الدائرة
شكل هندسي {{الشكل الهندسي: (Geometric Shape) في الرياضيات، هو تمثيل رياضي لوجودات هندسية تتمثل في الأبعاد المختلفة، مثل النقاط، الخطوط، الأسطح، والحجوم، فتتكون صور منتظمة أو غير منتظمة، وتُمثل مفاهيم رياضية تُستخدم لتفسير البنية والشكل في الفضاء والمستوى.}} يتكوّن من محيط ومركز، وتبعُد جميع النقاط على
المحيط مسافة ثابتة عن المركز. يُسمّى هذا البُعد الثابت بين أي نقطة على المحيط والمركز نصف القطر. أما القطر، فهو قطعة مستقيمة تمرّ عبر المركز وتربط بين نقطتين على
محيط الدائرة {{محيط الدائرة: (Circumference) هو المسافة الكلية حول الدائرة، ويُعد من المفاهيم الأساسية في الهندسة الإقليدية. يُعرَّف محيط الدائرة رياضيًا بأنه طول الخط المحيط بنقطة مركزية تبعد جميع نقاطه مسافة ثابتة تُسمّى نصف القطر (Radius). ويُحسب محيط الدائرة باستخدام العلاقة الآتية: \(C=2\pi r\) }}، ويكون طوله ضعف نصف القطر. ومن الخصائص الهندسية الأخرى للدائرة أن أي قطعة مستقيمة تصل بين نقطتين على محيطها تُسمّى
الوتر {{الوتر: (Chord) هو قطعة مستقيمة تصل بين نقطتين على محيط الدائرة من دون أن تمر بالضرورة عبر مركزها.}}، ويُعد القطر الذي يمرّ عبر المركز أطول وتر في الدائرة. أما محيط الدائرة، وهو المسافة حولها، فيُحسب وفق العلاقة الرياضية بين طول القطر مضروبًا في المقدار ط ( \(\pi \) يساوي تقريبًا 3.14 أو \(\frac{22}{7}\) )، كما أن
مساحة الدائرة {{مساحة الدائرة: (Area of a Circle) تعبر عن المساحة التي يشغلها الشكل الدائري على سطح مستوٍ، وهي من المفاهيم الأساسية في الهندسة. تُحسب مساحة الدائرة باستخدام نصف القطر، إذ تعتمد الصيغة الرياضية على العلاقة بين نصف القطر وعدد باي، وتُعطى بالصيغة: \(A=\pi r^{2}\) .}} هي مربع نصف طول القطر مضروبًا في ط ( \(\pi \) ).
يتداخل مفهوم الدائرة مع مختلف جوانب الحياة، فعند رمي حجر في ماء راكد تتحرّك الأمواج المتكونة مبتعدة عن مكان سقوط الحجر مكوّنة دوائر متحدة المركز. كما استُخدِمت الدائرة في فهم العديد من الظواهر الطبيعية والتطبيقات الهندسية والصناعية، إذ تدور الأقمار الاصطناعية حول الأرض في مدارات شبه دائرية، وتُصمّم الساعات والمراوح والتروس حسب الشكل الدائري الذي يوحي بالحركة المنتظمة. كما تُستخدم الدائرة في الهندسة المعمارية، إذ نراها في القباب والأنفاق والجسور، ما يساهم في توزيع الأحمال بالتساوي وزيادة الصلابة والاستقرار.
تعريفها
الدائرة منحنى هندسي يتكون من مجموعة كل النقاط على المحيط، وتبعد بعدًا ثابتًا، هو نصف القطر، عن نقطة المركز. وتزخر الدائرة، ذلك الشكل الهندسي البسيط، بالخصائص الهندسية والتطبيقات العملية. فإذا دقق أحدهم النظر من حوله، فإنه سيجدها في العديد من جوانب الحياة. من ناحية هندسية يمكن رسم الدائرة بواسطة الفرجار أو أي أداة مشابهة، وذلك بعد تعيين المركز وطول نصف القطر. إن أي ثلاث نقاط لا تقع على خط مستقيم يمكن رسم دائرة تمر بها جميعا، كما انه لاي مثلث يمكن رسم دائرة داخله تمس اضلاعه من الداخل.
تتميز الدائرة، مقارنةً بجميع الأشكال الهندسية الأخرى، بكونها الشكل الذي يحقق أكبر مساحة ممكنة بالنسبة لطول محيطه. هذه الخاصية تجعلها رمزًا رياضيًا للكفاءة القصوى في استخدام المساحة، وهي خاصية لها تطبيقات واسعة في مختلف العلوم الهندسية والطبيعية[11].
