ياسين الهاشمي (1882-1936) ضابط وسياسي ورجل دولة عراقي، كانت له أدوار عسكرية وسياسية بارزة وعديدة في ثلاث مراحل: أواخر العهد العثماني بعد عودة
الدستور العثماني (1908-1918)؛ ومرحلة
الحكومة العربية بدمشق (1918-1920)؛ ومرحلة الخمسة عشر عامًا الأولى من تاريخ الدولة العراقية الحديثة. تلقى تعليمه النظامي في مدارس الموصل العثمانية العسكرية، وانتسب بعد تخرجه من الإعدادية العسكرية إلى الكلية الحربية في إسطنبول، وتخرج منها برتبة ضابط ممتاز في عام 1905. صُنّف في مرتبة ضابط ركن إثر
الانقلاب الدستوري العثماني (1908)، ورُفّع إلى رتبة "قول آغاسي" (رائد). وكان أول تعيين له مديرًا للحركات العسكرية في فرع الجيش السادس العثماني ببغداد. وحين تأسست
جمعية العهد، في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 1913، ترأس فرعها في الموصل، كما انضم إلى الجمعية العربية الفتاة، وشكل همزة الوصل بين الجمعيتين في حثّ الشريف الحسين بن علي (1853-1931) في الحجاز على إعلان الثورة العربية. ولكن إثر كشف البلاشفة في روسيا في أواخر عام 1917 عن
اتفاقية سايكس-بيكو السرية، ابتعد عن الثورة العربية واستمر قتاله في الجيش العثماني على رأس الفيلق الثامن في جبهة السلط وعمّان. وإثر الهجوم الحاسم لقوات الحلفاء بقيادة الجنرال
إدموند ألنبي (Edmond Allenby، 1861-1936)، في أيلول/ سبتمبر 1918، تفكك فيلقه، وأصيب هو نفسه بجراح، فاضطر إلى اللجوء متخفيًا إلى دمشق.
بدأت المرحلة الثانية من حياة الهاشمي في دمشق، حيث أقنعه الأمير
فيصل الأول بن الحسين بن علي الهاشمي (1883-1930)، الذي شكّل في دمشق حكومة عربية بعد الانسحاب النهائي للقوات العثمانية في أواخر أيلول/ سبتمبر 1918 من سورية، بتولي مهمات بناء جيش عربي جديد، فقبل هذه المهمة بعد تردد. وقاد جمعية العهد العراقية بعد انقسام الجمعية الموحدة السابقة إلى جمعية عهد عراقي، وجمعية عهد سوري في أواخر عام 1918، إلى جانب عضويته في الهيئة المركزية لجمعية العربية الفتاة. كما تولى الهاشمي منصب رئيس ديوان الشورى الحربي الذي يعادل رئيس هيئة الأركان، وبهذه الصفة أعاد هيكلة القوات العربية التي دخلت دمشق في وحدات نظامية تألفت من ثلاث فرق عسكرية. بقي في هذا المنصب منذ تشرين الأول/ أكتوبر 1919 حتى 22 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه، حين اعتقلته القوات البريطانية بأمر من القائد العام للحلفاء الجنرال ألنبي، واحتجزته حتى أيار/ مايو 1920 في مقر القيادة البريطانية في حيفا بفلسطين، ثم في اللد، لأسباب متعددة ومركّبة، منها رفضه الامتثال إلى اتفاق الاستبدال البريطاني-الفرنسي (13-15 أيلول/ سبتمبر 1919)، وتولّيه تعبئته الجيش وفتح باب التطوع فيه، ودعم تشكيل ميليشيا شعبية من المتطوعين الأهليين في إطار اللجنة الوطنية العليا، وتطوير اتصالاته مع قوات المقاومة الأناضولية بقيادة مصطفى كمال (1881-1938).
مثّل اعتقال الهاشمي نقطة انعطاف أساسية في تعقّد العلاقات العربية-البريطانية، إذ ارتفعت وتيرة العمليات العسكرية لجمعية العهد العراقي ضدّ القوات البريطانية في العراق. ومهدت هذه الأحداث لاندلاع ما يُعرف في الحوليات العراقية باسم ثورة العشرين في العراق. وفي أيار/ مايو 1920 أنهت القوات البريطانية احتجاز الهاشمي، فعاد إلى سورية منزويًا. وحين وجّه المفوّض السامي الفرنسي في سورية، الجنرال
هنري غورو (Henri Joseph Eugène Gouraud، 1867-1946) إنذاره الخطي الشهير في 14 تموز/ يوليو 1920 للحكومة العربية في سورية، احتدمت الصراعات والانقسامات السياسية السورية حول الموقف من الإنذار، وحلّت فترة من الفوضى، تصاعدت فيها الدعوات لتنصيب دكتاتور يضمن الاستقرار. كان الهاشمي أحد المرشحين لتولي هذه المهمة، ولكنه رفضها. ولما قررت الحكومة المقاومة، عيّنت الهاشمي قائدًا لموقع دمشق، وقائدًا لهيئة أركان جبهة مجدل عنجر، الواقعة في منطقة البقاع الأوسط في لبنان الحالي، على خطوط التماس مع القوات الفرنسية. غير أنه لم يلتزم بالمهمة الموكلة إليه، إذ بات يائسًا من جدوى أي مقاومة. بينما تصدّر
يوسف العظمة (1884-1920)، وزير الحربية في الحكومة العربية، اتجاه المقاومة. ووسط هذا الانقسام في الحكومة والمجلس الحربي، تقدم الجنرال غورو واحتل سورية الداخلية في 24-25 تموز/ يوليو 1920.
