الموجز
الديموغرافيا الاقتصادية (Economic demography) فرع من علم السكان (الديموغرافيا) يدرس التأثير والتأثر المتبادل بين الظواهر السكانية والواقع الاقتصادي، مفصّلةً الدور المركزي للإنسان في التحليل الاقتصادي.
تمتد جذور الديموغرافيا الاقتصادية عبر النظريات الكلاسيكية لكل من مالتوس وسميث وريكاردو وماركس، وصولًا إلى إسهامات القرن العشرين مع فرانك نوتشتاين وما تبعها من نماذج حديثة تستوعب العوامل الاجتماعية والجيوسياسية.
يغطي هذا الفرع التأثيرات الديموغرافية ضمن مجالي الاقتصاد الكلي {{الاقتصاد الكلي: فرع من الاقتصاد يهتم بدراسة القضايا الاقتصادية على مستوًى كلي يشمل الدول أو العالم، ويتناول قضايا البطالة والعمالة والتضخم.}} والاقتصاد الجزئي {{الاقتصاد الجزئي: فرع من الاقتصاد يهتم بدراسة سلوك الوحدات الصغرى من أفراد وشركات ومؤسسات في ما يخص عمل السوق وأسعار السلع والخدمات.}}، معتمدًا على منهجيات ستاتيكية تعاين خصائص السكان في لحظة زمنية محددة، وأخرى ديناميكية تتتبع أثر النمو السكاني والتغيرات البنيوية العميقة في المسار الاقتصادي طويل الأمد.
التعريف
تدرس الديموغرافيا الاقتصادية العلاقة بين الظواهر السكانية والواقع الاقتصادي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تعدّ الديموغرافيا الاقتصادية فرعًا تخصصيًا من فروع الديموغرافيا، يتناول العلاقات المتبادلة بين السكان والاقتصاد، فيدرس من جهة المحددات والنتائج الاقتصادية للظواهر الديمغرافية (مثل الزواج والخصوبة والوفيات وموجات الهجرة والتركيب العمري وغيرها)، ويبحث من جهة أخرى في الآثار الديمغرافية الناجمة عن عوامل اقتصادية[1]. ويمكن التعبير عن الديموغرافيا الاقتصادية باعتبارها إمكانية دمج السكان في التحليل الاقتصادي وفي ما ينجم عنه من استنتاجات، أي إنها تدفع إلى إدراك الموقع المركزي الذي يحتله الإنسان في الاقتصاد[2].
التطور التاريخي
يمثل علم الاقتصاد والديموغرافيا مجالين معرفيين متقاربين من مجالات العلوم الاجتماعية، وكثيرًا ما اعتمدت الدراسات الاقتصادية الكلاسيكية على معارف -وإن كانت أولية- مأخوذة من مجال الفكر السكاني، وذلك بدءًا من أفكار توماس روبرت مالتوس (Thomas Robert Malthus، 1766-1834)، الذي قدم منذ عام 1798 عمله الشهير مقالة في مبدأ السكان (An Essay on the Principle of Population)، أحد أكثر الكتب في مجال العدد البشري تأثيرًا على الإطلاق، وأول محاولة علمية لتوجيه الاهتمام نحو العلاقة بين السكان والموارد[3]، ذلك أن مالتوس انشغل، في إطار نقده النظرة الإيجابية إلى النمو السكاني التي كانت سائدة في زمانه، باحتمالية أن تتسبب هذه الزيادة السكانية في حدوث المجاعات[4]، وأرجع البؤس إلى سرعة تزايد البشر بالتناسل (وفق متتالية هندسية)، بما يتجاوز قدرة الأرض على إنتاج الغذاء (التي تزداد وفق متتالية حسابية).
كذلك عند الفيلسوف وعالم الاقتصاد الإسكتلندي آدم سميث (Adam Smith، 1723-1790) إشارات واضحة إلى أن مستوى الثراء، المَقيس بمقارنة الأجور الفعلية بتكلفة ضرورات البقاء، هو الذي يحدد زيادة السكان، فالأجور ترتفع مع تزايد الطلب على قوة العمل، وتؤدي من ثم إلى تزايد النمو السكاني بتأثير الوفرة وتحسن شروط المعيشة، وبذا يكون محدد النمو السكاني ذا طبيعة اقتصادية صرفة[5].