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تعدّ الدائرة، بصفتها شكلًا هندسيًا، أحد القطوع المخروطية {{القطوع المخروطية: (Conic Sections) هي مجموعة من الأشكال الهندسية التي تتكوّن نتيجة تقاطع سطح مستوٍ مع مخروط دائري مستقيم.}}، وهي منحنيات ناتجة عن تقاطع مستوى مع مخروط دائري قائم. وينتج هذا الشكل عن تغيير زاوية المستوى وموقع تقاطعه مع المخروط أربعة أنواع مختلفة من القطوع، وهي القطع الزائد والقطع المكافئ والقطع الناقص والدائرة (الشكل 1). وكون الدائرة أحد القطوع المخروطية ناتج عن كونها حالة خاصة من القطع الناقص أو الإهليلج (Ellipse)[12].
عرض تاريخي
للدائرة تاريخ طويل في العلوم والهندسة والفنون، إذ تعود دراسة هندسيًا إلى عصور ما قبل التاريخ. وقد كان اختراع الدولاب أساسيًا في معرفة خصائص الدائرة. ذكر رياضي مصري قديم يُعرف باسم أحمس بعض خصائص الدائرة في نص رياضي شهير هو "بردية ريند" (Rhind Papyrus) التي تعود إلى نحو 1550 ق. م. تقدم البردية أمثلة على حسابات هندسية تتضمن الدائرة. إحدى أشهر المسائل في تلك البردية تتعلق بحساب مساحة الدائرة باستخدام تقريب لنسبة القطر إلى المحيط، أي تقريب نسبة محيط الدائرة إلى قطرها بـ \(\frac{256}{81}\)، أي نحو 3.16، وهي قيمة قريبة من النسبة المعروفة حاليًا لقيمة ط (π) التي تساوي حوالي 3.14159.
يتضمّن كتاب الرياضي الإغريقي الشهير إقليدس (Euclid، حوالي 300 ق.م.) في
أصول الهندسة، المسمى بالعربية
كتاب
عناصر الهندسة أو
الأركان، الخصائص الهندسية للدائرة وأهم قضاياها الأساسية. يُعدّ هذا الكتاب الضخم من أشهر الأعمال وأهمها في تاريخ الرياضيات، وتناول فيه المؤلف العديد من المواضيع الهندسية، وأولها خصائص الدائرة. في بداية المقالة الأولى من كتاب الأصول، وبعد تعريف النقطة والخط والمستقيم والزاوية وخصائص هندسية أخرى، يخصّص إقليدس عددًا من التعاريف للدائرة وخصائصها الأساسية قائلًا: "والدائرة
شكل مسطح مستوٍ {{الشكل المسطح المستوي: (Plane Shape) هو شكل هندسي يقع بالكامل على مستوى ثنائي الأبعاد، ويتكوّن من نقاط وخطوط من دون أي بُعد عمودي (ارتفاع).}}، يحيط به خط واحد في داخله نقطة، كل
الخطوط المستقيمة {{الخط المستقيم: (Straight Lines) هو أحد المفاهيم الأساسية في الهندسة، ويُعرّف بأنه امتداد غير منحنٍ يمتد في اتجاهين متعاكسين إلى ما لا نهاية، من دون أي انحناء أو التواء.}} التي تخرج منها وتنتهي إلى ذلك الخط متساو بعضها لبعض"؛ "وتلك النقطة هي مركز الدائرة"؛ "وقطر الدائرة هو خط مستقيم يمر بمركز الدائرة وينتهي [في جانبين] إلى الخط المحيط بها وهو يقطعها نصفين" (التعريفات 15-17)[1]. كما يعتبر الدائرة ضمن المصادرات أو البديهيات الخمسة الشهيرة: "وأن يخط دائرة على كل مركز وبقدر كل بُعْد" (المصادرة الثالثة).
