الأدب الشعبي شكل من أشكال الإبداعات الشعبية التي تعبر بها المجتمعات عن نفسها. أحد أقسام المأثورات الشعبية الخمسة، وهي: العادات والتقاليد الشعبية، والمعتقدات والمعارف الشعبية، والثقافة المادية، والفنون الحركية الشعبية، إضافة إلى الأدب الشعبي. تعددت أقسامه وخصائصه، ويضم أنواعًا وأشكالًا متنوعة، مثل الحكاية الشعبية، والسيرة الشعبية، والأمثال الشعبية، والألغاز الشعبية، والنكتة الشعبية، والأغاني الشعبية، والشعر الشعبي، والتعابير والأقوال الشائعة. اهتم العرب مثل: الجاحظ والتوحيدي وابن خلدون والأبشيهي وغيرهم من المحدثين برصد هذه الأشكال الشعبية في كتبهم. ويعود الفضل في جمع نصوص الأدب الشعبي العربي، ودراسته على أساس علمي إلى بعض المستشرقين في القرن التاسع عشر، ثم أصبح مادة لكثير من النقاد العرب في بدايات القرن العشرين ومنتصفه. وتفاوتت الرؤى في تقييم أهمية دراسة الأدب الشعبي العربي في الجامعات بين مؤيد ومعارض.
تعريفه
الأدب الشعبي مصطلح ينتمي إلى دراسات الأدب والنقد، ويُعرف في الإنكليزية بـ Folk Literature أو Popular Literature[1]، ويتقاطع مع تسميات عند ريتشارد دورسون (Richard Dorson، 1916-1981) مثل الفن القولي (Verbal Art)، والأدب الشفاهي {{الأدب الشفاهي: أو الشفوي (Oral Literature/ Orature) نصوص أدبية من الأدب الفولكلوري تنقل شفهيًّا عبر الأجيال في ثقافة معينة؛ وهي ضاربة في القدم في التاريخ، وهي منتشرة قبل الكتابة وبعدها.}}، والأدب التعبيري (Expressive Literature)[2]، والأدب غير المدون. فالأدب الشعبي قديم جدًا، وقد ظل ملاصقًا لمراحل نشأة الإنسان وتطوره كلها. إذ عرف الإنسان أشكالًا متنوعة من الأدب الشعبي لازمته طوال مراحل حياته، مثل الغناء والهدهدة {{الهدهدة: أغنية رقيقة تغنيها الأمهات للأطفال لتشجيعهم على النوم.}}، والحكايات الشعبية {{الحكايات الشعبية: جنس أدبي قصصي تناقل عبر الأجيال مشافهة ولا يعرف مؤلفه غالبًا. تلقفته العامة في ثقافة معينة وتناقلته لاحتوائه على أهمية ثقافية عندهم.}}، والألعاب الشعبية وأغانيها، والسير الشعبية وأغاني الزواج والخطوبة، وأغاني العديد {{أغاني العديد: غناء أدائي منسوب إلى المعددات أو الندابات، وهن مجموعة نساء - اشتهرن في الثقافة العربية وخاصة المصرية - ينشدن مقطوعات غنائية حزنًا على الشخص المتوفّى، وتحدث غالبًا أثناء طقوس الجنازة.}} وغيرها.
تعددت تعريفات الأدب الشعبي بتعدد أقسامه وخصائصه. فهناك فئة من المتخصصين تركز في تعريفها للأدب الشعبي على الشكل، فتعرفه بأنه "الأدب المجهول المؤلِّف، العامي اللغة، المتوارث جيلًا بعد جيل بالرواية الشفوية"[3]. وعرفه آخرون من ناحية المضمون بأنه "الأدب المعبر عن مشاعر الشعب، في لغة عامية أو فصحى"[4]. وهناك فئة ثالثة تُرادِف بين الأدب العامي والشعبي فترى أن الأدب الشعبي يساوي الأدب العامي، "قديمًا كان أو حديثًا، مسجلًا كان أو مرويًّا شفاهًا، مجهولَ القائل أو معروفَه"[5]. ويرى حسين نصار (1925-2017) أن الأدب الشعبي هو ما "يعبر عن مشاعر الشعب وأحاسيسه، فالأدب الشعبي هو الذي يصدره الشعب فيعبر عن وجدانه، ويمثل تفكيره، ويعكس اتجاهاته ومستوياته الحضارية"[6]. ويعرفه أحمد رشدي صالح (1920-1980) مستخدمًا اسم الفن الفلكلوري بأنه: "فن القول التلقائي العريق المتداول بالفعل، المتوارث جيلًا بعد جيل، المرتبط بالعادات والتقاليد"[7]. ويقترح أحمد مرسي تعريفين، يكمل كل منهما الآخر، أو بمعنى أدق يفسر كل منهما الآخر؛ فيرى أن الأدب الشعبي "هو أسلوب التعبير الفني المأثور عن الفكر والعادات والتقاليد الجمعية، الذي يتوسل بالكلمة"[8]. أما عن تعريفه الثاني الذي يقترحه فيرى أن "الأدب الشعبي هو الإبداع الفني الجمعي المأثور الذي يتوسل بالكلمة"[9]. ويرى مرسي أن هذين التعريفين يتضمنان "أهم ما يميز الأدب الشعبي، وهي أنه يعبر عن وجدان جمعي، وأنه متداول سواء عن طريق التدوين أو المشافهة"[10]، رافضًا أن يكون "المعيار اللغوي أساسًا للتفريق بين ما هو شعبي، وما هو غير شعبي، على الرغم من أن أكثر المعرفين قد ركزوا على هذا المعيار، وكان محل اتفاق غالبيتهم"[11].
والأدب الشعبي هو الأدب الذي يعبر به الشعب بنفسه عن نفسه إلى نفسه. فالشعب هو أساسه ومحوره من حيث الإبداع والتلقي والمضامين والموضوعات التي يتناولها. وينبغي أيضًا إعادة النظر في تعريف الأدب الشعبي في ضوء المتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية الراهنة، التي تفرض نفسها بين الحين والآخر، والتي يأتي على رأسها وسائل التواصل الاجتماعي والوسائط المعرفية الحديثة.
خصائصه وسماته
للأدب الشعبي خصائص وسمات متنوعة؛ من أبرزها مجهولية المؤلف، وجماعية التأليف، والتداول الشفاهي، والمرونة، وغيرها، وقد تشترك بعض هذه الخصائص مع أنواع أدبية أخرى.
مجهولية المؤلف
يغلب على النصوص الأدبية الشعبية أنها مجهولة المؤلف. ومجهولية المؤلف لا تعني بالضرورة عدم وجود مؤلف فرد للنص الشعبي، لكنه سقط من الذاكرة الشعبية بمرور الزمن لتوارثه جيلًا بعد جيل شفاهيًّا. تتبنى الجماعة والأجيال النص، فلا يدّعي فرد محدد إبداعه وامتلاكه. وقد تعني مجهولية المؤلف تعدد المؤدين للنص الشعبي الواحد أو ما يعرف بالجماعة المؤلفة، فالمبدع الفرد للنص (مؤلفًا ومؤديًا له) "حين يتنازل عن ذاتيته أو فرديته لصالح الجماعة، فإنه في جوهر الأمر يحقق بذلك صالحه. إن ذلك يعني اعترافًا منه بمصدره وتسليمًا راضيًا وصحيحًا بحدود دوره في عملية الإبداع، وهو يضمن لإبداعه حماية اجتماعية وفنية لا تؤمنها له فرديته أو أناه المطلقة"[12].