وفي سياق مماثل، اهتم عالم الاقتصاد البريطاني ديفيد ريكاردو (David Ricardo، 1772-1823) بالعلاقة بين الأجور والنمو السكاني، فوجه اهتمامه نحو العمال، واعتبر أن أجورهم تشجع السكان على التزايد حين تتجاوز معدل الزيادة الطبيعية. وذهب إلى ما هو أبعد من فكرة سميث، إذ رأى أن هذه الزيادة المستمرة في السكان ستؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة قوة العمل، فيبدأ الضغط على فرص العمل، وتتبعثر الأجور وتتراجع. هكذا ينتهي الأمر بالضغط السكاني لأن يتسبب في خفض الأجور، فيتراجع نمو السكان بفعل البؤس وصعوبة العيش[6]، وفي هذا الربط مثال واضح على التأثير المتبادل بين البعدين: الاقتصادي والديمغرافي.
من جانبه اعتبر كارل ماركس (Karl Marx، 1818-1883) في مقاربته المسألة السكانية أن أثر حجم السكان في الموارد والثروة، إنما يتوقف على نوع التنظيم الاجتماعي السائد في المجتمع، ولا ينجم الفقر ونقص الغذاء عن كثرة الإنجاب، بل عن الاستغلال الذي تمارسه المنظومة الرأسمالية، وعن فشل النظام الاقتصادي في تشغيل الأفراد تشغيلًا كاملًا[7].
لاحقًا وبدءًا من القرن العشرين، أخذ الباحثون يشددون على اعتبار النمو السكاني السريع محددًا مهمًا للتنمية الاقتصادية في البلدان ضعيفة الدخل، ويوجد هذا التصور بوجه خاص في أعمال الديمغرافي الأميركي فرانك نوتشتاين (Frank Notestein، 1902-1983)[8]، الذي قدم رؤيته عن العلاقة بين سرعة النمو السكاني وتعثر التنمية في مقالته المعنونة بـ "السكان: رؤية بعيدة المدى"[9] عام 1945، وقد سادت هذه الرؤية الفكر التنموي والاقتصادي في علاقته بالسكان لمراحل طويلة لاحقة.
ما لبثت هذه النماذج أن تطورت وشهدت تغيرات متلاحقة، وأُعيد في الوقت الحاضر تقييم الروابط بين القوى الاقتصادية والتغير السكاني، فلم تعد دراسات الديموغرافيا الاقتصادية تنظر إليها باعتبارها أنموذجًا يمكن استثناء أية قوّة فاعلة فيه، بل باتت نماذجها تستدمج جملة من العوامل الاقتصادية والديمغرافية والاجتماعية المتفاعل بعضها مع بعض، لا سيما العوامل الجيوسياسية المرتبطة بقضايا الاستعمار والاستغلال الاقتصادي[10].
موضوعها ومنهجها
تتناول الديموغرافيا الاقتصادية جوهر الحياة البشرية من: ولادات ووفيات وزواج وطلاق وحراك اجتماعي، فتبحث في تشكل مجمل هذه العمليات الديمغرافية بتأثير عوامل اقتصادية فاعلة على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع، وتُفسر هذه العمليات الديمغرافية من خلال فهم المؤثرات الاقتصادية التي تحكمها، أي إنها تدرس من ناحية أولى الأثر الذي تتركه التغيرات الاقتصادية في السيرورة الديمغرافية للسكان. ومن ناحية ثانية، تتناول الديموغرافيا الاقتصادية الأثر الذي تتركه التغيرات الديمغرافية في البناء الاقتصادي والاجتماعي، فتغير التركيب العمري للسكان، واختلال توزع السكان حسب الجنس، وموجات الهجرة، ودورات تشكل علاقات الاقتران وإنجاب الأطفال، فجميعها سيرورات ديمغرافية تترك أثرًا في بنية الاقتصاد القائم في المستويين: الكلي والجزئي[11].
ففي مجال الاقتصاد الكلي، ترتبط القضايا الاقتصادية الكبرى التي تمس الدول والمجتمعات ارتباطًا كبيرًا بالتركيب الديمغرافي للسكان ولا سيما من ناحية التوزع العمري وتوافر فرص العمل وطبيعة المهن المتاحة ومستويات إعالة كبار السن ومستويات إعالة الصغار، التي ترتبط جميعها بالتركيب الديمغرافي والمهني للسكان. وفي مجال الاقتصاد الجزئي، يهتم هذا الفرع المعرفي -على سبيل المثال- بدراسة الفروق المسجلة في السلوك الديمغرافي والاقتصادي للأسر المعيشية، التي يمكن تفسيرها بمتغيرات اقتصادية من جنس الأسعار والأجور والمدخرات وخدمات القطاع العام[12].