بعد نشوء الدولة العراقية الحديثة، وتتويج الأمير فيصل في 23 آب/ أغسطس 1921ملكًا، عاد الهاشمي من سورية إلى العراق في عام 1922، وبرز واحدًا من قادة المعارضة لمشروع المعاهدة البريطانية-العراقية. وقد ألّف حينها أحزاب وجبهات سياسية عدة، كما تولى مناصب إدارية ووزارية، وألف الحكومة العراقية مرتين: الأولى بين 2 آب/ أغسطس 1924 و21 حزيران/ يونيو 1925؛ والثانية بين 17 آذار/ مارس 1935 و29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1936، وقد تميّزت بتبني برنامج إصلاحي تحديثي واسع، ولقّبه البعض بـ"بسمارك العرب".
توفي الهاشمي في بيروت بعد الانقلاب العسكري على حكومته (1936)، وقيّدت الحكومة العراقية تشييعه في العراق، فشيّعته دمشق في موكب شعبي ورسمي حافل، ودفن إلى جانب ضريح صلاح الدين الأيوبي.
نشأته وتعليمه
وُلد الهاشمي في حوالي عام 1884، كما تذهب معظم الروايات، أو في عام 1882، في حي البارودية ببغداد، وترعرع ضمن عائلة تعيد نسبها إلى السادة، وكان والده من وجهاء الحي ومختارًا له، إضافة إلى عمله ملتزمًا بَسَاتين القائد العثماني محمد فاضل باشا الداغستاني في محلة الفحامة. تابع أولاده الذكور الثلاثة، داود وطه وياسين، تعليمهم النظامي في المدارس العثمانية النظامية، وتخرجوا من مكتب الحربية الشاهاني (الكلية الحربية) بإسطنبول، بعد أن درسوا في
المدارس الرشدية {{المدارس الرشدية: هي مدارس بدأت في الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، كانت غايتها إيجاد تعليم انتقالي بين مرحلة الكتاتيب ومؤسسات التعليم الرسمية، واسمها جاء للدلالة على مرحلة الرشد عند طلبتها.}} بالموصل[1]. وعلى خلاف شقيقهما الأكبر داود، الذي تولى بعد تخرجه تدريس مادة الجغرافيا في
المدرسة الرشدية العسكرية {{المدرسة الرشدية العسكرية: تأسست عام 1870م بأمر من الوالي العثماني مدحت باشا، لتكون أول مدرسة عسكرية حديثة في ولاية بغداد. تقع في جانب الرصافة قرب نهر دجلة، في نهاية شارع المتنبي.}} ببغداد، من دون أن يشتغل بالسياسة، فإن طه وياسين كان لهما أدوار بارزة في الحياة السياسية والعسكرية في سورية والعراق.
تلقى الهاشمي تعليمه الأهلي في الكُتّاب، وبعمر العاشرة التحق بالمدرسة الرشدية العسكرية، ثم بالمدرسة الإعدادية العسكرية، إلى أن تخرج فيها وانتسب إلى الكلية الحربية في إسطنبول، وتخرج فيها عام 1905 ضابطًا ممتازًا. وإبّان دراسته في الكلية العسكرية، حمل ياسين الهاشمي لقب "حلمي"، بصفته لقبًا عائليًا لتمييزه عن كثرة أسماء "ياسين" بين الطلبة، إذ بحسب التقليد العثماني لا يُذكر اسم العائلة، ثم حمل لقب الهاشمي، بوصفه من أبناء السادات بدلًا من حلمي، مع تعيينه رئيسًا لديوان الشورى الحربي (رئاسة الأركان) في الجيش العربي إبان مرحلة الحكومة العربية بدمشق (1918-1920). وقد تألفت دورة الأركان التي اتبعها في الكلية الحربية من خمسين طالبًا متفوّقًا، إذ كان الترشيح للدراسة بوصفه ضابط ركن شرفًا يُعطى للخريجين المتفوّقين. وقد تمكّن معظمهم من أداء أدوار سياسية فاعلة متفاوتة المستويات. وقد ضمّ ذلك الفوج
عزيز علي المصري (1880-1964) الذي تخرج قبلهم، في عام 1904، وكذلك
جعفر العسكري (1858-1936)، في حين تخرج مصطفى كمال في العام نفسه، كما تخرج يوسف العظمة بعده بعامٍ واحد. ووفق بعض المصادر كانوا جميعًا من أعضاء
جمعية الاتحاد والترقي {{جمعية الاتحاد والترقي: حركة سياسية عسكرية عثمانية، تأسست عام 1889م، ولعبت دورًا محوريًا في تاريخ الدولة العثمانية الحديث، وخصوصًا في الفترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، هدفت إلى تحقيق الإصلاحات في الدولة العثمانية، ومحاربة الفساد، وتحقيق العدالة والمساواة بين مختلف شعوب الإمبراطورية}} السرية[2]، قبل انقسامها إلى ليبراليين لامركزيين واتحاديين مركزيين، واحتدام الاستقطاب بين الفريقين إثر
حرب البلقان الأولى {{حرب البلقان الأولى: صراع عسكري وقع بين دول البلقان (صربيا، وبلغاريا، والجبل الأسود، واليونان) من جهة، والدولة العثمانية من جهة أخرى، وأسفرت عن خسارة كبيرة للإمبراطورية العثمانية في أوروبا}} (1912-1913)، بين الخلاصيين اللامركزيين والاتحاديين المركزيين، إلى درجة الاقتتال بينهما في الجبهات، ولا سيّما في حرب البلقان[3].