وتدفع مجهولية المؤلف إلى التساؤل عن ماهية هذا المؤلف وأسباب سقوطه من الذاكرة الشعبية. على سبيل المثال، قد يلقي الشخص (مؤلف القطعة الشعبية) حكايةً أو نكتة {{نكتة: شكل أدبي شعبي يسرد شفهيًّا، ويهدف إلى التسلية وإدخال المتعة على مستمعيه. تختلف عن الحكايات الطريفة بكثافة لغتها وحملها لفكرة بألفاظ قليلة.}} أو لحنًا ما، فإن لم تلقَ قبولًا بين الجمهور المستمع لها ستفقد شعبيتها وتتلاشى فورًا. فالقبول والاستساغة شرط لا غنى عنه لوصف نص ما بالشعبية. وعند استماع شخص ثان إلى هذا النص وإعجابه به، ينقله إلى شخص ثالث، وسينقل الحكاية أو اللحن منسوبًا إلى مؤلفه الأول، وهكذا مع الشخص الثالث عند نقله إلى شخص رابع. وبمرور الزمن وتعاقب الأجيال، غالبًا ما يسقط مؤلف النص من الذاكرة الجمعية وينصب الاهتمام على النص وقيمته الفكرية من دون الاهتمام بقائله. وستُعطى الأهمية للقول أو النص لأنه يحمل نسقًا قيميًّا يتوافق وقيم الجماعة الشعبية التي تردده من دون الحاجة إلى معرفة مؤلفه. فالأصل في الإنتاج الأدبي، شعبيًّا كان أم رسميًّا، هو الفردية، ليس كما تقول نبيلة إبراهيم، أن "الفرد الخلاق لا يعيش حياة ذاتية بعيدة عن المجموع، وإنما يعيش حياة شعبية صرفة. وهو بما له من نشاط إبداعي خلاق، يخلق الكلمة المعبرة التي سرعان ما تلقى هوى بين أفراد الشعب جميعهم، إذ تكمن فيها روحه وتجاربه ومشكلاته"[13]. لذلك فإن "مجهولية المؤلف لا تعني لا شخصية الإبداع الشعبي، ومجهولية الأعمال الفولكلورية، وعدم انتسابها إلى مؤلف، ترجع إلى أن أسماء المؤلفين لم يُكشف عنها في معظم الحالات [...] فالأعمال الشعبية لها مؤلفها وإن كانت الرواية لم تنقله لنا لسبب حول حياة وأعمال رواة التراث الشعبي أو من يُطلق عليهم (حملة الفولكلور) عن الدور الذي تلعبه المهارة الفنية الشخصية والتدريب والموهبة والذاكرة ومختلف أوجه نشاط العقل الفردي"[14].
ويمكن نسبة مجهولية المؤلف في الأدب الشعبي إلى الحرص على تفادي الضرر الذي يلحق بالمؤلف جراء القمع السياسي أو الاجتماعي الذي قد يتعرض له، ويرتبط هذا بالنكت أو المهازل السياسية التي تُعنى بالسخرية من صناع القرار أو المحتل، أو بسبب الهروب من الرقابة الاجتماعية. فعند تحرر المؤلف من نسبة نصه إليه، فإنه يكتسب حرية قول ما يريد دونما خوف رغم حقيقة أن مجهولية المؤلف يمكن تفسيرها هنا بوصفها نوعًا من "الانصياع لشروط اللحظة التاريخية" التي ألّف فيها المؤلف نصّه الشعبي، وتهرب من الواجب الذي ألقي على عاتقه[15].
جماعية التأليف
إن مجهولية المؤلف قد تحمل في مضمونها فكرة جماعية التأليف. وجماعية التأليف لا تعني اتفاق جماعة ما على المشاركة في تأليف نص شعبي في وقت ومكان محددين، ولكن تناقل نص ما شفاهًا، وتداوله على نحو عفوي بين أجيال مختلفة عبر الزمان والمكان، يؤدي إلى إسهامات عفوية ومقصودة في بناء الحكاية الشعبية. فمؤلف النص الشعبي، الذي صاغه بكلماته في أول مرة، ليس بالضرورة أن يكون المسهم الوحيد في النص الذي وصل إلى الأجيال اللاحقة، ولكنه يتعرض إلى تطويع وتغيير وإضافة متكررة مع كل إلقاء وأداء جديد، فتظهر إسهامات جديدة متكررة في التأليف عندما تخضع لظروف المجتمع الجديدة ولقبول الجماعة الشعبية له، ما يكسبه تداولًا وجماهيرية تزدادان مع مرور الوقت.
التداول والنقل الشفاهي
تتمثل الخصيصة الثالثة للأدب الشعبي في تناقله شفاهيًّا عبر الكلمة المروية أو المنطوقة أو المغناة المسموعة. ويعتمد وجوده على الذاكرة والبقاء في أذهان الناس. ويمتاز بالقدرة على مواكبة الجديد مع المحافظة على الخط السردي العام للنص المروي، كذلك يميل الأدب الشعبي إلى القوالب والأنماط الصيغية الجاهزة، لأنها تعين الذاكرة على الحفظ والتذكر والارتجال في أحيان كثيرة. وهذا ما يُلمس بيسر في الافتتاحيات التقليدية للنصوص الشعبية وفي خاتمتها، والصيغ المحفوظة الجاهزة. ويتقاطع الأدب المروي مع الأدب الشعبي على نحو يتبع فيه كل منهما قوالب وأنماطًا تسهل عملية التذكر، فكل "نص مروي له هيكل متوهم، ونضرب له مثلًا عمود القصيدة العربية والهيكل مليء بالوحدات مثل الكلمة المفردة والصيغة والقافية والروي والوزن والأبيات. الذاكرة تحتفظ بالوحدات الأساسية في تكوين الهيكل مثل الوزن والقافية والمطلع والخاتمة والتشطير والأبيات [...] إلخ. لكن كل الوحدات التي لا تضر بالهيكل ضررًا ظاهرًا تقبل دائمًا ما نطلق عليه الإسقاط والإبدال. إذا سقطت وحدة لجأت الذاكرة فورًا إلى إبدالها، وتحل محلها وحدة مساوية في الحجم، ومساوقة في الكيف، حتى تتم المحافظة على الهيكل. وهكذا تتعدد الروايات للنص الواحد، ومن هنا استمرار حركة النص، ما يفتح بابًا واسعًا للاختلافات داخل الموضوع الواحد الأمر الذي أدى إلى اختراع المأثور (اختلاف أمتي رحمة)"[16].
المرونة
أكسب التناقل الشفهي الأدب الشعبي خصيصة أخرى هي المرونة، أي عدم الثبات النصي أو الروائي بشكل واحد. فالنص والرواية الشعبية يتسمان بالمرونة والقدرة على التغيير بالحذف أو الإضافة حسب ظروف الأداء وسياقاته، ومدى تفاعل الراوي الشعبي مع الجمهور، إلى الحد الذي يجعل كل أداء جديد بمنزلة نص جديد. هذا لا ينكر ثبات بعض النصوص عبر الزمن، لكن السمة الغالبة هي مرونة هذه النصوص وقدرتها على التكييف حسب السياق. وهذا التغيير يقع عند حدوث عملية التفاعل بين الراوي والجمهور الذي قد يشارك أحيانًا في هذا التغيير. إن كل نصٍ "يعاد تأليفه ساعة الأداء، يتم في عملية جدلية بين الراوي والمتلقي. إذا لم تتم عملية التفاعل فإن النص يسقط، فكل النصوص التي في أيدينا هي بصورة أو بأخرى تأليف جرى ساعة تسجيل النص أو ساعة أدائه"[17].
التركيز على القول لا القائل
من خصائص الأدب الشعبي الاهتمام بمضمون القول أكثر من القائل. فبرواية نكتة أو مثل شعبي غالبًا ما يُتجاهل القائل الأساسي، لأن الاهتمام منصب على القيمة الأخلاقية أو الاجتماعية المتضمنة فيهما. وهذا يتمثل في القول السائد والسابق لرواية المثل بالقول "على رأي المثل" من دون أن الانشغال بالمؤلف. وكثيرًا ما يتحول النص الرسمي إلى نص شعبي عندما ينشغل متلقيه بالقيمة التي يحملها أكثر من انشغاله بقائله كشطر بيت المتنبي "تَجْرِي الرِّياح بما لا تَشْتَهِي السُّفُن" الذي صار متداولًا على ألسنة الناس من غير معرفة قائله، أو "الأُذْنُ تَعْشَقُ قَبْلَ العَيْنِ أَحْيانا" لبَشّار بن بُرْد، وكذلك "ما الْحُبُّ إِلَّا لِلْحَبِيبِ الْأَوَّلِ" لأبي تمام. فهذه الشطرات أو الأبيات الشعرية كلها انتشرت على لسان العامة من دون الحاجة إلى معرفة مؤلفها، وتداولها الناس بالطريقة نفسها التي تجري بها رواية النصوص الشعبية، وبهذا تكون هذه النصوص قد اكتسبت صفة الشعبية في العصر الحديث لاستمرارية تداولها والاهتمام فقط بالنص المقول، وانصراف الذهن عن القائل. ويفسر عبد الحميد يونس أسباب هذه الخصيصة، أي غلبة النص على صاحبه بقوله: "إن السبب في إيثار القول على القائل عند الشعوب هو غلبة الوجدان الجمعي على الوجدان الفردي، ومن هنا لم تُعنَ الجماعات أو الشعوب بأسماء المؤلفين بقدر ما عنيت بالأدب نفسه، ومن هنا أيضًا اختفى الحد الفاصل في الأدب الشعبي بين المبدع من ناحية وبين المتذوق أو المتلقي وهو الشعب أو الجماعة من ناحية أخرى، حتى يستطيع الباحث أن يقول إن الشعب هو المؤلف وهو المتذوق أو المتلقي في آن واحد"[18].
