يسمى البنية التحتية والبنية الفوقيّة للمجتمع. إنه أقل تبسيطًا من المقطع الذي تضمن الحديث عن العلاقة بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج والبنية الفوقية للمجتمع في مقدمة كتاب في نقد الاقتصاد السياسي من العام 1859. ففي كتاب الأيديولوجيا الألمانية تبدو هذه الفكرة البنيوية (structuralist) فرضية تفسيرية تُسهِم في فهم حركة التاريخ وتطوّر المجتمعات بوصفها انتقالًا من نمط إنتاج إلى آخر ومن شكل تواصل أو تفاعل (Vekehrsform) بين البشر إلى شكل آخر، في حين تبدو في مقدمة كتاب في نقد الاقتصاد السياسي وكأنها قوانين. وأصبحت في لدن الماركسية الأرثوذوكسية "قوانين المادية التاريخية".

الفهم المادي للتاريخ (أو ما يسمى المادية التاريخية) بعد الأيديولوجيا الألمانية

في المراحل التي تلت كتابة الأيديولوجيا الألمانية توقف ماركس عن الكتابة بهذه اللغة التي يمكن اعتبارها أنثروبولوجية أو إنسانية مُتعلّقة بعودة الفرد إلى جوهره وتملّكه لجوهره، وذلك لصالح التركيز على تحليل للظروف الاجتماعية. هنا يُسأل السؤال: هل وقع قطع بين ماركس الشاب والناضج بعد الأيديولوجيا الألمانية، أو للدقة بعد البيان الشيوعي، وصولًا إلى مرحلة كتابته ـرأس المال؟ ليس في تطوره الفكري فصل أو انقطاع. فهدف التنظير العلمي الاقتصادي والاجتماعي الذي بدأ يتبلور في الأيديولوجيا الألمانية ووصل إلى قمته في كتاب رأس المال هو في النهاية خدمة قضية المجتمع الخالي من الاغتراب والاستغلال. ففكرة إلغاء المجتمع الطبقي بثورة الطبقة العاملة تستحوذ عليه، والأعمال الاقتصادية اللاحقة محاولة لإرسائها على أساس متين.

منذ تلك المرحلة، عكف ماركس على دراسة كتب الاقتصاد المتوفرة بالفرنسية والإنكليزية وذلك لفهم آليات عمل الاقتصاد الرأسمالي تحديدًا، مشددًا على تميز هذا الاقتصاد السلعي عما سبقه، ونظرية القيمة الفائضة، وطبيعة أزماته الدورية، ونشوء الاحتكارات وضرورة زواله.

وقبل أن يصدر رأس المال، نشر بعض المقالات من نتائج دراسته، أهمها كتاب في نقد الاقتصاد السياسي الذي نشره عام 1859، والذي أصبحت مقدمته مصدرًا لما بات يسمى لاحقًا بالمادية التاريخية، أو الفهم المادي للتاريخ. ونقتبس هنا مقطعًا طويلًا من المقدمة لأهمية هذا المقطع ومركزيته في ما أصبح يسمى الماركسية:

"في إنتاجهم الاجتماعي لحياتهم، يدخل البشر في علاقات محددة، ضرورية ومستقلة عن إرادتهم؛ هي علاقات إنتاج تتناسب مع درجة معينة من تطور قواهم الإنتاجية المادية. ويشكل مجموع علاقات الإنتاج هذه البنيان الاقتصادي للمجتمع، الأساس الحقيقي الذي يقوم فوقه مبنى فوقي قانوني وسياسي، وتتوافق معه أشكال معينة من الوعي الاجتماعي. فنمط إنتاج الحياة المادية يحدد العمليات الاجتماعية والسياسية والحياة الثقافية بوجه عام. ليس وعي الناس هو الذي يحدد (bestimmt, determines) وجودهم، ولكن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم.

وفي مرحلة معينة من تطورها، تدخل قوى المجتمع الإنتاجية المادية في صراع مع علاقات الإنتاج القائمة، أو، بالتعبير القانوني، مع علاقات الملكية التي كانت تعمل من داخلها حتى ذلك الوقت. فتتغير هذه العلاقات من أشكال لتطور القوى الإنتاجية إلى قيود لها. عند ذلك تحل حقبة من الثورة الاجتماعية. فتعديل القاعدة الاقتصادية يجر في أعقابه تحولًا متفاوت السرعة للمبنى الفوقي كله. وعند ملاحظة التحولات من هذا النوع يجب دائمًا أن نميز بين التحول المادي للشروط الاقتصادية للإنتاج، والتي يمكن تقديرها بدقة عالية كما في العلوم الطبيعية، وبين الأشكال القانونية والسياسية والدينية والجمالية والفلسفية أو بكلمة واحدة الأشكال الأيديولوجية التي يدرك الناس في ظلها هذا الصراع ويخوضونه. وكما أنّ رأيَنا بفردٍ لا يقوم على كيفية تفكيره بذاته (ما يراه هو عن نفسه)، فإننا لا نحكم على حقبة مشابهة من التحولات بناء على وعيها بذاتها؛ بل بالعكس يجب تفسير هذا الوعي بناء على تناقضات الحياة المادية، بناء على الصراع بين قوى الإنتاج الاجتماعية وعلاقات الإنتاج. لا يختفي نظام اجتماعي قبل أن تتطور قوى الإنتاج التي يتسع لها المجال، ولا تظهر علاقات إنتاج جديدة قبل أن تنضج ظروف وجودها المادية في رحم المجتمع القديم. ولذلك لا تكلف البشرية نفسها إلا بمهام تستطيع تحقيقها. ولو نظرنا إلى المسألة عن كثب، لاكتشفنا دائمًا أن المهمة لا تظهر إلا إذا كانت الظروف المادية اللازمة لحلها قائمة أو في سبيل التكون على الأقل. وبالخطوط العريضة نستطيع أن نسمي أنماط الإنتاج الآسيوية، والقديمة (ancient)، والإقطاعية، والبرجوازية الحديثة بوصفها [حقبًا] في عملية التقدم في التشكيل الاقتصادي للمجتمع. وتشكِّل علاقات الإنتاج البرجوازية الشكل المتناقض الأخير من عملية الإنتاج الاجتماعي؛ ولكن ليس بالمعنى الفردي للتناقض، بل بمعنى الانبعاث من الشروط الاجتماعية لحياة لأفراد. في الوقت ذاته، فإن القوى الإنتاجية التي تنشأ في رحم المجتمع البورجوازي تخلق الشروط المادية اللازمة لحل هذا التناقض، ومن ثم، فإن هذا التكوين (التشكل) الاجتماعي يمثل الفصل الأخير في عصر ما قبل التاريخ للمجتمع البشري[50]".

يوجز هذا النص نظرية ماركس في التاريخ. وفي حالة التعامل معها جديًا، أي بتأكيد صفة العلم عليها باعتبارها نموذجًا نظريًا تفسيريًا متماسكًا، وعدم نزعها عنها باعتبار أنها نوعٌ من الفلسفة التاريخية. يمكن مع ذلك تشخيص ثلاث معضلات على الأقل: الأولى هي شبهة النزعة الاختزالية الناجمة عن التصور المبسط لمسألة البنية التحتية والفوقية، وفي عد البنى السياسية والحقوقية، والوعي الإنساني بأشكاله كافة، متغيرًا تابعًا للاقتصاد. وقد دار نقاش طويل بين الماركسيين بشأن هذا الموضوع، ولا يُعتقد أنه وصل إلى نتيجة.

لقد أنكر إنغلز أن ماركس تبنّى حتمية اقتصادية أو مقاربة واختزالًا للوعي في مناسبتين على الأقل: في رسالته إلى كونراد شميت (Conrad Schmidt، 1863-1932) من 5 آب/ أغسطس 1890 حيث يقول: "مع أن نمط الوجود المادي هو الفاعل الأوليّ، فإن هذا لا يستثني المجالات الأيديولوجية من التأثير عليها مع أن هذا التأثير ثانوي"، محذرًا من استغلال الفهم المادي للتاريخ لإهمال دراسة التاريخ، وتأثير هذه العناصر فيه[51]؛ وفي رسالة أخرى إلى جوزف بلوخ من 21 أيلول/ سبتمبر 1890، وجاء فيها أنه "بموجب الفهم المادي للتاريخ، فإن العنصر التاريخي المُحَدِّد في نهاية المطاف هو إنتاج الحياة المادية وإعادة إنتاجها. لا ماركس ولا أنا قال أكثر من ذلك. وإذا ما قام أحد بتحريف هذا الموقف بجعل العامل الاقتصادي هو المقرر الوحيد، فإنه بذلك يحوله إلى جملة فارغة مجردة حمقاء". ويضيف إنغلز: "ماركس وأنا، نتحمل جزئيًا مسؤولية كون الشباب يعطون الجانب الاقتصادي وزنًا أكبر مما يجب. ففي مواجهتنا لخصومنا، كان علينا أن نؤكد المبدأ الأساسي الذي ينكرونه، وفي هذه الحال لم نجد دائمًا الوقت والموضع والظرف الذي يتيح لنا إعطاء العوامل الأخرى التي تشترك في الفعل المتبادل مكانها. ولكن ما إن كان علينا أن نقدم قطعة تاريخ حية، أي أن ننتقل إلى التطبيق العملي، حتى كان الأمر يتبدل ولا يبقى مجال للخطأ"[52]، وبكلمات أخرى إن أي تحليل أجراه ماركس وإنغلز لحالات تاريخية عينية يظهر زيف الادعاء بأنهما عدّا الجانب الاقتصادي المقرر الوحيد. والنموذج الأفضل لذلك هو كتب ماركس ومقالاته عن الأوضاع في فرنسا، ولا سيما كتابه (سلسة مقالات) الثامن عشر من برومير لويس بونابرت حيث حل السياسة بذاتها، ودور الفرد في السياسة، قبل أن يربطها بالطبقات والصراع الطبقي. وقد اشتهرت مقولته في ذلك الكتاب: "يصنع البشر تاريخهم الخاص. لكنهم لا يصنعونه من أجزاء منتقاة على هواهم، ولا في ظروف يختارونها، بل في ظروف قائمة معطاة سلفا."[53]. في رسالة إلى شميت بتاريخ 27 تشرين الأول/ أكتوبر 1890، كتب إنغلز متطرقًا إلى شخص ثالث (بول بارث) أنه "إذا كان يعتقد أننا نُنكر دور السياسة والأيديولوجيا وتأثيرها التفاعلي على الاقتصاد فهو يحارب طواحين هواء"[54].

 وقد يعني القول بتحديد القاعدة الاقتصادية للبنية الفوقية في نهاية المطاف فقط (in letzter Instanz بالألمانية، و in the last Resort بالإنكليزية) أن التحديد يكون على مستوى الحقب التاريخية الكبرى، لا تحديد كل تفصيل في أي فترة. لقد حاول إنغلز بذلك أن يخفف من قطعية الحتمية الاقتصادية، وتأكيد علاقة التبادل بين "البنية التحتية" و"البنية الفوقية". وينقسم الماركسيون بين من يعد أولوية الاقتصاد مسألة حتمية وبين من أفرد للبنية الفوقية، ولا سيما الأخلاق والدولة، مساحة للتطور المستقل عن البنية التحتية والتأثير فيها. ويجد لويس ألتوسير (Louis Althusser، 1918-1990) لنفسه مهربًا بالقول: "وساعة نهاية المطاف الوحيدة هذه قد لا تحل أبدًا"[55]، أي إن البنية التحتية قد لا تحدد الفوقية أبدًا، ما يفرغ المقولة من المعنى. وثمة تفسير آخر أن المبنى التحتي والفوقي مكونان في كلٍّ اجتماعي واحد متفاعل باستمرار لا يحدد فيها متغيرٌ المتغيرَ الآخر في نهاية المطاف، بل ثمة تفاعل متواصل يكون وزن الواحد فيه أثقل وأثره أكبر من وزن الآخر وأثره.

أما المعضلة الثانية فهي غياب العلاقة الواضحة التي تربط نشوء وضع ثوري ناجم عن التناقض بين تطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج القائمة، بالفاعل التاريخي، أي الطبقة التي تقوم بالثورة؛ وحتى لو كانت الظروف المؤاتية للثورة عبارة عن معطًى تاريخي، وهذا ليس دقيقًا، فإن جاهزية القوى الاجتماعية التي يمكن أن تضطلع بالمهمة مرتبطة بعوامل ذاتية مثل الوعي ودرجة التنظيم. يفسح هذا كله في المجال لتأويلات عديدة.

المعضلة الثالثة: ما دامت البنية الاقتصادية القائمة تحدد البنى الفوقية ومعها أنماط الوعي، وما دامت الأيديولوجيا السائدة هي أيديولوجيا الطبقة السائدة، فكيف تطوّر البروليتاريا الوعي الثوري؟ كيف تكسِر هذه الحلقة المفرغة؟ ثمة حاجة إلى طليعة واعية تنبّهها على مصالحها وتنشر وعيها الطبقي. ولكن هذه ليست مسألة حتمية، وهي على كل حال تلقي ضوءًا آخر على مقولة أن الحياة المادية تحدد الوعي.

وأخيرًا، من الواضح أن متتالية الانتقال من نمط إنتاج إلى آخر هي مصفوفة قائمة على التاريخ الأوروبي كما حلله. وقد أُقحم نمط الإنتاج الآسيوي ضمن القائمة، مع أنه لم يحلله حتى ذلك الحين، ونجد كتابات متفرقة عنه في مخطوطة أسس نقد الاقتصاد السياسي(الغروندرِسِه) وفي مقالات له في صحيفة نيويورك ديلي تربيون، كم سوف يتبين لاحقا.

وقد اعترفت الدراسات الماركسية المتأخرة باستقلالية نسبية للدولة عن الاقتصاد وحتى عن الصراع الطبقي، وبالمجال السياسي ودينامياته الخاصة، والمصالح الخاصة التي تنشأ ضمنه، ودوره في صنع التوافقات والتسويات الاجتماعية. وقد شدد الماركسيون المتأثرون بكتابات ماركس المبكرة بعد نشرها في العقد الرابع من القرن العشرين، على استقلالية المجالين، الثقافي والسياسي، وتأثيرهما على الصراع الطبقي -وذلك مثل كارل كورش (Karl Korsch، 1886-1961)، وجورج لوكاش (György Lukács،‏ 1971-1885)- وعلى دور المثقفين في تحقيق الهيمنة الثقافية في الصراع الأيديولوجي في المجتمع المدني، التي تسبق الانتصار في الصراع الطبقي، كما في حالة أنطونيو غرامشي (Antonio Gramsci، 1891-1937).

تناولت نظريات كثيرة الدولة من منظور بنيتها ووظائفها. ولكن ماركس لم يكتف بالوظائف المرئية، بل شخّص ما عدّه وظيفتها الحقيقية، وهي خدمة الطبقة السائدة وتكريس سيطرتها. وقد حاول ماركسيون مثل أنطونيو غرامشي[56]، ونيكوس بولانتزاس (Nicos Poulantzas، 1936-1979) ورالف ميليباند (Ralph Miliband، 1924-1994)‏ تجاوز قصر وظيفة الدولة الرئيسة على تكريس سيطرة طبقة بالعنف والتأكيد على تكريس سيطرة أجهزة الدولة الأيديولوجية كما في حالة لويس ألتوسير[57]. هؤلاء واصلوا التقليد الماركسي في التشديد على وظيفة الدولة لا على بنيتها. وتعود جذور هذا النهج إلى ماركس نفسه، فحتى حين تطرق إلى موضوعات اجتماعية مركبة مثل موضوعي الدولة والدين، لم يبحث في البنية والمنشأ والمميزات عن بقية الظواهر الاجتماعية، بل في وظيفتهما ضمن الصراع الطبقي[58].

الأيديولوجيا عند ماركس هي وعي زائف، إنها منظومة من الأفكار التي تُشوش فهم الواقع الاجتماعي وتحول دون تشخيص العوامل الحقيقية الاجتماعية والاقتصادية التي تتحكم بالسياسة والفكر وغيرهما، لأنها ترتبط بمصالح وعوامل أخرى تؤثر على الوعي. فحامل الأيديولوجيا لا يُدرك طبيعة القوى التي تتحكم بفكره، وتنعكس فيه بتشويهها للعلاقات الاجتماعية وتصويرها على غير ما هي. إنه يُعبِّر في فكره عن صراع اجتماعي ذي جذور طبقية سواء أكان يعي ذلك أم لا. بهذا المعنى، فإن الفلاسفة أيديولوجيون، وكذلك المفكرون الدينيون، والإصلاحيون وفقهاء القانون وغيرهم.

 قبل ماركس بقرون، كتب مكياﭬيلي (1469-1527) - وإن لم يكن همه اكتشاف القوى الاقتصادية والاجتماعية - عن نفاق الأخلاق والدين والفلسفة ودورها الاجتماعي في التغطية على الدوافع الحقيقية للسياسيين. لم يكتشف ماركس النفاق المتمثل في توظيف الدين والفلسفة، وحتى المواعظ الخلقية، لكنه حاول أن يبين أن للأيديولوجيا وظيفة اجتماعية بوصفها تمثيلًا واعيًا أو غير واع، مباشرًا أو غير مباشر، للمصالح الطبقية، وقد يتبنى الأفراد أيديولوجيا الطبقة المسيطرة التي تناقض مصالح طبقتهم.

الأيديولوجيا منظومة أفكار تخدم طبقة بعينها، وإذا سادت هذه الطبقة تسود هذه الأفكار. من الواضح أن هذه مرتبطة بنمط الإنتاج والتوزيع الطبقي الناجم عنه. ولكن ليس واضحًا على الإطلاق كيف يُميّزها ماركس عن العلم والأخلاق، فالأيديولوجيا مُعرَّفة بالمصالح الطبقية، وما يرتبط بها عنده مثل المصالح السياسية؛ وربما يمكن التوسع والقول بغير لغة ماركس إنها محدَّدة بعلاقات القوة، التي تبررها وتدافع عنها، ولكن ليس بمنهج سعيها لمعرفة الواقع والحقيقة. التفكير أو الأيديولوجيا الخطأ عنده هي الأيديولوجيا التي تُكرِّس العبودية الإنسانية أو غير الواعية لوظيفتها، في حين أن الأيديولوجيا المتحررة هي تلك التي تدفع باتجاه الحرية والتخلص من الاستغلال وتمكين الإنسان من تطوير قدراته كافة[59].

وحين تتخلّص الشيوعية من الوعي المقلوب أو الزائف، فإنها لا تفعل ذلك من خلال وضع تصور صحيح للعالم الموضوعي في مقابل تصور خطأ، بل تُبدِّد الوهم بأن التفكير يمكن أن يكون شيئًا آخر غير التعبير عن واقع الحياة. الشيوعية لا تقدم إجابات عن مسائل ميتافيزيقية وأبيستمولوجيّة؛ فالفكر هو صياغة لزمنه التاريخي. الحديث عن وعي مقلوب أو وعي زائف يَصحّ من منظور الانعتاق أو التحرر فحسب[60]. ولا يصح من منظور الأخلاق ولا من منظور العلم، فهذه لا تقررها بنية اقتصادية محددة.

وقد حاول ماركسيون بعد ماركس أن ينفوا الطبيعة الأيديولوجية للأفكار التي يحملها ممثلو مصالح الطبقة العاملة بادعاء أنها علمية، لكن مقولة ماركس هذه تنطبق عليهم أيضًا. لقد حولت الماركسية الأرثوذكسية التي تمثلت بداية في ما تبنته الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية وبعدها الأحزاب الشيوعية من أفكار، مشروعَ ماركس من محاولة في تأسيس نظرية علمية تصلح أداة في تغيير العالم بالكشف عن تناقضات المجتمع الرأسمالي وتوعية الطبقة القادرة على تغييره، إلى أيديولوجيا تمثل مصالح طبقة، وحتى نظم حكم وأحزاب، وإن سميت هذه الأيديولوجيا اشتراكية علمية، كما في الصفة التي أسبغها إنغلز عليها. وقابلية التحول إلى أيديولوجية قائمة في أفكار ماركس ذاتها، وبالذات في اعتقاده أن ثمة طبقة تحمل رسالة ثورية لإنقاذ البشرية جمعاء وأن أفكاره تصلح أداة في خدمتها لأنها تبين أن ثمة حتمية تاريخية "ما" في الانتقال إلى الشيوعية، حتمية ما وليس حتمية فقط، لأنها مرتبطة بفاعل بشري هو الطبقة العاملة المنظمة.

