نسخة رومانية (من الرخام) لتمثال أرسطو النصفي اليوناني البرونزي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
الموجز
التراجيديا جنسٌ أدبي مسرحي قديم، ظهر في الأدب الكلاسيكي اليوناني والروماني، وقُدِّم في قالب شعري غنائي يُعنى بتصوير المآسي الإنسانية من خلال إقحام البطل الدرامي في صراع مُهلِك مع الظروف المحيطة به. تنتهي التراجيديا عادةً بشكل مأساوي، وتنقلب الأحداث على عكس ما يتوقعه البطل، فيدرك في النهاية حقيقة عيوبه وعبثية مساعيه، وضعف قدرته أمام أعدائه وأمام القدر.
يكمن التأثير الدرامي للتراجيديا الكلاسيكية، في نظر أرسطو في كتابه فن الشعر (Poetics)، في إثارة شعورَي الخوف والشفقة لدى المشاهد. بدأت التراجيديا في أخذ شكلها الأدبي في القرن الخامس قبل الميلاد، وتشكّلت تدريجيًّا مع ظهور أعمالٍ لشعراء تراجيديين، مثل إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس، وحملت بعدًا دينيًّا، وفنيًّا، وسياسيًّا، واجتماعيًّا. وأثّر كذلك في بنيتها ودورها الفلاسفة والنّقّاد اللاحقون من أمثال ديفد هيوم، وشوبنهاور، وهايدغر، وهيغل، ونيتشه، فضلًا عن تأثيرها بفلاسفة ومفكرين معاصرين من بينهم هايدغر ودجيل دولوز وسلاڤوي جيجك ومارثا نوسباوم وغيرهم.
نشأتها وتطورها
تعود أصول مصطلح التراجيديا إلى الكلمة اليونانية Tragōidía بشقيها: trágo وتعني الماعز، وōidḗ أي الأغنية، لتصبح الكلمة في مضمونها تعني: أغنية الماعز[1]. والسبب في هذه التسمية يعود إلى حقيقة أن التراجيديا في أصلها بدأت بوصفها طقوسًا دينية غنائية كانت تُقام في أثينا والقرى المجاورة لها في الفترة الواقعة بين القرنين السابع والخامس قبل الميلاد، وكانت تُعقد الاحتفالات في فصل الربيع من كل عام، بهدف تقديس إله الإغريق ديونيسوس (Dionysus): إله الخمر والخصوبة والنشوة الدينية والحماس عند اليونانيين[2]. تُقام المنافسات بين الفرق والجوقات الأدائية، ويُعتقَد أن الفائز كان يحصل على ماعز تكريمًا له[3].
علاوة على تهافت الأثينيين لتقديم القرابين على مذبح ديونيسوس، كان جزء من الطقوس الدينية يتمثل في تنافس عدد من الجوقات، وهي مجموعات من المغنين والراقصين الرجال الذين يرتدون الأقنعة، ويتراوح عددهم عادةً بين اثني عشر إلى خمسة عشر عضوًا، لتقديم أفضل الترنيمات والغنائيات الكورالية (Dithyrambs & Lyrics) في مديح الإله ديونيسوس. اعتمدت هذه الغنائيات في مضمونها على قصص وشخصيات مستوحاة من الأساطير والأدب الملحمي الإغريقي، ولا سيما أعمال هوميروس (بالإغريقية: Ὅμηρος) الذي شكّلت شخوصه الملحمية مصدرًا ملهمًا في غنائيات الجوقات وتمثيلياتها.
استمر تقديم الغنائيات المديحية بشكل حصري من الجوقات في الاحتفالات، إلى أن جاء الشاعر والممثل اليوناني ثيسبس (Thespis)، المولود في أيكاريا في القرن السادس قبل الميلاد، وطوّر أداء الجوقات، بضم عنصر بشري جديد إلى الجوقة هو قائدها. يكمن دور قائد الجوقة (Coryphaeus) في "الدخول في حوار يجيب خلاله عن أسئلة الجوقة"[4]، ويؤدي كذلك دور الرسول الذي ينقل الأخبار المأساوية التي تحدث وراء الكواليس إلى الجوقة والمشاهدين. جعلت هذه الإضافة من ثيسبس رائدًا في إدخال عنصر الشخوص الدرامية والحوار الدرامي {{الحوار الدرامي: أحد عناصر العمل الدرامي وهو الكلام المتبادل بين الشخوص الدرامية. يهدف إلى دفع الحبكة الدرامية، وإظهار أفكار الشخوص ومواقفهم والتعبير عن مشاعرهم. وهو مهم للمستمع لسبر غور الشخوص.}} إلى المسرح، بعد أن كانت القصص تُسرَد بضمير الغائب من مُمثّلي الجوقة. لاقت إضافاته استحسان الأثينيين في ذلك الوقت، وذكر الشاعر الروماني هوراس (Horace، 65 ق. م.-8م) في قصيدته فن الشعر، أن ثيسبس "هو من أسّس فن التراجيديا"[5].
أسخيلوس، تمثال نصفي برونزي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
جاء بعد ذلك الشاعر التراجيدي اليوناني إسخيلوس (Aeschylus، 525-456 ق. م.)، وأضاف شخصيةً ثانية في تراجيدياته إلى جانب شخصية ثيسبس، وأطلق عليها اسم Deuteragonist، ويعني "البطل الثانوي؛ ليس الشخصية المحورية، بل الشخصية الثانية الأكثر أهمية"[6]. كانت لهذه الإضافة دور في تقديم الحوار الدرامي على السردية كما فعل ثيسبس، وجعل دور الجوقة ثانويًّا مقارنةً بدور الشخوص الدرامي. لم يتبقَّ من تراجيديات إسخيلوس إلا سبع مسرحيات من أصل ما يقارب السبعين مسرحية، كما يُعتقد، وهي: الفرس (472 ق. م.)، وسبعة ضد طيبة (467 ق. م.)، والمتوسلون (463 ق. م.)، وثلاثية أوريستيا (458 ق. م.) المتكونة من مأساة أجاممنون، وحاملو القرابين، ويومينديس، وأخيرًا مأساة بروميثيوس بلا قيود التي ألفها بعد عام 458 ق. م. شكلت هذه المسرحيات أساسًا معرفيًّا للكُتَّاب اللاحقين حول بنية التراجيديا الإغريقية ومضمونها، ولُقّب إسخيلوس لاحقًا بـأبي التراجيديا"[7].
