تسجيل الدخول

جورج لوكاش

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


الاسم 

جورج لوكاش 

تاريخ الميلاد

13 أبريل/ نيسان 1885

مكان الميلاد

بودابست

تاريخ الوفاة

4 يونيو/ حزيران 1971 (86 عامًا)

مكان الوفاة

بودابست

الدور العام

فيلسوف، ناقد، وزير

التيار

الماركسية الغربية، الماركسية الهيغلية

سبب الوفاة

سرطان الرئة

أهم الأعمال

تحطيم العقل (1954)

نظرية الرواية (1916)

الروح والشكل (1911)


الموجز

جورج لوكاش (Georg Lukács، 1885-1971) فيلسوف وسياسي وناقد أدبي هنغاري، من أبرز الفلاسفة الماركسيين في القرن العشرين، وأحد أكثرهم إثارةً للجدل في تاريخ الفلسفة الاجتماعية والنقد الأدبي. 

تأثر في مرحلة شبابه بالتيارات الفلسفية الكلاسيكية الألمانية، ولا سيّما بالحركة الرومانسية. وأسهم مع رفاقه الشيوعيين في قيادة ثورتين هنغاريتين، الأولى بالتنسيق مع البلاشفة الروس عام 1919، والأخرى بالتضاد مع هيمنة الاتحاد السوڤياتي عام 1956. أفلت من عقوبة الإعدام، ونجا من حملات التطهير الستالينية بين عامي 1930 و1938، وعاش شطرًا غير قصير من حياته في المنفى، بعيدًا عن مزاولة النشاط السياسي، ومنصرفًا إلى دراسة الفلسفة والأدب.

 يرى المؤرخون أن أفكاره فتحت بابًا موصدًا أمام غيره من الفلاسفة، ولا سيّما دعاة الماركسية الغربية {{الماركسية الغربية (Western Marxism): تيار فكري ماركسي ظهر في عشرينيات القرن العشرين، ركّز على الأبعاد الفلسفية والثقافية للنظرية الماركسية، ويُعدّ جورج لوكاش وكارل كورش من أبرز مؤسسيه، كما ارتبط لاحقًا بمدرسة فرانكفورت للنظرية النقدية.}}، فيما يتعلق بإعادة تأويل نصوص كارل ماركس (Karl Marx، 1818-1883). وترك وراءه نتاجًا فكريًا متنوعًا، يضم مؤلفات كثيرة، منشورة وغير منشورة، تناولت موضوعات شتى، مثل الفكر السياسي، والفلسفة، وعلم الجمال، والنقد الأدبي، جعلت منه مرجعًا أساسًا لفهم مسارات الماركسية ونقد مشروع الحداثة الغربية. وتعكس أعماله إحاطته الموسوعية بالفلسفة وتياراتها التقليدية والحديثة، إلى جانب اهتمامه الواسع بالفن والأدب.

نشأته

ولد لوكاش في مدينة بودابست (Budapest)، في عائلة يهودية ميسورة الحال. وكان والده يوجيف لوڤينغر (József Löwinger، 1855-1926) من طبقة النبلاء، يشغل منصب المدير العام لمصرف الائتمان الهنغاري وعضوًا في المجلس البلدي لمدينة بودابست. ترجع الأصول الاجتماعية لعائلتي والده لوڤينغر ووالدته أديل ڤيرتهايمر (Adèle Wertheimer، 1860-1917) إلى منطقة ليوبولدشتات (Leopoldstadt)، التي تقع اليوم في ڤيينا، ثم هاجرت عائلة والده في بداية القرن التاسع عشر إلى هنغاريا، إذ كانت جزءًا من الإمبراطورية النمساوية- الهنغارية. وعاش لوكاش سنوات طفولته وصباه مع أكبر أشقائه يانوش إمري لوكاش (János Imre Lukács، 1883-1945) وصغرى شقيقاته ماريا ماتيلد لوكاش (Mária Matild Lukács، 1887-1955)

تدرج لوكاش في ارتقاء مراحل التعليم، حتى حاز درجة الدكتوراه في العلوم السياسية عام 1906، عن موضوع: (شكل الدراما) The Form of the Drama بإشراف الفيلسوف وعالم الاجتماع القانوني بودوغ سولومو (Bódog Somló، 1873-1920) من جامعة كولوجڤار (Kolozsvár)، وهي اليوم جامعة بابش- بولياي (Babeș- Bolyai University) في مدينة كلوج- نابوكا (Cluj- Napoca) في رومانيا. ثم نال درجة دكتوراه ثانية في الفلسفة وعلم الجمال من جامعة بودابست عام 1909 عن موضوع: تاريخ تطور الدراما الحديثة (The History of the Development of Modern Drama). وحصل على درجة دكتوراه أخرى عام 1943، من معهد الفلسفة في أكاديمية العلوم في الاتحاد السوڤياتي (Academy of Sciences of The Soviet Union)، عن أطروحته في موضوع هيغل الشاب ومشكلات المجتمع الرأسمالي (Der junge Hegel und die Probleme der kapitalistischen Gesellschaft) [2].

وتزوج لوكاش أول مرة عام 1914 بيلينا غرابينكو (Ljena Grabenko، 1882-1942) وانفصل عنها في عام 1917. وفي أواخر العام ذاته، تعرف إلى غيرترود بورتستيبر (Gertrud Bortstieber، 1882-1963) وهي أرملة عالم الرياضيات والفيزياء إمري يانوشي (Imre Janossy، 1883-1920). وفي عام 1923 تزوج بها في ڤيينا، وأنجب منها ابنة واحدة تدعى آنا لوكاش (Anna Lukács، 1919-2005)، وظلت رفيقة دربه السياسي حتى وفاتها عام 1963[3].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

انخرط لوكاش في دراسة الفلسفة وعلم الاجتماع، متأثرًا بأطاريح جورج زيميل {{جورج زيمل(Georg Simmel، 1858-1918): عالم اجتماع وفيلسوف ألماني، تناول في أعماله قضايا الحداثة والثقافة والاغتراب، وكان لأفكاره أثر في عدد من مفكري القرن العشرين، ومنهم جورج لوكاش.}} وماكس ڤيبر{{ماكس ڤيبر (Max Weber، 1864-1920): عالم اجتماع واقتصادي وسياسي ألماني، وأحد أبرز مؤسسي علم الاجتماع الحديث، اشتهر بأطروحته حول العلاقة بين الأخلاق البروتستانتية والرأسمالية، وبأعماله عن البيروقراطية والسلطة والعقلنة.}} ، ولا سيما في أثناء الفترة المحصورة بين عامي 1912، و1917 التي عاش معظمها في ألمانيا. وانضم بين العامين 1909، و1913 إلى حلقة فكرية من المريدين حول ڤيبر في جامعة هايدلبرغ، تعرف فيها إلى إرنست بلوخ (Ernst Bloch، 1885-1977) وتوثقت بينهما عرى صداقة طويلة الأمد. ومن ثم، انتمى إلى الحزب الشيوعي الهنغاري عام 1918. وبعد اندلاع الثورة الهنغارية عام 1919، عمل مع الشيوعيين على إعلان الجمهورية السوڤياتية الهنغارية برئاسة بيلا كون (Bela Kun، 1886-1939)، وشغل لوكاش منصب نائب المفوض للتعليم العام، وبعد احتلال القوات الرومانية لهنغاريا، وانهيار الحكم الشيوعي مع بداية آب/ أغسطس 1919، هرب إلى ڤيينا وحصل على صفة لاجئ سياسي، وبقي فيها حتى عام 1929.

إبان هذه المرحلة من حياته، نشر كتابه المركزي: التاريخ والوعي الطبقي: دراسات في الديالكتيك الماركسي (History and Class Consciousness: Studies in Marxist Dialectics (1923))، ويعد من النصوص المرجعية للماركسية الغربية (Western Marxism)، وللنظرية الاجتماعية النقدية (Critical Social Theory). واتسع نطاق تأثيره حتى شمل الحركة الطلابية في فرنسا عام 1968. وعقب نشره لهذا الكتاب، وإثر تكليفه رسميًا عام 1928 بصياغة المنهاج الرسمي للحزب الشيوعي الهنغاري، الذي عرف فيما بعد باسم أطاريح بلوم (Blum Theses). وبلوم هو الاسم الحركي للوكاش في أوساط الشيوعيين. وقد تعرض لوكاش لانتقادات الماركسيين اللينينيين (Marxist-Leninists) وقيادة الأممية الشيوعية الثالثة "الكومنترن" (Comintern). واستقر الرأي على أن رؤيته للثورة الهنغارية تمثل التهديد اليميني الرئيس داخل الحزب، وأن "هذه الأطاريح لا تمت إلى البلشفية بصلة"[6]، لانطوائها على رفض ضمني لما تبنته قيادة الكومنترن من توجه فكري متشدد، عرف باسم "خط المرحلة الثالثة"، وهددت لوكاش بالطرد الفوري من تنظيمات الحزب الشيوعي. وتفاديًا لذلك، اضطر في عام 1929 إلى نشر بيان رسمي، تراجع فيه عن آرائه. فانسحب من الميدان السياسي، وعزف عامدًا عن تناول الموضوعات السياسية، وحصر نشاطه في مجالي النقد الأدبي والفلسفة قرابة 30 عامًا، للحفاظ على حياته من جهة، وللحفاظ على وحدة الحزب الشيوعي وخطابه الأيديولوجي من جهة أخرى[8].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ولم يمنع تراجعه عن أطاريح بلوم، وإقراره بالتناقضات الكامنة فيها، قيادة الكومنترن من إصدار حكمها المشدد في تشرين الأول/ أكتوبر 1929، إذ وصفت لوكاش بأنه انشقاقي لا أمل في إصلاحه (incorrigible factionalist). وطرد من قيادة الحزب في ڤيينا، وتلقى استدعاءً شديد اللهجة إلى موسكو. وفي آذار/ مارس 1930 سافر لوكاش وزوجته إلى الاتحاد السوڤياتي، في الوقت الذي كان التشدد الأيديولوجي والرقابة السياسية والفكرية يزدادان تباعًا في ظل حكم جوزيف ستالين (Joseph Vissarionovich Stalin، 1878-1953). وأُلحق لوكاش مباشرةً بمعهد ماركس- إنجلز (Marx-Engels Institute)، وأُخضع لمراقبة دقيقة، اضطرته إلى التبرؤ من كتابه: التاريخ والوعي الطبقي ثلاث مرات متوالية في الأعوام 1932، و1933، و1934، بغية التشديد على تراجعه، والتزامه بالمسار الرسمي للحزب، والنجاة بحياته من حملات التطهير الستالينية، التي أودت بحياة ما يقارب نسبة 80 في المئة من رفاقه الهنغاريين في الاتحاد السوڤياتي، بسبب خلافات فكرية ومفاهيمية حول تفسير النظرية الماركسية[9].

وبين عامي 1931، و1933، تنقل لوكاش مرات عدة بين روسيا وألمانيا. ففي عام 1931 أرسل إلى برلين لإنجاز مهمات حزبية، مثل المشاركة في أعمال الذكرى المئوية الأولى لفريدريش هيغل (Friedrich Hegel، 1770-1831) في جامعة برلين، وإعداد مشروع دراسة موسعة عن أعماله الكاملة لمصلحة معهد ماركس- إنجلز، فضلًا عن القاء سلسلة من المحاضرات في مدرسة العمال الماركسيين، من أجل تأهيل العناصر القيادية والتنظيمية للحزب الشيوعي الألماني.

وبعد انتقال السلطة إلى أدولف هتلر (Adolf Hitler، 1889-1945) عام 1933، عاد لوكاش مباشرةً إلى الاتحاد السوڤياتي، وظل لاجئًا سياسيًا يعيش بين موسكو وطشقند. إذ كان يعمل، في أثناء الفترة ما بين 1933، و1936، باحثًا وأستاذًا محاضرًا في معهد الفلسفة بالأكاديمية الشيوعية، وهي مؤسسة حزبية تعنى بتثقيف الكوادر الحزبية وتدريبهم. وإبان العقد الثالث من القرن العشرين، كتب لوكاش مقالات ودراسات عدة عن الأدب الأوروبي والروسي، وأسهم في مشروع تحقيق مخطوطات ماركس الاقتصادية والفلسفية لعام 1844[10]، بوصفه المشروع الرئيس لمعهد ماركس- إنجلز، بإشراف مدير المعهد ديڤيد ريازانوف (David Ryazanov، 1870-1938). وتمثل إسهام لوكاش في مساعدته العلمية للعاملين على المشروع، مثل الشاعر هوغو هوبرت (Hugo Huppert، 1902-1982)، في تنقيح نصوص ماركس، وشرحها، وإعادة بناء الكلمات الناقصة في المخطوطات. ثم انتقل لوكاش للعمل والدراسة في أكاديمية العلوم في الاتحاد السوڤياتي حتى منتصف أربعينيات القرن العشرين[11].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

عاد لوكاش إلى هنغاريا في أواخر عام 1945، وأصبح عضوًا في البرلمان، ثم أستاذًا في علم الجمال وفلسفة الثقافة في جامعة بودابست. وفي عام 1956 اشترك في الثورة الهنغارية المضادة للاتحاد السوڤياتي، إذ أنتخب عضوًا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الهنغاري، ثم عُين وزيرًا للثقافة في حكومة إمري ناجي (Imre Nagy، 1958-1896)، بيد أن حكومته انهارت بسبب التدخل العسكري السوڤياتي في تشرين الثاني/ نوڤمبر 1956[12]. وفي إثر ذلك، اعتقل لوكاش وسجن في رومانيا، لكنه لم يعدم، خلافًا لأعضاء الحكومة الآخرين، بل اكتُفي باعتقاله بضعة أشهر، وبفصله من عضوية الحزب. وسرعان ما سمح له بالعودة الى بودابست في ربيع عام 1957، ولم يسمح له بالانضمام مجددًا إلى الحزب إلّا في عام 1969. وإبان الستينيات المنصرمة، عزف عن النشاط السياسي نهائيًا، وكرس نفسه للنشاط الأكاديمي والفلسفي في جامعة بودابست حتى وفاته في 4 حزيران/ يونيو عام 1971[13].

أعماله الفلسفية والأدبية

على امتداد مسيرته الفكرية والسياسية، ألف لوكاش 44 كتابًا مستقلًا، توزعت بين مؤلفات فلسفية وكتيبات أصغر حجمًا، منها 12 كتابًا نشر بعد وفاته، مثل كتابه ملاحظات هايدلبرغ (Heidelberger Notizen)، وآخر كتبه نصوص سِيَر ذاتية وحوارات (Autobiographische Texte und Gespräche). كذلك ترك لوكاش مئات المقالات، والمراسلات الشخصية، فضلًا عن محاضراته، وحواراته الفكرية، ودفاتره الشخصية. تناول فيها موضوعات منوعة مثل الفلسفة الحديثة، والفكر السياسي، والنقد الأدبي، وتاريخ الأدب ومدارسه، والموسيقى، والشعر، والمسرح، وعلم الجمال[14]. ويمكن توزيع نتاجاته على مرحلتين متفاوتتين من حياته: الفترة الأولى بين عامي 1902، و1918، والثانية بعد عام 1918.