ليست الأيديولوجيات صحيحة أو غير صحيحة، هذه الأحكام تصحّ على النظريات العلمية التي يمكن إثبات صحتها أو تبيين خطئها، أما الأيديولوجيات فتعبّر عن قوى اجتماعية مُعينة ومصالحها. كانت هذه الأفكار أساسًا لدراسة الأيديولوجيا بعد ماركس في علم الاجتماع وغيره.

وفي حين أن هذه الأفكار تحولت إلى أساس لنقد الأيديولوجيا في القرن العشرين، بدأ تيار مُحدّد في الماركسية الأرثوذكسية منذ ستالين يتحدث عن أيديولوجيا علمية وأخرى غير علمية بوصف الماركسية أيديولوجيا الطبقة العاملة، ولكنها في الوقت ذاته علمية، أي تتضمن قوانين علمية. ليست هذه لغة ماركس ولا أفكاره. وقد تمحور نقاش ماركس وإنغلز مع الأيديولوجيا الألمانية مُتمثلة بالهيغليين الجدد، وفويرباخ أساسًا، بشأن اعتقاد هؤلاء أن الإنسانية أسيرة أفكار خاطئة، بما في ذلك ما يتعلق بالدين، ولا ينتقدون العلاقات الاجتماعية التي تُشكِّل مصدر الأوهام التي تُسيطر على العقول.

السيطرة المادية على المجتمع، أي وجود طبقات حاكمة وسلطات حاكمة تتطلب سيطرة فكرية لا يمكن حكم المجتمعات بالقوة وحدها، ولا يمكن الحكم إلا إذا أصبحت أفكار الطبقة المسيطرة هي أيضًا الأفكار المُسيطرة، وإذا نجح مثقفو الطبقة في صياغة أفكارها صياغة عامة كأنها تمثل صالح المجتمع بأسره. كتب ماركس وإنغلز ذلك قبل غرامشي بمدة طويلة[61].

بعد الأيديولوجيا الألمانية، وقبل رأس المال، ألف ماركس عدّة كتب أحدها بؤس الفلسفة، وجلُّه نقاش مع فلسفة البؤس عند برودون. والغريب أن ماركس اتهمه بالطوباوية مع أن برودون هو صاحب مصطلح الاشتراكية العلمية، أي الاشتراكية التي تقوم برأيه على حجج علمية. رأى برودون أن كلام الشيوعيين عن ملكية الدولة يعني قيادة الملكية الخاصة إلى نتيجتها العبثية، لأن الدولة تصبح صاحب الملكية الخاصة الوحيد، مع أنهم يسمونها ملكية عمومية، وتصبح سلطة الدولة شاملة، فلا يوجد تفسير آخر للملكية العمومية إلا تعزيز قوة الدولة. ولذلك دعا إلى الحفاظ على الملكية الخاصة مع التوصل إلى أجور عادلة، أي أن يُدفَع للناس أجر عملهم الفعلي، وألّا توزع الملكية الخاصة توزيعًا غير عادل، ومن لا يعمل لا يجوز أن يملك. ولذلك طرح اقتراحات إصلاحية مثل إنشاء بنوك الإقراض للعمال والتعاونيات تدعمها الدولة ويدير فيها العمال عملية الإنتاج. وقد اعتبر ماركس هذا كله أحلامًا وردية، وأفكارًا يوتوبية، وهاجمها بشدة نافيًا أي احتمال لنظام اشتراكي بوجود الملكية الخاصة، ومن دون نضال سياسي يهدف إلى الاستيلاء على السلطة. وفي المقابل، أصبح تفكير برودون المشكك في ملكية الدولة وفي السلطة الشمولية للدولة مؤثرًا جدًا بين الاشتراكيين الأناركيين السلميين (في مقابل الأناركية العنيفة لأتباع باكونين)، وخلَّف أثرًا كبيرًا ومتواصلًا على الحركة العمالية والنقابية في فرنسا.

البيان الشيوعي ودكتاتورية البروليتاريا ومسألة الثورة

بين الأعوام 1846 و1848 تواصل ماركس وإنغلز مع منظمات شيوعية؛ شيوعيين ألمان في بروكسل، ومنظمة شيوعية في باريس، ثم تنظيم دولي في لندن يُدعى العصبة الشيوعية {{العصبة الشيوعية: تنظيم دولي في لندن، نجم عن لجنة التواصل الشيوعية التي تأسست في بروكسل وضمت ماركس وإنغلز وڤيلهلم وولف وجوزف ڤايديماير (Joseph Weydemeyer، 1818-1866) وآخرين.}} و"عصبة العادلين" الأوسع والأعرق التي تألفت غالبيتها من مهاجرين ألمان. كان شعار الأخيرة "البشر كلهم إخوة"، واقترح ماركس أن يُستبدل به شعار "يا عمال العالم اتحدوا!" لعصبة الشيوعيين التي شملت هذه القوى على قلة منتسبيها. وقد كلَّف المؤتمر الثاني للعصبة في لندن ماركس وإنغلز بصياغة وثيقة مبادئ لها. هكذا كتبا بيان الحزب الشيوعي الذي صدر في شباط/ فبراير 1848، وأصبح يسمى في طبعته الثانية البيان الشيوعي، وتميز ببلاغة أسلوبه وثوريته، ما أسهم في انتشاره. لقد وصلت ترجماته في القرن العشرين إلى مئتي لغة وأصبح أكثر الكتب غير الدينية انتشارًا. أكد ماركس وإنغلز في البيان أن تحليل علاقات الملكية يجب أن يسبق تحليل السلطة والشرعية والمصطلحات التقليدية الأخرى. توصلا كذلك إلى نتيجة مفادها أن الانتقال إلى مجتمع غير طبقي خالٍ من الاستغلال يكون نتيجة الفعل الجماهيري والتنظيم الثوري والقيادة السياسية.

بدأ الفصل الأول من البيان بالجملة التالية: "إن تاريخ أي مجتمع حتى الآن هو تاريخ الصراع بين الطبقات". وهي صياغة أخرى لمقولة "الصراع الطبقي هو محرك التاريخ" من مخطوطة الأيديولوجيا الألمانية. وبعد أن استعرضا نماذج من الطبقات المتصارعة عبر العصور وصلا إلى عرض تميُّز البرجوازية الرأسمالية والطبقة العاملة عن الطبقات السابقة؛ الرأسماليين الذين يستثمرون في العمل المأجور من جهة، والعمال الأحرار من الارتباط بالأرض وبالمشغِّل (خلافًا للأقنان والعبيد) ولا يملكون شيئًا في الوقت ذاته، و"ليس لديهم ما يخسرونه سوى قيودهم"، من جهة أخرى. إنها القوة الخلاقة التقدمية الهائلة للبرجوازية الصناعية التي حطمت المجتمع التقليدي وأوهامه، وطقوس الأرستقراطية وأبّهتها وما رافق تقدم البرجوازية التاريخي من ثورة علمية وفكرية، واكتساح التجارة العالمية الحدود بين الشعوب بالسلع الرخيصة؛ والطبقة العاملة التـي لا تملك إلا قوة عملها، وهي الطبقة الأكثر تنظيمًا والمرشحة لأن تكون الأكثر ثورية. وهنا اقتباس طويل يتضمن وصفًا لخصوصية البرجوازية ودورها التاريخي قبل أن تفقده وتتحول إلى قوة معيقة لتقدم قوى الإنتاج. ويمكن عد هذا النص أحد أبرز النصوص وأقدمها في وصف العولمة (من دون استخدام المصطلح). والنص موجز ومشدود مثل عضلة بحيث يصعب اختصاره:

"أدت البرجوازية دورًا ثوريًا في التاريخ [...] فدمرت العلاقات الإقطاعية من كل لون، التي كانت تربط الإنسان بسادته الطبيعيين، ولم تُـبق على أية رابطة بين الإنسان والإنسان سوى رابطة المصلحة البحتة [...] وبكلمة أحلّت استغلالًا بواحًا مباشرًا وشرسًا محل الاستغلال المُغلَّف بأوهام دينية [...] إنها الأولى التي بيَّـنت ما يستطيع النشاط الإنساني إتيانه. فأتت بعجائب تفوق أهرامات مصر، والأقنية الرومانية، والكتدرائيات القوطية [...] لا تستطيع البرجوازية البقاء [من دون] أن تُـثـوِّر باستمرار أدوات الإنتاج، ومن ثم علاقات الإنتاج المجتمعية. وخلافًا لذلك، كان الحفاظ على نمط الإنتاج القديم، من دون تبديل، الشرط الأول لبقاء كل الطبقات الصناعية السالفة. يميّز هذا التثوير المتواصل للإنتاج، وهذا التزعزع الدائم في الأوضاع المجتمعية، والقلق والتحرك الدائمان، عصرَ البرجوازية عمّا سبقه من عصور [...] وتزداد حاجة البرجوازية إلى تصريف دائم لمنتجاتها. إنها تسوّقها في أرجاء الكرة الأرضية كافة. فلا بد لها من أن تُعشعش وتنغرز وتقيم علاقات في كل مكان.

وباستثمارها في السوق العالمية، طبعت البرجوازية الإنتاج والاستهلاك في سائر البلدان بطابع كوسموبوليتي، وانتزعت من تحت أقدام الصناعة أرضيتها القومية وسط غم الرجعيين الشديد. فدُمِّرت الصناعات القومية الهرمة، وتدمَّـر يوميًا لتحل محلها صناعات جديدة [...] لم تعد تستعمل المواد الأولية المحلية، بل المواد الأولية من أقصى المناطق، صناعات لا تُستهلك منتجاتها في البلد نفسه فحسب، بل أيضًا في جميع أنحاء العالم. ففي مكان الحاجات القديمة، التي كانت المنتجات المحلية تسدُّها، تحُل حاجات جديدة تتطلب لإشباعها منتَجات أقصى البلدان والأقاليم [...] وما ينطبق على الإنتاج المادي ينطبق أيضًا على النتاج الفكري. فالنتاجات الفكرية لكل أمة على حدة تصبح ملكًا مشتركًا. والتعصب والتقوقع القوميّان يُصبحان مستحيلين أكثر فأكثر. ومن الآداب القومية والإقليمية ينشأ أدب عالميّ.

وتشدّ البرجوازية، بالتحسين السريع لأدوات الإنتاج، وبالتسهيل اللامتناهي لوسائل المواصلات، حتى الأمم الأكثر تخلفًا إلى الحضارة. الأسعار الرخيصة لسلعها هي المدفعية الثـقيلة التي تـدك بها الأسوار الصينية كلها [...] وتجبر كل الأمم، إذا شاءت إنقاذ نفسها من الهلاك، على تـبنّي نمط الإنتاج البرجوازي، وترغمها على تقـبّـل الحضارة المزعومة، أي على أن تصبح برجوازية. وبكلمة هي تخلق عالمًا على صورتها".[62]

​ ليس غريبًا أن يعد الباحث النمساوي الأميركي المعروف جوزف شومبيتر (Joseph Schumpeter، 1883–1950) هذا الوصف مديحًا لإنجازات البرجوازية لا مثيل له في الأدبيات الاقتصادية[63].

دعا البيان إلى العمل السياسي وتنظيم العمال. وهذه وظيفة الشيوعيين الذين لا يشكلون حزبًا منفصلًا يشبه بقية الأحزاب، وفقًا لموقفهم في تلك المرحلة، بل يمثلون مجمل مصالح الطبقة العاملة. إن المهمة الرئيسة بعد تنظيم البروليتاريا هي انتزاع السلطة السياسية، أو بلغته "ترفيع البروليتاريا إلى طبقة سائدة والظفر بالديمقراطية"؛ وهو ما أصبح لاحقًا يسمى دكتاتورية البروليتاريا، "فالبروليتاريا سوف تستخدم سلطتها السياسية لتَنتَزع من البرجوازية تدريجيًا، رأسَ المال كله، ولِـتُمركز أدوات الإنتاج كلّها في أيدي الدولة، أي في أيدي البروليتاريا المنظَّمة في طبقة سائدة، وتزيد حجم القوى المنتجة بأقصى سرعة ممكنة". وفي البداية، لا يمكن حدوث ذلك طبعًا "إلا بالانتهاك الاستبدادي لحقّ الملكية ولعلاقات الإنتاج البرجوازية، أي بتدابير تبدو، اقتصاديًا ناقصة ودوامها غير مضمون، لكنّها تتجاوز نفسها في مجرى الحركة، ولا غنى عنها [بوصفها وسيلة] لقلب نمط الإنتاج بأسره". وهنا يفصل ماركس وإنغلز الخطوات الاقتصادية الأولى اللازمة لغرض الانتقال إلى الاشتراكية. ثم يضيفان: "وما إن تختفي، في سياق التطور، الفوارق الطبقية، وما إن يتجمع الإنتاج كلّه في أيدي الأفراد المتشاركين، حتى تفقد السلطة العامة طابعها السياسي". ثم يصرحان بوضوح بتعريفهما للسلطة السياسية: "فالسلطة السياسية، بمعناها الحقيقي، هي العنف المنظَّم لطبقة لغرض قمع طبقة أخرى". وهو تعريف مختزل بالتأكيد، وسوف يتعرَّض لتعديلات عديدة، ولا سيما حين يعالج ماركس قضايا سياسية عينية مركبة. وأخيرًا يعود المؤلفان إلى مهمة البروليتاريا التاريخية في تخليص المجتمع من الاستغلال الطبقي: "فعندما تتوحد البروليتاريا وجوبًا في طبقة إبّان كفاحها ضد البرجوازية، وعندما تـنصّب نفسها طبقةً سائدة من خلال الثورة، وتلغي علاقات الإنتاج القديمة بالعنف، بصفتها طبقة سائدة، فإنها تلغي أسباب وجود التناحر الطبقي، ومن ثم فهي تلغي الطبقات عمومًا، وتلغي سيطرتها الخاصة [بوصفها طبقة]. ومحلَّ المجتمع البرجوازي القديم، بطبقاته وتناحراته الطبقية، يحلّ تجمُّع تشارُكيّ يكون فيه التطور الحر لكل فرد شرطًا للتطور الحر للجميع"[64]. وترد في البيان جُمل أثارت ردود فعل حادة من القوى المحافظة، مثل "الشيوعية تُزيل الحقائق الأبدية والدين والأخلاق" وذلك في الفصل الثاني منه. والقصد هو في الحقيقة فعل مشابه لفعل البرجوازية في تغيير الأفكار السائدة في نمط الإنتاج السابق.

 يحل الصراع الطبقي في البيان مَحلّ رؤى الاشتراكيين وتجاربهم السابقة؛ إذ يصبح الطريق إلى الشيوعية طريق الثورة لا إنشاء تعاونيات اشتراكية ونماذج صغرى لممارسة الشيوعية. وقد اتهم البيان في النهاية مؤسسي مشاريع الاشتراكية النموذجية بأنهم بدؤوا ثوريين، لكن أتباعهم أصبحوا مؤسسي طوائف غير مسيسة تعرقل الصراع الطبقي بالتعاونيات والمصالحات التي تقيمها او تقترح إقامتها في ظل النظام القائم. وبهذا المعنى، فهي طوائف رجعية تتخذ مواقف ضد تسيس النضال كما في موقفهم من الشارتين في بريطانيا والإصلاحيين في فرنسا[65].

إن موضوع البيان الرئيس هو نشوء الرأسمالية وتطورها، وقضاؤها على النظام القديم، وأزماتها الاقتصادية، وطبيعة البروليتاريا، والثورة والمراحل الانتقالية إلى الشيوعية. لكن البيان تضمّن أيضًا برنامجًا من عشرة نقاط: إلغاء ملكية الأرض وتحويل الريع العقاري للصالح العام، وإلغاء التوريث ومصادرة أملاك المهاجرين، وتركيز الإقراض في يدي الدولة، وتركيز وسائل الإنتاج والمواصلات أيضًا في يديها، وتوسيع مشاريع الدولة لتشمل أراضي البور واستصلاحها، وإنشاء جيوش العمل في الزراعة، وإزالة تدريجية للفرق بين الريف والمدينة، والجمع بين العمل الزراعي والصناعي، والتعليم المجاني العمومي، وإلغاء عمل الأطفال بشكله الحالي، والجمع بين التعليم والإنتاج الصناعي[66]. يقول كليز إن توماس كارلايل (Thomas Carlyle، 1795-1881) سبق أن طرح مطالب مشابهة، ويُذكِّر بأن فكرة إزالة التناقض بين الريف والمدينة من أهم أفكار روبرت أوين من جهة، ومن أهم شروط الحياة الجماعية التي طُرِحَت في الأيديولوجيا الألمانية من جهة أخرى[67].

ومن تناقضات البيان (التي سوف تتجلى لاحًقا عند تطبيق الاشتراكية في بعض الدول في القرن العشرين) أن النقاط العشر المذكورة تؤدي، إذا طبِّقت، إلى تعزيز قوة الدولة وتضخيمها لا إلى حلّها. ومن غير الواضح كيف يؤدي تعزيز قوة الدولة على نحو غير مسبوق في المرحلة الانتقالية إلى زوال الدولة في مرحلة لاحقة. ما كان إدارة جماعية للإنتاج عند الشيوعيين أصبح في البيان مُهمة الدولة. ومن مهام البروليتارية في المرحلة الأولى من حكمها أن تذهب بعيدًا في مركزة عملية الإنتاج في الصناعة والزراعة وكذلك في إرساء شبكة المواصلات.

ذكر البيان الشيوعي الخطوات التي يجدر اتخاذها في المرحلة الانتقالية في شكل مطالب، بيد أنه لم يستخدم مصطلح "دكتاتورية البروليتاريا". وقد استخدمه ماركس بعد عامين من صدور البيان في مرحلة هزيمة ثورات عام 1848 وصعود الثورة المضادة، وذلك في مقال له ضمن سلسلة مقالات بعنوان "الصراعات الطبقية في فرنسا من عام 1848 إلى عام 1850" صدرت في صحيفة الراين الجديدة، التي استمر بتحريرها والكتابة فيها من لندن بين كانون الثاني/ يناير وتشرين الأول/ أكتوبر من العام 1850. وقصد بها دكتاتورية الطبقة العاملة؛ دكتاتورية الأغلبية الساحقة التي يجب أن تضمن بإجراءاتها عدم عودة دكتاتورية البرجوازية بغض النظر عن الشكل التي تتخذه هذه الأخيرة[68]. وعرّفها كما يلي: "دكتاتورية طبقية للبروليتاريا هي نقطة انتقالية [بالألمانية: Übergangspunkt] نحو إزالة الفوارق الطبقية"[69]. ولم يقصد بها دكتاتورية عصبة من الثوار المتآمرين، بل دكتاتورية البروليتاريا التي تشكّل غالبية المجتمع. والحديث هنا عن القدرة على اتخاذ الإجراءات اللازمة لإزالة المجتمع الطبقي وليس الحديث عن دستور سياسي. ففي العام 1852، اعتبر ماركس في رده على باكونين أن حق الاقتراع العام "انتصارٌ سياسي للطبقة العامة".

لم يقصد ماركس بدكتاتورية البروليتاريا تبرير إنشاء نظام حكم استبدادي، أو دكتاتورية الحزب، أو الفرد باسم الطبقة العاملة، ولم يقصد دستورًا سياسيًا محددًا، بل المضمون الطبقي للإجراءات التي سوف تُتخَذ. وفي ظل دكتاتورية البروليتاريا التي يتصورها، لا توجد وظائف حكومية، وتوزيع الوظائف يصبح روتينيًا، وتفقِد الانتخابات طبيعتها السياسية الحالية، أي لا تعود الانتخابات تعبيرًا عن صراع على السلطة. وفي مقدمة إنغلز من العام 1895 لكتاب الصراعات الطبقية في فرنسا، كتب أن "الانتخابات تحوَّلت من أداة خداع إلى أداة تحرر، وأن زمن الثورة التي تُنفّذ فيها أقليات واعية أكثرية جماهرية غير واعية قد ولّى زمنه"[70].

