الموجز
معضلة السجينين (Prisoner's Dilemma) هي تجربة فكرية في الفلسفة ونظرية الألعاب، تُبرز التوتر الحاصل بين المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية. وتعرض هذه المعضلة موقفًا يواجه فيه سجينان خيارين: التعاون أو الخيانة، إذ يقود سعي كل منهما إلى تحقيق مصلحته الشخصية، على نحو عقلاني، إلى نتيجة سلبية للطرفين معًا. كما تطرح المعضلة أسئلة فلسفية بشأن طبيعة العقلانية، والأخلاق، والتعاون الاجتماعي.
نشأة المعضلة
تعد معضلة السجينين إحدى أشهر التجارب الفكرية في القرن العشرين، إذ تجاوزت نشأتها في حقل
نظرية الألعاب (Game Theory) إلى طيف واسع من التخصصات يشمل الفلسفة الأخلاقية ونظرية القرار (Decision theory) والعلوم السياسية والرياضيات. وقد ظهرت فكرة التجربة لأول مرة على يد عالمي الرياضيات ميريل ميكس فلود (Merrill Meeks Flood، 1908-1991) وميلفين دريشر (Melvin Dresher، 1911-1992) أثناء عملهما في مؤسسة راند (RAND Corporation)[1]، غير أن الصيغة المتداولة اليوم لهذه المعضلة هي تلك التي قدمها عالم الرياضيات ألبرت تاكر (Albert Tucker، 1905-1995) عام 1950 في صيغة معضلة السجينين[2].
وقد انتقلت هذه المعضلة، لاحقًا، إلى حقول الاقتصاد والعلوم السياسية وعلم الأحياء وعلم النفس الاجتماعي، وفلسفة الأخلاق؛ إذ تطرح المعضلة عددًا من القضايا، من بينها التناقض بين العقلانية الفردية والمصلحة الاجتماعية، وإمكان تفسير سلوك التعاون البشري في ظل تعارض المصالح، والشروط التي من شأنها أن تسهل عملية التعاون، إضافة إلى التعارض بين العقلانية الفردية والعقلانية الجماعية، أو المصلحة الذاتية والخير العام، وطبيعة التعاون الإنساني في غياب التواصل والضمانات، وكذلك الأسس المنطقية للعقد الاجتماعي البشري[3].
وصف التجربة
تقدم معضلة السجينين، في صورتها الكلاسيكية، على النحو التالي: يُلقى القبض على شخصين يُشتبه في تورطهما في جريمة مُشتركة، ولنصطلح على تسميتهما زيد وعمرو. وتفصل الشرطة بينهما مباشرة عقب إلقاء القبض عليهما، إذ لا يمكنهما التواصل فيما بينهما. ولأن الشرطة لا تملك الأدلة الكافية لاتهامهما بالتهمة الرئيسة. وتحتاج إلى اعتراف أحدهما، من أجل إثبات الجُرم الرئيس، تقرر أن يقدم لهما المحقق بصورة منفصلة، عرض التسوية التالي:
إذا اعترف زيد (خيانة)، بينما أنكر عمرو (تعاون)، فسيُطلق سراح زيد، ويُحكم على عمرو بالسجن لمدة عشر سنوات. أما إذا اعترف كلاهما (خان كلٌ منهما الآخر)، فسيُحكم على كل منهما بالسجن لمدة خمس سنوات. وإذا أنكر كلاهما، والتزما الصمت (تعاون كلٌّ منهما مع الآخر)، فسيحكم عليهما بالسجن لمدة سنة واحدة فقط، لجريمة ثانوية، بسبب نقص الأدلة وعدم اعترافهما[4].
| | | عمرو |
| | | اعتراف | إنكار |
زيد
| اعتراف | يُحبس عمرو خمس سنوات يُحبس زيد خمس سنوات | يُحبس عمرو عشر سنوات يُطلق سراح زيد |
إنكار | يُطلق سراح عمرو، يُحبس زيد عشر سنوات | يُحبس عمرو سنة واحدة يُحبس زيد سنة واحدة |
يؤدي التحليل العقلاني لهذا الموقف، من موقع أي من السجينين، إلى اختيار الاعتراف، بوصفه أفضل الحلول الممكنة في ظل الخيارات المتاحة. ويمكن توضيح ذلك، وفق التسلسل المنطقي التالي: هب أن زيد اختار الاعتراف، فإن تبعات ذلك عليه هي كما يلي. السيناريو الأول يتمثل في إنكار عمرو، وينتج عن ذلك أفضل السيناريوهات الممكنة، وهو إطلاق سراح زيد، وحبس عمرو عشر سنوات. أما السيناريو الثاني فيتمثل في اعتراف عمرو، وينتج عنه حبس كل من زيد وعمرو لمدة خمس سنوات. ومن ثم فإن الاعتراف يُفضي إلى فترة حبس أقصاها خمس سنوات. ويُعرف هذا الخيار، في نظرية الألعاب، بالاستراتيجية المهيمنة (Dominant Strategy)[5]. فبغض النظر عما سيفعله الشخص الآخر يُعد أو يبدو الاعتراف أفضل الخيارات الممكنة. غير أن هذه الاستراتيجية تؤدي إلى الحيلولة دون تحقق النتيجة المثلى، وهي الحبس لمدة عام واحد فقط لكلا السجينين، والتي كانت لتحدث لو اختار كلا السجينين سبيل الإنكار.
يطلق على هذه الوضعية في نظرية الألعاب "توازن ناش" (Nash Equilibrium). وهي حالة لا يمكن لأي شخص فيها تحسين نتيجته من خلال تغيير استراتيجيته بشكل فردي، بافتراض أن الأشخاص الآخرين لن يغيروا استراتيجياتهم أيضًا. وهذا هو جوهر المعضلة: كيف يمكن للسعي العقلاني الفردي أن يؤدي إلى نتيجة جماعية غير مثلى (Suboptimal Outcome)[6].