محورية دور الجمهور
يتفاعل الجمهور مع الأدب الشعبي أكثر من الآداب الأخرى، ويأتي هذا التفاعل بمشاركته في عملية الأداء والتأليف. إن قبول الجمهور للنص وما يتضمنه شرط أساسي في تداوله شعبيًّا، فـ"المستمع جزء لا يتجزأ من الأداء، لا يقل الدور الذي يلعبه المستمع في تشكيل الأداء أهمية عن دور المؤدي"[19]. إن دور الجمهور في النصوص الشعبية دور بنّاء يحدث بمجرد الاستماع أو التلقي. ويعبر الأدب الشعبي أيضًا عن قضايا هذه الجماعات الشعبية المتلقية له. ويخلص بول زومتور (Paul Zumthor، 1915-1995) إلى أن الجمهور يسهم في "إنتاج العمل الفني أثناء الأداء، إذ إنه مستمع، مؤلف بقدر لا يقل إلا نزرًا يسيرًا عن المؤلف المنفذ. هنا مكمن خصوصية ظاهرة التلقي في الشعر الشفاهي"[20].
غلبة العامية
يرتبط الأدب الشعبي باللغة التي نُقل بها، وتغلب اللغة العامية على روايته من دون أن ينفي ذلك إمكانية استخدام اللغة الفصحى في بعض الأحيان. فلغته تتراوح بين الفصحى والعامية والفصحى الركيكة والمهشّمة أو العامية المفصّحة، وإن كانت الغلبة للعامية بفضل قدرتها على استيعاب المتغيرات والتعبير عنها لما تتميز به من مرونة تجعلها دائمًا قابلة للنمو، قادرة على استيعاب الجديد من المتغيرات الاجتماعية، لكن الناقد أحمد مرسي يعارض فكرة أن يكون "المعيار اللغوي أساسًا للتفريق بين ما هو شعبي، وما هو غير شعبي، على الرغم من أن أكثر المعرفين قد ركزوا على هذا المعيار، وكان محل اتفاق غالبيتهم"[21]. وينطبق ذلك على المدائح الصوفية وكثير من الأغاني الدينية مثل أغاني التخمير الدينية. ويتضح من هذا أن اللغة ليست معيارًا للتفرقة أو التمييز بين الأدب الرسمي والشعبي.
الأدب الشعبي والأدب الرسمي
الأدب الرسمي أو الفصيح أو الأدب الفردي أو الأدب المدوّن أو الأدب الخاص أو الأدب الذاتي مصطلحات مترادفة تقريبًا تدل على ذلك الأدب الذي يحمل خصائص تقف على النقيض مع تلك التي يحملها الأدب الشعبي. فـ"الأدب الذاتي يختلف ولا شك في شكله وتعبيره عن الأدب الشعبي. فالإنسان الفرد الذي يحرص على أن يدوّن اسمه في تاريخ الأدب، يتحتم أن يكون أدبه مُجليًا لذاتيته ولروح عصره. فإذا فشل في تحقيق ذلك، فإن أدب هذا الفرد لا يعيش مع الأجيال. وإذا هو قُدِّر له أن يعيش، فلفترة قصيرة. أما الأدب الشعبي فهو ينبع من الوعي واللاشعور الجمعي"[22]. إن الأدب الرسمي - وهو المصطلح الأكثر شيوعًا وتداولًا من المصطلحات الأخرى المرادفة له - يُنسب إلى مؤلف معروف، يحمل تجربته ومشاعره الذاتية. ويغلب على تناقله التدوين الذي يعمل على تثبيت النص وحفظه من الضياع والتغيير، ما يعمل على ثبات النص، فالنص ملك لصاحبه. وتغلب على الأدب الفصيح اللغة الفصحى، مع إمكانية استخدام اللغة العامية في بعض الأحيان كما هو الحال في بعض النصوص الروائية، وإن بدأت دائرة استخدام العامية تتسع في الآونة الأخيرة، كما هو الحال في الشعر الواقعي على سبيل المثال. أما عن دور الجمهور فيه فدوره متلقٍّ سلبي، لا يملك حق التغيير أو المشاركة في التأليف، وإنما يتوقف دوره فقط عند القراءة التي غالبًا ما تكون قراءة فردية.
ويندرج تحت الأدب الرسمي، نوعان آخران من الأدب، هما: الأدب العامي والأدب الشائع، هذا بالرغم من إدراج معظم الدارسين لهما تحت مصطلح الأدب الشعبي وليس الرسمي لحدوث خلط لدى بعض الدارسين لاعتمادهم في مفهوم شعبية الأدب على اللهجة العامية. في حين يرى بعض الباحثين أن الأدب العامي "وسط بين الفصيح والشعبي، إلا أنه معروف قائله غير ملتزم بعمود الشعر، وقد طرق باب هذا الأدب الشعراء المصريون في عصر المماليك عامة، وطبقة أصحاب الحرف أمثال أبي الحسين الجزار، والسراج الوراق، وابن دانيال الكحال، والنصير الحمامي، وإبراهيم المعمار الحائك، وغيرهم من أصحاب الحرف خاصة"[23]. ولكي يُصنَّف الأدب العامي على نحو دقيق، كان لا بد من التعرف إلى أهم خصائصه. فهو يحمل خصائص الأدب الرسمي جميعها من حيث نسبته إلى مؤلف فرد معروف، ويعتمد على التدوين، ونصوصه ثابتة غير قابلة للتغيير بالحذف أو الإضافة، ودور الجمهور فيه مجرد متلقٍ فقط، وإن كان تفاعله مع النص أكثر بسبب سهولة اللغة وبساطتها واقتراب القضايا والمضامين من هذا الجمهور.
هناك خلط ملحوظ بين الأدب الشعبي والأدب الشائع، أو بمعنى أدق الفن الشائع، مثل أغاني "المهرجانات" في القرن الواحد والعشرين. أطلق بعضهم على الأغاني الشائعة فنونًا شعبية، والحقيقة أن هذه الفنون تُعدّ فنونًا رسمية لا شعبية لتوافر سمات الرسمية فيها كلها من حيث نسبتها إلى مؤلف فرد معروف وارتباطها بنص ثابت أحيانًا، يغير بعض المغنين في أدائها أو في نصوصها تغييرات محدودة، ولكن شيوع هذه الأغاني وانتشارها بين فئات ومهن شعبية مثل مهنة السواقة، جعل بعضهم يربط بينها وبين الأدب الشعبي غير أن المصطلح الأدق هو مصطلح الأغاني الشائعة (Popular Songs)، فهي أغانٍ تنتشر في أوساط شعبية معينة نظرًا لأنها تتناول قضايا حياتية معيشة، ومعظمها يتحدث عن الشهامة والمروءة المفقودة والظلم الذي يتعرض له البشر في دنيا يشيع فيها الظلم، إلى غير ذلك من تلك القضايا الحياتية. ولغتها بسيطة جدًا أيضًا، فهي لغة العوام. غير أن هذه الأغاني الشائعة - التي لا تخرج كثيرًا على مصطلح الرسمية - إما أنها تتحول من أغانٍ شائعة إلى أغانٍ شعبية مع مرور الوقت وتناقل الأجيال وتداولها على الألسنة، وإما أنها تأخذ نصيبها من الشيوع والجماهيرية، ثم سرعان ما تخمد وتفتر هذه الجماهيرية مع مرور الوقت، وتُنسَى.
فهذه التقسيمات بين الأدب الشعبي والآداب الرسمية والعامية والشائعة تقسيمات تعسفية، دفعت إليها تلك التمايزات التي رسخت لها النُخب العربية، التي قسمت الأدب إلى أدب صفوة ونخب جدير بالإنصات إليه، وتلقّيه وتداوله، وآخر هو أدب العوام ممن ينتمون إلى طبقات دنيا، وهو عبارة عن خرافات وخزعبلات مُفسِدة وجالبة للضرر فرديًّا واجتماعيًّا. وهو ما سبق أن تصدى له ميخائيل باختين (Mikhail Bakhtin، 1895-1975) عندما كان مجتمعه يواجه المشكلة نفسها. فباختين يرى أن الانفصال بين الثقافة الشعبية والثقافة الرسمية قد تكرس بفعل تزايد الانقسام أو التمايز بين الطبقات[24]. إن النمط العام للمجتمع قد أصبح يرى أن كل ما هو رسمي يجب أن يكون جادًا، أما روح الضحك العابثة فيجب التخلص منها، وإنقاصها إلى المستوى الخاص بالعامة. لقد ظل تيار البهجة والمرح والضحك القديم حيًّا من خلال هذه الثقافة الشعبية، وهذه الثقافة الشعبية - في رأي باختين - هي القناة الأساسية التي تعبر الجماعات والشعوب من خلالها عن نفسها، وينتشر هذا التعبير منها بعد ذلك إلى المستويات كلها، بما في ذلك المستويات الرسمية التي تحاول أن ترتدي قناع الجدية دائمًا، لكنها أحيانًا ما تفلت منها بعض الضحكات[25]. فهذا التقسيم الاجتماعي أو الطبقي للأدب وليد تفاوت طبقي ترسخ له النخبة، وللأسف تسرب إلى المتخصصين، من دون أن يواجهوه، على نحو ما تسرب إلى النقاد الذين يحصرون الأدب عندهم في دائرة الأدب الرسمي {{الأدب الرسمي: مصطلح قد يطلق على الأدب التي تختاره الدولة وتروج له، أو يطلق على النصوص المدونة من الأدب الفصيح والتي تتبع نسق كتابة الأدب المعروفة وقواعده وبنيته.}} سواء بمعناه الضيق، الذي يشير إلى الرواية والشعر المكتوب بالفصحى، أو ذلك الذي قد يتسع ليشمل - إلى جانب ذلك - الأدب العامي. وهم في ذلك يستبعدون الأدب الشعبي بأنواعه الأدبية المختلفة مثل السير والحكاية والأغنية والألغاز والأمثال الشعبية من دائرة تعريفاتهم للأدب.