عالج ماركس هذا الموضوع في كتابه الثامن عشر من برومير لويس بونابرت. وهو عبارة عن مجموعة من سبع مقالات نشرها بين كانون الأول/ ديسمبر 1851 وآذار/ مارس 1852 في صحيفة الثورة (Die Revolution) الشهرية الألمانية الصادرة في نيويورك، وجمعها لاحقًا ناشر الصحيفة جوزف ڤايديماير في كتابٍ بهذا العنوان. في هذه السلسلة، شرح ماركس ظاهرة البونابرتية القائمة على صفقة بين الدكتاتور الشعبوي الذي يستمد قوته من الغوغاء وعناصر منحلة طبقيًا من جهة، والطبقة الرأسمالية من جهة أخرى، يمارس بموجبها الدكتاتور السلطة السياسية من دون المَسّ بمصالحها الطبقية، وتَبِين فيها استقلالية السياسة والدولة النسبيين عن المصالح الطبقية التي يحميها النظام. كذلك طوّر ماركس فيه أفكاره بشأن ضرورة السيطرة على جهاز الدولة وكسره، واستبدال دكتاتورية البروليتاريا به من دون استخدام المصطلح. وأوجز موقفه من هذا الموضوع في رسالة إلى الناشر ڤايديماير في 5 أيار/ مايو 1852: "تلخصت مساهمتي فيما يلي: 1. إظهار أـن الطبقات ترتبط بمراحل محددة من تطور الإنتاج، 2. أن الصراع الطبقي يقود بالضرورة إلى دكتاتورية البروليتاريا، 3. أن دكتاتورية البروليتاريا ليست أكثر من مرحلة انتقالية نحو مجتمع لا-طبقي"[71].

ولم يستخدم ماركس هذا المصطلح مرة أخرى حتى رسالته في نقد برنامج غوتا لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الألماني بعد عقدين من هذا التاريخ، وهي لم تُنشر في حياته.

لم يستمر نشاط ماركس في عصبة الشيوعيين طويلًا. وسرعان ما انشغل في اتحاد عمالي آخر هو الأممية التي دعي إلى المشاورات لتأسيسها. وقد بدأت مشاورات تأسيس الأممية عام 1862، واستمرت حتى عام 1864. شدّد ماركس في هذه المشاورات على ضرورة التنظيم والعمل السياسي لغرض الاستيلاء على السلطة. وخاض في هذا المجال صراعًا مديدًا ضد باكونين وأتباعه المعادين للعمل السياسي والمؤيدين للثورة في أي ظرف وفي كل زمان ومكان. وفي إشارة واضحة إلى توجهه المختلف عن توجّه الأناركيين في قضايا مثل ضرورة السيطرة على السلطة السياسية وإنشاء دكتاتورية البروليتاريا، وفي ضرورة المرور بالمرحلة البرجوازية في الطريق إلى الاشتراكية، أرسل ماركس رسالة تهنئة باسم الأممية إلى أبراهام لينكولن (Abraham Lincoln، 1809-1865) رئيس الولايات المتحدة السادس عشر منذ 1861 حتى اغتياله، بمناسبة إعادة انتخابه رئيسًا للولايات المتحدة عام 1864، وردّ لينكولن عليه في رسالة سلّمه إياها السفير الأميركي في لندن.

حين وقع تمرّد عمال باريس يوم 18 آذار/ مارس 1871 إبان الحصار الألماني للمدينة واندحار السلطات الفرنسية وتشكيل حكومة مؤقتة خارج باريس، لم يكن ماركس مؤيدًا للتمرد قبل وقوعه، إذ ارتأى أن الثورة لن تنجح، وأن القوى الرجعية قوية والحكومة الفرنسية المؤقتة التي تشكَّلت خارج باريس بعد الهزيمة مستعدة للتعاون مع الاحتلال الألماني. لكنه ساند التمرد بعد أن وقع، وأدارت قيادته مدينة باريس، ونُظِّمت انتخابات في باريس في 26 آذار/ مارس بمشاركة نحو 450 ألف مواطن.

صمدت الإدارة الذاتية للكومونة مدة شهرين (18 آذار/ مارس - 28 أيار/ مايو 1871)، وعملت بموجب إجراءاتها التي فهمها ماركس على أنها نموذجٌ لتحطيم سلطة الدولة وإنشاء الميليشيات الثورية وتأسيس ديمقراطية قاعدية مباشرة، وإلغاء نظام المحلفين وإحلال انتخاب القضاة بدلًا منه، وغيرها من الإجراءات. لكن إدارة باريس الجماعية في ظروف ثورية كانت حالة مؤقتة، ولم يكن ممكنًا أن تنجح في ظل حصار القوات الألمانية لباريس وتمكينها القوات الفرنسية من قمعها. وقد قُمِعت الكومونة بمجزرة مروعة.

اتّخذ ماركس موقفًا مؤيدًا للكومونة خلال وقوعها وتابع تفاصيلها، ولا سيما أن بعض المقربين منه كانوا في قيادتها. لقد حققت توصياته بعد عشرين عامًا من صدور كتاب الثامن عشر من برومير – لويس بونابرت، فقد كان سلوك الثوار تجسيدًا لدكتاتورية البروليتاريا. وكتب في رسالة إلى لودڤيغ كوغلمان (Ludwig Kugelmann، 1828-1902) مؤرخة في 12 نيسان/ أبريل 1871، أن "المهمة ليست نقل الآلة البيروقراطية العسكرية من يدٍ إلى أخرى، بل المطلوب هو تحطيمها [...] وهو ما حاول الثوار الأبطال في باريس فعله"[72].

كتب ماركس مقالة الحرب الأهلية في فرنسا عن الكومونة (وهي في الحقيقة بيان أو نداء صاغه ماركس للأممية الأولى، وصدر بتوقيع الأممية في أيار/ مايو 1871)، وفصّل فيه أربع مراحل للانتقال إلى مجتمع من دون طبقات: 1) مرحلة الثورة العنيفة التي تنتزع السلطة من البرجوازية، 2) تحطيم جهاز الدولة واستبداله بسلطة العمال، 3) الاشتراكية التي تقوم وفق مبدأ "لكلٍ حسب عمله"، 4) الشيوعية التي تقوم على مبدأ "لكلٍ حسب حاجته"[73].

جاءت إشارة ماركس إلى دكتاتورية البروليتاريا، من دون استخدام المصطلح، في معرض وصفه لإجراءات قيادات كومونة باريس في تحطيم جهاز الدولة بإلغاء الوظائف العامة وانتقالها إلى أيدي ثوار الكومونة الذين أدّوا الخدمة العامة مقابل أجرة العامل العادي. ووُضِع برنامج (لم يطبَّق طبعًا بسبب القضاء عليها مبكرًا) لتنظيم إداري لتشكيل كومونات في جميع دوائر فرنسا، وفي القرى والمدن[74]، لغرض تطبيق الإدارة الجماعية والديمقراطية القاعدية واللامركزية. ووردت في الكتيب عبارات تكشف زيف الديمقراطية البرجوازية (في نظر الماركسيين لاحقًا) أصبحت مصدرًا للاقتباس مثل غيرها من الجمل القصيرة البليغة التي أكثر منها: "كان لوحدة الأمة أن تصبح حقيقة بتدمير سلطة الدولة التي كانت تدعي بأنها تجسيد لتلك الوحدة، ولكنها كانت ترغب في أن تكون مستقلة عن الأمة، مستعلية عليها [...] وبدلًا من البت مرة كل ثلاث أو ست سنوات أي عضو من الطبقة الحاكمة يجب أن يمثل ويقمع الشعب في البرلمان [التشديد من كاتب المدخل] يفترض أن يخدم حق الانتخاب العام الشعب، المنظم في الكومونات، قصد البحث لمؤسساته عن عمال ومراقبين ومحاسبين"[75].

وقد كتب إنغلز في مقدمته لهذا الكتيّب، الذي صدر بعنوان الحرب الأهلية في فرنسا: "هل تريدون أن تعرفوا أيها السادة المحترمون كيف تبدو هذه الديكتاتورية؟ انظروا إلى كومونة باريس فقد كانت ديكتاتورية البروليتاريا"[76]. من الواضح أن فهم ماركس لدكتاتورية البروليتاريا يختلف عما طُبِّق لاحقًا في الدول الاشتراكية في صيغة نظام حكم دكتاتوري يقوده حزب يمثل الطبقة العاملة، أو يدعي تمثيلها. فلم تكن دكتاتورية البروليتاريا عنده نظام حكم، بل المضمون الطبقي لنظام الحكم، أي أن تحكم البروليتاريا لصالحها من دون التنازل عن آليات الديمقراطية المعروفة، وإن جَمَعت عنده بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في مرحلة الدكتاتورية، إلا أنها لا تستغني عن آليات الانتخاب والرقابة والمحاسبة وحرية التعبير.

بعد هذه التجربة المريرة التي انتهت بسفك الدماء، ازداد تشديد ماركس على ضرورة العمل السياسي والتنظيم وتوعية الطبقة العاملة، ورفض اعتبار الثورة العنيفة الطريقة الوحيدة لقلب نظام الحكم، فالثورة هي تغيير النظام السياسي والاقتصادي-الاجتماعي. ولا يجوز القيام بالثورة العنيفة إذا لم تكن الظروف مؤاتية. وقال في مقابلة أجريت يوم 3 تموز/ يوليو 1871 ونُشِرَت يوم 18 من الشهر ذاته مع صحيفة نيويورك ورلد New York World، إن الوصول إلى الحكم في بلد ديمقراطي مثل إنكلترا ممكن بالانتخابات من دون ثورة. وعلى كل حال فإن الطبقة العاملة في كل بلد تُقرِّر الطريقة التي تصل فيها إلى الحكم[77]. في تلك المرحلة راج في الصحافة في مختلف أنحاء أوروبا اتهام الأممية وماركس شخصيًا بالتآمر لإطلاق الثورة (كومونة باريس). وفي ذلك العام (1871)، تفككت عمليًا الأممية الاشتراكية. وأيد ماركس وإنغلز تأسيس أحزاب اشتراكية ديمقراطية، واتّباع العمل الحزبي والبرلماني. وكانت النهاية الرسمية بحل الأممية نفسها في العام 1873. وبعد وفاته نشأت الأممية الثانية المؤلَّفة من أحزاب اشتراكية.

يتفق الباحثون على أن ماركس أبدى سذاجة، أولًا في فهم ما جرى في كومونة باريس؛ وثانيًا في تصويره التخلص من الدولة وجهاز القضاء والجيش. ولكن يمكن رؤية موقفه أيضًا باعتباره تحديًا للقمع الدموي للكومونة التي قادها ثوريون كان يعرف بعضَهم شخصيًا، وسعيًا لتخليد هذه المحاولة في ذاكرة الطبقة العاملة مسبغًا عليها أوصافًا بطولية، بأسلوب يكاد يكون أدبيًا. فماركس لم يكن ساذجًا، ولا مجرد محلل أو عالم في برج عاجي في مرحلة النضوج الفكري تلك، بل كان صاحب موقف. وكتب ماركس في خاتمة هذا البيان، الذي تحول إلى كتيّب شهير كما هو معروف، أن "باريس العمال، وكومونتها ستظلان إلى الأبد موضع التبجيل، بوصفهما البشير المجيد بمجتمع جديد. وشهداؤها مثواهم الأبدي قلب الطبقة العاملة الكبير. وجلادوها سمَّرَهم التاريخ الآن على خشبة العار التي لن تجدي في تخليصهم منها جميع الصلوات التي يرددها كهنتهم"[78]. فلم يُفقِده المنهج العلمي مواقفه الثورية وأسلوبه الأدبي بتعابيره الحادة.

لم يكن موقف ماركس من الثورة، ولا من المشاركة في ما تتيحه الديمقراطية البرجوازية البرلمانية عبارة عن نظرية متكاملة أو جزءًا من عقيدة، بل توقَّف على الظروف، وما يخدم الهدف، وهو الوصول إلى الاشتراكية. ولكن تحويل الماركسية إلى عقيدة بعد وفاته أتاح اقتباس مقولات متناقضة لماركس قيلت في سياقات ومراحل مختلفة لتبرير مواقف في سجالات لا تنتهي بين خصوم ماركسيين. لقد تكرر في كتابات ماركس عدة مرات تأكيده على ضرورة المرور في المرحلة الرأسمالية قبل الاشتراكية، والاستفادة من التقدم الذي تُحقِّقه الرأسمالية. وأكد من حين لآخر على أهمية الديمقراطية البرجوازية واستغلال إمكانيات العمل البرلماني إذا أُتيح للأحزاب الاشتراكية العمل في إطاره، فهذا العمل يسهم في تسييس البروليتاريا وتوليد الوعي الثوري لديها. وقد دعم ماركس الميثاقيين (الشارتيين) الذين دعوا إلى منح حق الاقتراع للطبقة العاملة وتطبيق حق الاقتراع العام.

وكان كارل ليبكنيخت (Karl Liebknecht، 1871-1919) وأوغست بيبل (August Bebel، 1840-1913) أول اشتراكيَّيْن يُنتخبان للبرلمان الألماني (الرايخستاغ) عام 1867. وفي نقاشه لبرنامج الحزب الاشتراكي الديمقراطي بقيادتهما في رسالة إلى ڤيلهلم براكه يوم 5 أيار/ مايو 1875، نُشرَت لاحقًا تحت عنوان "نقد برنامج غوتا"، عاد ماركس إلى التأكيد على ضرورة كسر جهاز الدولة في برنامج الحزب الاشتراكي الديمقراطي، فقد عارض تأثّر الحزب بمجموعة فرديناند لاسال (Ferdinand Lassalle، 1825-1864) القائد النقابي الذي شَكّل عمليًا خصمًا لماركس. وقد أكد ماركس في رسالته على الحفاظ على الحرية والديمقراطية وعدم إلغائهما من خلال دكتاتورية البروليتاريا، أما الشيوعية فتقوم بعد زوال الدولة. كذلك ألمح في رسالته هذه إلى فهمه للشيوعية، التي فيها تكون المساواة في تلبية الحاجات المختلفة لأفراد مختلفين، لا مساواة مجردة بين ذرات متماثلة.

وبموجب هذا التصور، يسود في المرحلة الأولى مبدأ "لكلّ حسب إسهامه أو عطائه" بحيث يُمنح العامل قيمة مساوية لعمله بصورة أخرى. وفي مرحلة أعلى من الشيوعية بعد زوال تقسيم العمل، ولا سيّما العمل الجسدي والفكري، يُفسح المجال للتطور المتعدد الجوانب للفرد، ويتجاوز المجتمع أفق التصورات البرجوازية للحقوق بحيث يمكن أن تنقش على علمها "من كل حسب كفاءته، ولكل حسب حاجته"[79]، وهو مبدأ سان سيمون وفورييه، أي لا يعود التبادل بموجب القيمة إنما بموجب الحاجات الإنسانية. وينتهي تقسيم العمل، بما فيها العمل البدني والعمل الذهني كما في يوتوبيا شبابه، وكما في تصورات روبرت أوين لإمكانية تجاوز هذا التقسيم.

ومع أن هذا النص تضمن التصوّر الأكثر تفصيلًا للشيوعية أو بعض الخطوط العريضة لمراحلها، فلم يخلّف ماركس تصورًا مفصلًا، ولا موروثًا فكريًا، بشأن كيفية تنظيم المجتمع الشيوعي الذي ظل مثالًا يصبو إليه منذ أيام الشباب، فلم يجرؤ ماركس الناضج الذي يصر على الطابع العلمي لإنتاجه الفكري على الخوض فيه بالتفصيل، كذلك لم يترك أثرًا بشأن كيفية تنظيم الحقوق والحريات، ونوعية نظام الحكم وكيف يدار في ظل الشيوعية، فقد افترض أن زوال الطبقات والملكية الخاصة يعنيان زوال الدولة، وقد خلّف الامتناع عن تبيين نوع نظام الحكم السياسي الذي يفترض أن يكون بديلًا للنظم القائمة ثغرة كبرى؛ فدكتاتورية البروليتاريا لا تشكل نظامًا سياسيًا وفقًا له، وما يأتي بعدها هو زوال الدولة. ولذلك ساد هذا الإهمال في الماركسية لمسائل عُدَّت شكلية، مثل الحقوق السياسية والحريات وطبيعة لنظام السياسي، في مقابل قضايا جوهرية مثل المساواة الاقتصادية، وهو ما أضعف حصانتها ضد تقبل النظم الدكتاتورية باسم المساواة الاقتصادية.

كتاب رأس المال، السلعة والقيمة وفائض القيمة

ظهر المجلد الأول من كتاب رأس المال الذي عمل ماركس عليه على نحو متقطع عقدين كاملين بألف نسخة في 14 أيلول/ سبتمبر 1867 عن دار نشر في مدينة هامبورغ الألمانية. لقد عد ماركس عملية الإنتاج الأساس السابق نظريًا على عملية التبادل في السوق، ولذلك بدأ بها، معتبرًا أن السر يكمن في إنتاج البضاعة. فخلافًا للأنماط التي سبقته، ليست منتجات النظام الرأسمالي معدة لسد حاجات المنتِج المباشرة، بل تصنع لغرض البيع في السوق. ليس الإنتاج السلعي جزءًا هامشيًا من الإنتاج الرأسمالي، خلافًا لما هو عليه في أنماط الإنتاج الأخرى، بل هو الذي يميزه ويسيطر فيه.

لو أراد ماركس كتابة تاريخ الرأسمالية لبدأ بالشروط التاريخية لنشوء رأس المال، أي الظروف التاريخية لظهور العمل المأجور، ولكنه لم يبدأ بها، بل أجّل عرضها إلى نهاية الجزء الأول من الكتاب. لقد أراد تطوير مفهوم رأس المال، ولذلك انطلق من تحليل السلعة بوصفها خليته الأبسط التي تحتوي على نواة تناقضاته.


حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​​المميز الجوهري الثاني لنمط الإنتاج الرأسمالي هو تورط المجتمع بأسره في إنتاج كل سلعة نتيجة للتطور التكنولوجي الفائق وتعقيد عملية الإنتاج وتقسيم العمل من استخراج المواد الخام ونقلها وحتى تعقيد عملية الإنتاج وتداخلها مع المنتجين الآخرين، ونقل السلعة وإيصالها إلى الأسواق. ومن هنا الطبيعة الاجتماعية للعمل في مقابل الشكل الخاص لتملك نتائج العمل. وهذا التناقض الرئيس في نمط الإنتاج الرأسمالي هو أساس الأزمات الاقتصادية الكبرى، فالإنتاج اجتماعي، أما التخطيط فخاص يقوم على زيادة ربح المالك لوسائل الإنتاج، ما يؤدي إلى غزارة في الإنتاج وسوء في التخطيط والتوزيع.

يبدأ الجزء الأول إذًا بتحليل البضاعة، خلية الاقتصاد الرأسمالي الرئيسة منظورًا إليه بوصفه جسمًا عضويًا، وتحليلها هو المفتاح لفهم عملية استغلال أهم بضاعة فيه وهي قوة العمل، هذا الاستغلال الذي يميز النظام الرأسمالي عن غيره. وينتقل ماركس في عملية استنباط منهجي جدلي من البضاعة وصولًا إلى رأس المال. وهو يعدّ هذه العملية تطويرًا لمفهوم رأس المال، باعتبار أن التعريف هو عملية تطوير المفهوم من العام المجرد (Abstrakt Allgemeine) إلى العام العيني (Konkret Allgemeine).

يحذو ماركس عند تحليل البضاعة حذو كل من آدم سميث وديڤيد ريكاردو في تحديد القيمة بالعمل المستثمر في إنتاجها، بما في ذلك العمل السابق الذي استُثمِرَ في أدوات الإنتاج نفسها. ويعود تاريخ الانشغال بالقيمة إلى زمن أرسطو بوصف القيمة الصفة المشتركة التي تجعل التبادل الكمي بين البضائع ممكنًا، وذلك على الرغم من الاختلافات بينها من حيث صفاتها الاستعمالية. فعلى الرغم من اختلاف استخدام البضائع فثمة مشترك بينها يجعل التبادل بينها ممكنًا، وهذا المشترك هو القيمة، لكن من أين تأتي؟ ناقش الناس هذه المسألة منذ العصور القديمة، مثلًا حينما اختلفوا على أساس المقايضة بين البضائع، والإنصاف في تسعير بضاعة، وماهية المال والإقراض، وعدم طبيعية الإقراض بالربا وفقًا لذلك، لأن المال فيه يجلب المال.

