تسجيل الدخول

القومية

(Nationalism)



​الموجز

القومية من أكثر المفاهيم تركيبًا في العلوم الاجتماعية، فهي ليست مجرد شعور بالانتماء إلى جماعة أو دولة كما تُفهم في وعي الناس اليومي، بل هي ظاهرة اجتماعية-سياسية-ثقافية تجمع بين الأيديولوجيا والسياسة والثقافة والهوية والذاكرة الجماعية. ولذلك يصعب اختزالها في عامل واحد، سواء أكان الاقتصاد، أم السياسة، أم اللغة، أم الثقافة. فالقومية ظاهرة حديثة تتشكّل من تفاعل عناصر متعددة ومتغيرة تاريخيًّا. وفهم الناس للقومية جزءٌ من القومية نفسها، إذ تتبدل دلالاتها ومعانيها وفقًا للتحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية.

ومع أن القومية ظاهرة حديثة، فإنها تتضمّن أبعادًا تاريخية، إذ لا تتشكل من العدم، بل ترتبط غالبًا بتسييس ما يسمى الإثنية (Ethnicity)، أي الجماعة البشرية التي تتشارك ثقافةً (بما في ذلك اللغة) وإحساسًا بالتاريخ المشترك، وفي بعض الحالات يشمل ذلك الاعتقاد بالأصل المشترك. والمقصود بالتسييس التطلع إلى تحويل المشترك الإثني إلى أساس للمطالبة بحقوق جماعية سياسية، أو بكيانية سياسية، وغالبًا بدولة. غير أن الإثنية نفسها ليست معطًى طبيعيًّا ثابتًا، بل بناءٌ تاريخي وثقافي يتكوّن من اللغة والرموز والأساطير والتجارب المشتركة التي تُعاد صياغتها عبر الزمن، وبعضها يُسقَط من الحاضر على الماضي. ثمّ إنّ الثقافة ليست عنصرًا جامدًا، بل يسهم في تشكيلها المثقفون القوميون والحركات القومية، بالإضافة إلى إسهام الصراعات في تعريف الذات مقابل الآخر، وتؤدي الدولة دورًا رئيسًا في ذلك من خلال التعليم والإعلام واللغة الرسمية وكتابة التاريخ الرسمي والمتاحف والطقوس الوطنية، وغيرها. وعليه، فإن الدولة لا تعبّر عن القومية فقط، بل تسهم في صناعتها وإعادة إنتاجها، من خلال توحيد اللغة، وفرض التعليم العمومي، وصياغة التاريخ الرسمي، وإنتاج الرموز الوطنية والأعياد والأساطير المؤسسة.

ويسهم التمييز بين الأمة والقومية والإثنية في فهم الظاهرة. ومع أن مصطلح الأمة متوارث، خلافًا للقومية، حاملًا دلالاتٍ مختلفة عبر التاريخ، فإن دلالته أصبحت أكثر تحديدًا في العصر الحديث، فهو يشير إلى الجماعة البشرية المنظمة في دولة، وهي تُعدّ في التصور المتقدم لها -في النظرية السياسية الديمقراطية- جماعةَ المواطنين، في حين ما زالت تُختزل إلى القومية الإثنية في الفكر القومي التقليدي. أما القومية فمصطلحها حديث مثل الظاهرة نفسها. إنها تسييس الإثنية، أي تسييس للمشترك الثقافي. وتتطلع الحركات القومية الحاملة للأيديولوجيا القومية إلى أن تعبّر الدولة عن القومية، وأن تتطابق الأمة مع القومية، لكن غالبية دول العالم لا تتشكل من قومية واحدة، ومن هنا ثمة أهمية للتمييز بين الأمة والقومية.

وقد انقسم الباحثون في دراسة القومية بين اتجاهين رئيسين: الأول هو الاتجاه الحداثي الذي يَعتبر أن القومية ظاهرة حديثة نشأت مع التصنيع والتمَديُن وظهور الدولة الحديثة، وينقسم بين تيارات بنائية تشدد على البنية والظروف الاجتماعية وأخرى تشدد على الوجدان والإرادة. أما الاتجاه الثاني، فهو الإثنو-رمزي، الذي ينطلق من أن القومية الحديثة تستند إلى جذور إثنية وتاريخية سابقة وذخيرة من الأساطير والذكريات والرموز واللغة والاعتقاد بالأصل المشترك. ولكن حتى هذا الاتجاه لا يَعُدّ القومية معطًى أزليًّا، بل يرى أنها تشكلت في العصر الحديث من خلال تسييس الإثنية وتحويلها إلى مشروع دولة.

عرّف جون بلاميناتز (John Plamenatz، 1912-1975) القومية بأنها إرادة الحفاظ على الهوية الثقافية أو تعزيزها أو حتى خلقها، وربطَ نشوءها بالشعور بالتأخر أو بالتهديد الثقافي مقارنة بشعوب أخرى. ففي ألمانيا مثلًا، برزت الدعوات إلى التمسك بالثقافة الألمانية في مواجهة التفوق الفرنسي والبريطاني في القرن الثامن عشر، قبل أن تتحول هذه الدعوات إلى مشروع سياسي، غير أن القومية، وإن تضمّنت عنصرًا ثقافيًّا، تتميز عن الإثنية بطابعها السياسي، لأنها تسعى إلى التعبير عن الجماعة في إطار دولة أو كيان سياسي مستقل. وقد تبلورت قوميات عدّة من خلال الصراع ضد الاستعمار، وشددت على خصوصية ثقافية ونزعة تحديثية في الوقت ذاته.

عرَّف إرنست غيلنر (Ernest Gellner، 1925-1995) القومية بأنها مبدأ سياسي يدعو إلى التطابق بين الجماعة القومية والإطار السياسي (الدولة). ورأى أن القومية ليست ظاهرة ثقافية فحسب، بل هي نتاج متطلبات بنيوية للمجتمع الصناعي الحديث الذي وفّر الشروط لتوليد مقوماتها. نشأت القومية -وفقًا لهذا التنظير الحداثي- في المجتمع الصناعي الذي اقتضى نشر التعليم الذي يؤهل لإدارة الإنتاج والمؤسسات الحديثة. وقد أنتجت الدولة من خلال التعليم واللغة الرسمية "ثقافة معيارية".

ترتبط القومية ارتباطًا وثيقًا بنشوء الدولة الحديثة وفكرة السيادة، ولا سيما سيادة الشعب. ففي الماضي، كانت الدولة هي الحاكم، وكان ممكنًا أن ينتمي الحاكم إلى إثنية مختلفة عن المحكومين، ولم تكن الدولة إطارًا مشتركًا بين الحكام والمحكومين، ولم تعبّر عن جماعة قومية بعينها. أما في العصر الحديث، فأصبحت القومية من أهم مصادر شرعية الدولة، وأصبح من الطبيعي أن يُفاخر الحكام بانتمائهم إلى القومية التي يفترض أن تمثلها الدولة. ومن هنا، لا تعبّر الأيديولوجيات والحركات القومية، ولا الفاعلون الاجتماعيون عمومًا الحاملون لهذه الأيديولوجيا، عن قومية جاهزة مسبقًا، بل يسهمون في إنتاجها، أي في تحويل جماعة إثنية (ذات ثقافة واعتقاد بتاريخ مشترك) إلى جماعة سياسية ذات تطلّع إلى مصير مشترك في دولة. والحقيقة أن الحركة القومية والدولة لاحقًا تسهم في إعادة صياغة السمات الإثنية ذاتها وتوحيدها وتعميمها بوصفها ثقافة قومية.

وتُظهر تجربة توحيد إيطاليا في القرن التاسع عشر -التي غدت نموذجًا لحركات قومية عدّة منذ أواخر ذلك القرن- أن نشوء الدولة قد يسبق تشكل الأمة على أساس القومية، وأن الوحدة السياسية قد تسبق الوحدة الثقافية، وحتى اللغة المشتركة نفسها. فعند قيام الوحدة الإيطالية، لم يكن معظم السكان يتحدثون الإيطالية المعيارية، بل كانت اللهجات المحلية هي السائدة. وقد فرضت الدولة اللغة الإيطالية المعيارية الموحدة لاحقًا من خلال التعليم والإدارة، وهذا يبيّن أن اللغة وحدها لا تكفي لتشكيل قومية، وأن الأيديولوجيا والتنظيم السياسي يؤديان دورًا حاسمًا في بناء الأمة الحديثة. بالإضافة إلى ذلك، إن وجود لغة مشتركة لا يؤدي بالضرورة إلى وحدة سياسية، فالتشارك باللغة الإسبانية بين غالبية دول أميركا اللاتينية، مثلًا، لم يكفِ لنشوء قومية واحدة تجمع تلك الدول، فضلًا عن توحيدها في دولة واحدة.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ولا تكفي البنى والمصالح الاقتصادية والحسابات السياسية في تفسير القومية، فلا يمكن الاستغناء عن مكونات مثل العاطفة والانتماء، لفهم جماعة شعورية من هذا النوع، فلا قومية من دون شعور بالانتماء. وقد طرح بنديكت أندرسون (Benedict Anderson، 1936-2015) مفهوم "الجماعة المتخيّلة" لتفسير القومية، فالأمة ليست جماعة يعرف أفرادُها بعضَهم معرفة مباشرة، بل جماعة يتخيّلها أفرادها كأنها جماعة أهلية. ولكنها مع ذلك ظاهرة حديثة، فلم يكن ممكنًا تخيل الأفراد أنفسهم ضمن جماعة كبرى من هذا النوع، من دون إسهام الطباعة والصحف والتعليم ووسائل الاتصال الحديثة في توليد الإحساس بالأحداث في الوقت ذاته (التزامن)، وفي صنع تاريخ مشترك وتحويله إلى ذاكرة مشتركة أيضًا.

أما المقاربة البدئية (Primordial)، فتقارب القومية بوصفها امتدادًا لروابط أولية مثل العائلة والقبيلة. وهي روابط تُنتج شعورًا عميقًا بالانتماء، وتعدّ الإثنية رابطةً من هذا النوع من الدرجة الثانية، لكنها لا تفسر كيف تتحول هذه الروابط إلى قومية. وانتقدها الحداثيون (حتى بعض الإثنو-رمزيين)، لأنها تفترض وجود جوهر ثابت للقوميات، وتتجاهل الطابع التاريخي المتغير لها. بالإضافة إلى أن تصوير القومية بوصفها تنويعًا على جماعة ذات خصائص أبدية متوارثة قد يقود إلى الشوفينية والعنصرية، وإلى استخدام هذا التصور في تبرير الأنظمة السلطوية والشمولية التي قد تدّعي تجسيد "روح الأمة" أو "الخصائص الجوهرية للشعب".

وركّزت المقاربات الحداثية البنائية على دور التصنيع والتعليم والدولة المركزية والحروب وإزالة الحواجز الجمركية، في تعزيز النشاط الاقتصادي (نشوء الاقتصاد الوطني) وتوحيد السوق. ورأى إريك هوبسباوم (Eric Hobsbawm، 1917-2012) أن القومية مشروع تُنتجه من الأعلى النخبُ الناتجة من هذه الصيرورة والمرتبطة بالبنى الجديدة من خلال اختراع التقاليد وصياغة التاريخ والرموز القومية، لكنها لا تنجح إلّا إن وجدت قبولًا من الناس العاديين، لأن القومية ليست خطابًا للنخب فقط، بل هي أيضًا شعورٌ جماعي بالانتماء.

والقومية أيديولوجيا، ولكنها أيديولوجيا منخفضة الكثافة (لا تتضمن مقولات عن جميع مجالات الحياة ومواقف من مختلف القضايا)، لأنها تقوم أساسًا على أدلجة الهوية الإثنية والدعوة إلى الوحدة السياسية. ولكن يمكن أن تتداخل مع أيديولوجيات أكثر كثافة ذات مواقف من قضايا اجتماعية وسياسية تتجاوز مسألة الدولة مثل الليبرالية والاشتراكية والفاشية وغيرها. وقلّما توجد أيديولوجيا لا يدعي أنصارها أنهم ينتمون إلى قومية، أو لا يخدمون مصالح الأمة، أو لا يؤكدون على وطنيتهم، إذ ليست القومية بطبيعتها ليبرالية أو سلطوية، فقد ارتبطت في سياقات معينة بالديمقراطية والتحرر الوطني، وفي سياقات أخرى بالسلطوية والتعبئة القسرية. وغالبًا ما يترافق صعود القومية في بدايتها بنهضة ثقافية، ونزعات تحررية. وقد شهد القرن الحادي والعشرون إحياءَ أنماط من القومية الإثنية والتعبئة المعادية للمهاجرين والأقليات من جانب الحركات اليمينية الشعبوية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة؛ وكذلك صياغةَ أيديولوجية رسمية لبعض الأنظمة السلطوية أو شبه السلطوية.

في العالم العربي نشأت الفكرة القومية الحديثة في أواخر العهد العثماني، بدايةً بوصفها حركة ثقافية في مواجهة التتريك، ثم تحولت إلى مشروع سياسي يدعو إلى الاستقلال والوحدة العربية. وقد ربط ساطع الحصري (1879-1968) الأمة باللغة والتاريخ المشترك، ورأى أن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل أساس الشخصية الحضارية. أما قسطنطين زريق فشدد على أن القومية مشروع أخلاقي ونهضوي يتطلب وعيًا تاريخيًّا وتنظيمًا وعملًا حديثًا، لا حنينًا إلى الماضي فحسب، في حين نبّه نديم البيطار (1924-2014) إلى أن اللغة وحدها لا تكفي لصنع الأمة ما لم تتوفر إرادة سياسية تحوّلها إلى عامل وحدة قومية. وبالمجمل شهد النقاش بشأن القومية والوحدة العربية تنوعات عديدة، ولكنه انحسر بالتدريج مع إخفاق محاولات الوحدة العربية بين دول تتبنى سلطاتها الحاكمة الأيديولوجيا القومية العربية، وبعد هزيمة أنظمة قومية عربية في حرب عام 1967.

غير أن المعضلة الأكبر التي واجهتها الأيديولوجيا القومية العربية هي نشوء الدول العربية المستقلة وترسخها بعد الاستعمار. فمع مرور الزمن، نشأت انتماءات وطنية مرتبطة بالدول القائمة، في مقابل فكرة الأمة العربية الواحدة التي بقي الانتماء إليها أقرب إلى الهوية الثقافية والأيديولوجيا السياسية منه إلى أمة مكتملة في دولة موحدة. ولذلك، ظل الفكر القومي العربي يتحرك بين مستويين: مستوى الهوية القومية العربية المشتركة، ومستوى الدول الوطنية القائمة مع نجاح محدود في التوفيق بين النظري/ الأيديولوجي والواقع السياسي، لأنه ظل يطابق بين القومية الإثنية والأمة.

القومية مصطلحًا

يتداول الناس مصطلح القومية في التواصل اليومي، ويستخدمه السياسيون ووسائل الإعلام. لكنه، رغم رواجه، يصعب على مستخدميه غالبًا تحديد دلالته، والأسهل عليهم هو تحديدها من زاوية مشاعرهم الخاصة تجاه انتمائهم لشعب أو دولة. أما في العلوم الاجتماعية فتعدّ القومية أحدَ أكثر المفاهيم تركيبًا. وقد أشغلت ظاهرة القومية تخصصات مختلفة، ومنها الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية والتاريخ، لا بسبب تعدّد تفسيراتها وزوايا النظر المختلفة إليها والمتأثرة أيديولوجيًّا بالموقف من ظاهرة القومية ذاتها فحسب، بل بسبب تغيّرها وتبدّلها وتغير فهم عموم الناس لها، ففهمُ الناس لظاهرة اجتماعية- ثقافية-سياسية مثل القومية هو أحدُ مكونات الظاهرة نفسها.

وغالبًا ما تُفسَّر القومية من زاوية نظر واحدة، وانطلاقًا من تأثير مكوّن اجتماعي واحد في تشكّلها مثل الاقتصاد أو السياسة أو الإرادة الإنسانية أو الثقافة، لكن الظاهرة أكثر تركيبًا من أن تُختزَل في بُعد واحد، وإنّ أي مقاربة اختزالية، سواء أكانت اقتصادية أم سياسية أم ثقافية، تُخفق بالضرورة في استيعاب الطابع المركّب للقومية[1]. فالقومية (Nationalism) أيديولوجيا، وحركات سياسية، وبنيات رمزية على مستوى الخطاب والهوية والسردية، وانتماء شعوري وجداني أيضًا. وتقترن القومية غالبًا، بما يسمى إثنية (أو أَقْوامية)، أي بجماعة ذات سمات ثقافية مشتركة وتصور لتاريخ مشترك، وتسهم الحركات القومية، والفاعلون القوميون والدولة ذاتها، في صنع هذه المشتركات الثقافية.

ويعدّ الخلط بين عوامل نشوء القومية التاريخية وعناصر الظاهرة نفسها كما يُعاد إنتاجها في الواقع الاجتماعي من أهم مصادر الارتباك في فهم القومية؛ فعناصر الظاهرة المشتركة هي التي تبرر إطلاق تسمية القومية على قوميات مختلفة في بلدان مختلفة، أما عوامل نشوئها فتختلف من سياق مكاني-زماني إلى آخر، فما يؤدي إلى نشوء هذه الظاهرة هو مسارات مختلفة، يتباين فيها وزن المركبات الاقتصادية والسياسية والثقافية والأيديولوجية، وقد يغيب بعضها ويحضر غيره، وهي تختلف في القرن التاسع عشر عن القرن العشرين، وفي البلدان المستعمِرة عن البلدان المستعمَرة. وهناك توتر دائم بين القوة الخطابية/ البلاغية للادعاءات التي تفترض وجود هوية قومية سابقة التكوين، والإقرار بالعمليات التاريخية الفعلية التي أدّت إلى بناء الأمة[2]. والسؤال هنا هو (هل ثمّة وعي لهذه العمليات التاريخية عند غير الباحثين؟) فغالبًا ما يتعامل الفاعلون السياسيون وصناع الثقافة القومية من شعراء وأدباء ومعجميين وغيرهم مع القومية كأنها كانت قائمة دائمًا، وتكمن المهمة في اكتشافها.

يشير لفظ Ethnos في التراث اليوناني إلى جماعة بشرية تتشارك نمط حياة وثقافة. وهو باعتباره مصطلحًا في العلوم الاجتماعية المعاصرة (Ethnicity) يشير إلى وحدة ثقافية وإحساس بالتاريخ المشترك، إذ لا تقوم على مؤشرات "موضوعية" كالديموغرافيا أو الاقتصاد، بل على المعاني التي يمنحها الأفراد لتجاربهم المشتركة عبر الزمن. فهذه التجارب تُعاد صياغتها وتثبيتها في تفسيرات ومعانٍ ورموز تنتقل بين الأجيال مولّدةً ما يسمى "تراثًا جماعيًا" يسهم في توجيه وعي الأفراد الاجتماعي وسلوكهم. وبذلك، تصبح الإثنية نتاجًا تاريخيًا-ثقافيًا يتشكّل من تفاعل الذاكرة المشتركة والتجربة الاجتماعية، بحيث تكتسب هذه العناصر طابعًا موضوعيًّا يبدو (حتى للباحثين) وكأنه معطىً مستقل عن إرادة الأفراد، ويمنح الجماعة تمايزها وإحساسها بـ"نحن" في مقابل الآخرين عبر الزمن[3].

وخلافًا للقومية، ليس لفظ الإثنية منتشرًا في الحياة اليومية ولا في الإعلام. ومثلما أن المهم في استخدام المصطلح هو تصور أصل مشترك لا وجوده الفعلي، كذلك فإن المهم هو وجود تصور مشترك للثقافة، ولكن التصور في هذه الحالة يستند إلى عناصر أكثر واقعية من الأصل المشترك مثل اللغة. وليست الثقافة عنصرًا بسيطًا أو ثابتًا، بل متشكلة متغيرة. وقد لا تكون مشتركة، بل تصبح مشتركة بفعل إسهام الدول من خلال التعليم العمومي واللغة الرسمية والمتاحف والمناسبات القومية، ومن خلال وسائل الاتصال والنخب الثقافية القومية والاندماج ضمن اقتصاد واحد، وغيرها من العوامل. وتسهم الحدود التي تفصل بين الجماعات في تحديد الخصائص الثقافية المشتركة، وتُنشأ الحدود (Boundaries) من خلال عمليات تصنيف متبادلة بين الجماعات.

وفيما عدا تأثير الأيديولوجيا القومية ذاتها أو المواقف المعادية لها على الباحثين في ظاهرة القومية، فإن من أهم عوائق فهم القومية والأمة وتشكيل مفاهيم حديثة لها، هو أن مصطلحي الأمة بالعربية وNation باللغات الأوروبية، كانا يستخدمان في الماضي بدلالات مختلفة عن دلالتهما المعاصرة.

وحقيقة أن مصطلح الأمّة استُخدم في التاريخ بمعنى الجماعة، وفي حالة التراث الإسلامي "جماعة المسلمين" (وكانت له استخدامات أخرى أيضًا)، تُربك المناقشة العلمية لمصطلح يُستخدم في العصر الحديث للإشارة إلى جماعة الدولة، أي مواطنيها، وحتى للدولة ذاتها كما في تسمية "الأمم المتحدة"، وأحيانًا في وصف جماعة قومية اعترافًا بحقها في التمثّل السياسي في دولة. وقد تتشكّل الأمة في العصر الحديث من قومية واحدة أو أكثر، أو لا تستند في الأصل إلى قومية إثنية، بل إلى الانتماء لدولة. ويبرز ذلك بوضوح في حالات الدول التي أنشأها مهاجرون مستوطنون في دول مثل الولايات المتحدة وأستراليا وبعض دول أميركا اللاتينية. وما يسهّل الأمر في حالة القومية (على الرغم من اشتقاقها في اللغات اللاتينية وغيرها من Nation) هو أن مصطلح القومية (Nationality وNationalism) مستحدث؛ إذ لم يكن مستخدمًا قبل الحداثة. ولأنه مشتق لغويًّا من "قوم"، يجدر الانتباه إلى أن دلالته مختلفة عن دلالة لفظ أقوامية المشتق منه أيضًا، والذي يستخدم أحيانًا ترجمةً لمصطلح Ethnicity.

القومية بالعربية المعاصرة هي الأيديولوجيا القومية (Nationalism)، وهي في استخدام آخر التبعية لقومية أو لدولة (جنسية/ Nationality) وفقًا للسياق. ودرءًا لأي لبس سيعرب مصطلح Ethnicity باستخدام لفظ إثنية بدلًا من أقوامية. بالإضافة إلى استخدام لفظ Nationality راهنًا، في القانون الدولي وفي العلاقات بين الدول للدلالة على التبعية للدولة، ويحمل هذه الدلالةَ -لحسن الحظ- مصطلحٌ آخر بالعربية هو الجنسية، وهو ما يقلل الارتباك في استخدام المصطلح. ويستخدم الكُتاب الغربيون مصطلح Nationalism للدلالة على القومية عمومًا، في حين يُفترض أن يعبّر هذا المصطلح عن الأيديولوجيا القومية. وللقومية أبعادٌ أخرى غير الأيديولوجيا، هي الانتماء لقومية إثنية، أو ما يُطلق عليه في الغرب Ethnonationality. وعليه، تُستخدم المصطلحات الواردة في هذا المدخل وفقًا للدلالات الآتية:

  • Nation= أمة
  • Nationalism= قومية، بمعنى أيديولوجيا قومية أو توجهات قومية فكرية أو حركية
  • Ethnonationality= قومية، أو هوية قومية، بمعنى انتماء إلى جماعة قومية إثنية
  • Nationality= جنسية
  • Ethnicity= إثنية (أقوامية)

فهم القومية

ينقسم الباحثون عمومًا بين الحداثيين الذين يتناولون القومية بوصفها نتاجَ عملية تركيب تاريخي في ظروف الحداثة، بصرف النظر عمّا إذا كان العنصر الرئيس في الصيرورة هو البنى الاجتماعية الاقتصادية أم الفاعلية الإنسانية -وهذا مصدر انقسام إضافي بين الباحثين الحداثيين من جهة، والإثنو-رمزيين (Ethno-Symbolists) من جهة أخرى. ويرى هؤلاء أن القومية متجذرة تاريخيًّا في كيانات وأحداث وشخصيات تاريخية ولغة وغيرها. ومن ثمّ فإن القومية لا تنشأ من العدم، بل تستند إلى أصول تاريخية قائمة؛ فهي وإن نشأت عندهم في عصر الحداثة، فإنها تقوم على أساس نواة إثنية قائمة منذ ما قبل الحداثة[4].

ويبدو أن من الصعب فهم ظاهرة القومية من دون أخذ عاملَين في الحسبان: الأول المتعلق بصيرورة التحديث، بما فيه التمَدْين ونشوء الدولة الحديثة وتعميم التعليم ووسائل الاتصال ونشوء الحركات والأيديولوجيا القومية؛ والعامل الآخر هو المكونات التاريخية، سواء أكانت معطاة مثل اللغة أم يتعلّق وجودها بالاعتقاد، مثل الاعتقاد بأصل مشترك وتاريخ مشترك يُتَصوَّر على أنه متصل غير منقطع. وفي الحالتين، يُفترض أن تؤخَذ الدولة الحديثة في الحسبان، حتى عند الحديث عن مكوّنات إثنية. فللدولة دور في توحيد اللغة وفي تعميمها وفي الإسهام في إنتاج أساطير الأصل المشترك والتاريخ المشترك وفي إعادة إنتاجهما. والإثنية ليست عبارة عن معطًى، وما من دولة إلا أسهمت وتسهم في تركيب الإثنية وصياغتها.

إنّ الإجابة عن سؤال "هل القومية -ولا سيّما ما يسمى الهوية القومية- معطًى موضوعي أم نتاج صيرورة تاريخية يجري من خلالها توليدها وتغييرها؟" أصبحت محسومةً عند غالبية الباحثين لصالح الصيرورة التاريخية. لكن هذه الإجابة بأن القومية ناتجة من عملية تركيب تاريخية لا تنفي أن هذه العملية تولِّد ظاهرة قائمة موضوعيًّا لا بد من التعامل معها. إذًا، أصبحت القومية معطًى تاريخيًّا في الحداثة، مع التأكيد أنها متغيرة، وأن لا جوهر ثابتًا لها، وأنها لم تكن موجودة قبل الحداثة، وإن وجدت بعض العناصر التي أصبحت من مكوناتها.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

كتب جون بلاميناتز في مقالة معروفة لدى الباحثين في الموضوع أن القومية ظاهرة حديثة ذات طابع ثقافي في الأساس، وتنشأ عندما تقترن الهوية الثقافية لا بمجرد الشعور بالانتماء فحسب، بل أيضًا بإدراك التغير الحاصل في الحداثة والمقارنة بالقوميات الأخرى ضمن فهم مشترك لفكرة التقدم. فمع هيمنة فكرة التقدم، تقارن نخبٌ صاعدة للشعوب أوضاعَ شعبها بشعوب أخرى بناء على معيار التقدم هذا، وينشأ الشعور بالقلق من التأخر مقارنة بالآخرين والشعور بالخطر المحدق بخصوصيتها وثقافتها نتيجة لمحاكاتهم في الوقت ذاته، كما في حالة فرنسا وبريطانيا المتقدمتين مقابل ألمانيا المتأخرة نسبيًّا (أي نسبة إليهما) في القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر. ففي حالة ألمانيا، كان رد الفعل متمثلًا بالدعوة إلى التمسك بالثقافة الألمانية بأقلام الناطقين بها مثل يوهان غوتفريد هيردر (Johann Gottfried Herder، 1744-1803) وغيره، من دون الدعوة إلى وحدة سياسية على أساس ثقافي. وهو تمييز يمنح البعد الثقافي أفضلية تفسيرية على التفسيرات السياسية التقليدية، خصوصًا بعد ربطه بالشعور بالتهديد أو السعي للحاق بالآخرين[5]. ولكن الدول الأوروبية التي تأخرت مثل ألمانيا وإيطاليا آنذاك امتلكت مقومات القومية وبناء الأمة من ذاتها مع فاعلية خاصة لعنصر الإرادة؛ إرادة بناء الأمة والحفاظ على ثقافتها واللحاق بركب التقدم، وأصبحت تصدر نماذج من الأيديولوجيا القومية، وذلك خلافًا للبلدان التي فُرِضت فيها القومية وعملية بناء الأمة من أعلى كما في حالة بلدان العالم الثالث وبعض بلدان أوروبا الشرقية.