الأنواع الأدبية الشعبية: المصطلحات والتصنيفات
تتعدد الأنواع الأدبية الشعبية تعددًا ملحوظًا، واختلف تصنيفها بين باحث وآخر. وتقسمت حسب النوع إلى الحكاية الشعبية، والسيرة الشعبية، والأغنية الشعبية، والشعر الشعبي، والمثل الشعبي، والنكتة الشعبية، واللغز الشعبي. ظهرت عدة تصنيفات للأنواع الأدبية الشعبية التي من أبرزها تصنيف المؤرخ الأمريكي ريتشارد دورسون، وتصنيف أحمد رشدي صالح، وتصنيف نبيلة إبراهيم، وتصنيف محمد الجوهري.
أ. تصنيف ريتشارد دورسون: ويضم الحكايات الشعبية، والأغاني الشعبية، وأهازيج الطقوس الدينية، والألغاز، والأهازيج، والأسطورة، والأمثال، والنكتة[26].
ب. تصنيف أحمد رشدي صالح: يصف محمد الجوهري تصنيف صالح بأنه أقدم التصنيفات المصرية والعربية، وأوفاها وأكملها، وأقربها جميعًا إلى الإحساس بالواقع الشعبي المصري الحي[27]. ويضم تصنيفه المثل، واللغز، والنداء، والنادرة، والحكاية الشعبية، والسيرة الشعبية، والتمثيلية التقليدية، والأغنية، والموال.
ج. تصنيف نبيلة إبراهيم: تصنف نبيلة إبراهيم الأدب الشعبي في كتابها أشكال التعبير في الأدب الشعبي إلى الحكاية الشعبية، والحكاية الخرافية، والأسطورة (أسطورة الأخيار والأشرار، والأسطورة الكونية)، والمثل، والنكتة، واللغز، والأغنية الشعبية[28].
د. تصنيف محمد الجوهري: يضم تصنيف محمد الجوهري في كتابه علم الفلكلور قائمة أطول إذ يصنف الأعمال الآتية إلى أدب شعبي: السير الشعبية (الشعرية والنثرية)؛ والأسطورة؛ والخرافة {{الخرافة: جنس أدبي ثقافي يقوم على سرد حكاية غير حقيقية، فأحداثها وشخوصها ضرب من الخيال. تهدف إلى إيصال حكمة للمستمعين، أو إثارة مشاعر الخوف عندهم، أو تقديم تفسير للظواهر الطبيعية التي لا يمكن للعقل تفسيرها. تتضمن غالبًا كلامًا منسوبًا على لسان الحيوانات.}}، والحكاية، والموال {{الموال: غناء تقليدي مرتجل، يبدأ غالبا قبل الأغنية ليظهر قدرة المغني الصوتية، وليعد المستمعين للأغنية الفعلية.}} بأنواعه المختلفة، والأغاني بأنواعها المختلفة، والمدائح الدينية، والتخمير {{التخمير: أغانٍ وأهازيج روحية يسعى مغنوها بإنشادها إلى الوصول إلى حالة المؤاخاة (أو المخاواة) بين الإنس والجن، والتواصل مع عالم الأموات، وقد يرافقها رقصات مثل الرقصات حول النعش المحمول.}}، والابتهالات الدينية، والرقى، والأمثال، والتعابير والأقوال السائرة، والألغاز {{الألغاز: مفردها لغز وهو مرادف لكلمة أحجية. نوع أدبي قديم، يُتداول شفهيًّا عادة لما يحتويه من تورية واستعارة لفظية. تقوم الألغاز على الإبهام، لكنها تكشف عن قدرة ذهنية في الربط والاستنتاج.}}، والأعمال الدرامية مثل خيال الظل، والأراجوز، والتمثيليات الدرامية، ومشاهد الحواة ونظرائها[29].
وفيما يتعلق بهذه التصنيفات المذكورة، فيمكن الإشارة إلى ملحوظتين، الأولى: هناك خلط واضح بين الأنواع الأدبية الشعبية الرئيسة والأنواع الأدبية الشعبية الفرعية، التي تندرج تحت بعضها. فمثلًا، في تصنيفات أحمد رشدي صالح ومحمد الجوهري ورد المَوّال والأغنية الشعبية بوصفهما نوعين أدبيين شعبيين، مع أن النوع الأدبي الرئيس هو الأغنية الشعبية، في حين يندرج الموال تحتها، وقد يُشار في بعض الأحيان إلى أنهما نوعان أدبيان شعبيان مستقلان، ويُشار إلى أنه يندرج ضمن الأغنية الشعبية أنواع أدبية شعبية فرعية، مثل الأهازيج وهدهدة الأطفال، وأغاني الخطوبة وأغاني الزواج والعديد والموال وأغاني التخمير الدينية، والابتهالات الدينية وأغاني الحجيج. كذلك ورد في تصنيف نبيلة إبراهيم ومحمد الجوهري الحكاية الشعبية والحكاية الخرافية، بوصفهما نوعين أدبيين شعبيين مستقلين، في حين أن النوع الرئيس هو الحكاية الشعبية، أما الحكاية الخرافية فهي نوع أدبي شعبي فرعي يندرج ضمنها. ومما يُشار إليه هو أنه يندرج ضمن الحكاية الشعبية أنواع أدبية شعبية فرعية، مثل: الحواديت/ الحكاية الخرافية وحكايات الحيوان، والمثلات الشعبية والحكايات الواقعية والأحاديث والحكايات الدينية وكرامات الأولياء والقديسين والسهاري. وهذا التفرع عن النوع الأدبي الشعبي الرئيس موجود في سائر الأنواع الأدبية الشعبية الأخرى، منها مثلًا الشعر الشعبي، إذ يتفرع عنه الشعر البدوي والشعر النبطي على المستوى الجغرافي. أما من حيث الشكل، فثمة المربع والواو والزجل والقصيد والدوبيت والموشح وغيرها. وهي تقسيمة رصدها صفي الدين الحِلِّي (1277-1339) تراثيًّا بقوله: "وعند جميع المحققين أن هذه الفنون السبعة: منها ثلاثة معربة أبدًا، لا يغتفر اللحن فيها، وهي الشعر، والموشح، والدوبيت [...] ومنها ثلاثة ملحونة أبدًا، وهي الزجل، والكان وكان، والقوما. ومنها واحد، هو البرزخ بينهما، يحتمل اللحن والإعراب، وإنما اللحن فيه أحسن وأليق، وهو المواليا"[30].
أما الملحوظة الثانية، فقد ورد في تصنيفي نبيلة إبراهيم ومحمد الجوهري إدراج الأسطورة ضمن الأدب الشعبي، في حين أن الأسطورة تُعدّ جنسًا أدبيًّا مستقلًا، وليست مجرد نوع أدبي شعبي من ضمن الأدب الشعبي. ومصدر هذا الخلط ربما يعود إلى نظرة بعضهم إلى الأسطورة بحصرها في كونها حكاية، في حين تنبغي أن تكون النظرة أكثر اتساعًا، إذ إنها قد تمثّل طقسًا واعتقادًا، بل دينًا شعبيًّا.
ومما سبق يمكن اقتراح التصنيف الآتي للأنواع الأدبية الشعبية، وهي: الحكاية الشعبية؛ والسيرة الشعبية؛ والأغنية الشعبية؛ والشعر الشعبي؛ والمثل الشعبي؛ والنكتة الشعبية؛ واللغز الشعبي؛ والتمثيليات الشعبية؛ والتعبيرات والأقوال السائرة الشعبية؛ والرقى الشعبية؛ والنداءات الشعبية؛ والهتافات الشعبية.