إن فكرة اعتماد القيمة على الجهد المبذول في إنتاج السلعة فكرة قديمة. وقد ميّز سميث بين القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية، وحصر اهتمام الاقتصاد بالأخيرة. وميّز أيضًا بين العمل المنتج للبضاعة والعمل الموجه للاكتفاء الذاتي الذي لا ينتج بضاعة. وأدرك أيضًا أن هناك أشياء كثيرة مستخدمة في الحياة ليس لها قيمة تبادلية مثل الهواء الذي نتنفسه. أي إن القيمتين الاستعمالية والتبادلية ليستا مترابطتين بالضرورة. وهذا يعني أنه ليس لكل قيمة استعمالية قيمة تبادلية. واعتبر أن قيمة البضاعة تساوي قيمة العمل + رأس المال المُستثمر فيها + أجرة الأرض. وهي متغيرة لأسباب عديدة من ضمنها العرض والطلب في السوق. وفي النهاية يُنظّم السوق سعر البضاعة (price)، لكنه يقترب بالمعدل في نهاية المطاف من القيمة التبادلية (exchange value).

وقد استخدم ماركس نظرية القيمة لفهم مصدر الاستغلال؛ استغلال رأس المال للعمال. وقد اعتبر أن العمل أصل القيمة الوحيد. والقيمة التبادلية عنده ظاهرة تاريخية ملازمة للإنتاج السلعي، وليست جزءًا لا يتجزأ من الحضارة الإنسانية عمومًا. للعمل وجهان: عيني ومجرد. وجه مُجرّد يتمثل في أنه جهد بشري مستثمر في الإنتاج بغض النظر عن نوع العمل، وعمل عيني متعلق بالاختصاص، ونوع العمل والمهنة والمهارة وغيره. ويزداد تحديد القيمة بزمن العمل دقة كلما أصبح العمل أكثر تجريدًا، ولا سيما بعد انحسار الحرف اليدوية التي يصنع فيها الحرفي السلعة كاملة بنفسه مثل قطعة فنية في هوامش عملية الإنتاج، ويؤدي تقسيم العمل إلى تبسيطه ليصبح قياسه الوحيد هو مدته، كذلك يؤدي إلى تورط المجتمع كله في عملية الإنتاج. وتتمثل القيمة في متوسط زمن العمل الاجتماعي اللازم في إنتاج البضاعة.

تظهر هذه القيمة الناجمة عن جهد الإنسان المبذول فيها، وكأنها صفة موضوعية مُلازمة للبضاعة خارجة عن تحكم الإرادة الإنسانية. يُسمّي ماركس هذه الظاهرة بصنميّة أو فيتشيّة البضاعة، إذ تظهر وكأنّها تمتلك قيمة ناجمه عن صفاتها لناحية انخفاض ثمنها أو ارتفاعه، ووفرتها وشحّها، مع التعمية على مصدرها، وهو عمل الإنسان. وهي في الحقيقة تعبير عن علاقات إنسانية في ظل نمط إنتاج معين وليس لها حياة خاصة بها، ولكنها تظهر وكأن لها حياة خاصة، مثلما يظهر المال وكأنه يمتلك حياة خاصة حين ترتفع قيمته أو تنخفض[80]. لا تزداد القيمة وحدها والمال لا يجلب المال، وإنما يحصل ذلك كلّه من خلال الاستثمار في العمل الإنساني. "إن رأس المال ليس شيئًا ماديًا، إنه علاقة اجتماعية في الإنتاج، إنه قيمة تجني فائض القيمة بواسطة استثمار العمل المأجور"[81].

كيف تميّز ماركس عن بقية الاقتصاديين الذين اتفق معهم على نظرية القيمة، بمعنى اعتبار أن العمل أساس القيمة؟ يكمن تميز ماركس في بحثه عن أساس الاستغلال القائم في العلاقة بين رأس المال والعمل المأجور. وهو لهذا الغرض يبدأ بتحليل مفهوم السلعة بمنهج جدلي استفاد فيه من منطق هيغل الفلسفي على نحو بيّن في عملية تطوير مفهوم رأس المال نظريًا. إن هدفه من تحليل مفهوم البضاعة هو تحليل سلعة فريدة من نوعها هي قوة العمل التي يبيعها العامل للرأسمالي لمدة محددة (أو يؤجرها) في عملية تعاقد يبدو حرًا ومنصفًا قبل البدء في عملية الإنتاج.

للبضاعة قيمتان إذًا، قيمة استعمالية متعلقة بصفاتها التي تسد حاجات بشرية معينة، وقيمة تبادلية هي القيمة التي يحددها مقدار العمل المستثمر فيها والمقاس زمنيًا (هذا كلام مبسط بالتأكيد قبل أي تطرق لأنواع العمل وكثافة العمل). أين الجديد؟ أولًا، اعتبر ماركس أن العامل لا يؤجّر عمله للرأسمالي، بل يؤجر قوة عمله​​ (يبيعها لمدة محددة)؛ وثانيًا، إن القيمة الاستعمالية لقوة العمل كامنة في أنها، هي ذاتها، تنتج قيمة. إنها مثل أوزة تبيض ذهبًا. ينتج العامل قيمة قوة عمله خلال مدة محددة (وهي السلعة التي باعها للرأسمالي مقابل أجر)، وفي بقية الوقت ينتج قيمًا تفوق أجره الذي تلقاه، إنه ينتج قيمة فائضة. وهذه يتملكها الرأسمالي من دون أن يدفع ثمنها. هنا يكمن أساس الاستغلال الرأسمالي. وبهذه النظرية تميز ماركس عمن سبقه من الاقتصاديين[82]. ويميز هذا النوع من الاستغلال النظام الرأسمالي عن غيره من الأنظمة الطبقية، في أن فائض القيمة يُنتَج ويُجبَى على نحو خفي في عملية الإنتاج، ولا يُجبَى بالقوة أو بالخداع خارج عملية الإنتاج من منتِج لم ينفصل عن شروط عمله (الأرض، المشغل الحرفي).

وبما أن رأس المال هو مال مستثمر في العمل المأجور، فلا بد من التطرق إلى عملية نشوء العمل المأجور وتدمير علاقات الإنتاج الزراعية، مخصصًا لهذا الغرض فصولًا كاملة من الكتاب، وكذلك نشوء الورش الصناعية الأولى (المنفكتوره) التي تقوم على تقسيم العمل بوصفه قوة منتجة قبل استخدام الآلات.

لكي يحصل هذا اللقاء المثمر بين العمال ورأس المال، يشترط تاريخيًا وجود عمال أحرار قادرين على التعاقد الحر وتأجير قوة عملهم، إنهم أحرار بمعنيين: أحرار من قيود العلاقة مع الأرض والإقطاع وغيرها، أي أحرار من قيود العلاقات الاقتصادية الإقطاعية، وهم أحرار أيضًا من أي ملكية، أي إنهم بحاجة إلى بيع قوة عملهم. وقد خَصصَّ ماركس فصولًا كاملة من المجلد الأول ليروي تاريخ التراكم الرأسمالي الأولي، تاريخ فصل العامل عن شروط العمل، أي فصل العامل عن الأرض وعن أدوات العمل عمومًا، وتحويله إلى فاعل اجتماعي حرّ، لا يملك إلا قوة عمله، وقادر على بيعها في الوقت ذاته. لقد تحولت شروط العمل إلى رأسمال وتَحوَّل الفلاحون إلى أُجَراء. يتضمن هذا التاريخ، الذي تطرق ماركس إلى نموذجه المبكر (إنكلترا)، مصادرة أملاك الفلاحين وتحويلها إلى مراعٍ لإنتاج الصوف لصالح صناعة النسيج، وثانيًا نهب المستعمرات على مستوى المواد الخام أو التجارة بالرقيق الذي أصبح مصدر القوى العاملة لمزارع القطن الكبرى في أميركا الشمالية، وظل كذلك بعد أن حظر القانون البريطاني (1807) الاتجار به، خلافًا لمجرد امتلاكه.

ثمن قوة العمل هو التكلفة اللازمة لإبقاء العامل على قيد الحياة (يصبح السؤال: أي حياة هي هذه التي يعاد إنتاجها؟ وهو سؤال النضال النقابي والسياسي الذي غيرها بالتدريج). وبيّن التطور التاريخي أن توفير شروط الحد الأدنى اللازمة لإبقاء العامل وعائلته على قيد الحياة لإنتاج أجيال من العمال، لم تعد كافية بسبب متطلبات عملية الإنتاج ذاتها، وبسبب النضالات العمالية والتغيرات التي طرأت على المجتمعات الرأسمالية وصولًا إلى الرأسمالية المتطورة التي تغيرت فيها ظروف العمل وشروطه ومستوى حياة العامل وعائلته.

 وتبلغ عملية مَركَزة رأس المال من خلال التنافس بين المنتجين مرحلةً لا يستطيع بعدها التطور التكنولوجي والطابع الاجتماعي للعمل البقاء ضمن العلاقات الرأسمالية. ومثلما ينقسم المجتمع إلى طبقتين متصارعتين موضوعيًا، واحدة تملك كل شيء والأخرى لا تملك إلا قوة عملها، يتناقض أيضًا العمل الاجتماعي الذي أصبح ممكنًا تجريده بوصفه عملًا مقاسًا بزمن العمل خلافًا للحرف القديمة التي لم ينفصل فيها العمل المجرد عن العيني القائم على المهارة والخبرة، والذي لا يقاس بالزمن وحده، مع الملكية الخاصة التي تغترب من خلالها منتوجات العمل عن المنتجين.

لم يقدّر ماركس مدى التغيرات التي سوف تطرأ على عملية الإنتاج وتغلب الخبرات العلمية والإدارية والتقنية الفائقة التي لا تقاس بزمن العمل على العمل الجسدي المجرد المقتصر على جهد القيام بحركات جسدية رتيبة وبسيطة (وشاقة) لمدة محددة. مثلما لم يتوقع درجة تدخل الدولة من خلال التشريع في عمليات الإنتاج والتوزيع، وضبط التنافس، والاحتكار وسعر العملة وغيرها.

شَكَّلت الأزمة المالية عام 1857 أساسًا لتحليلات ماركس المتعلقة بالأزمات الدورية للاقتصاد الرأسمالي الذي يبحث عن ضالّته في إثباتات عينية لحتمية انهيار هذا النظام. في ذلك العام، تفجرت فقاعة أسهم السكك الجديدة، وعدم كفاية الإنتاج العالمي من الذهب[83] في مقابل فائض الإنتاج السلعي. بدت الأزمة وكأنها كارثة طبيعية مدمرة تجرف ما تجده أمامها وتؤدي إلى خراب الصناعة والبطالة وغيرها. في المجتمعات السابقة كانت الكارثة هي قلة الإنتاج، في حين يظهر في الرأسمالية أن فائض الإنتاج هو سبب الأزمات الاقتصادية للرأسمالية. ليست هذه كارثة طبيعية، بل ظاهرة اجتماعية ناجمة عن التناقض بين الطبيعة الاجتماعية للإنتاج والتبادل والتوزيع والطبيعة الخاصة للملكية.

اعتقد ماركس أن الأزمات الدورية ملازمة للنظام الرأسمالي. وسوف تقود في النهاية إلى انهياره. ولم يدرك حينئذٍ أن الرأسمالية لا تنهار مع انهيار شركات أو صناعات بعينها، بل كانت تتطوَّر بوصفها نظامًا اقتصاديًا بعد كل أزمة، وتبين أن الرأسمالية تتماثل للشفاء. وكتب لإنغلز يقول: "إن البرجوازية تعرف نهضة جديدة، والسوق العالمية موجودة حقًا الآن، ولا سيما بعد فتح كاليفورنيا واليابان للسوق العالمية". واستنتج من الأزمات العاصفة أن الثورة وشيكة الوقوع وسيكون لها طابع اشتراكي. ثم يخاطب إنغلز قائلًا: "المسألة الوحيدة التي أطلب رأيك فيها هي كيف يمكن للثورة أن تصمد في بقعة صغيرة من العالم مثل أوروبا؟" وعمليًا قصد ماركس أنه في ظروف الاقتصاد الرأسمالي العالمي قد لا تصمد الثورة الاشتراكية في منطقة واحدة أو في دولة واحدة[84]. إن آلية خروج الرأسمالية من الأزمات هي فتح أسواق جديدة، ومصادر جديدة للمواد الخام والعمالة الرخيصة. لكن لهذه العملية نهاية أيضًا. لقد أيد ماركس عولمة الأسواق وتمدد رأس المال، بما في ذلك من خلال التوسع الاستعماري، كما فعل في كرّاسة "العمل المأجور ورأس المال" وهي عبارة عن خطاب ألقاه في بروكسل أمام جمعية العمال (وطرح فيها لأول فكرة أن الرأسماليين يدفعون للعمال أجرًا مقابل تكلفة إنتاج قوة عملهم لا مقابل ما ينتجونه)[85]. لم يكن هذا موقفًا أخلاقيًا، بل اعترافًا بالضرورات التاريخية التي أمل أن تقود إلى عالم أفضل في النهاية. ولكن التمييز بين الحتميات التاريخية والموقف الأخلاقي يصبح مبهمًا إذ غُرِست المعاني والغايات في مسار التاريخ.

 لم ير ماركس، ولم يكن بوسعه أن يستبصر، درجة تدخل الدولة في الاقتصاد الرأسمالي لتجنب الأزمات و/ أو معالجتها بعد أزمات القرن العشرين، وتغيّر طبيعة العمل من خلال الثورات العلمية والإدارية المتتالية، وتوقف النظام الرأسمالي عن استقطاب المجتمع إلى طبقتين فقط، ونشوء طبقة وسطى واسعة، وارتفاع مستوى حياة العمال وتحسن نوعيتها، أي استفادة النظام الرأسمالي من الاستجابة للمطالب النقابية.

تدفع الرأسمالية باتجاه زيادة القيمة التبادلية بلا حدود، بمعنى زيادة الثروة، وهو دافعها الفعال للتطوير التكنولوجي وتطوير النجاعة في العمل لزيادة إنتاجيته. كذلك تؤدي المنافسة بين الرأسماليين إلى زيادة الجودة وتقليل القيمة، فترخص أسعار البضائع بسبب انخفاض الزمن اللازم لإنتاجها. وينتج رأس المال حاجات جديدة لدى أفراد المجتمع لم يعوا وجودها سابقًا، وهو ما يتطلب سدها من خلال منتجات جديدة على نحو يؤدي إلى إغناء المجتمع، في عملية تطور تحبس الأنفاس. رأى ماركس أن الاشتراكية تحصد نتائج الرأسمالية المتطورة، ومن دون هذه النتائج؛ أي مستوى متطور لقوى الإنتاج، تكون الاشتراكية حلمًا فارغًا. لم يؤمن ماركس بنشوء الاشتراكية في دول غير متطورة.

تلخصت طرق زيادة الربح القديمة بتمديد وقت عمل العامل والضغط على أجرته من خلال الاحتفاظ بجيوش العاطلين عن العمل الجاهزين لقبول أجر أقل وتشغيل النساء والأطفال للهدف نفسه. ولكن لاحقًا، أصبح وقت العمل اللازم لإنتاج أجر العاملين يتقلص من خلال التطور التكنولوجي، أي زيادة الإنتاجية. واصطدمت الآلية الأولى، أي زيادة الإنتاج، بتمديد وقت العمل وتشغيل الأطفال، بحدودها الطبيعية (القدرة الجسدية والظروف غير الصحية وغيرها) والتاريخية المتمثلة في النضالات النقابية لتحديد وقت العمل، ومنع تشغيل الأطفال، والتعليم الإلزامي، وغيرها من التشريعات؛ أما الآلية الثانية فتتطلب رأسمال أكبر لأنها تتطلّب الاستثمار في التقدم التقني.

ينتهي المجلد الأول من رأس المال بعرض التناقض بين اجتماعية العمل المتزايدة باستمرار والطابع الخاص للملكية، أي الطابع الخاص لتملك نتائج العمل، وبين تراكم الثروة من جهة وتراكم التعاسة من جهة أخرى. يصبح رأس المال قيدًا على تطور قوى الإنتاج إذ تزداد حدة التناقض بين جماعية العمل والإنتاج وغلافها الرأسمالي قبل أن تُمزِّق هذا الغلاف[86]. يُذكِّر هذا بنظريته في التاريخ التي فيها يُحطِّم تطور قوى الإنتاج علاقات الإنتاج القائمة حين تُصبح قيدًا عليها.

وقد اعتقد ماركس أن الرأسمالية تقع في تناقض يقود منطقيًا إلى زوالها، لأن التطور التكنولوجي يؤدي إلى انخفاض معدل الربح؛ أي انخفاض النسبة بين فائض القيمة ومجموع رأس المال المُستثمر، سواء أكان ثابتًا أم متغيرًا. كذلك فإن زيادة رأس المال وتركيزه يقودان إلى تقلص أعداد الرأسماليين وازدياد عدد العمال. لكن ما حصل في الحقيقة هو العكس، إذ ازدادت إنتاجية العمل وارتفع مستوى معيشة العمال وتقلّصت نسبتهم من السكان في مقابل توسّع الطبقة الوسطى في البلدان الرأسمالية المتطورة. كذلك فإن الأدوات القديمة التي ساعدت في تجاوز الأزمات مثل استعمار دول أخرى في إطار تمدد الاقتصاد العالمي لم تعد قائمة، وظلّ الاقتصاد العالمي قائمًا بعد زوال الاستعمار.

بعد وفاة ماركس، نشر إنغلز المجلدين، الثاني والثالث، من كتاب رأس المال اللذين يتناولان دورة رأس المال وعملية التوزيع (distribution) ومسألة تقسيم الربح بين رأس المال العقاري والتجاري والصناعي. وقد عرضت أيضًا عملية تراجع نسبة الربح كلما تقدم التطور التكنولوجي الذي يؤدي إلى تقليل حصة رأس المال المستثمر في العمل[87]. وكان ماركس في مخطوطة الغروندرِسِه قد وصف قانون انخفاض نسبة الربح، كلما تطورت البنية العضوية لرأس المال؛ أي كلما ازدادت حصة التكنولوجيا من رأس المال وانخفض مُركِّب العمل، بأنه أهم قوانين الاقتصاد السياسي الحديث[88].

لم يكن ممكنًا إثبات تنبؤات كتاب رأس المال تجريبيًا، فقد بنيت هذه التنبؤات على معطيات القرن التاسع عشر وعلى خلط بين التحليل المنطقي الجدلي والتحليل التاريخي. لقد قدم كتاب رأس المال نموذجًا تفسيريًّا نظريًا لنشوء الرأسمالية وطبيعتها، أي طبيعة العمل المأجور، ومصدر القيمة ومصدر الربح وغير ذلك من الأمور. إنه نموذج نظري يفسر آلية عمل النظام الرأسمالي، وجذور الاستغلال الكامنة فيه. وقد انتُقِد هذا النموذج التفسيري لعمل الرأسمالية المبكّرة، ولكن التحدي في هذه الحالة يكون بعرض نماذج تفسيرية أخرى؛ أما التنبؤات التي بُنيت عليه فدحضت، وهي تنبؤات صيغت على نحو يمكِّن من إثبات خطئها أو صحتها.

ذُكِر سابقًا أن عامة المثقفين وجدوا الكتاب صعب القراءة، أما الاشتراكيون المناصرون لماركس والمعادون له فاختلفوا على أهمية نظرية فائض القيمة في النضال ضد الاستغلال، فقد اعتبرها بعضهم نظرية تفسيرية مفيدة في فهم الرأسمالية، ولكن لا تقدم ولا تؤخر في النضال ضدها، ويمكن خوض النضال ضد الاستغلال الرأسمالي من دون هذه النظرية. وعد نقاد آخرون نظرية القيمة عمومًا نوعًا من الميتافيزيقا الفلسفية، أو الميتا نظرية في الاقتصاد.

عن الطبقة والصراع الطبقي

يحتل موضوع الطبقة والصراع الطبقي مكانة مركزية في فكر ماركس؛ ومع ذلك، فثمة إشكال في تعريف الطبقة عنده: أهي مجرد مسألة بنيوية موضوعية، أم مسألة انتماء ووعي أيضا؟ لم يكتب ماركس كتابًا نظريًا مخصصًا له، ولم يبذل جهدًا في تعريف الطبقة. وليس ذلك مفاجئًا، لأنه عمومًا لم يهتم بالتعريف الساكن لمصطلحاته (terminology). كان التعريف بالنسبة له هو عملية توليد مفهوم (concept) من مصطلح (term) عام ومجرد. وقد بُذل مثل هذا الجهد في تطوير مفهوم السلعة ومفهوم رأس المال. لكنه لم يقدم جهدًا مماثلًا في حالة الطبقة، فمفهومها مفقود في إنتاجه الفكري على الرغم من مركزيتها في فهمه المجتمع والتاريخ.