كما أفرد إقليدس المقالة الثالثة من
كتاب الأصول لكل ما يخص الدائرة من قضايا وبناءات، فيقدّم في القضية الأولى طريقةً لإنشاء مركز الدائرة، وفي القضايا 3 و14 و15 مسائل عن وتر الدائرة، وفي القضايا من 5 إلى 9 يعطي العديد من مسائل البناء الخاصة بالمركز. والقضايا 10 و11 و12 مخصصة للوضعيات النسبية لدائرتين. أما القضايا من 16 إلى 19 فتخص
المماس {{المماس: (Tangent) هو خط مستقيم يلامس منحنى عند نقطة واحدة فقط من دون أن يقطعه، ويُستخدم لفهم الاتجاه اللحظي للمنحنى عند تلك النقطة.}} للدائرة وخاصياته، وبعض البناءات من قبيل ما جاء في القضية 17 التي تصف مراحل بناء المماس لدائرة الذي يمرّ من نقطة معطاة. ثمّ بداية من القضية 20 إلى القضية 26، يُعرّف إقليدس
الزوايا المحيطية {{الزاوية المحيطية: (Inscribed Angles) هي زاوية يقع رأسها على محيط الدائرة، ويكوّن ضلعاها وترين في الدائرة. تُستخدم الزوايا المحيطية بكثرة في دراسة خصائص الدوائر، وحساب الأطوال والزوايا المتعلقة بالأقواس.}} والزوايا المركزية {{الزاوية المركزية: (Central Angles) هي زاوية يقع رأسها في مركز الدائرة، ويمتد ضلعاها إلى نقطتين على محيطها. وهي أساس حساب قياسات الأقواس والمساحات المرتبطة بالدوائر.}}، ويثبت العلاقة المعروفة بينها: قياس الزاوية المركزية هو ضعف قياس الزاوية المحيطية المناسبة لها التي تشاركها
القوس {{القوس: هو امتداد منحنٍ يربط بين نقطتين على منحنى أو محيط، ويُعد من الأشكال الأساسية التي تظهر في الطبيعة والهندسة على حد سواء.}} نفسه[2]. وأما في القضية 30 فيصف طريقة إيجاد منتصف
قوس دائري {{القوس الدائري: (Circular Arc) هو أحد المفاهيم المرتبطة بالدائرة، وهو جزء من محيط دائرة مُحددة بنصف قطر معيّن، طوله يعتمد على الزاوية المركزية المقابلة له، يُستخدم في الحسابات الدقيقة المتعلقة بالأقواس والمسارات المنحنية. القوس الدائري هو قوس ناتج من زاوية مركزية في دائرة ذات نصف قطر. ويُحسب طوله بالصيغة: \(l=r\theta \).}}. وفي القضية 31 يثبت إقليدس أن كل مثلث محاط بدائرة قطرها أحد أضلاعه هو مثلث قائم. وفي القضايا 35 إلى 37 يدمج إقليدس مفهوم قوة النقطة بالنسبة إلى دائرة[3]، وهو مربع المسافة بين النقطة ومركز الدائرة، مطروحًا من مربع نصف قطر الدائرة، ويورد بعض خاصيات هذا المفهوم.
لاحقًا، أبرز أرخميدس (290-211ق.م) كيفية استخدام القطوع المخروطية في تقسيم الكرة إلى جزأين بنسبة معينة، واكتشف العلاقة بين السطح والحجم للكرة والأسطوانة المحيطة بها، وحساب مساحة الدائرة ومحيطها، واستخدام القطر لتحديد العلاقة بين المحيط والمساحة.
كان موضوع الدائرة ضمن اهتمامات الفيلسوف أرسطو ومدرسته المشّائية. ففي
كتاب
ما بعد الطبيعة، في تعريفه للأشياء المادية، ضرب أرسطو مثالًا بالدائرة، إذ يرى أنها مكوّنة من نصفي دائرة، لكن لا تُعرّف بجزأيها بل يُعرّف نصف الدائرة من خلال الدائرة ذاتها وليس العكس. أما في كتاب
المسائل الحيلية، المعروف بكتاب
الميكانيكا (Mechanica) والمنسوب إلى مدرسة أرسطو، فهناك مفارقة عجلة أرسطو، وهي مسألة تقوم على افتراض وجود عجلتين متداخلتين تدوران دون انزلاق دورة كاملة، علمًا أن كل عجلة تتألف من دائرتين لهما قطران مختلفان، لكنهما يشتركان في المركز نفسه. ويثبت أرسطو أن الدائرة الصغرى والدائرة الكبرى لهما قطران متساويان، وهنا تكمن المفارقة.
