للصحيفة الأخرى التي صدرت في دمشق بنفس الاسم عام 1955 انظر المدخل:
الشام (صحيفة، 1955)
الشام صحيفة أسبوعية سياسية إخبارية جامعة، صدرت في 22 تموز/ يونيو 1896 في مدينة دمشق. أسَّسها وأدارها المحرر الصحفي السوري مصطفى واصف، وكانت أول صحيفة تحمل اسم
الشام، وثالث صحيفة تصدر في دمشق، بعد صحيفتَي
دمشق وسورية[1].
صدرت هذه الصحيفة بعد انقطاع دام تسع سنوات عن الصحافة الشعبيّة في المدينة، منذ توقُّف صحيفة
دمشق عام 1887، في ظلّ ظروف سياسية مضطَربة، إذ بدأت تظهر الحركات التحررية والفكرية في سورية، بينما واجهت الدولة العثمانية تحدّيات كبيرة، أبرزها
الحرب التركية-الروسية (1877-1878)، وتصاعد نفوذ
جمعية الاتحاد والتَّرقِّي. وأمام تلك التحديات، شدَّدت السلطات العثمانية رقابتها على الصحف السورية، ومارست الإغلاق والتضييق، وامتنعت عن منح التراخيص الصحفية لدمشق[2]. مع ذلك، تمكن مصطفى واصف من إصدار الصحيفة مستفيدًا من منصبه بصفته رئيسًا لقسم الليتوغرافيا (الطباعة الحجرية) في مطبعة المحافظة، التي تطبع صحيفة سوريا الرسمية، وكان مديرًا لها، أيضًا، في عهد ناظرها نجيب بك. واستمرّت الشام بصفتها الصحيفة الشعبية الوحيدة في دمشق حتى
إعلان الدستور العثماني عام 1908، إلى جانب مجلتي
الشّمس والجذور[3].
عرّفت صحيفة
الشَّام نفسها بأنَّها "جريدة إخبارية علمية سياسية أدبية"، ما جعلها أول صحيفة سورية في العهد العثماني تتبنى تعريفًا عصريًّا لرسالتها الصحفية[4]. وأعلنت أنّها "تصدر يوم الثلاثاء من كلّ أسبوع مؤقتًّا"، إلّا أنّها التزمت بالصدور أسبوعيًّا طوال مسيرتها، دون أن تتحول يوميّة رغم أنّ رخصتها كانت كذلك. وقد أدّى هذا الالتباس إلى اعتقاد بعض المؤرخين، مثل
شمس الدين الرفاعي في كتابه
تاريخ الصحافة السورية، بأنّها صدرت يومية لعامين قبل أن تتحول إلى أسبوعية، غير أنّ المؤرخ
جوزيف إلياس (ولد في 1939) أثبت العكس بالعودة إلى أعدادها[5].
جاءت
الشَّام في أربع صفحات من القطع المتوسط (42×29 سم) على ورق أسمر، وصفحتُها مقسَّمة إلى أربعة أعمدة. وفي وقتٍ درجت فيه صحف العهد العثماني على الصدور باللغتين العربية والتركية، تميّزت
الشَّام بأنّها أول جريدة في دمشق تصدر باللغة العربية فقط. وفي سنواتها الأخيرة، انتقلت إلى الـمَقاس الكبير (50×37 سم)، لكنّها حافظت على نهجها في الدورية والإخراج والإدارة حتى توقفت عن الصدور[6]. وشارك في تحريرها مجموعة من الصحفيين والكتّاب منهم:
محمد كرد علي،
وأديب نظمي،
وإسماعيل النابلسي،
وسليم عنحوري، و
عبد القادر بدران، وأحمد عزّت باشا العابد[7].
برَّرت الصحيفة قرار صدورها، في مقدّمة عددها الأول، بالحاجة الـمُلحَّة إلى وجود صحيفة إخبارية في تلك الفترة، قائلة: "إذ رأينا بلدتَنا الزاهرة هي في مثل هذه الأيام أحوجَ لنشر صحيفة إخبارية منها إلى سائر الأيام"[8]. وأعلنت خُطَّتها التحريرية، مؤكِّدَةً التزامها بالدفاع عن الدولة العثمانية وخدمة الأمة، بقولها: "كنَّا أعلنَّا عزمَنا من قبلُ على إصدار صحيفة عربية اللهجة، عثمانية النزعة، مبدؤها الدفاع عن حقوق الدولة، وغايتها خدمة المِلَّة، على وجه أن لا تخشى في جانب إظهار الحق وعيدًا، ولا تخاف في تأييد كلمة الصدق تهديدًا"[9].