تجذّر الحوار الدرامي أكثر عندما جاء الشاعر اليوناني سوفوكليس، ولا سيما عندما أضاف شخصية ثالثة في مسرحياته التي عُرِفت منها سبع فقط، وهي: فيلوكتيتس، وأجاكس (نحو 440 ق. م.)، وإلكترا، وتراشينياي (نساء تراخيس)، وثلاثية أوديب الملك (المعروفة أيضًا باسم الدورة الأوديبية) التي تكونت من أوديب تيرانوس (أوديب الملك)، وأوديب في كولونوس، وأنتيجون. أطلق على الشخصية الثالثة اسم Tritagonistes، الشخصية الثالثة التي تأتي في أهميتها بعد شخصية ثيسبس الأولى وشخصية إسخيلوس الثانية في المسرحية. ساعدت هذه الإضافة أيضًا في تعزيز الحوار الدرامي، "وقللت من أهمية الجوقة في المسرح اليوناني"[8]. وبذلك، يكون سوفوكليس قد زاد عدد أفراد الجوقة من اثني عشر عضوًا إلى خمسة عشر عضوًا في مسرحياته.
من بين شعراء الإغريق الذين كتبوا التراجيديا اليونانية، كان يوريبيديس (Euripides، 484-406 ق. م.) الذي عُدَّ بعد إسخيلوس وسوفوكليس مرتبةً وشهرة. وقد ألّف ما يقارب ثمانين مسرحية، تبقّى منها تسعة عشر عملًا تراجيديًّا، أبرزها: هيكوبا (425 ق. م.)، والمتوسلات (421 ق. م.)، وهرقل (نحو 422 ق. م.)، وأيون (نحو 417 ق. م.)، ونساء طروادة (415 ق. م.)، وإلكترا (413 ق. م.)، وإفيجينيا في طوريس (نحو 413 ق. م.)، وهيلينا (412 ق. م.)، والنساء الفينيقيات (نحو 410 ق. م.)، وأوريستيس (408 ق. م.). تميز يوريبيديس باستخدامه أكثر للبرولوغ، وجعل شخوصه أقل أهمية من شخوص سابقيه، فكانت في معظمها ذات طبيعة بشرية تحمل ثغرات وعيوبًا ترتبط بالبشر العاديين، وقليلًا ما تطرّق إلى الشخوص ذات الصفات الإلهية كما فعل سابقوه. وما ميّزه هو أنه "اقترب من الحياة العادية أكثر مما فعل إسخيلوس وسوفوكليس. ولم يتقبل الدين والأخلاق التقليديين بعفوية ودون تساؤلات، بل أظهر فكرًا مستقلًا قويًا، الأمر الذي أثار استياء الرأي العام في كثير من الأحيان"[9]. ركّز يوريبيديس في مسرحياته أيضًا على نقد عادات المجتمع أكثر من إسخيلوس وسوفوكليس، وركز اهتمامه أكثر على المرأة بوصفها بطلة تراجيدية، ويظهر ذلك جليًا في كثير من عناوين مسرحياته التي اتخذت أسماء بطلات مثل إلكترا وهيلينا وميديا، وأسماء أخرى.
شكّلت أعمال إسخيلوس وسوفوكليس ويوريبيديس التي عُرضت بشكل متكرر في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، الأسسَ الشكلية والبنيوية للتراجيديا اليونانية. وبهذا، تكون التراجيديا في شكلها النهائي قد تشكلت مبكرًا، وتميزت عن بقية الأصناف الأدبية والمسرحية الأخرى. أما من حيث الموضوعات والقصص والشخوص الدرامية، فقد شكّلت الملاحم الإغريقية، ولا سيما الإلياذة والأوديسة لهوميروس، مصدرًا غنيًا للشعراء التراجيديين، وهذا ما أشار إليه إسخيلوس عندما قال إن مآسيه كلها كانت "شرائح من الولائم الكبرى لهومر"[10]. لقد دمج الشعراء التراجيديون اليونانيون في أعمالهم السردية الملحمية الغناءَ الجماعيَّ في قالب درامي، جاعلين من التراجيديا استمرارًا لكثير من التقاليد الملحمية، بالرغم من وجود بعض الاختلافات. وتقول ريبيكا بوشنيل (Rebecca Bushnell، 1952-) في هذا الصدد، إنه "بالرغم من أن التراجيديا استبدلت الراوي الملحمي بممثلين وجوقة، فإنها كانت في كثير من النواحي استمرارًا للتقاليد الملحمية"[11]. وتضيف بوشنيل أيضًا أن كثيرًا من هذه الملاحم، مثل ملحمة أوديبوديا (Oedipodea) لسيناثون (Cinaethon)، وملحمة طيبة (Thebais) لكاتب مجهول، ليست فقط "مألوفة لكُتّاب التراجيديا"، بل "لكثير من أعضاء جمهورهم" من اليونانيين الذين كانوا على اطلاع على فن الملاحم في اليونان[12].
تميزت التراجيديا في بدايتها بتكيُّفها مع عناصر المأساة في الملاحم[13]، وقد عزز الشعراء التراجيديون تأثيرها من خلال إضافة الحوار الدرامي، وقدّموا تفاصيل إنسانية أكثر عن أبطال الملاحم، وأعطوا للشخوص مساحة أكبر للتعبير عن مبتغاها، وغيروا دوافعها وسلوكها، ونوّعوا في الأحداث أكثر، ووجهوا تعاطف الجمهور مع شخصيات معينة أكثر من أخرى. يُضاف إلى ذلك أن الشعراء التراجيديين، وبالرغم من رجوعهم إلى الأساطير واستخدامها في المسرح، قد راقبوا المجتمع الأثيني المعاصر لهم عن قرب، فقصة يومينديس لإسخيلوس تحدث في البيت الملكي لأرغوس (من ملحمة هوميروس الإلياذة)، إلا أنها رمزت إلى تأسيس المؤسسة الديمقراطية في أثينا.