وهناك أيضًا في كتاب
المسائل الحيلية عرض مختصر للرؤية العامة للمدرسة المشائية عن خصائص الدائرة، كما وظّفتها لخدمة منظومتها في الفلسفة الطبيعية التي عرضها أرسطو وأتباعه في مؤلفاتهم الطبيعية. وتلتقي مكونات هذه الرؤية حول جملة أفكار كبرى من قبيل أنه تجتمع في الدائرة المتضادات، من حركة وسكون، بما أن محيطها متحرك بينما مركزها ساكن؛ كما أن الحركة الدائرية مزدوجة على المحيط إلى الأمام والخلف، ودون نهاية. يقول المؤلف المجهول لكتاب
المسائل الحيلية:
"فالمسائل الحيلية مشتركة للعلوم الرياضية والطبيعية معًا، وذلك أن الكيف فيها هو من العلوم الرياضية، وأما ماذا فمن العلوم الطبيعية، كعمل البيرم إذا زاد ثقله حرك الشيء الثقيل سريعًا، والدائرة علّة هذا وما أشبهه. والأعجب ما اجتمع فيه الأشياء المتضادة، وفي الدائرة تجتمع حركة وسكون، وفي إحاطتها انخفاض وارتفاع وبينهما التماس، كما بين الأعظم والأصغر بينهما المساوي، وبين الأخمص والمحدودب المستقيم. وفى حركتها الواحدة تضادّ من أمام وخلف وفوق وتحت، والخط يرسمها بالحركة من جانب، والسكون من جانب، وينتهي حيث ابتدأ، وينتقل إلى ما منه انتقل. وإن حركات النقط التي تفرض عليه مختلفة السرعة، فالأقرب إلى الطرف الساكن منه أبطأ. وغير منكر أن تكون هي أول الأعجوبات ومبدأها. والأشياء التي تعرض في الموازين إنما تعرض لها بسبب الدائرة وتُنسب إليها. وأما التي تعرض في البيرم، فإنها تنسب إلى الميزان. ولأن الدائرة الواحدة قد تتحرك حركتين مختلفتين، ويمكن أن تُعمل دوائر تتحرك حركة واحدة، منها حركات كثيرة، وهذا أصل لحركات كثيرة متضادة عجيبة، فالظاهر منها حركة واحدة وتخفى علتها"[4].
يمكن القول إن الفلسفة الأرسطية منحت الشكل الدائري مكانة خاصة باعتباره بلا بداية ولا نهاية، ما يجعله مناسبًا لحركات الأجرام السماوية المتكوّنة من الأثير، المادة الخالدة والمختلفة عن العناصر الأرضية[5]. أما في الرياضيات العربية الكلاسيكية، فاهتم الرياضيون بالدائرة باعتبارها موضوعًا هندسيًا. هكذا احتوى
كتاب
الجبر والمقابلة للخوارزمي (164-232هـ/ 780-846م) على فصل في الهندسة، ذكر فيه الشكل الدائري وخصائصه. ومنذ ترجمة الحجاج بن مطر (ت. نحو 218هـ/ 833م) لكتاب
الأصول لإقليدس، خُصّصت كتب كاملة لعلم الهندسة، منها شروح لكتاب
الأصول نفسه وأخرى شاملة خُصّصت للحساب والجبر والهندسة، ولا يكاد يخلو كتاب منها من ذكر الدائرة.
يشير يعقوب بن إسحاق
الكِندي (185-256هـ/ 801-873م) في إحدى رسائله إلى أن
الكرة {{الكرة: (Sphere) هي شكل هندسي ثلاثي الأبعاد، يتميز بسطح أملس ومتجانس، وكما هي الحال في الدائرة، جميع النقاط التي تقع على سطح الكرة تبعد مسافة ثابتة عن نقطة معينة تسمى مركز الدائرة، والبعد يسمى نصف القطر الخاص بالكرة.}} هي أعظم
الأشكال المجسمة {{الأجسام المجسمة: (Solid Shapes) هي أشكال هندسية ثلاثية الأبعاد تشغل حيزًا من الفضاء، وتمتلك طولًا وعرضًا وارتفاعًا. تظهر هذه الأشكال في العديد من الصور، مثل الصندوق والأسطوانة والهرم والكرة والمكعب.}}، والدائرة أعظم
الأشكال المسطحة {{الأشكال المسطحة: (Plane Shapes) هي أشكال هندسية ثنائية الأبعاد، تقتصر على الطول والعرض من دون أي عمق أو ارتفاع. تتمثل هذه الأشكال في المثلث والمربع والدائرة والمستطيل وغيرها، وتُرسم على سطح مستوٍ مثل الورق أو اللوح.}}. يندرج هذا القول ضمن تقليد واسع يخصّ حساب المساحات والحجوم القصوى، وهو أحد فصول التحليل الرياضي، ويتعلق بمسألة عرفها العلم القديم، هي بيان أن الدائرة أوسع الأشكال المسطحة المتساوية الإحاطة، وأن الكرة أعظم المجسمات المتساوية الإحاطة. كما تبرز أهمية هذه القضية في علم الفلك. وهي موجودة ضمن شرح أبي جعفر محمّد بن الحسن الخازن للمقالة الأولى من كتاب
المجسطي لبطلميوس[6]. ومن بين الكتب المرجعية في علم الهندسة نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، كتاب
ما يحتاج إليه الصانع من علم الهندسة، تأليف أبي الوفاء
البوزجاني (328-388هـ/ 940-998م)، الذي تطرق فيه إلى بيان كيفية إنشاء الأشكال الهندسية داخل الدوائر، إضافة إلى دراسة تأثير الدائرة في مختلف الأشكال الهندسية الأخرى[7].