قدّم بلاميناتز تعريفًا مركزيًّا للقومية، إذ عرّفها بأنها إرادة الحفاظ على الهوية الثقافية أو تعزيزها أو حتى خلقها. ويشير إلى أن ما يميز الشعوب ليس الدولة أو الأصل البيولوجي، بل أنماط التفكير والسلوك التي تعدّها خاصة بها، وعليه فإن القومية في المقام الأول ظاهرةٌ ثقافية، قد تتخذ شكلًا سياسيًّا. وذهب بلاميناتز إلى أن القومية الثقافية وُجدت قبل السياسية، وأن السياسة ليست شرطًا للقومية، وذلك لأنه لم يميز بين الإثنية والقومية. ولا شك أن إثارة الشعور بالنقص أو الكبرياء الثقافي، أو اكتشاف الخصوصية الثقافية والدفاع عنها في وجه تهديدات حقيقية أو موهومة، من مقدمات القومية، على غرار حالات الأيديولوجيا القومية في ألمانيا وإيطاليا؛ غير أن القومية تتميز عن الإثنية بوصفها سياسيةً، وتشتمل على الثقافة والكبرياء الثقافي وردود الفعل الثقافية، لكنها تتميز أساسًا بطابعها السياسي، وهذا ما فوّته بلاميناتز.

يُعرِّف إرنست غيلنر القومية بأنها مبدأ سياسي يدعو لمطابقة السياسي والقومي[6]. ويقصد بالقومي هنا، الإثني، وإلّا لكان التعريف دائريًّا. وبلغة أدق من لغته يصبح التعريف: الأيديولوجيا القومية تطابقٌ بين الجماعة الإثنية والمجال السياسي، بمعنى الإصرار على أن تدير ذاتها في وحدة سياسية هي غالبًا الدولة، أو من خلال وحدات سياسية أخرى داخل الدول الفيدرالية أو الكونفدرالية. فالإثنية عنده لا تتضمّن الأصل المشترك، لأن الاعتقاد بالأصل المشترك جزء من الثقافة القومية التي تتشكل في الحداثة.

إن هذه المطابقة بين السياسي والقومي، أو بين الدولة والقومية، مُعقّدةٌ وصعبة، لأن الدولة مُحدّدة بحدود سياسية، وهي في العصر الحديث كائن معروف ومُحدّد. أما القومية الإثنية (Ethnonationality) فحدودها ليست دائمًا واضحة، حتى إن القوميين يختلفون بشأن حدودها، وغالبًا ما تتوزع القومية الإثنية الواحدة على أكثر من دولة. ففي الحالة العربية هي أكثرية في دول عدّة، وفي الحالة الكردية هي أقلية في دول عدّة. وفي حالات عدة أخرى، في شرق أوروبا والبلقان ووسط آسيا تُشكّل القومية الإثنية أغلبية في دولة، وأقلية في دول أخرى. ويتوق السياسيون القوميون، حملة الأيديولوجيا القومية، إلى تغيير هذا الواقع غالبًا، إذ يجتمع المنتمون إلى القومية الإثنية الواحدة في دولة واحدة. وإذا لم يكن ذلك ممكنًا فإنهم يسعون إلى أن تعبّر الدولة عما يسمونه "رسالة" هذه القومية بالحفاظ على الثقافة القومية والدعوة إلى الوحدة. وعمومًا يتعقب المنظرون القوميون القومية عبر التاريخ وصولًا إلى الدولة، كأن التاريخ قوميٌ يقود بالضرورة إليها. وقد يستفيد الباحث من جهود المنظرين القوميين في دراسته للأيديولوجيا القومية، ودورهم في تشكيلها، بيد أن منطلق الباحث- وإن كان قوميًّا في مواقفه- يفترض أن يكون في منهجه وفي مهمته وفي غايته مختلفًا عن منطلقات المنظِّر القومي ومهماته وغايته.

لقد انتشرت الأيديولوجيا القومية وترسّخت في ثقافة الناس اليومية وفي البنى التنظيمية للمجتمعات إلى درجة صعوبة تصديق أنها لم تكن معروفة في الماضي. فمثلًا، خضعت بلدان عدّة لحُكّام منتمين إلى إثنية غير إثنية المحكومين، ولم تجمعهم قومية سياسية من أي نوع. على حين أصبح من الطبيعي في العصر الحديث أن يفاخر الحاكم بانتمائه للقومية التي تجمعه بالمحكومين، وأن يُعيَّر الخصومُ السياسيون بأن أصولهم تعود إلى غير القومية التي يُفترض أن تُمثّلها الدولة، انطلاقًا من أن مثل هذا الكشف يمس بمصداقيتهم أو شرعيتهم. ويرتبط نشوء القومية بنشوء الدولة الحديثة، وبالسعي الفكري والسياسي إلى أن تعبر الدولة عن إثنية بعينها، وهو تصور لم يكن مطروحًا في الماضي، حين كانت الدولة هي الحكام، أو سلالاتهم. وأصبحت القومية الجامع بين الحكام والمحكومين المعبَّر عنه في الدولة، قبل أن تصبح المواطنة هي المشترك في الحكام والمحكومين في الفهم الحديث المتأخر للأمة[7]. في هذا السياق، كتب سينيشا ماليسيڤتش (Siniša Malešević، 1969-) أن الدولة الحديثة هي الدولة الأولى في التاريخ التي تقوم شرعيتها على الأيديولوجيا القومية وعلى سيادة الشعب. والمُميز في الحداثة تغلغلُ الأيديولوجيا في المجتمع بأسره، إذ لم تعد التصورات الأيديولوجية لحياة أفضل أو لنظام اجتماعي أفضل مقتصرة على النخبة فحسب. فبتأثير محو الأمية والتعليم الجماهيري والإعلام الجماهيري ودمقرطة المجال العمومي، نشأت بيئة ملائمة للأدلجة ولتسييس الأفراد[8].

وتتحول الجماعة (الإثنية) إلى جماعة قومية من خلال القوى الاجتماعية والبنى التنظيمية، والأيديولوجيا التي تفسِّر معنى عدّ الجماعة قوميةً، وتبرر التطابق بين القومية والإطار السياسي الجديد الذي بات يجمع الحكام والمحكومين، وهو الدولة/ الأمة. وتسهم الدولة نفسها إسهامًا أساسيًّا في إعادة صياغة الإثنية (من خلال دعم توحيد اللغة المعيارية الذي غالبًا ما يقوم به مثقفون ومعجميون وأدباء، وفرض اللغة الرسمية، ونشر الإيمان بتاريخ مشترك، وصناعة الأساطير والأبطال التاريخيين والمناسبات التاريخية والأعياد الوطنية، وغيرها) وتحولها إلى قومية ذات تطلع إلى مصير سياسي مشترك في الدولة.

ولذلك يمكن القول إن الحركات والأيديولوجيا القومية هي التي تنتج القومية لا العكس، أي هي التي تحوّل جماعة ذات مشتركات معينة، أو قابلة لنسب مشتركات لها، إلى جماعة قومية تعبر عنها دولة/ أمة. ولكن هذا يتطلب توفر شروط مثل الدولة الحديثة واحتكارها عملية التشريع والعنف الشرعي، وإمكان تسييس عناصر واسعة من الناس مع انتشار التعليم ووسائل الاتصال، وإمكان تحويل اللغة الدارجة إلى لغة معيارية تسمى لغة وطنية أو لغة قومية[9]. وثمة حالات نجحت فيها الحركات القومية والفاعلون الاجتماعيون الحاملون للأيديولوجيا القومية، في ظل ما توفره الحداثة من وسائل اتصال وتنظيم، وغيرها، في إعادة صياغة الإثنية وتسييسها، أو قومنتها، دون الدولة، بل من خلال التطلّع إلى الحقوق السياسية الجماعية بدرجات متفاوتة (مثل الإدارة الذاتية والدولة) على غرار حالة الكُرد والكتالونيين، وغيرهم.

تُعد حركة توحيد إيطاليا في القرن التاسع عشر (Risorgimento) من النماذج المهمة التي استلهمتها الأيديولوجيات والحركات القومية في شرق أوروبا وفي العالم الثالث. والواقع، أن اللغة الإيطالية المعيارية لم تكن منتشرة بين السكان، أي لم يكن هذا العنصر الإثني المركزي قائمًا حين قامت الحركة القومية لتوحيد إيطاليا، بل كانت اللهجات المحلية هي السائدة. فنسبة ضئيلة جدًا من سكان شبه الجزيرة كانت تتحدث الإيطالية المعيارية، وهي تفصيح مبكر للهجة توسكانيا، وقد كان للشاعر دانتي أليغري (Dante Alighieri، 1265-1321) دور رئيس في ذلك، من خلال نظمه الكوميديا الإلهية في نهاية العصر الوسيط بالإيطالية، لا باللاتينية لغة الثقافة حينئذٍ. وقدّر المؤرخ توليو دي مورو (Tullio De Mauro، 1932-2017) أن هذه النسبة لم تتجاوز 2.5 في المئة من السكان عام 1861 عند التوحيد (630 ألف مواطن من أصل أكثر من 25 مليون نسمة من سكان إيطاليا). وقدر مؤرخون آخرون، مثل أريغو كاستيلاني (Arrigo Castellani، 1920-2004) مستندًا إلى معايير مختلفة، أن نسبة من كانوا يتحدثون الإيطالية بوصفها لغةً يومية لم تتجاوز 10 في المئة عام 1861. ونتج الاختلاف في تقدير النسبة من خلاف على تعريف اللغة الإيطالية المعيارية[10]، مع الاتفاق على أن أقلية صغيرة كانت تستخدمها. يعكس هذا أن بناء الدولة ووحدة الأمة الإيطالية كانا سابقين على اللغة المشتركة الموحدة. وقد فرضت الدولةُ اللغةَ المعيارية مثلما فعلت الجمهورية في فرنسا في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر.

إن وجود عناصر إثنية مثل اللغة عامل مهم في بلورة الطموحات القومية في العديد من الحالات، لكنها لا تكفي، فالإسبانية لغة مشتركة لغالبية أميركا اللاتينية، ومع ذلك، لم ينتج من هذا الواقع تيار سياسي مركزي يدعو إلى الوحدة في دولة واحدة، فضلًا عن تحقيقها. أما في إيطاليا فتحققت الوحدة دون اللغة المشتركة. ولكن هل كان يمكن أن تدوم إيطاليا الدولة القومية من دون توحيد اللغة الإيطالية بواسطة الدولة؟

وحين انطلقت حركة توحيد إيطاليا لم يكن قد نشأ فيها اقتصاد موحّد. ونشأ هذا الاقتصاد داخل حدود الدولة. وتُعدّ القومية الإيطالية مثل الألمانية والبولندية من القوميات الأوروبية المتأخرة (بالمعنى الزمني) التي أدت فيها الحركات السياسية والأيديولوجيا القومية، وحتى طموحات الملوك التوسعية (كما في حالتي فكتور إيمانويل الثاني ملك سردينيا في حالة إيطاليا، وڤيلهلم الأول ملك بروسيا ووزيره الأول بسمارك في حالة ألمانيا) دورًا أساسيًّا في توحيد البلاد التي كانت منقسمة إلى مدن مستقلة ودويلات وإمارات، والتي غاب فيها دور الملكية المطلقة واقتصاد السوق الرأسمالي الذي عرفته فرنسا وبريطانيا بتفاوت بينهما أيضًا.

كانت بدايات الدولة الحديثة ذات السيادة الترابية في أوروبا في أثناء مرحلة الحداثة المُبكّرة. وثمة مقاربات مختلفة في تفسير عملية نشوئها بفعل عوامل مثل تأثير مركز السلطة من جانب الملكية المطلقة وتطور الجهاز الإداري البيروقراطي، ولا سيّما جهاز جباية الضرائب، وإخضاع الأمراء والإقطاعيين مع تطور أدوات الحرب، وتطور الصناعة وإزالة الحواجز الجمركية الداخلية، لتوحيد الاقتصاد والسوق الرأسمالي في دول مثل بريطانيا وفرنسا[11]. وأحدثت هجرة الفلاحين إلى المدينة (حيث الصناعة وفرص العمل) تجمعات سكانية قابلة للتجانس الثقافي بدرجات لم يعرفها الريف. وقامت الدولة بدور رئيس في توحيد اللغة والثقافة من خلال اللغة الرسمية والتعليم والتجنيد في جيش نظامي، وغيرها[12].

وبعد أن أصبح نموذج الدولة الحديثة قائمًا، صعدت الأيديولوجيا القومية وظهرت في القرن التاسع عشر الحركات القومية التي دعت إلى الوحدة والاستقلال في دول قومية، أو إلى الانفصال عن إمبراطوريات كما في حالة نشوء دول أميركا اللاتينية عن تفكك الإمبراطوريات الإسبانية والبرتغالية في القرن نفسه؛ ودول البلقان، واليونان، وهنغاريا، والنمسا، وتركيا، والدول العربية عن تفكك الإمبراطوريتين النمساوية-الهنغارية والعثمانية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وحركات التحرر الوطني ونشوء دول ما بعد الاستعمار، وتفكك الاتحاد السوڨياتي ويوغسلاڤيا في نهاية القرن العشرين.

وفي الحالات التي تأخر فيها نشوء الدولة المركزية والاقتصاد الصناعي المتطور، أدت الأيديولوجيا والتنظيم السياسي أدوارًا أساسية معوِّضةً عن ضعف العناصر البنيوية[13]. وبعد نشوء القوميات، تحوّلت الأيديولوجيا القومية إلى أيديولوجيا رئيسة وتيار مركزي في الدول التي تأخر فيها التطور الرأسمالي، وغالبًا ما تعرضت إلى تحديث من أعلى. وبرزت في الأيديولوجيات القومية والإنتاج الأدبي المتأثر بها تعبيرات عن حنين للجماعة المفقودة والأرض والطبيعة والريف وإضفاء هالة من القدسية على الأقدمين وكتابة التاريخ كأنه تاريخ ملاحم ومواقع وبطولات، وتصوير صراعات قديمة قبلية أو حروب بين أسر حاكمة، كأنها صراعات وطنية تحررية بإسقاط مفاهيم الحاضر الوطنية أو القومية عليها.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وفي الغالب، تكون الأيديولوجيا القومية منخفضة الكثافة، لأنها تدور حول محور أو محورين، وهما توحيد القومية والاستقلال في دولة. وتؤدي دور المتكلم باسم الشعب كله بوصفه قومية واحدة، لا باسم طبقة من الطبقات. وقد ارتبطت في بداياتها بنزعة تنويرية تحررية، ولا سيّما بعد الثورة الفرنسية، حين ارتبط الدفاع عن الجمهورية ضد الدول الملكية الأوروبية بالدفاع عن الحرية. وقد عبرت حركات القرن التاسع عشر القومية إبّان ثورات ربيع الشعوب عن هذه النزعة التحررية، إذ تُبنّيت المفاهيم المختلفة للقومية بوصفها أيديولوجيا تسهم في تشكّل الأمم واستقلالها وسيادتها، عند الحركات الوطنية التي عملت على التخلص من حكم الإمبراطوريات الذي أصبح يُعدّ احتلالًا. وفي حالات تأخّر تشكّل القومية، كان للفكرة القومية دور تنويري ضد العلاقات التقليدية القائمة، أو اختلط التنوير بالفكرة القومية. ومن أبرز منظّري القومية هذه جوزيبي ماتسيني (Giuseppe Mazzini، 1805–1872) الذي نحت شعار "التحالف المقدس بين الشعوب" (la Sainte alliance des peuples)، والذي عدّ فيه الاستقلال الوطني خطوةً أولى نحو تحقيق الوحدة الأوروبية. وحمل اجتماع التنوير بالحركات القومية في القرن التاسع عشر فرص التطور نحو الديمقراطية من جهة، واحتمالات نشوء الدولة الشمولية من جهة أخرى. وتكررت هذه النزعة لاحقًا في القرن العشرين في مرحلة الصراع ضد الاستعمار.

ويجدر الانتباه إلى أن النهضة القومية غالبًا ما تستدعي ثورة في الإبداع الأدبي والفني والفكري، وفي الانضباط الاجتماعي وفي احترام المجال العمومي، وأيضًا نهضة أخلاقية انطلاقًا من مصلحة الجماعة، وتكون ذات طابع تنويري. أما حين تؤدي القومية دور الأيديولوجيا التبريرية للسلطوية فتحصل ردة ثقافية محافظة امتثالية، أو تتحول الآداب والفنون، وغيرها إلى أداة تعبئة وتجييش قامعة للإبداع والنقد بوصفهما خروجًا عن الوحدة وإضرارًا بروح الأمة وسلامتها المعنوية. ويجري في القرن الحادي والعشرين في دول متقدمة مستقرة حقّقت استقلالها منذ زمن طويل إحياؤها من جانب اليمين الشعبوي بوصفها قومية إثنية، بحجة أن ثقافة الدولة القومية وهويتها تتعرضان للخطر بسبب الهجرة والأقليات وغيرها، وهو ما يستدعي التشديد على التميز والخصوصية في مقابل الآخرين. والقومية معرّضة لأن تصبح أيديولوجيا كثيفة في سياقات اجتماعية سياسية معينة، فهي قابلة لتنمية نزعات تقديس الانتماء للوطن وللجماعة، والانضباط والرغبة في إدارة التحول الاجتماعي "على نحو شبه عسكري للتعويض عن التخلف والتأخر في التطور الرأسمالي مقارنة بالآخرين، وللتعويض عن ضعف قيم الحداثة في المجتمع بالتخطيط الصارم والهندسة الاجتماعية. وقد أطلق حَمَلة هذه الأفكار عمليات تحديث في إيطاليا وألمانيا وبولندا وروسيا"[14] واليابان وتركيا، وقد تحولت هذه المشاريع التحديثية إلى نماذج لدول ما بعد الاستعمار في القرن العشرين.

إن رسالة القومية الوحيدة عمليًّا هي وحدةُ الشعب في قومية واحدة والتعبير عنها في دولة[15]. ثم إن صفات مثل البساطة والتشديد على الوحدة، فضلًا عن مخاطبة عاطفة الانتماء والكبرياء وصناعة الهوية- وهي حاجة إنسانية في العصر الحديث- من أهم أسباب سهولة انتشارها. وعلى صعيد آخر، فإن تحويل الأيديولوجيا القومية إلى أيديولوجيا ذات كثافة عالية، تحدد باسمها مواقف من قضايا اقتصادية واجتماعية وثقافية، وغيرها، من المرأة ومن الجندر وحتى من العدالة الاجتماعية وطبيعة نظام الحكم بوصفها نابعةً من خصوصية قومية، يكون غطاءً ديماغوجيًّا لأيديولوجيات سلطوية يمينية.

وقد طرح بنديكت أندرسون السؤال الآتي: "تُتخيَّل الأمة بوصفها جماعةً، لأنه، وبصرف النظر عن التفاوت والاستغلال الفعليَّين اللذين قد يسودان داخل كل أمة، فإن الأمة تُتصوَّر دائمًا كأخوّةٍ عميقة أفقية [...] فما الذي يجعل هذه التخيّلات المحدودة، والحديثة نسبيًّا في التاريخ (إذ لا يتجاوز عمرها قرنين تقريبًا)، قادرة على توليد تضحيات هائلة إلى هذا الحد؟ أعتقد أن بدايات الإجابة تكمن في الجذور الثقافية للقومية"[16]. لا يمكن أن يقوم الاستعداد للتضحية على عناصر عقلانية مثل المصلحة فقط، ولا بد من توفر عنصر الانتماء إلى القومية أو الأمة وكأنها جماعة أهلية بحيث يَجد الفرد في هذا الانتماء مكونًا من مكونات هويته الشخصية وكرامته. وينتقد أندرسون المثقفين التقدميين ذوي النزعة الكوزموبوليتية الذين يرون القومية مجرد ظاهرة مَرَضية قائمة على الخوف والكراهية للآخر والعنصرية. ويؤكد بالمقابل أن القومية تمتلك قدرة استثنائية على إنتاج حُب "يتسم بالتضحية بالنفس"[17]، وهو ما يذكِّر بعنوان مقالة لميشيل عفلق (1910-1989) عام 1940 "القومية حبّ قبل كل شيء"، قاصدًا أنّ القومية ليست مسألة نظرية، بل علاقةُ انتماء وجدانية[18]. ووفقًا لأندرسون، لا يكون الانتماء إلا لجماعة الانتماء المؤلفة من أقرباء ومعارف مباشرين، مثل العائلة والعشيرة والجيرة والحي، وغيرها، أو لجماعات أكثر حداثة مثل حلقة الزملاء والأصدقاء المقربين، إذ تتوفر معرفة مباشرة بالمنتمين إليها. ولكي يحصل ذلك في حالة الانتماء للشعب أو للقومية لا بد من تخيلها كأنها جماعة. ويبدو أن من عناصر تشكل القومية في أذهان الناس، تعاملهم معها معنويًّا كأنها جماعة أهلية دون معرفة المنتمين إليها شخصيًّا أو حتى مقابلتهم. فهي جماعة متخيلة. وفي قلب هذا التحول، يبرز مفهوم التخيّل الاجتماعي في الحداثة (Social Imagination) بوصفه آلية ضرورية في تكوين الأمة، إذ تُبنى الروابط القومية بين أفراد لا تجمعهم علاقات مباشرة.

عرّف أندرسون الأمة بوصفها "جماعة متخيّلة"[19]، مشدّدًا بذلك على الجانب الإدراكي ومتجاوزًا الحتمية البنيوية. ولا يحصل هذا التخيل في فراغ، بل نتيجة لتحوّل إدراك الزمن في الحداثة. فالقومية تنشأ من خلال نشوء تصور التزامن (Simultaneity) الذي يسمح بتخيّل مجتمع واسع يعيش أفراده اللحظة ذاتها، أو يعيشون الأحداث والتجارب في الوقت ذاته[20]. ويرتبط هذا التصور الجديد بنشوء ما يسميه أندرسون رأسمالية الطباعة (Print Capitalism)، وهو ما ينشئ أسواقًا ثقافية ولغات معيارية وصحفًا يومية يمكن أن يقرأها في الوقت ذاته أفراد مختلفون لا يعرف أحدهم الآخر. واختزل أندرسون عمليًّا، ومن دون أن يقصد ذلك، القوميةَ إلى الهوية، بمعنى الانتماء إلى جماعة، لأنه شدّد على التخيّل لتفسير الانتماء إلى شعب كامل لا يتعارف أفرادُه. إنه لا يُهمِل الشروط البنيوية التي يجب توفّرها لكي يكون هذا ممكنًا، لكن خصوصية القومية عنده هي هذه القدرة على تخيل جماعة كبرى كأنها جماعة أهلية. ويعدّ أندرسون أن اللغة التي تتداولها وسائل الاتصال، والتي بدأت بطباعة الصحف وطباعة الروايات -وقبل ذلك ترجمة الكتب المقدسة من اللاتينية إلى اللغات المحلية وطباعتها- مكّنت من تخيل تزامن في أفعال البشر الذين يعيشون على الأرض ذاتها[21].

وتكثفت هذه العملية مع الثورة في المواصلات والنشر ، والتعليم الرسمي والطقوس الوطنية المشتركة، وغيرها. وجرى ذلك بفعل عمليات تدرّجية سلمية الطابع، لكن الصيرورة لم تخلُ من الإكراه خلال بناء المؤسسات وفرض القوانين في إطار ترابي محدّد، وحتى فرض اللغة المعيارية على حساب لغات ولهجات محلية، فضلًا عن إعادة صياغة الماضي من منظور الأيديولوجيا القومية في الحاضر، ومنه، إعادة صياغة ما يسمى بالذاكرة الجماعية وإنتاج أنماط سلوكية، ومعها التوهّم أنها تقاليد قديمة[22]. وعليه، فإن القومية تتضمن عناصر الحرية والإكراه، والعقلانية والعاطفة، والحقيقة والخيال، والدراية والوهم.

يجري هذا التفاعل في إطار الدولة الحديثة التي أسهمت في إنتاج القومية وإعادة إنتاجها من خلال الخطاب الثقافي، ومناهج التدريس، وكتابة التاريخ الرسمي، والطقوس الوطنية، وتحديد الأيام الوطنية. ولكن من ناحية أخرى، إن تغلغل أبسط مقولات الأيديولوجيا القومية في الحياة اليومية بحيث تتحول إلى مسلّمات -ومنها الاعتقاد بصفات تميز الشعب عن غيره من الشعوب- يصبح من أهم مصادر شرعية الدولة بوصفها تجسيدًا مؤسسيًّا لهذه القومية في نظر السكان. وهذا يعني أن القومية ليست نتاج الدولة فقط، بل أحد أهم مصادر شرعيتها. وقد شدد جون برولي على أن القومية أداة سياسية، لا شعور ثقافي عفوي فحسب، فهي شكل من أشكال السياسة الموجهة نحو نيل سلطة الدولة. إنّها وسيلة لخلق شعور بالهوية الجماعية أيضًا، غير أن هذه الهوية تُستخدم لتحقيق غايات سياسية محددة، وهي باختلاف نماذجها من الفاشية إلى حركات التحرر تشترك في هدف واحد، هو السيطرة على جهاز الدولة[23].

تمييز الأمة عن القومية

تغيّرت تعريفات الأمة (Nation) عبر التاريخ. فالأصل اللاتيني للكلمة مجموعة تتشارك في مكان الولادة (اشتقاقًا من الفعل Nasci، أي ولد) أو ذات أصل مشترك متخيل. وأصبحت في مرحلة أخرى تعني العيش على الأرض ذاتها أو الخضوع لحاكم معين، وغير ذلك. وفي العموم، لا تكتفي التيارات القومية بعدّ الأمة الكيانَ السياسي للجماعة في دولة مستقلة، كما أصبحت دلالتها في القانون الدولي، وإنما تَعتبِر أن القومية الإثنية هي الأمة.

في المرحلة الرأسمالية المُبكّرة، عززت الصناعة واقتصاد السوق التماثلَ بين الأمة والقومية من خلال انتشار القراءة والكتابة وتطور التعليم والمواصلات، وتغلّبت الدولة الحديثة المركزية المسيطرة على السياسات التعليمية على التعددية الثقافية التقليدية التي ميّزت المجتمعات الزراعية العاجزة عن تحويل الثقافة الكتابية -التي اقتصرت على الإكليروس- إلى ثقافة مشتركة. ولم يحصل هذا الانتشار للقراءة والكتابة، وتعميم الثقافة المشتركة، بقرار ديني، بل نتيجة الانتقال إلى العصر الصناعي[24].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

اقتبس المؤرخ إيلي كيدوري (Elie Kedourie، 1926-1992) من الموسوعة الفرنسية الأولى الشهيرة من تحرير جين ديلامبير (Jean le d'Alembert، 1717-1783) ودينس ديدرو (Denis Diderot، 1713-1784) التي نُشرت في الفترة بين عامي 1751 و1772، في تعريف الأمة بأنها "كلمة جامعة تُستخدم لتمييز مجموعة من الناس يقطنون غالبًا في بلاد محددة ويخضعون للحكومة نفسها"[25]. ومن الواضح أن الموسوعيين الفرنسيين قصدوا أن الأمة مفهوم سياسي مرتبط بالدولة (الأرض والخضوع لحكومة مُحدّدة). ويعكس هذا التعريف لمفهوم الأمة القادم من الحداثة المبكرة تغيّرًا في فهمها، سواء أكان شموله لإثنية أم لثقافة مشتركة مُضمرًا عند الموسوعيين، أم لا. وحتى قبل حدوث هذا التغيّر في تعريفه، حمل مصطلح الأمة دلالات سياسية بالتأكيد، غير أنه لم يقصد به مجمل السكان الخاضعين للحكومة ذاتها، بل الطبقات السياسية المؤثرة الفاعلة[26] (Estates)، أي الأرستقراطية ورجال الدين، وقد توسّع مفهوم الأمة ليشمل الشعب بأكمله في الحداثة. وكان انعقاد مجلس الطبقات (الأرستقراطية والإكليروس) في باريس بدعوة من الملك قبل الثورة يعني أن تجتمع الأمة الفرنسية. وكانت "الأمم الهنغارية والبولندية مثل أمة لوثر الألمانية [...] تتألف من النبلاء الذين كانوا يعيشون مع الملك على عمل الفلاحين"[27]. وسبق أن كتب إيمانويل سييز (Emmanuel Sieyès، 1748-1836) أحد أهم منظّري الثورة الفرنسية، في كتابه ما هي الطبقة الثالثة[28](Qu'est-ce que le tiers-état?) الذي عدَّ الأمة اتحادًا بين الأفراد الخاضعين للحكومة نفسها وللمجلس التشريعي بعينه، مدافعًا عن فكرة أن الطبقة الثالثة هي الأمةُ في واقع الحال، في تحدٍ لاقتصار الأمة حتى الثورة الفرنسية على طبقات طفيلية هي الأرستقراطية والإكليروس[29].