المرحلة العثمانية
بدأت المرحلة العثمانية للهاشمي مع انتسابه إلى الكلية الحربية، إذ عُيّن إثر تخرجه في الكلية الحربية لقيادة فرع الجيش السادس ببغداد. وإثر إعلان الدستور العثماني (24 تموز/ يوليو 1908)، وافقت وزارة الحربية على الالتماس الذي قدمه برفع مرتبته من ضابط ممتاز إلى ضابط ركن، فرفّعته إلى رتبة "قول أغاسي" (رائد ركن)، وعُيّن مديرًا لشعبة الحركات العسكرية في فرع الجيش السادس. وإثر إعادة تنظيم القوات العثمانية في عام 1913 على طراز الفيالق والفرق، رُفِّع من رتبته قول أغاسي إلى رتبة "بكباشي" (مُقدّم)، وكان من يصل إلى هذه الرتبة يُمنح لقب بِك، فغدا الهاشمي ياسين بِك، وعُيّن رئيسًا لأركان حرب الفيلق الثاني عشر في الموصل، حيث مقر قيادته. كما أصبح عضوًا في المجلس البلدي للمدينة[4]. وإثر سيطرة الجناح القومي الراديكالي في جمعية الاتحاد والترقي على السلطة في تركيا (23 كانون الثاني/ يناير 1913)، وانتهاج سياسة مركزية متشددة تجاه الولايات العربية، وإبعاد الضباط العرب عن مناطقهم، وعن العاصمة، إلى مناطق نائية، وأيضًا حل الجمعيات العربية، وارتفاع وتيرة قمع دعاة اللامركزية، تشكلت جمعية العهد السرية في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 1913، من عدد من الضباط العرب في الجيش العثماني؛ للعمل على تحقيق "الاستقلال الداخلي للبلاد العربية، على أن تكون متحدة مع حكومة الآستانة مثل اتحاد المجر مع النمسا"[5].
ترأس الهاشمي فرع الجمعية في الموصل، كما انتسب إلى جمعية العربية الفتاة، وشكّل همزة وصل بينهما إبّان التحضير لإطلاق الثورة العربية. ونتيجة الارتياب الرسمي بنشاطه السياسي، أُبعد إلى إسطنبول، التي شكلت نقطة مركزية جديدة في تواصله مع الضباط العرب، ونشر أفكار العهد فيها[6]. وعُيّن الهاشمي رئيسًا لأركان حرب الفيلق السابع عشر في إسطنبول، وهو الفيلق الذي تمكّن من صدّ قوات الحلفاء في أواخر عام 1915، وإلحاق هزيمة كبرى بها في
معركة جناق قلعة {{معركة جناق قلعة: هي واحدة من أبرز المعارك في الحرب العالمية الأولى، بدأت بتاريخ 19 شباط/ فبراير 1915، وانتهت بتاريخ 9 كانون الثاني/ يناير 1916 في مضيق الدردنيل، وتمثل رمزًا للمقاومة العثمانية في وجه القوى الكبرى}} (Çanakkale) المعروفة في الأدبيات البريطانية بمعركة الدردنيل، بقيادة مصطفى كمال للقوات العثمانية. وإثر كفاءته في تلك المعركة، رُقّي الهاشمي إلى رتبة "قائمقام" (عقيد)، ثم أُرسل في منتصف عام 1916 إلى جبهة غاليسيا في الطرف الشمالي الشرقي من الإمبراطورية النمساوية-المجرية، ليقود الفرقة العشرين للدفاع عنها ضد القوات الروسية. وتميزت قيادته بنجاح كبير، ما لفت انتباه الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني (Wilhelm II، 1859-1941) الذي يطلق العرب عليه اسم غليوم، وقد تولى الحكم بين عامي 1888 و1918، فقلّده الوسام الحديدي، كما قلّدته الحكومة النمساوية وسام الصليب النمساوي. وقيل إن الإمبراطور أوصى شخصيًا بترفيعه إلى رتبة "أمير لواء" (أميرآلاي، أي زعيم، أو Brigadier باللغة الإنكليزية)، ومنحته القيادة العثمانية وسام الكفاية الذهبي، و"قدمًا ممتازًا" مدته سنتان، أهّله للترفيع إلى رتبة أعلى، إذ نال الهاشمي بموجب هذا الترفيع مرتبة الباشوية[7].
جبهة الحرب في فلسطين
ياسين الهاشمي في الزي العسكري
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
في خريف 1917، أوفدت هيئة الأركان العثمانية الهاشمي مع فرقته الثانية والعشرين إلى جبهة فلسطين، فوصلت مطلع عام 1918 إلى دمشق. كانت الطائرات الألمانية قد رمت منشورات تحتوي نصوص اتفاقية سايكس-بيكو على مواقع المفرزة العربية الشمالية (الجيش الشمالي)، وقد أحدثت هذه المنشورات "قنبلة" سياسية في أوساط المفرزة، وشكّلت منعطفًا أسهم في تضعضع الثقة العربية بوعود الحلفاء وبتعهداتهم للعرب[8] بموجب
مراسلات الحسين-مكماهون {{مراسلات الحسين-مكماهون: مجموعة من الرسائل الدبلوماسية خلال الحرب العالمية الأولى بين الشريف الحسين بن علي شريف مكة والسير هنري مكماهون المفوض السامي في مصر بهدف تنسيق الثورة العربية ضد الدولة العثمانية.}}. أحدثت إذاعة نصوص الاتفاقية، إضافة إلى ذيوع نبأ
وعد بلفور (Balfour Declaration) (2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917) لاحقًا، ردة فعل حاسمة في موقف الهاشمي من الثورة العربية، فامتنع عن الالتحاق بمفرزتها الشمالية العسكرية[9]. وحتى حين كان سقوط دمشق قد بات وشيكًا، رفض الهاشمي عرض الأمير فيصل المرسل إليه عبر موفد خاص للانضمام إلى تلك المفرزة، وقال للموفد: "إن الإنكليز ليسوا مخلصين لفيصل ولا لأبيه. فبعد أن وعدوا بتأسيس دولة عربية، اتفقوا مع اليهود وأصدروا وعد بلفور، واتفقوا أيضًا مع الفرنسيين على إعطائهم سوريا، كما ربطوا العراق بالهند"[10]. اتخذ الهاشمي هذا الموقف بعد أن كان من أبرز من حرّضوا الشريف حسين بن علي الهاشمي (1853-1931) على إطلاق الثورة، وواصل القتال مع العثمانيين حتى آخر لحظة ضد الحلفاء. وفي جبهة فلسطين تولى الهاشمي قيادة الفيلق الثامن على جبهة السلط وعمّان[11]، واضطر إلى الانسحاب باتجاه دمشق، إثر الهجوم الحاسم الأخير للقوات البريطانية بقيادة الجنرال إدموند ألنبي، في أيلول/ سبتمبر 1918. وفي طريق الانسحاب تعرض الفيلق إلى خسارة فادحة نتيجة ملاحقة البريطانيين له، حتى أن الهاشمي نفسه أصيب، فتوارى في منزل أحد أصدقائه في دمشق[12].