تاريخ دراسته واتجاهاته
لم يكن تأسيسُ أول كرسي للأدب الشعبي في الجامعات المصرية والعربية في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، وتحديدًا عام 1955[31]، محضَ مصادفة، وإنما كان امتدادًا لجهود بدأت على استحياء في أواخر القرن التاسع عشر، وامتدت مع النصف الأول من القرن العشرين. وكان الجهد الأكبر منها آتيًا من خارج الإطار الأكاديمي؛ إضافة إلى الجهود العربية التراثية - غير الأكاديمية - التي اهتمت بجمع التراث الشعبي العربي، إذ اهتم العرب القدماء، مثل الجاحظ وأبي حيان التوحيدي وابن خلدون والأبشيهي وغيرهم، برصد هذه المادة الشعبية في كتبهم، في إطار ظروف عصرهم.
أما الدراسات الحديثة، فمنها قسم ألقى الضوء على المأثورات الشعبية[32] المختلفة، بالتسجيل والتوثيق والتدوين وعرض بعضها، بدأت مع المستشرقين الذين بذلوا جهدًا كبيرًا في الجمع والتدوين[33]، واستُكمِلَت مع جهود الباحثين المصريين والعرب في هذا الاتجاه. وهو ما ينطبق على بدايات الاهتمام بالدرس الشعبي العربي المغاربي، الذي ظهرت جهود الرعيل الأول فيه "إثر النهضة الثقافية التي عرفتها البلاد المغاربية منذ منتصف القرن التاسع عشر، وأعطت ثمارها في القرن العشرين، فتصدت لوجهة النظر الاستعمارية النابعة من النظرة المركزية الأوروبية ذات الطبيعة العنصرية التي سعت إلى توجيه البحث لخدمة الأهداف الاستعمارية وعزل الجماعات المشكّلة لسكان المنطقة المغاربية بهدف التمكين للتمايزات العرقية وتسييرها وفق الاستراتيجية الاستعمارية"[34]. ومن هؤلاء الرواد المغاربيين الأوائل الذين انبروا للدفاع عن الثقافة الشعبية، وتوضيح أهمية دورها الوطني، محمد بن أبي شنب (1869-1929) من الجزائر، وعثمان الكعاك (1903-1976) من تونس. وفي الجزيرة العربية، بدأ الاهتمام متأخرًا في النصف الثاني من القرن العشرين، وإن انحصر الاهتمام بدراسة الشعر النبطي وجمعه[35].
والقسم الآخر جاء من خلال تلك الدعوة التي تزايدت - منذ ثلاثينيات القرن العشرين - مع مجموعة من المثقفين والمفكرين المصريين، لإبراز دور الأدب الشعبي، وبأنه يحتوي على بلاغة وفصاحة وبيان وصور وأخيلة تستحق الوقوف عندها. ولقد رأى أصحاب هذا الرأي أن الأدب لا ينحصر في الأدب الخاص، بل يضم أيضًا الأدب الشعبي، ومما ساعد في ترسيخ أقدام هذا الاتجاه المنادي بقيمة الأدب الشعبي، وفنيته، والدعوة إلى أهمية دراسته، أنه علم غربي. والغرب - كما هو معروف- نموذج احتذاه كثير من المثقفين العرب. كذلك كان لثورة 23 يوليو عام 1952 الأثر الأكبر في الاهتمام بما هو شعبي، والاهتمام بالفئات المطحونة والمهمشة في المجتمع، ومن ثم الاهتمام بآدابها. ودفع تنامي النزوع القومي والتحرري كثيرًا من المثقفين العرب إلى البحث في مقومات الذات العربية وعناصر وحدتها، وتاريخها الحضاري، وذلك بغية تحصين الذات ضد الآخر (الغرب). وبرز دور إبداعات هذه الشعوب، التي تعبر فيها عن نفسها وعن آمالها وآلامها وتطلعاتها. الأمر الذي كان له "أثره الكبير في بروز مقولة الشعب محملة بشحنات تحررية وسياسية. ذلك لأنه لم يعد يتم النظر إلى العامة على أنهم أعراب ورعاع، فمع التحولات السياسية صار للشعب مضمون جديد في التحليل السياسي برز مع ظهور الأحزاب السياسية والإصلاحات السياسية"[36].
ومن الدراسات العربية الرائدة في مجال دراسة الأدب الشعبي واللهجات العربية المختلفة في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، دراسات المصري إلياس بقطر السيوطي (1784-1821) التي اهتمت بدراسة العامية، التي منها معجم العامية في مصر والشام والمغرب الصادر في باريس عام 1864، وفي القاهرة عام 1872، ودراسات اللبناني طنوس الشدياق (1789-1861)، التي منها: معجم اللغات العامية، وكذلك الجهود التي بذلها المصري الشيخ محمد عياد الطنطاوي (ت. 1861) في القرن الماضي، وجاءت دراساته متضمنة نماذج من الأشعار والحكايات الشعبية. ودراسات اللبناني خليل اليازجي (1856-1889)، ومنها: الصحيح بين العامي والفصيح، ودراسات اللبناني الدكتور فيليب حتي (1886-1978)، التي منها: اللغات العامية بين لبنان وسورية. وفي سياق الاهتمام بالعامية المصرية، يوجد معجم التحفة الوفائية في أواخر القرن التاسع عشر لمؤلفه وَفَا أفندي محمد القوني (1849-1899).
ومن المؤلفات المهمة التي نشرها مصريون بلغة أجنبية كتاب بقايا مصر القديمة في الفولكلور المصري الحديث لمؤلفه محمد غلاب والمنشور في باريس عام 1929. ولقد شهدت فترة الثلاثينيات من القرن العشرين، ولا سيما بعد توقيع اتفاقية عام 1936، ازدهارًا ملحوظًا في تأليف عدد من الكتب والمقالات ذات الصلة بالأدب الشعبي وموضوعاته، أو بأحد أقسام علم المأثورات الشعبية المختلفة، ولعل السبب وراء ذلك هو محاولة الدفاع عن الهوية الثقافية المصرية، ومن ذلك كتاب تاريخ أدب الشعب: نشأته، تطوراته، أعلامه لحسين مظلوم رياض ومصطفى محمد الصباحي عام 1936، والكتاب يركز على فن الزجل في التراث العربي والعصر الحديث، راصدًا أهم رموزه[37].
ويأتي كتاب عباس محمود العقاد (1889-1964)، وعنوانه جحا الضاحك المضحك، الذي يدرس فيه شخصية جحا، سواء بوصفها شخصية عربية، أو عالمية، متوقفًا عند بعض نوادره المنسوبة إليه. ومن الدراسات العلمية الرائدة كتاب الأساطير العربية قبل الإسلام لمحمد عبد المعيد خان عام 1936، الذي يرصد فيه أهم الأساطير العربية في عصر ما قبل الإسلام.
وفي سياق دراسة الأمثال الشعبية، يأتي كتاب حدائق الأمثال العامية لفائقة حسين راغب عام 1939. وقد جمعت في جزئه الأول قرابة 16 ألف مثَلٍ. وفي مجال السير الشعبية العربية، خصص محمد فهمي عبد اللطيف كتابه أبو زيد الهلالي عام 1946، ليجيب عن سؤال بشأن مدى وجود شخصية أبي زيد الهلالي في التاريخ، وما إذا كان شخصية حقيقية أم تاريخية. ويتنوع كتاب مباحث في علم الفولكلور لمحمد لطفي جمعة، الصادر في أربعينيات القرن الماضي، في دراسة بعض مجالات الفولكلور، مثل القصص الشعبي والسير الشعبية، واللغة العامية، ولا سيما لغة "السيم"، المعروفة بين أبناء المهنة الواحدة. ويخصص فؤاد حسنين علي كتابه قصصنا الشعبي الصادر عام 1947، لدراسة بعض أشكال القصص الشعبي العربي، سواء الليالي العربية، أو السير الشعبية العربية، وقبل ذلك خصصت سهير القلماوي (1911-1997) رسالتها للدكتوراه لدراسة ألف ليلة وليلة، وقد أجازتها الجامعة المصرية عام 1943 لدرجة الدكتوراه من قسم اللغة العربية وآدابها، بكلية الآداب، جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا)، ونشرت في القاهرة عام 1944.