إن لفظ الأمة أقدم من لفظ القومية، وقد حمل دلالات مختلفة ليس ما نقصده اليوم بالقومية أحدَها. وما زال الفصل بينهما مفيدًا في التحليل وفي الممارسة السياسيين، فالاحتفاظ بالفرق يمكِّن من الفصل بين انتماء المواطن للأمة بوصفه مواطنًا في دولة (أمّة الدولة في هذه الحالة) من جهة، وانتمائه للإثنية من جهة أخرى، بحيث لا ترتبط الحقوق والواجبات بالانتماء إلى القومية الإثنية. ولكن الفكر القومي طابق بين الدلالتين، لأن الحركات القومية والأيديولوجيا القومية تسعيان إلى تحوّل الإثنية أو القومية إلى أمة في دولة مستقلة، أو على الأقل إلى حكم ذاتي. وقد رأى الباحثون الحداثيون الذين يتبنون منهجًا بنائيًّا أن هذه صيرورة موضوعية جرت من خلال التصنيع والتحديث والتعليم، ودفع الرأسمالية باتجاه توحيد السوق وإزالة الحواجز الجمركية التي فرضها الأمراء والإقطاع، بيد أن فهم الصيرورة التاريخية يظلّ يتطلب أخذ الجوانب الشعورية والإدراكية الإرادية المتعلّقة بانتشار أفكار الوحدة القومية للشعب في دولة/ أمة واحدة، أو بالتطلع إلى الاستقلال عن إمبراطورية ما، وعن النخب الفاعلة في نشرها[30].

وتقع القومية بوصفها تيارًا أيديولوجيًّا ساعيًا إلى التطابق بين الأمة والجماعة القومية في توتر شديد مع الواقع، لأنها تعد أن هذا التطابق هو القاعدة، مع أنه الاستثناء في الحياة الواقعية. فغالبية الدول في العالم تكون دولًا متعددة القوميات، أو ذات أكثرية وأقلية قومية، أو تعيش فيها قومية ينتشر المنتمون إليها في دول عدة أخرى. أما مسعى حملة الأيديولوجيا القومية في تحويل الاستثناء إلى قاعدة، فقد ينجح في بعض الحالات، لكنه في غالب الحالات يؤدي إما إلى صراعات مستدامة وإما إلى تعديل الأيديولوجيا القومية (والسياسات) بتكييفها مع الواقع في الدولة (بعد الاستقلال)، ومثاله: قبول فكرة التعددية القومية، والاعتراف بمنزلة الأقلية القومية التي يتمتع أفرادها بحقوق المواطنة ضمن الدولة/ الأمة، والقبول بحقوق جماعية ثقافية للأقليات القومية، وغيرها من التسويات. وتنشأ صراعات تأخذ في بعض الحالات أشكالًا عنيفة من الإصرار على دمج القوميات في قومية واحدة، أو أمة ذات طابع قومي، بعد أن تكون قد نشأت وبلورت شخصياتها الثقافية ومطالبها السياسية. فالاندماج في قومية واحدة يصحّ في المراحل المبكرة من نشوء القوميات، أو في دول الاستعمار الاستيطاني المؤلفة من مهاجرين يسعون إلى تشكيل أمة واحدة من دون خلفية قومية محددة (بعد مصادرة البلاد من السكان الأصليين بالقوة التي تبلغ حد الإبادة). أما بعد نشوء القوميات فالاندماج القسري يصبح شبه مستحيل ويؤدي فرضه بقوة الدولة إلى مقاومة، وقد تتحول إلى مقاومة عنيفة. أما السبيل لدمج قوميات متبلورة فهو قبول التعددية الإثنية في أمة مواطنية واحدة، ومنح الإدارة الذاتية، بينما يكون البديل هو الانفصال والتعايش بين دول.

كذلك، يؤدي التمسك بالتجانس القومي إلى نشر الشعور الدائم بالتهديد "للخصوصية الثقافية"، ولما يسمى نمط الحياة، أو تهديد الهوية القومية الناجم عن العولمة أو الهجرات الوافدة أو غيرها من "المخاطر". والمخرج الذي تقدمه الدولة الحديثة هو تقبّل التمييز بين القومية الإثنية والأمة بوصفها مجمل المواطنين في الدولة (الدولة/ الأمة أو الدولة الوطنية) حتى لو كان للدولة طابع قومي يعكس ثقافة الأغلبية الإثنية.

يعرض بول غيلبرت تصور ماكس ڤيبر (Max Weber، 1864-1920) الذي يرى الأمة جماعةَ شعور (Community of sentiment) تسعى إلى التعبير عن نفسها في دولة. ويعتبر غيلبرت أن هذا التصور يقدّم مبدأً يربط بين الأمة والدولة: فالدولة هي الشكل التنظيمي المناسب لهذه الجماعة، لكن غيلبرت يشير إلى أن هذا الربط لا يعني بالضرورة أن كل أمة يجب أن تمتلك دولة، ولا أن كل دولة تمثل أمة واحدة[31]. من الواضح أنه لا يميّز بين الأمة والقومية، وهو يرفض أطروحة إرنست غيلنر في أن الوحدة السياسية يجب أن تتطابق مع الوحدة القومية (مع أن هذا ليس رأي غيلنر، بل هو شرح غيلنر للأيديولوجية القومية) موضحًا أن هناك دولًا متعددة القوميات، وأن بعض القوميات تسعى إلى حقوق جماعية سياسية، ولكن الظروف تضطرها إلى التخلي عن السعي إلى دولة مستقلة. ومن ثمّ، فإن العلاقة بين القومية والدولة ليست ضرورية أو حتمية، بل تعتمد على السياق. وسبب الارتباك هنا هو عدم تمييز غيلبرت بين الأمة والقومية، إذ توجد دولة متعدّدة القوميات، لكن لا يُقال عنها متعددة الأمم، فالأمة هي مجمل مواطني الدولة. وغالبًا ما تسعى الدول إلى تنمية الشعور بالانتماء إلى الأمة هذه على الرغم من التنوع القومي والتعددية الثقافية المرتبطة به. وهذا ليس بالأمر السهل، لأن "جماعة الشعور" هذه تستند إلى مقومات ثقافية لا سياسية فحسب، ومن هنا تأتي سهولة الاستسلام للمطابقة بينهما من خلال إقصاء الأقليات القومية الإثنية أو دمجها قسريًّا.

وعلى أيّ حال، ليس التمييز بين الأمة والقومية نتاجَ علم دقيق، فقد يترتب على توق الجماعة القومية إلى الدولة، إن كان مُعبَّرًا عنه بوسائل منظمة ومستدامة، والإصرار على أن الجماعة القومية هي أمة، الاعترافُ بهذه الصفة أو التسمية (الأمة) حتى قبل أن تتشكل الدولة. وهو سبب النقاشات التي لا تُحسم بوجهٍ قاطع، مثل: هل يقبل إيرلنديو المملكة المتحدة الكاثوليك بأنهم جزء من أمة بريطانية، أم هم جزء من أمة إيرلندية؟ الكرد جماعة إثنية-قومية، لكن هل هم أمة؟ تصر الأحزاب والقوى القومية العربية على أن العرب أمة، ويروج المصطلح عربيًّا بما يتجاوز القوى القومية، لكن هل العرب أمة واحدة فعلًا ما دامت هذه الأمة غير موحدة أو متحدة في دولة؟ لا إجابة نظرية عن هذا السؤال. وبموجب القانون الدولي، لا توجد أمة عربية لأنه لا توجد دولة عربية. لكن السؤال ليس قانونيًّا، ولا توجد إجابة نظرية قاطعة وملزمة في علم الاجتماع وفي العلوم السياسية عنه؛ فتعريفات العلوم الاجتماعية والسياسية للظواهر ذات تخوم، لا حدود؛ أي إنها لا ترسم حدود الظواهر بالمسطرة، وما تعرّفه هو المفاهيم ذات الدلالة، لا الظواهر نفسها التي تدلّ عليها. وعلى تخوم تعريف الأمة بالدولة، قد يبرّر انتشار الأيديولوجيا القومية شعبيًّا ودوام حركتها السياسية وهيمنتها الثقافية تسميةَ شعب ما أمةً حيث لا دولة. يسمي الخطاب السياسي المهيمن مثلًا العرب أمةً مع أن هذه الأمة ليس معبَّرًا عنها في دولة، فيقال الأمة العربية ولا يقال الأمة الأردنية أو الفلسطينية أو السورية أو العراقية أو المغربية مثلًا، إذ يستخدم في وصفها لفظ شعب أو شعوب. وهذا ما تكرّس في الثقافة السياسية العربية، لكن بعض القيادات السياسية التاريخية صمّمت على إسناد تسمية الأمة لشعبها ودولتها كما فعل الحبيب بورقيبة في تونس.

نشوء الفكرة القومية وعنصر الإرادة

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

يمكن عدّ الفيلسوف الألماني يوهان غوتليب فيشته (Johann Gottlieb Fichte، 1762-1814) أول من بلور الفكرة القومية بلغة فلسفية، أما المشاعر القومية وحتى المؤسسات التي أسهمت في تشكيل القومية فكانت قائمة قبل بلورة الفكرة بصيغتها الأيديولوجية المعروفة. ففي إنكلترا مثلًا ظهرت المشاعر الوطنية، أو استُثيرت، خلال الصراع بين الملكية المطلقة والبابا في روما ونشوء الكنيسة الوطنية (الإنغليكانية)، وتبلورت أيضًا في فرنسا من خلال تمييز كاثوليكيتها وتبعيتها للدولة (الكنيسة الغاليكانية) ما قبل الثورة الفرنسية، ولا سيّما في عهد لويس الرابع عشر (Louis XIV، 1638-1715)، ثم في إنشاء الثورة الفرنسية الجمهورية، وتأسيس جيش وطني وتوحيد اللغة والمقاطعات والأوزان والمعايير المترية، فضلًا عن بروز المشاعر القومية في صراع الهولنديين من أجل استقلالهم عن إسبانيا[32].

بلور فيشته فكرة القومية من خلال مناهضته الاحتلال الفرنسي ونداءاته للشعب الألماني (الذي سماه "الأمة الألمانية") للتوحد وللتحرر من الاحتلال. وبلور الفكرة القومية في "أقل مؤلفاته عمقًا وأكثرها تأثيرًا في الوقت عينه؛ أي خطاباته في عام 1807 المعنونة خطابات إلى الأمة الألمانية"[33]. وبنى فيشتِه على نظرية الوحدة الأصلية للشعب (Urvolk) التي وضعها يوهان هيردر (Johann Herder، 1744-1803)، والتي تفيد بوجود شخصية للشعب كامنة فيه، وتجسِّد خصوصيته، وتعبر عنها الثقافة الشعبية. بهذه النظرية، انتقل هيردر من مقاربات مثل الحق الطبيعي والعقد الاجتماعي التي توصَّل إليها الفكر السياسي في بريطانيا وفرنسا إلى تشخيص وجود شخصية أصلية للشعب، مشددًا على أهمية إحساسه بهذا الوجود وإدراكه له. وما قصده فيشته بتبني هذه المقاربة هو أن وجود الشعب الألماني (الأمة الألمانية بلغته) وحقوقه لم تتأثر بتدمير الاحتلال النابليوني للكيانات السياسية والإمارات والممالك الألمانية (ولا سيّما بروسيا). فوحدة الشعب، وشخصيته التاريخية وحقوقه، قائمة، وما الدولة والحدود الترابية إلا تعبير عنها، لا العكس. وهذا تحديد مبكر لمعنى القومية الإثنية.

كان فيشته معارضًا صلبًا للاحتلال الفرنسي، لكنه أيّد الثورة الفرنسية ومبادئها. وكتب في الخطاب الثالث عشر للأمة الألمانية عمّا يميز الشعب الألماني ما يأتي: "من هذه الحدود الطبيعية التي يضعها الإنسان من داخله بطبيعته الروحية تتولّد الحدود الخارجية، وليس مكان السكن بجباله وأنهاره هو ما يحول الناس إلى شعب، بل على العكس، يسكن الناس معًا، لأنهم شعب. وإذا كانوا محظوظين تحميهم جبال وأنهار معينة مع أنهم كانوا شعبًا قبل ذلك من خلال قانون طبيعي أسمى"[34]. ومثلما يوجد شعب أصيل كامن في الشعب، توجد أيضًا لغة أصلية قائمة (Ursprache) قبل تشتت اللهجات، وهي أساس توحيدها في اللغة القومية. وتعبّر هذه اللغة عن شخصية الشعب الذي يمتلك بدوره لغةً واحدة لا غير. وحذر فيشته من الاختلاط الثقافي، لأنه يهدد هذه الخصوصية ويفسدها.

نشأ هذا الفكر تحرريًّا في سياق مناهضة الاحتلال الفرنسي، لكنه تحول إلى أساس لفكر قومي جاعلًا كلية الأمة (أو ما سمّاه فيشته: الكل das Ganze) محدّدًا لسلوك أفرادها وأخلاقهم. ويُنظر إلى هذا التصور بوصفه من بدايات نشوء أيديولوجيا قومية مصاغة، وإن لم يكن مصطلح Nationalism قد استُخدم بعد للدلالة عليها. وفي الخطاب الرابع عشر من خطابات إلى الأمة الألمانية[35]، شدّد فيشته على الوحدة الأصلية للشعب في مقابل تفكك الكيانات الألمانية وما لحق بها من دمار، إذ منها تنبعث الأمة والنهضة الروحية والأخلاقية والإرادة لتأسيس الدولة الموحَّدة. وميّز فيشته بذلك ذات الأمة التي يحملها كل فرد في داخله في صورة شعور قومي، عن الدولة، بمعنى أنها تسبق الدولة وتشكّل شرطًا لها، ومنها ينشأ التوق الدائم إلى الدولة. وبذلك تميز الفكر القومي الألماني عن الفرنسي والإنكليزي حيث أسهمت الدولة في تشكّل الأمة، لأن هدف الفكر القومي في حالة ألمانيا كان توحيد الأمة في دولة، فهو يفترض أمة موجودة في صورة شعب أصلي أو أصيل، ويفترض إيقاظها لتكتشفه في ذاتها. وعمومًا، تستحوذ على الحركات القومية فكرة الاعتراف بالجماعة التي تمثّلها بوصفها أمة من حقها أن تكون لها دولة، واعتراف الجماعة بذاتها قبل ذلك، لأن الدولة عندها تتأسس على هذا الشعور الجمعي[36].

في القرن التاسع عشر، بدأت عمليًّا كتابة تاريخ الجماعات الإنسانية بوصفه تاريخًا وطنيًّا، وكذلك تأليف كتب التاريخ للتعليم الرسمي في فرنسا. وتولّدت هذه المدارس عمومًا من منهج جول ميشليه (Jules Michelet، 1798-1874) صاحب كتاب تاريخ فرنسا الذي كتب تاريخ فرنسا بوصفه تاريخًا للشعب الفرنسي. وقد اختلف جول ميشليه عن فيشتِه في أنه لم يعارض الاختلاط، أي دمج عناصر ثقافية مختلفة في أمة واحدة ذات ثقافة واحدة. ولكن في الحالتين، لم تقبل التعددية الثقافية ضمن الأمة، إذ فهم فيشته أن للأمة وحدة أصلية قائمة على لغة وحتى على شخصية مميزة كامنة في الشعب وذات عبقرية خاصة به، وعند ميشليه تتشكل الوحدة الثقافية من الاندماج كما حصل في فرنسا، وتكمن العبقرية في هذا الاندماج. لقد تأسّس فكرٌ قومي يقوم على مفهوم الأمة السياسية الموحدة ثقافيًّا والوطن الذي لا يتجزأ، وهو فكر الجمهورية الفرنسية. وفي الحالتين، ارتبط الأمر بتصوّر لدولة تمثل الأمة، وتعبّر عنها. "ونشدان الدولة/ الأمة هذا هو المميز للفكر القومي كفكر سياسي. وفي الحالتين لم يخلُ انتقال التوحيد من الفكرة إلى الواقع، من الإكراه واستخدام العنف. فالموضوع متعلق بالدولة في النهاية"[37].

والحقيقة أن إحدى مشاكل دراسات القومية (أو مزاياها، حسب وجهة النظر)، أنّ من أسسها عمليًا هم مفكرون قوميون، أي إن قوميين وضعوا نظريات في القومية، قبل أن تصبح هي موضوعًا في العلوم الاجتماعية والإنسانية. ولا شك أن نظريات القوميين في القومية لا تقل أهمية عن نظريات الباحثين؛ فهم غالبًا مفكرون عقلانيون يحاولون إثبات وجهة نظرهم بتقديم أدلة ونماذجَ وبتحليل منطقي. يضاف إلى ذلك أن نظرياتهم تلقي الضوء على الموضوع من زاوية معينة، وتمثّل في الوقت ذاته نموذجًا للدارسين.

أما أصحاب النظريات العامة في القومية، والمتنافسة فيما بينها، فلا بد من فحص سريانها على نماذج عينية محددة. ويفضّل أحد الباحثين الذين استعرضوا هذه النظريات، أن يدرسَ الباحثون جوانب مختلفة من الظواهر الوطنية أو القومية العينية بدلا من الانشغال بوضع نظريات عامة: "على المستوى النظري، تتمثّل إحدى طرق التحرّك إلى الأمام في صوغ نظريات "جزئيّة"، أي نظريات تُفسّر مختلف جوانب الظاهرة الوطنيّة، بدلًا من محاولة إنتاج نظريّة "عامّة" عن القوميّة"[38]، أو على الأقل اختبار الأطر النظريّة بناء على الدليل التاريخي، "وإعادة صوغ افتراضاتنا الأوليّة وتحسينها ونحن نسير قدمًا، وإثراء تحليلاتنا بالرؤى التجريبيّة المرتكزة على حالات "الحياة الواقعيّة""[39].

وبالعودة إلى منظري القومية، لم يكتفِ هؤلاء بشرح مكوناتها، بل أدركوا أهمية الإدراك والشعور والإرادة، فالقومية ليست مجرد نظرية، ولذلك كتب فيشته خطابات إلى الأمة الألمانية، ولم تكن مخاطبة عموم الناس نهجًا متبعًا لدى الفلاسفة.

وفي عام 1882، ألقى إرنست رينان (Ernest Renan، 1823-1892) محاضرة عنوانها "ما الأمة؟" عرّف فيها الأمة بأنها استفتاء يومي: "الأمة إرادة تضامنٍ تتجدد باستمرار في البذل من أجل إغناء الوجود المشترك. وبهذا المعنى هي استفتاء يومي"[40]. لم يستنفد هذا الاختزال الذي يشدّد على عنصر الإرادة والشرعية المنبثقة عنها فهم رينان للقومية، فقد سلّم بوجود مكونات الإثنية، لكنه وضع العنصر الإرادي (الاستفتاء اليومي) في المركز، بوصف الأمة اتحادًا طوعيًّا بين أفراد بوجود أساس إثني/ ثقافي لتوحدهم معًا في دولة. فالاختيار الفردي لا يحدث في فراغ، بل يتشكل ضمن سياقات اجتماعية وثقافية، كذلك فإن الجماعات لا تُبنى على الإرادة فقط، بل على علاقات قائمة مسبقًا.

ومع أن رينان آمن -مثل مفكرين آخرين في عصره- بنظرية الأعراق بوصفها نظريةً علمية، فإن الأمة عنده ليست عرقًا، فلا أساس بيولوجيًّا لها، لكنها حالة ثقافية روحية. والمبدأ الروحي الثقافي بحاجة إلى تأسيس على ماضٍ، فلا توجد ثقافة إنسانية عامّة إلّا على المستوى المجرّد. فتتجلّى الثقافة الإنسانية في الواقع في ثقافات عينية. وكتب رينان في المقالة نفسها: "الأمة، مثل الفرد، هي تتويج لماضٍ طويل من الجهد والتضحية والإخلاص [...] لقد صَنَعَنا أسلافُنا وجعلونا على ما نحن عليه. الماضي البطولي، الرجال العظام، المجد [...] هذا هو رأس المال الاجتماعي الذي تتأسس عليه الفكرة القومية"[41]. في هذه السطور، يتبين جليًّا أن رينان آمن على الأقل بوجوب افتراض وجود أجداد وأسلاف مشتركين، و"ماضٍ مجيد" مشترك.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ومن الجدير بالذكر أن ساطع الحصري، أحد أبرز منظري القومية العربية، رفض فكرة الاستفتاء اليومي المجازية، معتبرًا نظرية رينان أشبه بمرافعة قومي فرنسي يدافع عن مطامع فرنسا في الإلزاس، فالإرادة عند الحصري هي نتيجةٌ لوحدة اللغة والتاريخ لا عاملٌ مكوِّن مستقلّ، و"الاستفتاء" ممارسة متقلّبة قابلة للتلاعب. ويبرهن موقفه بأمثلة مختارة: فمثلًا خمدت إرادة الجنوب الأميركي بعد الحرب الأهلية لانعدام أساسٍ قومي، في حين دامت إرادة المجر لقيامها على لغةٍ وتاريخ، ولم تكن في ألمانيا وحدةُ إرادة قبل توحيدها[42].

من الواضح أن القوميين من الأقطار المختلفة يتباينون في تشديدهم على المكونات المختلفة للقومية والأمة بفعل الظروف التاريخية، فليس صدفة أن يركز الألمان والعرب على اللغة والإيمان بتاريخ مشترك وأنهم أمة لأن مقومات أخرى مثل الدولة كانت غائبة، خلافًا لحالة دولة الملكية المطلقة في فرنسا وبريطانيا مثلًا، ولم يكن ثمة اقتصاد مشترك بعد. في حين أن الدولة في فرنسا كانت قائمة، وكان المطلوب أن تسهم في بناء الأمة بعد الثورة الفرنسية وإعلان الجمهورية. في إيطاليا، كانت اللغة الإيطالية موجودة، ولكنها كانت لغة أقلية، ولم توجد دولة موحدة، ولذلك اعتمد توحيد إيطاليا على الحركة القومية وطموحات قائد سياسي هو ملك سردينيا. وفي بولندا، تبلورت الهوية القومية في الصراع ضد روسيا وألمانيا المختلفتين دينيًّا وإثنيًّا واستندت إلى وجود مملكة بولندية في الماضي. وعمومًا، في جميع الحالات تقريبًا كُتب تاريخ يصوّر وحدة سياسية للشعب في ظل حكم ملوك عظماء في أزمنة غابرة وعصر ذهبي، تلاه "عصر انحطاط" أو احتلال أو غيره فقدت خلاله الأمة استقلالها، الذي ينبغي استعادته. وكلها إسقاطات من الحاضر على الماضي، وقراءة للتاريخ من منظور قومي.

وقد أسهم المنظّرون للقومية، مثل رينان، وربما الفلاسفة الألمان مثل هيردر، وفيشته من قبله، والمنظرون القوميون العرب في القرن العشرين، سواء أسمّوا أنفسهم قوميين أم لا، بتعريفاتهم للأمة في تأسيس القومية، سواء أكانوا واعين لذلك أم غير واعين. فلا قومية دون أيديولوجيا قومية، والمقصود فكرٌ قومي يبررها ويشرحها ويسبغ عليها المعنى، إذ ليست القومية مكونات معطاة مثل اللغة والأساطير الرائجة كالاعتقاد بأصل مشترك أو تاريخ مشترك. فالعنصر الإرادي في صنع الثقافة القومية، مثل صياغة تاريخ موحد بأثر تراجعي، وبثّ روح الانتماء للأمة، بما في ذلك بث الإيمان بمصير مشترك، هو الذي يصنع تيار الحركة القومية والأيديولوجيا القومية[43].

وهذه مقدمة ضرورية لفهم أهمية العامل السياسي في الظاهرة القومية. فلم توجد قومية بذاتها قبل صعود التيار القومي والأيديولوجيا القومية، أما غيابهما أو تلاشيهما فيعني أحد أمرين: تحقق القومية في دولة، واستقرار واقع الأمة بوصفها أمةً من المواطنين دون صراعات قومية داخلية وخارجية تُستثار فيها المشاعر القومية (وهذه تكاد تكون حالة يوتوبية)، أو يعني اندثار القومية المقصودة وانحسارها في ثقافة مشتركة وفولكلور وغيره دون بعد سياسي أو تطلع إلى الاستقلال. فلا وجود لقومية دون تيار سياسي وفكر قوميين.

المقاربة البدئية للقومية (Primordialism)

تفترض النظرية البدئية في علم الاجتماع أن الروابط القومية امتداد لروابط أولية متجذّرة في الطبيعة الاجتماعية للإنسان، إذ هو كائن اجتماعي، ويولد داخل شبكة من العلاقات والروابط، مثل العائلة والعائلة الممتدة والعشيرة (القرابة). وتمتد هذه الروابط لتشكِّل الجماعات الأهلية (Communities). وثمة روابط من الدرجة الثانية، مثل رابطة اللغة المشتركة والدين والأعراف والتقاليد، تسهم في توليد الانتماء إلى جماعات أوسع وتعزيزه. وهذه الروابط هي روابط غير طوعية وغير تعاقدية عمومًا، يمكن عدها معطيات اجتماعية، ويعدّها كليفورد غيرتز روابط وجودية لا ينصاع لها الإنسان بدافع المصلحة، وتمتلك قوة إلزامية مقدسة[44]. أما إدوارد شيلز (Edward Shils، 1910-1995) فاعتبر أن هذه الروابط تولّد إحساسًا عميقًا بالانتماء لا يمكن تفسيره بالعقلانية الأداتية، مثل التعاقد على أساس المصلحة، أو الحسابات المنفعية، وغيرها، فضلًا عن أنها تكتسب طابعًا مقدسًا، لناحية تحويل المس بها أو برموزها وأسلافها (جدودها) إلى نوع من المحرّمات عند المنتمين إلى الجماعات[45].

لم يعدّ شيلز الإثنية جماعة بدئية، لكنها في المبدأ امتدادٌ لها. وتقترض التيارات القومية غالبًا تصورات الجماعة البدئية في تصوير القومية كأنها جماعة أبدية ذات صفات ثابتة متوارثة عبر الأجيال، ومنها رابطة الأخوة القومية، وأبناء العمومة، والأسرة الوطنية أو القومية. وإن كان الهدف تقريب الفكرة من أذهان الجمهور فإنها تصيب هدفًا آخر، هو انتشار الفكر الجوهراني بشأن الذات والآخر الذي يعرِّض الجمهور إلى لوثة الشوفينية القومية والعنصرية.

حين اعتقد هيردر وفيشته من بعده أن الشعب يمتلك صفات جوهرية تشكِّل شخصيته الحضارية، وأنه يملك روحًا سماها هيردر "روح الشعب" (Volksgeist)، فعَلا ذلك متأثرَين بأفكار التنوير، ورغبة منهما بتكييفها لما اعتقدا أنها ثقافة ألمانية يتطلب فيها التحرر من الجهل والتخلف (الإعاقة الفكرية المفروضة ذاتيًّا وفقًا لكانط) والانطلاق من الجماعة لا من الفرد. لقد اعتقد هيردر أن للشعوب جميعها روحًا وثقافةً خاصة بها (أساسها اللغة)، وأن للشعب شخصيةً مستقلة على مستوى مختلف من شخصيات الأفراد، والتفاهم والتعايش بين الثقافات أمر ممكن، بل يكون في بعض الأحيان مطلوبًا. ولم يخطر بباله أن العنصريين في القرن العشرين سيستخدمون هذا المصطلح، لتبرير تفوق الشعب الألماني بعدّه صفوة العرق الآري.

قد تُستغَلّ أسس الفكر القومي ومنطلقاته لغرض التعبير عن الشعب من خلال الديمقراطية أو مقاومة المستعمر، وقد تُستغل للتعبير عن تميّز الشعب وخصائصه الجوهرية في تبرير العنصرية والأنظمة الشمولية التي تحكم باسم الشعب والمصالح القومية العليا.

ويؤكد روجرز بروبيكر (Rogers Brubaker، 1956-) أن الباحثين الجادين لم يعودوا يتبنون التصور الذي يرى الأمة كيانًا أصليًّا وثابتًا. فثَمة اتفاق عام على أن الأمم هي بناءات، أو بنى تاريخية، لكن الخلاف أصبح يدور حول وزن العوامل القديمة مقابل الحديثة، وحول دور الذاكرة مقابل التعبئة المعاصرة، غير أن ما ينتقده بروبيكر فعليًّا ليس "البدئية" بهذا الشكل المبسط، بل النزعة الجوهرانية الواقعية الأوسع التي تستمر في التعامل مع الأمة بوصفها كيانًا حقيقيًّا قائمًا بذاته ومستمرًا عبر الزمن، بصرف النظر عن كيفية تعريفه[46].