مرحلة الحكومة العربية بدمشق
بدأت هذه المرحلة من حياة الهاشمي بعد أيام قليلة من دخول المفرزة الشمالية (العربية) دمشق، حيث تمكّن الضباط العهديون من الوصول إلى الهاشمي في مخبئه بدمشق، وعرضوا عليه العمل في الإدارة العربية الجديدة، لكنه أبدى تحفّظًا على ذلك بسبب تضعضع ثقته بعهود الحلفاء للحركة العربية، واستمهلهم حتى الاجتماع مع الأمير فيصل[13]. وفي 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1918، وصل فيصل إلى دمشق، وأذاع بيانه التاريخي عن قيام "حكومة دستورية عربية مستقلة استقلالًا مطلقًا لا شائبة فيه، باسم مولانا السلطان حسين، شاملة جميع البلاد السورية"[14]. وأقنع الهاشمي بعد حوار قصير بتولي رئاسة ديوان الشورى في الجيش العربي (رئاسة الأركان)[15].
عمل الهاشمي فورًا على حلّ المفرزة الشمالية (الجيش العربي الشمالي الذي دخل دمشق)، وحصرها في وحدة عسكرية لتدريبها نظاميًا من جديد، أُسميت لواء الفتح، وعمل على إعادة بناء الجيش العربي الناشئ وتوسيعه. كما أسس، في أواخر عام 1918، المدرسة الحربية، وأعدّ الملاك العسكري الموسّع للجيش في ثلاث فرق عسكرية، تتألف نظريًا من نحو خمسة وعشرين ألف رجل[16]. وبدعم من الأمير فيصل، قاد حملة التطوع في الجيش العربي، واستوعب فيه كل من رغب بالالتحاق به من الجنود والضباط العرب المسرّحين من الجيش العثماني بعد اتفاقية الهدنة بين الدولة العثمانية والحلفاء (اتفاقية موندورس، 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1918)، وأعلن عن بعثات خارجية للتدرّب على الطيران والمدفعية والدبابات والاستحكامات وغير ذلك[17]. غير أن مشروع الهاشمي الذي حمله فيصل اصطدم بمعارضة الجنرال ألنبي، القائد العام للجيش، على توسيع فرقه وتزويده بما طلبه من أسلحة، ورأى أن مقترحات الأمير ليست قابلة للإنجاز خلال بضع السنوات القادمة[18]. ورغم ذلك، وجد الهاشمي الفرصة متاحة لإلحاق هزيمة بالقوات الفرنسية التي أخذت تتدفق إلى سورية إثر مذكرة 13-15 أيلول/ سبتمبر 1919[19] بين
جورج كليمنصو (Georges Clemenceau،1841-1929) ولويد جورج (Lloyd George، 1836-1945)، الذي قضي بأن تحتل القوات الفرنسية كل ما يقع غربي خط سايكس-بيكو. وقد رأت فيه الحكومة العربية تطبيقًا حرفيًا لاتفاقية سايكس-بيكو، وتسليمًا للبنان والأقضية الأربعة، وهي حاصبيا وراشيا وبعلبك والبقاع، التابعة للحكومة العربية والساحل السوري، كي تحتلها فرنسا بصورة دائمة[20].
وبدعم من فيصل عشية مغادرته دمشق إلى باريس للمشاركة في اجتماعات مؤتمر الصلح، قرر الهاشمي التعبئة، ووضع خطة عسكرية لمواجهة القوات الفرنسية على مختلف الجبهات، وقد التقطت تلك الخطة الاستخبارات الفرنسية[21]. وانقسمت الحكومة العربية بين اتجاهين: أولهما يرى عدم جدوى المواجهة، ويقول بالتكيّف مع الاتفاق الجديد، وتصدره الفريق رضا باشا الركابي (1868-1942)، رئيس حكومة المديرين والحاكم العسكري العام؛ وثانيهما موقف يقول بالمواجهة العسكرية، تصدّره رئيس ديوان الشورى الحربي، ياسين الهاشمي، ويرى هذا الاتجاه ضرورة استغلال فرصة ضعف القوات الفرنسية وإلحاق هزيمة بها لتحطيم الاتفاق[22].
نتج عن الاستقطاب في الحكومة انقسام في حكومة المديرين الأولى، وفي الهيئة المركزية لجمعية العربية الفتاة التي تعتبر الحزب السري الحاكم للحكومة العربية. قاد هذا الانقسام الهاشمي، وأُقيل نتيجته الركابي من عضوية الهيئة، وهيمن الراديكاليون عليها بزعامة الهاشمي، الذي غدت كلمته في الهيئة هي الحاسمة والفاصلة[23]. كما أدى الاستقطاب إلى إقالة الركابي من منصب رئيس حكومة المديرين، ومن منصب الحاكم العسكري العام أيضًا[24]، وسط غليان شعبي ضدّها، وصفه الأمير زيد بن الحسين (1898-1970) بالمدهش[25].