في كتابه
استخراج الأوتار في الدائرة بخواص الخط
المنحني فيه، تناول أبو الريحان
البيروني (362-440هـ/ 973-1048م) مسائل هندسية أغلبها يتعلق بالشكل الدائري. كما استخدم البيروني مفهوم الدائرة في حساب محيط الأرض، معتمدًا على قياسات الزوايا والمسافات بطريقة هندسية شبيهة بحساب محيط الدائرة[8]، واعتمد على إحدى الطرق الهندسية التي تضمنت قياس ارتفاع جبل وزاوية الارتفاع إلى قمته من نقطة معينة على الأرض. وباستخدام
حساب المثلثات {{حساب المثلثات: (Trigonometry) هو فرع من فروع الرياضيات يهتم بدراسة العلاقات بين زوايا المثلثات وأضلاعها، ويُعدّ أداة أساسية في الهندسة والفيزياء والهندسة التطبيقية.}}، تمكن من إيجاد نصف
قطر {{القطر: (Diameter) هو قطعة مستقيمة تصل بين نقطتين في شكل هندسي، ويمتد عبر الشكل ليقسمه إلى قسمين متساويين أو متطابقين في كثير من الأشكال. في الأشكال المسطحة مثل المربع أو المستطيل، يُعدّ القطر أطول قطعة مستقيمة يمكن رسمها بين نقطتين على المحيط.}} الأرض ومن ثم حساب محيطها بدقة عالية نسبةً لإمكانات عصره.
كما أن هناك في كتاب
تحرير الأصول الهندسية لإقليدس، مع تعليقات نصير الدين الطوسي (ت. 672هـ/ 1274م)، تعريفاتٍ تتعلق بالدائرة وعناصرها، وهي كما يلي[9]:
- الدائرة: سطح مستوٍ يحيط به خط واحد، بحيث تكون جميع الخطوط المستقيمة الخارجة من نقطة داخله إلى المحيط متساوية.
- المحيط: الخط الذي يحيط بالدائرة.
- المركز: النقطة التي تخرج منها جميع أنصاف الأقطار.
- نصف القطر: الخط المستقيم الممتد من المركز إلى المحيط.
- القطر: الخط المستقيم الذي يمرّ بالمركز وينتهي طرفاه على المحيط، وهو ينصف الدائرة.
- تكوين الدائرة: تحدث الدائرة من إدارة خط مستقيم محدود في سطح مستوٍ حتى يعود إلى وضعه الأول.
يُعدّ العالم جمشيد الكاشي أحد أبرز من تناول دراسة ثابت الدائرة (ط، π) في كتابه
مفتاح الحساب، وقد خصص بابًا للهندسة تناول فيه مساحة الدائرة وطريقة استخراج المحيط من القطر والعكس، وحدد فيه قيمة تقريبية للعدد π، وهي 3.14159259259، ما يُعد تقديرًا دقيقًا للغاية في عصره.
أما في
الرسالة المحيطية التي ألّفها الكاشي في شعبان 827هـ، الموافق تموز/ يوليو 1424م، فقد تعمّق الكاشي أكثر وأعطى قيمة تقريبية لضعف ثابت الدائرة (أي
2π) لم يسبقه إليها أحد، التي وصلت إلى 16 خانة عشرية، وهي نسبة لم يصل إليها علماء الإغريق واليونان، ولا وعلماء الصين، متجاوزًا بذلك القيمة التقريبية التي حصل عليها الصيني زو شونغ زي (Zu Chongzhi، 430-501) بستة أرقام بعد الفاصلة. ولكي يحصل على هذه القيمة التقريبية، استعمل غياث الدين الكاشي مضلعًا منتظمًا متكونًا من عدد هائل من الأضلاع، وصل إلى \(3\times 2^{28}\) ضلعًا. والدقة التي حسب بها ثابت الدائرة، التي حددها بـ 3.1415926535898732، لم يصل إليها العلماء من بعده على مدى أكثر من 150 عامًا[10].
الخصائص الهندسية
[الشكل 2] أجزاء الدائرة
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تتلخص الأجزاء الأساسية المتعلقة بالدائرة، وهي أبرز خصائصها الهندسية، في ما يأتي (الشكل 2)[14]:
- الوتر (Chord): القطعة المستقيمة التي تصل بين أي نقطتين على الدائرة.