التراجيديا الإغريقية
عُرِضت مسرحيات كلٍّ من إسخيلوس، وسوفوكليس، ويوربيديس في مسارح أثينا، وأصبحت جزءًا مهمًا في الثقافة الأدبية والدينية عند اليونانيين. كانت الاحتفالات الدينية بالإله ديونيسوس تُقام في فصل الربيع من كل عام، وتستمر إلى خمسة أو سبعة أيام. في اليوم الأول من الاحتفال، يتقدم الأثينيون من المدن المجاورة تجاه مسرح ديونيسوس، حاملين تمثال الإله والنبيذ والهدايا، فتُقدَّم القرابين مصحوبة بالرقص وغناء الجوقات، وينتظمون في مقاعدهم لمشاهدة الجوقات المتنافسة. وفي اليوم اللاحق، يعلن كُتَّاب التراجيديات عن المسرحيات التي سيقدمونها للعامة التي ستستمر حتى نهاية الاحتفالات. يُختار ثلاثة شعراء، يُقدّم كل واحد منهم ثلاث مسرحيات تراجيدية اشتُهرت باسم الثلاثية (Trilogy)، وهي سلسلة "تتكون من ثلاث مسرحيات كاملة مترابطة [...] يمكن أن تُعرَض بشكل مستقل، أو كثلاثية تُقدَّم في ثلاث أمسيات متتابعة، أو في الصباح وبعد الظهر ومساء اليوم"[14]. تدور هذه الثلاثيات في معظمها حول قصة واحدة، فثلاثية إسخيلوس (أوريستيا) التي تقوم على أحداث جرت بعد انتهاء حرب طروادة، وهي تبدأ من مقتل الملك اليوناني أجممنون على يد زوجته كليتمنسترا وعشيقها إيجيسثوس، بعد عودته من الحرب في المسرحية الأولى أجممنون؛ بينما يثأر ابن الملك أجممنون (أوريستيس) لأبيه، ويقتل أمه وعشيقها في المسرحية الثانية: حاملو القرابين؛ وتدور المسرحية الثالثة يومينديس حول المحكمة التي أُقيمَت من أجل عقاب أوريستيس على جريمته ضد أمه. يختار المُحكّمون أفضل عرض مسرحي من بين العروض في اليوم الأخير، ويتلقى الفائز جائزة لثلاثيته التراجيدية، وقد "حصل إسخيلوس على 13 جائزة، وسوفوكليس على 24، ويوروبيديس فقط على 4"[15].
أسهمت التراجيديات المقدمة في القرنَيْن الخامس والرابع قبل الميلاد في إرساء الشكل الفني للتراجيديا الكلاسيكية، وتميّزت في مضمونها وبنيتها وأهميتها عن غيرها من الأجناس الأدبية مثل الملاحم والشعر الغنائي من جهة، والأنواع الدرامية الأخرى مثل الكوميديا {{الكوميديا: أو الملهاة، وهي فن درامي قديم على النقيض من التراجيديا أو المأساة الجادة. تقوم على المواقف المضحكة والفكاهية، وتحمل رسالة سخرية، أو نقد للمجتمع أو الأفكار، أو لغرض التسلية والمتعة.}} أو مسرح الساتر من جهة أخرى. أصبحت التراجيديا تتبع نسقًا متقاربًا في أحداثها، مثل التحول من المصير الجيد إلى المصير السيئ للأبطال الدراميين؛ وفي موضوعاتها وحبكاتها التي تجسد بطلًا تقوده عيوبه إلى المعاناة والوقوع في صراع مع المعيقات القدرية أو البشرية. انتشر هذا النوع الأدبي انتشارًا واسعًا، وكتب عنه فلاسفة يونانيون من أمثال أفلاطون (Plato، 427-347 ق. م.) وأرسطو (Aristotle، 384-322 ق. م.).
التراجيديا عند أرسطو
وضع أرسطو أول نواة لكتابة التراجيديا الجيدة في كتابه فن الشعر (335 ق. م.)، وهو الكتاب الذي يُعدّ أول نتاج نقدي مختص في الدراما عمومًا والتراجيديا خصوصًا. يُعرّف أرسطو التراجيديا بأنها "محاكاة لفعل جادٍّ كاملٍ ذي حجم معين، في لغة منمقة تختلف في طبيعتها باختلاف أجزاء المسرحية، وبوساطة أشخاص [يؤدون تمثيلًا] لا عن طريق السرد، وبحيث تؤدي إلى تطهير النفس [عند الجمهور] عن طريق أفعال تثير الخوف والشفقة بإثارتها لمثل هذه الانفعالات"[16]. يكون أرسطو بهذا التعريف قد رسم الشكل والمضمون العام للتراجيديا، وقد استمرت رؤيته لها في مركز النقد المسرحي عدة قرون بعده.
بيّن أرسطو بعض خصائص التراجيديا مثل: العيب أو زلة البطل (Hamartia) وأثرها في سقوط البطل الدرامي؛ ولحظة الإدراك Anagnorosis))، وهي إدراك البطل للحقيقة في النهاية؛ ولحظة التنفيس وتطهير العواطف Catharsis)) التي تعني تطهير المشاعر جراء الشعور بالخوف والشفقة لدى الجمهور؛ والانقلاب أو التحول المفاجئ في مصير البطل (Peripeteia). كذلك عرض ستة عناصر للتراجيديا، هي: الحبكة الدرامية، والشخوص، والأفكار، واللغة والبيان، والمشهد المسرحي، والإيقاع المسرحي {{الإيقاع المسرحي: عنصر من عناصر العرض المسرحي، ويعني اتساق بين إيقاع الحركة والصوت والصورة والإضاءة والألوان والديكور وتناغمها بهدف إضفاء شعور بوحدة العرض وجذب المتلقي.}} ووضع لكل واحد منها مفهومًا وقوانين ستنتج تراجيديا جيدة إذا ما اتُّبعت بشكل جيد من الكُتّاب[17].