إن ما يُحدِّد الطبقة عند مؤلفي الأيديولوجيا الألمانية والبيان الشيوعي هو الموقع من ملكية وسائل الإنتاج. وهما يشددان على وجود موضوعي للطبقة والصراع الطبقي؛ محرك التاريخ الذي يتخذ أشكالًا مختلفة. وكما يتضح من البيان الشيوعي والصراع الطبقي في فرنسا وغيرهما من الكتابات، فإن الأهم بالنسبة لهما هو اتخاذ الصراع الطبقي شكلًا موجّهًا ومسيّسًا. وهذا يتطلب درجة من وعي الانتماء إلى طبقة لكي تنتقل الطبقة الكامنة في مجموعة بشرية تتشارك ظروفًا اقتصادية معينة (الموقع في عملية الإنتاج والتوزيع وعلاقات الملكية السائدة) من القوة إلى الفعل. فمثلًا، لا توجد رابطة طبقية فعلية في حالة الفلاحين، الذين يتشاركون مثل هذه الشروط الاقتصادية، فهم ينتمون إلى وحدات اجتماعية منفصلة، ولا تنشأ بينهم علاقات تشكّلهم بصفتهم طبقة. وفي وصف ماركس للفلاحين في فرنسا، جاء في كتاب الثامن عشر من برومير أن لا رابطة تجمعهم، ويُشبِّههم بحبات البطاطا في كيس[89]. إنهم لا يشكلون طبقة فعلًا إلا من حيث تشابه أوضاعهم الاقتصادية من دون التحول إلى فاعل اجتماعي، أو الوعي (أو الشعور) بالانتماء إلى فئة اجتماعية واحدة (طبقة). إنهم طبقة بالقوة، أي من حيث الاحتمال (potential) فحسب. وهذا معنى الوجود الموضوعي؛ إنه وجود بالقوة لا بالفعل.

لقد نص البيان الشيوعي بوضوح على أن الصراع الطبقي هو صراع سياسي، وعلى أن تنظيم البروليتاريا طبقيًا يتعرقل باستمرار نتيجة لمعوقات ظهور الوعي الطبقي، وهي ظروف العمل وإفقار الوعي والتنافس بين العمال بسبب البطالة وغيرها. ويُشدِّد البيان على دور الشيوعيين والحركات العمالية "في تحويل العمال إلى طبقة"[90]. بكلمات أخرى، إن المقصود بالطبقة هنا ليس مجموعة بشرية تتشارك موقعًا محددًا في عملية الإنتاج أو التوزيع، فحسب، بل هي أيضًا واعية لذاتها من خلال وعي المنتمين إليها بهذا الانتماء.

ولذلك من الطبيعي أن يستنتج منظرو الماركسية الأوائل بعد ماركس مباشرة (مثل كاوتسكي ولينين) أن من ينهض بالوعي الطبقي هم أفراد من الأنتلجنسيا البرجوازية الذين انحازوا للطبقة العاملة، لأن الوعي الاشتراكي وفقًا لهم ينجم عن معرفة علمية.

 لا تتحول جماعة كبرى من الناس يتشابهون في موقعهم من ملكية وسائل الإنتاج وفي حصتهم من توزيع الثروة وغيرها من السمات إلى طبقة تشكل فاعلًا اجتماعيًا حقيقيًا إلا بوجود وعي يمكن تسميته بالوعي الطبقي، وأيضًا بوجود انتماء طبقي، ودرجة ما من التنظيم. لم يشرح ماركس هذه الأمور منهجيًا، ولذلك ظلت غامضة، وعرضةً لتأويلات مختلفة. وفي المجلد الثالث من كتاب رأس المال، خلَّف صفحة ونصف صفحة فقط عن الطبقة في فصل عنوانه "الطبقات"[91]. في هذا النص القصير صنف ماركس ثلاث طبقات في المجتمع الرأسمالي وفقًا لحصصهم من القيم المُنتَجة، وهي: طبقة الرأسماليين الصناعيين الذين يتلقون الربح، وطبقة الرأسماليين العقاريين الذين يتلقون الريع العقاري، وطبقة العمال الذين يتلقون الأجر.

حاول لينين تعريف الطبقات لاحقًا على نحو أوضح، فالطبقات عنده مجموعات من البشر تختلف عن بعضها بالمكانة التي تحتلها في منظومة اجتماعية للإنتاج محددة تاريخيًا، وبالدور الذي تؤديه في التنظيم الاجتماعي للعمل، ومن ثم بحصتها في الثروة الاجتماعية، وطريقة تملكها لهذه الحصة[92]. ولكنه لم يأت على ذكر الوعي الطبقي والانتماء بوصفهما مكوّنين في تعريف الطبقة ذاتها.

الإشكالية الأولى هي إذًا تعريف الطبقة. وتكمن الإشكالية الثانية في تمايز الاقتصاد عن غيره من المجالات في الرأسمالية فقط (بما في ذلك الطبقة المعرَّفة بالاقتصاد وحده). لقد كتب ماركس وإنغلز في "البيان الشيوعي" عن صراع الطبقات بوصفه محركًا للتاريخ كله حتى عصرهما. ولكن فهمهما للطبقة الاقتصادية المحض ينطبق فقط على الرأسماليين والعمال. أما الطبقات القديمة فليست اقتصادية محضة، بمعنى الموقع في عملية الإنتاج وتوزيع الثروة. فحتى نظريًا، يستحيل فصل الاقتصاد في الجماعة الأهلية والقرية والقبيلة، وحتى المدينة القروسطية، عن العلاقات الاجتماعية والأعراف والمكانة وعلاقات القوة داخل الجماعة. ولا يصح اختزال الصراع بين الكيانات الاجتماعية في هذه الحالة إلى صراع طبقي بالتعريف الاقتصادي للطبقات.

وتتعلق الإشكالية الثالثة بالعلاقة بين محركَي التاريخ عنده؛ الصراع بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج من جهة، والصراع الطبقي من جهة أخرى. لقد حاول ماركس أن يثبت علميًا أن العلاقة الجدلية بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج في الرأسمالية، وبين الطبقة الرأسمالية والبروليتاريا، سوف تقود إلى زوال الرأسمالية ونشوء الشيوعية. وعلى فرض أن زوال الأولى يقود إلى نشوء الثانية، ولا إثبات على ذلك، فيجب تبيين العلاقة بين جدلية قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج والصراع الطبقي الفعلي.

لقد أكد ماركس وإنغلز في مواضع عدة يصعب حصرها أن الفرق بين اليوتوبيا القائمة إما على تقديم النموذج الاشتراكي من خلال تعاونيات أو غيرها أو تقديمه من خلال الوعظ، وبين مقاربتهما الصراع الطبقي الذي يقود إلى الاشتراكية، يكمن في تأسيس الانتقال إلى الاشتراكية على قوانين التاريخ وقوانين حركة النظام الرأسمالي نفسه، وأن الصراع الطبقي يجب أن يتحول إلى صراع سياسي يُغير النظام القائم ليكون ممكنًا اتخاذ الإجراءات اللازمة لبناء الاشتراكية، وأن الصراع الطبقي يُطلق النزعات القائمة أصلًا في المجتمع البرجوازي نفسه.

لكن الأمر ليس مجرّد فرق بين العلم واليوتوبيا وكأن ماركس يكتفي بمنح الطبقة العاملة نظرية علمية تُحلّل نزعات المجتمع البرجوازي لكي تستغلها لتحقيق الاشتراكية. لقد آمن ماركس بمُثُل أراد تحقيقها، مِثل التعاون والتضامن والمساواة وتحقيق قدرات الفرد وتمكينه من التطور متعدد الجوانب. لذلك أيضًا أعجب بأفكار شيوعيين واشتراكيين سبقوه. وتستند علمية نظرية ماركس إلى ما عده اكتشاف قوانين التاريخ التي تقود إلى الاشتراكية وصياغتها. قال إنغلز في خطابه في رثاء ماركس يوم دفنه في لندن في 17 آذار/ مارس 1883 إنه "مثلما اكتشف داروين قانون تطور الطبيعة العضوية، اكتشف ماركس قانون تطور التاريخ البشري"[93].

ويبقى السؤال: كيف تدفع القوانين العلمية المكتشفة الطبقة العاملة إلى النضال الطبقي؟ لا تعبّر هذه القوانين العلمية عن عملية انتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية بعد حصولها، مثلما فُسِّر بها الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، بل يعتمد فعل هذه القوانين على تنظيم الطبقة العاملة وفعلها. وهذا يفترض أن تتحول القوانين إلى عقيدة تؤمن بها الطبقة العاملة، أي تتحول من حتمية يترجمها العلم في قوانين إلى إيمان بحتمية زوال الرأسمالية. هكذا لا يبقى العلم علمًا، ولا تكون العقيدة أخلاقية ما دامت إيمانًا بحتميات. وهنا مشكلة الماركسية الرئيسية. فلا يفترض أن تكون القوانين العلمية مرتبطة بإرادة البشر الحرة ووعيهم، وإذا ارتبطت بإرادة البشر ووعيهم فإنها إما أن تكون قوانين تفسيرية لتحولات جرت فعلًا بمشاركة البشر، وإما أن تتنبأ على درجة معينة من الاحتمال بتطورات مشروطة بوجود فاعلين بشريين تتقاطع وتتداخل إرادتهم وتتفاعل فيما بينها ومع الظروف التاريخية الاجتماعية والاقتصادية المعطاة. 

ثمة إشكالية رابعة، وهي متعلقة بالصراع الطبقي. فماركس يتعامل معه مبدئيًا بوصفة دائرًا في إطار نمط إنتاج محدّد، ولكن في سائر كتاباته التي تعاملت مع حالات عينية، كان الحديث عن الصراع الطبقي في دولة بعينها. فالصراع الطبقي يتخذ طابعًا سياسيًا في إطار الدولة، من النضال المطلبي وحتى الصراع للاستيلاء على الحكم؛ وإذا كانت ثمة جماعات إثنية قوية في الدولة، فقد يصعب على الصراع الطبقي تجاوزها.

وقد يؤدي الصراع القومي أو الطائفي أو غيره إلى تأجيل الصراع الطبقي أو حتى تهميشه. وقلما تعامل ماركس مع أهمية هذا الصراعات الجماعتية غير الطبقية، والتي تبين أنها قد تكون أيضًا محركة لتاريخ بعض الشعوب. ولا شك أن ماركس أدرك ذلك في حالتي إيرلندا وبولندا حيث وقف إلى جانب الشعوب المضطهدة. ولم يعد صراعها من أجل الاستقلال في نظره مجرد عائقٍ أمام الصراع الطبقي ووحدة الطبقة العاملة العابرة للحدود القومية. وكانت ثمة محاولات لفهم الصراع الوطني، أو القومي، باعتباره شكلًا من أشكال الصراع الطبقي، وفقًا للطبيعة الطبقية لقيادة كل شعب، ولكنه تفسير يتناقض مع ذاته حين يعترف أنه يعيق وحدة الطبقات العابرة للهويات الإثنية والطائفية وغيرها، ما يجعله صراعًا طبقيًا في جوهره، ولكنه معيقٌ للصراع الطبقي. يقصِّر بردايم الصراع الطبقي عن أن يحتوي أو يفسر الصراعات الاجتماعية كافة، ولا يصح اختزال الجماعات في الطبقات، ولا بد من معرفة حدود هذا البردايم لتجاوزه واستخدام مناهج إضافية عند تحليل الصراعات الاجتماعية.

الاستعمار ونمط الإنتاج الآسيوي

كتب ماركس وإنغلز في البيان الشيوعي: "يُتَّهم الشيوعيون بأنهم يريدون إلغاء الوطن والوطنية. ليس للعمال وطن. ولا يمكن أن يُؤخَذ منهم ما لا يملكون. حين تستولي البروليتاريا على السلطة السياسية، وترفع نفسها إلى طبقة وطنية، وعندما تفرض نفسها بأنها الأمة، فهي بذلك وطنية، ولكن ليس بالمعنى البرجوازي للكلمة"[94]. لم تتحقق تنبؤات ماركس في "البيان الشيوعي" بأن القومية سوف تختفي، انطلاقًا من أن الطبقة العاملة لا تملك وطنًا، والقومية بالنسبة لها ميتة أصلًا، كما ورد في الأيديولوجيا الألمانية، التي تلتها توقعات إنغلز في عدة مواضع باندماج القوميات. لقد ثبت تسرع هذه التوقعات وخلطها الواقع بالتمني حتى بالنسبة للدول الرأسمالية التي قُصِدت بهذه الأحكام. وقد وردت في الأيديولوجيا الألمانية أيضًا فكرة زوال القومية في النظام الشيوعي[95]، كذلك ورد أن الانتقال من التاريخ المحلي إلى التاريخ العالمي ليس مسألة تطور في الوعي، بل هو انتقال الواقع الاقتصادي، الناجم عن تقسيم العمل عالميًا، والتجارة والتبادل التجاري في عصر رأس المال[96]. فالرأسمالية تمهد لزوال القوميات وفقًا للبيان الشيوعي الذي يكرّر الأفكار بشأن إنشاء السوق العالمي من الإنتاج والاستهلاك، وسحب الأرض الوطنية من تحت أقدام الصناعة "لغم الرجعيين الشديد"[97]. ويكون نضال الطبقة العاملة في البداية نضالًا وطنيًا ضد برجوازيتها المحلية، ولكن ما يلبث أن يصبح أمميًا[98].

تنمّي البرجوازية مصالح وطنية محلية وفقًا للبيان، وفي الوقت ذاته تولّد طبقة متحررة من العالم القديم. إنها تنتج الطبقة ذات المصالح نفسها عند سائر الأمم، أي الطبقة العاملة، التي سوف تلغي القوميات[99]. ولكن الطبقة العاملة لم تتحرر بالمعنى الذي قصده البيان، بل حققت إنجازات هائلة في إطار الدولة الوطنية، ولم تحرّر العالم من القوميات، بل أصبحت هي ذاتها من الفئات الاجتماعية الأكثر تعرضًا للتعبئة القومية والوطنية لأسف الماركسيين الشديد.

أيد ماركس وإنغلز خلال حياتهما الغنية بالتفاعل مع الأحداث بعض الحركات القومية وعارضا بعضها الآخر. فما هو المعيار الذي اتبعاه في دعم حركات قومية ومعارضة أخرى؟ إنه التمييز بين تعزيز المسار التاريخي نحو الاشتراكية وإعاقته. فعلى سبيل المثال، اعتبرا أن فكرة "الجامعة السلافية" معادية للتقدم التاريخي، لأنها ترمي إلى إخضاع الغرب المتمدن لشرق أوروبا المتخلف، والمدن للريف، وغير ذلك من النزعات الرجعية من منظورهما. وفي حين رأى ماركس وإنغلز أن نضال البولنديين والإيطاليين والمجريين ضد روسيا والإمبراطورية النمساوية هو فعل تقدمي يستحق الدعم، لأن دور هاتين الإمبراطوريتين كان رجعيًا، ووصما القومية الروسية والتشيكية والكرواتية بالرجعية، في المقابل، أيّدا نضال بولندا ضد روسيا والنمسا. وفي خطاب لماركس عن بولندا وردت عبارة "لا يمكن أن تكون الأمة حُرّة وتواصل في الوقت ذاته قمع أمة أخرى"[100]. وأصبحت هذه المقولة تتكرر مثل لازمة في سياق مناهضة الماركسيين للاحتلال من داخل الدولة الاستعمارية أو الدولة التي تفرض سيادتها على أمة أخرى بالقوة.

لقد تعدّل موقفهما من الاستعمار وتمدّد الرأسمالية في حالتي إيرلندا وبولندا، إذ وقفا مع استقلال هذين البلدين وحركتيهما الوطنيتين ضد الاستعمار الإنكليزي في إيرلندا والاستعمار الروسي في بولندا. يمكن أن ينسجم الموقف من بولندا مع الرؤية الطبقية العامة لأن روسيا كانت قلعة الرجعية في أوروبا في نظر ماركس، والنضال ضدها يمكن أن يُعد نضالًا تقدميًا وفقًا للمعيار الطبقي. لكن الموقف من إيرلندا لا يتوافق مع هذا المنهج لأنه نضال ضد توسع الرأسمالية الإنكليزية. وفيما عدا تأثير التعاطف الشخصي الناجم عن القرب من الموضوع والإعجاب بنضال الإيرلنديين، ربما رأى ماركس أن استعمار شعب آخر يعيق النضال الطبقي في الدولة المُستعمِرة، حتى لو كانت متقدمة لأنه يؤدي إلى نوع من الوحدة الوطنية في الصراع ضد الآخرين. لذلك اعتقد ماركس بوجوب تحرر إنكلترا من إيرلندا، لا تحرر الثانية من الأولى فقط. هذا إضافة إلى إعاقة الاحتلال الإنكليزي لإيرلندا للتطور هناك، وعناد المقاومة وديمومتها ضده.

أما خارج أوروبا، فقد عدَّ ماركس التوسع الاستعماري جزءًا من عملية بناء السوق العالمي ونقل الدول المتخلفة إلى نمط الإنتاج الرأسمالي، وبهذا المعنى غالبًا ما اعتبر أنه ضرورة تاريخية في الطريق إلى الاشتراكية، ولا سيما في الحالات التي لم تكن مرشحة للتطور نحو الرأسمالية بقواها الذاتية، هذا قبل أن يصل إلى قناعة بعدم ضرورة مرور البلدان كلها بالخطة التاريخية لمتتالية أنماط الإنتاج بحلقاتها كافة. وعندما اعترف ماركس بدور تقدمي للاستعمار في الشرق الأقصى من بوابة الهند، كان ذلك إشارة إلى التطور التاريخي بموجب المخطط المذكور، فبناءً على تحليله لنمط الإنتاج السائد فيها، كانت الهند عاجزة عن مغادرته والتطور وحدها.

وغالبًا ما يُقتبَس باستهجان موقف إنغلز من الاستعمار الفرنسي للجزائر من مقال له في صحيفة نورثرن ستار الإنكليزية بتاريخ 22 كانون الثاني/ يناير 1848، حيث عدّ احتلال الجزائر احتلالًا وحشيًا دون شك ومقاومة القبائل له بطولية، لكن، على الرغم من ذلك، كان هذا الاحتلال "حدثًا [مهمًا] وسعيدًا للتقدم الحضاري". واضطر بعده البايات في تونس وطرابلس والمغرب أيضًا، إلى البحث عن مصادر اقتصادية أخرى غير القرصنة[101]. هذا في مرحلة مبكرة نسبيًا من تطور موقفهما الفكري بشأن المستعمرات.

كتب ماركس إلى إنغلز في 2 حزيران/ يونيو 1853 ما معناه أن المفتاح الحقيقي لفهم الشرق بما في ذلك الدين هو عدم وجود ملكية خاصة للأرض، ويكشف فيها عن مصدر قديم من مصادره في هذا الشأن وهو فرانسوا بيرنييه (François Bernier، 1620-1688) الذي عاش في الهند في ضيافة أباطرة المغول (وكان قد عاصر اثنين منهما. وكانت السلالة في واقع الحال ذات أصول أوزبكيّة وليست مغولية، تمامًا كحال تيمورلنك). وألَّف كتبًا عن رحلاته بين عامي 1656 و1668[102] توصل فيها إلى أن المشترك بين الهند وفارس وتركيا هو غياب الملكية الخاصة للأرض. أجابه إنغلز في 6 حزيران/ يونيو أن السبب الرئيس لغياب ملكية الأرض في الشرق هو المناخ والصحاري الشاسعة. وردّ ماركس في 14 حزيران/ يونيو مشددًا على الأشغال العامة التي تضطلع بها الحكومة المركزية ولا سيما في مجال الري، وعلى القرى الهندية المستقلة المتماثلة بوصفها أساس الركود الاجتماعي[103]. كانت هذه بداية التفكير بنمط الإنتاج الأسيوي الذي يميز جمود التطور التاريخي للبلدان الشرقية عن ديناميكية تطور أنماط الإنتاج في أوروبا. وهو المفتاح لفهم تلك المجتمعات.