أعماله الأدبية (1902-1918)

قبيل انتمائه إلى الحزب الشيوعي الهنغاري في عام 1918، كانت أعمال لوكاش في مجملها تندرج ضمن إطار الأدب والنقد الأدبي وفلسفة الجمال مثل: مقالاته المبكرة في مجلتي المجرية المنشورة في عام 1902[15]، وكتابه تاريخ تطور الدراما الحديثة، وكتابيه الروح والشكل (Soul and Form)، ونظريةالرواية (Theory of The Novel). وتنتمي هذه المؤلفات في اتجاهها العام إلى الحركة الرومانسية ولا سيّما الرومانسية المناهضة للرأسمالية، إذ كتبها لوكاش بعد أن أخذت الرواية والأدب الأوروبي بنتائج الثورات البرجوازية، ومثلها الأخلاقية، منذ أواخر القرن الثامن عشر، مثل التشديد على عد الفرد حرًا في اختياراته، ومستقلًا بذاته، يقدس العقل والعلم والعمل على الضد من السلطة الكنسية وتقديسها للعقل الأسطوري، إذ يتساوى إنسان التنوير مع غيره في الحقوق والواجبات، ويحقق مع غيره المنفعة الاجتماعية. أي أن الأدب الأوروبي عامة، شأنه شأن الفلسفة السياسية الغربية، بات يعبر، في رأي لوكاش، عن قيم المجتمع البرجوازي مثل مبدأ الانضباط بالوقت واستثماره، وشرط المنافسة الذي يطور الشخصية الفردية والإنتاج[16].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

في مثل هذه البيئة الفكرية، تمثلت المصادر الفلسفية للوكاش الشاب في كل من الفلسفة المثالية اليونانية، والفلسفة المثالية الكلاسيكية الألمانية، ولا سيما النزعة النقدية والتراجيدية الكانطية، وفلسفة التاريخ والمنهج الديالكتيكي عند هيغل، فضلًا عن النزعة الوجودية (Existentialism) عند سورين كيركيغورد (Kierkegaard Soren، 1813-1855)، والفينومينولوجيا التي عاصر لوكاش بدايات تشكلها في فكر إدموند هوسرل (Edmund Husserl، 1859-1938). وتأثر، في بداية القرن العشرين، بأفكار الممثلين الرئيسين لما عرف آنئذ بـ"علوم الروح" (Geisteswissenschaften)، أي العلوم الإنسانية، وهم كل من: ڤيلهلم دلتاي (Wilhelm Dilthey، 1833-1911) وجورج زيمل (Georg Simmel، 1858-1918) وماكس ڤيبر (Max Weber، 1864-1920)[17]. ومن ثم، أصبحت مؤلفات لوكاش الشاب تتسم بخصائص عديدة ومتفاوتة، يمكن إجمال أبرزها فيما يأتي:

العناية بظاهرة التمزق الاجتماعي

ضمن هذا الإطار، يعرّف لوكاش الشاب الرواية بأنها تعبير عن سؤال "ما هو الإنسان؟" بعد أن صدر عن علاقات الزمن والإنتاج والآلة زمنٌ إنساني مغاير للزمن الديني، الذي يعالج الأرواح المجردة بأدوات لا تقبل التحديد والقياس. وتعني ظاهرة التمزق (Fragmentation)، عند لوكاش، تفكك علاقة الإنسان بذاته، وتفتت روابطه الاجتماعية بغيره، وعلاقته بالطبيعة، أي بروز ظاهرة التفكك على المستوى الاجتماعي، حتى باتت تدمغ العالم الرأسمالي من جراء أنماط الحياة الصناعية، إلى جانب وجود فصام ذاتي يصدع نفسية الفرد، أو الذات الفردية، ويهشم صلاتها الاجتماعية بغيرها من الذوات الفردية والموجودات الطبيعية عامة. فقد تمكن لوكاش الشاب من تلمس عملية التفكك الاجتماعي، الناتجة عن الترشيد الرأسمالي لنشاط العمل، بوصفه تدميرًا لإمكانات التعبير الذاتي عند الفرد، ورأى أن تزايد تقسيم العمل المتزامن مع الترشيد، أي العقلانية، يفضي إلى تفسخ المجتمع إلى رعايا مفتتة ومستوحِدة، إذ تفضي العقلانية إلى انشقاق داخلي للفرد عن عالم خارجي صار عنه غريبًا، دون روابط تجمع بين ميوله الفردية والتزاماته الاجتماعية. أما تقسيم العمل فيتسبب في تآكل القناعات الجماعية المشتركة، ما يعني خسران الفرد للمشتركات القيمية والاجتماعية التي كانت تجمعه بغيره من أفراد المجتمع قبل الثورة الصناعية. فأضحى الفرد والمجتمع الرأسمالي يعانيان أزمة ثقافية تتجسد في ظاهرة التمزق الفردي والاجتماعي، لأنه مع تنامي العقلانية وتقسيم العمل، لم تعد المؤسسات الاجتماعية تستطيع أن تعبّر عن قناعات وقيم مشتركة[18]. ومن ثمّ، يتبين تأثر لوكاش فكريًا بنظرية ڤيبر واعتقاده بدور الوعي والمعتقدات الثقافية في إحداث عملية الانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث[19].

الحنين إلى الماضي

في كتاب لوكاش الروح والشكل يتناول وضعية التفكك التي يعيشها المثقف، أو إنسان التنوير الأوروبي، بين فكر مثالي وفكر واقعي معيش، ويشير إلى "الرغبة في التوحيد بينهما [...] في ماهية واحدة هي الشكل (Form)، وفي تركيب أعلى هو تحقق الروح"[20]. فحنين لوكاش الشاب إلى الماضي يجد صداه في تركيزه على الوحدة العضوية (organic unity) بين الفرد الحر بذاته، وقدرته على التعبير عن ابداعاته الفنية، مثلما كانت هذه الوحدة سائدةً في اليونان القديمة وعصر النهضة الأوروبية. فنظرًا إلى أن الرأسمالية الصناعية جعلت الفرد والمجتمع ممزقَين، يلجأ لوكاش، للتخلص من ظاهرة التمزق، متأثرًا بفيودور دوستويفسكي (Fyodor Dostoevsky، 1821-1881)، إلى إمكان تحقيق الفرد لذاته وسعادته من خلال العيش في المجتمع المحلي (أو الأهلي)، حيث يتصالح الفرد مع نفسه، ويندمج روحيًا في مؤسساته، ويمكنه التعبير عن قدراته الذاتية بواسطة وسائل مملوكة جماعيًا[21].

ويعالج لوكاش مسألة الجمال بوصفها متمحورة حول موقف أخلاقي من الحياة والمجتمع الرأسمالي. ويتجلى هذا الموقف في الثنائية القائمة ما بين المستوى التجريبي لحياة الفرد، حيث تكون حياته حسية عديمة الشكل أو المعنى، والمستوى الجوهري لحياته، حيث يعيش حياة تتحد فيها الماهية بالشكل، إذ توضع الأسئلة القصوى لحياته وقيمها العليا. ويتمثل هذا الشكل الذي يبحث عنه لوكاش في مفهوم البنية في العلوم الاجتماعية الحديثة. فالحياة الحسية لا تعي ذاتها، لأنها في مرحلة الوعي الطبيعي، فتتخذ أشكالًا فردية عديدة ومتفاوتة، على حين أن الحياة الجوهرية تعي ذاتها بذاتها، أي إنها في مرحلة الوعي بالذات[22]. وتتمثل مهمة الأدب والأديب على نحو خاص، في مسألة اتحاد الماهية بالشكل في وحدة عضوية واحدة. فالأدب، في رأي لوكاش، مطالب بالتعبير العميق عن التجارب المعيشة عند الإنسان المعاصر. إذ ينبغي للشكل الأدبي أن يتمكن من الارتقاء إلى دور الوساطة والمصالحة بين تلكما الحياتين. فالأشكال الأدبية المتنوعة، مثل: الشعر والنثر والنقد الأدبي والمقالة، يعبر كل منها عن مضامين نفسية في الحياة المجتمعية. وتتمثل مهمة الأديب في ربط كل شكل بالمضمون النفسي الذي يتجاوب معه، والعكس، أي ربط كل مضمون نفسي بالشكل الأدبي. ويتحقق هذا التصالح على مستوى الحياة الحسية الفردية، لأن هذه الحياة لا تعلو بذاتها، بل يمكن الارتقاء بها إلى مستوى الحياة الجوهرية بواسطة النقد الأدبي. فثم تجارب إنسانية عميقة لم يستطع الأدب والفن والشعر التعبير عنها حقًا، وهذا يتعلق بالإدراك العقلي والتصوري من حيث هو تجربة وجدانية معيشة، أي بوصفه حقيقة مباشرة. فالأمر هنا يتعلق بتصور للعالم في شكله الخالص والمكشوف. وهذا التصور هو فعل للنفس وقوة محركة للحياة، يعبر عنه في الأسئلة الآتية: ما الحياة؟ ما الإنسان؟ ما القدر؟[23]

طوباوية لوكاش الشاب

تتجلى طوباوية لوكاش بمعنى مزدوج: فهي، من ناحية، طوباوية تراجعية وميثولوجية، مبعثها الاهتمام بالإغريق والحنين إلى عصرهم، حيث الملحمة والتراجيديا والأسطورة، والوحدة بين الفرد والمجتمع، بين الذات والموضوع، وهي، من ناحية أخرى، طوباوية مستقبلية ثورية، استلهمها لوكاش من أعمال دوستويفسكي وحلمه بمجتمع عادل. ما يفسر رفض لوكاش للمجتمع البرجوازي بوصفه مجتمع غياب المعنى عن الحياة، وغياب الكلية المجتمعية السعيدة والخلاقة للأشكال. وقد استلهم لوكاش هذه الطوباوية المستقبلية من الرؤية التراجيدية الكانطية أيضًا، أي إبراز تناهي الكائن البشري (الموت)، وحدوده المعرفية النظرية بوصفها حقيقة وحيدة، وبناء المجتمع الفردي على أساس النزعة الفردية بوصفها قيمةً مطلقة وأساسًا للحياة الفردية، ومن ثم، حجب هذه الرؤية التراجيدية عن أعين أفراد المجتمع البرجوازي، وجعلهم يعيشون في تفاؤل وطمأنينة منذ أواخر القرن التاسع عشر. فعودة لوكاش إلى الفلسفة الكلاسيكية الألمانية عامة، ولا سيّما الفلسفة الكانطية، جعلته يدرك زيف نمط الحياة البرجوازية، ويشعر بقرب وقوع الكارثة، أي انهيار الحضارة الغربية[24].

هذه المنابع الفكرية جعلت لوكاش، مستندًا إلى قالة يوهان فيشته (Johan Fichte، 1762-1814)، يصدر حكمه القيمي على عصره بوصفه "عصر الخطيئة المطلقة"، ففي مثل هذه البيئة وقيمها البرجوازية صاغ نظرية الرواية، من موقف النخبة المثقفة ورفضها الانخراط في الحرب العالمية الأولى[25]. وسأل لوكاش: كيف يمكن للحياة أن تصير حياةً جوهرية؟ وكان جوابه، وفقًا لقراءة دراج: "حين يقرأ الإنسان العادي في كتاب الحياة ذاته بوضوح. ولن تكون الرواية، التي صعدت في عالم حديث هجره الله، إلّا كتاب الحياة المفقود، الذي يضع الوضوح في البصيرة بعد أنْ تداعى في الحياة"[26].

أعماله الفلسفية والأدبية بعد العام 1918

في هذه المرحلة من حياته ألف لوكاش عمله الفلسفي المركزي: التاريخ والوعي الطبقي، إضافة إلى مؤلفاته الأدبية بعد عام 1928. وفي سياق محاولته فهم الجذور الثقافية للنازية الألمانية، انتقد الحداثة الأوروبية، ولا سيما المدرسة التعبيرية الألمانية، لما يتسمان به من لاعقلانية ونزعة ذاتوية وطوباوية. وأكد على أن التيارات الفلسفية غير الماركسية عامة، ولا سيما الحركة الطليعية الحديثة، أسهمت في خلق البيئة الفكرية والثقافية الملائمة لنشوء الأيديولوجية الفاشية في أوروبا. وكان البديل الذي قدمه لوكاش شكلًا من أشكال الواقعية النقدية (critical realism)، التي تتمثل أفضل تمثيل في أعمال أونوريه دي بلزاك (Honoré de Balzac، 1799-1850)، وتولستوي(Leo Tolstoy، 1828-1910)، وتوماس مان (Thomas Mann، 1875-1955)[27].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وقد شهدت الفترة الزمنية الواقعة بين عامي 1930، و1945 تراجعًا لافتًا فيما يتعلق بإنتاجه العلمي المنشور. فقد اقتصر عمل لوكاش، في الغالب، على مقالات وكتيبات متفرقة. أما الكتاب الوحيد الذي صدر له في الاتحاد السوڤياتي فكان دراسة متخصصة بالألمانية عن الأديب غوتفريد كيلر (Gottfried Keller، 1819-1890)، نشرها عام 1940. وأنجز مؤلفه هيغل الشاب الذي لم ينشر إلا في عام 1948، وأتم مخطوطة كتابه عن غوته، غير أن مفوضية الشعب للشؤون الداخلية صادرتها عام 1941، بعد أن اعتقلته قرابة 3 أشهر في العام ذاته، ولم يعثر على هذه المخطوطة إلى يومنا هذا[28].

بعد عودته إلى بودابست عام 1945، شرع لوكاش في بناء منظوراته المعمقة حول علم الجمال الماركسي، ونظريته في الانعكاس الجمالي بوصفها تجسيدًا للواقعية الاشتراكية في الفن والأدب. ومن أبرز إسهاماته النوعية في النقد الأدبي، كتابه: معنى الواقعية المعاصرة Meaning of Contemporary Realism (1957)، وكتابه: خصوصية الجمالي The Specificity of The Aesthetic (1963)، وكتابه: الواقعية في عصرنا Realism in Our Time (1964). وقد سعى، في مجملها، إلى مواجهة أشكال الاغتراب والانحطاط الروحي (الفني)[29]. وتمتاز أعماله الفلسفية والأدبية هذه بعنايتها العميقة بموضوعات متنوعة ومتداخلة، ويمكن إجمال أهمها فيما يأتي:

التاريخ بوصفه وحدةً شاملة

يعد التاريخ موضوع إشكالية فلسفية ونظرية عند لوكاش، تتجلى في السؤال الآتي: كيف يمكن تمثُّل الواقع في وحدته وصيرورته، مع تجنب الوقوع في المثالية والوضعية (positivism) معًا؟ فالتاريخ من ناحية، يجسد النتاج المباشر غير المدرك لأنشطة الناس وعلاقاتهم، ومن ناحية أخرى. يشكل وحدةً كلية (بنية شاملة أو عالمية) في حالة صيرورة، فالتاريخ ليس تتابعًا تجريبيًا للأحداث، أو تقابلًا للوقائع الآنية فحسب، كأنها أحداث أو وقائع خاصة معزولة لا صلة بينها، وفقًا للمنظور البرجوازي، بل إنه ذلك النسق من العلاقات المتغيرة باستمرار، التي تجسد سلسلة التطورات الخاصة بأنشطة الناس أنفسهم، وصلات الإنسان مع ذاته، والطبيعة، والناس الآخرين. ومن ثَمّ، يصبح التاريخ من زاوية النظر هذه "حقيقة تاريخ الإنسان، إذ لا يظهر فيه شيء من الآن فصاعدًا إلا ويمكن إعادته إلى صلات الناس فيما بينهم، بوصفها الأساس الأسمى لكيانه وتفسيره"، لأن الإنسان "مقياس لكل الأشياء الاجتماعية"[30].

فللتاريخ، من وجهة نظر لوكاش، غاية موضوعية تنتهي إلى بناء المجتمع الاشتراكي، لأن التاريخ من صنع الإنسان وإبداعه في آخر المطاف. ولا يتناول لوكاش التاريخ المعيش دون العناية بالوعي، بل التاريخ المحقق بواسطة ذات جماعية كلية، تعي ذاتها الشاملة، وتعي العالم في كليته. وينتقد لوكاش الاتجاهات الوضعية والمثالية والطوباوية، في تفسيرها للتاريخ والظواهر الاجتماعية. فالوضعية تقدس الواقع ومعطياته، وتتجاهل التاريخ، بوصفه مكونًا جوهريًا للحياة الإنسانية. وينتقد الاتجاه المثالي الهيغلي، والطوباوي عند دوستويفسكي، وإرنست بلوخ (Ernst Bloch، 1885-1977)، لأن هذه المنظورات، في رأيه، أشكال للتفسير المتعالي للتاريخ فحسب، وقد تجاوزها ماركس إلى تاريخ الممارسة البشرية[31].

وامتاز لوكاش عن الجيل الثاني من الماركسيين، مثل الاشتراكيين الديمقراطيين الألمان والاشتراكيين الثوريين والماركسيين السوڤيات، الذين يشددون على أهمية تأثير الاقتصاد والسياسة، بوصفهما العاملين الرئيسين لتحريك الظواهر الاجتماعية. أما لوكاش فلا ينظر إلى النظام الرأسمالي من زاوية أنه امتداد للعقائد الاقتصادية والسياسية فحسب، بل تتميز دراساته بمعالجتها لأي ظاهرة في سياق علاقتها الكلية بالظواهر الاجتماعية والثقافية، فضلًا عن تناول أبعادها الفلسفية والسياسية. ففي بداية عشرينيات القرن العشرين، ركز لوكاش على تطوير أبعاد فلسفية واجتماعية وسياسية للنظرية الماركسية، قبل أن يعود إلى التحليلات الثقافية أواخر العشرينيات. فقد اغتنت دراساته الأدبية المبكرة، مثل الروح والشكل ونظريةالرواية، مع انعطافه نحو اعتناق الفكر الماركسي، فصار يستعمل مفاهيم أخرى، مثل نمط الإنتاج، والصراع الطبقي، وتحليل ماركس لرأس المال، إذ إنها توفر الأساس الاقتصادي لدراساته الاجتماعية- الثقافية. ومن ثَم، بات يفسر تطور مسار التاريخ (أو السيرورة التاريخية) من زاويا متعددة ومتلازمة، في ضوء العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بعيدًا عن بدور العامل الاقتصادي[32].