تمثال نصفي لأفلاطون، متحف اللوفر
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
لم يكن فن الشعر لأرسطو توصيفًا لفن التراجيديا المثالية فقط، بل كان بمنزلة الدفاع عنها ضد من يُقلل من دورَيْها: الفني والاجتماعي. أراد أرسطو في كتابه الرد على أستاذه أفلاطون الذي هاجم دور الشعر والشعراء والكُتّاب التراجيديين في أعماله المشهورة، ولا سيما أيون (Ion) والجمهورية (The Republic)، ودفع باتجاه منع الشعر والتراجيديا من مدينة أثينا المتخيّلة؛ مدينة الفلسفة والعقلانية والمنطق والنظام، مقارنة بالثقافة البربرية القائمة على الأساطير والنشوة الإنسانية والفوضى الموجودة في احتفالات ديونيسوس. أثار أفلاطون عدة أسباب لتهميش الشعراء التراجيديين، منها: أن التراجيديا والشعر في طبيعتيهما محاكاة غير واقعية للحقائق، ولا يُقدّمان حقائق بذاتها للجمهور مثل الفلسفة والعلوم[18]؛ وأن الشعراء يصفون الأشياء بالكلمات فقط ويغفلون عن جوهرها. يقول أفلاطون عن هذه المحاكاة: "الشاعر المأساوي مقلد، ولذلك، مثل جميع المقلدين الآخرين، فهو بعيد ثلاث مرات عن الفيلسوف وعن الحقيقة"[19]. ويقول أيضًا: "يستخدم الشاعر المقلد الكلمات والعبارات لرسم صور ملونة لكل من الأشياء، وهو لا يعرف عن جوهرها شيئًا"[20]. ويعترض أفلاطون على الشعراء أيضًا، لأن الشعر "مهتم بالجزء الأدنى من الروح، ولذلك فإننا نكون على حق في رفض قبوله في الدولة المنظمة، ولأنه يوقظ ويغذي ويقوي المشاعر ويُضعف العقل"[21]، والشعراء كذلك مثل هوميروس يعملون وفق الإلهام، وليس حسب معرفة الأشياء عبر العقل. يُعَد الإلهام مزية خاصة يتمتع بها الشعراء، ولا يمكن تعليمها للطلبة في المدينة الفاضلة. يقول أفلاطون على لسان معلمه سقراط، في كتابه الاعتذار (Apology): "سرعان ما أدركت أن الشعراء لا يؤلفون قصائدهم بالمعرفة، بل بموهبة فطرية وبإلهام، مثل الرائي والأنبياء الذين يقولون أيضًا العديد من الأشياء الجميلة دون أي فهم لما يقولون"[22].
اتفق أرسطو مع معلمه أفلاطون على أن التراجيديا تقوم في جوهرها على المحاكاة، لكنها محاكاة وتقليد لما يرتقي بالمجتمع، وهذا من شأنه رفع الحس الفني للجمهور، وتحقيق السمو الروحي. ليس هذا فقط، ولكن الإنسان يتعلم من خلال هذه المحاكاة، و"من خلال التقليد يتعلم [...] دروسه الأولى، ولا يقل عنه شعوره بالمتعة في الأشياء التي تُقلَّد"[23]. والتراجيديا أيضًا لا تهدف إلى تعزيز المشاعر السلبية في المشاهد، بل تسعى إلى تطهير هذه المشاعر وخلق إنسان أفضل مفيد للمجتمع. يُضاف إلى ذلك أنه في الوقت الذي تُعنى فيه العلوم والفلسفة بالشيء المحسوس والمدرَك من العقل، فإن الشعر يسعى وراء الجمال الكوني الذي يفوق قدرة الحواس. ويضيف أرسطو أن الشاعر ليس كالمؤرخ الذي يتعامل مع حوادث تاريخية معينة، بل يكمن تمييزه في تصوّره لِما سوف يحدث، وهو لا يهتم بحوادث فردية معينة، بل يبحث في الفهم الكوني للأشياء. يُعلّق أرسطو على هذه الفكرة بقوله: "إن الفرق الحقيقي هو أن أحدهما يروي ما حدث، والآخر يروي ما قد يحدث. الشعر إذًا هو شيء أكثر فلسفية وأعلى شأنًا من التاريخ، فالشعر يميل إلى التعبير عن الكوني، والتاريخ عن الخاص"[24].
أهمية التراجيديا للمجتمع اليوناني
لم تكن أهمية التراجيديا لليونانيين تكمن في إيجاد المتعة الدرامية جرّاء مشاهدة المسرحيات المختلفة وطرق عرضها فقط، ولا في البعد الديني الثقافي لديهم، بل حملت بعدًا سياسيًّا وطنيًّا أيضًا. شهدت أثينا ازدهارًا سياسيًّا وديمقراطيًّا في القرن الخامس قبل الميلاد، حتى في عهد القائد المستبدّ بيسستراتوس (Pisistratus، ت. 527) الذي حكم اليونان من 545 ق. م. إلى 525 ق. م[25]، ازدهرت قيم المواطنة والانتماء والاعتزاز بقوة الإمبراطورية، وبدأت أثينا تتشكّل بوصفها أول ديمقراطية معروفة (The first known democracy)، ليس في الإمبراطورية الإغريقية فقط، بل عُدّت لاحقًا أول ديمقراطية في التاريخ السياسي الغربي. وقد أدى المسرح عمومًا والتراجيديا خصوصًا، دورًا كبيرًا في تعزيز مفهوم الديمقراطية لديهم، وهذا ما اتفق عليه نُقّاد مثل: مارك تشاو (Mark Chao، 1984-) الذي قال: "عندما أصبحت أثينا ديمقراطية لأول مرة، سارعت التراجيديا إلى إرشاد المواطنين [...] خلال محاولتهم الأولى الحاسمة في إنشاء مؤسسات وإجراءات ديمقراطية، في سياق لم تكن فيه مثل هذه الأفكار والممارسات موجودة من قبل"[26]. ويذهب كريستوفر روكو إلى أبعد من ذلك، إذ يرى أن التراجيديا اليونانية أدت دورًا مهمًا في تشكيل السياسة الغربية لاحقًا: "لقد أُدرِك أن المأساة اليونانية أدّت دورًا تأسيسيًّا في ظهور النظرية السياسية الكلاسيكية، وأثّرت في تقاليد الأفكار السياسية الغربية"[27].