لم يُنشَر هذا الاستنتاج في أبحاث، ويقتصر المصدر عن هذه الفكرة الماركسية على رسائل ومقالات؛ أي مقالات ماركس التي نشرها في جريدة نيويورك ديلي تريبيون في 25 حزيران/ يونيو بعنوان "الحكم البريطاني في الهند"، وفي 8 آب/ أغسطس 1853 بعنوان "النتائج المحتملة للحكم البريطاني في الهند"[104]. يمكن تقسيم المقال الأول إلى موضوعتين: الأولى هي ركود المجتمع الهندي، والثانية تأثير بريطانيا على هذا المجتمع. الأولى هي المتعلقة بما أصبح يسمى نمط الإنتاج الآسيوي في الحضارات النهرية والبلدان ذات السهوب الشاسعة الممتدة من الصحراء الأفريقية، مرورًا ببلاد فارس والهند و"بلاد التتار"، إلى هضاب آسيا[105].

تطرّق ماركس في مقالتيه عدّة مرّات إلى ما سُمّي لاحقًا "نمط الإنتاج الآسيوي"، مُقسِّمًا الدولة في ظله إلى ثلاث دوائر: المالية أو ما يُسمّيه " قسم نهب الداخل"، والحرب أو "قسم نهب الخارج"، و"الأشغال العامة"[106]، وهي الأهم، لأنها تُلخِّص تشخيصَه لنمط الإنتاج الآسيوي، أي مشاريع دولة الاستبداد الشرقي (Oriental Despotism) في مجال بناء السدود لتقي الزراعة من الفيضانات الموسمية، وشق القنوات من الأنهار لأغراض الري. دور الدولة هذا في تنفيذ المشاريع الكبرى -ولا سيما مشاريع الري بوجود قرى مستقلة متناثرة غير قادرة على تشكيل تعاونيات للقيام بمشاريع مشتركة، وغياب الملكية الخاصة للأرض- هو الأساس الذي يقوم عليه الاستبداد الشرقي. وقد كَسَرَت التجارة البريطانية "الحرة" نمط الإنتاج السائد بتحويل الهند إلى سوق كبيرة للسلع البريطانية، ولا سيما المنسوجات، وتخريب إنتاج النسيج الريفي المحلي.

يمكن تلخيص رأي ماركس في المقال الأول، بأن إنكلترا كانت أداة غير واعية لتثوير العلاقات الاجتماعية في الهند، فقد أحدثت ثورة في واقع الجماعات القروية (عماد نمط الإنتاج الآسيوي) الذي يصفه بناء على تقارير رسمية بريطانية[107]. واعتقد ماركس أن السكك الحديدية وتوحيد السوق في الهند سوف يسهمان في القضاء على نظام الطبقات الطائفي القائم، فالهند لم تكن فقط منقسمة بين مسلمين وهندوس، بل أيضًا بين طبقات طائفية (castes)، وبين المدن والقرى، وبين القرى نفسها.

وأشار ماركس في مقاله الثاني إلى أن بريطانيا لم تراعِ شيئًا من أوضاع البلاد التي احتلتها وحاجاتها. وورد فيه أن الهند "لم تكن قادرة على أن تفلت من قدر الاحتلالات المتتالية، وتاريخها، إذا كان ثمة تاريخ، هو تاريخ الغزوات المتعاقبة التي أخضعتها. ليس للمجتمع الهندي تاريخ، أو على الأقل ليس له تاريخ معروف. وما نسميه تاريخها ليس إلا تاريخ الغزاة المتعاقبين الذين أسسوا إمبراطوريات"[108]. يصعب عدم ملاحظة تأثير رؤية هيغل للتاريخ العالمي على ماركس في هذه الفقرات. ويقصد ماركس أن القرى الهندية، وهي وحدات إنتاجية مبعثرة ومكتفية لا تتطور بالانتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، وحكام الهند يتغيرون بمعزل عنها، وغالبًا بالغزو. وقد فرضت بريطانيا الوحدة السياسية على الهند، بموجب هذا المقال، "وسيعززها ويديمها التلغراف، الجيش المحلي الهندي الذي ينظمه ويدربه الإنكليز"[109]. وقد تضمن المقال إشارات شارإلى احتمالات تطور البنية الطبقية للهند بما فيه نشوء بروليتاريا صناعية وتحوّل الهنود إلى قوة اجتماعية قادرة على "خلع نير الحكم البريطاني[110]. وهو موقف واضح مؤيد للتحرر من الاستعمار، التحرر المرتبط بالتطور الاجتماعي. كذلك، هو يشير إلى البربرية المتأصلة في الحضارة البرجوازية متخليًا تمامًا عن التمييز المركزاني الأوروبي بين بربرية متفوقة وبربرية متخلفة[111].

وكرّر ماركس في تقاريره الأولى عن الأحداث في الصين في نيويورك ديلي تربيون موقفه المعروف في البيان الشيوعي بشأن نشر الاستعمار الرأسمالية في المشرق على الرغم من شراسة الحروب وبربرية الاستعمار، كما في حالة حرب الأفيون الأولى في الصين (1839–1842). ولا شك أن رؤية ماركس في البيان الشيوعي وفي مقالاته الأولى عن الهند وغيرها كانت رؤية مركزية أوروبية، متأثرة أيضًا بمقاربة هيغل للتاريخ العالمي[112]. لكن الفقرات الحماسية عن دور البرجوازية في البيان الشيوعي تبعتها صفحات كاملة في هجاء الرأسمالية واستغلالها للعمال. والحقيقة أن ماركس وَصَفَ سلوك الاستعمار في المشرق أيضًا بعبارات لا تقل حدّة. وبرأي أندرسون، تعدل موقف ماركس قليلًا في مقالات عام 1853 قبل أن يتعدل جوهريًا منذ نهاية الخمسينيات، وهو يدحض تقييم أمثال شلومو أڤينيري (1933–2023) أستاذ العلوم السياسية الإسرائيلي ومؤرخ الفكر الصهيوني الذي يعد خبيرًا بماركس أن ما جاء في البيان الشيوعي حَدَّد رؤية ماركس وكتاباته عن العالم غير الأوروبي[113]. فهذا الرأي يهمل تطور موقف ماركس: أولًا اعتقاده اللاحق بعدم الحاجة لمرور سائر المجتمعات بالمراحل التي مرّت فيها الحضارة الغربية من أجل الوصول إلى الاشتراكية، وثانيًا إدراكه أن الاستعمار لم يُوجِد نظامًا رأسماليًا كما في الغرب، بل عملية إعاقة للتطور. وهو ما سُمّي لاحقًا في القرن العشرين بنشوء "اقتصاديات تابعة". ولا يُنسى أن الحديث عن منتصف القرن التاسع عشر الذي لم يوجد فيه تيار معارض للاستعمار في أوروبا، ولم توجد فيه حركات تحرر في المستعمرات، وإن وجدت مقاومة للاحتلال.

في مقالته الأولى التي نشرها في جريدة نيويورك ديلي تريبيون في 25 حزيران/ يونيو 1853 بعنوان "الحكم البريطاني للهند"، كتب ماركس أن التعاسة والمُعاناة اللتين مرت بهما الهند تحت الحكم البريطاني أكبر بكثير مما شهدته تحت الاحتلالات الأخرى. هذا هو المقصود بالقول إن النبرة اختلفت. وماثل ذلك وصفه للاستعمار الهولندي لإندونيسيا في عدد من المقالات الأخرى في الجريدة نفسها. لكن الفرق بين الاستعمار الإنكليزي وغيره من الاحتلالات يتمثل في أنه غيّر طبيعة النظام الاجتماعي. بهذا صنع البريطانيون، وفقًا لماركس، أعظم ثورة اجتماعية شهدتها آسيا.

لم يكن ماركس استعماريًا، لكنه شخّص وظيفة الاستعمار التاريخية من منظوره المناهض للرأسمالية في الغرب. ومن نافل القول إنه لم يعارض استقلال الهند وتحررها من الإنكليز، ولكنه كان يرى أن ذلك غير وشيك وأن الثورة الاشتراكية في الغرب أقرب. ووفقًا لأندرسون[114]، لم يكن ماركس استعماريًا، ولا استشراقيًا، بل تعامل مع "الشرق" وفقًا لتصورّه لعالم أفضل، بما في ذلك في "الشرق نفسه"، ولكن من منظور مركزاني أوروبي، بحيث يفترض أن ينطبق على بلدان الشرق ما ينطبق على أوروبا. وعندما أدرك أن الاستعمار لا يضطلع بدور نشر الرأسمالية وفقًا لنموذجه التاريخي، اتخذ موقفًا حادًا ضده. أما بالنسبة لاعتقاده بأنه قد يتولّد مستقبل أفضل من المعاناة التي يمرّ بها السكان نتيجة للاستعمار، فهذا لم يكن موقفًا يخص الشعوب المُستَعمَرة فحسب، بل كان هذا موقفه أيضًا من الشعوب الغربية ومعاناتها في ظل التراكم الرأسمالي الأوّلي في مسار التاريخ نحو الاشتراكية. وبهذا اختلف أندرسون مع موقفي أڤنيري الذي نسب لماركس موقفا استعماريًا، وإدوارد سعيد (1935–2003) الذي نسب له موقفًا استشراقيًا، على حدٍ سواء في هذا الشأن[115].

استخدم ماركس أشد تعابير الإدانة لجرائم الاستعمار ووحشيته، ولكن من دون التعويل على الحركات التي قاومته مهما كانت بطولية أو مثيرة للإعجاب. وفي مقال له عن "تمرد الجيش الهندي" من عام 1857، أشار ماركس، رغم تقييمه أن وحدة الهند السياسية تحققت فقط في ظل حكم الإنكليز، إلى أنهم اتبعوا سياسة "فرق تسد" في الوقت ذاته، وهذه السياسة هي التي مكنتهم من حكم الهند بقوات قليلة طوال 150 عامًا. لقد أقاموا جيشًا من 200 ألف جندي يحكم 200 مليون إنسان، ويشرف على هذا الجيش 40 ألف جندي بريطاني[116]. في مقالاته التي تناول فيها تمرّد الجيش الهندي المدفوع بدوافع مختلفة، ومن بينها دوافع دينية، فضح ماركس نفاق الطبقات الحاكمة والنخب البريطانية حين أبدت صدمتها واشمئزازها من قسوة الجنود المتمردين وبشاعة التنكيل الجسدي الذي مارسوه، فهذه الطبقات تناست قسوة الاستعمار نفسه والجرائم التي مارسها.

كتب ماركس عن ضرورة المرور بالمرحلة الرأسمالية حتى في الهند، وذلك في إطار توسع السوق الرأسمالي وسيطرته على الاقتصاد العالمي قبل أن يستنفذ إمكانيات التوسع بهدف زيادة الربح الذي تنخفض نسبته مع زيادة المكون الثابت في رأس المال مع التطور التكنولوجي. وليس ماركس آسفًا على الجماعات القروية التي يقضي عليها توسع السوق الرأسمالي ووسائل الاتصال، فقد سخر من الرومانسية والنوسطالجيا للجماعات الريفية؛ تلك الوحدات الإنتاجية المستقلة التي تعيد إنتاج نفسها إلى ما لا نهاية بحيث تسد الحاجات الدنيا للبشر في أفضل الحالات، ولا تتطور من ذاتها، بل فقط بفعل خارجي يكسر هذه الدائرة اللانهائية: "ولا يجب أن ننسى أن هذه الجماعات الصغيرة كانت تحمل وصمة الطبقية والاستعباد، وأنها كانت تُخضع الإنسان للظروف الخارجية عوضًا عن أن تجعل منه سيد الظروف، وتجعل الحالة اجتماعية القائمة التي تعيد إنتاج ذاتها قَدَرًا محتومًا. إن الجماعة الريفية هي أصل العبادة الفظة للطبيعة التي أذلت الإنسان، سيد الطبيعة، ليركع ويعبد هانومان القرد، وسبّالا البقرة"[117].

يقوم نمط الإنتاج الذي أصبح يُسمّى لاحقًا نمط الإنتاج الآسيوي على قرى مشاعية مكتفية ذاتيًا لأنها تجمع بين الزراعة العائلية ونول الغزل المنزلي والورش الحرفية اللازمة، بوجود حكومة مركزية غير محسوسة في القرية، إلا عند جباية الضرائب، ولكنها تنفذ الأعمال الكبرى المتعلقة مثل بناء السدود في مواجهة فيضانات الأنهار في الحضارات النهرية الكبرى وشق القنوات للري. أي إن هذا النظام يلائم شروط مناخية جغرافية معينة. وتعيش المدن الكبيرة على الخدمات المقدمة للدولة، ولا سيما الجيش، وهي تكاد تتنقل معًا مع الملك حين يتنقل، فالملك هو المالك الوحيد للأرض في المملكة، وعندما يتنقل الجيش مع الملك يرافقه حرفيون وعمال يحتاج إليهم الجيش لتقديم الخدمات له[118].

وتطرقت مخطوطة الغروندرسه إلى نمط الإنتاج الآسيوي. فإضافة إلى المقدمات المنهجية في دراسة الرأسمالية تكرر في المخطوطة أيضًا تقسيم أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية إلى: آسيوي تتدخل فيه الدولة في مشاريع الريّ، والكلاسيكي القديم القائم على العبودية، والجرماني الذي تطور إلى الإقطاع الأوروبي، ما يعني أن هذه الأنماط لا تتوالى في التاريخ في تقدم خطي. وقد أولى ماركس اهتمامًا أكبر بنمط الإنتاج الآسيوي في هذه المخطوطة، وأصبحت بعد صدورها المصدر الرئيس عنه بالنسبة للماركسيين. لقد صنّف ماركس في الغروندرسِه أنماط الإنتاج وفقًا للعلاقة بين المُستغِل والمُستغَل: في نمط الإنتاج الاسيوي، وفيما عدا العمل في إطار الجماعة في المشاعية القروية، تكون تبعية العاملين للدولة التي تتولى مشاريع الري الكبرى وبناء المعابد حيث تمارس طقوس تبجيل الآلهة والحاكم/ الدولة، أو حتى عبادته. وفي النمط الكلاسيكي القديم تكون تبعية العبد للسيد مثل نظام العبودية في روما القديمة واليونان، وفي النمط الإقطاعي تكون تبعية الفلاح لمالك الأرض[119]. حلَّل ماركس الاستبداد الشرقي، ونمط الإنتاج الذي يستند إليه، متناولًا بالتفصيل اقتصاد الجماعة القروية وعملها الجماعي وعلاقتها مع شخص الحاكم والاقتصاد الخراجي الناجم عن ذلك، أي إن جباية الدولة جزء من فائض القيمة من خارج عملية الإنتاج، وهي أيضًا الدولة المستبدة التي تقوم بالمشاريع الكبرى وتشغل السكان أنفسهم بالسخرة.

طوّر ماركس في هذه المخطوطة نموذجًا أكثر تركيبًا من ذلك الذي عرضه في الأيديولوجيا الألمانية، مبينًا أن الفرق بين بُنية الجماعة والعشيرة في المشرق وتلك التي سبقت النظام القديم في اليونان وروما هو التحول التدريجي إلى الملكية الخاصة للأرض في حالة اليونان وروما. وظلّ تطور الاقتصاد الآسيوي القائم على الجماعات القروية المتناثرة التي لم تتحول إلى الملكية الخاصة للأرض محدودًا، في حين أنه مع نشوء الملكية الخاصة نشأت أيضًا إمكانية ظهور النظم التي تحررت من الجماعة، وتوفرت الظروف كذلك لظهور الفرد المواطن في بعضها. إن نمط الإنتاج الآسيوي هو الأبعد عن التطور الرأسمالي من بين أنماط الإنتاج التي يعرضها ماركس في الغروندرسه[120].

ظل مفهوم نمط الإنتاج الآسيوي قائمًا لدى بعض المفكرين الماركسيين حتى بداية ثلاثينيات القرن العشرين، لكن تنميط نظرية المادية التاريخية في متوالية تاريخية (عبودية- إقطاع- رأسمالية) في ظل حكم ستالين أخرجه من التداول. وقد أحياه الباحث الألماني كارل ڤيتفوغل (Karl Wittfogel، 1896- 1988)[121] في سياق نقده لستالين والحكم السوڤياتي، إذ عدّه نسخة حديثة من الدولة الشرقية البيروقراطية المركزية التي تضطلع بالمشاريع الكبرى في غياب ملكية خاصة على الأرض، أي إنه الاستبداد الشرقي القائم على نمط الإنتاج الآسيوي كما في الهند والصين ومصر القديمة. وقد وُجه مثل هذا النقد أيضًا للنظام في الصين في ظل قيادة ماو تسي تونغ الذي رفض أيضًا تطبيق فكرة نمط الإنتاج الآسيوي على تاريخ بلاده، مُصرًّا على أن الصين مرت بمرحلة إقطاعية قبل تغلغل الرأسمالية والثورة الاشتراكية.


​وفي نهاية حياته، وفي سياق التواصل مع ثوريين منفيين روس، وبعد ترجمة رأس المال إلى الروسية، كان ماركس مستعدًا لقبول احتمال أن تصبح المشاعية الريفية الروسية (Obschchina - بقايا نمط الإنتاج السلا ڤي في روسيا عصره) التي تقوم على الملكية الجماعية للأرض أساسًا للاشتراكية من دون المرور في المرحلة الرأسمالية، إذا ترافقت الثورة في روسيا مع ثورة البروليتاريا في الغرب، أو أسهمت في نهوضها. فقد ظل متشككًا في إمكانية أن تكون الاشتراكية في روسيا المتخلفة قابلة للحياة من دون اشتراكية في دول أوروبا الغربية المتطورة.

ففي عام 1878، في رسالة بتاريخ 4 شباط/ فبراير إلى الاشتراكي الألماني كارل ليبكنيخت، تطرّق ماركس أول مرة إلى احتمالات الثورة في روسيا ثم في أوروبا إذا هُزِمَت روسيا في الحرب[122]. وأوضح لاحقًا، في مقدمة الطبعة الروسية الثانية للبيان الشيوعي الصادرة عام 1882، أن الثورة في روسيا يمكنها أن تنجح بشرط أن تمتد لبقية أوروبا، فهي تعطي الإشارة لثورة بروليتارية في الغرب، ومن دونها لا تتحول الثورة في روسيا إلى ثورة اشتراكية[123].

النقد الموجه إلى ماركس

عند تناول النقد الموجه إلى ماركس بإيجاز يجدر تجاهل النقد الذي يندرج ضمن الصراع السياسي والأيديولوجي في القرن العشرين، الذي دأب أصحابه على كيل التهم له وتشويه صورته. فهذا كثير ويحتاج إلى دراسة كاملة من نوع آخر. ما يمكن تناوله هنا هو النقد النظري.

قارب إيريك ڨوغلين (Eric Voegelin، 1901-1985) في كتابه Political Religions (1938) مشروع ماركس بوصفه مشروعًا خلاصيًا شبه ديني[124]. وثمة إسراف لدى بعض المفكرين[125] في استخدام مصطلح الديانات الدنيوية أو الديانات السياسية وصولًا إلى إسقاطه على أفلاطون والتنوير والأوروبي والاشتراكية وكل ما يكتشفونه بوصفه أحد جذور الحركات الشمولية في القرن العشرين التي يصح أن تُطلق عليها تسمية حركات شبه الديانات العلمانية (secular pseudo-religions). ورأى جون إلستر أن إلغاء تقسيم العمل هو أساس اليوتوبيا عند ماركس[126]. والحقيقة أن البعد اليوتوبي هو جانب واحد من فكر ماركس. وهذا لا يجعل من فكره فكرًا شبه ديني خلاصيًا من نوع الديانات السياسية العلمانية؛ فالمكونات الرئيسة في فكره علمية، وأسلوبه الأدبي أبعد ما يكون عن الغيبية، كذلك يتميز بالنقدية وحس الدعابة، ويصل في دنيويته حد السخرية اللاذعة التي تغيب في النصوص الدينية أو العلمانية شبه الدينية المتجهمة والفاقدة للدعابة. ولكن يصح القول إن التحزب الفكري عند بعض أتباع الماركسية تحول إلى عقيدة شبه دينية من خلال تهميش مكونات فكر ماركس العقلانية التنويرية النقدية التي شكّلت أساس مشروعه الفكري.