وفي عام 1949، صدر كتابان لأحمد تيمور باشا (1871-1930) عن لجنة النشر للمؤلفات التيمورية بالقاهرة، أولهما الأمثال العامية، وفيه يعقد المؤلف مقارنة بين بعض الأمثال العامية المصرية ونظائرها في أدب الفصحى، وثانيهما كتاب الكنايات العامية، وهو "محاولة لرصد التراكيب البلاغية العامية"[38]. هذا إلى جانب معجم تيمور الكبير في الألفاظ العامية، الذي يقع في ستة أجزاء، وكتابه عن خيال الظل، ويخصص عبد الحميد يونس (1910-1988) رسالته للماجستير لدراسة "سيرة الظاهر بيبرس في التاريخ والقصص الشعبي"، عام 1946، في حين يخصص رسالته للدكتوراه عن "الهلالية في التاريخ والأدب الشعبي" عام 1950، من قسم اللغة العربية، بكلية الآداب، جامعة القاهرة. ويهتم في الكتابين بدراسة العلاقة بين التاريخ الرسمي والسير الشعبية العربية. ويرصد أحمد أمين في معجمه قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية أهم التعابير والعادات والتقاليد الشعبية المصرية. وفي كتابيه الأدب الشعبي الصادر عام 1954، وفنون الأدب الشعبي الصادر في جزأين عام 1956، يتوقف أحمد رشدي صالح (1920-1980) عند التعريف بالأدب الشعبي وبأنواعه وأشكاله الأدبية، وباستعراض أهم النصوص التي جمعها، إلى جانب دراسة بعض القضايا المهمة فيهما.
وفي عام 1958، أصدر الشاعر حيرم الغمراوي (1924-1999) كتابه أدب الشعب الذي يُعدّ بمنزلة دعوة مهمة إلى ضرورة الالتفات إلى آداب الناس العاديين، في أغانيهم، وأمثالهم الشعبية وأزجالهم ومربعاتهم الشعرية، مثل مربعات ابن عروس، والفكاهات والنوادر الشعبية المصرية، علاوة على استعراض كثير من النماذج الشعبية[39]. هذا إلى جانب دراسات زكريا الحجاوي (1915-1975) وجهوده الإذاعية والصحفية للتوعية بأهمية الأدب الشعبي، التي منها كتابه حكاية اليهود وموسوعة التراث الشعبي. فضلًا عن كتابة عدد من المقالات في الفن الشعبي بصحف المصري والرسالة الجديدة، وألَّف عددًا من الأعمال الإبداعية والمسرحية المستلهمة من الأدب الشعبي مثل أيوب المصري، وسعد اليتيم، وأدهم الشرقاوي. وكذلك له عدد من البرامج الإذاعية عن التراث الشعبي التي أسهمت في تقديم عدد من الفنانين الشعبيين إلى الجمهور المصري والعربي.
وفي السياق ذاته، تأتي دراسات فاروق خورشيد (1928-2005)، التي أسهمت - على نحو كبير - في زيادة الوعي بأهمية الأدب الشعبي ودراسته، سواء من حيث استلهامه لبعض السير والقصص الشعبي، وإعادة تقديمها بشكل روائي، كما في كتاباته مثل سيرة علي الزيبق، أو في دراساته المتعددة عن السير الشعبية العربية، أو عوالم الأدب الشعبي المتنوعة.
وعلى المستوى الأكاديمي، فقد تمثلت بدايات دراسة الأدب الشعبي في الاهتمام بالأدب الشعبي المدون، مثل ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة والسير الشعبية العربية المدونة، لكنها سرعان ما تحولت إلى الاهتمام بالنصوص الشفاهية. وقد جرت هذه النقلة، على نحو أكاديمي، على يد أحمد مرسي، برسالته للماجستير "الأغنية الشعبية في منطقة البرلس" عام 1966، وأطروحته للدكتوراه "المأثورات الأدبية الشعبية في إقليم الفيوم" عام 1969.
إن المدقق في اتجاهات دراسة الأدب الشعبي العربي سيجد أنه إزاء ثلاثة تيارات في دراسة الأدب الشعبي العربي عامة، والمصري خاصة:
أولًا: ذلك التيار الذي يهتم بدراسة النصوص الشعبية المدونة، أو أمهات كتب التراث العربي، لدراستها أو استخراج المادة الفولكلورية منها. وقد مثَّل هذا التيار الرعيل الأول من دارسي الأدب الشعبي وبعض تلامذتهم من الجيل الثاني، مثل: محمد عبد المعيد خان، وعبد الحميد يونس، وسهير القلماوي، وعبد العزيز الأهواني (1915-1980)، ومحمد فهمي عبد اللطيف وفؤاد حسنين علي، وزكريا الحجاوي، وفاروق خورشيد، ومحمود ذهني، ونبيلة إبراهيم، وشوقي عبد الحكيم (1934-2003)، ومحمد رجب النجار (1941-2005)، وصلاح الراوي، وخطري عرابي أبو ليفة، وإبراهيم عبد العليم حنفي.
وعلى سبيل المثال، واصلت نبيلة إبراهيم العمل في ترسيخ أقدام التيار الأول، سواء من حيث الترجمة، إذ تنشغل - على نحو أكبر - بترجمة بعض الكتب الأجنبية المهمة في مجال الأدب الشعبي، وكان من بين ترجماتها: الفولكلور في العهد القديم لجيمس فريزر (James Frazer، 1854-1941)، والحكاية الخرافية لفريدريش ڤون ديرلاين (Friedrich Gustav von der Leyen، 1873-1966)، والماضي المشترك بين العرب والغرب لـ أ. ل. رانيلا الذي ترجمته نبيلة ابراهيم. بدأت نبيلة إبراهيم دراساتها الأكاديمية مع "روميات المتنبي: حلقة من الصلات الأدبية بين العرب والروم" في رسالة الماجستير عام 1954، وهو الأمر الذي فتح أمامها المجال – بعد ذلك - لدراسة الأدب الشعبي عامة، والتنبه إلى أهمية الدراسة المقارنة في الأدب الشعبي، فراحت تدرس "سيرة الأميرة ذات الهمة: دراسة مقارنة" في أطروحتها للدكتوراه عام 1962، ثم تعددت دراساتها وتنوعت موضوعاتها فيما بعد في دراسة الأدب الشعبي، تأليفًا وترجمة. وقد اهتمت بدراسة الأدب الشعبي المدوّن على نحو ما تؤكد ذلك مؤلفاتها. غير أن هذا لا ينفي اهتمامها بالأدب الشفاهي، ودعوتها إلى جمعه وتوثيقه توثيقًا علميًّا.
ومن أبناء هذا الجيل أيضًا محمد رجب النجار (1941-2005)، الذي أكسب التيار الأول (الذي اهتم بدراسة المدون) اهتمامًا وحضورًا لافتًا؛ إذ انطلق في دراساته التي بدأها بـالبطل في الملاحم الشعبية العربية: قضاياه وملامحه الفنية، وثنَّاها بـجحا العربي وفلسفته"، من مشروع مهم يوازي مشروع أصحاب التيار الثاني، خلاصته تتمثل في ضرورة جمع أدبنا الشعبي العربي من أمهات الكتب التراثية ودراسته. وقد تحقق مشروعه في كتابه الشطار والعيارين عام 1981، ومن فنون الأدب الشعبي الصادر في جزأين عام 2001، والتراث القصصي في الأدب العربي عام 1995، وفي تحقيقه لأهم الكتب التي كانت مادة خصبة للأدب الشعبي العربي، مثل تحقيق كتاب فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء لابن عربشاه (1389-1450) عام 2003، وتحقيقه لـ "سيرة علي الزيبق المصري" عام 1998. وفي هذا الإطار يوجد دراسات لعدد من الدارسين، مثل دراسة صلاح الراوي عن الفولكلور في كتاب حياة الحيوان الكبرى للدميري.
ثانيًا: تيار انشغل بدراسة الأدب الشعبي الحي/ الشفاهي، من دون إهمال النصوص الشعبية المدونة، على نحو ما تمثلها دراسات أحمد مرسي وأحمد شمس الدين الحجاجي (1935-2024) وإبراهيم شعلان وصفوت كمال وغيرهم.
ثالثًا: تيار من الباحثين اهتم بترجمة بعض النصوص الشعبية أو الدراسات الغربية، مثل الملاحم والأساطير اليونانية والإغريقية، أو تقديم دراسات عنها، على نحو ما ترجم طه حسين (1889-1973) لأسطورة أوديب الملك، أو دراسات لويس عوض (1915-1990) عن الملاحم الغربية، أو ترجمة عبد الحميد يونس لكتاب الأسفار الخمسة أو البنجاتنترا أو ترجمات نبيلة إبراهيم المهمة لدراسات الفولكلور في العهد القديم، والماضي المشترك بين العرب والغرب، والحكاية الخرافية، وكذلك عبد المعطي شعراوي (1932-2017) فيما قدمه عن الأساطير الإغريقية، وأحمد مرسي في كتابه المأثورات الشفاهية، وأحمد عتمان في ترجمته للإلياذة وغيرها من النصوص الملحمية اليونانية.