فمن وجهة نظر لوكاش، ثم علم تاريخي وجدلي واحد يدرس تطور المجتمع في كليته. ومقولة "الكلية" (totality) هنا تمنح هذا العلم مبدأه الثوري، فهي المنظور الذي يبحث عن الوحدة الكامنة وراء تعدد الظواهر والبنى الاجتماعية وتنوعها، وإجلاء مجرى التاريخ وسط تعاقب الأحداث والوقائع. ما يعني أن هذه المقولة تمنح علم التاريخ القدرة على بلوغ تصور شامل للأشياء والظواهر، وفقًا لما يشتمل عليه المجتمع الرأسمالي من بنى اقتصادية، ومؤسسات سياسية، ترتبط بأشكال الوعي السائدة والعلاقات الاجتماعية القائمة في المجتمع. فـ"الكلية" تمنح موضوع التاريخ وحدته، وتمكن الذات من الوعي بنفسها، فهي وجهة نظر البروليتاريا، وقد اكتمل وعيها بذاتها، وبالمجتمع الذي تسعى إلى تغييره[33].

منظوره إلى التشيؤ

يستند مفهوم التشيؤ (reification)، في رأي لوكاش، إلى فكرة أن العلاقة بين البشر تكتسب طابع الشيء، أي خصائصه المادية، فتصبح هذه العلاقة الاجتماعية ذات موضوعية شبحية أو زائفة ومستقلة بذاتها، إذ تبدو صارمةً في عقلانيتها وشاملةً إلى حد يخفي كل أثر لطبيعتها الأساسية، أي بوصفها علاقة بين البشر. وينطلق لوكاش من فكرة ماركس بشأن صنمية السلْعة (commodity fetishism)، إذ إن شكل السلعة وتبادلها التجاري ليس مسألةً تخص البروليتاريا وحدها، ولا هي ظاهرة اقتصادية محدودة، بل إنها خاصية بنيوية لعصر الرأسمالية الحديثة بأسره، والمدخل الرئيس لفهم الأيديولوجيا الرأسمالية، وتفسير طابعها الكلي، الذي يشمل البنى الموضوعية للنظام الرأسمالي، مثل: السوق ورأس المال، بالتوازي مع البنى الذاتية، مثل الوعي والشعور بالاغتراب والثقافة[34]، ويمكن الحديث عن التشيؤ عند لوكاش في أربعة محاور: 

أولًا: التشيؤ بوصفه نتاجًا لسلْعنة العمل

يرى لوكاش أن تشيؤ العمل، ومن ثم، تشيؤ وعي العامل، كانا في طور النشوء والتبلور في المجتمعات ما قبل الرأسمالية، فهذه المجتمعات شهدت القمع، والاستغلال، وازدراء كل كرامة إنسانية، مثل استعمال العبيد في شق قنوات الري في مصر وآسيا الوسطى، والمناجم في روما. ومع ذلك، لم تشتمل هذه المشاريع مكْننة عملية الإنتاج عقلانيًا ومنهجيًا. فلم يصل التشيؤ إلى ذروته إلّا في المجتمع الرأسمالي الحديث، مع ظهور العامل القادر على بيع قوة عمله في السوق، بوصفها سلعةً "تخصه"، وشيئًا "يملكه". وحين تغدو السلعة هي الشكل المهيمن على عملية الإنتاج والتبادل التجاري على نحو شامل، "يتغير الوضع جذريًا، فمصير العامل يصبح مصير المجتمع كله"[35].

فلوكاش يتفق مع ماركس على أن ظاهرة التشيؤ قد اكتملت صورتها مع عقْلنة الإنتاج، وتطور تقسيم العمل في النظام الرأسمالي. فمن ناحية، تجزأ عملية الإنتاج والعمل على نحو متزايد إلى عمليات مختصة ذات طابع مجرد وعقلاني، يفقد فيها العامل صلته بالمنتج النهائي، ويختزل عمله إلى تكرار ميكانيكي لمجموعة مختصة من الأعمال. ومن ناحية أخرى، نجد أن الزمن اللازم لإنجاز العمل، ومع اشتداد المكْننة وتصاعد العقْلنة، يُحول من متوسط تجريبي فحسب، أي من معدل تقريبي يقوم على الخبرة والمهارة، إلى مدة عمل محددة ومحسوبة بدقة وموضوعية، تواجه العامل بوصفه واقعًا ثابتًا ومفروضًا عليه سلفًا[36]. ما يعني أن علاقة المنتجين (العمال) بمجموع عملهم الخاص تبدو مثل علاقة قائمة خارج إرادتهم، أي بوصفها صلةً بين أشياء. لذا، تصبح نتاجات العمل سلعًا، ويتحول نشاط الإنسان ذاته، أي عمله، إلى شيء موضوعي مستقل عنه، محكوم بقوانين خاصة غريبة عنه. ولهذه الظاهرة جانب موضوعي وآخر ذاتي: فمن الناحية الموضوعية، ينشأ عالم من الأشياء والعلاقات بين الأشياء، أي عالم السلع وحركتها في السوق، إذ يكتشف الإنسان القوانين التي تحكم هذا العالم تدريجيًا، غير أنها تواجهه بوصفها قوى خفية ذات قدرات خاصة تفرض سلطانها عليه. أما من الناحية الذاتية، يغترب نشاط الإنسان (عمله) عن ذاته، ويتحول إلى سلعة خاضعة لموضوعية غير إنسانية، أي لقوانين اجتماعية طبيعية، فتسير قوة عمله في مسارها الخاص مستقلةً عن الإنسان نفسه، شأنها شأن أي سلعة استهلاكية أخرى[37].

ثانيًا: التشيؤ بوصفه تفكيكًا لذات الإنسان

إن تقسيم موضوع الإنتاج، إلى خطوط عديدة ومختصة للسلعة الواحدة، يقتضي بالضرورة تفكك ذات المنتج (العامل) أيضًا. فمع عقْلنة عملية العمل، لا يبدو الإنسان أنه السيد الحقيقي لهذه العملية، لا من الناحية الموضوعية ولا في علاقته بعمله، بل على العكس، يُختزل الإنسان إلى جزء ميكانيكي مدمج في منظومة ميكانيكية، تعمل مستقلة عنه، وعليه الامتثال لقوانينها. ومع تزايد عقْلنة العمل ومكْننته، يزداد ضعف إرادة العامل، فتصبح أنشطته أقل فاعلية، وأكثر سلبيةً وتأملية تدريجيًا. ولا بد لهذا الموقف التأملي أنْ يحدث تغييرًا في المقولات الأساسية التي تشكل موقفه وعلاقته بالعالم، لأن الإنسان نفسه بات يعيش في وسط تحول فيه كل شيء، بما فيه الزمان والمكان، إلى فضاء مادي مجرد قابل للحساب والقياس[38]. وفي هذا الوسط، الذي تسوده عملية تجزئة قطاعات الإنتاج وانعزال بعضها عن بعض، يتعين على العامل، شأنه شأن غيره من مالكي السلع، أن يقدم نفسه بوصفه "مالكا" لقوة عمله، كأنها سلعة. وتحدد وضعيته الخاصة وفقًا لحقيقة أن قوة عمله هي ملكيته الوحيدة. لذا، يصبح مصيره هو ذاته مصير المجتمع بأسره، من زاوية أن هذا التموضع الذاتي، أي تحول وظيفة إنسانية ما إلى شيء موضوعي قابل للبيع والشراء. وتنزع هذه العلاقة السلعية الطابع الإنساني من الإنسان، وتحوله إلى عنصر اقتصادي في عجلة الإنتاج حسب[39]، فيصبح وجدان الإنسان وعلاقاته بأقرانه شيئًا ماديًا، يخضع لسيطرة قوانين خارجية وموضوعية، مثل قوانين الإنتاج والسوق، وقوانين العرض والطلب، تجسد بالضرورة عقيدة الطبقة المهيمنة[40].

ثالثًا: التشيؤ بوصفه ظاهرةً شاملة

يرى لوكاش أن التشيؤ، بوصفه النتيجة التاريخية لعقْلنة العالم وفقًا للرأسمالية، يشكل ظاهرةً كلية لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تتعداه إلى الحياة اليومية في المجتمع البرجوازي، بما فيها الطبيعة الجسدية والنفسية للإنسان، فيغدو البشر كيانات مشيأة. فتحول العلاقة السلعية إلى شيء ذي موضوعية شبحية أو زائفة يطبع بصمته على وعي الإنسان بأسره، فلم تعدْ خصاله وقدراته جزءًا عضويًا من شخصيته، وإنما غدتْ أشياءً يمكن أنْ "يمتلكها" أو "يتصرف فيها" على غرار مختلف الأشياء والموضوعات في العالم الخارجي. وليس ثمّة طريقة يستطيع الانسان من خلالها أنْ يفعّل خصائصه الجسدية والنفسية، دون أن تخضع على نحو متزايد لهذه العملية التشيئية، بما في ذلك العلاقة الزوجية. إذ يصبح الزواج، وفقًا لتعبير إيمانويل كانط (Immanuel Kant، 1724-1804)، "اتحادًا بين شخصين من جنسين مختلفين، بغية التملك المتبادل لخصائصهما الجنسية مدى حياتهما"[41].

فالتشيؤ ظاهرة كلية تحيط بمجمل الوجود الاجتماعي، حتى تجعله يبدو حقيقيًا في نظر الإنسان. فهي تخفي واقعًا آخر يكمن في أعماق الوجود الاجتماعي، ولا يستطيع الإنسان أن يدركه مباشرةً، بسبب الوهم الناتج عن التشيؤ على مستويين: ففي الأول توجد الأشكال الصنمية للوهم الذي يخفي الواقع، إذ يظهر بأشكال متفاوتة ومتمثلة في (وقائع، وأشياء، ومواضيع)، تبدو موضوعية، أي مستقلة عن وجهة نظر الناظر إليها، ومستقلة عن التاريخ، أي ثابتة وصنمية. أما في المستوى الأخر فثمة طبقة من الوهم أعمق، تصيب معارف الإنسان عن علاقات هذه الأشكال المتفاوتة ببعضها، أي ما يحوزه من علوم ومعارف، مثل الاقتصاد السياسي، والاجتماع، والتاريخ مثلًا، إذ يظن أنها معرفة موضوعية أيضًا، وأنها نهائية وغير قابلة للتبدل. وحين تُردّ هذه الأشكال وعلاقاتها إلى الكلية التاريخية، أي إلى وحدة الواقع الكامن وراءها، ويربطها الإنسان بسياقها التاريخي، تفقد مظاهر التشيؤ موضوعيتها الزائفة، ويتلاشى الوهم بطبقتيه كلتيهما في ذهنه. فمظاهر التشيؤ تتكشف بوصفها في حالة تفاعل متبادل، وتتغير باستمرار مع تغير علاقاتها بالكل الاجتماعي- التاريخي. والعلاقات بين أشكال التشيؤ التي يُظن أنها قوانين ثابتة تتحكم في وجود الإنسان، ليست سوى عقيدة تخص الطبقة المهيمنة (البرجوازية)[42].

والتشيؤ في شكله الاقتصادي ليس إلا مظهرًا واحدًا، من بين مظاهر عدة لظاهرة اجتماعية واحدة وشاملة تجسد البنية العميقة للرأسمالية التي تتغلغل في أنشطة الحياة الإنسانية جميعها، مثل البيروقراطية، والقانون، والدولة، والصحافة، والفن، بهدف إبعاد الإنسان عن إدراك الوجه الحقيقي للعلاقات القائمة في المجتمع البرجوازي، أي الهيمنة الاقتصادية والأيديولوجية التي تفرضها الرأسمالية على جميع تفصيلات الحياة، والتي تختفي وراء بنية التشيؤ ذاتها. ففي كل من تلك الأنشطة وغيرها، يُفصل الإنسان عن ملكاته وقدراته الذاتية، فتغدو سلعًا قابلة للبيع والشراء في السوق، لكي تصب في خدمة النظام الرأسمالي واستمرارية هيمنته[43]. ويمكن تبيان ذلك وفقًا لأمثلة عدة تناولها لوكاش، وأبرزها ما يأتي:


  1. على صعيد الصحافة

تتجلى ظاهرة التشيؤ بأقصى درجات الفجاجة والتشويه في مجال الصحافة، إذ يختزل البعد الذاتي لشخصية الصحفي، أي معرفته، وطبعه أو تكوينه الوجداني (temperament)، وقدراته الذاتية على التعبير، إلى آلية مجردة تعمل مستقلة بذاتها، ومنفصلة عن مجمل شخصيته من جهة، وعن الطبيعة المادية الملموسة للموضوعات التي يتناولها من جهة أخرى. إذ إن "افتقار الصحفي إلى القناعات، وبيعه لخبراته ومعتقداته كأنها سلعة، لا يمكن فهمه إلّا بعدّه الذروة القصوى للتشيؤ الرأسمالي"[44].

  1. على صعيد الأدب

يكشف لوكاش عن مفهوم فرعي يتجلى في المجال الأدبي، بوصفه صورةً خاصة من التشيؤ، وهو "رسْملة الروح" (Capitalization of The Spirit). ويعني به تحول الأدب والأيديولوجيا إلى سلْعة. وقد تناوله في سياق تحليله لأفكار بلزاك، ضمن ثلاثيته الروائية (الأوهام المفقودة) Lost Illusions التي نشرت بين عامي 1837، و1843، إذ بين الصورة التي رسمها بلزاك بشأن عملية تحول الأدب إلى سلعة: فبدءًا من إنتاج الورق، إلى قناعات الكتاب وأفكارهم، وأحاسيسهم، "كل شيء أصبح سلعة"، بما في ذلك الصحافة، والمسرح ودور النشر. ففي مثل هذه البيئة، يغدو الصحفيون والكتاب موضوع الاستغلال، "فقدراتهم تصير سلعًا ومادة مضاربة من أجل رأسمالية الأدب."[45]. وليس أمام المرء إما الاستسلام والانكفاء على ذاته وحياته الخاصة، أو الانخراط في عملية الاستغلال هذه، على النحو الذي يخسر الكاتب قناعاته ويميل مع كل ريح تهب على المجتمع، ما يجعله غارقًا في الانحطاط المعنوي وعرضةً لاستغلال القوى الرأسمالية[46]

  1. على صعيد البيروقراطية

يعمق تقسيم العمل والتخصص الوظيفي التشيؤ في وعي العامل، من خلال الفصل بين قوة عمله وبين قدراته الفردية وحاجاته، وتحويل قوة العمل إلى شيء يبيعه في السوق، ويحدث هذا التقسيم الأثر ذاته في البيروقراطيين. ولا يقتصر الأمر على الطابع الآلي الخالص، أو المفرغ من العقل، لأعمال صغار الموظفين في الجهاز البيروقراطي، والتي تحمل شبهًا استثنائيًا بتشغيل الآلة، بل الشبه كثيرًا ما يتعدى ذلك ليبلغ درجة التطابق التام في أداء الأعمال، والخواء أو العقم الفكري. فظاهرة التشيؤ في حالتي البيروقراطية والمصنع ظاهرة واحدة في جوهرها، فهي تعني انتزاع جزء من الذات الإنسانية، أي قدرتها وملكتها ذاتية، وتحويله إلى شيء غريب عن مالكها[47]. ففي حالة البيروقراطية وتأكيدها على قيم مثل "الضمير البيروقراطي"، أي الاستقامة الوظيفية، فضلًا عن الحياد، والخضوع التام للنظام، وأن الشرف والإحساس بالمسؤولية يتطلبان من البيروقراطي هذا الإذعان المطلق، كل ذلك يبين أن تقسيم العمل، والتخصص الأحادي الجانب، بات يسيطر على النفس البشرية، ويحكم قبضته على أخلاق الفرد أيضًا، على النحو الذي يعزز تشيؤ الوعي. وهنا، يتفق لوكاش مع ماركس على: "أن صعود الرأسمالية أوجد بناءً اقتصاديًا موحدًا، ومن ثم، بنيةً شكلية موحدة للوعي تشمل المجتمع بأسره"[48].