- القطر (Diameter): قطعة مستقيمة تمر من مركز الدائرة، وتصل بين نقطتين على محيطها، لذا فالقطر وتر يمر ّبالمركز.
- نصف القطر (Radius): قطعة مسقيمة واصلة من مركز الدائرة إلى أي نقطة على محيطها.
ويمكن تلخيص خصائص أوتار الدائرة كما يأتي:
- قطر الدائرة هو أطول وتر فيها.
- العمود النازل من المركز على أي وتر فيها ينصفه.
- المستقيم الذي يصل المركز ومنتصف وتر فيها يكون عموديًا عليه.
- الأوتار المتطابقة لها البعد نفسه عن المركز.
محيط الدائرة ومساحتها
إذا كان ثمة دائرة نصف قطرها يساوي \(r\) ، فإن:
- محيط الدائرة (Circumference of the circle):
\[C=2\pi r\]
- مساحة الدائرة (Area of the circle):
\[A=\pi r^{2}\]
بحيث تكون \(\pi \) : هي النسبة التقريبية، وتساوي تقريبًا \(3.14\) أو \(\frac{22}{7}\)
مثال: إذا كان طول نصف قطر دائرة هو 5 سنتيمترات:
فمحيطها:
\[C=2\pi r=10\pi \]
ومساحتها:
\[A=\pi r^{2}=25\pi\]
الزاوية المحيطية والزاوية المركزية
تُعرّف الزاوية المركزية (Central Angle) بأنها الزاوية التي يقع رأسها على مركز الدائرة، ويكون ضلعاها نصفي قطرين.
[الشكل 3] الزاوية المركزية والزاوية المحيطية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وتعرّف الزاوية المحيطية (Inscribed Angle) بأنها الزاوية التي يقع رأسها على محيط الدائرة، وضلعاها وتران.
[الشكل 4] زاوية محيطية يقابلها قطر في الدائرة
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
من الخصائص المهمة المتعلقة بالزوايا المركزية والزوايا المحيطية ما يأتي[15]:
- الزوايا المحيطية المرسومة على أقواس متطابقة يكون لها القياس نفسه.
-
قياس الزاوية المركزية يساوي ضعف قياس الزاوية المحيطية المرسومة على القوس نفسه.
- قياس الزاوية المحيطية التي يقابلها قطر في الدائرة يساوي 90o.
معادلة الدائرة
في المستوى الإحداثي يمكن وصف الدائرة باعتبارها منحنًى عن طريق ما يسمى معادلة الدائرة. هناك طريقتان لكتابة معادلة الدائرة، وهما[15]:
- معادلة الدائرة التي مركزها \((a,b)\) وطول نصف قطرها \(r\) هي:
\[\left(x-a\right)^{2}+\left(y-b\right)^{2}=r^{2}\]
مثال: معادلة الدائرة التي مركزها \((2,-3)\) وطول نصف قطرها \(6\)
معادلة الدائرة هي:
\[\left(x-2\right)^{2}+\left(y+3\right)^{2}=36.\]
مثال: في معادلة الدائرة \(x^{2}+\left(y-5\right)^{2}=7\)
المركز هو \((0,5)\) وطول نصف القطر هو \(\sqrt{7}\)
القطاع الدائري
للقطاعات الدائرية (Circular sector) أهمية بالغة في الإحصاء، وخاصة في تمثيل البيانات. في البداية لا بد من الإشارة إلى تعريف القوس. يعرّف القوس بأنه جزء من محيط الدائرة، يقع بين نصفَي قطرين. يسمى القوس الأكبر طولًا بالقوس الأكبر، ويسمى القوس الأصغر طولًا بالقوس الأصغر (الشكل 5).
[الشكل 5] القطاع الدائري
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ويعرّف القطاع الدائري بأنه المنطقة المغلقة المحصورة بنصفَي قطرين وقوس بينهما. تسمى الزاوية المركزية المحصورة بين نصفي القطرين بزاوية القطاع.
إذا كان قياس زاوية القطاع أصغر من 180°، فإننا نشير إليه باعتباره القطاع الأصغر، أما إذا كان قياس زاوية القطاع أكبر من ذلك، فإننا نشير إليه باعتباره القطاع الأكبر[16].