دلالاتها الفلسفية
تثير التجربة الفكرية عددًا من الإشكاليات الفلسفية المتعلقة بطبيعة العقلانية والتعاون الاجتماعي والأخلاق. كما استخدمت معضلة السجينين نموذجًا تفسيريًا لنشأة المؤسسات الاجتماعية والسياسية، ولا سيما من قبل بعض فلاسفة
العقد الاجتماعي المعاصرين (Social Contract)، مثل
جون رولز (John Rawls، 1921-2002)[7]، وذلك من أجل توضيح القواعد التي تتأسس عليها المؤسسات التي تحكم التفاعل والتعاون الاجتماعي داخل المجتمعات البشرية.
غير أن أبرز هذه القضايا هو التعارض بين العقلانية الفردية والعقلانية الجماعية، إذ تبرز المعضلة كيف يمكن للخيارات العقلانية الفردية، التي يجري في العادة تعريفها على أنها ضرب من
العقلانية الأداتية (Instrumental Rationality) أو
نظرية الاختيار العقلاني (Rational choice theory) والتي يسعى الأفراد عبرها إلى تعظيم المصلحة الذاتية الآنية لكل منهم، أن تتعارض مع العقلانية الجماعية، التي تسعى فيها المجموعة إلى تحقيق الخير العام للمجموعة ككل. ذلك أن اعتماد كل سجين على العقلانية الفردية يؤدي ضرورةً إلى نتيجة سيئة للمجموع[8].
أما على الصعيد الأخلاقي، فتطرح المعضلة عددًا من التحديات الأخلاقية، ومنها على سبيل المثال، تلك المتعلقة بالأنانية الأخلاقية (Ethical Egoism)، التي تذهب إلى أن الفعل الصائب أخلاقيًا هو دائمًا الفعل الذي يخدم مصلحة الإنسان الذاتية. فهذه المعضلة تتحدى هذه الرؤية وتبين عدم إمكانية تعميمها على مثل هذا الموقف الأخلاقي، فإذا سعى الجميع إلى تحقيق مصالحهم الذاتية، فإنهم سينتهون إلى وضعية أسوأ[9].
كما تطرح المعضلة تحديًا من نوع آخر على
الفلسفة النفعيّة، والتي تطورت مع كل من
جيرمي بنثام (Jeremy Bentham، 1748-1832) وجون ستيوارت مل (John Stuart Mill، 1806-1873)، والتي تسعى إلى تحقيق الرفاه لأكبر عدد من الناس، إذ تُفضل اختيار التعاون المتبادل بين زيد وعمرو على الخيانة. ولكن مع ذلك، توضح المعضلة صعوبة الوصول إلى هذه النتيجة بسبب هيكل الحوافز الفردية، الذي يدفع الفاعلين إلى تفضيل الخيانة على التعاون[10].
المراجع
العربية
رولز، جون.
محاضرات في تاريخ الفلسفة السياسية. تحرير صامويل فريمان. ترجمة يزن الحاج. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020.
كالهون، كريغ (محرر).
معجم العلوم الاجتماعية. ترجمة معين رومية. مراجعة باسم سرحان وأيهب سعد. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021.
الأجنبية
Kuhn, Steven. “Prisoner’s Dilemma.”
The Stanford Encyclopedia of Philosophy. 24/10/2025. at:
https://acr.ps/hBy6Fjg
Nash, John. “Non-Cooperative Games.”
Annals of Mathematics. vol. 54, no. 2 (1951). pp. 286-295.
Peterson, Martin (ed.).
The Prisoner’s Dilemma. Cambridge: Cambridge University Press, 2015.
Poundstone, William.
Prisoner's Dilemma: John von Neumann, Game Theory, and the Puzzle of the Bomb. New York: Doubleday, 1992.
Tucker, A. W. “The Mathematics of Tucker: A Sampler.”
The Two-Year College Mathematics Journal. vol. 14, no. 3 (1983). pp. 228-232.
[1] William Poundstone,
Prisoner's Dilemma: John von Neumann, Game Theory, and the Puzzle of the Bomb (New York: Doubleday, 1992), p. 8.
[2] Ibid., p. 25.
[3] Robert Northcott & Anna Alexandrova, “Prisoner’s Dilemma Doesn’t Explain Much,” in: Martin Peterson (ed.),
The Prisoner’s Dilemma (Cambridge: Cambridge University Press, 2015), p. 64.
[4] لتفصيل البُعد الرياضي خلف هذه المُعضلة، يُنظر:
- W. Tucker, “The Mathematics of Tucker: A Sampler,”
The Two-Year College Mathematics Journal, vol. 14, no. 3 (1983), pp. 228-232.
[5] كريغ كالهون (محرر)،
معجم العلوم الاجتماعية، ترجمة معين رومية، مراجعة باسم سرحان وأيهب سعد، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص574-575.
[6] لمزيد من القراءة التفصيلية حول توازن ناش، يُنظر:
John Nash, “Non-Cooperative Games,”
Annals of Mathematics, vol. 54, no. 2 (1951), pp. 286-295.
[7] جون رولز،
محاضرات في تاريخ الفلسفة السياسية، تحرير صامويل فريمان، ترجمة يزن الحاج، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص 120-140.
[8] Steven Kuhn, “Prisoner’s Dilemma,”
The Stanford Encyclopedia of Philosophy, 24/10/2025, accessed on 20/7/2026, at:
https://acr.ps/hBy6Fjg
[9] Ibid.
[10] Ibid.