يتضح من هذا أنّها تبنّت ثلاثة محاور رئيسة: أولًا، خدمة اللغة العربية، إذ رأت في استخدامها ونشر المقالات الأدبية دعمًا لها، رغم أنّ أسلوبها ظلّ يعاني من الرَّكاكة وضَعف الصياغة[10]. ثانيًا، التزامها بالنزعة العثمانية. وثالثًا، الدفاع عن الدولة العثمانية وخدمتها. ومع هذا التوجُّه، واظبت الصحيفة على مدح السلطان، واصفة إياه في أحد مقالاتها بـ
"إنسان عين هذا الزمان وأَسطُرلاب فلك الحكمة في عالم الإنسان"[11]. وقد رأى جوزيف إلياس في هذا نهجًا بالغًا في الولاء للعثمانية، مشيرًا إلى تناقضها بين التأكيد على قوة الحقّ والدفاع المطلق عن الدولة، يقول: "وربّما كان الحقّ والصدق عندها ما تراه الدولة حقًّا وصدقًا"[12]. كما رجّح شمس الدين الرفاعي أنّ الصحيفة مالَأَت السلطة العثمانية، ولم تخرج عن التملُّق للولاة، مستدِلًّا بولاء صاحبها للحكَّام الأتراك الذين تولَّوا إدارة الصحيفة الرسمية "سورية"، إذ كانت صحيفة
الشام تُطبَع في مطبعتها[13]. ويبدو هذا مفهومًا في ظلّ السِّياق العام الذي عملت فيه الصِّحافة السُّوريّة آنذاك، إذ فُرِض عليها منذ نشأتها، أن تكون في خدمة السُّلطة العثمانية، وأن تتبنى شعاراتِها، وقد استمرّت في الطريق الذي رُسِم لها، حتى تولي جمعية الاتحاد والترقي الحكم في الدولة العثمانية وإعلان الدستور عام 1908.
تطوَّرت صحيفة
الشام تطورًا جديدًا في ترتيب الموضوعات والأبواب مقارنةً بالصُّحف السورية آنذاك. فاستوحت عنوانها الأول "إجمال الأحوال" من الصُّحف المصرية واللبنانية، ليكون بمنزلة الافتتاحية، تسردُ فيه موجَزًا لأبرز الأخبار والحوادث. وقد شمل هذا القسم، في عددها الأول، الحوادثَ السياسية الأسبوعية، مثل شَغَب العُصاة في كريت، وأحداث جبل الدروز، والاستعداد الروسي-الفرنسي لوضع مصر تحت سيطرة الدول الكبرى[14]. وبعد "إجمال الأحوال"، جاءت العناوين الأساسية الأخرى، وهي: أخبار محلية، تِلغرافات، أخبار دار السعادة، أدبيات، مقتَطفات، ثم تَلَتها بقية الموضوعات. أمّا الصفحة الأخيرة فكانت مخصَّصة لنشر الإعلانات المختلفة، والنصوص والأحكام الرسمية إن وُجدَت. وسعت الصحيفة، ضمن إمكانياتها، إلى إدراج بعض المواد الأدبية، والكتابات التاريخية والاجتماعية والصحية والعلمية والاقتصادية. ولكنّها بقيت، مع ذلك، عند مستوى مُعَيَّن من الجمود، حتى جاءت مرحلة صِحافة الدستور التي أحدثت تعديلاتٍ كثيرةً في المشهد الصحفيّ[15].
واظبت
الشَّام على الصُّدور بانتظام طوال عهدها، ولم تتعرَّض لأيّ تعطيل أو اضطهاد، إذ بقِيَت منقادة للسُّلطة، ولم تخرج عن إطارها. ولذلك، لم تستطع أن تؤدِّيَ دورًا فاعلًا في خدمة القضايا الكبرى المطروحة في ذلك العصر، مثل إحياء التُّراث وبعث اللغة العربية، إلّا ضمن حدود ضيّقة جدًّا، إذ كانت كتاباتها الأدبية ومقالاتها المفيدة محدودة
[16]. ثم توقّفت
الصحيفة عن الصدور بعد إعلان الدستور عام 1908 إثر مرض صاحبها. وكان آخر عدد عُثر عليه منها هو العدد 524 بتاريخ 27 آب/ أغسطس 1908، ولكن لا يُعلَم على وجه الدِّقّة كم استمرت بعد ذلك[17].
المصادر والمراجع
المصادر
الشام. ع1. 22/07/1896.
المراجع
إلياس، جوزيف.
تطور الصِّحافة السورية في مائة عام (1865-1965) الجزء الأول. بيروت: دار النضال، 1982.
الرفاعي، شمس الدين.
تاريخ الصِّحافة السورية في العهد العثماني 1800-1918. القاهرة: دار المعارف، 1969.
مرُوَّة، أديب.
الصِّحافة العربية نشأتها وتطورها. لبنان: دار مكتبة الحياة، 2007.
الـمَلُّوحي، مهيار عدنان.
معجم الجرائد السورية 1865-1965. دمشق: الأولى للنشر والتوزيع، 2002.
[1] أديب مرُوَّة،
الصِّحافة العربية نشأتها وتطورها (لبنان: دار مكتبة الحياة، 2007)، ص208.
[2] شمس الدين الرفاعي،
تاريخ الصِّحافة السورية في العهد العثماني 1800-1918 (القاهرة: دار المعارف، 1969) ص133.
[3] المرجع نفسه، ص133.
[4] جوزيف إلياس،
تطور الصحافة السورية في مائة عام (1865-1965) الجزء الأول (بيروت: دار النضال، 1982)، ص169.
[5] المرجع نفسه، ص74.
[6] المرجع نفسه، ص74-75.
[7]مهيار عدنان الـمَلُّوحي،
معجم الجرائد السورية 1865-1965 (دمشق: الأولى للنشر والتوزيع، 2002)، ص14.
[8]الشَّام، ع1، 22/07/1896.
[9] المرجع نفسه.
[10] جوزيف إلياس، ص191.
[11]الشَّام، ع1، 22/07/1896.
[12] جوزيف إلياس، ص75.
[13] الرفاعي، ص191.
[14] إلياس، ص76.
[15] المرجع نفسه، ص184.
[16] إلياس، ص77.
[17] الـمَلُّوحي، ص14.