دعم الهاشمي اللجنة الوطنية العليا، ووزّع نحو خمسة آلاف بندقية على الأهلين المتطوعين لتشكيل ميليشيا شعبية[26]، وعلّق عليها في ضوء تجربة المقاومة الأناضولية التي قامت على قيادة ضباط نظاميين لمجاميع الميليشيا "آمالًا كبيرة"[27]. كما رعى رفع وتيرة التعبئة والتطوع في الجيش العربي، وطرح على الحكومة تبنّي قانون التجنيد الإجباري. غير أن النقص الأكبر للجيش العربي تمثّل في ضعف العتاد، إذ لم يملك سوى 25 طلقة لكل بندقية، وأربع طلقات لكل مدفع[28].
ولتعويض النقص الفادح بالذخيرة، رأى الهاشمي أن يكون توفيرها عن طريق التعاون مع المقاومة الأناضولية بقيادة مصطفى كمال[29]. وشهدت هذه الفترة اتصالات عملية مع مصطفى كمال، من أجل تشكيل جبهة تركية-عربية ضدهم، يقوم دور الجيش العربي فيها على دعمه لحرب عصابات مدعومة من الجيش النظامي ضد القوات الفرنسية. وتجاوب مصطفى كمال مع الاتصالات، وقرر العمل في سورية، فوجّه نداءه التاريخي إلى السوريين بالترفّع عن انقسامات الماضي، والتوحّد لمواجهة الأعداء. وتحدث في ندائه بلغة المسلم الغيور على الدين، ولم يذكر فيه الأتراك بتاتًا، غير أنه كان من الواضح أنه يتحدث باسمهم، وهذا نص النداء: "الإخوة المحترمون، أتحدث إليكم بصوت مسموع، ينبعث من قلب يعتصره الأسى، من جراء ظلم العدو، وتعذيبه، وغدره، والانقسام بين أبناء الدين الواحد، الذي تسبب فيه الأشرار والمخطئون. فلنعمل على وضع حد لسوء التفاهم هذا، ولنمد أيدينا كي نصنع السلام معًا، ونسدد أسلحتنا باتجاه الخونة الذين يرغبون في تمزيق الإسلام، حتى نتجنّب الوقوعَ في الندم الذي لن يجدي نفعًا بعد الآن. فلا تخدعنكم وعودهم الكاذبة. وها هي الاتفاقيات السرية التي أبرمها أعداء الدين فيما بينهم أمامكم. فما منكم من أحد إلّا ويعلم بمبدأ غلادستون. فاستفيقوا من سباتكم وتيقظوا. إننا لا نعتزم أن نستولي على بلاد المسلمين، ولكننا نود أن ننقذها من الوقوع في براثن أولئك الذين يظنون أنها لقمة سائغة، وهؤلاء هم أعداء الإسلام. وسيهاجم الموحدون المنتصرون أعداءهم الذين يفوقونهم من حيث العدد، معتمدين في ذلك على العناية والأوامر الإلهية. لقد باتت قونية وخداوندكار [بورصة أو بروسّه] متصلتين، وبتحرير قونية تنقطع الاتصالات المتبادلة بين الحلفاء من الشرق، وسيحل مجاهدونا عما قريب ضيوفًا على إخوانهم العرب. وباتحادهم معًا سيقهرون أعداءهم ويدمرونهم. ليحيا إخواننا في الدين، وليهلك أعداؤنا!"[30].
وغدت دمشق والمحافظات السورية الأخرى، وكذلك بعض الأقضية الأربعة التي شكّلت مثار الصراع بين الحكومة العربية والفرنسيين، وهي حاصبيا وراشيا وبعلبك والبقاع، مراكز للتطوع والتدريب والتظاهرات اليومية في الساحات، ونشطت لجان الدفاع الوطني في التعبئة. كما دعا المؤتمر السوري العام أعضاءه إلى الانعقاد في دورة جديدة، في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1919 لإقرار خطة الهاشمي في الدفاع والمقاومة. وقامت هذه الخطة على اتّباع سياسة "المقاومة بالجيش والعصابات من كل المناطق، وتشكيل حكومة وطنية تعلن استقلالها، وجمع المؤتمر السوري، وأخذ رأيه في الأمر"[31]. ارتاعت الاستخبارات البريطانية لما عبّرت عنه بتحوّل الهاشمي إلى ما وصفته بـ"الروح القيادية في سورية"، ولاتصالاته مع مصطفى كمال ورسله إلى دمشق، والاشتباه الشديد بأنه يسعى "إلى إعادة الحكم التركي في سورية"[32].
وفي يوم انعقاد المؤتمر، استدعى البريطانيون الهاشمي إلى مقر المعتمد البريطاني بدمشق، وأبعدوه إلى حيفا[33]، فهاجت دمشق بأسرها لما وصف بـ "اختطاف" البريطانيين للهاشمي، و"غدرهم" بالعرب[34]. وأضربت دمشق[35] وخرجت
"بأجمعها تنادي باسم الهاشمي"[36]، ثم تظاهرت حلب وانطلقت منها هتافات سجّلتها صحيفة
المصباح: "ليحيى الاستقلال.. ليحيى الأمير فيصل.. ليحيى ياسين باشا الهاشمي"[37]. كما وصف طاهر العمري ردة الفعل على الاعتقال بـ "قامت القيامة وفار التنّور"[38]. وصدرت الصحف في اليوم التالي مأطرة بشريط أسود، يتصدرها نصّ الاحتجاج الذي قدمته التظاهرات إلى القناصل الأجانب في دمشق[39]. وفسر البريطانيون اعتقالهم للهاشمي بامتناعه عن حلّ لجنة التجنيد التي شكّلها، ورفضه تنفيذ أوامر القائد العام بتسليم الأقضية الأربعة للفرنسيين، كما حاولوا إقناع فيصل بأنهم اعتقلوه بسبب اتصالاته مع مصطفى كمال، وتخطيطه لانقلاب ضدّه (فيصل) يكون فيه الهاشمي ما هو مصطفى كمال في الأناضول[40].