  1. على صعيد القانون

يظهر التشيؤ في حقل القانون أوضح مما في الاقتصاد، لأن التشيؤ هنا يتخذ طابعًا واعيًا ومباشرًا. فالمسألة لا تقتصر على حساب عقلاني للأشياء يوازن بين قيمتها الاستعمالية وقيمتها التبادلية، على غرار الاقتصاد، بل المسألة تجسدت، ابتداءً، في الصراع بين الشكل والمضمون. فالبرجوازية في مرحلتها الثورية، في أواخر القرن الثامن عشر، بنت مشروعها على فكرة القانون الطبيعي، مفترضةً أن المساواة الشكلية بين الأفراد وعمومية القانون كفيلتان بإضفاء مضمون عقلاني على القانون. ومن ثمّ، شنت البرجوازية هجومها على الامتيازات الطبقية الموروثة من العصور الوسطى، وعلى مبدأ الحق الإلهي للملوك، رافضةً الاعتراف بأن العلاقة القانونية تستمد مشروعيتها بحجة أنها قائمة واقعيًا، بل عدت العقل مصدرًا للتشريع[49]. غير أن هذا التصور ما لبث أن تراجع بعد الثورات البرجوازية واستقرار أنظمتها السياسية، إذ برزت في الفقه القانوني رؤى أخرى نقدية- تاريخية، على غرار ما عند غوستاف هوغو (Gustav Hugo، 1764-1844) وفريدريش يوليوس شتال (Friedrich Julius Stahl، 1802-1861)، تؤكد أن مضمون القانون لا يستقى من شكله العام والمجرد، ولا من العقل، بل هو انعكاس مباشر للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية الفعلية. ومن ثم، لم يبقَ من مبادئ القانون الطبيعي سوى استمرارية شكله الصوري، فيما تحول القانون إلى منظومة شكلية محضة، أي أداة حسابية تضفي الشرعية على الوضع القائم، ويحدد النتائج القانونية للأفعال كأنها معادلات رياضية، من دون أي مضمون إنساني أو عقلاني[50]. فالتشيؤ يتجسد هنا في انفصال شكل القانون عن مضمونه، إذ يبدو القانون كأنه واقع طبيعي- موضوعي قائم بذاته، على حين هو في حقيقته نتاج تاريخي للصراع الطبقي.

  1. خصوصية تشيؤ البروليتاريا

إن رؤية لوكاش إلى التشيؤ، وتجريد البروليتاري من إنسانيته، وتفتيت المجتمع من جراء التطور الصناعي الرأسمالي، لم تتولد عنده بتأثير قراءته لنصوص ماركس فحسب، بل نتجت من تأثره الفكري أيضًا، في مرحلة شبابه، بمفكرين ألمان آخرين مثل هيغل، ويوهان غوته (Johann Goethe، 1749-1832) والروائيين الواقعيين الفرنسيين مثل أونوريه دي بلزاك. فقد رسموا في سياق كتاباتهم ملامح الحياة المتنافرة الممزقة لأفراد المجتمع. فخلصوا إلى "أن المجتمع الرأسمالي مقبرة كبيرة للأصالة والعظمة الإنسانيتين الصريعتين. وأن الناس في المجتمع الرأسمالي هم، كما قال بلزاك في سخرية مرة، إما جباة أو غشاشون وبالتالي إما مستثمرون بليدون أو أوغاد"[51].

ويذهب لوكاش إلى أن فصل نتاج عمل الإنسان عن شخصيته، وتحوله إلى سلْعة، لا يؤدي إلى وعي ثوري إلّا في أوساط البروليتاريا. إذ إن بنية التشيؤ رغم أنها تشمل التشكيلات الاجتماعية للرأسمالية الحديثة جميعها، مثل البيروقراطية، لا تدرك إدراكًا كاملًا وواعيًا إلّا في موقع عمل البروليتاري وتجربته المباشرة في الإنتاج، إذ يتجلى الطابع السلعي للعمل في صورته المجردة، أي تحول عمله مباشرةً إلى سلعة لا تحجبها أقنعة مضللة، مثل المسؤولية، أو العمل الذهني، أو الاستقرار الوظيفي، مثلما هو الحال في الفئات الاجتماعية الأخرى. والاختلاف الجوهري بين البروليتاريا وغيرها من الطبقات والفئات الاجتماعية يكمن في أن البروليتاري، رغم ما يلاقيه من تجريد لإنسانيته وإفقار لحياته الروحية، تظل إنسانيته نفسها عصية على التحول إلى سلعة. ما يمكّنه من أن يواجه وجوده المشيأ مواجهةً واعية ذات طابع ثوري. على حين أن البرجوازي، أو الموظف في الجهاز البيروقراطي مثلًا، يعيش التشيؤ بوصفه جزءًا "طبيعيًا" من وجوده، بل تشيأ ملكاته وقدراته الفكرية بذاتها، فيستسلم للوهم بإمكان الارتقاء الاجتماعي إلى الطبقة المهيمنة، أي ينشأ عنده وعي زائف يمنع دون تشكل وعيه الطبقي الحقيقي. ومن ثَم، تصبح تجربة العمل للبروليتاري هي نقطة التحول الحاسمة، إذ يتغير عندها الوعي السلبي إلى وعي طبقي ثوري. ومن هنا، تبدأ البروليتاريا في الوجود بوصفها طبقة تاريخية فاعلة، واعية بذاتها، وقادرة على تجاوز بنية التشيؤ[52].

أهمية الوعي عند لوكاش

يرى لوكاش أن الإنسان لا يدرك حقيقة كينونته الاجتماعية إلّا في النظام الرأسمالي. ففي المجتمعات ما قبل الرأسمالية، مثل المجتمع الإقطاعي، "لم يكن الإنسان قادرًا على أن يعي ذاته كائنًا اجتماعيًا، لأن علاقاته الاجتماعية ذاتها كانت، من وجهات عدة، ذات صفة طبيعية، ولأن المجتمع ذاته، في مجموعه، لم يكن قد بلغ درجةً من التنظيم المتناسق والشامل لجوانبه جميعها، ودرجةً من الوحدة المحيطة في مجمل علاقات الإنسان بالإنسان، تكفي ليظهر المجتمع للوجدان على أنه حقيقة الإنسان"[53]. ومن ثم، "لا تبلغ المعرفة بالواقع الاجتماعي غاية التمام إلّا مع دخول البروليتاريا مسرح [التاريخ]. فمع بزوغ النظرة الطبقية للبروليتاريا، تكون قد وجدت زاوية النظر التي تجعل كلية المجتمع مرئية"[54].

حاول لوكاش بناء تفسير واقعي للنظرية الماركسية، والحؤول دون انزلاقها إلى حتمية اقتصادية تتجاهل حرية اختيار الفرد، من خلال محاولته الكشف عن قدرة الذات على الوعي بوضعها التاريخي، وأهمية هذه الذات الجماعية الواعية ودورها في إحداث التغيير المنشود، من خلال إدراك طبقة البروليتاريا للقوانين التي تهيمن على حياتها وعالمها المادي ومن هنا، يؤكد لوكاش أن الوعي الطبقي{{الوعي الطبقي (Class Consciousness): مفهوم ماركسي يشير إلى إدراك الطبقة الاجتماعية لمصالحها وموقعها في علاقات الإنتاج. ويعد شرطًا أساسيًا لتحرر البروليتاريا وتحقيق التغيير الاجتماعي.}} الحقيقي تجسيد للأفكار والعواطف ذات الصلة بأوضاع الطبقة الاجتماعية وظروفها، في سياق تطور عملية الانتاج، وليس حاصل جمع لما يفكر به ويحسه أعضاء الطبقة فردًا فردًا، بل إنه نتاج الأفكار والعواطف المشتركة التي تتكون في موقف اجتماعي معين، إذ يتمتع هؤلاء الأفراد بالقدرة على إدراك الموقف ذاته، والمصالح الناتجة عنه إدراكًا كاملًا، فضلًا عن فهم طبيعة البنية الاجتماعية المنسجمة مع هذه المصالح بوصفها كلًا[56]. ويرى لوكاش أن الوعي يمثل، نسبة إلى البروليتاريا، سلاحها الرئيس في صراعها ضد الطبقة البرجوازية والنظام الرأسمالي، بل "السلاح الفاصل دون أدنى شك". فالبروليتاريا، بعد حيازتها للوعي بدورها الحقيقي، ستغدو جوهر القوى المحركة للتاريخ، إذ تستطيع القيام بتفتيت الأيديولوجيا البرجوازية، وتطوير وعيها الخاص، حتى تجعل منه الوعي الاجتماعي السائد استنادًا إلى المادية التاريخية[57].

منظوره إلى علم الجمال

ينطلق لوكاش، في شرحه لعلم الجمال، من فكرة مفادها أن الإنسان لا يعيش في واقع مجزأ إلى عوالم متفرقة، بل يحيا في واقع موحد، ويتفاعل معه في كل لحظة، بوصفه كليةً واحدة، لذا، لا يمكن فهم الجمالي في عزلة عن مجالات حياة الإنسان المتفاوتة، بل ينبغي مقارنته على نحو دائم بالأنماط الأخرى من علاقة الإنسان بالعالم، مثل النشاط العملي، والعلم، والدين، والأخلاق، إذ يبنى علم الجمال تدريجيًا على أساس تحليل الفروق البنيوية بين هذه الأنماط المتباينة، وعلاقات الإنتاج السائدة. فالوعي الجمالي يتميز عن المعرفة العلمية والمواقف الأخلاقية والدينية، من خلال الطريقة التي يعيد بها الإنسان تشكيل الواقع ذاته. فالعمل الفني لا يعرض الواقع في صورته الفعلية (أي محاكاة الواقع)، ولا يهدف إلى تفسيره مباشرة، بل يعيد تشكيله عبر الرؤية الكلية الفنية، فيكشف عمّا يوجد فيه من إمكانات كامنة[58]. ويتكون منظور لوكاش إلى علم الجمال من عناصر رئيسة عدة، تتجلى في مجموعة مقولات فلسفية جمالية متلازمة، يمكن توضيحها فيما يأتي:

أولًا: في تنوع مفهوم الجمال ونسبيته

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

يتفق لوكاش مع توماس مان (Thomas Mann، 1875-1955)، في رباعيته الروائية (يوسف وإخوته) Joseph and his Brothers (1933-1934) على أن مفهوم الجمال أو الفتنة (Beauty) من أكثر المفاهيم غموضًا في اللغة والاصطلاح الفلسفي، إذ يضم معاني متفاوتة مثل: الجاذبية الجنسية (الجسدية)، والخداع، والمكر، والاحتيال. ويضيف لوكاش إلى ما سبق، غموض الطابع الزماني- المكاني للجمال في ذاته، وبتميز الإنسان بتنوع بيولوجي واجتماعي في آن واحد[59]. والجمال بوصفه الموضوع الرئيس لغالبية المنظورات الفلسفية المعنية بعلم الجمال، ليس خاصيةً ملازمة للإنسان منذ بداية وجوده. فمثل مثل التصور لا يمثل سوى ارتداد إلى تصور قديم، يعدّ الجمالي مبدأً قبليًا أو حقيقة أنثروبولوجية "أزلية" ملازمة للإنسان، على غرار الناقد الأدبي فريدريك أداما ڤان شيلتيما (Frederik Adama van Scheltema، 1884-1968)، لأن النظر إلى الأشكال البدائية للزينة، بوصفها شكلًا فنيًا خالصًا، يعد انعكاسًا لمراحل لاحقة من الفهم والمشاعر. فوفقًا للوكاش، تحدد الحالة التاريخية الراهنة للتطور الاجتماعي الجمال. فهو يؤيد منظور المؤرخ ليوبولد ڤون رانكه (Leopold von Ranke، 1795-1886) القائل إن أشكال الجمال متساوية بالقدر ذاته في حضورها المباشر أمام الإله، ولا يوجد ثم معيار موضوعي كي نحكم بموجبه على بعضها بالسلب وعلى بعضها الآخر بالإيجاب. لذا، ينبغي، في رأي لوكاش، ألّا يغيب عن أذهاننا حقيقة "أن النظريات الجمالية التي تأسست على مفهوم الجمال لم تنته إلى نسبية تاريخية مطلقة، بل على العكس انحدرت إلى دوغمائية متعالية على التاريخ. وهذه الحقيقة تمثل شاهدًا آخر على الغموض الذي لا يمكن تجاوزه في هذا المفهوم، إذا أردنا أنْ نحفظ له معناه الواسع في الحياة اليومية، مع جعله المبدأ الذي يحدد ما هو جمالي في الوقت عينه"[60].

ورغم إقرار لوكاش بنسبية مفهوم الجمال وغموضه، فإنه يكاد يقدم تعريفًا مباشرًا له، غير أنه يتفق مع الناقد نيكولاي تشيرنيشڤسكي (Chernyshevsky Nikolay، 1828-1889) على أن الجمال ليس وليد المخيلة الفنية وحدها، بل انعكاس لما هو جميل في الواقع الحي الموضوعي أيضًا. فعلى خلاف واقعية تشيرنيشفسكي المادية- الطبيعية، يعالج لوكاش الجمال في إطار جدلي- تاريخي، بوصفه نتاجًا لتفاعل الإنسان مع واقعه عبر الممارسة العملية والتاريخية. ويرى أن البحث عن الجمال ينبغي أنْ يتم في سياق الواقع المعيش (ما هو كائن)، لأن وجود الجمال مستقل عن وعي الإنسان، وليس من صنعه الذاتي (الفنان)، على خلاف ما ذهب إليه كانط، وليس نتاجًا لتجاوز الواقع المحسوس نحو مثال متعالٍ (ما يجب أن يكون) أيضًا، على غرار اعتقاد هيجل. فضلًا عن أن الجمال عند لوكاش ليس مقولة تخص الفن وحده، بل مقولة مركزية للحياة وللفن معًا. ومن أبرز سماته خاصية التناسب (proportionality)، لأنها مرتبطة بجدلية العلاقة بين الشكل والمضمون. فالفنان الذي ينجح في دمج شكل العمل الفني ومضمونه في كيان متكامل، يكون قد أبدع عملًا فنيًا جميلًا[61].

ثانيًا: البعد التاريخي للجمالي

في سياق تبيانه لكيفية نشوء الممارسة الجمالية في عالم الإنسان، يرى لوكاش أن هذه الممارسة لا يمكن اشتقاقها من مصدر واحد فحسب، لأن الجمالي ثمرة تركيب لاحق يتكشف تدريجيًا مع تطور مساره التاريخي. ومن النزعات الفاعلة في هذه السيرورة التاريخية، تبرز نزعة (أو غريزة) أو متعة الزينة والتزين، أو لذة الوجود في هيئة مزينة. والميل إلى التزين، بأوسع معانيه، يشمل تزيين جسد الإنسان والأدوات التي يستخدمها على حد سواء، بما فيه الزخارف والنقوش الداخلية والخارجية في الأبنية السكنية وغير السكنية، التي ظهرت في مرحلة لاحقة. فالقاسم المشترك بينها يتجلى في ارتباط الإنسان بشيء مادي واقعي، سواء أكان الشيء هو الإنسان نفسه أم أداة نافعة يستخدمها، خلافًا للحال في الفنون التشكيلية الصرفة، مثل الرسم والنحت، التي لا تكون لمادتها الخام أي صلة بحياة الإنسان خارج نطاق وظيفتها الجمالية المحضة، مثل اللوحة الفنية بوصفها قطعة قماش مدهونة بالألوان[62].

فالجمالي ليس ظاهرة مكتملة بذاتها منذ البداية، بل نتاج سيرورة تاريخية مركبة، يتداخل فيها ما هو غرائزي بدائي بما هو اجتماعي- تاريخي، ولا يمكن فهمه إلّا بتتبع المسار الذي حول الغرائز الأولية إلى وعي جمالي ذي طابع إنساني، إذ إن عملية تمايز الجمالي، وانفصاله التدريجي عن أنشطة الحياة اليومية، قد مرت بمراحل عدة: أولها مرحلة الزينة الجسدية ذات الطابع "التجميلي" (cosmetic)، إذ تتسم الزينة بأنها ذات منفعة مباشرة للإنسان. ثم انتقل الجمالي إلى مرحلة الأشياء الزخرفية (ornamental objects) التي تضاف إلى الجسد بقصد تزيينه، سواء أعثر عليها الإنسان أم صنعها. ويقع ضمن هاتين المرحلتين البدائيتين ما يظهره الحيوان غرائزيًا، من ألوان وروائح وأصوات، لإثارة إعجاب الجنس الآخر والتكاثر، وأشكال الزينة البدائية. وفي إثر ذلك، برزت مرحلة زخرفة الأدوات، التي استخدمها الإنسان في حياته اليومية، إذ بدأ الجمالي هنا بالتبلور بعدّه مبدأً مستقلًا بذاته، فتنقطع صلة الزينة بعالم الحيوان، ويبدأ ما هو خاص بالإنسان وعمله في فرض حضوره. ومن ثم، فقد تمخض الجمالي من تطور التقنيات الخاصة بالعمل، من خلال تراكم كمي تدريجي، أفضى إلى إنتاج أشياء تؤدي وظيفة جمالية خاصة بالإنسان[63]، فالعمل وإنتاج الإنسان للأشياء، له أو لغيره، يعد، وفقًا لهذا المنظور الماركسي، بمنزلة الحد الفاصل بين عالم الحيوان وعالم الإنسان. 