لا تتضمن المقاربة البدئية تفسيرًا كافيًا لكيفية انتقال الروابط الجماعَتية المعطاة من المستوى الاجتماعي إلى المستوى السياسي، ولكن من الواضح أن هذا يجري في الدولة. وثمة عدة سبل إلى ذلك، منها تسييس الجماعات الأهلية نفسها من خلال تبني دور الوسيط في العلاقة مع جهاز الحكم في الدولة الذي يستخدمها للسيطرة على أعضائها، كما يحتمي الأعضاء بها من عسف الدولة، أو تستخدم لتحصيل حصص من الدولة في الخدمات والوظائف وغيرها. وفي هذه الحالة، يؤدي تسييس الجماعات التي يُزعَم أنها تشكل استمرارًا لجماعات بدئية، مثل الطوائف والقبائل، إلى شق وحدة الأمة عموديًّا، وهو ما يؤدي إلى شروخ اجتماعية وسياسية تهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي. أما الجانب الواقعي الوحيد في مقاربة القومية نفسها كأنها جماعة بدئية، فهو انتقال الشعور بالانتماء إليها من خلال تخيّلها وكأنها جماعة أهلية.

إن أهمية المقاربة البدئية تكمن في بنائها البعد الشعوري العاطفي على الانتماء إلى الجماعات الأولية، لكنها لا تفسِّر كيفية انطباقه على جماعات كبرى مثل الشعوب والقوميات. إنها لا تفسِّر بقدر ما تحتاج إلى تفسير[47]. وإذا أُضيف إلى ذلك إشارة الأبحاث السوسيولوجية النقدية إلى أن الروابط التي تُوصف بأنها "بدئية" لم تعد في الحداثة معطى طبيعيًّا موروثًا فحسب، بل هي معرّضة لتأثير مؤسسات حديثة مثل التشريع والأجهزة البيروقراطية والإعلام وغيره من أدوات إنتاج الثقافة الجماهيرية، عدا الاقتصاد الحديث وعملية فردنة الأفراد أو تذريرهم، وفقدان الجماعة البدئية وظيفتها الاقتصادية، يتبين ضعف الروابط البدئية، وأن المهم هو صيرورة إعادة إنتاجها على مستوى مختلف وتغيير طابعها ووظيفتها.

يرفض الحداثيون المقاربة البدئية، إذ يرى هؤلاء أن القومية ليست امتدادًا أو توسيعًا لروابط أولية بدئية، بل بناء حديث. ويشددون على أن ما يبدو "قديمًا" صُنِع حديثًا، أو تعرض لإعادة صياغة على الأقل[48]. وحتى إن أصحاب المقاربة الإثنو-رمزية يتحفظون على تقديم القومية بوصفها معطًى بدئيًّا، لأنه يتجاهل التطور التاريخي ويفترض وجود جوهر ثابت للقومية، فيقع في خطأ الجوهرانية (Essentialism). ويصر ممثل الإثنو-رمزية الأبرز، أنتوني سميث (Anthony Smith، 1939-2016)، على وجود جذور إثنية للقومية، لكنه يرفض الطابع الحتمي للبدئية، وقد رأى أن الروابط الأولية لا تتحول إلى قومية إلا من خلال صيرورات اجتماعية وسياسية واقتصادية تجري في العصر الحديث[49].

والواقع أن التفسير البدئي يتناول غالبًا مسألة الانتماء، ولا يدّعي تفسير جوانب القومية جميعها. فالمؤرخ نقولا زيادة (1907-2006) مثلًا، اشتق القومية من الشعور بالانتماء إلى القوم، كما في حالة القبيلة، لكنه حين ينتقل إلى تفسير نشوء القومية الحديثة، فإنه يتبنى تفسيرًا حداثيًّا، فيرى أن جان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau، 1712-1778) وضع نظرية في الديمقراطية على أساس إدراك الإرث المشترك ووعي الواجبات المشتركة في المستقبل. ويُشخّص زيادة أساس نشوء القومية في الدولة في حالتي إنكلترا وفرنسا، والحركات القومية حيث تأخر نشوء الدولة، كما في حالتي ألمانيا وإيطاليا[50].

المقاربات الحداثية

تتفق المقاربات الحداثية على مقولة مركزية مفادها أن القومية والأمة ليستا معطيات تاريخية مسبّقَة، بل نتاج تطورات تدريجية (Evolutionary) وثورية (Revolutionary) جرت منذ الثورتين، العلمية والصناعية، وأدت إلى تحولات جذرية في الاقتصاد والثقافة والحرب والسياسة، وغيرها، وتولَّدت منها مؤسسات وظواهر مثل الدولة الحديثة والقومية.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وقد شخّص باحثون في موضوع القومية - مثل إرنست غيلنر[51]، وإريك هوبسباوم[52]، وبنديكت أندرسون[53]، وميروسلاڤ هروخ (Miroslav Hroch، 1932-)[54]، وجون برولي[55]، ومايكل مان[56]، وهانس كون (Hans Kohn، 1891-1971)[57]- عناصر بنيوية، لكنها ليست بالضرورة حتمية، أدت إلى نشوء القوميات والدول الحديثة. وهم يختلفون بشأن وزن العوامل الاقتصادية والسياسية والثقافية، ولكن يتفقون على عدم وجود أساس تنظيمي لنشوء الدولة قبل الحداثة. ويولي كل من غيلنر وهوبسباوم وهروخ بالإضافة إلى توم نيرن (Tom Nairn، 1932-2023)[58] أهمية قصوى للتحولات الاقتصادية في فهم نشوء الدولة الحديثة، عوامل مثل التصنيع وتقسيم العمل والتمَدْيُن (Urbanisation) والنمو غير المتكافئ والعوامل الثقافية الناشئة عنها مثل العلمنة والتعليم وغيرها. في حين شدد برولي ومان وأنطوني غيدنز[59] وتشارلز تيلي[60] على الجوانب السياسية، ولا سيّما الحروب والثورات والحركات السياسية القومية. وطرح غيلنر[61] فكرة الهُوّة بين البلدان الزراعية في شرق أوروبا والشق الصناعي في غربها. وقد نشأت القومية، وفقًا لهذه المقاربة، في البلدان الصناعية[62].

يتفق هؤلاء على أن القومية نشأت في العصر الحديث، وأنها ليست امتدادًا تاريخيًّا لظواهر سابقة. ويرى أصحاب المنهج البنائي-الوظيفي بينهم أنها نتجت من حاجات المجتمع الصناعي الثقافية والتعليمية، وغيرها، وضرورة ملء الفراغ الاجتماعي والأخلاقي الناتج من اندثار الجماعات الأهلية والريفية والأخويات المهنية. ويصبح ذلك ممكنًا مع نشوء الدولة الحديثة وإمكان الهيمنة الثقافية والتجانس الثقافي النسبي؛ فالظروف التي قوّضت البنى القديمة أو أضعفتها توفر هي ذاتها إمكان البديل.

ويرى إرنست غيلنر أن القومية تولّدت من انتشار التعليم الذي أجاب عن حاجات تشغيلية للصناعة وللتجارة وللبنوك، ثم توحيد الثقافة بتقاطع هذه الصيرورة مع نشوء الدولة، ومع ضرورة نشوء رابط موحَّد يجمع الأفراد بعد تحلل الروابط الأهلية. ويميز غيلنر بين المجتمعات الزراعية والصناعية التي انقسمت أوروبا إليها. إذ تتميز الأولى بالتعدد الثقافي، في حين تتطلب الصناعة في الثانية تجانسًا ثقافيًّا وتوفِّر شروطه. فالقومية إذًا متطلب بنيوي في المجتمع الصناعي لا مسألة ثقافية. ويُدخل غيلنر مفهوم "الثقافة العليا"، وهي الثقافة المعيارية التي تُنتجها الدولة عبر التعليم، وتصبح عمليًّا شرطًا للمشاركة في العمليات الاقتصادية وجهاز الدولة، وغيرها[63].

ووفقًا لمان[64]، فقد حفّز تطوّر الدولة وانتشارُ رأس المال التجاري منذ بداية القرن الثامن عشر انتشارَ القراءة والكتابة عند فئات الضباط وموظفي الدولة والبنوك، وغيرهم. ويشير إلى أن بدايات هذه العملية تعود إلى مرحلة الصراع الطائفي في القرنين السادس عشر والسابع عشر، والإصلاح الديني البروتستانتي والإصلاح الكاثوليكي المُضاد الذي دفع إلى الحاجة إلى نشر العقيدة وتسهيل قراءة النصوص الدينية على الناس وتسهيل صياغة أسس المذهبين الدينيين باللغات الدارجة[65]. وتكمن الإشكالية الأساسية في مقاربة الحداثيين المتزمتين في النزعة الحتمية التي تفترض أن كل مجتمع صناعي سينتج قومية، وهو ما لا تدعمه الحالات المقارنة، فضلًا عن أنها تُهمّش دور الفاعلين (Agency)، وتنقِص من أهمية الوعي القومي في تشكيل الأمة[66]. ويجادل برولي بأن ثمة فرقًا بين الهوية الثقافية وبين القومية بوصفها فعلًا سياسيًّا؛ ففي حين يرى إرنست غيلنر أن التحولات الصناعية والتعليمية تخلق ثقافة موحدة تؤدي بالضرورة إلى القومية، يرى برولي أن السياسة القومية قد تنشأ وتنجح حتى في غياب هوية وطنية ناضجة عند الشعب. فالنقطة الجوهرية هنا، أن الدولة غالبًا ما تسبق الأمة، فالدول القائمة هي التي صنعت الهوية الوطنية الموحدة لاحقًا من خلال سياساتها، وهو ما يعني أن القومية في جوهرها أداة سياسية للسيطرة أو التعبئة، وليست نتيجة آلية للتطور الثقافي أو الاجتماعي[67].

وقد اعترض المؤرخ المحافظ إيلي كيدوري على الربط بين الصناعة ونشوء القومية، مشيرًا إلى أن ثمة دولًا صناعيةً لم تنشأ فيها قومية، وقصد بذلك إنكلترا (وبذلك قَصَر القومية على الأيديولوجيا القومية التي تسمى بهذا الاسم) والأهم أن ثمّة أمثلةً كلاسيكيةً لقوميات نشأت في بلدانٍ لم يرتفع في أجوائها دخان المصانع، ومنها الحركتان القوميتان الإيطالية والبولندية حين نشوئهما[68]. وفي الواقع، تشكّلت القومية مبكرًا في إنكلترا، قبل أن تنشأ التسمية، وأسهمت الملكية المطلقة في صراعها مع البابا في صعودها، كذلك الصراعات مع فرنسا، لكن المكون الأيديولوجي كان ضعيفًا، وإن استعيض عنه بتبلور الإنغليكانية مع الوقت، لتصبح كنيسة وطنية في مقابل الكاثوليكية، هذا بالنسبة إلى ادّعاء كيدوري الأول؛ أما بالنسبة إلى الاعتراض الثاني، فثمة نماذج لانتشار القومية من خلال الأيديولوجيات والحركات القومية التي دعت إلى الوحدة وإلى بناء الأمة على أساس قومي، أو التي سيطرت على الدولة وباشرت تحويلَ الشعب إلى كيان قومي من خلالها. ولم يعد ثمة ضرورة لِأنْ تتوفّر جميع شروط نشوء القومية التي وُجِدت في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لكي تنشأ الحركات الأيديولوجية القومية في بلد ما في القرن العشرين، فالنموذج أصبح متوفرًا. ومثلما لم تعد عملية إنشاء الدولة الحديثة تمر بالصيرورة ذاتها التي عرفها الغرب بعد أن أصبحت نموذجًا جاهزًا، لم يعد المرور بمرحلة التحديث كاملة شرطًا لنشوء الأيديولوجيا والحركات القومية، لكن وزن الأيديولوجيا والفعل السياسي يتناميان في هذه الحالات تعويضًا عن القصور البنيوي في المجتمع والاقتصاد، وهو ما يؤدي إلى اختلاف طابع القومية بين الحالات المختلفة، المبكرة والمتأخرة.

ودون دور الأيديولوجيا والفعل السياسي لا يُتصور نشوء قوميات وحركات قومية في الدولة المستقلة بعد الاستعمار، إذ أسهمت حركات التحرر الوطني والإنتاج الأدبي والفني الذي يرافق النهوض الوطني في توليد الشعور والانتماء القومي، ثم جاء دور الدولة نفسها بعد نشوئها. وقد نجحت هذه الجهود في بعض الحالات، ولم تنجح في التغلب على العوامل البنيوية الموروثة وبناء غيرها في حالات أخرى، أو أخفقت في التغلب على الولاء إلى جماعات أخرى قائمة، وذلك لأسباب مختلفة.

يُشار هنا إلى أن القومية ظاهرة علمانية قدمت في غالبية الحالات مرجعية اجتماعية-سياسية غير دينية، وأبرزت مشتركات غير دينية لدى الجماعة السكانية التي يجمعها الرابط القومي، وهو ما أدى دورًا مهمًا في الإسناد الثقافي للفصل بين الدولة والمرجعيات الدينية، وتحييد الدولة في الشأن، وإحالة القرار الديني إلى المجال الخاص للأفراد. ولكن في العديد من الحالات، كان المذهب الديني من عناصر الرابطة القومية، أو من مصادر تعزيزها، كما في الحالات التي يتميز فيها المذهب الديني السائد لدى شعب من الشعوب المحيطة، كما في حالة كاثوليكية بولندا في مقابل أرثوذكسية روسيا وبروتستانتية ألمانيا، أو تميز إيرلندا الكاثوليكية عن المذهب السائد في إنكلترا. ولكن الشعوب تتميز غالبًا بثقافتها القومية لا بمذهبها الديني السائد، أو تتميز بدولتها الوطنية عن الشعوب المحيطة. وفي مراحل مبكرة جدًا قبل نشوء القوميات، أدت المذاهب الدينية في أوروبا دورًا مهمًا في شق الطريق نحو الوطنية، منذ ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغات الوطنية. ولا شك أن الإنغليكانية أدت دورًا مهمًا في تمايز إنكلترا عن بقية أوروبا، ويمكن القول إن حركة يان هوس (Jan Hus، 1369-1415) الإصلاحية التي سبقت الإصلاح اللوثري حملت عناصر قومية بوهيمية، وأصبحت لاحقًا من عناصر تشكل القومية التشيكية. ولا شك أن الكنائس الأرثوذكسية الوطنية في بلدان البلقان وشرق أوروبا -التي تمردت على البطريركية اليونانية الأرثوذكسية في إستنبول العثمانية بوصفها خادمة للعثمانيين- كانت جزءًا من التبلور القومي في هذه البلدان، وكان التبلور القومي أيضًا دافعًا إلى التمرد الكنسي. ويمكن بسهولة تبيّن إسهام تحول المذهب الشيعي الاثني عشري إلى مذهب رسمي في إيران في تميّزها عن محيطها منذ الدولة الصفوية وفي بعث القومية الفارسية بصيغتها الإيرانية الأوسع.

القومية من أعلى

رأى المؤرخ إريك هوبسباوم أن التقاليد القومية غالبًا ما تكون حديثة، لكنها تُقدّم بوصفها قديمةً (بمعنى عريقة) لإضفاء الشرعية عليها[69]. والقومية عنده مشروع نخبوي، فهي تُبنى من الأعلى بفعل النخب السياسية والثقافية، وتخترع التقاليد أو تعيد صياغتها في الحد الأدنى. والقومية عنده تسبق الأمم، ويتفق مع غيلنر على الدور الذي يؤديه عنصر الاصطناع والاختراع والهندسة الاجتماعية في صناعة الأمم. ويطرح هوبسباوم رؤية نقدية لكيفية دراسة الأمم، واصفًا إياها بأنها ظاهرة مزدوجة "تُبنى أساسًا من الأعلى، ولكن لا يمكن فهمها ما لم تحلَّل أيضًا من الأسفل، أي من حيث افتراضات الناس العاديين وآمالهم واحتياجاتهم وتوقعاتهم ومصالحهم، والتي ليست بالضرورة وطنية، وبالتأكيد ليست قومية دائمًا"[70]. وربط هوبسباوم، المؤرخ ماركسيّ المنهج، نشوء القومية بالمرحلة الرأسمالية الصناعية وبالحاجة إلى توحيد السوق وتجاوز الحواجز الجمركية التي وضعتها الإمارات والدوقيات المنتشرة في بلدان أوروبا والمعيقة لتطور الرأسمالية، وتوحيد اللغة والنظام الإداري المركزي. وقد اهتمت نخب هذه المرحلة مبكرًا بالفولكلور وباللغة، وأعادت صياغة الثقافة الشعبية والتاريخ بلغة قومية قبل أن تتحول الحركة القومية إلى حركة الغالبية. ومن هنا، فإن القومية تُبنى عمليًّا من "الأعلى"، لكن من الضروري دراستها من "الأسفل" أيضًا، لفهم تقبل الجمهور فكرة القومية والانتماء للشعب.

ومن المنطلق الاقتصادي الماركسي ذاته، اعتقد هوبسباوم أن العولمة الاقتصادية التي تجاوزت حدود الدول هزمت الأيديولوجيات القومية وأعلنت عمليًّا نهاية التاريخ القومي[71]، وأنه لا الدولة القومية ولا المنظمات الدولية قادرة على السيطرة على العملية الاقتصادية الجارية في السوق العالمي، وميل هذه العملية لتجاهل الحدود القومية[72] يعني ميل الصيرورة التاريخية باتجاه يقود إلى اندثار القومية. ولم يولِ هوبسباوم اهتمامًا لتنامي دور الدولة في ظل العولمة، ولا لظهور ردّ الفعل القومي على العولمة من خلال التشديد على السيادة والخصوصية القومية، في مقابل ظواهر مثل موجات الهجرة واللجوء، وفي مقابل زيادة منظمات دولية مثل صندوق النقد والبنك الدولي، وفي مقابل تصدير رؤوس الأموال وتضرر الصناعات (التي باتت تسمى تقليدية مقابل الصناعات التكنولوجية المتطورة (High-tech)) في البلدان الرأسمالية المتطورة.

ويرفض جون برولي تفسير القومية انطلاقًا من الثقافة أو من الاقتصاد، أو بوصفها معطًى إثنيًّا قائمًا، ويشدد على السياسة، إذ إن القومية التي تهمه متولّدة من الصراعات على السلطة بين النخب السياسية، أو من نزوع الدولة إلى التوسع، أو من خلال الصراع للانفصال عن دولة قائمة. فلا ينشغل برولي بعملية نشوء القومية من مرحلة ما قبل القومية، ولا يتعامل مع القومية بوصفها مصدرَ شرعية داخل الدول الحديثة القائمة. ويفسّر الأيديولوجيا القومية التي تستخدمها النخب وفكرة خصوصية الشخصية القومية، وسمو المصالح القومية على المصالح الجزئية، وعدّ الاستقلال السياسي غاية في ذاته، بوصفها استراتيجيةً سياسية للسيطرة على الدولة، أو الانفصال عن الدولة، أو إنشاء دولة جديدة[73]. ويرى أن الحركات القومية لا تتولَّد مما يُسمى هويةً قومية، وهي في الأصل نتاج الحداثة، بل من صراعات سياسية تستخدم الهوية القومية أداة تعبئة[74].

وعليه، فقد أهمل برولي دور الهوية والثقافة والمشاعر، ورغم أهمية البعد السياسي في الصراع على السلطة، في مطلب الاستقلال، بعدّ القومية نتاج تسييس الإثنية، فإنه يصعب فهم القومية بمعزل عن البعد الثقافي، ذلك أن ما يُسيَّس في كثير من الأحيان ليس سوى هذا البعد الثقافي ذاته، فضلًا عن أن مسألة الانتماء إلى كيان سواء أكان الشعب أم الأمة، هو في جوهر مسألة القومية.

المقاربة الإثنو-رمزية (Ethno-symbolism)

أوضح أنتوني سميث في سياق نقده للمدرسة التحديثية أنها تعاني من فشل نظامي في تقدير الثقافات والروابط الإثنية التي كانت موجودة قبل العصر الحديث، وهو ما يحول دون فهم الجذور الشعبية والجاذبية الواسعة للقومية. وتتلخص نقاط الضعف في هذا المنهج في العجز عن التمييز بين المصنوعات الحديثة وبين العمليات والبنى التاريخية طويلة المدى التي تشكّلت عبر الأجيال، والتركيز المفرط على عمل النخبة على حساب المعتقدات والفعل الشعبي، وإهمال الأبعاد العاطفية شديدة الأهمية. ويشير إلى أن هذه العناصر الثقافية هي أساس المطالبات بالأرض وبالموارد، وتحوّل التفسيرات المتضاربة للتراث إلى حروب ثقافية وحملات سياسية وأخلاقية. ويرفض سميث فكرة أن التاريخ والثقافة ليسا سوى ذريعتين للتلاعب بمشاعر الجماهير (على غرار ما يرى كيدوري)، أو "تقاليد مخترعة" صممتها النخب للسيطرة على الناس (على غرار ما يرى هوبسباوم). وبدلًا من ذلك، يؤكد سميث أن التاريخ والثقافة أجزاء أصيلة وجوهرية في نسيج الرؤى الشعبية والبنى الاجتماعية التي تعمل النخب من خلالها وتتحرك داخلها الجماعات القومية. ويقدّم سميث ما يسميه بـ"الإثنو-رمزية التاريخية" (Historical Ethno-symbolism) التي ترى أن قوة القومية تأتي من الأساطير الجماعية، والذكريات التاريخية، والرموز والتقاليد الإثنية المتوارثة، لا من المصالح السياسية فقط. فالقوميون لا "يخترعون" الأمة من العدم في العصر الحديث، بل يعيدون اكتشاف الماضي الشعبي وتفسيره، ومن خلاله يعيدون تشكيل الهوية القومية في كل جيل[75].

تختلف الإثنو-رمزية إذًا عن المقاربات الحداثية في إصرارها على توفّر جذور تاريخية للقومية سابقة على الحداثة، وتختلف عن البدئية في إحجامها عن عدّ القومية معطًى طبيعيًّا ثابتًا أو تعديلًا على جماعات قائمة فحسب. فالأمة بموجب هذه المقاربة بناءٌ حديث يستند إلى موارد رمزية قديمة متمثلة في الإثنية. وحتى بعد استبعاد حالات عدّة مشكوك فيها من الإثنيات، سواء تلك التي يتبيّن أنها فروع لإثنيات أخرى، أم التي اعتقد المثقفون القوميون وصوّرها الشعراء على أنها تُشكّل إثنيات قائمة، يبقى عدد كبير من الجماعات الإثنية الحقيقية المنتشرة عبر أنحاء العالم وذات الوجود المتواصل عبر التاريخ، وهو ما يفرض إجراء تعديل مؤثر في المواقف الحداثية. وهذا يشير إلى أنه لم تنشأ أمم وقوميات عدة على أساس إثنيات سابقة فحسب، بل إن عملية تشكيل "أمة" في الوقت الحاضر تتطلب أيضًا خلق مكوّنات إثنية وبلورتها، وإن غياب هذه المكوّنات من شأنه أن يشكّل عائقًا خَطِرًا أمام "بناء الأمة". وهو ما يقتضي من الإنسان إعادة التفكير في طبيعة "الحداثة" و"المجتمع الحديث" ومعانيهما[76].

نشأت القوميات في الحداثة، لكن ليس من العدم، وهو ما يؤكّد عليه الباحثون والمفكرون الذين شدّدوا على الاستمرارية التاريخية وأهمية الجماعات مثل أنتوني سميث[77] وجون هاتشينسون (John Hutchinson، 1949-)[78] وجوزيب لوبيرا[79] (Josep Llobera، 1939-2010)، وأدريان هاستينغز[80] (Adrian Hastings، 1929-2001)، وجون آرمسترونغ (John Armstrong، 1922-2010)[81] وووكر كونر (Walker Connor، 1926-2017)[82]، إذ يرى هؤلاء أن القوميات بُنيت على ذخيرة ثقافية قائمة تتضمّن أسماءً وأماكنَ وأعلامًا وأساطيرَ مشتركة مُؤسِّسَة وذاكرةً جماعية وحسًّا ما بالوطن يقوم أساسًا على الانتماء إلى تضاريس طبيعية معيّنة. وعليه، فإن سميث يجعل القومية صياغةً حديثة لوحدات ثقافية تاريخية قائمة ومتينة. فإعادة الصياغة هذه تسييسية، أي ساعية إلى كيان سياسي هو الدولة[83].

وحال نشوئها، تبدأ القومية إعادة صياغة تاريخ الجماعات من خلال انتقاء وقائع وابتداع غيرها، أو الاعتماد على المخيال الشعبي في ذلك، وإسقاط استمرارية ووحدة على الوقائع التاريخية المنتقاة، لتغدو التواريخ المختلفة تاريخًا واحدًا، وتُجسّر الانقطاعات والفجوات التاريخية لتصبح تاريخًا متصلًا غير منقطع يقود إلى الدولة الوطنية، ويُضفى تفسير قومي على الحوادث والبطولات والشخصيات التاريخية.

الإثنية عند أنتوني سميث مرحلة وسيطة بين القبيلة والأمة، فقد تتطابق مع القبيلة ديموغرافيًّا، لكنها مرحلة تطورية مختلفة، المحدِّد فيها هو الرموزُ والأساطير والإيمان بأصل مشترك، وليس بالضرورة قرابة الدم الفعلية. فهذه هي نواة القومية التاريخية[84]، وتتشكل القومية التاريخية في الحداثة من تسييس الإثنية السابقة عليها تاريخيًّا.

الإثنية عند سميث هي جماعةٌ بشرية تمتلك الخصائص الآتية: اسمًا جماعيًّا، وأسطورةَ أصل مشترك، وذكرياتٍ تاريخية مشتركة، وعناصرَ ثقافية مشتركة، وارتباطًا بإقليم محدد، وتمتّعًا بإحساس بالتضامن[85]. ويرى سميث أن "الأساطير المؤسسة" و"الذكريات الجمعية" تمنح الأمة شعورًا بالاستمرارية، يقع في صلب تشكّل القومية، فهذه العناصر ليست مستحثات أو آثارًا من الماضي فحسب، بل موارد فعلية لتشكيل القومية وتبرير وجهة القوى القومية في الحاضر. وباستخدام نموذج ما يسميه "القوميات الشتاتية" مثل اليهود والأرمن الذين حافظوا وفقًا له على ذكريات مشتركة وإيمان بأصل مشترك وغيرها من مقومات الإثنية، فإنه بذلك يرد على غيلنر وهوبسباوم وأندرسون الذين يرون أن الأمة اختراع حديث، مؤكدًا أن القومية الحديثة نجحت لأنها أعادت تفعيل مخزون إثني قديم، أي إن القوميات لا تُخلق من الصفر، بل تُبنى فوق ذاكرة تاريخية سابقة[86]. وفي هذا السياق، يستفيد سميث من مفهوم الزمن الطويل (Longue durée) وتحليلات جون آرمسترونغ وفقًا لمنهج مدرسة التأريخ الفرنسية الشهيرة بمدرسة الحوليات، في تشكّل الهويات الإثنية عبر التاريخ من خلال وضع الحدود بين "نحن" و"الآخر" في عملية إقصاء رمزي وثقافي[87].

وقد لاقت مقولات المدرسة الإثنو-رمزية رواجًا بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، ونشوب صراعات قومية، وصعود نزعات استقلالية، وانشقاق دول متعددة القوميات الإثنية في البلقان وشرق أوروبا. فهذا كله بدا وكأنه البرهان على صحتها. فعاد الباحث ووكر كونر إلى أصل الكلمة Nation المشتقة من Nasci التي تعني باللاتينية أن يُولَد المرء، محمّلًا هذا الاشتقاق اللفظي كثيرًا من الدلالات والتداعيات[88]، لتبرير الأصل الإثني للأمة. وكتب أن 12 في المئة فقط من دول العالم تستحق تسمية Nation-State، لأن الولاء للدولة فيها يتطابق مع الولاء للقومية. أمّا بقية دول العالم، أي 88 في المئة منها، فهي دول مختلطة تعيش فيها أكثر من قومية، وعليه، فسّر أساس عدم الولاء للدولة الذي اكتشفه العالم بعد انشقاق جمهوريات عن الاتحاد السوڨياتي وتفكك يوغسلاڤيا، وغيرهما. ويُفترض أن تفاجئَ هذه التطوراتُ أصحابَ المقاربات الحداثية في آرائهم، على حين أن هذه التطورات متوقعة وفقًا للمقاربة الإثنية للقومية، فمن منظورها تظل الإثنيات قائمة بصرف النظر عن طبيعة النظام السياسي والدولة، وتظل تتطلع إلى الاستقلال[89]. فهل يكفي التنوع الإثني لتوقع انهيار الدولة بسبب تسييس القومية للإثنيات، أم يجب دراسة الحالات السياسية والاقتصادية العينية؟ لا شك في أنّ لمسائل مثل طبيعة الدولة والنظام السياسي وعملية بناء الأمة (هل تقوم فعلًا على المواطنة أم لا؟) وكيفية التعامل مع المسألة اللغوية والثقافية عمومًا، دورًا حاسمًا في تحديد المسار. والمسألة متعلقة بالتوجهات القومية وسياسات الدول، والربح والخسارة من الانفصال، وغيرها من العوامل، لا بتقسيم دول متعددة الإثنيات، أو القوميات، مثل بلجيكا، وروسيا، وسويسرا، وكندا، والهند، والعراق، وسورية.