لكن اعتقاله كان أقرب إلى إقامة جبرية مرنة، سُمح له فيها باستقبال من يرغب بزيارته. وظلّ الهاشمي من مقر احتجازه في فلسطين يراسل الأمير زيد، نائب فيصل، في سورية، حاضًّا له على مثابرة التجنيد وتطبيق خطة المقاومة بالجيش وبحرب العصابات، وإصدار قانون التجنيد الإجباري. وقد رجّحت التقارير البريطانية أن عملية دير الزور (11 كانون الأول/ ديسمبر 1919 - 17 كانون الثاني/ يناير 1920)، بقيادة رمضان شلاش، الذي طرد البريطانيين من مدينة دير الزور، حدثت بتصميم من الهاشمي[41]، وشكّلت فاتحة عمليات العهديين في العراق ضد المواقع البريطانية التي مهّدت لاندلاع
ثورة العشرين {{ثورة العشرين: أحد أهم المحطات في تاريخ العراق الحديث، فقد شكّلت لحظة فاصلة بين الهيمنة الاستعمارية البريطانية وبين انبثاق فكرة الدولة الوطنية العراقية، لم تُحقق الاستقلال الفوري، لكنها فرضت على بريطانيا الاعتراف بضرورة قيام دولة عراقية ذات حكومة وطنية، وجعلت من عام 1920 نقطة الانطلاق الفعلية لتاريخ العراق السياسي الحديث}}، واتهمت الإدارة المدنية البريطانية في العراق الحكومة العربية بدعم عمليات العهديين في العراق[42]، وهددتها باعتبارها مسؤولة عنها[43]. فرضت السلطات البريطانية تقييدًا شديدًا على الهاشمي، ونقلته من حيفا إلى الرملة بفلسطين، حيث تصعب حركته. غير أن فيصل لم يقتنع بتبريرات البريطانيين، وظلّ يلحّ عليهم في أولوية الإفراج عن الهاشمي، ما لم يحدث إلّا في أيار/ مايو 1920[44].
عاش الهاشمي حياة شبه منكفئة لدى عودته إلى دمشق، لكن إنذار الجنرال غورو أعاده إلى العمل. وانقسم المجلس الحربي السوري حول جدوى المواجهة مع القوات الفرنسية، بين من يرون أن الجيش العربي ضعيف، ولا تكفي ذخائره لخوض ساعة قتال حقيقي، ومن يرى ضرورة المواجهة. وقد تصدر الهاشمي الاتجاه الأول، بينما تصدر يوسف العظمة، وزير الحربية، الاتجاه الثاني. وفي ضوء ذلك، قَبِل فيصل إنذار غورو وشرع بتطبيقه. ولكن الإنذار لم يكن سوى ذريعة؛ فلم يكن غورو يقبل بأقل من احتلال دمشق وإنهاء الحكم العربي، فعادت الحكومة العربية -بعد تسريح قسم كبير من الجيش- مضطربة إلى سياسة الدفاع. غير أن هذا لم يُجدِ، ووقعت معركة ميسلون (24 تموز/ يوليو 1920) التي احتل بعدها الفرنسيون دمشق، ثم قضوا على الحكومة العربية، وقسّموا سورية إلى دويلات طائفية. ظل الهاشمي مع عدد من الضباط العراقيين في دمشق، حيث حاول أن يعمل في التجارة، غير أنه واجه خسارات كبيرة، فتراكمت عليه الديون، واضطر معها إلى بيع ممتلكاته الشخصية. ولم يعد إلى العراق إلّا بعد تنصيب فيصل ملكًا في 23 آب/ أغسطس 1921، واستجابته -بعد تردد- لرسائله الملحّة في السماح له بالعودة للعمل في الحكومة[45].
العودة إلى العراق
بدأت المرحلة الثالثة في حياة الهاشمي الشخصية والعامة مع عودته إلى بغداد، في أيار/ مايو 1922، حين تقلّد بداية عند عودته تلك منصبًا أقل من تطلّعاته، وهو متصرفية المنتفق، إلّا أنه سرعان ما تولى وزارة المواصلات والأشغال في حكومة عبد المحسن السعدون الأولى (18 تشرين الثاني/ نوفمبر 1922)، وأنجز بعض الأعمال المتعلقة بوزارته[46]، غير أنه اعترض وتحفّظ على كثير من قراراتها. جاءت الفرصة سانحة له للصعود حين انتُخب عضوًا في المجلس التأسيسي العراقي، الذي التأم عقده في 27 آذار/ مارس 1924 للبتّ في المعاهدة العراقية-البريطانية (1922)، وسنّ دستور عراقي، وسن قانون للانتخابات النيابية، فكان واحدًا من أبرز اللاعبين السياسيين في المشهد السياسي العراقي، وانتخب نائبًا لرئيس المجلس، ورئيسًا للجنة النيابية التي كُلّفت بتدقيق المعاهدة، فكان له دور فعال في صياغة تقريرها المؤلف من 65 صفحة، الذي يعرض تفسيرات الوطنيين العراقيين مقابل تفسيرات البريطانيين للمعاهدة. وإبّان مناقشة المجلس للتقرير، شنّ الهاشمي هجومًا شديدًا على المعاهدة لما تضمنته من مسٍ بالسيادة والحقوق وإضعاف الاستقلال، وأوصى المجلس برفض التعديلات، ما لم تقرّ تلك التي بيّنها التقرير. وتزعّم الهاشمي الكتلة المعارضة لها. وقد اتبع في ذلك سياسة مزدوجة، وهي القبول بالمعاهدة لتطمين الملك والمندوب السامي البريطاني، والعمل فعليًا على تغذية المواقف والاجتماعات ضدها[47]، كما كان يجاهر في مجالسه بمعارضته الشديدة للمعاهدة[48].