المناهج والأساليب
من الناحية المنهجية، يمكن مقاربة القضايا الديمغرافية الاقتصادية من منظور ستاتيكي يبحث في تفاعل الخصائص الديمغرافية للسكان (عددهم وتركيبهم حسب العمر والجنس ونموهم)، مع العوامل الاقتصادية (من دخل، وفرص عمل، واستهلاك مثلًا) في نقطة زمنية محددة، وذلك باستخدام بيانات حالة السكان المتحصلة من التعدادات العامة للسكان والمسوح بالعينة، أو من منظور ديناميكي يهدف إلى التعمق في أثر النمو السكاني في سيرورة الاقتصاد وفي تفاعل البعدين: الاقتصادي والديمغرافي عبر الزمن، أي إنه ينشغل بالتغيرات البنيوية طويلة الأمد[13].
المراجع
العربية
جيفرسون، فيليب ناثان. الفقر. سلسلة مقدمات موجزة. ترجمة محمد صلاح علي. أبو ظبي: مركز أبو ظبي للغة العربية - مشروع كلمة للترجمة، 2023.
الأجنبية
Bowen, Ian. Economics and Demography. London: Routledge Revivals, 2012 [1976].
“Dictionnaire Démographique multilingue, seconde édition unifiée, volume français.” Demopaedia. 1981. at: https://acr.ps/hByaQOH
“Economic Demography, Population Economics.” School of Economics and Management. at: https://acr.ps/hByaQxe
Lecaillon, Jean-Didier. Démographie économique: Analyse des ressources humaines. 2ème ed. Paris: Litec, 1992.
Lundquist, Jennifer Hickes, Douglas L. Anderton & David Yaukey. Demography: The Study of Human Population. 4th ed. Long Grove, IL: Waveland Press, Inc., 2015.
Rowland, Don. Demographic Methods and Concepts. Reprinted with corrctions. Oxford: Oxford University Press, 2006.
Schultz, T. W. (ed.). Food for the World. Chicago, IL: University of Chicago Press, 1945.
Schultz, T. Paul. Economic Demography and Development: New Directions in an Old Field. Center Discussion Papers 516. New Haven, CT: Yale University, Economic Growth Center, 1986.
[1] “Dictionnaire Démographique multilingue, seconde édition unifiée, volume français,” Demopaedia, 1981, accessed on 28/7/2026, at: https://acr.ps/hByaQOH, p. 145.
[2] Jean-Didier Lecaillon, Démographie économique: Analyse des ressources humaines, 2ème ed. (Paris: Litec, 1992), p. 1.
[3] Don Rowland, Demographic Methods and Concepts, Reprinted with corrctions (Oxford: Oxford University Press, 2006), pp. 48-50.
[4] راجع في شأن انشغال الاقتصاديين بالفقر والمجاعات وعلاقتها بالمسألة السكانية. يُنظر: فيليب ناثان جيفرسون، الفقر، سلسلة مقدمات موجزة، ترجمة محمد صلاح علي (أبو ظبي: مركز أبو ظبي للغة العربية - مشروع كلمة للترجمة، 2023).
[5] Lecaillon, p. 22; Ian Bowen, Economics and Demography (London: Routledge Revivals, 2012 [1976]), pp. 62-63.
[6] Bowen, p. 17.
[7] Jennifer Hickes Lundquist, Douglas L. Anderton & David Yaukey, Demography: The Study of Human Population, 4th ed. (Long Grove, IL: Waveland Press, Inc., 2015), p. 70.
[8] T. Paul Schultz, Economic Demography and Development: New Directions in an Old Field, Center Discussion Papers 516 (New Haven CT: Yale University, Economic Growth Center, 1986), p. 2.
[9] Frank Notestein, “Population: The Long View,” in: T. W. Schultz (ed.), Food for the World (Chicago, IL: University of Chicago Press, 1945).
[10] يُنظر على سبيل المثال:
Bowen, pp. 62-63.
[11] للمزيد حول موضوعات العلم، يُنظر مثلًا:
“Dictionnaire Démographique multilingue, seconde édition unifiée, volume français,” p. 25, pp. 145-149; “Economic Demography, Population Economics,” School of Economics and Management, accessed on 28/7/2026, at: https://acr.ps/hByaQxe
[12] راجع على سبيل المثال:
Schultz, p. 2.
[13] للمزيد، يُنظر:
Lecaillon, pp. 187-188, 226-227.