ويظل المتوقع من أي إسهام في وضع نظريات القومية في الحد الأدنى، أن يفسر ما يميز القومية، لا أن يختزلها في ظواهر أخرى. والنموذج الإثنو-رمزي، على أهميته، لا يجيب عن سؤال: كيف تتحول الإثنية إلى قومية ثم إلى أمة ذات سيادة سياسية؟ وينتقد الحداثيون الإثنو-رمزية، لأنها تؤدي إلى الجوهرانية، بمعنى افتراض جوهر ثابت عابر للتاريخ لكل قومية، وتضفي طابعًا استمراريًّا مبالغًا فيه على الماضي دون إيلاء الانقطاعات -أي القفزة التاريخية النوعية في الحداثة- الاهتمامَ اللازم[90]. بالإضافة إلى عدم الاهتمام بدور الدولة في صناعة القومية وحتى في عملية تحويل الجماعات السكانية فيها إلى جماعات إثنية.

الأيديولوجيا والبنى التنظيمية

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

تكمن أهمية الإثنو-رمزية في تحليل مواردها الرمزية، وفي تحليل الاستخدام السياسي للذاكرة المصطنعة التي يطلق عليها تسمية الذاكرة الجماعية، وأما تفسيرها أصل القومية فلا يجوز التقليل منه. ويوافق الباحث سينيشا ماليسيڤيتش على أهمية الاستمرارية التاريخية، لكنه لا يردّها إلى الاستمرارية الإثنية، بل إلى الاستمرارية التراكمية للبنى التنظيمية وصولًا إلى الدولة الحديثة. ويعيد صياغة السؤال البحثي. ففهم القومية يجب أن ينتقل من "ماذا يعتقد الناس؟" إلى "كيف تنظم المؤسسات هذه المعتقدات؟". "وبدلًا من النظر إلى القومية على أنها مجموعة من المشاعر فحسب، ينبغي فهمها وتحليلها بعدّها أيديولوجيا متكاملة ومهيمنة في العصر الحديث، إذ تتضمّن منظومةً غنية ومتنوعة من الأفكار والمبادئ والممارسات التي تتغلغل في تنظيم الحياة اليومية في الحداثة"[91]. ويجيب عن السؤال من خلال إعادة طرح مسألة الأيديولوجيا، فالقومية عنده أيديولوجيا، غير أن المقصود ليس بمعنى الوعي الزائف، إذ إنها لا تتولد من عملية غسل دماغ، بل هي في عصر الحداثة الشكل الرئيس للتضامن الإنساني. ولا يَعدّ الكاتب مصطلح "الهوية القومية" مفهومًا تحليليًّا مفيدًا في العلوم الاجتماعية، ويُفضِّل مصطلحات مثل "الأيديولوجيا" و"التضامن". وتتميز الأيديولوجيا القومية عنده بأنها ليست "سميكة" أو "كثيفة"، إذ إنها منخفضة الكثافة خلافًا للماركسية أو الليبرالية، أي إنها: مرنة، قابلة للتكيّف، قادرة على الاندماج مع أيديولوجيات أخرى.

كتب ماليسيڤتش أن الباحثين يختلفون في نَسْب القومية أو أصولها إلى روسو وهيردر وجوزيبي غاريبالدي (Giuseppe Garibaldi، 1807–1882) وجوزيبي ماتسيني، وغيرهم، ولكن الحقيقة أن هذا الفكر ما كان ليصبح أيديولوجيا قومية فعلًا لولا نشوء الأسس التنظيمية، مثل التعليم والنشر الجماهيري والتجنيد الإلزامي، وغيرها، إذ حصلت هذه التحولات في آخر 250 عامًا في أوروبا[92]، وتطوير الدولة الحديثة عبر الزمن قدرتها على المراقبة والتنظيم والإكراه، وتكمن الاستمرارية التاريخية في أن هذه عملية تراكمية ممتدة عبر قرون. وهذه القدرات التنظيمية للدولة هي التي تجعل القومية ممكنة وفاعلة، إذ ليست القومية "وظيفة" اقتصادية لتسهيل الحراك الاجتماعي أو التواصل في المجتمع الصناعي فحسب، بل نتاج لنمو البيروقراطية وقدرة الدولة على فرض سيطرتها. وقد طورت الدول الحديثة أدوات إدارية مكّنتها من "تأميم" السكان، أي تحويلهم من رعايا محليين إلى مواطنين مخلصين للأمة. ويشرح ماليسيڤتش كيف تتحول القومية من شعارات سياسية إلى "أيديولوجيا عملياتية" (Operative Ideology) تحكم السلوك اليومي. ولا تكتفي الدولة بفرض القوانين، بل تخترق وعي الأفراد من خلال التعليم الموحد، والخدمة العسكرية، والطقوس الوطنية. والقومية هي الأيديولوجيا الوحيدة التي استطاعت توفير شرعية جماهيرية في العصر الحديث، لأنها تربط الفرد بكيان معنوي (الأمة) من خلال ممارسات بيروقراطية يومية تبدو "طبيعية". وليست الدولة تعبيرًا عن القومية فحسب، ولا محض إطار لها، بل العامل الرئيس في إنتاجها[93]. وبذلك، ينتقد ماليسيڤتش الحداثيين في تركيزهم على الاقتصاد وعلى السياسة وعلى الثقافة وإهمالهم البعد التنظيمي مثلما ينتقد الإثنو-رمزيين على عدم إيلائهم أهمية للبحث في كيفية تحول الرموز إلى قوة سياسية فاعلة.

اليسار والليبرالية والقومية

يسود اعتقاد بوجود تناقض بين الفكرة القومية والتيارات التي تحمل فكرًا كونيًّا متمثلًا بأيديولوجيات عابرة للقوميات، مثل الليبرالية واليسار الاشتراكي. ويفصح الواقع أن التيارات القومية وُجِدت غالبًا متداخلةً مع تيارات أيديولوجية أخرى، فثمة تيارات قومية ليبرالية، وقومية يسارية، وأخرى قومية يمينية، وهذا هو حال غالبية التيارات القومية. وحالة الأحزاب القومية المحضة التي تقوم على الفكر القومي وحده هي الاستثناء وليس القاعدة، فالقومية -على غرار ما سبق- أيديولوجيا ضامرة منخفضة الكثافة، لا تتضمّن مقاربات لقضايا المجتمع والدولة ولا تقترح حلولًا لها، خلافًا للّيبرالية واليسار مثلًا. والأيديولوجيا القومية الكثيفة في الغالب أيديولوجيا يمينية (محافظة أو راديكالية)، تنفّذ أجندة سلطوية باسم أولوية المصالح القومية على الخاصة، والكلي على الجزئي، والشعب على الفرد.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ومن المنظور التقليدي للماركسية، فإن القومية أيديولوجيا برجوازية من مرحلة نشوء الدولة القومية. بالإضافة إلى أنها أيديولوجيا طبقة وستضمحل مع زوال المجتمع الطبقي والدول القومية. ويَكمُن خطرها في أنها تستخدم لتضليل المسحوقين والكادحين من خلال أساطير وغيبيات وعصبيات تجمعهم مصيريًّا بالطبقات التي تستغلهم إلى درجة تعبئتهم وجرّهم إلى حروبٍ مدمرة لا مصلحة لهم فيها، ويتحولون فيها إلى وقود وطعام للمدافع لا غير. وعلى صعيد آخر، نظرًا إلى أن دور البرجوازية والتحول الرأسمالي يشكّلان تقدمًا تاريخيًّا في حالة المجتمعات والدول المتخلفة، فقد تَفهّم كارل ماركس ​(Karl Marx، 1818-1883) و‫فريدريش إنغلز (Friedrich Engels، 1820-1895) الحركات القومية في بعض الحالات وتضامَنا معها بوصفها حلقة من حلقات هذا التطوّر الذي يقود إلى التحديث الرأسمالي، ومنه إلى الاشتراكية.

لم يدرس ماركس وإنغلز خصوصية القومية بوصفها ظاهرةً قائمة بذاتها، بل تطرّقا إلى نشوء الحركات القومية في بلدان مثل بولندا وإيرلندا، وغيرهما، وتعاطَفا مع حركة توحيد إيطاليا ومع حركة استقلال بولندا، بوصفهما حركتين تقدميتين. وجعلا مسألة التحرر من الاحتلال أو حلّ المسألة القومية، مهمة أساسية تُعدّ شرطًا للانتقال إلى مناقشة المسائل الاجتماعية في بعض البلدان، أو شرطًا للتطور الرأسمالي. وقد اشتهرت مقولة لماركس في خطاب له في 29 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1847: "لا يمكن أن تكون الأمة حُرّة وتواصل في الوقت ذاته قمع أمة أخرى"[94]، إذ كان يتحدث في مؤتمر تضامني مع بولندا نظمته اتحادات العمال البريطانية.

لكن ماركس وإنغلز لم يتضامنا مع الحركات القومية للأمم التي يمكن تسميتها باللا-تاريخية، أي الأمم التي لم يكن لها تاريخ سياسي، ولا تستند إلى استقلال سياسي سابق في تاريخها، ولم يعارضا الاستعمار على وحشيته وفقًا لتعبيرهما، إذا كان يؤدي وظيفة تاريخية "تقدمية" هي نقل الشعوب المتخلفة إلى النظام الرأسمالي بوصفها مقدمةً للمرحلة الثانية وهي الاشتراكية. وقد أخضعا مبدأ القومية إلى مبدأ التقدّم المُتمثِّل بالعلاقات الرأسمالية، فتعاطفا مع الشعوب التي تاقت إلى التحرّر من روسيا القيصرية التي عدّاها عائقًا أمام التطوّر الرأسمالي في أوروبا في الطريق نحو الاشتراكية، غير أنهما دانا الحركات القومية التشيكية والكرواتية بوصفها رجعية، وانحازا ضد السلوك القومي للشعوب السلاڤية الصغيرة، فلم يعدّا مبدأ حق تقرير المصير مبدأً مطلقًا[95].

وقد تبنّت الأممية الثانية الموقف الماركسي الكلاسيكي بإخضاع القضية القومية لمسائل التطور الرأسمالي، لذا لم تتخذ موقفًا إيجابيًّا من حركات التحرر الوطني، في حين أنّ الماركسية النمساوية مُتمثّلة بالإسهامات النظرية المهمة لأوتو باور (Otto Bauer، 1881-1938) وكارل رينر (Karl Renner، 1870-1950) اعترفت بالقوميات وتعاطفت مع الطموحات القومية للشعوب الصغيرة ضمن الإمبراطورية النمساوية الهنغارية، وطرحت فكرة الإدارة الذاتية الثقافية بديلًا من تجزئة الدول خصوصًا حين تتداخل القوميات بحيث يصعب فصلها من دون حروب أهلية وعمليات تطهير إثني[96].

وقد اتخذ ڤلاديمير إيليتش لينين (Vladimir Ilyich Lenin، 1870-1924) القائد التاريخي للحزب البلشفي وأول زعيم للاتحاد السوڨياتي موقفًا نسبيًّا من القومية، فقد عارض استقلال القوميات التي كانت ضمن الاتحاد السوڨياتي، لكنه وقف مع حركات التحرر ضد الاستعمار، إذ عدّ الحركات في مثل هذه الحالات تحررية ومفيدة للتطور الاشتراكي. وقد أخذ جوزيف ستالين (Joseph Stalin، 1878-1953) -الذي مارس عمليًّا إدارة سياسة القوميات في الاتحاد السوڨياتي- على عاتقه تعريف القومية (1913) في أربعة مكونات، وهي: اللغة المشتركة، والاقتصاد المشترك، والأرض المشتركة، والتكوين النفسي المشترك المتجسّد في الثقافة المشتركة[97]. واستخدم ستالين أساسًا القوة في تطبيق سياسة القوميات بعد أن أصبح صاحب القرار الوحيد في الاتحاد السوڨياتي، ومارس سياسات تهجير الجماعات بعيدًا عن ديارهم بحجة تجميع ما اعتقد أنه جماعات قومية، وقرر حدود الجمهوريات وفقًا لما رآه مناسبًا، ومنح إدارات ذاتية لجماعات إثنية، ولم يمنحها لأخرى[98].

وعمليًّا، فقد اقتصرت الإجراءات الستالينية في الاستقلال الذاتي للقوميات في الاتحاد السوڤياتي على الاستقلال الثقافي، وشجّعت على إحياء الخصوصيات الثقافية على نحوٍ لم يكن قائمًا في السابق في بعض الحالات، بما في ذلك تحويل لغات محكية إلى لغات مكتوبة في بعض حالات القوميات، لكن من دون أي استقلالية سياسية. وغطّى النظام الشمولي على التوترات القومية القائمة، وأخفى عدم رضى بعض القوميات عن سلبها الحقوق السياسية. ولكن قبل انهيار الاتحاد السوڨياتي بفترة طويلة، ظهرت بوادر هذا التوتر عند الاحتلال النازي وتعاونت فئات من بعض القوميات مع المُحتل ضد الاتحاد السوڨياتي، حصل ذلك في أوكرانيا وفي بعض جمهوريات القوقاز، وتلتها إجراءات عقابية جماعية أمر بها ستالين في أوكرانيا وفي القوقاز[99].

وعمومًا، فقد تجاوز اليسار في العالم الإشكالات القائمة في التراث النظري الماركسي وإحراجات موقف آباء الماركسية من استعمار الجزائر والهند وغيرها، فقد فرضت القيم الاشتراكية ومتطلبات العمل السياسي ذلك. وأصبح اليساريون يميزون بين قومية الإمبريالية التي تبرر التفوق على الشعوب الأخرى، وقومية المظلومين الرازحين تحت الاحتلال، وعرفت حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية قيادات وطنية يسارية. ونشأ تنظير ماركسي للقومية ليس في العالم الثالث فحسب، بل أيضًا في الغرب، فقدمت إسهامات ماركسية في تبيين الدور التحديثي للقومية في البلدان النامية[100].

وقد ثار نقاش مديد في أوساط اليسار العربي بشأن الموقف من القومية العربية ووجود أمة عربية من عدمها. وهو ما أدى إلى انشقاقات في بعض الأحزاب، ولا سيّما أن التعريف السوڨياتي الأيديولوجي شبه الرسمي للأمة الذي ظلّ عمليًّا متمسكًا بتعريف ستالين، لم ينطبق على الأمة العربية بسبب غياب الاقتصاد المشترك والكيان السياسي. وكان هذا النقاش مصدر مُزايدة على اليسار الشيوعي من جانب التيارات القومية والأوساط اليسارية غير التقليدية التي تبنت الفكر القومي في مرحلة هيمنة الأيديولوجيا القومية على الثقافة السياسية العربية[101].

وقد وصل نفوذ الأيديولوجيا القومية (أو الوطنية) داخل الدول حدًا يصعب معه على أي تيار سياسي مواجهة تهمة عدم التحلي بانتماء قومي أو عدم الإخلاص للوطن. ولذلك يهتم كل تيار سياسي تقريبًا، سواء أكان يساريًّا أم يمينيًّا، ليبراليًّا أم محافظًا، بإبراز مواقفه الوطنية وتمثيله "القومية الحقيقية" أو "الوطنية الحقيقية".

ولأن الحركات القومية المتطرفة (ذات الأيديولوجيا القومية الكثيفة) تكون غالبًا معادية للحقوق وللحريات - ومن ثمّ لليبرالية- يبدو أحيانًا أن الليبرالية مناهضة للقومية. وهذا غير صحيح، فالمنظّرون الليبراليون كانوا عمومًا قوميين بمعنى اعتبار الاستقلال الوطني والتجانس الثقافي داخله حاضنة للحريات، والأحزاب الليبرالية عمومًا أحزاب قومية. والأفكار الليبرالية التأسيسية -خاصّة المنطلقة من بريطانيا وفرنسا- استندت، دون أن تسمي نفسها تيارات قومية، إلى التسليم بوجود مجتمعات يسود فيها تجانس ثقافي يمكن عدّه تجانسًا قوميًّا. وقد كتب جون ستيوارت مِلْ أنّ من الأفضل للبريتوني أو الباسكي أن يكون عضوًا في القومية الفرنسية بحيث يصبح مواطنًا فرنسيًّا كامل الحقوق بدلًا من أن ينتمي إلى ما يسميه "ماضيه نصف الوحشي" و"أن يَعْلق في عالمه الصغير الضيق الأفق"[102].

لقد قادت تيارات قومية ليبرالية بناء الدولة في العديد من البلدان في كافة أنحاء العالم، ومنها دول عربية بعد الاستعمار. وتاريخيًّا، افترضت الليبرالية في البلدان التي نشأ فيها النظام الليبرالي وجود القومية، وهي في هذه الحالة تجانسٌ ثقافي في إطار الدولة، وفي نواتها إثنية ما. ولكن ليس بالضرورة أن تكون قومية إثنية متوارثة، بل يمكن تحويل الناس إلى أعضاء في القومية من خلال الاندماج وتغيير ثقافتهم، أي إنه، بمعنى ما، تستند الدولة الليبرالية إلى نواة إثنية مُعيّنة لكنها تقوم بإعادة صياغتها وأَثنَنَة المجتمع من جديد لكي تكون الديمقراطية الليبرالية ممكنة في مجتمع متماسك أو متجانس من حيث الثقافة. هذا هو الإطار الذي تزدهر فيه الحريات الليبرالية، ولكنه شرط غير كافٍ؛ إذ قد تزدهر فيه أيضًا تيارات فاشية. وقد تطلّب الأمر وقتًا طويلًا حتى نشأت في نهاية القرن العشرين تيارات ليبرالية تتقبل فكرة التعدد الثقافي، وتعترف بحقوق الجماعات الإثنية المختلفة داخل الدولة الديمقراطية، ولكنها ظلت تفضل الاندماج في ثقافة قومية لأمة واحدة، فهذا هو السياق الأكثر ملاءمة للتعددية السياسية وحقوق المواطنة الفردية. وقد كتب إرنست غيلنر أن "العملية التاريخية - الاقتصادية التي أسهمت في تأسيس المجتمع الليبرالي الاستهلاكي في الغرب أيضًا أنجبت القومية. يطيب للناس العيش في وحدات سياسية مكرسة للحفاظ على ثقافة هي ثقافتهم"[103].

وقد خلص كارل دويتش إلى أن الدولة القومية ما تزال الأداة الرئيسة "لإنجاز الأمور"، وإلى أن قدرتها على الحكم تعتمد بدرجة متزايدة على رضا السكان، وهو رضا يتحقق بسهولة أكبر في المجتمعات التي تشترك في اللغة والثقافة. ومن ثم، فإن القومية -بما تتضمنه من بناء وحفظ للهوية- تظل قوة سياسية مركزية لا يمكن تجاهلها دون مخاطر جدية[104]. يزداد احتمال تحقق الرضا، ومن ثم شرعية الحكم، وفقًا لهذا البحث المبكّر نسبيًّا في القومية في حالة وجود تجانس في اللغة والثقافة، أي عمليًّا في الإثنية. وواقعة نشوء الليبرالية داخل الدولة وتطورها في ظروف التجانس الثقافي، وكون الليبراليين غالبًا قوميين، بمعنى قناعتهم أن الليبرالية هي النظام الأفضل لجماعتهم القومية، وأن الإطار المتجانس داخليًّا أكثر ملاءمة للتسامح مع الحرية الفردية وتعددية الرأي، لا يعني أن القومية ليبرالية؛ مثلما أن ظهور أنظمة سلطوية تتبنى أيديولوجيا قومية لا يعني أن القومية سلطوية بالضرورة. ومن هنا، فلا أساس لـ"اكتشاف" دراسات ما بعد الكولونيالية زيف ادعاء القومية الغربية بأنها ليبرالية ودحض هذا الادعاء بتعديد النماذج السلطوية، فالقومية ليست ليبرالية ولا محافظة ولا يسارية، بل تتوافق مع أيديولوجيا أكثر كثافة منها (مثل الليبرالية واليسار واليمين المحافظ) في ظروف تاريخية محددة، فضلًا عن أنها قد تتحوَّل إلى أيديولوجيا كثيفة، هي في الحقيقة أيديولوجيا يمينية ذات سلطوية.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

رأى بعض الباحثين المحافظين المنحازين للنموذج البريطاني، أن الدول الصناعية المبكرة لم تنتج قوميات، بل أنتجت دولًا وطنية. وعند أشعيا برلين (Isaiah Berlin، 1909-1997) تعدّ الظاهرة القومية نوعًا من الوعي الملتهب، وردّ فعل على الجروح التي تفتحها عملية التحديث. وهو، مثل كيدوري، لا يعترف بوجود القومية في الحالة الإنكليزية. والقومية عنده هي روسية أو بلقانية، أو قد يُعثر عليها عند الأقليات في فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وكندا وإسبانيا[105]. والحقيقة، وخلافًا لطروحات برلين، إن ما يمكن تسميته وطنيات إنكليزية وأميركية تقوم على نواة إثنية أنكلوسكسونية؛ وربما تكون قوميات "غير ملتهبة"، ولكنها قد لا تكون أقل عدوانية، بل أكثر عدوانية من الحالات الأخرى. وليست أقل تشددًا من غيرها حين تثار قضايا النقاء الثقافي ضد المهاجرين أو غير المهاجرين. إن هذا الترفع على الأيديولوجية القومية بوصفها قارية (من القارة الأوروبية) في مقابل الجزر البريطانية التي لم تعرف القومية، هو ذاته ترفع قومي في جوهره.

لا يَعُدّ كيدوري الوطنية نوعًا من الفكر القومي، بل يَعدّها ظاهرة طبيعية. بالنسبة إليه الوطنية الإنكليزية والأميركية صفة إنسانية طبيعية على خلاف القومية التي يرفضها[106]. والحقيقة أن الوطنيتين الإنكليزية والأميركية أظهرتا تعصبًا في كثير من الحالات لا يختلف في شيء عن الأيديولوجية القومية المتطرفة. ومن أمثلة ذلك الحركات القومية اليمينية التي قادت الحملة من أجل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016، والخطاب السياسي لحملة ترمب الانتخابية في العام نفسه، وضد المهاجرين في عام 2024، وترويج الفزع من تغير التركيب الإثني للبلاد والتغير الثقافي الناجم عنه، وهو القاسم المشترك الأعظم بين الفئات الاجتماعية المختلفة التي تدعم الحركات الشعبوية القومية. وهو أيضًا المشترك بين الشعبويات القومية في الولايات المتحدة وبريطانيا وبقية الدول الأوروبية[107]. ولكن القومية لا تظهر فقط في هذه الحالات المتطرفة، بل أيضًا بوصفها أيديولوجيا منخفضة الكثافة، تكاد تكون روتينية في الحياة اليومية، سواء من خلال التعلق بالرموز مثل العلم والملك، أم بالتمسك بوجود صفات تُميّز الإنكليز عن بقية الأوروبيين.

ليس ثمّة تناقض بين القومية والديمقراطية، بل العكس، فقد تلازم مسارا تطورهما في الحداثة، وكانت ثورات عام 1848 في أوروبا التي عُرفت بربيع الشعوب ثورات قومية وديمقراطية في الوقت نفسه. وتشير ليا غرينفيلد إلى أن الظاهرة القومية هي بالأصل ظاهرة ديمقراطية، "فهي شكل ظهور الديمقراطية في العالم مثل فراشة في شرنقة. في الأصل تطورت القومية بوصفها ديمقراطية، ولكن مع انتشار القومية في ظروف مغايرة انتقل التشديد من عنصر سيادة الشعب إلى عنصر فرادته، وبذلك زال الترادف بين القومية الديمقراطية"[108].

في العالم الثالث، يُنظر إلى نماذج قومية متأخرة مثل عمليات توحيد إيطاليا وألمانيا (وبولندا إلى حد ما) بوصفها الحالات الكلاسيكية القومية. ولكن في مرحلة توحيد إيطاليا، كان المفكرون القوميون، وأشهرهم ماتسيني مؤسس "إيطاليا الفتاة" (وهي التسمية التي قُلِّدت لاحقًا في السلطنة العثمانية والعالم العربي)، يتطلعون إلى النموذج الفرنسي بعد الثورة (الجمهورية المركزية الديمقراطية) بوصفه النموذج الكلاسيكي الذي يجب اتباعه. كان ماتسيني الذي عُدّ في منتصف القرن التاسع عشر نموذج المثقف القومي الثوري ديمقراطيًّا ومؤمنًا بضرورة نشوء رابطة بين الشعوب بعد تحررها، بوصف القوميات وحدات ضمن رابطة إنسانية أشمل[109].

المنظور ما بعد الكولونيالي (Postcolonial perspective)

لم تخلُ دراسات القومية من إسهاماتٍ مصدرُها بلدان مستعمَرة سابقًا، ومنها إسهامات من منظور قومي يهدف إلى تدعيم الأسس القومية لحركة التحرر الوطني، أو للإسهام في ترسيخ القومية ذاتها. وكون هذه الإسهامات مدفوعة أيديولوجيًّا، لا يعني أنها تفتقر إلى العقلانية، أو أنه لا يمكن الاستفادة منها في فهم القومية. ولكن ثمة أيضًا إسهامات بحثية نظرية من زاوية نظر ما بعد الكولونيالية. وهي الدراسات التي انتشرت في الأكاديميا الغربية في ثمانينيات القرن العشرين، بعد انتهاء موجة النهوض القومي التحرري من الاستعمار في الشرق، وظهور الأنظمة السلطوية وانتشار الصراعات الإثنية في العالم الثالث. وفي تلك المرحلة حصل أيضًا تحول في العلوم الاجتماعية نحو الثقافة متزامنًا في الوقت ذاته مع صعود تأثير فكر ما بعد الحداثة. وقاربت دراسات ما بعد الكولونيالية القومية بوصفها ظاهرةً إدراكية وتركزت في النقد الثقافي مبتعدة عن العوامل الاقتصادية والاجتماعية[110]. واتخذت موقفًا نقديًّا من الأيديولوجيا القومية في الدول المستقلة حديثًا بوصفها أسيرةَ تناقض تقليد الحداثة ومناهضة الاستعمار في الوقت ذاته.

سبق أن قارن بلاميناتز بين قومية غربية وأخرى شرقية (وكان المقصود شرق أوروبا) تأخرت عنها وفقًا لمعايير التقدم الأوروبية التي تبنتها القوميات، واضطرت إلى إعادة صياغة ثقافتها للحاق بها من خلال مشروع قومي نهضوي واعٍ، خلافًا للتطور التدرجي "الطبيعي" للثقافة في الحالة الغربية. وقاد هذا المشروعَ مثقفون (فيلولوجيون ومعجميون وأدباء ومؤرخون). واتسمت القومية عند هذه الشعوب بطابع مزدوج: المحاكاة باستعارة معايير التقدم من حضارة أخرى، والتنافس، لأنها تسعى إلى مجاراتها والتفوق عليها. ويفسر هذا التوتر طابعها الديناميكي، فتشهد هذه المجتمعات حراكًا اجتماعيًّا سريعًا، وتفاوتًا في القدرة على التكيف مع معايير التقدم. وقد وسّع بلاميناتز تحليله ليشمل حالات خارج أوروبا، مثل الصين والهند، موضحًا أن القومية فيها نشأت أيضًا نتيجة الشعور بالتأخر أمام قوى أجنبية، لكنها تختلف في كونها لا تكتفي بالمحاكاة، بل تسعى إلى إعادة تعريف ذاتها الحضارية. ويشير إلى أن هذه القوميات قد تتبنى عناصر من الخارج، لكنها في الوقت ذاته تحاول الحفاظ على تمايزها[111].

جادل بلاميناتز بأن القومية الشرقية لا تقوم على تنمية الثقافة الذاتية فقط، بل تتسم بالتقليد والعداء في آنٍ واحد: فهي تقلّد النماذج الغربية التي تسعى إلى منافستها، وتعاديها في الوقت نفسه، مؤكدًا أن هذا التناقض ليس خيارًا طوعيًّا، بل نتيجة لغياب بدائل واقعية أمام الشعوب "المتأخرة" (بمعايير التقدم الأوروبية) التي لم يكن بإمكانها الانعزال عن التأثيرات الخارجية[112]. وتتضمن هذه القومية شكلين من الرفض: رفض الهيمنة الأجنبية رغم السعي إلى محاكاتها، والمراوحة بين رفض بعض عناصر التراث المحلي باعتبارها عائقًا أمام التقدم والتمسك بها في نوع من التحدي للاستعمار بوصفها جزءًا من الهوية الأصيلة المحلية. وهو ما يخلق توترًا دائمًا بين ما يسمى الأصالة والمعاصرة.