اختار الملك فيصل والمندوب السامي احتواء الهاشمي، بتكليفه تشكيل الحكومة، فرفض تحمل هذا العبء، ولكنه أبدى استعداده لتشكيلها بعد انتهاء المجلس التأسيسي من المصادقة على المعاهدة[49]. وإثر استقالة حكومة جعفر العسكري (2 آب/ أغسطس 1924)، بعد تمكّنها من تمرير المعاهدة بأغلبية ضئيلة مشروطة ببدء مفاوضات حول تعديلها، كلّفه الملك، في اليوم نفسه، تشكيل حكومته الأولى فأعلن برنامجها في 8 آب/ أغسطس، وقد استمرت حتى 21 حزيران/ يونيو 1925. وتعهد الهاشمي بالإسراع بنشر القانون الأساسي وتسلّم المسؤوليات من الحكومة البريطانية، وانتخاب مجلس للنواب، وتقليص عدد المستشارين ومدة التعاقد معهم، والعمل على تحقيق التعديلات التي أقرّها المجلس التأسيسي على المعاهدة[50].
واجهت حكومة الهاشمي ترديًا في الأوضاع الاقتصادية، واحتدامًا في التمرّدات العشائرية. وتحت ضغط الحكومة البريطانية، منحت الحكومة، في 14 آذار/ مارس 1925، شركة النفط التركية امتياز النفط في ولاية الموصل؛ خوفًا من تراجع الحكومة البريطانية عن دعمها في
مسألة الموصل {{مسألة الموصل: من أعقد القضايا السياسية في تاريخ العراق الحديث بعد الحرب العالمية الأولى، إذ مثّلت صراعًا دوليًا وإقليميًا حول ولاية الموصل بين العراق (المدعوم من بريطانيا)، وتركيا الكمالية. نتج عنها ضم الموصل إلى العراق بقرار من عصبة الأمم ومعاهدة أنقرة، وحسم حدود العراق الحديثة ورسّخ أهميته النفطية.}}، واحتمال فصل الولاية عن العراق. اشتدّ الصراع حول تشكيل الحكومة الجديدة إثر الانتخابات النيابية، ولم يتمكّن الهاشمي من التسوية بين الكتل والأحزاب المتنافسة، ومن صدّ الحملة القوية التي قامت ضده في الصحافة والرأي العام، فقدّمت حكومته استقالتها في 21 حزيران/ يونيو 1925، ليكلّف الملك منافسه، عبد المحسن السعدون زعيم حزب التقدم، بتشكيل الحكومة الجديدة، وهي حكومته الثانية (26 حزيران/ يونيو 1925 - 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 1926)[51].
العودة إلى المعارضة
عاد الهاشمي إلى المعارضة، وشكّل في تشرين الثاني/ نوفمبر 1925 حزب الشعب المعارض، محاكيًا حزب الشعب الذي أسسه مصطفى كمال في تركيا[52]، ولا سيّما في ضوء ما عُرف عن اتصالاته بمصطفى كمال حين كان في سورية. شمل برنامج الحزب المختصر بندًا جاء فيه: "تأمين الاستقلال التام للدولة العراقية". كان الهاشمي صاحب النفوذ الأكبر في الحزب، حتى أنه عُرف بـ "حزب ياسين الهاشمي"[53]. وإثر مشاركة الهاشمي وعضو آخر من حزبه في حكومة جعفر العسكري الائتلافية (21 تشرين الثاني/ نوفمبر 1926 - 8 كانون الثاني/ يناير 1928)، احتدمت انقسامات الحزب والانشقاقات عنه، ما أدى إلى تفكّكه. وتعرّض الهاشمي الذي كان يتولى وزارة المالية إلى حملة شديدة قادها أعضاء حزبه والنواب، بما في ذلك اتهامه بإساءة التصرف بمالية الدولة، وحتى بالاختلاس، وطالبوا بإحالته إلى المحكمة العليا، وتأليف لجنة نيابية للتحقيق معه بسبب توقيعه على اتفاق تسوية الديون العمومية العثمانية، التزامًا بأحكام معاهدة لوزان (24 تموز/ يوليو 1923)[54].
أثرى الهاشمي خلال توليه وزارة المالية، وغدا ملّاكًا كبيرًا، ورأسماليًا زراعيًا خاصًا، إذ حصل على استثمار لبعض أراضي الدولة، وأدخل استخدام الآلات الحديثة في زراعة تلك الأراضي. فقد كان الهاشمي صاحب فكرة منح السياسيين الملكيين حقوق استثمار أراضي الدولة، كي يستقلوا في مواردهم عن السلطة الحاكمة[55]. واضطرت حكومة العسكري للاستقالة بسبب احتدام التناقضات والصراعات بين أعضائها، فكلّف الملك عبد المحسن السعدون بإعادة تشكيلها في 14 كانون الثاني/ يناير 1928. وقد افتتح السعدون أعماله بحلّ مجلس النواب والدعوة إلى انتخابات جديدة.