ثالثًا: وحدة الشكل والمضمون

لا يستند علم الجمال، سواء أكان في الحياة اليومية أم في الفن، إلى قيم جمالية أو أخلاقية ذات طابع مؤقت أو نسبي، بل يجب أن تكون أسس الجمال راسخة، تنبع من بنية الإنسان في جوهرها. وتكون هذه البنية، في رأي لوكاش، إما متمثلةً في طبيعة مثالية (متعالية)، على غرار أفلوطين{{أفلوطين (Plotinus، 204-270م): فيلسوف يوناني ومؤسس الأفلاطونية المحدثة رأى أن الوجود يصدر عن مبدأ أول مطلق هو "الواحد"، وأن الجمال انعكاس للعالم العقلي المتعالي. وتُعدّ «التاسوعات» المصدر الرئيس لفلسفته.}} (Plotinus، 204-270)، أو تشير إلى انسجام دنيوي (واقعي) داخلي، يكمن في الإنسان بذاته، ويلازم طبيعته الإنسانية. والمبدأ المحدد في كلا الحالين يظل متمثلاً في التناسب (أو الاتساق)، فهو لا يتعلق بالعناصر الشكلية المجردة للعمل الفني[64]، بل يشمل أيضًا الأبعاد الذاتية والفكرية والاجتماعية المصاحبة لرؤية الفنان، وهمومه وصراعات مجتمعه، أي العلاقات الجوهرية المصاحبة لوجوده البشري، فالتناسب هنا مرتبط بمعناه بوصفه قيمةً جمالية أو أخلاقية. فلوكاش يؤسس فهمه لعلم الجمال على أساس العلاقة المتبادلة بين الإنسان وبيئته الاجتماعية والتاريخية، ليس بقصد تفسير الأعمال الفنية، أو وضع معايير للحكم على قيمتها الجمالية، بل بهدف تفسير مصير الإنسان، واستعادته لإنسانيته الممزقة من جراء التشيؤ والتقسيم الرأسمالي للعمل، من خلال الكشف عن الدلالات الكلية لتاريخ الأعمال الفنية، أي ربط تاريخ الفن بالتطور الاجتماعي والإنساني الشامل[65].

فالعمل الفني يحتفظ بأثره الجمالي ومضمونه وإنْ مضى على إنجازه آلاف السنين. وقد يبدو للوهلة الأولى أن التأثير الجمالي الذي يمارسه العمل الفني على المتلقي قائم على أسس شكلية بحتة، غير أن الأساس الحقيقي لهذا التأثير يظل مشروطًا بوحدة الشكل والمضمون، أي الوحدة القائمة بين صورة العمل الفني وما يشتمله مضمونه الجمالي من أبعاد فكرية واجتماعية وتاريخية. فالشكل هنا يؤدي دور الوسيط المباشر بين العمل الفني والمتلقي. إذ يتأثر المتلقي أولًا بالشكل الخارجي، أي جاذبية الألوان، والايقاع، والتناسق البصري. لكن هذه التأثيرات الشكلية سرعان ما تدفعه إلى الاستغراق في المضمون الجمالي، حتى يظن المتلقي أنه كان منذ البداية واقعًا تحت تأثير هذا المضمون[66]. ومن هذه الزاوية، جاء في تعريف الفن، أنه نشاط إبداعي يكشف عن حرية الإنسان، ويعبر عن قدرته على تجاوز الواقع. ما يقتضي نفاذ المتلقي إلى صميم التعبير الباطني للعمل الفني، وإدراك ما فيه من عمق ومعنى، فضلًا عن الوقوف على كيفية صنعه، وأسرار صناعته. فالموضوع الجمالي ليس نقطة انطلاق لتحصيل معرفة موضوعية عن الواقع، وإنما هو العتبة الأولى لعملية وجدانية تكشف عن البعد الإنساني في العمل الفني ومدى تعبيره عن الواقع

نظرية الانعكاس الجمالي 

يرى لوكاش، مع الفلسفة الماركسية، أن الأدب انعكاس جدلي للواقع الإنساني، بكل ما فيه من تناقضات وبنى اجتماعية متفاوتة. وتصنف نظرية الانعكاس الجمالي (Aesthetic Reflection) ضمن تيار الأدب الواقعي، بوصفه أكثر الأشكال أهميةً وتقدميةً، عند لوكاش، إذ يعكس العالم المحيط بنا موضوعيًا، ويربط الأعمال الأدبية بالواقع الاجتماعي، وبخلفيتها الاقتصادية والاجتماعية. بيد أن هذا الانعكاس غائي بذاته، لأنه يرتبط بالمقاصد الواعية للأديب، بوصفه الوسيط بين الأدب والمجتمع[68]، وهو ليس آليًا أو بسيطًا، بل عملية جدلية تفاعلية معقدة تجري بين الأدب والواقع، فالأدب فاعلية اجتماعية، وتجربة إنسانية، يهدف فيها الأديب إلى إشراك المتلقي في هذه التجربة، فيؤثر في وعي المتلقي وشعوره، ليسهم بدوره في تغيير واقعه الاجتماعي نحو الأفضل. وفكرة الانعكاس بذاتها ليست جديدة في ميدان الأدب، إذ ترجع جذورها إلى أفلاطون وأرسطو، ثم تطورت تدريجيًا حتى عرفت باسم الأدب الواقعي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في فكر هيبوليتْ تين{{هيبوليت تين (Hippolyte Taine، 1828-1893): مؤرخ وناقد أدبي وفيلسوف فرنسي، عُرف بتطبيق المنهج الوضعي على الأدب والتاريخ.}} الذي حاول إخضاع الأدب والفن إلى أسس مادية مستقاة من المجتمع، "تعكس حقائق مؤكدة ومحددة"، تتجسد في كل من: العرق، والزمن، والبيئة[69].

ورغم تأثره الأدبي غير المباشر بأنظار من سبقه في هذا الشأن، فإن لوكاس قد استقى نظريته في الانعكاس مباشرةً من فلسفة ماركس في المادية الجدلية {{المادية الجدلية (Dialectical Materialism): منهج فلسفي طوّره كارل ماركس وفريدريش إنجلز، يقوم على تطبيق المنهج الجدلي على الواقع المادي، ويرى أن الوجود في حالة تطور وتغير مستمرين بفعل التناقضات الداخلية. وتُعدّ المادية الجدلية الأساس الفلسفي للمادية التاريخية.}} والمادية التاريخية{{المادية التاريخية (Historical Materialism): منهج ماركسي في تفسير التاريخ والمجتمع، يرى أن التطور التاريخي تحكمه علاقات الإنتاج المادية والصراع الطبقي، لا الأفكار المجردة وحدها. وتُمثل التطبيق الاجتماعي والتاريخي للمادية الجدلية.}} ، وطبقها في مجالات متفاوتة مثل الفن، والأدب، والفلسفة، والدين، وتبيان اختلافها عن الانعكاس وفقًا لـ الفلسفة المثالية الهيغلية{{الفلسفة المثالية الهيغلية: تيار فلسفي أسسه هيغل (1770-1831)، يقوم على تفسير الواقع والتاريخ بوصفهما عملية جدلية تتكشف فيها الروح والعقل.}}. فرأى أن كل تصور بشأن الواقع ليس سوى شكل من أشكال وعي الإنسان ونظرته إلى الواقع الاجتماعي، أي العالم الموضوعي، بوصفه وجودًا أسبق على الوعي ومستقلاً عنه. ولا يعني ذلك، وفقًا للمادية الجدلية، أن ثمّ نظامًا تراتبيًا ثابتًا يكون فيه الوعي الاجتماعي في منزلة أدنى من الوجود الاجتماعي، بل يعني أن ثمّ علاقة جدلية تاريخية بين الطرفين، أي الوجود والوعي. فأولوية الوجود على الوعي تعني توفر الشروط الموضوعية لعملية تبلور الوعي الاجتماعي الحقيقي.

فالانعكاس عامة يعني "تشكيل بنية ذهنية" عند الفرد، تصاغ في هيئة كلمات وأفكار بشأن الواقع. وفي الغالب، يكون للناس وعي بصدد الواقع المحيط بهم، غير مقتصر على الموضوعات الخارجية، بل شاملًا الطبيعة الإنسانية والعلاقات الاجتماعية أيضًا. وقد يكون الانعكاس عينيًا بدرجات متفاوتة، فعلى صعيد الأدب، يمكن للرواية أن تقود القارئ نحو استبصار أكثر عينية بالواقع، يتجاوز الإدراك العادي للأشياء. ومع ذلك، يظل القارئ على وعي بأن العمل الأدبي ليس الواقع ذاته، وإنما هو شكل خاص من أشكال انعكاسه[70]. ويؤكد لوكاش أن العمل الأدبي أو الفني ينبغي له أنْ يمنحنا إحساسًا بالضرورة الفنية للصور التي يقدمها الأديب أو الفنان، فهذه الصور تتسم بوحدة شاملة مكثفة توازي "الوحدة الشاملة الممتدة" للعالم ذاته[71]. وفي سياق تأييده للواقعية الحديثة (الواقعية النقدية)، سعى لوكاش إلى الكشف عن طبيعة العلاقة الجدلية بين العالم الموضوعي والوعي، واستقلالية أحدهما عن الآخر، وكيفية انعكاس هذا العالم في الوعي ذاته، في انسجام مع المادية الجدلية عند ماركس[72].

وتستند نظرية لوكاش في الانعكاس، ولا سيّما الانعكاس الجمالي، إلى أسس، وتتسم بخصائص جوهرية عدة، يمكن تبيانها على النحو الآتي:

أولًا: في الأسس العامة لنظرية الانعكاس الجمالي

  1. الفن بوصفه انعكاسًا خاصًا

ينطلق لوكاش من بديهة مفادها أن الفن شكل فريد من أشكال انعكاس الواقع (العالم الموضوعي) في الوعي البشري، فهو نمط فرعي من أنماط علاقة الإنسان بالواقع، وهذه الأنماط مجتمعةً تعكس حيثيات الواقع على نحو شامل. حيث تتجلى هذه الحيثيات داخل واقع واحد، وما يتبدل هو شكل انعكاسه، وليس حقيقته الموضوعية. فالاختلافات القائمة بين أشكال الانعكاس، والمقولات المرتبطة بالأشياء وعلاقاتها ببعضها، ليست نابعةً من وعي خلاق أو قوة متعالية، على غرار ما تدعيه الفلسفة المثالية، بل تتمخض، وفقًا للفلسفة المادية، عن التعقيد والامتداد غير المحدود للواقع الموضوعي، وتجري كلها داخل هذا الواقع الموحد في جوهره وشكله، لأن هذا الواقع قائم بذاته، ومستقل عن الوعي[73]. فالعلم والفن مثلًا يعكسان واقعًا واحدًا، لكن وفقًا لاتجاهين مختلفين، فهما يعملان من أجل تحقيق غاية واحدة تتجسد في فهم الواقع الإنساني وتنظيمه، بيد أن العلم يسعى إلى تفسير الواقع وظواهره موضوعيًا وفقًا لقوانين مجردة، أما الفن فيسعى إلى استحضار هذا الواقع وتنوعه اللامحدود، وتجسيده في صورة حسية تنطوي على دلالة إنسانية واعية، أي تقديم صورة كلية للواقع، ترتبط بالإنسان من وجهة أنه كائن حي- اجتماعي.[74]

  1. جدلية الذاتي- الموضوعي

يرى لوكاش أنه رغم الطابع الموضوعي للانعكاس، فهو يضمّن عنصرًا ذاتيًا لا فكاك منه، يتكون في مستواه الحيواني من جراء شروط فسيولوجية محضة، على حين يتشكل عند الإنسان من خلال الشروط الاجتماعية، ومن أهمها أثر العمل والتجربة الاجتماعية في تطوير قدرة الإنسان على التعبير عن الواقع. واختلاف أشكال الانعكاس نتاج للوجود الاجتماعي وتطوره، ولحاجات الإنسان التي تنشأ من خلال تفاعله وتكيفه مع محيطه. فالانعكاس الجمالي، عند لوكاش، نتاج لعلاقة جدلية بين الذات والموضوع، إذ تتفاعل تجربة المرء الحسية، والعاطفية، والاجتماعية مع الواقع، بهدف خلق صورة جمالية عنه. وهذه الذاتية ليست طرفًا مقابلًا للموضوعية في الفن والأدب، على غرار الفلسفة المثالية والمدرسة التعبيرية مثلًا[75]، بل هي شرط ضروري لتُحقق الموضوعية ولتعمل ضمن إطارها. وهذه الانتقائية الذاتية في الفن والأدب لا تعني تحريفًا للواقع الموضوعي، ولا تطبق على كلية الواقع المراد وصفه، بل انخراطًا فاعلًا لذات الإنسان (الفنان) في إعادة تشكيل الواقع في صورة جمالية، إذ تُأكّد فيها الحقائق الجوهرية، ويُطرح كل ما هو ثانوي وسطحي[76].

  1. تاريخية الواقع الموضوعي

وفقًا للمنظور المثالي، يُنظر إلى النشاط الجمالي، سواء من جهة خلقه أم من جهة تلقيه، بأنه جزء من "جوهر الإنسان"، كأنه خاصية أنثروبولوجية أو أنطولوجية، أو أنه تعبير عن عالم الروح (عالم الأفكار). أما وفقًا للمنظور المادي الجدلي عند لوكاش، فليس الواقع الموضوعي فحسب، خاضعًا لتغير مستمر، بل التغير يشمل أيضًا، جميع أشكال الانعكاس والتعبير عن الواقع، لأن الواقع ذو طابع تاريخي، أي ينتمي إلى الحقبة الزمنية التي نشأ فيها. ومن هنا، يتغير الانعكاس الجمالي، إذ يعيد إنتاج مقولاته الجمالية التي تعبر عنه مع تغير الواقع ذاته، وتغير شروطه الاجتماعية. لذا، تَفرض علينا تاريخية الواقع الموضوعي أنْ نفهم المقولات الجمالية، لا بوصفها أشكالًا ومقولات ثابتة، بل حالةَ تطور مستمر شكلًا ومضمونًا، وقد يبلغ الأمر حد ظهور مقولات جديدة وزوال أخرى قديمة. ومن ثم، فإن نظرية الانعكاس الجمالي لا تكتمل إلا بفهم الوجهة التاريخية التي تحكم كلًا من الواقع، والوعي، والمقولات الجمالية التي تنظمهما[77].

ثانيًا: خصائص الانعكاس الجمالي

  1. الانعكاس في الأدب عيني تشخيصي

رأى لوكاش أن الانعكاس الجمالي لا يسعى إلى تصوير الواقع بصورته الفعلية دون تغيير (أي المحاكاة)، ولا يعمد إلى تجريد الظاهرة محل العناية من خصوصيتها، بل يتخذ من هذه الخصوصية وسيلةً للتعبير عن الموضوعي والاجتماعي، إذ يصور تناقضات الواقع الإنساني تصويرًا موضوعيًا أمينًا، من خلال شخصيات نموذجية تؤدي أدوارًا متفاوتة في الحبكة الروائية، كل منها تجسد خصوصيتها الفريدة، وتعكس الجوانب الكلية والجوهرية للنفس الإنسانية، وتمثل القوى الاجتماعية في داخل المجتمع أيضًا. فالعمل أو الإبداع الفني عامة وسيلة للكشف عما يجري، تحت السطح الخارجي للمجتمع، من صراع اجتماعي، وتناقضات الواقع، وحيثياتها التاريخية والاجتماعية، والوقوف على طبيعة النفس الإنسانية وأبعادها العميقة[78].

  1. أهمية البعد الإنساني في العمل الفني

يذهب لوكاش إلى أن المهمة الجوهرية لعلم الجمال هي اكتشاف طريق الإنسانية وتعيينه، وأن قضيته المركزية تتمثل في التصوير الفني الملائم للإنسان الكامل، والكشف عن كلية الإنسان، أي تصوير وجوده في سياق علاقاته الاجتماعية الشاملة بالعالم المحيط به. بيد أن تطبيق هذا المنظور في الأدب على نحو خاص يتجاوز نطاق علم الجمال، ما يقتضي ولوج الأدب والفن في عملية تصوير الواقع من زاوية شاملة، دون الانغماس في النزعة الطبيعية في رؤية الواقع ذاته، أي إعطاء منزلة مبالغ فيها للطبيعة البيولوجية للإنسان، أو الوقوع في دائرة الرومانسية، والاعتقاد بتعالي الإنسان على التاريخ، وحيازته لقوى خارقة للعادة، أو امتثاله لها. ولا يمكن تحقيق مثل هذه الغاية (أو الغايات) الجوهرية للنظرية الجمالية إلّا بواسطة الفلسفة الماركسية، لأنها "فلسفة شاملة ذات نزعة إنسانية بروليتارية"[79].