كذلك إن فكر ماركس معرّض لمأزق إضافي له الجذور نفسها، فالنزعة الخلاصية في الفلسفة، التي تتجاوز مجرد الحلم باليوتوبيا إلى صياغة حتمية سَيْر التاريخ إليها، أي التي تزرع المعنى في التاريخ، تهمش الأخلاق في كثير من الحالات، وهي تبرر ذلك ذاتيًا بأن الخير متضمنٌ في مسار التقدم نحو المثال الأعلى وفي النضال وفقًا له. وكان هذا الخطر ماثلًا في حالة ماركس، ولا سيما أنه لم يضع أصلًا فلسفة متكاملة تتضمن علم الأخلاق، وذلك على الرغم من نزعته الأخلاقية القوية في رفض أشكال الظلم والاستغلال كافة. ما عرَّض فكره لتفسيرات مثل أن الأخلاق تخضع المصالح، أو هي ملحقة بالصراع الطبقي وقضية بناء الاشتراكية.

ويتلخص النقد الرئيس على لغة ماركس العلمية من منظور نقاده الكلاسيكيين في القرن العشرين في أنه استخدم عدّة مصطلحات للدلالة على الظاهرة نفسها، أو استخدم المصطلح نفسه للدلالة على ظواهر مختلفة. لم يكن ماركس حذرًا في اختيار تعابيره كما في المقولة المقتبسة بكثرة من الأطروحات عن فويرباخ أن "الإنسان هو مجموعة علاقاته الاجتماعية". ويجب العودة إلى مواضع أخرى في كتاباته لكي توازن مثل هذه المقولات القاطعة المعبرة عن بعد واحد من أبعاد الظاهرة الاجتماعية قبل استكمال أبعادها الأخرى. ففي مقابل هذه المقولة، كتب ماركس في "الغروندرِسِه" التالي: "الإنسان هو بالمعنى الحرفي كائن سياسي (zoon politikon) وليس جزءًا من قطيع[127]، فهو قادر على التفرد/ تفريد نفسه لكن فقط في المجتمع"[128]. لم يكتب ماركس مقالات متكاملة مفصلة للنشر في دوريات علمية يقرؤها متخصصون، بل كان صاحب مشروع فكري متنوع ومتفاعل مع الواقع ومتطور مع الوقت وفي خدمة قضية، ولا يمكن فهمه كله أو الحكم عليه من قراءة نص واحد. 

وقد برّر إنغلز في مقدمة المجلد الثالث من كتاب رأس المال تعدد معاني المصطلح الواحد وتعدد المصطلحات بالدلالة ذاتها بالقول إن استخدام المصطلحات وتعريفها يختلف مع تطور الظواهر نفسها. ولم يكن هذا التبرير مقنعًا، فالتعريف في الحقيقة هو الثابت في الظاهرة مهما تغيرت، ويتغير إذا تحولت إلى ظاهرة أخرى. والواقع أن ماركس لم يعرّف عدته المصطلحية ولا استقر عليها، واستخدم بعض المصطلحات بمعانٍ مختلفة (مختلفة لا متناقضة) كما عدلتها بلاغته الأدبية أحيانًا. ولكن هذا لم يغير في منهجه التحليلي التركيبي ومقاصده. أما تجنّبه تعريف مصطلحاته، فعقَّد فهمها وأتاح المجال للتأويل، كما في حالات مثل الطبقة، وعلاقات الإنتاج، وعلاقات الملكية، والديمقراطية، وغيرها.

يمكن القول إن أهم أسباب سوء الفهم الرائج بشأن مقاربته المادية للتاريخ، ولا سيما لدى غير المطلعين على تطور ماركس الفكري ومكانة فاعلية الإنسان وفاعلية الأفكار في التاريخ فيه، هو عدم وجود تعريف واضح للمكونات التي تشكل المتغيرات الرئيسة في نظريته. فمثلًا لا يوجد تعريف دقيق وواضح لعلاقات الإنتاج وقوى الإنتاج منفصل تمامًا عن المتغيرات، التي يُفترض أنها متغيرات تابعة مثل العلاقات السياسية والحقوقية وأشكال التفكير؛ فسح ذلك في المجال للاعتقاد أن ما يسمّى بعلاقات الإنتاج أو المبنى التحتي للمجتمع هو الاقتصاد فقط، مع أنها تشمل عناصر غير اقتصادية مثل العلم والتكنولوجيا ومعطيات طبيعية أيضًا، وهي تصبح اقتصادية حين تُستثمر في الإنتاج في ظل علاقات إنتاج محددة. كذلك لم يُميّز تمييزًا واضحًا بين علاقات الإنتاج وعلاقات الملكية السائدة (بما فيها من أبعاد حقوقية)، فأحيانًا يستخدم المصطلحين كأنهما مترادفان. ولم يقدم تعريفًا واضحًا للطبقة، وهل هي وحدة التحليل الأساسية للمجتمع بموجب نظريته الاجتماعية. يرى بيرتل أولمان (Bertell Ollman، 1935- ) أن الادعاء بأن الاقتصاد هو أساس كل شيء عند ماركس (economic determinism) وهو عبارة عن صورة كاريكاتيرية عن الفكر الماركسي[129]. وينطبق ذلك أيضًا على مقاربة المادية التاريخية باعتبارها مجموعة معادلات تربط ما يُسمّى المبنى الفوقي بالمبنى التحتي للمجتمع. ويصح هذا أيضًا على اختزال الاقتصاد إلى قوى الإنتاج، وقوى الإنتاج إلى تكنولوجيا. وأسهم في نشر هذا الصورة الكاريكاتورية عن الماركسية قول ماركس نفسه في كتابه بؤس الفلسفة: "المطحنة اليدوية تعطيك مجتمع السيد الإقطاعي والطاحونة البخارية تعطيك مجتمعًا رأسماليًا صناعيًا"[130]، وهي جملة تبسيطية في الواقع ناجمة عن ميل ماركس للاختزال الأدبي في تعبيراته. وقد استسهل ماكس ڤيبر (Max Weber، 1864-1920) انتقادها قائلًا إن المطحنة اليدوية كانت قائمة في أكثر من نمط إنتاج ما قبل رأسمالي، أما الطاحونة البخارية فتلائم الرأسمالية واشتراكية الدولة التي قامت في روسيا في القرن العشرين[131]. وجاء في موضع آخر من الكتاب نفسه أن "العمل ينتظم على نحوٍ مختلف نتيجة لاستخدام أدوات الإنتاج، فالمطحنة اليدوية تفضي إلى تقسيم عمل يختلف عما تقود إليه الطاحونة البخارية"، ويضيف أن "الآلات ليست مصطلحات اقتصادية مثلما أن الثور والمحراث ليست مصطلحات اقتصادية، إنها أداة انتاج. أما الإقطاع والمصنع الحديث الذي يعتمد على الآلات فهو علاقة إنتاج، إنه مصطلح اقتصادي"[132]. هذا يعني أن الاقتصاد يدخل في الصورة لا بتحديد الأدوات وإنما بتحديد علاقات الإنتاج المتلائمة معها، وتوجد حلقات وسيطة كثيرة.

وقد انتقل بعض المفكرين المتأثرين بماركس مثل مفكري مدرسة فرانكفورت من اتّباع منهجه في أولوية الاقتصاد على السياسة إلى تبني أولوية السياسة في منهجهم التحليلي في مقاربة المجتمعات الرأسمالية المتطورة، ولا سيما أنهم أصبحوا أقل تفاؤلًا من ماركس بخصوص انهيار الرأسمالية بتناقضاتها الداخلية[133]، ولا سيما بعد نشوء رأسمالية الدولة، وقد أولوا كذلك البعد الأيديولوجي الثقافي أهمية قصوى.

يبدو أحيانًا أن ماركس ينتقل من مفهوم إلى آخر حين يصف الانتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، فهو بعد أن يضع مفهومًا لنمط الإنتاج السائد في مرحلة ما، يستنتج منه الانتقال إلى مرحلة تاريخية أخرى كأنه يستنبط مفهومًا من مفهوم على نحو جدلي بتبيين التناقضات التي تؤدي إلى نفي الأول. والحالة الوحيدة التي يعرض فيها الانتقال التاريخي نفسه والقوى الاجتماعية التي حملته أو الفاعلة فيه هي الحالة التي وقعت فعلًا، أي الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية. فلم يشرح الانتقال من أنماط الإنتاج ما قبل الإقطاعية إلى الإقطاع. ومن الطبيعي أن يظل الانتقال إلى الشيوعية قائمًا على مستوى مفهوم رأس المال ومفهوم الشيوعية، وذلك على الرغم من شرحه العبقري لبنية الرأسمالية ومسار تطورها حتى عصره. وينطبق الأمر أيضًا على الطبقة العاملة، والطبقات عمومًا، فهو يستنتج سلوكها من مفهومها الذي يضعه، لا من واقع الطبقات العاملة ووعيها وسلوكها الفعلي. هنا يختلط عنده الكائن بما يفترض أن يكون بموجب المفهوم.

وقد شاع في العلوم الاجتماعية نقد ماكس ڤيبر لكارل ماركس في ثلاث نقاط رئيسة تتمحور حول مقاربته المادية للتاريخ والمجتمع: أولًا: استناد تفسيرات ماركس وتحليله السببي لعلاقات الإنتاج الرأسمالي إلى العوامل الاقتصادية من دون اعتبار كافٍ لسلوك الأفراد ودوافعهم؛ ثانيًا: اقتصار فهم ماركس المؤسسات السياسية والدينية والقانونية من منظور فاعلية الاقتصاد. لقد شدد ڤيبر أن النظام الاجتماعي كيان مركب من نظم وأنساق مستقلة نسبيًا ومتفاعلة (الاقتصاد والسياسة والدين والقانون)، ولا يمكن فهمها من خلال قواعد وقوانين عامة ثابتة تتحكم بها جميعًا؛ ثالثًا: تركيز ماركس على الطبقات الاقتصادية في فهمه للتراصف الاجتماعي (Social Stratification). وقد عدّل ڤيبر عملية توزيع المجتمعات البشرية في فئات أو طبقات، بتحديد فئات اجتماعية بناءً على معايير إضافية مثل "الشرف" و"المكانة" و"السلطة". وجادل بأن الطبقات الاقتصادية ليست مترابطة على نحو تلقائي، وبأن الفئات الموزعة على أساس المكانة (Status Groups) تمتاز بتركيب واضح، خلافًا للطبقة التي تجمع أفرادها ثقافة مشتركة، وحتى مصالح متشابهة. وينطبق ذلك على جماعات السلطة[134].

لقد دحض التاريخ توقعات ماركس بشأن انقسام المجتمع الرأسمالي إلى طبقتين فقط، إذ استمر وجود فئات واسعة من البرجوازية الصغيرة من صغار مالكي وسائل الإنتاج الذين يعملون بأنفسهم، ونشأت طبقة وسطى إضافية من الخبراء والتقنيين والبيروقراطية وغيرهم. وظل ثمة عاملون موسميون وعاملون في الخدمات من خارج الطبقتين يقدمون خدمات من أنواع مختلفة مباشرة إلى زبائنهم، ولا يستغلهم رأسماليون مباشرة. هذا عدا عن انقسام الطبقات العاملة ثقافيًا (وحتى مصلحيًا ومطلبيًا) بموجب النوع الاجتماعي (الجندر) والإثنية والقومية وغيره. كذلك أنشأت حركة شيوعية تهتدي بفكره نظام اشتراكية دولة شموليًا في روسيا، لم يكن ماركس ليبديَ تجاهه أي ود أو تعاطف.

 أما بالنسبة لمسألة ما إذا كان فكره، إذا صحّ التعبير، مسؤولًا عن نشوء اشتراكية الدولة الشمولية في روسيا وفي غيرها وأنظمة الحزب الواحد المرتبطة بها. فيقول الباحث المتعمق في تيارات الماركسية ليتشيك كولاكوڤسكي (Leszek Kolakowski، 1927-2009) إن ماركس لم يقصد ذلك، ولكن عقيدته الأيديولوجية ليست بريئة من تلك النتائج، فهي قابلة للتفسير على هذا النحو[135]. وقد وُجِّه نقد ماركسي مبكر إلى لينين الذي برر نظام الحزب الواحد[136] مستخدمًا عرض ماركس للإجراءات التي قامت بها كومونة باريس. وحتى لينين لم ينف، في تبريره لنظام الحزب الواحد، الانتخابات والحفاظ على الحريات نظريًا على الأقل، وإن عدّ الدكتاتورية ضرورية لمصادرة وسائل الإنتاج من المستغِلين، وكسر سلطات الدولة التي تمثل مصالحهم. وفي النهاية أسس فعلًا لنظام دكتاتورية الحزب الذي تحول إلى دكتاتورية الفرد في ظل حكم ستالين بعد وفاته. وقد وجه كارل كاوتسكي (Karl Kautsky، 1854-1938) وآخرون مثل هذا النقد الماركسي للبلاشفة بقيادة لينين، بالتأكيد على أن دكتاتورية البروليتارية لم تعن عند ماركس نظام حكم سياسيًا استبداديًا، بل كان المقصود هو دكتاتورية طبقية، أي من حيث المضمون الطبقي لإجراءاتها وسياساتها[137] كما ذُكِر أعلاه. وقد استخدم ماركس وإنغلز المصطلح (دكتاتورية البروليتاريا وكذلك بصيغة دكتاتورية الطبقة العاملة) إحدى عشرة مرة في مجمل كتاباتهما[138]، وذلك بمعنى نظام حكم انتقالي مؤقت يمكن من فرض إجراءات انتقالية مهمة مثل تركيز وسائل الإنتاج وحماية الثورة، تسود فيه الطبقة العاملة خلافًا لنظام الحكم الذي سادت فيه دكتاتورية البرجوازية، وقد سادت بأدوات ديمقراطية. ولم يدع ماركس إلى التخلص منها، بل إلى تطويرها. فقد دافع عن حرية الصحافة وحرية الاتحاد، وساند بقوة مطلب تعميم حق الاقتراع. وكانت دوافعه متعلقة بتحصيل المساواة، ومشاركة الفرد الكاملة في شؤون مجتمعه، والحرية التي تضمن تمكين الإنسان من التطوير الشامل لقدراته كافة، كما عبر عن ذلك في كتاباته المبكرة[139]die allseitige Etntwicklung des Menschen أو ما يمكن ترجمته إلى all rounded development of the human being. ولكنه لم يضع برنامجًا ديمقراطيًا يكفل الحريات، ولم يهتم بتوضيح طبيعة نظام الحكم، لأنه اعتقد أن الدولة سوف تزول، لكن مقتضيات التحديث وبناء الاشتراكية في دول غير متطورة (خلافًا لتوقعاته) قادت إلى دول شمولية.

المراجع

العربية

أتالي، جاك. كارل ماركس أو فكر العالم: سيرة حياة. ترجمة محمد أحمد صبح. ط 2. دمشق: دار كنعان، 2017.

بشارة، عزمي. مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023.

ماركس، كارل. بؤس الفلسفة (رد على فلسفة البؤس لبرودون). نقله إلى العربية محمد مستجير مصطفى. بيروت: دار الفارابي، 2007.

_________. "موضوعات عن فورباخ". (1845). أرشيف الماركسيين على الإنترنت. شوهد في 6/12/2025. في: https://acr.ps/1L9Bakk

ماركس، كارل وفريدريك إنجلز. الأيديولوجية الألمانية. ترجمة فؤاد أيوب. بيروت: دار الفارابي، 2016.

__________________. "بيان الحزب الشيوعي". ترجمة عصام أمين. أرشيف الماركسيين على الإنترنت. شوهد في 6/12/2025. في: https://acr.ps/1L9B9Iq

ماركيوز، هربرت. العقل والثورة: هيجل ونشأة النظرية الاجتماعية. ترجمة فؤاد زكريا. الإسكندرية: دار الوفاء، 2008 [1970[.

مرقص، إلياس. الماركسية والشرق. بيروت: دار الطليعة، 1968.

الأجنبية

Althusser, Louis. For Marx. Ben Brewster (trans.) London/ New York: Verso, 2005 [1965].

Anderson, Kevin. Marx at the Margins: On Nationalism, Ethnicity and Non-Western Societies. Chicago/ London: University of Chicago Press, 2010.

Avineri, Shlomo. The Social and Political Thought of Karl Marx. Cambridge: Cambridge University Press, 1968.

Bauer, Daniel. “Die Dialektische Natur der Vernunft: Über Hegels Auffassung von Negation und Widerspruch.” Hegel-Studien. vol. 30 (1995). pp. 89-104.

Bernier, François. Histoire de la dernière révolution des états du Grand Mogol [The History of the Late Revolution of the Empire of the Great Mogol]. Paris: Claude Barbin, 1670.

________. Suite des Mémoires du sieur Bernier sur l’empire du grand Mogol [Continuation of the Memoirs of Sieur Bernier on the Empire of the Great Mughal]. Paris: Claude Barbin, 1670-1671.

________. Voyage dans les États du Grand Mogol [Travels in the Mogul Empire]. Paris: Claude Barbin, 1671.

Claeys, Gregory. Marx and Marxism. New York: Nation Books, 2018.

Elster, Jon. An Introduction to Karl Marx. Cambridge: Cambridge University Press, 1986.

Kolakowski, Leszek. Main Currents of Marxism: The Founders, The Golden Age, The Breakdown. P. S. Fall (trans.). New York/ London: W. W. Norton & Company, 2005.

Landor, R. “Interview with Karl Marx, Head of L'Internationale: Revolt of Labour Against Capital, the Two Faces of L'Internationale, Transformation of Society, Its Progress in the United States.” [3 July 1871]. New York World. 18/7/1871. accessed via the Marxists Internet Archive on 6/12/2025. at: https://acr.ps/1L9Ba3S

Lenin, V. I. “A Great Beginning.” in: Collected Works. vol. 29. Moscow: Progress, 1974.

________. “The State and Revolution” [1918]. in: Collected Works. vol. 25. Moscow: Progress Publishers, 1974.

Marcuse, Herbert. Reason and Revolution: Hegel and the Rise of Social Theory. New York: Humanity Books, 1999 [1941].

Ollman, Bartell. Alienation: Marx’s Conception of Man in Capitalist Society. 2nd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 1976.

Rockmore, Tom. “Habermas, Political Economy, and Critical Theory,” in: Radical Intellectuals and the Subversion of Progressive Politics. Gregory Smulewicz-Zucker & Michael J. Thompson (eds.). NY: Palgrave, 2015.

Schmitt, Richard. Introduction to Marx and Engels: A Critical Reconstruction. 2nd ed. Boulder, CO: Westview Press, 1997.

Schumpeter, Joseph. “The Communist Manifesto in Sociology and Economics.” Journal of Political Economy. vol. 57, no. 3 (1949). pp. 199-212.

Shorten, Richard. “The Enlightenment, communism and political religion: reflections on a misleading trajectory.” Journal of Political Ideologies. vol. 8 (2003). pp. 13-37.

Smith, Adam. An Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations. Edwin Cannan (ed.). vol. 2. Chicago: University of Chicago Press, 1976.

Stepelevich, S. Lawrence. The Young Hegelians: An Anthology. Cambridge: Cambridge University Press, 1983.

Voegelin, Eric. Political Religions, T. J. DiNapoli & E. S. Easterly, III (trans.). Toronto Studies in Theology. vol. 23. Lewiston, NY: Edwin Mellen Press, 1986.

Weber, Max. Economy and Society. Guenter Roth & Claus Wittich (eds.). Berkeley, L.A./ London: University of California Press, 1978.

Wittfogel, Karl August. Oriental Despotism: A Comparative Study of Total Power. New Haven, CT: Yale University Press, 1957.

[1] Friedrich Engels, “Ludwig Feuebach und der Ausgang der Klassischen Deutschen Philosophie,” in: Karl Marx – Friedrich Engels Werke (MEW), vol. 21 (Berlin: Dietz, 1988), p. 272.

[2] Gregory Claeys, Marx and Marxism (New York: Nation Books, 2018), p. 22.

[3] Ibid., pp. 17-18.

[4] يترجم البعض مصطلح Rechtsphilosophie فلسفة الحق.

[5] Claeys, p. 26.

[6] جاك أتالي، كارل ماركس أو فكر العالم: سيرة حياة، ترجمة محمد صبح، ط 2 (دمشق: دار كنعان، 2017 [2008])، ص 63.

[7] الترجمة العربية صدرت بعنوان: حال الطبقة العاملة في إنجلترا ، ترجمة فخري لبيب، ونشرته دار الثقافة الجديدة عام 1980 .

[8] Karl Marx, “Die Bourgeoisie und die Kontrerevolution” [The Bourgeoisie and the Counter-Revolution], Neue Rheinische Zeitung, no. 165, 10 December 1848, in: Karl Marx – Friedrich Engels Werke (MEW), vol. 6 (Berlin: Dietz, 1961), pp. 102-109.