وقد أسهم الباحث الهندي بارثا تشاترجي (Partha Chatterjee، 1947-) في دراسة الثنائية التي يعيشها الخطاب القومي في الشرق، فقد تعامل مع القومية بوصفها خطابًا اشتقاقيًّا ومجالًا للاستقلال الرمزي في الوقت ذاته. وتذهب أهم أعمال تشاترجي عن القومية إلى أنها في المستعمرات كانت في آنٍ واحد خطابًا "اشتقاقيًّا" من النموذج الأوروبي ومجالًا لإنتاج استقلال رمزي وثقافي. وميزت القومية في الشرق، وفقا لتشاترجي، بين: المجال الخارجي (Outer Domain): الدولة، الاقتصاد، التكنولوجيا، الإدارة الحديثة -وهي المجالات التي اعترفت النخب القومية فيها بتفوّق الغرب-. والمجال الداخلي/ الروحي (Inner Domain): الثقافة، الأسرة، اللغة، الدين، الهوية الحضارية- وهو المجال الذي سعت فيه القومية إلى حمايته بوصفه فضاء السيادة الوطنية الحقيقية. ويرفض تشاترجي التعامل مع التجربة الأوروبية بوصفها النموذجَ الكوني الوحيد للقومية[113]. وقد أضاف استنتاجاته من دراسة حالة الهند إلى نظرية القومية بعد أن طعن في كون التجربة الأوروبية في القومية معيارًا كونيًّا تُقاس عليه بقية التجارب القومية في بقية العالم. فالقومية في البلدان المستعمَرة لم تشكل حالة اشتقاقية فقط عن القومية الأوروبية، بل نشأت أيضًا في صراع مع دولة قائمة، هي الدولة المستعمِرة[114]. فالقومية في البلدان المستعمَرة تنشأ في ظل الدولة وفي صراع معها في الوقت ذاته. ولأن الدولة ليست تحت سيطرة السكان المحليين فإن تشكل قوميتهم يتركز في المجال الثقافي، وتحديدًا في البحث عن الأصالة من خلال الثقافة والدين واللغة والعائلة والأخلاق (حيث تؤدي المرأة دورًا مركزيًّا). هنا تجري الثورة الهادئة السلمية، خارج "المجال المادي" (الذي يشمل عنده الاقتصاد، والسياسة، والإدارة) الذي يسيطر عليه المستعمِرون. هكذا يبني المستعمَرون سيادة رمزية قبل حصولهم على السيادة السياسية في الدولة[115]. لكن ثمة تقليل من أهمية العنصر السياسي في قوميات الشرق، مع أن الهدف في هذه الحالات أيضًا هو السيطرة على الحكم وبناء الدولة الوطنية، لا "السيادة الثقافية" أو "الروحية" بحد ذاتها، وتتحكم الغايات السياسية والتعبئة من أجل الاستقلال بالسياسات الثقافية لحركات التحرر لا العكس.

يميّز تشاتِرجي بين مستويين في الخطاب الاستشراقي: "الثيماتي" (Thematic) و"الإشكالي" (Problematic). وهي خيارات مصطلحية غريبة نسبيًّا. فعلى المستوى الثيماتي، يُفهم الشرق ضمن تصور جوهراني، إذ تُنسب إليه خصائص ثابتة وطبيعية، ويُختزل إلى "نوع ثقافي محدد" يُفترَض أنه غير تاريخي وغير قابل للتغير. هذا التصور يحوّل الشرق إلى موضوع ساكن خارج التاريخ، أما الفعل التاريخي فحكر على الغرب. "الإنسان الطبيعي" هو الأوروبي، في حين تُصنَّف بقية الشعوب بوصفها حالات من الاختلاف عنه، لا ذوات مستقلة.

ويستعين تشاترجي بمفهوم "الإشكالي" عند لويس ألتوسير (Louis Althusser، 1918-1990) بوصفه البنية النظرية التي تحدد ما يمكن التفكير فيه داخل خطاب معين[116]. فعلى المستوى الإشكالي، تطرح القومية نفسها بكونها مشروعًا لتحرير الذات المستعمَرة وإثبات قدرتها على الفعل التاريخي والسيادة. فهي تسعى إلى قلب موقع "الشرق" من موضوع للمعرفة إلى ذات فاعلة تنتج تاريخها، وتؤكد امتلاكها لوعي مستقل وإرادة سياسية خاصة بها. غير أن هذا الادعاء يظل محدودًا، لأن القومية، على مستوى "الثيماتي"، تستمر في تبني الإطار المعرفي ذاته الذي أنتجه الاستشراق، ولا سيّما في اعتمادها على التصور الجوهري للشرق/الغرب وآليات المعرفة الحديثة التي تُبقي الشرق موضوعًا للفهم. وبذلك ينشأ تناقض داخلي: فالقومية تقاوم الهيمنة، لكنها تفكّر ضمن بنيتها نفسها، وهو ما يجعل حل "المسألة القومية" مستحيلًا داخل إطار قومي خالص، سواء أفي السياق الاستعماري أم فيما بعد الاستعماري[117]. ولا يشرح تشاترجي ما يعنيه بالقومي الخالص. ويُشار إلى ذلك، وفقًا لما شرح آنفًا، بأن الأيديولوجيا القومية لا تكون عملياتية بصيغة "خالصة" بل ترتبط برؤى مختلفة وبرامج سياسية واقتصادية واجتماعية مختلفة.

ويدعو تشاترجي إلى تحليل القومية على مستوى الخطاب لا اللغة، أي من خلال ربطها بالإطار الفكري والسياسي الذي يحدّد شروط إمكانها، لا الاكتفاء بتحليل نصوص الأدبيات القومية. فلا ينبغي اختزال القومية إلى أيديولوجيا، بمعنى وعيٍ زائف، فحسب، بل يجب فهم العلاقة بين مضمون خطابها ونمط الممارسة السياسية الذي ينتجه. وهذه أيضًا من مظاهر تأثر الفكر الديكولونيالي بفكر ما بعد الحداثة. فمن منظورات أخرى يمكن القول إن الممارسة السياسية تنتج الخطاب لا العكس. القومية في الشرق، وفقًا لتشاترجي هي أيديولوجيا جدلية تتشكل في مواجهة خطاب الاستعمار، وتسعى إلى إثبات إمكانات ينكرها هذا الخطاب، لذلك لا يمكن تفسيرها بوصفها نتيجةً لبنية اجتماعية، بل باعتبارها خطابًا صراعيًّا في مواجهة المستعمِر يحدد ما هو ممكن تاريخيًّا. وترتبط الإمكانات بالبنية الاجتماعية وتتغير بتغير شروطها، وهو ما يكشف أن الخطاب القومي ليس ثابتًا، بل هو تاريخي ومتحول. والخطاب السياسي لا يقتصر على طرح ادعاءات، بل يحتاج إلى تبريرها منطقيًّا وأخلاقيًّا من خلال بناء حجج مقنعة. ويرى أن هذا المستوى هو الأنسب لتحليل القومية، لأن تجاهله يؤدي إلى إساءة فهمها، عبر فصل مضمونها النظري والسياسي عن سياقها، ومن ثم، إغفال دورها الفعلي في تشكيل الممارسة السياسية[118].

يوضح تشاتِرجي أنه على المستوى "الثيماتي"، ترتبط القومية في الشرق بالفكر الغربي الحديث، لكنها لا تتبنّاه بالكامل، بل تختار منه انتقائيًّا ما يخدم مشروعها السياسي. فهي ترفض مبرّرات الاستعمار وتعارض نتائجه، لكنها في الوقت نفسه تستخدم أدواته المعرفية لتأكيد ادعاءاتها. ويوضح أن العلاقة بين الفكر القومي والمعرفة الاستعمارية ليست علاقة ثابتة، لأن القومية نفسها تتطوّر تاريخيًّا عبر مراحل تعيد فيها صياغة أهدافها واستراتيجياتها، وقد تعدّل أو تستعير أو تبتكر مفاهيم نظرية جديدة. ومع ذلك، يظل هذا التطور محكومًا بتفاعل مستمر بين "الإشكالي" و"الثيماتي"، إذ يرسم الأخير حدود الإمكانيات السياسية، فيُبرز بعض الخيارات ويستبعد أخرى. وينتج عن هذا التفاعل توتر داخل الخطاب القومي، قد يقود في لحظات معينة إلى نقد جذري لأسسه المعرفية، ويفتح إمكانية تجاوز حدوده النظرية. لذلك، لا ينبغي تفسير القومية بوصفها مرحلةً تاريخية بسيطة، بل بوصفها تركيبًا أيديولوجيًّا يتشكل من خلال تفاعل مستمر، وهو ما يفرض إعادة التفكير في كيفية ربط تشكّل الدولة القومية بتاريخها الفكري[119].

ووفقًا للباحثة غياتري سبيڤاك، الأكثر نقدية من زميلها تجاه الخطاب القومي في الشرق، تتبنى الدول المستقلة الأيديولوجية القومية مستوردة من الغرب بما في ذلك الموقف من الحداثة والتحديث، وهو ما يقودها إلى النظر إلى الشعب بوصفه متخلفًا ويجب أن يتعرض إلى عملية تحديث مكثفة، وهو ما يؤدي إلى القمع. واعتبرت الباحثة أن القومية تصبح بذلك شرعنة للاستعمار بأثر تراجعي لأنها تكرر عنف الكولونيالية الإبستيمي (المعرفي)[120].

لم يكن استيعاب الأدوات الحديثة انتقائيًّا، ولا اختياريًّا، بل كان مفروضًا، فواقع الاستعمار فرض الانتقاء لا اختيارات المستعمَر. أما التقسيم المادي والروحاني فتقسيم مثنوي (binary) لا أساس له في الواقع الاستعماري. فلم تكن مقاومة المستعمِرين منعزلة عمّا يسميه المجال المادي، ولم يقع مجالهم الثقافي (الدين واللغة والعائلة والأخلاق) خارج تأثير الدولة والاستعمار. وفيما عدا التأثير الموجب من خلال نشر التعليم وأنماط الإدارة والتشريعات المختلفة والتنظيم العسكري، فإن التأثير السالب لا يقل أهمية من خلال التحديث بوصفه تغريبًا يستجلب رد الفعل واستدعاء فكرة الأصالة.

إن ما تسهم به هذه المقاربة هو تفسيرُ نشوء الخطاب القومي في المستعمرات، ويشمل مثنوية الشرق مقابل الغرب، والروحانية مقابل المادية. وهي لا تمنح اهتمامًا كافيًا لدور الدولة بعد الاستقلال (المادي للغاية وفقًا لهذا التقسيم، بما في ذلك احتكار العنف الشرعي والتشريع) في تشكيل الفكرة القومية نفسها وبناء الدولة، وكذلك الاستغلال السياسي من جانب الحركات السياسية، الحاكمة أو المعارضة، لخطاب الروحانية مقابل المادية[121]، والشرق في مقابل الغرب، وحصر دور المرأة في ترسيخ أصالة الأمة من خلال دورها في العائلة، لتبدو هذه الحركات ممثلة "لشخصية الأمة" و"روح الشعب"، وبحيث يطغى ما يمكن تسميتها "سياسات الهوية" على البحث في السياسات الاجتماعية والاقتصادية وغيرها.

وقد تعامل المثقف والسياسي القومي العربي منيف الرزاز (1919-1984) مع مسألة الاستعمار على نحو مختلف عن مقاربة الديكولونياليين الهنود في الجامعات الأميركية، فقد لخّص تعامل الشعوب في ظلّ الاستعمار بالانتقال من ردّ فعل حاقد على الاستعمار الأجنبي إلى:

  1. ردّ فعل يتحدى الإذلال الذي مارسه المُستعمِر بإحياء الماضي كأنه ماضٍ مجيد لبناء الاعتزاز والكبرياء لمواجهة المُستعمِر ويرافقه كره للأجنبي[122]، في مرحلة انطوائية رجعية (يتعامل معها الرزاز نقديًّا).
  2. ردّ فعل مُتَغربِن تمامًا يرى أن الحلّ في مواجهة المُستعمِر هو إعادة بناء الذات بتبنّي العناصر نفسها التي أدّت إلى تطور الغرب، وهي العلم والصناعة والعلمانية.
  3. الحركات القومية التي تجمع بين الخصوصية الثقافية والتاريخية من دون أعراض طائفية أو عنصرية أو إقليمية أو غيرها مع ما يمكن الاستفادة منه من الحداثة الغربية. ويُسمّي ذلك القومية الجديدة التي تؤمن بالرابطة التي تجمع أبناء الأمة الواحدة بوصفها قوّة مُوحِّدة للأمة على اختلاف عناصرها وطوائفها. وهذه القومية الجديدة تؤمن بالحرية لأن ثورتها ضد الاستعمار هي ثورة من أجل الحرية وضد الحُكم المطلق ومع الحكم الديمقراطي[123].

قارب الرزاز في تنظيره للقومية مرحلة التحرر من الاستعمار بوصفها أساسًا لبناء الديمقراطية في الدول المستقلة بعد الاستعمار. كانت هذه تطلعات بعض من جيل مثالي وحداثوي ومتمسك بالأصالة في الوقت ذاته من القوميين، وهو الجيل الذي خابت آماله بشأن الوحدة القومية وطبيعة أنظمة الحكم في الوقت ذاته.

التنظير في موضوع القومية عربيًّا

نشأت الفكرة القومية العربية في نهاية العهد العثماني، ومعها التنظير لها المتأثر بالفكر القومي الأوروبي مثل حال الفكرة القومية والأمة التركيتين المنشقتين بدورهما عن الفكرة العثمانية، إذ انطلقت القومية العربية بدايةً بوصفها حركةً ثقافية متمثلة في أندية وجمعيات ثقافية ونشاط ثقافي نهضوي ملحوظ يركز على التاريخ العربي، ويعلي من شأن الإسهام العربي العلمي والثقافي عبر التاريخي، ويدعو إلى احترام الثقافة العربية في مواجهة سياسة التتريك، وما لبثت أن دعت إلى الإدارة الذاتية العربية في إطار السلطنة العثمانية، وتحولت بعض تياراتها إلى الدعوة لإنشاء مملكة عربية مستقلة في المشرق.

ويجب التمييز بين التيارات القومية العربية الأولى التي نشأت في الحواضر العربية بين أوساط من المثقفين وأبناء الأعيان من جهة، والقومية الأيديولوجية الحزبية بعد الحرب العالمية الأولى من جهة أخرى. فالتيارات القومية العربية المبكرة لم تكن مناهضة للسلطنة، وتضامنت معها ضد الحركات الانفصالية في البلقان وضد التدخلات الأوروبية في شؤون الإمبراطورية الداخلية، ولكنها دعت إلى شراكة عثمانية؛ تركية-عربية في مقابل القوى الأوروبية.

وبما أنه لم تقم دولة/أمة عربية واحدة تعبّر عن القومية العربية، بل نشأت بعد التحرر من الاستعمارين البريطاني والفرنسي دولٌ عربية (سُمِّيت في المعجم القومي دولًا قُطرية)، ازداد منسوب الأيديولوجيا في القومية العربية الداعية إلى الوحدة والمشدّدة على الأسس التاريخية للقومية العربية ومكوناتها الموضوعية، مثل اللغة. ونشأت أحزاب قومية تدعو إلى الوحدة باعتبارها ثورة على التقسيم والتجزئة الاستعمارية. ويُطرح سؤالان: هل كانت ثمة دولة عربية موحدة قبل ما يسمى التجزئة؟ وهل يمكن القول إن كيانات ذات تاريخ مثل مصر وتونس وعُمان هي مجرد نتاج للتجزئة الاستعمارية؟ الإجابة عن السؤالين سلبية، ولكن الوحدة لم تكن قائمة في ألمانيا وإيطاليا، وكان لبعض دويلاتها تاريخ عريق نسبيًّا. التجزئة التي يتحدث عنها القوميون ليست تجزئة دولة، بل تجزئة أمة، وسَدُّ طريق تطورها نحو دولة الوحدة أو الاتحاد من خلال إقامة دول ذات سيادة ورسم الحدود وَضَعَ الحواجز بينها.

ولا يصح تحليل التنظير للقومية العربية بوصفها امتدادًا للنظريات الأوروبية فحسب، بل ينبغي فهمها بوصفها أيديولوجيا، تجمع بين الخطاب السياسي والسردية التاريخية التي تروي تاريخًا ممتدًا للعرب وذكريات مشتركة. لا يدور الحديث في هذه الحالة عن نظريات في القومية، بل عن أيديولوجيا تضمّنت تنظيرات في القومية.

وقد تشكّلت بعد تقسيم السلطنة العثمانية في سياق تاريخي خاص يتميّز بازدواجية التحرر الوطني من الاستعمار في دول عربية متعدّدة من جهة، والأيديولوجيا القومية الداعية إلى وحدة العرب في دولة قومية عربية من جهة أخرى. فمع نشوء دول عربية مستقلة وتعثر نشوء دولة عربية واحدة تضم المشرق العربي ابتداءً، ثم الأمة كلها- كما تصوّر مفكرو القومية العربية منذ ثلاثينيات القرن العشرين، وأحزابها- أصبح هذا الفكر يتحرك بين مستويين: مستوى القومية التي يعدّها الخطاب القومي أمة عربية، والتي أصبحت تعني في الواقع "الهوية القومية العربية" في غياب الدولة من جهة، ومستوى الدول التي نشأت من جهة أخرى، دون أن ينجح دائمًا في دمجهما نظريًّا[124]. فالدولة العربية الناشئة بعد الاستعمار ونظم الحماية والوصاية الاستعمارية لا تمثل الأمة العربية وتشكّل عائقًا في وجه الوحدة. ومع الوقت، ينشأ فيها انتماء وطني، وربما أمم في مقابل قومية عربية لا تشكل أمة. فإذا لم تنجح القومية في تحقيق بناء الأمة في دولة، مثلما نجحت في تسييس الإثنية، فإن فكرة الأمة العربية تتراجع إلى مستوى "الهوية" و"الأيديولوجيا" الحزبية فقط. وقد شاب التنظيرَ القومي العربي نقصٌ في دراسة الدولة وفهم دورها وأثرها في صناعة الأمة، وتبعه سوء تقدير لسهولة تجاوز الدول العربية (التي سماها القوميون دولًا قُطْرية) نحو الوحدة أو الاتحاد العربي.

وحذّر المفكر القومي نديم البيطار من أخطار استخدام مفهوم الهوية، لأنه يصنع تصورات لا علاقة لها بالواقع ثمّ يبني على هذه التصورات ويجعلها أساس العلاقة مع الواقع. أي إن مفهوم الهوية يتحايل على الواقع بوساطة تطوير هوية موحّدة بدلًا من توحيد الواقع فعلًا، وكأن المسألة هي الاستعاضة عن الوحدة العربية بهوية عربية موحّدة[125]، وشدّد البيطار على العنصر السياسي، وأن اللغة وحدها لا تكفي، إذ يجب أن تتوفر إرادة سياسية لتحويل اللغة إلى عامل وحدة قومية، وثمة لغات مشتركة تستخدمها شعوب مختلفة لم تتحول إلى عامل قومي موحّد. ولو لم تقم حركة قومية في إيطاليا لما قامت الوحدة على اللغة، ولظلّت اللغة الإيطالية لغة شعوب عدّة، شأنها في ذلك شأن الألمانية والإنكليزية والإسبانية[126]. وبهذا، كان البيطار أقرب إلى المنهج العلمي في النظرية القومية من سابقيه. لكن البيطار في الوقت ذاته شدد على عنصر الأيديولوجيا وأهميته في القومية التي يفترض أن تتحول إلى أيديولوجيا انقلابية (ثورية) في مقابل واقع الدول العربية القائم[127].

وبما أن مصطلح الأمة كان قائمًا في التاريخ الإسلامي، غالبًا بالمعنى الديني، أي جماعة المسلمين، وأعيد استخدامه في العصر الحديث بمعنى الأمة المؤسسة على الرابطة القومية لا على الرابطة الدينية، وفيما عدا التوتر القائم في الواقع، ظل هناك توتر قائم في اللغة المستخدمة، وهو ما زاد من تعقيد علمنة مفهوم الأمة عربيًّا. فثمّة تيارات عدّت مفهوم الأمة العلماني ضروريًّا لجَسْر الاختلافات بين الطوائف والمذاهب والأديان في المجتمعات العربية، ويمكن التدليل على ذلك بتراجع التوترات الطائفية عربيًّا في زمن صعود التيار القومي العربي في النصف الثاني من القرن العشرين حتى سبعينياته، ولوحظ صعود الطائفية مع تراجع نفوذ هذا التيار وهيمنته. ورأى آخرون عدم الاستغناء عن المكوّن الديني الإسلامي في فهم الأمة العربية، وربما كان حزب البعث العربي الاشتراكي هو الأبرز في هذا المجال باعتباره أن اللغة العربية الموجودة منذ ما قبل الإسلام، هي أيضًا لغة القرآن التي أسهمت في فرض اللغة المعيارية، والتاريخ الإسلامي والفتوحات منذ عهد الرسالة النبوية من عناصر الأمجاد العربية الغابرة التي من المفيد أن تُستدعى لإحداث الشعور العربي بالكبرياء. أما التيار الثالث (الناصري في مصر) فتمسّك بمفهوم الأمة العربية. وفي سياق الصراع على السلطة، حارب تيارَ "الإسلام السياسي" الذي اعتبر القومية تجاوزًا على الإسلام، ولكنه في الوقت ذاته، وفي صراعه مع الإسلام السياسي، شجّع التدين الشعبي، وعزز مكانة مراكز نفوذ إسلامية مثل الجماعات الصوفية والمؤسسة الدينية في الأزهر، وغيرها[128].

مركزية اللغة

أسس ساطع الحصري أحد أهم منظّري القومية العربية، تصوره للقومية على مركزية اللغة، إذ رأى أن الأمة تُعرَّف أساسًا بوحدة اللغة والتاريخ (الإيمان بتاريخ مشترك، بصرف النظر عن وجود وحدة تاريخ فعلًا). وهو ما ينطبق عنده على القومية العربية والأمة[129]. فكلُّ مَنْ لغته الأم عربية وينطق بها هو عربي. واللغة عنده، مثلما عند هيردر، ليست أداة تواصل فحسب، بل العنصر الأول في تشكل الشخصية الحضارية.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

اتّفق الحصري في ذلك عمليًا مع جورج أنطونيوس (1891–1942) في كتابه يقظة العرب (1938) الذي استعرض فيه عملية تعريب ما أصبح يسمى العالم العربي، التي بلغت أوجها في عمليتي الأسلمة والتعريب مع نشر الإسلام منذ القرن السابع الميلادي، فقد تعرّبت أقوام دون أن تسلم، وأسلمت أقوام دون أن تتعرب. ولكن بالمجمل "تغيّر مضمون كلمة ’عربي‘ تبعًا لذلك، فلم تعد تقتصر دلالتها على أفراد القبائل الرحل سكان شبه الجزيرة العربية، بل أصبحت، مع الزمن، تدلّ على ’المواطنين‘ في هذا العالم العربي المتسع الأرجاء، وليس المقصود بالمواطن أي مستوطن فيه، وإنما يقصد به أفراد الكثرة الغالبة من السكان الذين ينحدرون من سلالات – إن لم تكن ذات دم عربي خالص – فقد غلب عليها التعريب وطبعها بطابعه، واصطبغت عاداتها وتقاليدها بصبغة عربية، وأدلّ تعريف بهم أن يقال إنهم هم الذين أصبحت العربية لغتهم الأصلية. وبذلك يطلق هذا اللفظ على المسيحيين كما يطلق على المسلمين، ويشتمل فِرَقَهما المختلفة. إذ إن مردّ الأمر ليس إلى اعتناق الدين الإسلامي، وإنما إلى مقدار التأثر بالتعريب"[130]. وفي موضع آخر كتب أن العربية أصبحت لغتهم القومية مسقِطًا مصطلح القومية على التاريخ. وقد انتقد وليام كليفلاند (William L. Cleveland، 1936–2006) كتاب جورج أنطونيوس، لأن القومية العربية تظهر فيه كأنها نهوض قومية موجودة، لا نتاج صيرورة تطور حديثة. وكانت معايير أنطونيوس للأمة هي: الإثنية، والتقليد المشترك، واللغة، ورموز القومية ومجازاتها، معتبرًا أن الكتاب هو نموذج مدرسي على "تخيّل المؤرخ للأمة"[131]. وُجِّه الكثير من النقد للتفكير القومي الذي غالبًا ما يتعامل مع القومية بوصفها يقظة الوعي أو صحوته على مكونات قائمة. ولكن كارل دويتش كتب تبريرًا لهذا النهج من واقع القوميات الغربية، إذ رأى أن الوعي يحوّل البشر من حالة الفعل "الشبيه بالنوم" إلى "الفعل اليقظ"، كما يقتبس صورة الشاعر جون ملتون (John Milton، 1608-1674) عن الأمة التي تنهض "مثل رجل قوي بعد سبات طويل". وبذلك يربط القومية الحديثة بمجاز "الصحوة" أو "اليقظة"، لا بوصفه مجرد تعبيرٍ أدبي، بقدر ما هو في السلوك السياسي حين يصبح الناس مدركين لموقعهم داخل عملية تغير اجتماعي وسياسي ويبدؤون الفعل على أساس هذا الإدراك[132]. ووفقًا لدويتش، لا يمكن فصل الوعي القومي والإرادة القومية عن بنية الاتصال الاجتماعي: فالوعي ينشأ حين تلتحق الرموز القومية بخبرات ومعانٍ متداولة. وتتجلّى الإرادة حين تصبح الجماعة قادرة على اختيار فعل جماعي وتنظيمه. لكن الخطر يكمن في الإرادة المغلقة التي ترفض التعلم، لأن القومية عندئذٍ تتحول من أداة لتقرير المصير إلى قوة لتدمير الذات[133]. لم تكن القومية قائمة بالطبع، لكن التنظير لها يبدو وكأنه فعل يقظة على مكونات قائمة في التاريخ، ولا بد من "يقظة" لإدراكها. فعل اليقظة هذا ليس عملية إحياء لما هو قائم، بل إعادة تفسير التاريخ من منظور قومي.

كان الحصري صاحب موقف قومي يطابق بين القومية والأمة والإثنية، فبموجب تصوره، لا تُبنى الأمة، بل تُكتشَف مع اكتشاف وجود هذا الجوهر اللغوي. ولا شك أن ثمة محاولة هنا لوضع نظرية، لكنها هي ذاتها محاولة من منطلق قومي. وإذا كانت القومية تسييسًا لعناصر إثنية قائمة (واختراع غيرها) على غرار ما ذكر آنفًا، فساطع الحصري مثل غيره من المفكرين القوميين العرب بعد الحرب العالمية الأولى، وإن كان أبرزهم، يسهم في هذه المهمة، أي تشكيل القومية، من خلال نسب هذه الوظيفة القومية إلى اللغة بوصفها جوهرَ الأمة التي يدعو لأن تكون موحّدة في دولة عربية واحدة. ولأنه دعا إلى دولة عربية قومية واحدة، فقد ميّز بين الدولة والجنسية القائمتين من جهة، وبين القومية العربية والأمة من جهة أخرى. وحاول مستشرقون ربط القومية العربية بالرومنطيقية الألمانية، ولا سيّما هيردر وفيشته. وعمومًا ثمة محاولات لربط هؤلاء المفكرين الألمان بالفكر النازي على الرغم من أنهم كتبوا قبل ظهور النازية بما يزيد على قرن، ومع أنهم لا يتحملون مسؤولية الفكر النازي ولا استغلاله لفكرهم، فإن الحصري كان حريصًا مع ذلك على أخذ مسافة من هؤلاء المفكرين الألمان، ففي كتاب ما هي القومية؟ (1959) يعتبر أن رسائل فيشته إلى الأمة الألمانية خُطَبٌ تُقْرَأ في سياقها التاريخي، وقد سخر الحصري من النظريات التي تؤسس القومية على العرق واعتبرها خرافية[134].