ويشكل إضفاء الطابع الإنساني (الأنْسنة) على الانعكاس الجمالي حجر الزاوية في نظرية لوكاش الجمالية، إذ يسعى إلى أن يكوّن إعادة إنتاج أمينة للواقع الموضوعي قدر الإمكان. ومع أن محاكاة الواقع تعدّ هدفًا واعيًا للفن الأصيل، في رأي لوكاش، فإن التقارب أو التطابق مع الواقع ليس في ذاته معيارًا كافيًا للكشف عن الحقيقة الجمالية للعمل الفني. ذلك أن الطابع المؤنْسن للانعكاس الجمالي ليس موقفًا ذاتيًا، أو خيارًا شخصيًا يتبناه الفنان بما ينسجم مع حسه وذوقه الفني فحسب، بل انعكاسًا مشروطًا بطبيعة موضوعه، أي بالواقع الاجتماعي في تفاعله الحيوي مع الطبيعة، ومن خلال الخصائص التي تمليها علاقات الإنتاج السائدة. ولا شك في أن هذا الانعكاس يفترض مسبقًا درجةً من الوفاء للواقع الطبيعي في ذاته، لكن معيار الحقيقة الجمالية في هذه الحالة لا يتأسس إلّا وفقًا للعلاقة الاجتماعية بين الإنسان والطبيعة. أي إن المعيار لا يتمثل في مدى مطابقة العمل الفني للواقع الموضوعي من عدمه، بل يقاس بمدى قدرته على التعبير عن التفاعل المتبادل بين الإنسان والمجتمع والطبيعة[80].

  1. خصوصية الانعكاس الجمالي

يرى لوكاش أنه على الرغم من اتسام الانعكاس الجمالي بالاستقلال عن الانعكاس العلمي، وبالتكافؤ معه في القيمة، فإن المعالجة الفنية للواقع الموضوعي لا يمكنها الاستغناء كليًا عن ثمار الانعكاس العلمي، للقيام بإعادة صياغة الواقع في صورة فنية تعنى بمركزية الإنسان[81]. ويعنى لوكاش بنظرة الكاتب أو الفنان إلى العالم، ويؤكد أهمية هذه النظرة، بوصفها جزءًا من مضمون العمل الأدبي، وذات علاقة جوهرية بشكل العمل ذاته. فـ"المنظور في أي عمل فني أمر بالغ الأهمية. فهو يحدد الاتجاه والمحتوى، ويجمع خيوط السرد، ويمكّن الفنان من الاختيار بين المهم والسطحي، بين القاطع البات وبين الحدثي. فالاتجاه الذي تتطور فيه الشخصيات يحدده المنظور، فتوصف تلك الملامح المهمة في تطورها حسب."[82]

  1. الالتزام بقضايا المجتمع وتوعيته

يقصد بالتزام الأديب أنْ يكون أدبه هادفًا، أي يحمل رسالةً تتفق مع قناعاته والمبادئ التي ينتمي إليها، وهي مبادئ إنسانية ثورية وتقدمية، تنتصر للطبقات الكادحة، ورفع الظلم والتشيؤ والاغتراب عنها. فالأديب يعبر بواسطة أدبه عن نفسه، ثم عن انتمائه الطبقي ومعاناة مجتمعه. ومن ثم، تتمثل وظيفة الأدب، عند لوكاش، في تنوير المجتمع وتوعيته على المستويات كافة، لتحفيزه على فهم الحياة بطريقة أعمق، ليسهم المجتمع في تغيير واقعه الاجتماعي نحو الأفضل[83].

  1. التنبؤية بوصفها خاصية مميزة للأدب الواقعي الحديث

تعني التنبؤية الكشف عما يؤدي إليه مجرى التاريخ. فالماركسية، في رأي لوكاش، قد أقرتْ دائمًا بالوظيفة التنبؤية للأيديولوجيا. فأدباء الواقعية المعاصرة يسعون، في أعمالهم الأدبية، إلى خلق شخصيات نموذجية من خلال البحث في واقع علاقات الناس بعضهم مع بعض، والأحوال التي يمارسون فيها حياتهم، وعلاقاتهم المتنوعة مع الواقع الاجتماعي، ومن ثم، استشراف ما يؤول إليه التطور الموضوعي للمجتمع والإنسانية قاطبة. ذلك أن الإنسان في واقع الأمر ليس كائنًا منعزلًا، بل كائنًا اجتماعيًا يتصل كل شأن من شؤون حياته، بألف خيط، بالناس الآخرين وبالمجرى الاجتماعي الشامل للحياة. وهذا لا يعني قيام الأديب بتصوير الواقع صورةً طبق الأصل، بل أنْ يجعل عمله الأدبي تعبيرًا عن "استيعاب خصب وغني للواقع، وانعكاسًا لتياراته المستمرة تحت سطحه، التي ستتفتح في درجة لاحقة من التطور"[84].

الواقعية الاشتراكية عند لوكاش

ترجع جذور مصطلح الواقعية الاشتراكية (Socialist Realism) إلى عام 1932، إذ صدر فيه مرسوم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوڤياتي بشأن إعادة بناء المؤسسات المعنية بالشؤون الأدبية والفنية[85]. ثم صيغ المصطلح ذاته ليغدو منهجًا فنيًا وأدبيًا ملزمًا في المؤتمر الأول لاتحاد الكتاب السوڤيات عام 1934، إذ عرف بأنه الأساس النظري والجمالي للأدب الاشتراكي الجديد، ويطلق على "النظام الأدبي للثقافة السوڤياتية" عامة، إذ تهيمن حبكة سردية نموذجية على جملة الأعمال الأدبية، تدور حولها أحداث الرواية (أو القصة)، وتعبر عن المبادئ الرئيسة للأيديولوجيا الماركسية اللينينية، وتوضحها، لأغراض تثقيفية أو توعوية تتبناها الدولة والحزب في المقام الأول[86].

وتكاد الأسس الخاصة بنظرية لوكاش في الانعكاس الجمالي، وخصائصه، لا تعنى إلّا بالواقعية الاشتراكية، بعد تشذيبها ودمجها مع خصائص الواقعية النقدية البرجوازية. فلوكاش يدرك أوجه اختلاف النظرة العقائدية بين المدرستين إذ إن الواقعية النقدية تصف المجتمع البرجوازي ومشكلاته من الخارج، على حين تستخدم الواقعية الاشتراكية عقيدتها الماركسية في وصف القوى الاجتماعية الثورية (البروليتاريا)، التي تعمل في سبيل خلق نظام اجتماعي جديد. فضلًا عن ذلك، لا تركز الواقعية النقدية على تصوير مستقبل المجتمع، بل تصور ماضيه وحاضره فحسب، (مثل أعمال بلزاك وزولا)، على حين أن الواقعية الاشتراكية ذات منظور مستقبلي ثابت (مثل أعمال غوركي وشولوخوف)"[87]. فالواقعية الاشتراكية تصور الواقع الاجتماعي تصويرًا دقيقًا، مع توجيهه نحو المستقبل الاشتراكي. ومن هنا، تبرز أهمية الحبكة السردية النموذجية من ناحية، إذ تعنى بمراحل تطور شخصية "البطل الإيجابي" (positive hero)، الذي يجسد التحول الاشتراكي بوصفه، ما يجب أن يكون، بفضل وعيه الطبقي وصلته بالحزب الشيوعي، أما الشخصيات الأخرى فليست سوى ما هو كائن[88]. وهذا يشير إلى تناقض جوهري في بنية الرواية السوڤياتية، تسميه الناقدة الأدبية كاترينا كلارك (Katerina Clark، 1941-2024) بالانفصام النمطي، أي ميل هذه الرواية وحبْكتها إلى الانتقال المفاجئ وغير المبرر فنيًا من الخطاب الواقعي إلى الخطاب الأسطوري أو الطوباوي. وقد قدم كل من لوكاش وميخائيل باختين (Mikhail Bakhtin، 1895-1975) إطارًا نظريًا يسمح بفهم هذا التناقض البنيوي على نحو أعمق. فكلاهما بين أن هذين الخطابين يجسدان مرحلتين متعارضتين من التطور الثقافي لا يمكن التوفيق بينهما بسهولة، وأن كل مرحلة منهما تعبر عن ذاتها من خلال شكل أدبي معين، فالرواية شكل فني يعبر عما هو كائن في العالم، أما الملحمة فتجسد ما ينبغي للعالم أن يكون عليه، أي المثال الأيديولوجي (الحزبي) المتخيل الذي لا يسمح بتقويضه أو نقده[89].

وتصب كتابات لوكاش المتأخرة في رأب هذا الصدع البنيوي للرواية السوڤياتية، على الصعيدين الجمالي والعملي. فقد اعتقد بوجود أوجه شبه عديدة بين الواقعية النقدية والواقعية الاشتراكية، فكلاهما يحاول الكشف عن النسق الكلي للمجتمع ومشكلاته، كما أنهما لا يستطيعان تصوير هذا النسق تصوريًا مباشرًا وشاملًا، أو أن يقولا الكلمة الفصل في وصف مشكلات المجتمع وطبيعته، فكل رواية (أو قصة قصيرة) إنما تحتوي قطاعًا صغيرًا من مجريات الأحداث المتنوعة، والدوافع والعلاقات المتشابكة، التي تجري كلها تحت سطح الواقع اللامحدود في حركته المستمرة وثراء مادته الخام. لذا، اقترح لوكاش إنشاء تحالف أدبي وثيق بين هاتين المدرستين، تفرضه الضرورة التاريخية[90]. وتعد الواقعية الحديثة عامة حليفًا مفيدًا للكاتب الاشتراكي، لأنها تعمل بفاعلية على خلق البيئة الثقافية والروحية التي تعطي الشخصية الإنسانية طابعها القومي المحدد[91]. ومع ذلك، يشترط لوكاش جملة شروط من أجل تحقيق هذا التحالف، ومعالجة التناقض بين الخطابين الواقعي والطوباوي في بنية الرواية. إذ ينبغي للواقعية النقدية ألا تهمل دور العامل الاجتماعي والتاريخي في إحداث التغيير، فضلًا عن تقبلها للاشتراكية والدفاع عنها دفاعًا مباشرًا وغير مباشر، أو على الأقل تكون على استعداد لاحترام المنظور الاشتراكي وعدم إدانته دون تمحيص[92]. أما الواقعية الاشتراكية فيجب ألا تهمل الطابع القومي للصراعات الطبقية، ودوره التاريخي في إحداث التغيير، وعدم الاكتفاء بتبيان الطبيعة الاجتماعية لهذه الصراعات فحسب، وأن تتحرر من ضيق الأفق العقائدي الذي نتج من المرحلة الستالينية، والنزعة البيروقراطية الفئوية في تفسير النظرية الماركسية، ومن ثم، تقديم منظور اشتراكي حقيقي للواقع الاشتراكي، أي مرحلة الانتقال إلى المجتمع الشيوعي. فلوكاش سعى إلى دمج الجوانب الإيجابية للواقعية النقدية في أعمال الواقعية الاشتراكية، مع احتفاظ الواقعية الاشتراكية بمنظورها العقائدي المستقبلي (المجتمع الشيوعي)، ومقولاتها الجمالية والقيمية. ولم يكن يسعى إلى إنشاء مدرسة أدبية جديدة، بل أراد العودة إلى أصل فكرته التي عرضها في أطاريح بلوم عام 1928، وهي إنشاء جبهة موحدة تضم المثقفين البرجوازيين ذوي الميول الاشتراكية، أو من لا يعادونها، والمثقفين الاشتراكيين، لتمهيد السبيل أمام تطوير التجربة الاشتراكية عامة، بما فيها الأدب والفن، وتعزيز الديمقراطية الاشتراكية[93]. فتراجع لوكاش عن أطاريح بلوم لم يكن مثل تراجعه عن كتابه التاريخ والوعي الطبقي، بل أملته اعتبارات تكتيكية محضة، تدور حول البقاء ضمن صفوف الحزب الشيوعي. فنشاطه الأدبي والفلسفي بعد عام 1930 يؤكد أنه لم يتخلَّ عن المبادئ الجوهرية لهذه الأطاريح. ثمّ أن ثمة استمرارية يمكن تتبعها في فكرة الدكتاتورية الديمقراطية ضمن أعماله اللاحقة، ولا سيما في كتابه هيغل الشاب، وفي نشاطاته الأدبية إبان ثلاثينيات القرن العشرين، ودعمه للجبهة الشعبية في مجال الأدب[94].

في نقد لوكاش

يمتد خلاف لوكاش الفكري مع الماركسيين اللينينيين إلى عام 1920، عندما انتقد ڤلاديمير إيليتش لينين (Vladimir Ilych Lenin، 1870-1924) مقالة لوكاتش الموسومة: "في مسألة البرلمانية" (Zur Frage des Parlamentarismus)، فكتب: "إن مقالة الرفيق جورج لوكاش جذرية، وإن ماركسية هذه المقالة ماركسية لفظية خالصة. والتمييز بين خطة دفاعية وخطة هجومية [لتحقيق ثورة البروليتاريا] تمييز متكلف يعوزه التحليل المشخص للأوضاع التاريخية المحددة جيدًا. والشيء الأساس [...] الذي يتمثل في ضرورة غزو أو تعلم كيفية غزو مجالات العمل جميعها، والمؤسسات جميعها التي تمارس فيها البرجوازية تأثيرها في الجماهير [...] لم يعالج فيها قط"

وقد تطور مسار الانتقادات تدريجيًا بين عامي 1923، و1933، ولا سيما بعد تكليف لوكاش، في المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي الهنغاري عام 1928، بوضع منهاج عمل حزبي (أطاريح بلوم) بشأن كيفية التعامل مع الخطر الفاشي الذي بدأت طلائعه ترتسم في الأفق إبان تلك الحقبة. أكد فيه لوكاش على تشكيل جبهة عمالية يسارية، توحد تنظيمات الحزب والاتحادات والنقابات العمالية، وتجمع البروليتاريا والفلاحين في الوقت ذاته، في ظل نظام سياسي انتقالي يتمثل في "الدكتاتورية الديمقراطية"، إذ يُربط فيها النضال الحزبي ربطًا وثيقًا بمطالب العمال والفلاحين واحتياجاتهم المباشرة، والوقوف بوجه الفاشية، فضلًا عن التركيز على حيازتهم للحريات الأساسية الفردية جميعها، بما فيها الحق في التنظيم النقابي، والاجتماع، والإضراب، وحرية الصحافة[96]. وقد شكلت فكرة إنشاء جبهة موحدة بين القوى الاشتراكية والديمقراطية، من أجل مواجهة الحركة الفاشية، نقطة خلاف جوهرية بين لوكاش وأقرانه الشيوعيين، دفعت بعضهم إلى القول إن مثل هذه الأفكار تمثل "انحرافًا يمينيًا" عن النظرية الماركسية[97]. وقد رفضتها وأدانتها قيادة الكومنترن في آذار/ مارس عام 1928[98].