تكمن الأهمية السياسية للتراجيديا في إرساء مفهوم الحرية، وقد تناولت موضوعات تتعلق بقوة الإمبراطورية اليونانية، ونظام الحكم، ومفهوم المواطنة. على سبيل المثال، وقد جسّدت مسرحية الفرس لإسخيلوس قوة اليونان وهزيمتهم للفرس في معركة سلاميس عام 480 ق. م.، وتطرقت إلى معاقبة الآلهة للفرس بإغراق أسطول القائد الفارسي زركسيس الأول (خشايارشا الأول، 518-475 ق. م.) لتفكيره في غزو اليونان؛ وأثارت مسرحية أنتيجون لسوفوكليس موضوعات كثيرة، مثل: الخيانة السياسية (التي تمثلت في محاولة بولينيسز الاستيلاء على العرش من يد أخيه إتيوكليس، الوريث الشرعي بعد نفي الملك أوديب)، وانعدام العدل الاجتماعي (موافقة الحاكم كريون على دفن جثة إتيوكليس، وإصدار مرسوم بمنع دفن جثة بولينيسز، ومن يدفنه سيعدم)، واحترام النظام والقانون (إصرار كريون على إنفاذ القانون)، والحرية (إصرار أنتيجون على دفن جثة أخيها بولينيسز طبقًا للأخلاق الإنسانية والدينية)، والعصيان المدني (اعتقاد كريون أن أنتيجون تستحق العقوبة)، وأخيرًا التسلط السياسي (عَدّت أنتيجون قانون الدولة كسرًا لحقوقها). حملت نهاية المسرحية وموت كلٍّ من كريون وأنتيجون، كثيرًا من الرسائل السياسية للجمهور، وتحقّق التطهير عندما لقِي كريون حتفه لعناده واستبداده، في حين أن أنتيجون لاقت حتفها لإصرارها على كسر قانون الدولة.
كان ذهاب العامة والنخب إلى المسرح أقرب ما يكون إلى الواجب المدني، وإشعالًا لروح المواطنة مع احترام مبادئ الحرية والوحدة ودعم المؤسسة السياسية. يقول شوميت دوتا (Shomit Dutta) في مقدمته لكتاب التراجيديا الإغريقية: "كان الذهاب إلى المسرح يُنظر إليه باعتباره جزءًا من واجبات وامتيازات المواطنين، مثل هيئة المحلفين والخدمة العسكرية، ولا ينبغي منع أي مواطن بسبب الفقر من الحضور"[28]. ولم تحمل التراجيديات بعدًا سياسيًّا فقط في مضمونها، ولكن عزّزت آلية عرضها في المسارح الكبيرة، إذ يحضرها ما يقارب 6000 متفرج؛ ومفهوم الديمقراطية عندما كانت الجوقة تتحدث بلسان الجمهور، وتُعلّق بشكل فعّال على الأحداث، وتُعبّر عن آرائهم. علاوة على أن إدخال الجمهور في عملية التصويت التي تحدث في نهاية الاحتفال، لاختيار العرض الأفضل، كان من شأنه تعزيز حرية التعبير والتنافس العادل، وأخذ رأي المدنيين بجدية من الشعراء ولجان التحكيم، والتقليل من فرص المحاباة والفساد.
أما على الصعيد الاجتماعي، فقد أدت التراجيديا دورًا في تعزيز وحدة المجتمع اليوناني، وهذا ما أكده الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه (Friedrich Nietzsche، 1844-1900) الذي أعاد قراءة التراجيديا الإغريقية من منظور اجتماعي إنساني، في كتابه مولد التراجيديا. يعتقد نيتشه أن المجتمع الإغريقي الذي عاش طبيعته البشرية والجماعية، المتمثلة في الاحتفالات الدينية، يُعَد أكثر عمقًا من المجتمعات الحديثة التي عززت الفردانية (Individualism) والعقلانية (Rationalism)، وأنتجت العدمية (Nihilism). إن نظرة المجتمعات الحديثة إلى المجتمع الإغريقي بوصفه مجتمعًا بدائيًّا هي نظرة خاطئة. لقد مارست هذه المجتمعات الكلاسيكية إنسانيتها، من وجهة نظر نيتشه، من خلال الاحتفالات التي عززت طابعها البشري واتحادها مع الطبيعة بشكل ناجح أكثر من المجتمعات الحديثة. ويميز نيتشه هنا بين الاحتفالات التي قُدِّمت إلى إله الشمس (أبولو) الذي يُعدّ إله المنطق والنور والفردانية وضبط النفس، واستُبدلت لاحقًا بالاحتفالات المخصصة لتمجيد دينوسيوس، إله النشوة والطبيعة، والتي يسودها الفرح والمعاناة الطبيعية للبشر، من دون أن تسيطر عليها الفردانية الزائفة. إن التراجيديا تُمثل الصراع بين الفردانية المتمثلة في الاحتفالات التي تُقام من أجل الإله أبولو، "باعتباره المظهر الإلهي لمبدأ الفردية الذي يتحقق فيه الهدف الأبدي المتمثل في الوحدة البدائية"[29]، وبين الاحتفالات التي تُقام من أجل الإله دينوسيوس "باعتباره قوة فنية تنبثق من الطبيعة ذاتها [...] ويسعى إلى إلغاء الفرد وإعادته إلى الحياة من خلال الشعور الصوفي بالوحدة الجماعية"[30]. لقد كانت التراجيديا تؤدي دورًا اجتماعيًّا عندما تُعرَض في المسارح الكبيرة، بحيث تفرض على الأفراد ترك استقلالهم المزيف، وتسمح لهم بالاندماج في المجتمع على عكس المجتمعات الغربية الحديثة.