إذا كان لدينا دائرة نصف قطرها \(r\) ، فإن:
لحساب طول القوس في الدائرة، نحتاج إلى معرفة نصف قطر الدائرة ( \(r\) ) والزاوية المركزية للقوس \(\theta^{rad}\) بوحدة
الراديان {{الراديان: (Radian) هو وحدة قياس معتمدة للزوايا في الرياضيات والفيزياء، ويُستخدم على نطاق واسع في التحليل الرياضي وحساب المثلثات والتفاضل والتكامل. يتميز هذا النظام بتوافقه الطبيعي مع النظام العشري والتحليل الدوراني.}}. يمكن استخدام الصيغة الآتية لحساب طول القوس:
\[l=\theta^{rad} \times r\]
إذا كانت الزاوية المركزية معطاة بوحدة
الدرجات {{قياس الزاوية بالدرجة: (Degree Measurement of Angles) من المفاهيم الأساسية في علم الهندسة، ويُستخدم لتحديد مقدار الدوران بين ضلعين يشتركان في نقطة بداية تُعرف برأس الزاوية. ويُقاس هذا الدوران بوحدات عدة، من أبرزها: الدرجة (Degree)، وهي أشيع الوحدات في التطبيقات التعليمية واليومية.}} ( \(\theta \) )، يمكن تحويلها إلى راديان باستخدام العلاقة الآتية:
\(\theta^{rad}=\theta \times \frac{\pi}{180}\)
- مساحة القطاع الدائري الذي يقابل زاوية قياسها \(\theta^{rad}\) تعطى وفق العلاقة الآتية:
\[A=\frac{\theta^{rad}}{2}\times r^{2}\]
- محيط القطاع الدائري الذي يقابل زاوية قياسها \(\theta^{rad}\) يعطى وفق العلاقة الآتية:
\[C=\left(\theta^{rad}\times r\right)+2r\]
مثال: إذا كان طول نصف قطر الدائرة يساوي 6 سنتيمرات، فإن:
- طول القوس الذي يقابل زاوية قياسها \(\frac{\pi}{3}\)
- محيط القطاع الذي يقابل زاوية قياسها \(\frac{\pi}{4}\)
- مساحة القطاع الذي يقابل زاوية قياسها \(\frac{\pi}{6}\)
الحل:
- \(l=\theta .r=\frac{\pi}{3}.6=2\pi .\)
- \(C=\theta \cdot r+2r=\frac{\pi}{4}\cdot6+12=\frac{3\pi}{2}+12.\)
- \(A=\frac{\theta}{2}r^{2}=\frac{\pi}{12}\cdot36=3\pi .\)
الدائرة من الإشكال الشائعة والمستخدمة في كثير من مجالات الحياة، مثل الهندسة والرياضيات والفنون والصناعات والأديان والثقافات، كما تعدّ أحد أكمل الأشكال الهندسية وأكثرها مثاليةً. ارتبطت الدائرة منذ القدم بالعديد من المسائل الرياضية، كما ارتبطت ببقية الأشكال الهندسية.
المصادر والمراجع
العربية
البوزجاني، أبو الوفا.
كتاب فيما يحتاج
إليه الصانع من علم الهندسة. حققه وقدّم له صالح أحمد العلي. بغداد: مطبعة جامعة بغداد، 1979.
البيروني، أبو الريحان محمد بن أحمد.
استخراج الأوتار في الدائرة بخواص الخط المنحني فيها. تحقيق أحمد سعيد الدمرداش. مراجعة عبد الحميد لطفي. القاهرة: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر، 1965.
راشد، رشدي.
موسوعة تاريخ العلوم العربيّة. ط 2. بيروت: مركز الدراسات الوحدة العربية، 2005.
الطوسي، نصير الدين. "كتاب تحرير أصول لأوقليدس." نسخة مرقومة محفوظة في المكتبة البريطانية، مخطوطات شرقية (81055).
كتاب أوقليدس في الأصول. إصلاح أبي الحسن ثابت بن قرة الصابي. نسخة كاملة محفوظة في مكتبة جامعة أوبسالا بالسويد (مخطوط O. Vet 20).
الأجنبية
Abattouy, Mohammed. "Greek Mechanics in Arabic Context: Thābit ibn Qurra, al-Isfizārī and the Arabic Traditions of Aristotelian and Euclidean Mechanics."
Science in Context. vol. 14, no. 1-2 (2001). pp. 179-247.
________. “Nutaf min al-ḥiyal: A Partial Arabic Version of Pseudo-Aristotle’s Problemata mechanica.”
Early Science and Medicine. vol. 6, no. 2 (2001). pp. 96-122.
Azarian, Mohammad K. “Al-Risāla Al-Muhītīyya: A Summary.”
Missouri Journal of Mathematical Sciences. vol. 22, no. 2 (2010). pp. 64-85.
Heath, Thomas L.
The Thirteen Books of Euclid’s Elements. 2ed ed. Cambridge: Cambridge University Press, 1926.