وأثارت رؤية لوكاش للعلاقة الجدلية بين الذات أو الوعي والموضوع، حفيظة دعاة الماركسية اللينينيية والستالينية على حد سواء، لاعتقادهم بأن تأكيده على عدّ التاريخ ملازمًا للوعي الطبقي إنما يكافئ القول بإعادة الأهمية إلى الوعي ودوره في تغيير مسار التاريخ والواقع المادي، على حين أن لينين فسر دور الوعي بأنه انعكاس للواقع المادي. ورأى دعاة الماركسية اللينينية أن تركيز لوكاش على المنهج الجدلي، وكيفية الانطلاق، لا من الواقع المادي ابتغاء الكشف عن تناقضاته الطبقية، بل من المقولات الفلسفية بعد تحميلها إضافة فكرية مجردة من مضمون واقعي أيضًا، "لا ينتج سوى إبعاد الماركسية عن ميدان معركتها الحقيقية"[99]. فتأكيد لوكاش على أهمية دور الذات الجماعية، ووجوب اكتسابها الوعي الطبقي الحقيقي بهدف تغيير مسار التاريخ، نُظر إليه من زاوية أنه عودة إلى الوراء، أي إلى المثالية الهيغلية التي كان ماركس قد تخلى عنها في الأصل، ومن هنا جاء اتهامه بـ "الانحراف" عن الماركسية[100].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

فنقطة البداية لتعرض لوكاش إلى النقد الشديد لا تعود إلى نشر كتابه التاريخ والوعي الطبقي، بل إلى (أطاريح بلوم) خاصة. وكان ثم اعتقاد عامّ، عند نقاده الماركسيين اللينينيين، أن لوكاش قد بالغ في الدور الذي يؤديه الوعي الطبقي للبروليتاريا في عرقلة سير الاقتصاد الرأسمالي وهيمنته، وأن عمله لم يأخذ في الحسبان الأهداف المادية والمعوقات المؤسسية التي تواجه الفعل الثوري عمليًا. لكن مع نشر مخطوطات ماركس الاقتصادية والفلسفية في عام 1932، وجدت كثير من حجج لوكاش تبريرات متأخرة، لأنها كشفت عن أصالة ما توصل إليه من تفسيرات في عام 1923 بمعزل عن المخطوطات ذاتها، ما أحرج قيادة الكومنترن سواء أمن جهة إخفائهم لمجمل كتابات ماركس المبكرة، أم من جهة إجبارهم لوكاش عام 1928 على التخلي عن آرائه الخاصة[101]. ومن ثم، فإن مكانة لوكاش ضمن الحزب الشيوعي، ولا سيما بعد الثورة الهنغارية عام 1956، باتت تشبه إلى حد بعيد مكانة لويس ألتوسير(Louis Althusser، 1918-1990) داخل الحزب الشيوعي الفرنسي، ففي كلتا الحالتين، حافظ مفكران بارزان، لهما صلات عميقة بالحركة الشيوعية، على انتمائهما الحزبي أو الايديولوجي، وامتنعا عن إحداث الانشقاق أو القطيعة، بل أبرما مع حزبيهما تسويةً ضمنية تقضي التزام كل من لوكاش وألتوسير الصمت، وعدم الخوض في الشأن السياسي خوضًا مباشرًا، في مقابل قيام حزبيهما بغض الطرف عن أعمالهما النظرية، مهما كانت أبعادها ومضامينها العملية. ما "أفسح السبيل لقيام علاقة تعايش تكتيكي بين الطرفين، وكان من مصلحة التنظيم الحزبي أنْ تستمر هذه العلاقة"[102]، وفقًا لتعبير بيري أندرسون (Perry Anderson).

يرى الباحث آندي بلنْدن (Andy Blunden) أن لوكاش قد تخلى في الأعوام الأخيرة من حياته، عن مواقف عديدة كان قد تبناها في أعماله المبكرة، مع أن مواقفه في أطاريح بلوم وتفسيراته النقدية للنظرية الماركسية قد شكلت نقطة البداية لكتاب آخرين، مثل تيودور أدورنو (Adorno Theodor، 1903-1969) وإيرك فروم (Erich Fromm، 1900-1980)، وغيرهما من دعاة الجيلين الأول والثاني لمدرسة فرانكفورت للنظرية النقدية (Frankfurt School of Critical Theory)[103]. أما لوكاش فرأى أن الهجوم الذي تعرض له، مقترنًا بتهديد الطرد من الحزب الشيوعي، وموت شريكه السياسي، النقابي لاندلر عام 1928، قد أجبره على أن يختار أحد هذين الخيارين: إما التراجع العلني عن آرائه (recantation)، ومن ثم المضي قدمًا في النضال ضد الفاشية ضمن صفوف الحركة الشيوعية، أو الإقصاء والعزلة (isolation)، وهو المصير الذي لقيه كارل كورش (Karl Korsch، 1886-1961) وآخرون. فاختار لوكاش التراجع عن آرائه، ونشر نقدًا ذاتيًا لأطاريحه في مجلة آذار الجديد الهنغارية عام 1929[104].

ترجع هذه الانتقادات، في جانب جوهري منها، إلى أن لوكاش ينتمي إلى ذلك الصنف من الاشتراكيين الذين لم يجرِ بلْشفتهم على النهج اللينيني على نحو كامل[105]. فضلًا عن، إمكان تفسير تلك الانتقادات من وجهة أن لوكاش، في معظم أعماله بعد عام 1918، ظل متأثرًا بميوله الرومانسية ضمنيًا، ولا سيما في اعتقاده بأن القوانين التي تحكم مسار التاريخ لا تعمل بذاتها على تغيير مصير الانسان والظواهر الاجتماعية عامة، بل إن تفاعل الذات الواعية مع قوى الإنتاج المادي هو ما يحرك الظواهر الاجتماعية، ويدفعها إلى إحداث التغيير المرتجى. هذه الفكرة ربما استقرت عنده بتأثير أعماله الفكرية والأدبية المبكرة، ذات النزعة الرومانسية والناقدة للرأسمالية الصناعية. وهو اتجاه وتأثير ضمني لم يتوقف كليًا فور انتمائه إلى الحزب الشيوعي، بل لازم زوايا نظره في معظم كتاباته[106].

كانت حياة لوكاش تجسيدًا حيًا لإشكالية تاريخية وأسئلة واجهها كل فيلسوف ماركسي: كيف يمكن التفكير فلسفيًا في الماركسية؟ كيف يُوفّق بين التأويل النظري لفلسفة ما، والعقائدية التي تكتسبها هذه الفلسفة من خلال الإيمان بها؟ كيف يُحافظ على الروح الحية لفلسفة ما، والسلطة التي تستمدها هذه الفلسفة من الحزب أو الدولة؟ ومن ثم، فإن فهم طبيعة الخلاف الفكري، بين أتباع الماركسية اللينينية ولوكاش، يقتضي وضعه ضمن إطاره الأيديولوجي الذي حكم وعي الفرقاء ومنظوراتهم، فهو خلاف فلسفي في أصل وضعه، يتعلق بالتأويل اللينيني لمادية ماركس- إنجلز، ذلك التأويل الذي كان مقدسًا في روسيا. أما آراء لوكاش، وغيره من المنظرين الماركسيين الهنغاريين والألمان، ولا سيّما أنصار الماركسية الغربية، فهي آراء تبتعد عن هذا التأويل المقدس، وتقترب من المثالية والنقد الكانطي للمعرفة من ناحية، والجدل الهيغلي من ناحية أخرى[107].

المراجع

العربية

إرفون، هنري. جورج لوكاتش أو الجبهة الشعبية في الأدب. ترجمة عادل العوا. دمشق: منشورات وزارة الثقافة السورية، 1970. 

برونر، ستيفن إريك. النظرية النقدية: مقدمة قصيرة جدًا. ترجمة سارة عادل. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2016.

جيمينيز، مارك. ما الجمالية؟ ترجمة شربل داغر. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009.

الحسين، سحبان. "لوكاش: نظرية الرواية". الجدل. العدد 3 (1986)، ص 27-37.

دراج، فيصل. الرواية وتأويل التاريخ: نظرية الرواية والرواية العربية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2004.

رضوان، سليم. "التاريخ والبروليتاريا". الجدل. العدد 3 (1986)، ص 39-48.

________. "جورج لوكاش مسارُ فيلسوف". الجدل. العدد 3 (1986)، ص 6-11.

سلدن، رامان. النظرية الأدبية المعاصرة. ترجمة جابر عصفور. القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، 1998.

سنكلير، أندرو وجورج لختهايم وريموند ويليامز. ثلاثة وجوه للثورة: غيفارا ولوكاش وأورويل. ترجمة ماهر الكيالي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1994.

صافي، لؤي. "نموذج التحديث الغربي: الخصوصية التاريخية وإشكالية التعميم". المستقبل العربي. العدد 186 (1994)، ص 38-58.

عبد الله، عبد الرحمن رحيم. مجموعة بحوث قانونية. أربيل: مركز أبحاث القانون المقارن، 2009.

علي مجيد، حسام الدين. التشيؤ بوصفه مدخلاً إلى الفاشية: قراءة مقارنة بين جورج لوكاش وماكس هوركهايمر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023.

فاديه، ميشيل. الأيديولوجية: وثائق من الأصول الفلسفية. ترجمة أمينة رشيد وسيد البحراوي. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2006. 

كاك، مصطفى. "جورج لوكاش: النقد- الأدب- الفلسفة". الجدل. العدد 3 (1986)، ص 13-26.

لمريني، فريد. النقد الاشتراكي للحداثة: اليوتوبيا والاستلاب في فلسفة جورج لوكاتش وارنست بلوخ. الجبيل: صفحة سبعة للنشر والتوزيع، 2023. 

لوكاش، جورج. الماركسية الصحيحة. ترجمة إحسان مراش. بيروت: دار الطليعة، 1964. 

________. معنى الواقعية المعاصرة. ترجمة أمين العيوطي. القاهرة: دار المعارف، 1971.

________. التاريخ والوعي الطبقي. ترجمة حنا الشاعر. ط 2. بيروت: دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، 1982.

________. بلزاك والواقعية الفرنسية. ترجمة محمد علي اليوسفي. صفاقس: المؤسسة العربية للناشرين المتحدين، 1985.

________. دراسات في الواقعية. ترجمة نايف بلوز. ط 3. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1985.

________. مراسلات جورج لوكاتش. ترجمة نافع معلا. دمشق: منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، 2010. 

محمد غانم، رمضان بسطاويسي. علم الجمال عند لوكاتش. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991.

هونيت، أكسل. الاجتماعي وعالمه الممزق: مقالات فلسفية اجتماعية. ترجمة ياسر الصاروط. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.

الأجنبية

Anderson, Perry. Considerations on Western Marxism, 3rd ed., London\ New York: Verso, 1989.

Blunden, Andy. “Lukács, Georg (1885-1971),” Marxists Internet Archive. accessed on 11/02/2026, at: https://acr.ps/hBxQIuv

Bowlt, John (trad & ed.). Russian Art of The Avant- Garde: Theory and Criticism 1920- 1934. New York: Thames and Hudson Inc., 1988.

Clark, Katerina. The Soviet Novel: History as Ritual. Chicago: The University of Chicago Press, 1981.

Donald M. Borchert (ed.). Encyclopedia of Philosophy. vol. 5, 2nd. ed. Detroit: Thomson Gale, 2006.

“György Lukács: (13th April 1885- 4th June 1971).” Lukács Archive International Foundation. 31/08/2024. at: https://acr.ps/hBxQHRs

Jay, Martin. Marxismand Totality: the adventures of a concept from Lukács to Habermas. Berkeley: University of California Press, 1984.

Kadarkay, Arpad. Georg Lukács: Life, Thought and Politics. Oxford: Basil Blackwell Ltd, 1991.

Keiichi, Maruyama. “Bibliography of Georg Lukács.” Lukács Archive International Foundation. at: https://acr.ps/hBxQIit

Lukács, George. The Theory of The Novel: A Historico- Philosophical Essay on The Forms of GreatEpic Literature, Anna Bostock (trad). Cambridge: The MIT Press, 1971.

________. History And Class Consciousness: Studies in Marxist Dialectics. Rodney Livingstone (trad). Cambridge: The MIT Press, 1971.

________. Record of A Life: An Autobiographical Sketch. István Eörsi (ed.). Rodney Livingstone (trad). London\ New York: Verso, 1983.

 ________. Tactics and Ethics 1919-1929: The Questions of Parliamentarianism and Other Essays. Rodney Livingstone (ed,). Michael McColgan (trad). London\ New York: Verso, 2014.

________. The Specificity of The Aesthetic. Erik M. Bachman (trad), vol. 1. Leiden: Brill, 2023.

Parkinson, G.H.R. Georg Lukacs, 2nd ed. London: Routledge & Kegan Paul, 2022. 

Stahl, Titus. “Georg [György] Lukács.” Edward N. Zalta & Uri Nodelman (eds.). The Stanford Encyclopedia of Philosophy. 08/01/2023. at: https://acr.ps/hBxQIJu

[1] György Lukács, Record of A Life: An Autobiographical Sketch, István Eörsi (ed.), Rodney Livingstone (trad) (London: Verso, 1983), pp. 26-28.

ويُنظر:

G.H.R. Parkinson, Georg Lukacs, 2nd ed. (London: Routledge & Kegan Paul, 2022), pp. 1-2.

[2] للمزيد، يُنظر:

Arpad Kadarkay, Georg Lukács: Life, Thought and Politics (Oxford: Basil Blackwell Ltd, 1991), pp. 37-38, 191-192, 354-355.

[3] للمزيد، يُنظر:

 Ibid., pp. 164-169, 182-184, 309, 359, 423.

 ويُنظر أيضًا:

Eörsi, p. 15, 70-71, 156, 160, 190.

[4] يُنظر:

Neil McInn, “Georg Luckacs,” in: Donald M. Borchert (ed.), Encyclopedia of Philosophy, vol. 5, 2nd. ed. (Detroit: Thomson Gale, 2006), p. 602.

[5] للمزيد، يُنظر:

 Eörsi, pp. 70-71, 74-78.

ويُنظر أيضًا:

“György Lukács: (13th April 1885- 4th June 1971),” Lukács Archive International Foundation, 31/08/2024, accessed on 07/02/2026, at: https://acr.ps/hBy5OkS  

[6] للمزيد، يُنظر:

Rodney Livingstone, “Introduction,” in: Georg Lukacs, Tactics and Ethics 1919- 1929: The Questions of Parliamentarianism and Other Essays, Michael McColgan (trad) (London\ New York: Verso, 2014), pp. xviii-xx.

[7] Perry Anderson, Considerations on Western Marxism, 3rd ed., (London\ New York: Verso, 1989), pp. 30- 31.

[8] Ibid.

[9] يُنظر:

 Kadarkay, p. 295, 299-303, 308.

[10] للمزيد، يُنظر:

Ibid., pp. 85-88, 90-99, 115, 207.

[11] للمزيد من التفاصيل حول كيفية اطلاع لوكاش للمرة الأولى على هذه المخطوطات، وطبيعة عمله في الأكاديمية، يُنظر:

Kadarkay, pp. 327-328, 346, 354.

[12] McInn, pp. 602-603.

[13] للمزيد، يُنظر: 

Titus Stahl, “Georg [György] Lukács,” Edward N. Zalta & Uri Nodelman (eds.), The Stanford Encyclopedia of Philosophy, 8/1/2023, accessed on 08/02/2026, at: https://acr.ps/hBxQIJu

[14] للمزيد بشأن قائمة أعمال بلوكاش، مثلما أحصاها ماروياما كيئيشي (Maruyama Keiichi، 1923-2006)، التي تُعدّ أدق وأشمل في التوثيق مقارنةً بمحاولات غيره من المختصّين، مثل آرباد كاداركاي (Arpad Kadarkay، 1934-2021)، وآندي بَلَنْدَن (Andy Blunden)، ورمضان بسطاويسي (1954-2020)، يُنظر: 

Maruyama Keiichi, “Bibliography of Georg Lukács”, Lukács Archive International Foundation, accessed on 08/02/2026, at: https://acr.ps/hBxQIit

[15] Ibid.

[16] للمزيد يُنظر: فيصل درّاج، الرواية وتأويل التاريخ: نظرية الرواية والرواية العربية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2004)، ص 15-21.

[17] يُنظر: سحبان الحسين، "لوكاش: نظرية الرواية"، الجدل، العدد 3 (1986)، ص 27-37؛ ويُنظر أيضًا:

George Lukács, The Theory of The Novel: A Historico- Philosophical Essay on The Forms of GreatEpic Literature, Anna Bostock (trad) (Cambridge: The MIT Press, 1971), pp. 18-19.

[18] للمزيد، يُنظر: أكسل هونيت، الاجتماعي وعالمهُ المُمزَّق: مقالات فلسفية اجتماعية، ترجمة ياسر الصاروط (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 12-17، 19.

[19] للمزيد، يُنظر: لؤي صافي، "نموذج التحديث الغربي: الخصوصية التاريخية وإشكالية التعميم"، المستقبل العربي، العدد 186 (1994)، ص 83-58؛ ويُنظر أيضًا: ستيفن إريك برونر، النظرية النقدية: مقدمة قصيرة جداً، ترجمة سارة عادل (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2016)، ص 47.

[20] مصطفى كاك، "جورج لوكاش: النقد- الأدب- الفلسفة"، الجدل، العدد 3 (1986)، ص 13-26؛ ويُنظر أيضًا:

Martin Jay, Marxismand Totality: the adventures of a concept from Lukács to Habermas (Berkeley: University of California Press, 1984) pp. 86- 87, 89-90, 96.

[21] للمزيد، يُنظر: هونيت، ص 19-20، 22. وحول مدى تأثر لوكاش الشاب بروايات كل من دوستويفسكي، وليو تولستوي (Leo Tolstoy، 1828-1910)، يُنظر:

Jay, pp. 97-98.

[22] كاك، ص 17-18.