التراجيديا عند النّقّاد والفلاسفة
ألهمت التراجيديا الإغريقية الفلاسفة والكُتّاب من العصور اللاحقة للبحث في شكل التراجيديا وأهميتها عند اليونان، فقدّموا قراءات مختلفة لأعمال سوفوكليس وإسخيلوس ويوريبيدس، وأسقطوها على واقعهم. على سبيل المثال، يقرأ أرثر شوبنهاور (Arthur Schopenhauer، 1788-1860) التراجيديا الإغريقية ضمن فلسفة الوجود العدمية، مؤمنًا أن التراجيديا لم تُصوّر إلا الحقيقة البشرية المأساوية، وأن جوهر الدراما المأساوية هو الوصف الحقيقي النهائي لمصير البشر[31]. رأى شوبنهاور أن التراجيديا تُعدّ "أعظم إنجاز شعري"، لتصويرها العدمية الإنسانية، ويُكمل: "وهكذا نرى في المأساة أن أنبل الرجال، بعد صراع طويل ومعاناة، يتخلون في النهاية إلى الأبد عن كل متع الحياة، والأهداف التي سعوا إلى تحقيقها بشغف حتى ذلك الحين، أو يتخلون عن الحياة نفسها بسعادة وطواعية"[32]. لقد صوّرت التراجيديا بالنسبة إلى شوبنهاور الوهمَ الذي يعيشه البطل الدرامي، وبحثه عن الحرية والسعادة المفقودتَيْن في الحياة، وعدم إدراكه لهذه العدمية. ويُصاب البطل بخيبة الأمل والإدراك في النهاية، ويكون الرضا بمصيره وموته هروبًا من هذا الوهم الذي قاده إلى الفناء. لقد دلّت التراجيديا عند شوبنهاور، على مقدرة المجتمع اليوناني على إدراك هذه العدمية مبكرًا في التاريخ البشري الوجودي.
وقد درس فريدريك هيغل (Friedrich Hegel، 1770-1831) التراجيديا الإغريقية من وجهة نظر تطور التاريخ المعرفي للبشرية، وطبق نظرية الجدلية (Dialectic) على مسرحية أنتيجون، إذ يؤمن بأن التطور الإنساني جاء من تصارع الأفكار، إذ يحدث صدام بين الفكرة الأولى (Thesis) وضدها (Anti-thesis)، ثم تحدث عملية التوليف بين الفكرتَيْن (Synthesis). تنتج من هذه الجدلية فكرة ثالثة جديدة، تصبح بدورها فكرة أساسية، وتواجه أفكارًا معاكسة، ثم تنتج منها أفكار أخرى جديدة. وتستمر هذه العملية إلى ما لا نهاية، وهذا يُفسّر التطور الفكري للبشر[33]. وبالنسبة إلى هيغل، فقد جسّدت التراجيديا عند الإغريق مفهوم الجدلية في المعرفة، وهنا لا يرى هيغل أن الصراع بين الطرفَيْن هو صراع بين الخير والشر، بل يراه صراعًا بين طرفَيْن جيدَيْن، يصارع كلٌّ منهما لإثبات وجهة نظره الأخلاقية. وهذا الصراع سيقود إلى معرفة جديدة عندما تتصالح الأفكار وتتناغم في النهاية. إن النهاية المأساوية في آخر المسرحية، تأتي من تعنت كل طرف برأيه، وعدم الرضوخ للقيم والمعتقدات التي يحملها الطرف الآخر. يتحقق النتاج المعرفي في التراجيديا عند هيغل، في المُشاهِد الذي يتأمل في هذا الصراع الفكري، ويخرج، علاوة على الخوف والشفقة، بحكمة جديدة مبنية على التصالح والتناغم بين أفكار الشخصيات. فمثلًا، في مسرحية أنتيجون التي عدَّها هيغل أفضل مسرحية تُجسّد التطور المعرفي يحدث التناغم في نهاية المسرحية بين فكرة الحرية التي تبنّتها أنتيجون، وفكرة إطاعة النظام والقانون التي تبنّاها كريون. يقول هيغل: "فوق الخوف والتعاطف المأساوي، هناك إذًا ذلك الشعور بالمصالحة الذي توفره المأساة من خلال لمحة من العدالة الأبدية"[34].
تراجع التراجيديا في الأدب الروماني
عرف الرومانيون التراجيديا عام 240 قبل الميلاد تقريبًا، عندما طوَّع ليڤيوس أندرونيكوس (Livius Andronicus، 280-200 ق. م.) تراجيديات إغريقية للجمهور الروماني، لكن الرومان لم يبدوا اهتمامًا كبيرًا بالأساطير اليونانية، ما اضطر الشاعر الروماني جنايوس نيڤيوس (Gnaeus Naevius، 275-201 ق. م.)، إلى تقديم نوع آخر من التراجيديا التي تعتمد على تاريخ الأساطير الرومانية، تحت مسمّىFabula praetexta الذي يعني "المآسي التي تُؤدَّى بالزي الروماني[35]. وقد اشتُهر في هذا النوع ثلاثة كُتّاب تراجيديا هم: إينيوس، ولاسيوس أكسيوس، وباكوفيوس، ولم تصل من أعمالهم سوى بعض الشذرات والقصاصات من النصوص[36].
لقد عانت التراجيديا في العصر الروماني، والمسرح عمومًا من الانحدار، وأسهمت عدة أسباب في ذلك على مر العقود، منها تأثير الدين المسيحي والكنيسة التي رفضت جزءًا من مشاهد الانحدار الأخلاقي في المسرح الروماني، علاوة على استساغة الرومان لنوع آخر من الدراما، هو الكوميديا الإيمائية (Mime and pantomime) التي تعتمد على الحركات الجسدية وليس اللفظية[37]. عَدَّ المُفكّرون المسيحيون والرومانيون على حد سواء، أن هذا التدهور في جودة المسرح، يعكس الافتقار الأكبر إلى الأخلاق في مختلف أنحاء روما. ورأت الكنيسة أن دعم الحُكّام والسّكان للمسرح دليل على الانهيار الأخلاقي للدولة بوصفها مؤسسة وثنية.
وبالرغم من هذا التراجع للتراجيديا في الحضارة الرومانية، فإنه لا يمكن إغفال إحدى أهم المراجعات النقدية للتراجيديا التي كتبها الشاعر الروماني هوراس (Horace، 65-8 ق. م.). يحاكي هوراس أرسطو في عمله فن كتابة الشعر (Ars Poetica)، ويضع أساسيات كثيرة لكتابة الشعر والتراجيديا الجيدَيْن. كان من أهم أفكاره أن تكون اللغة ذات مستوى عالٍ، وأن يراعي الشاعر وحدة الموضوع والاتساق، وأن يناسب الموضوع الشكل الأدبي، بحيث "لا يجوز تناول موضوع كوميدي في شعر تراجيدي [...] فليبقَ كل شيء في مكانه المخصص له"[38]. لقد شكل عمل هوراس دليلًا فنيًا للكتاب الأوروبيين، ولا سيما الفرنسيين الذين جاؤوا لاحقًا، مثل ڤولتير (Voltaire، 1694-1778)، وموليير (Molière، 1622-1673)، وغيرهما.