ومع أن كتابات الحصري قد تكون أكثر عمقًا من خطب فيشته إلى الأمة الألمانية (وهي على كل حالة تُشكّل استثناءً بين كتاباته ذاتها)، تأثر منظّرو القومية العربية في القرن العشرين بأفكار فيشته، ولا سيما أن وضع الأمة العربية التي كانت واقعة تحت أنواع عدة من الاحتلالات، فرض على المفكر القومي أن يشخِّص المشتركات الثقافية مثل اللغة. وكتب ساطع الحصري يقول: "ظهر كثيرون من الكتّاب والمفكرين الذين أدركوا ما في القومية العربية من قوة خلّاقة، وتنبؤوا بالانقلابات التي ستندم عليها، ونصبوا أنفسهم للدفاع عنها. فإنّ [فيشته] في ألمانيا -في إحدى خطبه التي ألقاها سنة 1808- شبّه الفكرة القومية بصور إسرافيل: إنها تحيي الأموات"[135]. وكتب أيضًا: "على الرغم من تشديد هيردر على اللغة، إلا أنها برأيه لم تكن بالوضوح اللازم لتفضي إلى فكرة الأمة. لكن آراء هيردر في اللغة، كان من شأنها أن تؤدي بالمفكرين إلى نظرية سياسية أخرى [...] لما كانت اللغة بمنزلة القلب والروح من الأمة، فإنَّ الشعوب التي تتكلم لغة واحدة، يجب أن تكوّن دولة واحدة. غير أن هيردر لم يواصل استنتاجاته إلى حدّ تقرير هذه النتيجة المنطقية، بل توقّف عند حد القول بوجوب التمسك باللغة القومية"[136].

ولخص ساطع الحصري أفكار فيشته عن القومية في خطاباته على غرار ما يأتي: "أكتفي هنا بتسجيل بعض الكلمات التي جاءت في خطبه [فيشته] المختلفة عن اللغة:

  1. اللغة جهاز الاجتماع في الإنسان.
  2. اللغة والأمة أمران متلازمان ومتعادلان.
  3. اللغة التي ترافق وتحدد وتحرك الفرد حتى أعمق أغوار تفكيره ومشيئته [...] تجعل من المجموعة البشرية التي تتكلم بها جماعة متماسكة يدبّرها عقلٌ واحد.
  4. إن الذين يتكلمون بلغة واحدة يكونون كلًّا موحدًا، ربطته الطبيعة بروابط متينة، وإن كانت غير مرئية.
  5. إن الحدود الأساسية التي تستحق التسمية باسم "الطبيعة"، هي الحدود الداخلية التي ترسمها اللغات. فإن الذين يتكلمون اللغة الواحدة، يرتبط بعضهم ببعض -بحكم نواميس الطبيعة- بروابط عديدة، فيكونون كلًا لا يقبل الانفصام"[137].

وأدرك الحصري أن مصدر الفكر القومي عند فيشته في الاحتلال الفرنسي لبلاده، وكتب في آراء وأحاديث في الوطنية والقومية: "ألقى [فيشته] خطبه الأربع عشرة في مدرج جامعة برلين، عندما كانت الجيوش المحتلة تقوم باستعراضات متوالية في شوارع العاصمة البروسية وميادينها. وتحتوي هذه الخطب على نظريات فلسفية في تاريخ حياة الأمة الألمانية، وأبحاث شائقة عن الحيوية الكامنة فيها، وعن وسائل التربية التي تكفل تجديد حياتها. وكل هذه النظريات والأبحاث ترمي إلى غاية واحدة، هي استنهاض الهمم في سبيل بعث الأمة الألمانية وإعادة بناء مجدها"[138]. وأدرك أن العنصر الإرادي الإيماني أساس في تشكل الأمة، إذ على الناطقين باللغة المشتركة أن يؤمنوا بأنهم أمة، وهو ما يؤدي إلى أن ينتجوها من داخلهم. "هذه هي الفكرة الأساسية التي تسيطر على خطب [فيشته] وآرائه: كل الذين ينطقون بالألمانية، يؤلفون أمة واحدة. فيجب عليهم أن يؤمنوا بذلك، وينبذوا كل ما بينهم من فروق"[139]. وقد اتخذ أيضًا قسطنطين زريق (1909-2000) موقفًا قاطعًا ضد ربط القومية بالعنصر أو بالجنس أو بالدم، حتى إنه اتّخذ موقفًا من ربطها بالتاريخ الذي يُستخدم لتبرير قوميات تاريخية مثل الفرعونية والفينيقية والبابلية بانفصال عن القومية العربية[140].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ويصدق ذلك على المؤرخ نقولا زيادة الأقل تأثيرًا من الحصري وزريق، والأقرب منهما إلى مهنية المؤرخ في كتاباته. فبعد أن فنّد فكرة استناد الأمم إلى رابط عرقي عنصري، أو إلى جامع اقتصادي، وافق نقولا زيادة على أن الدولة عامل رئيس في صناعة الأمة، وهو ما حصل في بريطانيا وفرنسا، بيد أن ما يصنع الأمم عمومًا عنده هما التاريخ واللغة، والمقصود فهم التاريخ بوصفه تاريخًا قوميًّا من المآثر والصراع للحفاظ على الشخصية التي تُميّز شعبًا معينًا ضد الأعداء، أمّا اللغة فهي أكثر من ألفاظ، إنها آداب وعادات وطرق تفكير ووجدان[141].

ليس التنظير للقومية تفسيرًا لها فحسب، بل إسهام في توليدها. والفكر القومي العربي، كذلك التيارات السياسية الحزبية والقومية العربية أسهمت في ترسيخ فكرة الأمة العربية التي تقوم على الوحدة العربية في الدولة، الأمر الذي يتطابق مع فهم الأمة في الغرب أيضًا بوصفها مرتبطةً بالدولة، لكن قبل نشوء الدولة. هكذا، ظلّ مفهوم الأمة العربية قائمًا على القومية وحدها دون الدولة، وظلت القومية تسييسًا للبعد الثقافي القائم المتأسس على اللغة والإيمان بتاريخ مشترك، فلم تغادر الإثنية.

مع توفِّر عنصر الإيمان بالأصل المشترك أو دونه، ومع توفّر المصير المشترك والتطلع إليه في الدولة، قد تكفي اللغة فعلًا بوصفها محورَ الثقافة المشتركة بما فيها الأدب والفن والتواصل الإعلامي، وفيما عدا بعض الإشكاليات النظرية مثل إهمال البعد الاقتصادي والاجتماعي[142]، والتشديد على العلاقة بين اللغة والهوية دون إيلاء أهمية كافية لتغير الإيمان وتبدله بالتاريخ المشترك والمصير المشترك في ظل تعددية الواقع العربي، والأدلة التاريخية المناقضة على غرار الحالات الألمانية والإسبانية حيث لم يتوحد الناطقون بها في أمة واحدة. ويواجه هذا التصور معضلة واقعية عملية متعلقة بوجود دول عربية يبتعد واقعها بالتدريج عن فكرة الوحدة العربية، أو حتى الاتحاد العربي، وتنشأ فيها وطنيات (احترازًا عن استخدام أمم) تحمل اسم الدول ذاتها.

يتراوح التنظير العربي للقومية عمومًا بين أفكار أكثر أو أقل عمقًا، وأكثر أو أقل تشديدًا على البعد الإرادي. فغالبية المفكرين القوميين العرب واجهوا مسائل ما يسمى بالدولة القُطْرية في مقابل التطلع إلى الوحدة، والتخلص من آثار الاستعمار، والمواجهة العربية مع الكيان الصهيوني، فبحثوا في شروط الوعي القومي أكثر مما عملوا على نظرية في القومية. واجتمعوا على رفض الفكرة البدئية، أو الإيمان بالعرق أو قرابة الدم أو الأصل المشترك، وبهذا المعنى كانوا حداثيين.

وقد شدد قسطنطين زريق في كتابه الوعي القومي (1939) على القومية بوصفها مشروعًا أخلاقيًّا يتطلب الوعي التاريخي، ويتطلب فعلًا تاريخيًّا، فالقومية ليست انتماءً فحسب، بل فعل تاريخي تقوده نخبة. وركز فيه على أن نهضة الأمة العربية لا تقوم على العاطفة أو على الماضي وحدهما، بل تحتاج إلى وعي قومي حديث يجمع بين الروح القومية والتنظيم والعلم والعمل الاجتماعي. ورأى أن التخلّف العربي ليس قدرًا، بل نتيجة غياب هذا الوعي، إذ إن كثيرًا من مظاهر الضعف العربي -في رأيه- ليست ناتجة من الاستعمار أو العوامل الخارجية فقط، بل من غياب وعي قومي حقيقي يوحّد الأمة ويوجه طاقاتها نحو العمل المنظم والنهضة الحديثة. وبناءً عليه، فإنه يكرر في الكتاب أن الأمة لا تُبنى بالعاطفة وحدها، بل بوعي قومي عقلاني يربط الهوية بالفعل الحضاري الحديث[143]. ولكن زريق لا يقدم نظرية في العلوم السياسية أو علم الاجتماع، بل ظل طرحه القومي أخلاقيًّا[144]، وكان ذلك سر جاذبيته للشباب تحديدًا. وقد تعرّض للنقد بسبب تركيزه على خصوصية الرسالة الحضارية للقومية العربية والتي لم يشرحها، ولأن كتابته تشبه الوعظ الأخلاقي[145].

وتبنّى عبد العزيز الدوري مقاربة إثنية-ثقافية تتضمن بعض عناصر المقاربة البدئية والإثنو-رمزية، يجمع فيها الإثنية والقومية والأمة ويستنتج بواسطتها أن تاريخ الأمة العربية يمتد من ما قبل الإسلام إلى العقود الأولى من القرن العشرين، وغايته إثبات أنّ الأمة العربية "تكوّنت في التاريخ" تكوينًا عضويًّا أصيلًا لا محاكاةً لنموذج أوروبي. لقد انطلق من تصوّر حضاري-ثقافي وتاريخي للهوية، يجعلها محصِّلة "تطور اجتماعي وفكري طويل" تتشكّل في صلبه الأمة، فيغدو "شعورها بهويتها ووعيها لذاتها" مرتبطين بهذا التكوين ارتباطًا وثيقًا[146]. ويقوم هذا التصور على ركيزتين متلازمتين هما "المبادئ الإسلامية من جهة، والعربية (لغةً وثقافة)"[147]، إذ إنّ تكوين الثقافة العربية -المتزامن في القرون الثلاثة الأولى للهجرة مع ظاهرة التعريب- "أعطى العربية محتوى، وأفضى إلى تحديد مفهوم الأمة العربية"[148].

ليس الوعي العربي الحديث بالقومية، وفقًا للدوري، تقليدًا لقومية أخرى، بل تبيّنٌ للهوية العربية القائمة. بهذا المعنى، فإن العربي يكتشف ذاته وهويته ويتبناهما كما عند جورج أنطونيوس. و"نشأة الثقافة العربية" وانتشارها هي أساس تحديد مفهوم الأمة العربية عبر التاريخ. وتجتمع العربية (لغةً وثقافة) مع الإسلام (حضارةً) في تشكيل محور التطوّر القومي في التاريخ العربي. ويُلحظ أن فترة تكوين الثقافة في القرون الثلاثة الأولى للهجرة تكاد توافق فترة التعريب، فتتحول الرسالة من رسالة دينية مشتركة إلى رسالة ثقافية تخص العرب[149].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وينمّ بحث منيف الرزاز في المسألة القومية عن جمع بين الإثنو-رمزية والإرادوية، ولكنه خلال ذلك يعبر عن حس علمي نقدي. فهو يُحذّر من تعريف الظواهر الاجتماعية المتغيرة ويصرّ على أن الممكن هو تعريف المفهوم ودراسة الواقع الاجتماعي. والتعريف الأعمّ للقومية الذي يجده الرزاز، هو: "مفهوم اجتماعي يعبر عن هذا الرابط الذي يربط أفراد الأمة الواحدة"[150]. ولاحقًا يضيف "أو [...] الرابطة التي يشعر أبناء الأمة الواحدة بأنها تربطهم"[151]. وهو ما يفيد بأن الشعور والإرادة يؤديان دورًا أساسيًّا في هذه الحالة، وبأن أي خطوة أبعد من ذلك تؤدي إلى التخبط، فوجود الأمم عنده حقيقة ثابتة، أما ما يجمع الأمة (أكان التاريخ، أم اللغة، أم وحدة الأرض الطبيعية أم الدين، أم الصفة السياسية حسب) فمتغير من أمة إلى أخرى. فلا تجمع الهنود لغة، ولا يجمعهم دين، بل إن ما يجمعهم الدولة منذ عهد الاستعمار. وثمة أمم مشتتة في أنحاء الأرض حافظت على الرابط القومي. وثمة أمم مختلفة تعيش في رقعة من الأرض واحدة، بل في ظل دولة واحدة أحيانًا، ومع ذلك، لم تتحد في أمة واحدة[152]. استنتاج الرزاز هو أنه ليس هناك عامل واحد ثابت أو مجموعة من العوامل الثابتة تصنع الأمة، ولكن بعض العناصر تتوفر وبعضها يغيب باختلاف الأقاليم والأزمنة. فالمكونات المختلفة تؤدي أدوارًا مختلفة وفقًا للسياقات. وما يصنع التاريخ في النهاية هو إرادة الشعب[153].

رأى منيف الرزاز أن القومية قديمة في التاريخ، وأن الآشوريين والصينيين والهنود واليونان والرومان جميعهم أمم قديمة. وهو لا يُميّز بين القومية والأمة لأن القومية هي الرابطة التي تجمع الأمة. بعض القوميات اندثر، وبعضها توحّد، وبعضها صمد، مثل العرب والفرس وغيرهم الذين ظلّوا موجودين يتحدثون اللغة نفسها ويشعرون أنهم شعب. وبالنسبة إليه مثلما لغيره من القوميين العرب في تلك المرحلة فإن الدولة الأموية هي دولة إسلامية عربية قومية[154]، فقد كانت روابط القومية العربية قائمة، وإن كانت ضعيفة، قبل الإسلام، ولكنها برزت بقوة حين حملت راية الإسلام[155].

غير أنه إذا استُخدمت مصطلحات نظريات القومية الحديثة فلم يشكل العرب قومية في مرحلة ما قبل الإسلام، ولا شكّلوا أمة في العصر الأموي، ولم تكن ثمة دولة قومية. كان العرب إثنية لا تعي نفسها بوصفها قومية. فهذا الوعي حصل في الحداثة بصيغة وعي سياسي بثته نخب عروبية منذ عقود العهد العثماني الأخيرة، ومعه السعي إلى أن تكون أمة ذات سيادة.

إن عدم تمييز الرزاز بين الأمة والقومية والإثنية، كما يفترض عند مقاربة هذه الظواهر في الحداثة، حَجَب عنه وجود قوميات تجمعها أمة واحدة بمعنى الدولة/ الأمة، من دون أن تصبح قومية إثنية واحدة، كما هو الحال في بلجيكا وكندا وسويسرا والهند وغيرها. وفي الحالة العربية تمكِّن الأيديولوجية القومية (والإرادة السياسية المرتبطة بها) متبنيها من مقاربة العرب بوصفهم أمة واحدة لأنها تدعو إلى الوحدة العربية أو على الأقل الاتحاد في دولة.

التنظير لأمم غير الأمة العربية في العالم العربي

اشتهر في مرحلة ما بين الحربين العالميتين في العالم العربي تنظير ذو طابع علماني لقوميات وأمم يمتد تاريخها وفقًا للمنظّرين إلى ما قبل الفتح الإسلامي. ومع الاعتراف بالاختلاط العرقي مع العرب، وعدم وجود نقاء عرقي من أي نوع، يرى منظّرو هذه القوميات أنه وجدت في المنطقة التي تعرضت للفتوحات شعوب يسمونها أممًا وقوميات. وقد حافظت هذه الأمم والقوميات من هذا المنظور على استمرارية مرتبطة بالجغرافيا والبيئة الطبيعية التي تشكل موطن هذه الشعوب.

ولا يتّبع المثقفون والمفكرون الذين نظروا لمثل هذه الأمم التقسيم والمعاني لمفاهيم الأمة والقومية رغم أنهم يميزون بينها. وأشهر النماذج على ذلك، هما أنطون سعادة (1904-1949) وطه حسين (1889-1973). ولكن الأول بينهما هو الذي يمكن أن يُعَدُّ مفكرًا وسياسيًّا قوميًّا، أما الآخر فكتب عن الموضوع، ولكنه لم يولهِ إلا اهتمامًا جانبيًّا مقارنة باهتماماته الأخرى.

شدّد سعادة في فكره (فكر الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسسه وقاده) على وجود أمة سورية مستقلة وتاريخية تعود جذورها إلى الكنعانيين (وهم الفينيقيون بتسمية أخرى أطلقت عليهم ولم يستخدموها) الذين سكنوا سوريا الطبيعية وتحولوا إلى أمة تجمعها رابطة قومية أهم عناصرها الرابطة الوطنية التي ربطتهم بالمكان.

وفي شرحه المبدأ الثالث من مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي في أن "القضية السورية هي قضية الأمة السورية والوطن السوري"، قال سعادة إنه لا يمكن الفصل بين الأمة والوطن، "فالأمة بدون وطن معيّن لا معنى لها، ولا تقوم شخصيتها بدونه. وهذا الوضوح في تحديد القضية القومية يخرج معنى الأمة من الخضوع لتأويلات تاريخية أو سلالية أو دينية مغايرة لوضع الأمة"[156]. وغالبًا ما تكتسب الأمة اسمها من الأرض أو من جماعة برزت في أرض معينة[157]. والأمة السورية ليست عرقًا، بل خليط من الأعراق. وهو يتخذ موقفًا أكثر علمية وعقلانية من الفكر الذي راج في أوروبا في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين بشأن تراتبية الأعراق ونقاوتها، جازمًا بأنه كما في حالة الكائنات الحية الأخرى، ترتقي السلالة بالاختلاط بين الأجناس البشرية.

والثابت عنده هو علاقة التشكل القومي بالبيئة الطبيعية، فكتب ذلك وفي ذهنه الأمة السورية: الأمة السورية مؤلفة من مزيج من الأقوام سكنت سوريا الطبيعية، من الكنعانيين والآراميين والآشوريين والكلدان والحثيين والآكاديين، وغيرهم[158]. هذه الأصول هي "أساس إثني – نفسي – تاريخي – ثقافي"، كذلك فإنّ مناطق سوريا الطبيعية "هي وحدة جغرافية – زراعية – اقتصادية – استراتيجية"[159]. وهذا لا ينافي كون الأمة السورية إحدى أمم العالم العربي؛ لكنها قضية قومية قائمة بنفسها، مستقلة لناحية تكوينها بوصفها أمة وشعورها القومي بحقها في الاستقلال[160].

تختلف العناصر التي تتشكل منها الأمة بين مكان وآخر، وهي العناصر التي سمّيت في هذا المدخل إثنية. المهم أن تقود إلى وحدة المصالح ووحدة العوامل النفسية-المادية في تفاعل مع بيئة طبيعية معينة. فالأمة عنده "جماعة من البشر تحيا حياة وحدة المصالح، موحدة المصير، موحدة العوامل النفسية-المادية في إقليم معين يكسبها تفاعلها معه، في مجرى التطور، خصائص ومزايا تميزها عن غيرها من الجماعات"[161]. أما القومية فهي الدين الاجتماعي، ذلك المتحد الاجتماعي الذي أهدى الكنعانيون فكرته للعالم[162]، فهي تعكس إدراك واقع الأمة. إنها عنده مجموعة عوامل نفسية منبثقة من روابط الحياة الاجتماعية الموروثة والمعهودة والتي أصبحت تشكل شخصية الأمة. "القومية إذن هي يقظة الأمة وتنبهها لوحدة حياتها ولشخصيتها ومميزاتها ووحدة مصيرها. إنها عصبية الأمة. وقد تلتبس أحيانًا بالوطنية التي هي محبة الوطن، لأن الوطنية من القومية، ولأن الوطن أقوى عامل من عوامل نشوء الأمة، وأهم عنصر من عناصرها. إنها الوجدان العميق الفاهم [كذا] الخير العام [...]"[163]. وفي صياغة أخرى: ""ليست القومية إلا ثقة القوم بأنفسهم واعتماد الأمة على نفسها". فإن العنصر الطاغي في القومية هنا، على غرار حالة إرنست رينان، هو العاطفة والإرادة، بصرف النظر عن العوامل التي تؤدي إلى اضطرام هذه العاطفة تجاه الأمة والوطن، وجيشانها. القومية عند سعادة هي عصبية الأمة التي تقوم أساسًا على الوطن الطبيعي.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

أما طه حسين فتعامل مع القومية استنادًا إلى التسليم بوجود رابطة قومية مصرية وأمة مصرية، ولا سيّما في كتابه مستقبل الثقافة في مصر (1938). وهي عنده رابطة جغرافية وتاريخية وثقافية، أي إن ما جمع الشعب المصري عيشهم تاريخًا طويلًا في وادي النيل وتوفّر ثقافة مشتركة تناسج فيها التفاعل مع الحضارة اليونانية وثقافات البحر المتوسط الأخرى والثقافة العربية الإسلامية، لكنه حين يستخدم مصطلح القومية ويتحدث عن "شخصيتنا القومية وعلى ما ورثناه عن ماضينا المجيد من هذا التراث العظيم"[164]، يذكر اللغة العربية والإسلام من بين مكوّناتها، ويَعدّ اللغة العربية "لغة قومية"[165]. ولكنه دعا أيضًا إلى تدريس اليونانية واللاتينية في المدارس المصرية، لأن مصر تنتمي إلى الحضارة المصرية، وثمة علاقة تاريخية تربط الحضارة المصرية بالهيلينية. فاللغة وحدها لا تشكل الأمة، وإلا لكانت أمة عربية، فاللغة العربية هي مكون من العناصر التي تُشكّل الوطنية/ القومية/ الأمة المصرية. وكتب أن الإسلام مكوِّن من مكونات القومية المصرية، "والكنيسة القبطية مجد مصري قديم، ومقوم من مقومات الوطن المصري"[166]، ولا يجوز الاكتفاء بـ"القومية الإسلامية كما تصورها المسلمون منذ أقدم العصور إلى هذه الأيام"[167]. فالإسلام مكون من مكونات الأمة المصرية، وروحها القومية المصرية، وليس هو الرابطة القومية، وإلا لما تميز المصريون عن بقية المسلمين. وإدراكًا منه لضرورة تنشئة الشباب على مكونات قوميتهم، فقد شدّد على أن من يجب أن يتولّى مسألة التعليم والثقافة هو الدولة[168]. "وما دام الأقباط مصريين وما دامت اللغة العربية مقومًا من مقومات الوحدة المصرية والوطن المصري، فلا بد من أن يتثقف بها رجال الدين من الأقباط"[169] أيضًا.

اقترب الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة (1903-2000، حكم بين عامي 1957 و1987) من هذا النمط من التفكير في تنظيره لوجود أمة تونسية مستقلة ذات جذور تاريخية تعود إلى قرطاج. ولكن هذا النوع من التنظير يواجه مشكلة اندثار لغات الإثنيات القديمة التي يحاولون إحياء الروابط بها وبثقافتها. وأن اللغة والثقافة الحية المعيشة في بلدانهم هي العربية، وبدائلها المعاصرة هي الإنكليزية والفرنسية، وهي بدائل مستحيلة على مستوى المجتمع والدولة. كذلك فإن تاريخ هذه الحضارات (الفينيقية والقبطية) لا ينجح في التسرب إلى الذاكرة المشتركة الحية حتى حينما يدرس في المناهج الرسمية، وتنضَّد شواهده في المتاحف. فالمكون العربي طاغٍ في الإثنية في البلدان العربية، بما في ذلك، اللغة والتاريخ المشترك. وتحيي الدولة في بعض الحالات الرابطة مع الحضارة القديمة، ولا سيّما في حالة وجود صراع سياسي مع دول عربية أخرى، أو عند وجود أجندة سياسية لدى النظام الحاكم تتطلّب التشديد على التميّز عن بقية العرب، مثل حالة التطبيع مع إسرائيل. ولكن تأثير هذه الممارسات على القومية الإثنية العربية محدود، وذلك ليس بسبب اللغة والعمق التاريخي فحسب، بل أيضًا بسبب التطوّر السريع لوسائل الاتصال التي تتجاوز الحدود. للدولة دور مهم في صناعة تقاليد وبلورة شخصية لشعب بعينه، وهذه عملية جارية من خلال مناهج التدريس ووسائل الإعلام والأعمال الفنية والهموم المحلية المشتركة وغيرها. ولكن لا تناقض بين العروبة والوطنية، فثمة أكثرية عربية كبيرة في جميع البلدان العربية، وهي تشمل العرب أتباع المذاهب والديانات المختلفة، وهذا لا يمنع أن يجمع الانتماء الوطني والمواطنة المتساوية في دولة المواطنين العرب بغير العرب، مع احترام ثقافة غير العرب وقوميتهم.

المراجع

العربية

أمين، سمير. الأمة العربية: القومية والصراع الطبقي. القاهرة: مطبعة المدبولي، 1988.

أنطونيوس، جورج. يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية. ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس. ط 8. بيروت: دار العلم للملايين، 1987 [1938].

أوزكيرميملي، أوموت. نظريات القومية: مقدمة نقدية. ترجمة معين الإمام. الدوحة/بيروت: المركز العربي للأبحاث، 2013.

بشارة، عزمي. مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023.

________. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007.

________. المجتمع المدني: دراسة نقدية مع إشارة للمجتمع المدني العربي، ط 3. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008 [1998].

________. الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مج 1: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015.

بطرس الحلاق [إشراف] ومجموعة مؤلفين. المسألة القوميّة على مشارف الألف الثالث: دراسات مهداة إلى أنطون مقدسي. بيروت: دار النهار، 1998.

البيطار، نديم. حدود الهوية القومية: نقد عام. بيروت: دار الوحدة، 1982.

________. من التجزئة ... إلى الوحدة: القوانين الأساسية لتجارب التاريخ الوحدوية، ط 5. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986.

________. الأيديولوجيا الانقلابية. بيروت: المؤسسة الأهلية للطباعة والنشر، 1964.

________. "الفكر الوحدوي: نقد عام". الوحدة. العدد 7 (1985). ص 9-14

حسين، طه. مستقبل الثقافة في مصر. القاهرة: دار المعارف، [د. ت.]، [1938].

الحصري، أبو خلدون ساطع. ما هي القومية؟ أبحاث ودراسات على ضوء الأحداث والنظريات. سلسلة الأعمال القومية لساطع الحصري (13). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985 [1956].

__________. محاضرات في نشوء الفكرة القومية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985.

__________. آراء وأحاديث في الوطنية والقومية [1944]. في: الأعمال القومية لساطع الحصري: (1). سلسلة التراث القومي. ط 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990.

خوري، رئيف. معالم الوعي القومي ومقالات أخرى. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015 [1939].

الدوري، عبد العزيز. التكوين التاريخي للأمة العربية: دراسة في الهوية والوعي. ط 4. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2003 [1984].

الرزاز، منيف. الأعمال الفكرية والسياسية. بيروت: دار المتوسط؛ عمّان: مؤسسة منيف الرزاز للدراسات القومية، 1985.

زريق، قسطنطين. الوعي القومي: نظرات في الحياة القومية المتفتحة في الشرق العربي. بيروت: منشورات دار المكشوف، 1939.

زيادة، نقولا. العروبة في ميزان القومية. بيروت: دار العلم للملايين، 1950.

سعادة، أنطون. نشوء الأمم. الكتاب الأول. بيروت: مؤسسة سعادة الثقافية، 2014 [1938].

________. المحاضرات العشر. بيروت: دار فكر للأبحاث والنشر، 2010.

عفلق، ميشيل. سبيل البعث: الكتابات السياسية الكاملة. [د. م]: [د. ن]، [د. ت]. في: https://acr.ps/hBxWaVT

العظمة، عزيز. قسطنطين زريق: عربي للقرن العشرين. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003.

قضايا الخلاف في الحزب الشيوعي السوري: المكتب السياسي يشرح الأزمة، مشروع برنامج الحزب، ملاحظات وآراء الرفاق السوفيات، كلمات: خالد بكداش، ظهير بعبد الصمد، إبراهيم بكري، بدر الطويل.. إلخ. بيروت: دار ابن خلدون، 1972.

الأجنبية

Althusser, Louis. For Marx, Ben Brewster (trans.). London: Allen Lane, 1969. Althusser Louis & Etienne Balibar. Reading Capital, Ben Brewster (trans.) London: New Left Books, 1970.

Anderson, Benedict. Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism, revised edn. London: Verso, 1991.

________. The Spectre of Comparisons: Nationalism, Southeast Asia, and the World. London: Verso, 1998.

________. “Nationalism and Time.” manuscript of a lecture delivered at UCD School of Sociology. Dublin. 19\9\2012.

Armstrong, John. Nations before Nationalism. Chapel Hill: University of North Carolina Press, 1982.

________. “Definitions, Periodization, and Prospects for the Longue Durée.” Nations and Nationalism. vol. 10, no. 1–2 (2004), pp. 9-18.