الموقف النقدي من الأدب الشعبي
لا بد أن يشار إلى التناقض الشديد الذي يعيشه بعض الدارسين العرب في نظرتهم إلى الأدب الشعبي. ففي الوقت الذي يستخدمون فيه أمثالًا شعبية في سياق أحاديثهم اليومية، ويتناقلون حكايات الشاطر حسن وست الحسن والجمال وفرط الرمان وسندريلا، ويتداولون النكات الشعبية أو يتنافسون على حل أحد الألغاز، يوجد بعضهم يقف موقفًا معارضًا من تدريس الأدب الشعبي في الجامعات العربية، أي يتخذون موقفًا معاديًا من العلم الذي يدرس هذه الأنواع الأدبية الشعبية. وربما يكون ذلك سببًا في قلة الاهتمام الأكاديمي بالمجال الشعبي في الجامعات العربية. وقد رصد وولتر أرمبرست (Walter Armbrust) هذا التناقض، فقال: "الثقافة الشعبية لها مكانها في حياة معظم المصريين ومعظم بلاد الشرق الأوسط المتحدثة بالعربية. ولذلك فإن عدم الاهتمام الذي تلاقيه الثقافة الشعبية في وسائل الإعلام من قبل الأكاديمية محير؛ فنحن أمام وضع يشبه وضع ما بعد الحداثة الذي تذوب فيه الفوارق بين الحقائق والتصورات، وربما تعرف بعضها البعض. ومن المؤكد أن هذا الموقف مختلف تمامًا عن أوضاع ما بعد الحداثة في الغرب. وحتى الآن لم تبذل الأكاديمية إلا المجهود القليل لاستكشاف تلك الظاهرة أو حتى التعليق عليها"[40].
تنوعت الأسباب التي دفعت بعض الباحثين من أخذ موقف سلبي تجاه تدريس الأدب الشعبي، فبعضهم يرى في دراسته خطرًا كبيرًا على اللغة العربية الفصيحة، التي هي لغة القرآن الكريم، ما أدى إلى اتخاذ موقف من دراسته في كثير من الجامعات العربية. وهو أمر يمكن الرد عليه بأن الأدب الشعبي يَستخدم – في معظم الأحيان لا كلها – العامية في تناقله بين الناس، وبأننا عندما ندرِّسه داخل الجامعات، فإننا نتعامل معه بوصفه نصوصًا أدبية بحتة، شأنها شأن النصوص الفصحى أو الأدب العامي. فندرِّسها بلغة عربية فصحى، وتقدم الرسائل العلمية بشأنها بالفصحى، شأن دراسة الظواهر الأدبية الأخرى. علاوة على ذلك، ليس جميع الأدب الشعبي مكتوبًا بالعامية، فهناك نصوص شعبية كثيرة، ولا سيما الدينية تستخدم الفصحى، مثل أغنية طلع البدر علينا المتداولة بين الناس؛ إذ أُنشدت بلغة عربية فصحى سليمة.
ونظر بعض النقاد إلى الأدب الشعبي ومصدره الثقافة الشعبية بأنه ثانوي مقارنة بالأدب الرسمي، وهي ثقافة تفتقر إلى العمق الحضاري وغير فاعلة في مشروع النهضة العربية. ويمكن الرد على هذا الرأي بأن المأثورات الشعبية – بحسب ما استقرت في أذهان الدارسين العرب والأجانب – هي صدى الماضي وصوت الحاضر واستشراف المستقبل. فالمرونة تُعدّ أهم خصائص المأثورات الشعبية، إذ إن المواد الشعبية قادرة على تطوير نفسها، بهدف مواكبة الظروف الاجتماعية والثقافية والحضارية والسياسية الجديدة. هذا ما يؤكده يوري سوكولوڤ (ت. 1941) بقوله: "إن الفولكلور صدى للماضي، ولكنه - في نفس الوقت - صوت الحاضر المدوي. إنا لو أخضعنا الفولكلور لفكرة الماضي الحي (التي شاعت حينًا تحت تأثير النزعة المثالية الرومانسية) فسيعني ذلك وجوب تجاوز الدور الذي يقوم به الفولكلور في الوقت الحاضر، فضلًا عن أنه لن يصور لنا بوضوح كاف وظيفته الاجتماعية"[41].
ويتشكك فريق رابع في الأثر السلبي لهذه الدراسات في المجتمع، فالدارسون يهدون إلى الأجانب – عن قصد أو من دون قصد – تفاصيل حياتية وفهمًا لطبائع وخصوصيات اجتماعية وثقافية، تيسر لهم السيطرة والهيمنة الثقافية، وتمكنهم من تحقيق أهدافهم ثقافيًّا وسياسيًّا. ويمكن الرد على هذا الرأي المبني على النزاع الوجودي بين الشرق والغرب، بأن الأدب الشعبي علم يدرس في ثقافات عديدة، واتخذته كثير من الدول وسيلةً للحفاظ على الهوية الثقافية. فمثل هذه الدراسات لها دور مهم في إحداث نهضة بالبلاد، إذا استغلت نتائج الدراسات فيها، وإهمالها يعني أنك تقوض من فرص بناء نهضة حقيقية، لأنك تهمش عنصرًا أساسيًّا من عناصر بناء النهضة، ألا وهو "ثقافة الشعب" التي تعين على التعامل معهم من خلالها.
ويعتقد فريق آخر أن الأدب الشعبي يخلو من الفنية، أو الملامح الفنية التي تجعله جديرًا بالدراسة الفنية على منوال ما يجري من دراسات فنية وتحليلية مع الأعمال الأدبية الروائية والشعرية والمسرحية والقصصية القصيرة. وتُعدّ دعوى أن الأدب الشعبي أقل فنية من الرسمي نظرة قديمة، سبق أن رد عليها يوري سوكولوڤ عندما قال: "كانت الاتجاهات القديمة تضع أدب الشعب باعتباره أدبًا غير فني في مقابل الأدب الفني المدوّن. وهذا التقابل زائف، فأقل تحليل لأي قص فولكلوري يكشف عن عناصر الصنعة الفنية ووسائلها البلاغية"[42]. ويمكن القول إن الأدب الشعبي شأنه شأن الرسمي، من حيث تفاوت درجة صنعته الفنية، فكلاهما فيه ما فيه من صنعات فنية وخصائص ترفعه إلى درجة فنية عالية، وأيضًا كلاهما عليه ما عليه من بعض المساوئ التي قد تُنزل من مكانته الفنية.
إن هذا الموقف الرافض لدراسة الأدب الشعبي، يمكن أن ينطبق على كثير من البلدان العربية، على نحو ما يوجزه الجزائري عبد الحميد بو رايو، إذ ينقل عن أحد الدارسين الأوائل للتراث الشعبي المغاربي (عثمان الكعاك (1903-1976)، وهو رائد الدراسات الشعبية بتونس) قوله في مقدمة أحد كتبه، وعنوانه التقاليد والعادات الشعبية (1963): "وقد كان الناس بين مقدس للفولكلور وبين ناكر له يعدُّه من عمل الشعب و(السوقة) و(اللفيف) فلا يقيم له وزنًا. وهذا هو المتكبر الطبقي الأرستقراطي. وجاء جماعة آخرون في نفوسهم مركب النقص فقالوا لا بد من القضاء على العادات الشعبية. والحقيقة هي أن الفولكلور هو تراث الشعب المقدس ومادته العلمية التي نعرف بها نفسيته وأخلاقه وعاداته، وهو جملة المميزات التي تؤلف شخصيته الوطنية. ولذلك قامت كل حركة قومية في أوروبا والشرق وأميركا على دراسة الفولكلور واعتباره المادة الأولى في تحرير القوانين ومعرفة تاريخ الشعب ودراسة فنونه المميزة له"[43].
المراجع
إبراهيم، عبد الحافظ. ملامح التغيير في القصص الشعبي الغنائي. القاهرة: مكتبة زهراء الشرق، 2001.
إبراهيم، نبيلة. أشكال التعبير في الأدب الشعبي. القاهرة: دار نهضة مصر، 1981.
أبو الليل، خالد. النخبة والعامة: الموقف من الأدب الشعبي في العصر الحديث. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2021.
أرمبرست، وولتر. الثقافة الجماهيرية والحداثة في مصر. ترجمة محمد الشرقاوي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2012.
ابن خميس، عبد الله بن محمد. الأدب الشعبي في جزيرة العرب. ط 2. الرياض: مطابع الفرزدق التجارية، 1982.
ابن الطاهر، عبد الحميد بورايو. في الثقافة الشعبية الجزائرية: التاريخ والقضايا والتجليات. الجزائر: منشورات الرابطة الوطنية للأدب الشعبي لاتحاد الكتاب الجزائريين، 2006.