[9] Karl Marx, Das Kapital [Capital], vol. 1, in: MEW, vol. 23 (Berlin: Dietz, 1962), p. 15.

صدرت ترجمة المجلد الأول من كتاب رأس المال إلى العربية عن دار التقدم في موسكو عام 1985. وثمة ترجمات أخرى هي:

ترجمة محمد العيتاني للأجزاء الثلاثة في خمسة مجلدات (بيروت: دار المعارف، 1978-1981)، وترجمة فالح عبد الجبار للأجزاء الثلاثة في ثلاثة مجلدات، (بيروت: دار الفارابي، 2013). سوف تُستخدم في هذا النص النسخة الأصلية الألمانية.

[10] كانت هذه الصحيفة حينئذٍ تصدر في مئتي ألف نسخة، وتعد بذلك أهم صحيفة أميركية في تلك الفترة.

Kevin Anderson, Marx at the Margins: On Nationalism, Ethnicity and Non-Western Societies (Chicago/ London: University of Chicago Press, 2010), p. 11.

[11] Leszek Kolakowski, Main Currents of Marxism: The Founders, The Golden Age, The Breakdown, P.S. Fall (trans.) (New York/ London: W. W. Norton & Company, 2005), p. 5.

[12] أتالي، ص 56.

[13] المقصود هو نقد النظام الحقوقي السائد.

[14] Karl Marx, “Zur Kritik der Hegelschen Rechtsphilosophie” [Contribution to the Critique of Hegel's Philosophy of Law] (1844), in: MEW, vol. 1 (Berlin: Dietz, 1988), pp. 378-379.

[15] Ibid., pp. 390-391.

[16] Ibid., p. 381.

[17] Herbert Marcuse, Reason and Revolution: Hegel and the Rise of Social Theory (New York: Humanity Books, 1999 [1941]), pp. 76-82;

هربرت ماركيوز، العقل والثورة: هيجل ونشأة النظرية الاجتماعية، ترجمة فؤاد زكريا (الإسكندرية: دار الوفاء، 2008 [1970[)، ص 97-103.

يُنظر بما يتعلق بمفهوم الدولة وتفضيل هيغل النموذج الألماني البروسي على الإنكليزي: عزمي بشارة، مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص 183-196. وعن الانتقال إلى مفهوم الدولة عند ماركس يُنظر: المرجع نفسه، ص 197-210.

[18] Karl Marx, “Zur Kritik der Hegelschen Rechtsphilosophie: Kritik des Hegeischen Staatsrechts (§§ 261-313)” [Contribution to the Critique of Hegel's Philosophy of Law] (1843), in: MEW, vol. 1, pp. 230-233.

[19] Karl Marx, “Zur Judenfrage” [On the Jewish Question], in: Ibid., p. 355.

[20] Ibid., p. 372.

[21] Ibid., pp. 351, 353, 374, 377.

[22] Claeys, p. 14; Bruno Bauer, “The Genus and the Crowd,” (1844), in: Lawrence S. Stepelevich (ed.), The Young Hegelians: An Anthology (Cambridge: Cambridge University Press, 1983), pp. 198-206.

[23] Karl Marx, Ökonomisch philosophische Manuskripte [Economic and Philosophic Manuscripts of 1844], in: MEW, vol. 40 (Berlin: Dietz, 1968), p. 468.

[24] Ibid., p. 516.

[25] Ibid., pp. 515-517.

[26] Marx, Das Kapital, vol. 1, p. 193.

[27] Karl Marx & Friedrich Engels, Die Deutsche Ideologie [The German Ideology], in: MEW, vol. 3 (Berlin: Dietz, 1978), p. 28.

[28] Richard Schmitt, Introduction to Marx and Engels: A Critical Reconstruction, 2nd ed. (Boulder, CO: Westview Press, 1997), p. 18.

[29] يُنظر بشأن موضوع النفي الجدلي عند هيغل:

Daniel Bauer, “Die Dialektische Natur der Vernunft: Über Hegels Auffassung von Negation und Widerspruch,” Hegel-Studien, vol. 30 (1995), pp. 89-104.

بالإنكليزية يُنظر مقال ديالكتيك هيغل في موسوعة ستانفورد:

Julie E. Maybee, “Hegel’s Dialectics,” in: Edward N. Zalta (ed.), The Stanford Encyclopedia of Philosophy, (Winter 2020), accessed on 5/12/2025, at: https://plato.stanford.edu/entries/hegel-dialectics/

[30] Marx, Ökonomisch philosophische Manuskripte, p. 536.

[31] Ibid., p. 574.

[32] تُنظر الترجمة العربية للأطروحة الأولى والثانية عن فويرباخ:

كارل ماركس، "موضوعات عن فورباخ" (1845)، أرشيف الماركسيين على الإنترنت، شوهد في 6/12/2025، في: https://acr.ps/1L9Bakk

Karl Marx, “Thesen über Feurbach” [Theses on Feuerbach], in: MEW, vol. 3, p. 5.

[33] Friedrich Engel, "Ludwig Feuebach und der Ausgang der Klassischen Deutschen Philosophie," p. 274

[34] Marx, Ökonomisch philosophische Manuskripte, p. 552.

[35] Adam Smith, “Of the Expense of the Institutions for the Education of Youth,” in: Edwin Cannan (ed.), An Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations, vol. 2 (Chicago: University of Chicago Press, 1976), Book V, Chapter I, Part III, Article II, p. 303.

[36] Bartell Ollman, Alienation: Marx’s Conception of Man in Capitalist Society, 2nd ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 1976), p. 132.

[37] تُـنظر الترجمة العربية: ماركس، "موضوعات عن فورباخ"؛

Marx, “Thesen über Feurbach,” p. 6.

[38] Karl Marx, Zur Kritik der Politischen Ökonomie [A Contribution to the Critique of Political Economy], in: MEW, vol. 13 (Berlin: Dietz, 1961), p. 10. 

 [39] Marx & Engels, Die Deutsche Ideologie, pp. 18-19.

[40] Ibid., pp. 30, 71, 311, 327, 375.

[41] Ibid., pp. 69-72.

يُنظر أيضًا: كارل ماركس وفريدريك إنجلز، الأيديولوجية الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب (بيروت: دار الفارابي، 2016)، ص 38-39، 58-61، 88.

[42] Karl Marx & Friedrich Engels, Die Heilige Familie [The Holy Family], in: MEW, vol. 2 (Berlin: Dietz, 1990), pp. 40-41.

[43] Marx & Engels, Die Deutsche Ideologie, p. 34.

لم تُستخدم الترجمة العربية هنا، للعودة إليها: ماركس وإنجلز، الأيديولوجية الألمانية، ص 52.

[44] Marx & Engels, Die Deutsche Ideologie, p. 33.

[45] Ibid., p. 36.

[46] Ibid., 379.

[47] Karl Marx, Grundrisseder Kritik der politischen Ökonomie [Outlines of the Critique of Political Economy], in: MEW, vol. 42 (Berlin: Dietz, 1983), pp. 512, 607.

[48] Karl Marx, Das Kapital [Capital], vol. 3, in: MEW, vol. 25 (Berlin: Dietz, 1964), p. 828.

[49] Marx & Engels, Die Deutsche Ideologie, pp. 27, 63.

[50] Marx, Zur Kritik der politischen Okonomie”, MEW, vol. 13, (Ber,in: Dietz, 1961), pp. 8-9.

[51] Friedrich Engels, “Engels an Conrad Schmidt in Berlin” [Engels to Conrad Schmidt in Berlin], London, 5 August 1890, in:  MEW, vol, 37 (Berlin: Dietz, 1967), p. 436.

[52] Friedrich Engels, “Engels an Joseph Bloch in Königsberg” [Engels To Joseph Bloch in Königsber], London, 21 September 1890, in: MEW, vol. 37, p. 463.

[53] Karl Marx, Der Achtzehnte Brumaire des Louis Bonaparte [The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte], in: MEW, vol. 8 (Berlin: Dietz, 1960), p. 115.

[54] Friedrich Engels, “Brief an Conrad Schmidt in Berlin” [Engels to Conrad Schmidt in Berlin], London, 27 October 1890, in: MEW, vol. 37, p. 493.

[55] Louis Althusser, For Marx, Ben Brewster (trans.) (London/ New York: Verso, 2005 [1965]), p. 113.

[56] الذي عد نفسه ماركسيًا كلاسيكيًا وشيوعيًا حزبيًا أرثوذكسيًا، وأضفيت عليه صفة الماركسية الجديدة بعد وفاته بمدة طويلة.

[57] Pierre Bourdieu, On the State: Lectures at the Collège de France, 1989–1992, Patrick Champagne et al. (eds.), David Fernbach (trans.) (Cambridge: Polity Press, 2014 [2012]), p. 5.

[58] يُنظر: بشارة، ص 168، 198، 203-204، 208.لة

[59] Kolakowski, pp. 143-144.

[60] Ibid., pp. 144-145.

[61] Marx & Engels, Die Deutsche Ideologie, pp. 46-48.

[62] النص العربي:

كارل ماركس وفريديريك إنغلز، "بيان الحزب الشيوعي"، ترجمة عصام أمين، أرشيف الماركسيين على الإنترنت، شوهد في 6/12/2025، في: https://acr.ps/1L9B9Iq

[63] Anderson, p. 10; Joseph Schumpeter, “The Communist Manifesto in Sociology and Economics,” Journal of Political Economy, vol. 57, no. 3 (1949), p. 209.

[64] ماركس وإنغلز، "بيان الحزب الشيوعي"، خاتمة الفصل الثاني بعنوان "بروليتاريون وشيوعيون".

[65] Karl Marx & Friedrich Engels, Manifest der Kommunistischen Partei [The Communist Manifesto], in:  MEW, vol. 4 (Berlin: Dietz, 1977), pp. 482-493.

[66] Ibid., pp. 481-482.

[67] Claeys, p. 79.

[68] Karl Marx, Die Klassenkämpfe in Frankreich 1848 bis 1850 [The Class Struggles in France, 1848–1850], in: MEW, vol. 7 (Berlin: Dietz, 1960), pp. 9-107.

[69] Ibid., p. 89.

[70] Friedrich Engels, “Einleitung zu Die Klassenkämpfe in Frankreich 1848 bis 1850” [Introduction to Karl Marx's The Class Struggles in France 1848 to 1850] (1895), in: MEW, vol. 22 (Berlin: Dietz, 1977), pp. 519-520.

[71] Karl Marx, “Marx an Joseph Weydemeyer in New York” [Marx to Joseph Weydemeyer in New York], 5 March 1852, in: MEW, vol. 28 (Berlin: Dietz, 1963), pp. 503-508.

Marx, Der Achtzehnte Brumaire des Louis Bonaparte, pp. 111-207.

[72] أتالي، ص 244-246.

[73] المرجع نفسه، ص 250.

[74] كارل ماركس، الحرب الأهلية في فرنسا، ترجمة إلياس شاهين لدار التقدم (القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 2013 [1871])، ص 74-76.

Karl Marx, Der Bürgerkrieg in Frankreich: Adresse des Generalrats der Internationalen Arbeiterassoziation [The Civil War in France: Address of the General Council of the International Working Men's Association], in: MEW, vol. 17 (Berlin: Dietz, 1962), p. 340.

[75] ماركس، الحرب الأهلية في فرنسا، ص 77.

Marx, Der Bürgerkrieg in Frankreich, p. 341.

[76] فردريك إنغلز، "مقدمة"، في: ماركس، الحرب الأهلية في فرنسا، ص 24.

Friedrich Engels, “Einleitung zu Karl Marx' ‘Bürgerkrieg in Frankreich’ (Ausgabe 1891)” [Introduction to Karl Marx's The Civil War in France], in: MEW, vol. 22, p. 199.

[77] R. Landor, “Interview with Karl Marx, Head of L'Internationale: Revolt of Labour Against Capital, the Two Faces of L'Internationale, Transformation of Society, Its Progress in the United States,” [3 July 1871], New York World, 18/7/1871, accessed via the Marxists Internet Archive on 6/12/2025, at: https://acr.ps/1L9Ba3S

[78] ماركس، الحرب الأهلية في فرنسا، ص 110.

[79] Karl Marx, “Kritik des Gothaer Programms” [Critique of the Gotha Programme], in: MEW, vol. 19 (Berlin: Dietz, 1987), p. 21.

[80] Marx, Das Kapital, vol. 1, pp. 86-87, 97.

[81] إلياس مرقص، الماركسية والشرق (بيروت: دار الطليعة، 1968)، ص 45.

[82] يعرض ماركس نظريته في القيمة الفائضة في القسمين الثالث والرابع من المجلد الأول من كتاب رأس المال.

[83] أتالي، ص 162-163.

[84] Karl Marx, “Marx an Engels in Manchester” [Marx to Engels in Manchester], London, 8 October 1858, in: MEW, vol. 29 (Berlin: Dietz, 1978), p. 360.

[85] محاضرة من كانون الأول/ ديسمبر 1847، نُشرت في سلسلة لمقالات في صحيفة الراين الجديدةNeue Rheinische Zeitung، من تاريخ 4 نيسان/ أبريل 1849.

Karl Marx, “Lohnarbeit und Kapital” [Wage Labour and Capital], in: MEW, vol. 6, pp. 397-423.

[86] Marx, Das Kapital, vol. 1, p. 791.

[87] Ibid., vol. 3, pp, 232-233.

[88] Marx, Grundrisse, p. 641.

[89] Marx, Der Achtzehnte Brumaire des Louis Bonaparte, p. 198.

[90] Marx & Engels, Manifest der Kommunistischen Partei, p. 474.

[91] Marx, Das Kapital, vol. 3, pp. 892-893.

[92] V. I. Lenin, “A Great Beginning,” in: Collected Works, vol. 29 (Moscow: Progress, 1974), p. 421.

[93] Friedrich Engels, “Karl Marx' Begräbnis in London” [Karl Marx's Funeral in London], 17 March 1883, in: MEW, vol. 19, p. 335.

[94] Marx & Engels, Manifest der Kommunistischen Partei, p. 479.

[95] Marx & Engels, Die Deutsche Ideologie, p. 37.

[96] Ibid., p. 46.

[97] Marx & Engels, Manifest der Kommunistischen Partei, p. 466.

[98] Ibid., p. 473.

[99] Marx & Engels, Die Deutsche Ideologie, p. 60.

[100] Karl Marx, “Rede über Polen” [Speech on Poland], Deutsche-Brüsseler-Zeitung, 9 December 1847, in: MEW, vol. 4, p. 417.

[101] مرقص، 233؛

Friedrich Engels, “French Rule in Algeria,” The Northern Star, January 22, 1848, in: Shlomo Avineri (ed.) Karl Marx on Colonialism and Modernization (New York: Doubleday & Co., 1968), p. 43.

لم ينشر المقال في الأعمال الكاملة لماركس وإنغلز.

[102] François Bernier, Histoire de la dernière révolution des états du Grand Mogol [The History of the Late Revolution of the Empire of the Great Mogol] (Paris: Claude Barbin, 1670); François Bernier, Suite des Mémoires du sieur Bernier sur l’empire du grand Mogol [Continuation of the Memoirs of Sieur Bernier on the Empire of the Great Mughal], (Paris: Claude Barbin, 1670-1671); François Bernier, Voyage dans les États du Grand Mogol [Travels in the Mogul Empire], (Paris: Claude Barbin, 1671).

[103] مرقص، ص 264؛

Karl Marx, “Brief an Friedrich Engels” [Marx to Engels in Manchester], London, 2 June 1853, in: MEW, vol. 28 pp. 250-254.; Friedrich Engels, “Brief an Karl Marx” [Engels to Marx in London], Manchester, 6 June 1853, MEW, vol. 28, pp. 255-261. Karl Marx, “Brief an Friedrich Engels” [Marx to Engels in Manchester], London, 14 June 1853, in: MEW, vol. 28, pp. 264-269.

[104] Karl Marx, “Die Britische Herrschaft in Indien” [The British Rule in India], New-York Daily Tribune, 25 June 1853, in: MEW, vol. 9 (Berlin: Dietz, 1960), pp. 127-133; Karl Marx, “Die Künftigen Resultate der Britischen Herrschaft in Indien” [The Future Results of British Rule in India], New-York Daily Tribune, 8 August 1853, in: Ibid., pp. 220-226.

يُنظر أيضًا:

Karl Marx, “The British Rule in India”, New York Daily Tribune, 25 June 1853, accessed via the Marxists Internet Archive on 6/12/2025, at: https://acr.ps/1L9B9Wf ; Karl Marx, “The Future Results of British Rule in India,” [22 July 1853], New-York Daily Tribune, 8 August 1853, p. 5, accessed via the Marxists Internet Archive on 6/12/2025, at: https://acr.ps/1L9BadO

[105] Marx, “Die Britische Herrschaft in Indien”, p. 129.

[106] Ibid.

[107] مرقص، ص 208.

[108] Marx, “Die künftigen Resultate der britischen Herrschaft in Indien”, pp. 220-221.

[109] مرقص، ص 215.

[110] Ibid., p, 224.

[111] Ibid., p. 221.

[112] Anderson, p. 14.

[113] Anderson, p. 11; Shlomo Avineri, The Social and Political Thought of Karl Marx (Cambridge: Cambridge University Press, 1968), p. 1.

[114] Anderson, pp. 17-18.

[115] Ibid., pp. 19-20

[116] Karl Marx, “Der Aufstand in der Indischen Armee” [The Revolt in the Indian Army], New-York Daily Tribune, 15 July 1857, in: MEW, vol. 12 (Berlin: Dietz, 1984), [pp. 230-233], p. 230.

[117] Marx, “Die Britische Herrschaft in Indien,” p. 133

[118] مرقص، ص 237، 243.

[119] Marx, Grudrisse, pp. 385-392.

[120] Andersen, pp. 157-159.

[121] Karl August Wittfogel, Oriental Despotism: A Comparative Study of Total Power (New Haven, CT: Yale University Press, 1957).

[122] Karl Marx, “Marx an Wilhelm Liebknecht” [Marx to Wilhelm Liebknecht in Leipzig] London, 4 February 1878, in: MEW, vol. 34 (Berlin: Dietz, 1966), pp. 317-319.

[123] Karl Marx, “Vorrede zur russischen Ausgabe von 1882” [Preface to the Second Russian Edition of the Manifesto of the Communist Party], in: MEW, vol. 4, p. 576.

[124] Eric Voegelin, Political Religions, T. J. DiNapoli & E. S. Easterly, III (trans.), Toronto Studies in Theology, vol. 23 (Lewiston, NY: Edwin Mellen Press, 1986), p. 62.

[125] Richard Shorten, ‘The Enlightenment, communism and political religion: reflections on a misleading trajectory,’ Journal of Political Ideologies, vol. 8 (2003), pp. 13-37.

[126] Jon Elster, An Introduction to Karl Marx (Cambridge: Cambridge University Press, 1986), p. 43.

[127] خلافًا لقصد أرسطو الذي قصد تنظم البشر في جماعات (قطعان) منظمة ذات قيادة سياسية.

[128] Marx, Grundrisse, pp. 222-223.

[129] Ollman, pp. 5-11.

[130] Karl Marx, Das Elend der Philosophie [The Poverty f Philosophy], in: MEW, vol. 4 , p. 130.

توجد ترجمة عربية للكتاب: كارل ماركس، بؤس الفلسفة (رد على فلسفة البؤس لبرودون)، نقله إلى العربية محمد مستجير مصطفى (بيروت: دار الفارابي، 2007).

[131] Max Weber, Economy and Society, Guenter Roth & Claus Wittich (eds.), vol. 2 (Berkeley, L.A./ London: University of California Press, 1978), p. 1091.

[132] Marx, Das Elend der Philosophie, p. 149.

[133] Tom Rockmore, “Habermas, Political Economy, and Critical Theory,” in: Radical Intellectuals and the Subversion of Progressive Politics, Gregory Smulewicz-Zucker & Michael J. Thompson (eds.) (NY: Palgrave, 2015), pp.194-197.

[134] Andersen, p. 44.

[135] Kolakowski, p. 343.

[136] V. I. Lenin, “The State and Revolution” [1918], in: Collected Works, vol. 25 (Moscow: Progress Publishers, 1974), p. 426, 471, etc.

[137] Kolakowski, p. 394.

[138] Claeys, p. 84.

[139] يُنظر أيضًا:

Ibid., pp. 68-69.

المحتويات

الهوامش