Amar, Tarik Cyril. The Paradox of Ukrainian Lviv: A Borderland City between Stalinists, Nazis, and Nationalists. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2015.

Berlin, Isaiah. Against the Current. Essays in the History of Ideas. Henry Hardy (ed.). New York: Viking Press, 1980.

Breuilly, John. Nationalism and the State. 2nd ed. Chicago: University of Chicago Press, 1994.

Bhabha, Homi K. (ed.). Nation and Narration. London: Routledge, 1990.

Brubaker, Rogers. Nationalism Reframed:Nationhood and the National Question in the New Europe. Cambridge: Cambridge University Press, 1996.

Calhoun, Craig. Nationalism. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1997.

Chatterjee, Partha. Nationalist Thought and the Colonial World: A Derivative Discourse. Minneapolis: University Press, 1986.

________. “Whose Imagined Community?” Millennium: Journal of International Studies. vol. 20, no. 3 (1991). pp. 521-525.

________. The Nation and Its Fragments:Colonial and Postcolonial Histories. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1993.

Cleveland, William L. "The Arab Nationalism of George Antonius Reconsidered." in: James Jankowski & Israel Gershoni (eds.). Rethinking Nationalism in the Arab Middle East. New York: Columbia University Press, 1997.

Colombo, Michele & John J. Kinder. “Italian as a Language of Communication in Nineteenth Century Italy and Abroad.” Italica. vol. 89, no. 1 (2012). pp. 109-121.

Connor, Walker. Ethnonationalism: The Quest for Understanding. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1994.

Davis, Horace B. Nationalism and Socialism. New York: Monthly Review Press, 1967.

Deutsch, Karl W. Nationalism and Social Communication: An Inquiry into the Foundations of Nationality. 2nd ed. Cambridge, MA/ London: The MIT Press, 1966 [1953].

Eatwell, Roger & Mathew Goodwin. National Populism: The Revolt Against Liberal Democracy. London: Penguin, Random House, 2018.

Gilbert, Paul. Peoples, Cultures, and Nations in Political Philosophy. Washington D.C.: Georgetown University Press, 2000.

Gellner, Ernest. Nations and Nationalism. Oxford: Basil Blackwell, 1983.

Geertz, Clifford. The Interpretation of Cultures. New York: Basic Books, 1973.

Hobsbawm, Eric. Nations and Nationalism since 1780. Cambridge: Cambridge University Press, 1990.

Hobsbawm, Eric & Terence Ranger (eds.). The Invention of Tradition. Cambridge: Cambridge University Press, 1983.

Hutchinson, John & Anthony D. Smith (eds.). Ethnicity. Oxford: Oxford University Press, 1996.

Kamenka, Eugene (ed.). Nationalism: The Nature and Evolution of an Idea. New York: St. Martin’s Press, 1976.

Kedourie, Elie. Nationalism. 3rd ed. London: Hutchinson University Library, 1966.

Judt, Tony. “The New and the Old Nationalism.” The New York Review of Books. 26\5\1994.

Fichte, Johann Gottlieb. Reden an die deutsche Nation, mit einer Einleitung herausgegeben von Alexander Aichele. Philosophische Bibliothek; 588. Hamburg: Felix Meiner, 2008.

Gellner, Ernest. Spectacles & Predicaments: Essays in Social Theory. Cambridge: Cambridge University Press, 1979.

________. Thought and Change. London: Weidenfeld and Nicolson, 1964.

________. Nationalism. London: Phoenix, 1997.

________. Plough, Sword and the Book: The Structure of Human History. London: Collins Harvill, 1988.

Giddens, Anthony. The Nation-State and Violence. Cambridge: Polity Press, 1985.

Greenfeld, Liah. Nationalism: Five Roads to Modernity. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1992.

Gardels, Nathan. “Two Concepts of Nationalism: An Interview with Isaiah Berlin.” New York Review of Books. 21\11\1991. pp. 19-23

Hroch, Miroslav. Social Preconditions of National Revival in Europe: A Comparative Analysis of the Social Composition of Patriotic Groups among the Smaller European Nations. Ben Fowkes (trans.). Cambridge: Cambridge University Press, 1985.

Hutchinson, John. Modern Nationalism. London: Fontana Press, 1994.

________. Nations as Zones of Conflict. London: Sage, 2005.

Hastings, Adrian. The Construction of Nationhood:Ethnicity, Religion and Nationalism. Cambridge: Cambridge University Press, 1997.

Kohn, Hans. The Age of Nationalism: the first era of global history. New York: Harper, 1962.

________. Nationalism: Its Meaning and History. Princeton, NJ: Van Nostrand, 1955.

Llobera, Josep. The God of Modernity: The Development of Nationalism in Western Europe. Oxford: Berg, 1994.

Lazarus, Neil (ed.). The Cambridge Companion to Postcolonial Literary Studies. Cambridge: Cambridge University Press, 2006.

“Ruling Passions: Rival Explanations of the Rise of Nationalism.” Times Literary Supplement. 17\2\1995.

Mann, Michael. The Sources of Social Power, vol. 1: A History of Power from the Beginning to A.D. 1760. Cambridge: Cambridge University Press, 1986.

________. The Sources of Social Power, vol. 2: The Rise of Classes and Nation-States, 1760–1914. Cambridge: Cambridge University Press, 1993.

________. The Sources of Social Power, vol. 3: Global Empires and Revolution, 1890–1945. Cambridge: Cambridge University Press, 2012.

Malešević, Siniša. Nation-States and Nationalism: Organization, Ideology and Solidarity. Cambridge, UK: Polity Press, 2013.

________. Grounded Nationalisms. Cambridge: Cambridge University Press, 2019.

Marx, Karl & Friedrich Engels. Marx-Engels Werke. vol. 4. Dietz Verlag: Berlin/DDR 1972.

Martin, Terry. The Affirmative Action Empire: Nations and Nationalism in the Soviet Union, 1923–1939. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2001.

Mill, John Stuart. Three Essays: On Liberty; Representative Government; The Subjection of Women. New York: Oxford University Press, 1975.

Nairn, Tom. The Break-Up of Britain: Crisis and Neo-Nationalism. London: Verso, 1981.

Özkırımlı, Umut. “The Nation as an Artichoke? A Critique of Ethnosymbolist Interpretations of Nationalism.” Nations and Nationalism. vol. 9, no. 3 (2003). pp. 339-55.

Periwal, Sukumar (ed.). Notions of Nationalism. Budapest: Central European University Press, 1995.

Recchia, Stefano & Nadia Urbinati (eds.). A Cosmopolitanism of Nations: Giuseppe Mazzini's Writings on Democracy, Nation Building, and International Relations. Princeton: Princeton University Press, 2009.

Spivak, Gayatri. A Critique of Postcolonial Reason: toward a History of the Vanishing Present. Cambridge Mass.: Harvard University Press, 1999.

Smith, Anthony D. The Ethnic Origins of Nations. Oxford: Blackwell, 1986.

________. Nationalism and Modernism. London: Routledge, 1998.

________. Myths and Memories of the Nation. Oxford: Oxford University Press, 1999.

________. Chosen Peoples: Sacred Sources of National Identity. New York: Oxford University Press, 2003.

________. Ethno-Symbolism and Nationalism: A Cultural Approach. London: Routledge, 2009.

Sieyes, Emmanuel Joseph. Political Writings. Michael Sonenscher (trad & ed.). Indianapolis\Cambridge: Hackett Publishing, 2003 [1789].

Stalin, Joseph. Marxism and the National and Colonial Question. in: Selected Writings and Speeches. New York: International Publishers, 1942.

Shils, Edward. “Primordial, Personal, Sacred and Civil Ties.” British Journal of Sociology. vol. 8, no. 2 (1957). pp. 130-145.

Tilly, Charles. Coercion, Capital, and European States. Cambridge: Blackwell, 1990.

[1] Craig Calhoun, Nationalism (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1997), pp. 20-21.

[2] Ibid., p. 57.

[3] يُنظر:

Anthony D. Smith, Nationalism and Modernism (London: Routledge, 1998), pp. 221-222.

[4] Anthony D. Smith, The Ethnic Origins of Nations (Oxford: Blackwell, 1986), p. 3.

[5] John Plamenatz, “Two Types of Nationalism,” in: Eugene Kamenka (ed.), Nationalism: The Nature and Evolution of an Idea (New York: St. Martin’s Press, 1976), pp. 22-24.

[6] Ernest Gellner, Nations and Nationalism (Oxford: Basil Blackwell, 1983), p. 1.

[7] يُنظر: عزمي بشارة، مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023).

[8] Siniša Malešević, Nation-States and Nationalism: Organization, Ideology and Solidarity (Cambridge, UK: Polity Press, 2013), p. 10.

[9] عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007).

[10] Michele Colombo & John J. Kinder, “Italian as a Language of Communication in Nineteenth Century Italy and Abroad,” Italica, vol. 89, no. 1 (2012), pp. 109-121.

[11] لشرح تفصيلي حول النظريات المختلفة بشأن نشوء الدولة الحديثة، يُنظر: بشارة، مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات.

[12] Gellner, Nations and Nationalism, pp. 35-38.

[13] بشارة، في المسألة العربية، ص 176.

[14] المرجع نفسه، ص 202.

[15] Siniša Malešević, Nation-States and Nationalism, pp. 11-13.

[16] Benedict Anderson, Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism, revised edn (London: Verso, 1991), p. 7.

[17] Ibid., p. 141.

[18] ميشيل عفلق، "القومية حب قبل كل شيء"، في: ميشيل عفلق، سبيل البعث: الكتابات السياسية الكاملة، ج 1 ([د. م]: [د. ن]، [د. ت]) ص 133، في: https://acr.ps/hBxWaVT

[19] Anderson, Imagined Communities, p. 6.

[20] Ibid., pp. 24-25.

[21] Ibid., p. 44.

[22] Eric Hobsbawm, Nations and Nationalism since 1780 (Cambridge: Cambridge University Press, 1990), p. 12; Eric Hobsbawm, “Introduction: Inventing Traditions,” in: Eric Hobsbawm & Terence Ranger (eds.), The Invention of Tradition (Cambridge: Cambridge University Press, 1983), p. 4.

[23] John Breuilly, Nationalism and the State, 2nd ed. (Chicago: University of Chicago Press, 1994), p. 2; Charles Tilly, Coercion, Capital, and European States (Cambridge: Blackwell, 1990), p. 115.

[24] Gellner, Nations and Nationalism, p. 17.

[25] Elie Kedourie, Nationalism, 3rd ed., (London: Hutchinson University Library, 1966), p. 14.

[26] ترجمت كلمة Estates هنا، بطبقات سياسة، لتمييزها عن Class التي تُترجم إلى طبقة فقط دون إضافات، ويقصد بها طبقة اقتصادية. والمقصود بالطبقات السياسية هي الطبقات التي تمتعت بمكانة سياسية في ظل الحكم الملكي وشاركت في البرلمان، أي الأرستقراطية (ملّاك الأرض) والإكليروس، وأضيفت إليهما لاحقًا الطبقة الوسطى التي سميت الطبقة الثالثة (البرجوازية).

[27] Tony Judt, “The New and the Old Nationalism,” The New York Review of Books, 26\5\1994, p. 46.

[28] Emmanuel Joseph Sieyes, “What is the Third Estate?” in: Emmanuel Joseph Sieyes, Political Wrtings, Michael Sonenscher (trad. & ed.) (Indianapolis\Cambridge: Hackett Publishing, 2003 [1789]), p. 97.

[29] Ibid., p. 98.

[30] عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية مع إشارة للمجتمع المدني العربي، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008 [1998])، ص 233.

[31] Paul Gilbert, Peoples, Cultures, and Nations in Political Philosophy (Washington D.C.: Georgetown University Press, 2000), p. 58; Max Weber, “The Origin of Ethnic Groups,” in: John Hutchinson & Anthony D. Smith (eds.), Ethnicity (Oxford: Oxford University Press, 1996), pp. 35-40.

[32] للاطلاع على دور فيشته عمومًا، يُنظر: عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مج 1: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 622.

[33] المرجع نفسه.

[34] Johann Gottlieb Fichte, Reden an die deutsche Nation, mit einer Einleitung herausgegeben von Alexander Aichele, Philosophische Bibliothek; 588 (Hamburg: Felix Meiner, 2008), pp. 211-212.

[35] Ibid., pp. 233-251.

[36] بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ص 626.

[37] المرجع نفسه، ص 626.

[38] أوموت أوزكيرميملي، نظريات القومية: مقدمة نقدية، ترجمة معين الإمام، (الدوحة/بيروت: المركز العربي للأبحاث، 2013)، ص 381.

[39] المصدر نفسه ص 383.

[40] Ernest Renan, “What Is a Nation?” in: Homi K. Bhabha (ed.), Nation and Narration (London: Routledge, 1990), p. 19.

[41] Ibid.

[42] ساطع الحصري، "نشوء الفكرة القومية في ألمانيا وتصادم النظريتين الفرنسية والألماني في تعريفها وتحديدها"، في: محاضرات في نشوء الفكرة القومية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985)، ص 36-39، 51.

[43] بشارة، المجتمع المدني، ص 251.

[44] Edward Shils, “Primordial, Personal, Sacred and Civil Ties,” British Journal of Sociology, vol. 8, no. 2 (1957), pp. 130-145; Clifford Geertz, The Interpretation of Cultures (New York: Basic Books, 1973), pp. 259-260.

[45] Shils, p. 131, 142.

[46] Rogers Brubaker, Nationalism Reframed:Nationhood and the National Question in the New Europe (Cambridge: Cambridge University Press, 1996), p. 15.

[47] Calhoun, pp. 30-32, 51.

[48] Gellner, Nations and Nationalism, p. 48.

[49] Smith, The Ethnic Origins of Nations, pp. 3, 32, 45.

[50] نقولا زيادة، العروبة في ميزان القومية (بيروت: دار العلم للملايين، 1950)، ص 10، 22-32، 34-49.

[51] Ernest Gellner, Thought and Change (London: Weidenfeld and Nicolson, 1964); Ernest Gellner, Nationalism (London: Phoenix, 1997); Gellner, Nations and Nationalism.

[52] Hobsbawm, Nations and Nationalism since 1780.

[53] Anderson, Imagined Communities; Benedict Anderson, The Spectre of Comparisons: Nationalism, Southeast Asia, and the World (London: Verso, 1998); Benedict Anderson, “Nationalism and Time,” manuscript of a lecture delivered at UCD School of Sociology, Dublin, 19\9\2012.

[54] Miroslav Hroch, Social Preconditions of National Revival in Europe: A Comparative Analysis of the Social Composition of Patriotic Groups among the Smaller European Nations, Ben Fowkes (trans.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1985).

[55] Breuilly, op. cit.

[56] Michael Mann, The Sources of Social Power, vol. 1: A History of Power from the Beginning to A.D. 1760 (Cambridge: Cambridge University Press, 1986); Michael Mann, The Sources of Social Power, vol. 2: The Rise of Classes and Nation-States, 1760–1914 (Cambridge: Cambridge University Press, 1993); Michael Mann, The Sources of Social Power, vol. 3: Global Empires and Revolution, 1890–1945 (Cambridge: Cambridge University Press, 2012); Michael Mann, “A Political Theory of Nationalism and Its Excesses,” in: Sukumar Periwal (ed.), Notions of Nationalism (Budapest: Central European University Press, 1995).

[57] Hans Kohn, The Age of Nationalism: the first era of global history (New York: Harper, 1962); Hans Kohn, Nationalism: Its Meaning and History (Princeton, NJ: Van Nostrand, 1955).

[58] Tom Nairn, The Break-Up of Britain: Crisis and Neo-Nationalism (London: Verso, 1981).

[59] Anthony Giddens, The Nation-State and Violence (Cambridge: Polity Press, 1985).

[60] Tilly, op. cit.

[61] Ernest Gellner, Plough, Sword and the Book: The Structure of Human History (London: Collins Harvill, 1988); Gellner, Thought and Change; Gellner, Nationalism.

[62] Malešević, Nation-States and Nationalism, p. 58.

[63] Gellner, Nationalism, p. 10, 34, 37, 48.

[64] Mann, “A Political Theory of Nationalism and Its Excesses”.

[65] Malešević, Nation-States and Nationalism, p. 60.

[66] Hroch, pp. 11-13.

[67] Breuilly, pp. 379-380.

[68] Ferdinand Mount, “Ruling Passions: Rival Explanations of the Rise of Nationalism,” Times Literary Supplement, 17\2\1995, p. 17.

[69] Hobsbawm, “Introduction: Inventing Traditions,” p. 4.

[70] Hobsbawm, Nations and Nationalism since 1780, p. 10.

[71] Ibid.

[72] بشارة، المجتمع المدني، ص 216-217.

[73] Breuilly, pp. 1-2.

[74] Ibid., pp. 14-15; Brubaker, p. 84.

[75] Anthony D. Smith, Myths and Memories of the Nation (Oxford: Oxford University Press, 1999), pp. 8-10.

[76] Smith, The Ethnic Origins of Nations, pp. 3, 17, 170.

[77] Anthony D. Smith, Ethno-Symbolism and Nationalism: A Cultural Approach )London: Routledge, 2009); Anthony D. Smith, Chosen Peoples: Sacred Sources of National Identity (New York: Oxford University Press, 2003); Smith, The Ethnic Origins of Nations.

[78] John Hutchinson, Modern Nationalism (London: Fontana Press, 1994); John Hutchinson, Nations as Zones of Conflict (London: Sage, 2005).

[79] Josep Llobera, The God of Modernity: The Development of Nationalism in Western Europe (Oxford: Berg, 1994).

[80] Adrian Hastings, The Construction of Nationhood:Ethnicity, Religion and Nationalism (Cambridge: Cambridge University Press, 1997).

[81] John Armstrong, Nations before Nationalism (Chapel Hill: University of North Carolina Press, 1982); John Armstrong, “Definitions, Periodization, and Prospects for the Longue Durée,” Nations and Nationalism, vol. 10, no. 1–2 (2004), pp. 9-18.

[82] Walker Connor, Ethnonationalism: The Quest for Understanding (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1994).

[83] Malešević, Nation-States and Nationalism, p. 63.

[84] Smith, The Ethnic Origins of Nations, pp. 17, 22, 24, 32; Smith, Myths and Memories of the Nation, pp. 9, 19.

[85] Smith, The Ethnic Origins of Nations, p. 32.

[86] Smith, Myths and Memories of the Nation, pp. 9, 19, 203-224.

[87] Smith, Nationalism and Modernism, p. 18; Smith, The Ethnic Origins of Nations, p. 17; Armstrong, Nations before Nationalism, p. 4.

[88] Connor, pp. 93-94.

[89] Ibid., p. 96.

[90] Umut Özkırımlı, “The Nation as an Artichoke? A Critique of Ethnosymbolist Interpretations of Nationalism,” Nations and Nationalism, vol. 9, no. 3 (2003), pp. 339-355.

[91] Siniša Malešević, Grounded Nationalisms (Cambridge: Cambridge University Press, 2019), p. 3.

[92] Malešević, Nation-States and Nationalism, p. 76.

[93] Malešević, Grounded Nationalisms, pp. 88-89.

[94] Karl Marx, “Rede über Polen” [Speech on Poland], Deutsche-Brüsseler-Zeitung, 9\12\1847, in: Karl Marx, Friedrich Engels, Marx-Engels Werke, vol. 4 (Dietz Verlag: Berlin/DDR 1972) p. 417.

[95] بشارة، المجتمع المدني، ص 225-226.

[96] المرجع نفسه، ص 227.

[97] Joseph Stalin, Marxism and the National and Colonial Question, in: Selected Writings and Speeches (New York: International Publishers, 1942), pp. 10-12.

[98] Terry Martin, The Affirmative Action Empire: Nations and Nationalism in the Soviet Union, 1923–1939 (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2001).

[99] Tarik Cyril Amar, The Paradox of Ukrainian Lviv: A Borderland City between Stalinists, Nazis, and Nationalists (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2015).

[100] Horace B. Davis, Nationalism and Socialism (New York: Monthly Review Press, 1967).

[101] للتوسع في هذا الموضوع حول هذه النقاشات، فضلًا عن آراء خبراء سوڤيات أدلوا برأيهم، يُنظر: قضايا الخلاف في الحزب الشيوعي السوري: المكتب السياسي يشرح الأزمة، مشروع برنامج الحزب، ملاحظات وآراء الرفاق السوفيات، كلمات: خالد بكداش، ظهير بعبد الصمد، إبراهيم بكري، بدر الطويل.. إلخ (بيروت: دار ابن خلدون، 1972).

[102] John Stuart Mill, Three Essays: On Liberty; Representative Government; The Subjection of Women (New York: Oxford University Press, 1975), p. 85.

[103] Ernest Gellner, Spectacles & Predicaments: Essays in Social Theory (Cambridge: Cambridge University Press, 1979), p. 177.

[104] Karl W. Deutsch, Nationalism and Social Communication: An Inquiry into the Foundations of Nationality, 2nd ed. (Cambridge, MA/ London: The MIT Press, 1966 [1953]), p. 4.

[105] Nathan Gardels, “Two Concepts of Nationalism: An Interview with Isaiah Berlin,” New York Review of Books, 21\11\1991, pp. 19-23; Isaiah Berlin, Against the Current. Essays in the History of Ideas, Henry Hardy (ed.), (New York: Viking Press, 1980).

[106] Kedourie, pp. 73-75.

[107] يُنظر:

Roger Eatwell & Mathew Goodwin, National Populism: The Revolt Against Liberal Democracy (London: Penguin, Random House, 2018), pp. 29-39.

[108] Liah Greenfeld, Nationalism: Five Roads to Modernity (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1992), p. 10.

[109] للاطلاع على الفكر السياسي لماتسيني، يُنظر:

Stefano Recchia & Nadia Urbinati (eds.), A Cosmopolitanism of Nations: Giuseppe Mazzini's Writings on Democracy, Nation Building, and International Relations (Princeton: Princeton University Press, 2009).

[110] Laura Chrisman, “Nationalism and Postcolonial Studies,” in: Neil Lazarus, (ed.) The Cambridge Companion to Postcolonial Literary Studies (Cambridge: Cambridge University Press, 2006), p. 183-198.

[111] Plamenatz, pp. 31-33.

[112] Ibid., p. 34.

[113] Partha Chatterjee, Nationalist Thought and the Colonial World: A Derivative Discourse (Minneapolis: University Press, 1986); Partha Chatterjee, The Nation and Its Fragments:Colonial and Postcolonial Histories (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1993); Partha Chatterjee, “Whose Imagined Community?” Millennium: Journal of International Studies, vol. 20, no. 3 (1991), pp. 521-525.

[114] Chatterjee, Nationalist Thought and the Colonial World, p. 28.

[115] Chatterjee, The Nation and Its Fragments.

[116] Chatterjee, Nationalist Thought and the Colonial World, p. 37; Louis Althusser, For Marx, Ben Brewster (trans.) (London: Allen Lane, 1969); Louis Althusser & Etienne Balibar, Reading Capital, Ben Brewster (trans.) (London: New Left Books, 1970).

[117] Chatterjee, Nationalist Thought and the Colonial World, pp. 38-39.

[118] Ibid., pp. 40-41.

[119] Ibid., p. 43.

[120] Gayatri Spivak, A Critique of Postcolonial Reason: toward a History of the Vanishing Present (Cambridge Mass.: Harvard University Press, 1999), p. 62.

[121] تَقبّل المؤرخ القومي قسطنطين زريق هذا التقسيم التبسيطي أيضًا بين شرق روحاني وغرب مادي، وهو تقسيم رائج على مستوى الثقافة الشعبية. للاطلاع على نقد حادّ له، يُنظر: رئيف خوري، معالم الوعي القومي ومقالات أخرى (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015 [1939])، ص 36.

[122] منيف الرزاز، "تطور معنى القومية"، في: منيف الرزاز، الأعمال الفكرية والسياسية، ج 1 (بيروت: دار المتوسط؛ عمّان: مؤسسة منيف الرزاز للدراسات القومية، 1985)، ص 364-366.

[123] المرجع نفسه، ص 368-370.

[124] بشارة، في المسألة العربية، ص 199-201.

[125] بشارة، في المسألة العربية، ص 206-207؛ نديم البيطار، "الفكر الوحدوي: نقد عام"، الوحدة، العدد 7 (نيسان/ أبريل 1985)، ص 9-14؛ نديم البيطار، من التجزئة ... إلى الوحدة: القوانين الأساسية لتجارب التاريخ الوحدوية، ط 5 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986).

[126] بشارة، في المسألة العربية، ص 216؛ نديم البيطار، حدود الهوية القومية: نقد عام (بيروت: دار الوحدة، 1982)، ص 28.

[127] نديم البيطار، الأيديولوجيا الانقلابية (بيروت: المؤسسة الأهلية للطباعة والنشر، 1964).

[128] غسان سلامة، "الوحدة العربيّة: موت أو تحوّل"، في: بطرس الحلاق (مشرف)، المسألة القوميّة على مشارف الألف الثالث: دراسات مهداة إلى أنطون مقدسي (بيروت: دار النهار، 1998)، ص 133-135.

[129] أبو خلدون ساطع الحصري، ما هي القومية؟ أبحاث ودراسات على ضوء الأحداث والنظريات، سلسلة الأعمال القومية لساطع الحصري (13) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985 [1956]).

[130] جورج أنطونيوس، يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية، ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس، ط 8 (بيروت: دار العلم للملايين، 1987 [1938])، ص 77-78.

[131] William L. Cleveland, "The Arab Nationalism of George Antonius Reconsidered," in: James Jankowski & Israel Gershoni (eds.), Rethinking Nationalism in the Arab Middle East (New York: Columbia University Press, 1997), p. 65.

[132] Deutsch, p. 165.

[133] Ibid., pp. 165–186.

[134] بشارة، في المسألة العربية، ص 203؛ أبو خلدون ساطع الحصري، أراء وأحاديث في الوطنية والقومية [1944]، في: الأعمال القومية لساطع الحصري: (1)، سلسلة التراث القومي، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990)، ص 18-20.

[135] الحصري، ما هي القومية؟، ص 21.

[136] المرجع نفسه، ص 48.

[137] المرجع نفسه، ص 52.

[138] يُنظر: ساطع الحصري، آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص 49.

[139] المرجع نفسه، ص 215؛ يُنظر: بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ص 625.

[140] بشارة، في المسألة العربية، ص 206؛ عزيز العظمة، قسطنطين زريق: عربي للقرن العشرين (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003)، ص 117.

[141] زيادة، ص 65-66.

[142] سمير أمين، الأمة العربية: القومية والصراع الطبقي، ج 1 (القاهرة: مطبعة المدبولي، 1988).

[143] قسطنطين زريق، الوعي القومي: نظرات في الحياة القومية المتفتحة في الشرق العربي (بيروت: منشورات دار المكشوف، 1939).

[144] بشارة، في المسألة العربية، ص 204.

[145] خوري، ص 49-53.

[146] عبد العزيز الدوري، التكوين التاريخي للأمة العربية: دراسة في الهوية والوعي، ط 4 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2003 [1984])، ص 10.

[147] المرجع نفسه، ص 83.

[148] المرجع نفسه، ص 83، 92.

[149] المرجع نفسه، ص 83.

[150] الرزاز، ص 319.

[151] المرجع نفسه، ص 322.

[152] المرجع نفسه، ص 320.

[153] المرجع نفسه، ص 320-321.

[154] المرجع نفسه، ص 322-323.

[155] المرجع نفسه، ص 323-324.

[156] أنطون سعادة، "المحاضرة الثالثة (في 25 كانون الثاني 1948)"، في: أنطون سعادة، المحاضرات العشر (بيروت: دار فكر للأبحاث والنشر، 2010)، ص 82-83.

[157] المرجع نفسه، ص 84.

[158] أنطون سعادة، "المحاضرة الرابعة (في أول شباط 1948)"، في: سعادة، المحاضرات العشر، ص 90-91.

[159] المرجع نفسه، ص 91-92.

[160] المرجع نفسه، ص 93.

[161] أنطون سعادة، نشوء الأمم، الكتاب الأول (بيروت: مؤسسة سعادة الثقافية، 2014 [1938])، ص 190.

[162] المرجع نفسه، ص 191.

[163] المرجع نفسه، ص 192.

[164] طه حسين، مستقبل الثقافة في مصر (القاهرة: دار المعارف، [د. ت.]، [1938])، ص 54.

[165] المرجع نفسه، ص 69-70.

[166] المرجع نفسه، ص 359.

[167] المرجع نفسه، ص 76.

[168] المرجع نفسه، ص 77.

[169] المرجع نفسه، ص 361.

المحتويات

الهوامش