[23] للمزيد، يُنظر: المرجع نفسه، ص 18-20.

[24] للمزيد، يُنظر: الحسين، ص 29-30. ويُنظر أيضًا:

 Jay, pp. 90-94.

[25] Lukács, The Theory of the Novel, p. 18.

[26] درّاج، ص 27. للمزيد، يُنظر:

Jay, pp. 95-96.

[27] يُنظر: برونر، ص 68.

[28] يُنظر:

Kadarkay, p. 315, 318-319, 354-355.

[29] يُنظر: سليم رضوان، "جورج لوكاش مسارُ فيلسوف"، الجدل، العدد 3 (1986)، ص 6-11.

[30] للمزيد، يُنظر: جورج لوكاش، التاريخ والوعي الطبقي، ترجمة حنّا الشاعر، ط 2 (بيروت: دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، 1982)، ص 135-137، 162-163.

[31] سليم رضوان، "التاريخ والبروليتاريا "، الجدل، العدد 3 (1986)، ص 39-48؛ ويُنظر أيضًا: لوكاش، التاريخ والوعي الطبقي، ص 135-138، 142.

[32] للمزيد، يُنظر: حسام الدين علي مجيد، التشيؤ بوصفه مدخلاً إلى الفاشية: قراءة مقارنة بين جورج لوكاش وماكس هوركهايمر (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص 77-80.

[33] يُنظر: رضوان، التاريخ والبروليتاريا، ص 43؛ ويُنظر أيضًا: جورج لوكاش، الماركسية الصحيحة، ترجمة إحسان مراش (بيروت: دار الطليعة، 1964)، ص 34-35، 37-38.

[34] يُنظر:

Georg Lukács, History and Class Consciousness: Studies in Marxist Dialectics, Rodney Livingstone (trad) (Cambridge: The MIT Press, 1971), pp. 83-84, 86.

[35] Lukács, History and Class Consciousness, pp. 90-91.

[36] يُنظر:

Ibid., p. 88.

[37] للمزيد، يُنظر: Ibid., pp. 86-87. ويُنظر أيضًا: فريد لمريني، النقد الاشتراكي للحداثة: اليوتوبيا والاستلاب في فلسفة جورج لوكاتش وارنست بلوخ (الجبيل: صفحة سبعة للنشر والتوزيع، 2023)، ص 150-153.

[38] للمزيد، يُنظر:

Lukács, History and Class Consciousness, pp. 89-90.

ويُنظر أيضًا: لمريني، النقد الاشتراكي للحداثة، ص 154-156.

[39] للمزيد، يُنظر:

Lukács, History and Class Consciousness, pp. 91-92.

[40] يُنظر: لوكاش، الماركسية الصحيحة، ص 27-28.

[41] Lukács, History and Class Consciousness, pp. 100-101.

[42] يُنظر: لوكاش، الماركسية الصحيحة، ص 50-55.

[43] للمزيد، يُنظر ويُقارن مع: لمريني، النقد الاشتراكي للحداثة، ص 180-181، 185، 191-192، 226. 

[44] Lukács, History and Class Consciousness, p. 100.

[45] جورج لوكاش، بلزاك والواقعية الفرنسية، ترجمة محمد علي اليوسفي (صفاقس: المؤسسة العربية للناشرين المتحدين، 1985)، ص 72-73.

[46] يُنظر: المرجع نفسه، ص 74-75، 77-78، 85.

[47] Lukács, History and Class Consciousness, pp. 98-99.

[48] للمزيد من التفاصيل حول تشيؤ البيروقراطية، يُنظر:

Ibid., pp. 99-102.

[49] Ibid., p. 107.

[50] للمزيد من التفاصيل حول ما أورده لوكاش بشأن رؤى فقهاء القانون في القرن العشرين، مثل هانس كيلسِن (Hans Kelsen، 1881-1973)، يُنظر:

 Ibid., pp. 107-110;

 ويُنظر أيضًا: عبد الرحمن رحيم عبد الله، مجموعة بحوث قانونية (أربيل: مركز أبحاث القانون المقارن، 2009)، ص 97-101.

[51] جورج لوكاش، دراسات في الواقعية، ترجمة نايف بلّوز، ط 3 (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1985)، ص 12-13، 15.

[52] للمزيد، يُنظر: Ibid., p. 172-175, 180-181؛ ويُنظر أيضًا:

 Jay, p. 99, 108-109.

[53] ويقصد لوكاش بـ"العلاقات الطبيعية" علاقات الدم والأُسرة والعشيرة والطائفة، أما علاقات العمل في المجتمع الإقطاعي فهي متداخلة مع الأرض، والمياه، وفصول السنة، والمناخ، وجميعها ذات صفة طبيعية. للمزيد، يُنظر: لوكاش، الماركسية الصحيحة، ص 72-73.

[54] المرجع نفسه، ص 74.

[55] للمزيد، يُنظر: هنري إرفون، جورج لوكاتش أو الجبهة الشعبية في الأدب، ترجمة عادل العوّا (دمشق: منشورات وزارة الثقافة السورية، 1970)، ص 57، 60-62.

[56] للمزيد، يُنظر: ميشيل فاديه، "الوعي الطبقي كوعي مُقَّرٍ به"، في: ميشيل فاديه، الأيديولوجية: وثائق من الأُصول الفلسفية، ترجمة أمينة رشيد وسيّد البحراوي (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2006)، ص 58-59.

[57] يُنظر: لوكاش، التاريخ والوعي الطبقي، ص 67، 183، 186.

[58] يُنظر ويُقارن مع:

Georg Lukács, The Specificity of The Aesthetic, Erik M. Bachman (trad), vol. 1 (Leiden: Brill, 2023), pp. 5- 6, 263.

[59] Ibid., p. 263, 271.

[60] للمزيد، يُنظر:

 Ibid., pp. 216-217, 263, 272-275, 427-429;

 ويُنظر أيضًا: مارك جيمينيز، ما الجمالية؟ ترجمة شربل داغر (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص 34-37.

[61] للمزيد من التفاصيل بشأن مفهومه عن الجمال، وتأثره بأفكار تشيرنيشفسكي، التي تعد امتدادًا لأعمال الناقد فيساريون بيلينسكي (Vissarion Belinsky، 1811-1848) في النظرية المادية في الفن، يُنظر: رمضان بسطاويسي محمد غانم، علم الجمال عند لوكاتش (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991)، ص 107-111.

[62] للمزيد من التفاصيل حول منظور لوكاش إلى أُصول الزينة والتزيُّن في عالم الحيوان، واختلافها الجوهري عن عالم الإنسان، ولا سيَّما أن الجمالي عند الإنسان يرتبط بالعمل في المقام الأول، وأن عمل الحيوان يختلف اختلافًا جوهريًا عن طبيعة عمل الإنسان وظروفه المادية وفقًا لماركس، يُنظر:

Lukács, The Specificity of The Aesthetic, pp. 268-270.

[63] يُنظر: المرجع نفسه، ص 273-274؛ وللمزيد من التفاصيل حول منظورهِ إلى ارتباط الجمالي بالمنفعة، ونشوء حاجات إنسانية وروحية جديدة تمَّ اشباعها بواسطة العمل، يُنظر: غانم، ص 110.

[64] Lukács, The Specificity of The Aesthetic, pp. 262-263.

[65] يُنظر: غانم، ص 100-103، 105.

[66] للمزيد، يُنظر:

 Lukács, The Specificity of The Aesthetic, pp. 287-288.

[67] للمزيد، يُنظر: إبراهيم، ص 11، 308-309؛ ويُنظر أيضًا: مطر، ص 13، 20، 25-27.

[68] يُنظر: غانم، ص 112، 115.

[69] يُنظر: إبراهيم، ص 7-9.

[70] رامان سِلدن، النظرية الأدبية المعاصرة، ترجمة جابر عصفور (القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، 1998)، ص 55.

[71] للمزيد، يُنظر: سِلدن، ص 56-58.

[72] حول مدى تأثُّر لوكاش بكلّ من: نظرية المُحاكاة (Mimesis)، أي مُحاكاة الطبيعة عند أرسطو، والمدرسة الواقعية عند بلزاك، ونقد لوكاش لكل من المدرسة الطبيعية ولا سيّما الروائي إميل زولا (Émile Zola، 1840-1902)، والمدرسة التعبيرية في ألمانيا، والمدرسة السريالية (Surrealism) في فرنسا، وغيرها، يُنظر ويُقارن مع: غانم، ص 113، 116- 118؛ ويُنظر أيضًا: لوكاش، دراسات في الواقعية، ص 61، 174-176، 191، 220-221.

[73] يستند هذا المنظور إلى رؤية تشيرنيشفسكي القائلة إنَّ الجمال حالةٌ خاصة في داخل النسق الجمالي (العمل الفني)، إذ إنَّه شكلٌ فريد من أشكال الانعكاس الجمالي والتركيب الفني، لا يظهر إلا في ظلّ ظروف اجتماعية- تاريخية ملموسة وملائمة. للمزيد، يُنظر:

Lukács, The Specificity of The Aesthetic, pp. 13, 226, 228, 263.

وفي موضعٍ آخر، يُعرف لوكاش مفهوم "الفن" تعريفًا مجردة، إذ يشدد على أنه "اختيار ما هو جوهري وطرح ما هو غير جوهري"، قياسًا على قول الفنان التشكيلي الانطباعي ماكس ليبرمان (Max Liebermann، 1847-1935)، إن "الرسم معناه الطرح"، يُنظر: جورج لوكاتش، معنى الواقعية المعاصرة، ترجمة أمين العيّوطي (القاهرة: دار المعارف، 1971)، ص 66-67. 

[74] للمزيد، يُنظر ويُقارن مع:

Lukács, The Specificity of The Aesthetic, pp. 282-284.

[75] للمزيد، يُنظر:

 Ibid., p. 13-14, 16, 216-217, 296-298.

[76] للمزيد، يُنظر: لوكاتش، معنى الواقعية المعاصرة، ص 67-68، 96-97؛ ويُنظر أيضًا ويُقارن مع: غانم، ص 114-115.

[77] للمزيد، يُنظر:

Lukács, The Specificity of The Aesthetic, pp. 14- 16, 300- 301;

ويُنظر أيضًا: لوكاتش، معنى الواقعية المعاصرة، ص 70-72.

[78] للمزيد، يُنظر: لوكاش، دراسات في الواقعية، ص 34-36، 152-157؛ ويُنظر أيضًا: غانم، ص 113-115، 118.

[79] يُنظر: لوكاش، بلزاك والواقعية الفرنسية، ص 9، 12-13؛ ويُنظر أيضًا: جيمينيز، ص 351-354. 

[80] Lukács, The Specificity of The Aesthetic, p. 263.

[81] للمزيد من التفاصيل حول خصوصية الانعكاس الجمالي، ومدى تداخله مع الانعكاس العلمي، ولا سيما في مرحلة نشأة الفنون والأعمال الفنيّة، وكيف كانت هذه النشأة مرتبطةً بالدين والسحر، وتستعين بالعلم أيضًا، يُنظر:

Ibid., p. 242-243, 250-251, 362, 291.

[82] لوكاتش، معنى الواقعية المعاصرة، ص 39.

[83] يُنظر أيضًا ويُقارن مع: لوكاش، بلزاك والواقعية الفرنسية، ص 21-23.

[84] وللمزيد من التفاصيل حول عد "الفن ثمرة فاعلية الإنسان الاجتماعية" عند لوكاش، وتأثره بعلم الجمال عند هيغل وغوته، يُنظر: لوكاش، دراسات في الواقعية، ص 53، 141-143، 233-239؛ ويُنظر أيضًا:

 Lukács, The Specificity of The Aesthetic, pp. 229- 230.

[85] للمزيد من التفاصيل حول نصّ المرسوم ذاته الصادر في 23 نيسان/ أبريل 1932، وأسبابه صدوره، والجهة التنظيمية التي أسست لغرض المباشرة بتنفيذه (أي اتحاد الكتاب السوڤيات)، يُنظر:

John Bowlt (trad & ed.), Russian Art of The Avant- Garde: Theory and Criticism 1920- 1934 (New York: Thames and Hudson Inc., 1988), pp. 288-290.

[86] للمزيد، يُنظر:

Katerina Clark, The Soviet Novel: History as Ritual (Chicago: The University of Chicago Press, 1981), pp. 3-6, 8-9, 14.

[87] للمزيد من التفاصيل حول أوجه الاختلاف بين هاتين المدرستَين في الأدب، يُنظر: لوكاتش، معنى الواقعية المعاصرة، ص 122-128، 130، 133.

[88] للمزيد من التفاصيل حول شخصية "البطل الإيجابي" في الرواية السوڤياتية، يُنظر:

 Clark, pp. 4, 10, 16, 46- 48.

[89] يجدر بالذكر أنَّ كلاك هنا تستشهد بأمثلةٍ من منظورات باختين الأدبية في المقام الأول. وللمزيد، يُنظر:

Ibid., p. 37-40.

[90] للمزيد، يُنظر: لوكاتش، معنى الواقعية المعاصرة، ص 128-129، 131-135، 144؛ ويُنظر أيضًا: لوكاتش، بلزاك والواقعية الفرنسية، ص 22-25.

[91] للمزيد، يُنظر: لوكاتش، معنى الواقعية المعاصرة، ص 135-139؛ ويُنظر أيضًا ويُقارن مع: جورج لوكاش، بلزاك والواقعية الفرنسية، ص 11-12، 16-21، 24.

[92] لوكاتش، معنى الواقعية المعاصرة، ص 122، 143، 146-147.

[93] يُنظر ويُقارن مع: لوكاتش، معنى الواقعية المعاصرة، ص 180-183.

[94] يُنظر:

 Livingstone, pp. xx.

[95] نقلاً عن: إرفون، ص 54. ولمزيد من التفاصيل حول موقف لينين، وأفكار لوكاش في مقالته هذه، المنشورة في مجلة الشيوعية Kommunismus، العدد 6، 1/3/1920، ويُنظر أيضًا:

Lukacs, Tactics and Ethics, pp. xvi- xvii, 53- 63.

وحول رأي لينين بشأن لوكاش والشيوعيين الهنغاريين عامة، وطبيعة التكتلات الحزبية في داخل الحزب الشيوعي الهنغاري، يُنظر أيضًا: Eörsi, pp. 78-79.

[96] للمزيد، يُنظر:

Lukacs, Tactics and Ethics, pp. 248-353.

[97] للمزيد، يُنظر: إرفون، ص 76-78. ويُنظر أيضًا:

 Eörsi, pp. 74-78.

[98] Anderson, p. 31.

[99] للمزيد، يُنظر: إرفون، ص 54-57. ويُنظر أيضًا: جورج لوكاتش، مُراسَلات جورج لوكاتش، ترجمة نافع معلا (دمشق: منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، 2010)، ص 418-421.

[100] للمزيد، يُنظر: جورج لِختهايم، "جورج لوكاش"، في: أندرو سنكلير وجورج لختهايم وريموند ويليامز، ثلاثة وجوه للثورة: غيفارا ولوكاش وأورويل، ترجمة ماهر الكيّالي سلسلة عالم الفكر العالمي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1994)، ص 258-261، 290-291.

[101] للمزيد، يُنظر: برونر، ص 41-42، 47-49، 52-53.

[102] للمزيد من التفاصيل حول طبيعة علاقة تنظيمات الحزب الشيوعي بمفكِّري الماركسية الغربية، سواء أمن ظل منهم محتفظًا بانتمائه الحزبي، مثل لوكاش وألتوسير وأنطونيو غرامشي (Antonio Gramsci)، أم غيرهم مِمنْ طُردوا أو انشقوا على الحزب الشيوعي، مثل كورش وبلوخ، أم لم تربطهم أي صلةٍ تنظيمية، ولا سيما دُعاة مدرسة فرانكفورت مثل ماكس هوركهايمر (Max Horkheimer، 1895- 1973) وهربرت ماركوز (Herbert Marcuse، 1898-1979)؛ يُنظر:

 Anderson, pp. 25- 26, 29- 39.

[103] للمزيد من التفاصيل حول سيرة حياتهِ، يُنظر:

Andy Blunden, “Lukács, Georg (1885-1971),” Marxists Internet Archive, accessed on 11/02/2026, at: https://acr.ps/hBxQIuv

[104] يُنظر:

 Livingstone, pp. xx- xxi.

[105] للمزيد، يُنظر: لِختهايم، ص 252- 253.

[106] للمزيد، يُنظر: مجيد، ص 196-198؛ ويُنظر أيضًا:

 Jay, pp. 116-117.

[107] سليم رضوان، "جورج لوكاش مَسارُ فيلسوف"، ص 7، 8-9.

المحتويات

الهوامش