الجمال، أحمد صادق. الأدب العامي في مصر في العصر المملوكي. القاهرة: الدار القومية للنشر، 1966.
جمعة، مصطفى عطية. الفصحى والعامية والإبداع الشعبي. القاهرة: شمس للنشر، 2020.
الجوهري، محمد. رشدي صالح والفولكلور المصري: دراسة لأعماله وفصول من تأليفه. القاهرة: مطبوعات مركز البحوث والدراسات الاجتماعية في جامعة القاهرة، 2003.
________. ما علم الفولكلور. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2021.
الحجاجي، أحمد شمس الدين. مولد البطل في السيرة الشعبية.كتابالهلال 484. القاهرة: دار الهلال، 1991.
الحلي، صفي الدين. العاطل الحالي والمرخص الغالي. تحقيق حسين نصار. ط 2. القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2003.
خضراوي، أسامة. "الأدب الشعبي: الماهية والموضوع". الثقافة الشعبية. مج 8، العدد 30 (صيف 2015). ص 76-79.
الراوي، صلاح. الثقافة الشعبية وأوهام الصفوة. الشارقة: معهد الشارقة للتراث، 2016.
رياض، حسين مظلوم ومصطفى محمد الصباحي. تاريخ أدب الشعب، نشأته، تطوراته، أعلامه. القاهرة: محمد خلف للنشر، 1936.
زومتور، بول. مدخل إلى الشعر الشفاهي. ترجمة وليد خشاب. القاهرة: دار شرقيات للنشر، 1999.
سوكولوڤ، يوري. الفولكلور: قضاياه وتاريخه. ترجمة حلمي شعراوي وعبد الحميد حواس. ط 2. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2000.
صالح، أحمد رشدي. الأدب الشعبي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2002.
عبد الحميد، شاكر. الفكاهة والضحك رؤية جديدة. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2015.
العطار، سليمان. مقدمة في تاريخ الأدب العربي: دراسة في بنية العقل العربي. القاهرة: الدار الثقافية للنشر، 2002.
الغمراوي، حيرم. أدب الشعب. القاهرة: جريدة المصري، 1952.
كاظم، نادر. تمثيلات الآخر: صورة السود في المتخيل العربي الوسيط. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004.
مرسي، أحمد علي. الأدب الشعبي وثقافة المجتمع. القاهرة: دار مصر المحروسة، 2008.
________. الأدب الشعبي وثقافة المجتمع. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999.
نصار، حسين. الشعر الشعبي العربي. ط 2. بيروت: منشورات اقرأ، 1980.
يقطين، سعيد. الكلام والخبر: مقدمة للسرد العربي. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1997.
يونس، عبد الحميد. دفاع عن الفولكلور. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1973.
[1] مصطفى عطية جمعة، الفصحى والعامية والإبداع الشعبي (القاهرة: شمس للنشر، 2020)، ص 99.
[2] عبد الحافظ إبراهيم، ملامح التغيير في القصص الشعبي الغنائي (القاهرة: مكتبة زهراء الشرق، 2001)، ص 11.
[3] حسين نصار، الشعر الشعبي العربي، ط 2 (بيروت: منشورات اقرأ، 1980)، ص 11.
[4] المرجع نفسه، ص 10.
[5] المرجع نفسه، ص 12.
[6] المرجع نفسه.
[7] أحمد رشدي صالح، الأدب الشعبي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2002)، ص 21.
[8] أحمد علي مرسي، الأدب الشعبي وثقافة المجتمع (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999)، ص 27.
[9] المرجع نفسه، ص 28.
[10] المرجع نفسه.
[11] المرجع نفسه.
[12] صلاح الراوي، الثقافة الشعبية وأوهام الصفوة (الشارقة: معهد الشارقة للتراث، 2016)، ص 25، 70.
[13] نبيلة إبراهيم، أشكال التعبير في الأدب الشعبي (القاهرة: دار نهضة مصر، 1981)، ص 4.
[14] يوري سوكولوڤ، الفولكلور: قضاياه وتاريخه، ترجمة حلمي شعراوي وعبد الحميد حواس، ط 2 (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2000)، من مقدمة المترجم، ص 26.
[15] نادر كاظم، تمثيلات الآخر: صورة السود في المتخيل العربي الوسيط (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004)، ص 307.
[16] سليمان العطار، مقدمة في تاريخ الأدب العربي: دراسة في بنية العقل العربي (القاهرة: الدار الثقافية للنشر، 2002)، ص 132.
[17] أحمد شمس الدين الحجاجي، مولد البطل في السيرة الشعبية، كتاب الهلال 484 (القاهرة: دار الهلال، 1991)، ص 27.
[18] عبد الحميد يونس، دفاع عن الفولكلور (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1973)، ص 135.
[19] بول زومتور، مدخل إلى الشعر الشفاهي، ترجمة وليد خشاب (القاهرة: دار شرقيات للنشر، 1999)، ص 229.
[20] المرجع نفسه، ص 234.
[21] أحمد علي مرسي، الأدب الشعبي وثقافة المجتمع (القاهرة: دار مصر المحروسة، 2008)، ص 25.
[22] نبيلة إبراهيم، ص 3.
[23] أحمد صادق الجمال، الأدب العامي في مصر في العصر المملوكي (القاهرة: الدار القومية للنشر، 1966)، ص 80.
[24] شاكر عبد الحميد، الفكاهة والضحك رؤية جديدة (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2015)، ص 229.
[25] المرجع نفسه، ص 299-300.
[26] أسامة خضراوي، "الأدب الشعبي: الماهية والموضوع"، الثقافة الشعبية، مج 8، العدد 30 (صيف 2015)، ص 76-79.
[27] محمد الجوهري، رشدي صالح والفولكلور المصري: دراسة لأعماله وفصول من تأليفه (القاهرة: مطبوعات مركز البحوث والدراسات الاجتماعية في جامعة القاهرة، 2003)، ص 133.
[28] نبيلة إبراهيم، ص 4.
[29] محمد الجوهري، ما علم الفولكلور (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2021)، ص 85-87.
[30] صفي الدين الحلي، العاطل الحالي والمرخص الغالي، تحقيق حسين نصار، ط 2 (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2003)، ص 3.
[31] بحسب ما يؤكد أحمد رشدي صالح، فقد ورد في لائحة كلية الآداب، جامعة الإسكندرية عام 1954، بأن يُدرَّس تخصص الأدب الشعبي، هذا بالرغم من عدم البدء في التدريس بعد هذا التاريخ مباشرة.
[32] مصطلح المأثورات الشعبية هو الترجمة التي ارتضاها الباحثون العرب للمصطلح الإنكليزي الفولكلور (Folklore)، الذي صاغه الإنكليزي وليم جون تومز في مجلة إثينيوم البريطانية. يشير مصطلح فولكلور إلى المادة الفولكلورية التي يدرسها، كما يشير- في الوقت نفسه - إلى العلم الذي يدرس هذه المادة. وبالرغم من قدم المادة الفولكلورية فإن ظهور مصطلح فولكلور- بوصفه العلم الذي يدرس هذه المادة الشعبية القديمة - حديث، إذ يعود إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، وتحديدًا 22 آب/ أغسطس عام 1846.
[33] يُنظر: خالد أبو الليل، النخبة والعامة: الموقف من الأدب الشعبي في العصر الحديث (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2021)، ص 33-72.
[34] عبد الحميد بورايو بن الطاهر، في الثقافة الشعبية الجزائرية: التاريخ والقضايا والتجليات (الجزائر: منشورات الرابطة الوطنية للأدب الشعبي لاتحاد الكتاب الجزائريين، 2006)، ص 80.
[35] يُنظر: عبد الله بن محمد بن خميس، الأدب الشعبي في جزيرة العرب، ط 2 (الرياض: مطابع الفرزدق التجارية، 1982).
[36] سعيد يقطين، الكلام والخبر: مقدمة للسرد العربي (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1997)، ص 98.
[37] يُنظر: حسين مظلوم رياض ومصطفى محمد الصباحي، تاريخ أدب الشعب، نشأته، تطوراته، أعلامه (القاهرة: محمد خلف للنشر، 1936).
[38] صالح، ص 51.
[39] يُنظر: حيرم الغمراوي، أدب الشعب (القاهرة: جريدة المصري، 1952).
[40] وولتر أرمبرست، الثقافة الجماهيرية والحداثة في مصر، ترجمة محمد الشرقاوي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2012)، ص 7.
[41] سوكولوڤ، ص 139.
[42] المرجع نفسه، ص 27.
[43] عبد الحميد بورايو، فيالثقافة الشعبية الجزائرية: التاريخ والقضايا والتجليات (الجزائر: منشورات الرابطة الوطنية للأدب الشعبي لاتحاد الكتاب الجزائريين، 2006)، ص 81.