مارتن هايدغر.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أنتج العصر الروماني أيضًا واحدًا من أهم كُتّاب التراجيديا، ألا وهو لوسيوس آنيوس سينيكا (Lucius Annaeus Seneca، ت. 65م)، الذي عُرِف بوصفه فيلسوفًا رواقيًّا وكاتبًا مسرحيًّا ناقدًا وساخرًا، وألّف مسرحيات عدة منها: أوديب، وميديا، وفيدرا، وجنون هرقل، التي اعتمدت على شخصيات من التراجيديا الإغريقية. التزم سينيكا بأهم المبادئ في التراجيديا الإغريقية، كنظم المسرحيات بأسلوب شعري ولغة منمقة، والتزم بوحدة الزمن والحبكة والمكان، كما أشار أرسطو، وقسّم المسرحيات إلى خمسة فصول، كما هي الحال في التراجيديا اليونانية. إلا أن تراجيديات سينيكا قد اختلفت في أنها "تظهر [...] انحرافات تفصيلية عن أصولها اليونانية، ويشوبها الإفراط في الخطابة، والمناقشة الأخلاقية، والمعرفة بالأساطير، والحجج الذكية"[39]. ليس هذا فقط، بل إن تراجيديات سينيكا يشوبها الفكر الرواقي الذي يؤكد على "ضبط النفس، والعقلانية، وقبول القدر"[40]. وتتميز النظرة الرواقية إلى الأخلاق عن غيرها من المدارس الفلسفية الهلنستية والكلاسيكية، بالتزامها بفكرة أن الفرد يتمتع بسلطة مطلقة على سعادته، وأن الفضيلة، وليس الفحش الأخلاقي، والتزام الإنسان بطبيعته من دون تكلف هما منبعا السعادة. وتراجيديات سينيكا، على عكس التراجيديا الإغريقية التي تعتقد أن سعادة الإنسان وتعاسته في يد القوى الخارجية، تُظهِر الإنسان بوصفه المسؤول الأول عن سعادته، وهذه السعادة تأتي من الرضا والقناعة بوضعه، بينما تأتي المأساة من غرور الإنسان وطمعه. لذلك، كانت مسرحيات سينيكا نقدًا واضحًا لمجتمعه، وسخرية واضحة من طمع الناس وفهمهم الخاطئ لمفهوم السعادة.
تعدّ التراجيديا الكلاسيكية دائمة الحضور والتجدّد في الأدب والفلسفة، ولم يكن الفلاسفة، مثل أفلاطون وأرسطو ونيتشه وشوبنهاور وهيغل، الوحيدين الذين نظّروا بشأن أهمية التراجيديا الكلاسيكية، بل يوجد كثير من الفلاسفة المعاصرين، الذين أعادوا قراءة التراجيديات الإغريقية من منظور ديني ونفسي ووجودي ومعرفي، من أمثال سلاڤوي جيجك {{سلاڤوي جيجك: (Slavoj Žižek، 1949-) ناقد ثقافي وعالم اجتماع وسياسي سلوڤيني بارز، نقد الإيديولوجيا المعاصرة، ونظر في الاقتصاد السياسي، والنظرية السياسية، والتكنولوجيا الرقمية.}} وجيل ديلوز {{جيل ديلوز: (Gilles Deleuze، 1925-1995) فيلسوف فرنسي محدث، بحث في طبيعة الفلسفة والفن والسينما، ونظر حول التعددية والاختلاف، وعارض الفكر التقليدي والتشابه وكمال الفكر في الفلسفة الميتافيزيقية الغربية.}} في الاستنتاج والتفكير ومارتن هايدغر {{مارتن هايدغر: (Martin Heidegger، 1889-1976) فيلسوف ألماني وجودي بارز، أسهم في تطوير الفلسفة الغربية عن طريق طرح أسئلة حول أصل الوجود، والكائن والكينونة والقلق والعدم وغيرها من الأفكار.}}، ومارثا نوسباوم وغيرهم.
المراجع
العربية
الخطيب، محمد. المسرح الإغريقي. دمشق: دار علاء الدين، 2014.
الأجنبية
Aeschylus et al. Greek tragedy. Shomit Dutta (ed.). London, England: Penguin Books, 2004.
Aristotle. The Poetics of Aristotle. S. H. Butcher (trans.). 2008. at: https://acr.ps/1L9F2Pq
Barker, Anne. “Speculations of the Death of Roman Theatre.” Undergraduate Review. vol. 9, no. 1 (1996). at: https://acr.ps/1L9F2Qh
Becker, David. “Schopenhauer on the Meaning of Tragedy: Vision and Blindness.” Schopenhauer Jahrbuch. vol. 91 (2010), pp. 15–31.
Brown, Andrew. A New Companion to Greek Tragedy. Abingdon, Oxon: Routledge, 2014.
Bushnell, Rebecca W. A Companion to Tragedy. Oxford: Wiley-Blackwell, 2008.
Chou, Mark. Greek Tragedy and Contemporary Democracy. London: Bloomsbury, 2014.
Cooper, John M. (ed.). Plato: Complete Works. Cambridge: Hackett Publishing Company, 1997.
Croally, Neil & Roy Hyde (eds.). Classical Literature: An Introduction. New York: Routledge, 2011.
Else, Gerald F. The Origin and Early Form of Greek Tragedy. New York: W.W. Norton, 1972.
Evans, Nancy. Civic Rites: Democracy and Religion in Ancient Athens. Berkely: University of California Press, 2010.
Farzand, Mariyam. "Tragedies of Seneca: An Examination of Stoicism in Ancient Roman Drama." researchgate.net. 9/2023. at: https://acr.ps/1L9F2aq
Harvey, Paul. The Oxford Companion to Classical Literature. Oxford: Clarendon Press, 1937.
Heart, Mary Louise. The Art of Greek Tragedy. California: Paul Getty Trust, 2010.
Holowchak, Andre. Happiness and greek ethical thought. London: Continuum International Pub. Group, 2004.
Johnson, James Franklin. Acts of Compassion in Greek Tragic Drama. Norman: University of Oklahoma Press, 2016.