Kāshī, Jamshīd ibn Masʻūd.
Der Lehrbrief über den Kreisumfang (ar-risala al-Muhitiya). P. Luckey (trans.). A. Siggel (ed.). Berlin: Akademie-Verlag, 1953.
Kouremenos, Theokritos. "The Tradition of the Delian Problem and its Origins in the Platonic Corpus."
Trends in Classics. vol. 3, no. 2 (2011). pp. 341-364.
Richard P. Lorch (ed.).
Ptolemaeus Arabus et Latinus. at:
https://acr.ps/1L9F38M
Taisbak, Christian Marinus. "Conic section."
Britannica. at:
https://acr.ps/1L9F2dt
Ugaglia, Monica. "Aristotle on Uniform Circular Motion."
Aristotelica. vol. 2, no. 51 (2022). pp. 52-69.
Waerden, Bartel Leendert van der & Christian Marinus Taisbak. "Euclid."
Britannica. at:
https://acr.ps/1L9F2lT
[11] Theokritos Kouremenos, "The Tradition of the Delian Problem and its Origins in the Platonic Corpus," Trends in Classics, vol. 3, no. 2 (2011), pp. 341-364.
[12] Christian Marinus Taisbak, "Conic section," Britannica, accessed on 13/3/2025, at: https://acr.ps/1L9F2dt
[1] "المقالة الأولى، الحدود"، في: كتاب أوقليدس في الأصول، إصلاح أبي الحسن ثابت بن قرة الصابي، نسخة كاملة محفوظة في مكتبة جامعة أوبسالا بالسويد، مخطوط O. Vet. 20، ورقة 1ظ-2و.
[2] Thomas. L. Heath, The Thirteen Books of Euclid’s Elements, vol. 2, Books III-IX, 2ed ed. (Cambridge: Cambridge University Press,1926), pp. 56-57.
[3] Heath, pp. 73-75.
[4] يُنظر التحقيق النقدي للجزء المتوفر بالعربية من كتاب المسائل الحيلية المنسوب لأرسطو ودراسته، في:Mohammed Abattouy, "Nutaf min al-ḥiyal: A Partial Arabic Version of Pseudo-Aristotle’s Problemata mechanica," Early Science and Medicine, vol. 6, no. 2 (2001), pp. 110-112; M. Abattouy, "Greek Mechanics in Arabic Context: Thābit ibn Qurra, al-Isfizārī and the Arabic Traditions of Aristotelian and Euclidean Mechanics," Science in Context, vol. 14, no. 1-2 (2001), pp. 195-199.
[5] Monica Ugaglia, "Aristotle on Uniform Circular Motion," Aristotelica, vol. 2, no. 51 (2022), pp. 52-69.
[6] تُنظر النشرة الإلكترونية للشرح، في:“Abū Jaʿfar al-Khāzin, Sharḥ al-Majisṭī,” Richard P. Lorch (ed.), Ptolemaeus Arabus et Latinus, accessed on 12/3/2025, at: https://acr.ps/1L9F38M
[7] أبو الوفا البوزجاني، كتاب فيما يحتاج إليه الصانع من علم الهندسة، حققه وقدّم له صالح أحمد العلي (بغداد: مطبعة جامعة بغداد، 1979).
[8] أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، استخراج الأوتار في الدائرة بخواص الخط المنحني فيها، تحقيق أحمد سعيد الدمرداش، مراجعة عبد الحميد لطفي (القاهرة: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر، 1965).
[9] نصير الدين الطوسي، "كتاب تحرير أصول لأوقليدوس"، نسخة مرقومة محفوظة في المكتبة البريطانية، مخطوطات شرقية (81055)، ص 8.
[10] Jamshīd ibn Masʻūd Kāshī, Der Lehrbrief über den Kreisumfang (ar-risala al-Muhitiya) P. Luckey (trans.), A. Siggel (ed.) (Berlin: Akademie-Verlag, 1953);يُنظر أيضًا:Mohammad K. Azarian, “Al-Risāla Al-Muhītīyya: A Summary,” Missouri Journal of Mathematical Sciences, vol. 22, no. 2 (2010), pp. 64-85.
[13] رشدي راشد، موسوعة تاريخ العلوم العربيّة، ط 2 (بيروت: مركز الدراسات الوحدة العربية، 2005).
[14] Bartel Leendert van der Waerden & Christian Marinus Taisbak, "Euclid," Britannica, accessed on 13/3/2025, at: https://acr.ps/1L9F2lT
[15] Kouremenos, op. cit.
[16] Taisbak, op. cit.