McGhee, Jim. Labyrinth 2: Plays by Don Nigro: 2001-2011. Lanham: University Press of America, Inc, 2012.
Nietzsche, Friedrich. The Birth of Tragedy. Ian C. Johnston (trans.). La Vergne: Legend Books Sp. z o. o, 2003.
Olsen, Jason. Intersecting Genre: A Skills-Based Approach to Creative Writing. London: Bloomsbury Academic, 2023.
Ricks, David. The Shade of Homer: A study in Modern Greek Poetry. Cambridge: Cambridge University Press, 1989.
Rocco, Christopher. Tragedy and Enlightenment: Athenian Political Thought and the Dilemmas of Modernity. Berkeley: University of California Press, 2023.
Shoup, Kate. The Technology of Ancient Greece. New York: Cavendish Square Publishing, 2017.
Stanton, Sarah & Martin Banham. Cambridge Paperback Guide to Theatre. Cambridge: Cambridge University Press, 1996.
Steinberger, Peter J. Readings in Classical Political Thought. Indianapolis: Hackett Pub. Co, 2000.
Storey, Ian Christopher & Arlene Allan. A Guide to Ancient Greek Drama. Malden, MA: Wiley Blackwell; Boston, MA: Credo Reference, 2008.
Young, Julian. The Philosophy of Tragedy: From plato to žižek. Cambridge: Cambridge University Press, 2013.
[1] Gerald F. Else, The Origin and Early Form of Greek Tragedy (New York: W.W. Norton, 1972), p. 15.
[2] Andre Holowchak, Happiness and Greek Ethical Thought (London: Continuum International Pub. Group, 2004), p. 217.
[3]Andrew Brown, A New Companion to Greek Tragedy (Abingdon, Oxon: Routledge, 2014), p. 89.
[4] Peter J. Steinberger, Readings in Classical Political Thought (Indianapolis: Hackett Pub. Co, 2000), p. 59.
[5] Mary Louise Heart, The Art of Greek Tragedy (California: Paul Getty Trust, 2010), p. 9.
[6] Jason Olsen, Intersecting Genre: A Skills-Based Approach to Creative Writing (London: Bloomsbury Academic, 2023), p. 104.
[7] Sarah Stanton & Martin Banham, Cambridge Paperback Guide to Theatre (Cambridge: Cambridge University Press, 1996), p. 148.
[8] Kate Shoup, The Technology of Ancient Greece (New York: Cavendish Square Publishing, 2017), p. 45.
[9] Paul Harvey, The Oxford Companion to Classical Literature (Oxford: Clarendon Press, 1937), p. 171.
[10] David Ricks, The Shade of Homer: A Study in Modern Greek Poetry (Cambridge, GBR: Cambridge University Press, 1989), p. 10.
[11] Rebecca W. Bushnell, A Companion to Tragedy (Oxford: Wiley-Blackwell, 2008), p. 181.
[12] Ibid.
[13] James Franklin Johnson, Acts of Compassion in Greek Tragic Drama (Norman: University of Oklahoma Press, 2016), p. 47.
[14] Jim McGhee, Labyrinth 2: Plays by Don Nigro: 2001-2011 (Lanham: University Press of America, Inc, 2012), p. 14.
[15] Neil Croally & Roy Hyde (eds.), Classical Literature: An Introduction (New York: Routledge, 2011), p. 96.
[16] محمد الخطيب، المسرح الإغريقي (دمشق: دار علاء الدين، 2014)، ص 148.
[17] Aristotle, The Poetics of Aristotle, S. H. Butcher (trans.), 2008, at: https://acr.ps/1L9F2Pq
[18] يؤمن أفلاطون بأن العالم يتكون من عالم المثاليات (عالم الأفكار المجردة) والعالم المادي، أو عالم الصور التي تحاكي عالم المثاليات، فعندما يصنع النجار سريرًا فإن هذا السرير هو صورة لفكرة السرير في عالم المثل. وبما أن الشاعر يحاكي أشياء ليست مادية وإنما هي صور للأشياء المادية، فإنه مبتعد عن عالم المثاليات مرتين. يستخدم أفلاطون هذه الفكرة ليثبت كيف أن الأدب والتراجيديا لا يقدمان حقائق الأشياء، وإنما يحاكيان أشياء بعيدة عن الأصل في عالم المثل.
[19] John M. Cooper (ed.), Plato: Complete Works (Cambridge: Hackett Publishing Company, 1997), p. 1202.
[20] Ibid., p. 1205.
[21] Ibid., p. 1209.
[22] Ibid., p. 22.
[23]Aristotle, p. 6.
[24]Ibid., p. 11.
[25] Nancy Evans, Civic Rites: Democracy and Religion in Ancient Athens (Berkely: University of California Press, 2010), p. 25.
[26] Mark Chou, Greek Tragedy and Contemporary Democracy (London: Bloomsbury, 2014), p. 5.
[27] Christopher Rocco, Tragedy and Enlightenment: Athenian Political Thought and the Dilemmas of Modernity (Berkeley: University of California Press, 2023), p. 2-3.
[28] Aeschylus et al., Greek Tragedy, Shomit Dutta (ed.) (London, England: Penguin Books, 2004), p. 3.
[29] Friedrich Nietzsche, The Birth of Tragedy, Ian C. Johnston (trans.) (La Vergne: Legend Books Sp. z o. o, 2003), p. 14.
[30] Ibid.
[31] Julian Young, The Philosophy of Tragedy: From Plato to Žižek (Cambridge: Cambridge University Press, 2013), p. 160-163.
[32] David Becker, “Schopenhauer on the Meaning of Tragedy: Vision and Blindness,” Schopenhauer Jahrbuch, vol. 91 (2010), p. 18.
[33] Youngpp, pp. 111-116.
[34] Becker, p. 16.
[35] Harvey, p. 436.
[36] Ibid.
[37] Anne Barker, “Speculations of the Death of Roman Theatre,” Undergraduate Review, vol. 9, no. 1 (1996), at: https://acr.ps/1L9F2Qh
[38] Horace, pp. 89, 92.
[39] Harvey, p. 390.
[40] Mariyam Farzand, "Tragedies of Seneca: An Examination of Stoicism in Ancient Roman Drama," researchgate.net, 9/2023, accessed on 10/9/2025, at: https://acr.ps/1L9F2aq