عاد الهاشمي مرة أخرى إلى المعارضة محاولًا لملمة أنصاره، وضمّ أنصار جدد إليه، فعارض حكومة السعدون (التي استقالت في 20 كانون الثاني/ يناير 1929). وبعد فترة فراغ وزاري، عارض بشدة الحكومة التالية التي شكّلها توفيق السويدي (28 نيسان/ أبريل 1929 - 25 آب/ أغسطس 1929)، ثم خلفتها حكومة السعدون الرابعة والأخيرة (19 أيلول/ سبتمبر 1929 - 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1929)، التي كان الهاشمي فيها وزيرًا للمالية، ثم حافظ على منصبه في وزارة ناجي السويدي (23 تشرين الثاني/ نوفمبر 1929 - 9 آذار/ مارس 1930)، التي كان من مهماتها الأساسية التفاوض مع بريطانيا لعقد معاهدة جديدة، وترتيب انتساب العراق إلى عصبة الأمم. وخلال مشاركته في الوزارة، برزت فاعلية الهاشمي في طرح برنامج وطني تنموي مفصل، وتعديل الاتفاقية العسكرية مع البريطانيين، واستصدار قانون التجنيد الإلزامي. لكن تسببت مداخلة جريئة له أمام مجلس النواب في 13 آذار/ مارس 1930 حول الأزمة مع البريطانيين، وخرقهم للتفاهمات والاتفاقات باستقالتها. وبعد استقالتها، عاد الهاشمي إلى المعارضة، وأصبح أكثر انتقادًا للاتفاقية البريطانية-العراقية، وانطوت تصريحاته على هجوم شديد على المندوبية البريطانية، تفاعلت معها قطاعات واسعة من الرأي العام[56].
معارضة المعاهدة مع بريطانيا
كلّف الملك فيصل
نوري السعيد (1885-1958) تشكيل الحكومة في 29 آذار/ مارس 1930، وأعلن السعيد أن أولوية حكومته تتمثّل في إنجاز المعاهدة العراقية-البريطانية وفق رغبات الأمة، على أساس التصريح البريطاني في 14 أيلول/ سبتمبر 1929، والقاضي بإدخال العراق إلى عصبة الأمم في غضون عام 1932. تمكن السعيد من إنجاز التعديلات، وأبرق إلى بغداد طالبًا أن يكون الهاشمي، المعارض للمعاهدة، حاضرًا ضمن الوفد الذي سيترأسه الملك فيصل في زيارته لندن. وشكّل السعيد حزب العهد، ليكون دعمًا له في توقيعه على المعاهدة
(أجازت وزارة الداخلية الحزبَ في 14 تشرين الأول/ أكتوبر 1930). لكن الهاشمي اختار تصعيد معارضته، وصرح بأن المعاهدة البريطانية-العراقية "لم تضف شيئًا إلى ما اكتسبه العراق، بل زادت في أغلاله"[57]، وشكّل، في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1930، أي بعد نحو شهر واحد من تأسيس حزب العهد، حزبًا جديدًا أسماه حزب الإخاء الوطني لمعارضة حكومة نوري السعيد[58]، وهو ثاني حزب معارض يشكله بعد عودته إلى العراق. تحالف الحزب في معارضته لحكومة السعيد مع حزبين آخرين، الحزب الوطني وحزب الشعب، وقاد الهاشمي من خلال هذا التحالف حملة ضد المعاهدة، تخللتها قيادة حزب الإخاء الوطني إضرابًا عامًا استمر 14 يومًا، احتجاجًا على تردّي الأوضاع الاقتصادية، ولقطع الطريق على زيادة الضرائب البلدية. كما برز الهاشمي زعيمًا للمعارضة في مجلس النواب، واتهم الحكومة بإقرار إجراءات استثنائية وقمعية، وتعطيل الصحف والاجتماعات[59]. هزّ الإضراب حكومة السعيد، لكن القصر تمكّن من احتواء قادة الحزب، فعيّن
رشيد عالي الكيلاني (1892-1965) في منصب رئيس الديوان الملكي، وكلّفه بتأليف الوزارة (20 آذار/ مارس - 28 تشرين الأول/ أكتوبر 1933)، فانضم الهاشمي إليها وزيرًا للمالية، على أساس تعهّد الحكومة الجديدة باحترام التزامات العراق الدولية، في إشارة إلى المعاهدة، وحمل بيانها الوزاري بصمات الهاشمي ورؤيته. ولكن أخذ عليه منتقدوه تناقضه بين ما يصرح به دومًا من أن المعاهدة جائرة، ومشاركته البيان الوزاري الذي ينصّ على احترام العهود الدولية، ومنها المعاهدة. اعتبر الهاشمي ذلك مزاودة، وردّ بأن الأمة لم تمتلك بعد استقلالها الحقيقي، وأن المعاهدة وقعت في تلك الظروف، وأن الحكومة ستعمل كي تكون المعاهدة منسجمة مع معنى الاستقلال[60].
في 17 آذار/ مارس 1935، شكّل الهاشمي حكومته الثانية، التي استمرت حتى نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 1936. وكان ستة من أعضائها الثمانية من خريجي المعاهد العسكرية والحقوقية العثمانية، فاعتُبِرت بسبب تاريخ الشخصيات التي تألفت منها أقوى حكومة تشكّلت بعد عام 1932[61]. نشرت الحكومة برنامجها الوزاري (5 تموز/ يوليو 1935)، وجاء شاملًا للمستويات الإدارية والاقتصادية والتنموية والعسكرية لبناء دولة عراقية حديثة، متأثرًا بروحية حركتي التحديث في تركيا الكمالية وفي إيران. وخلال فترة حكومة الهاشمي الثانية، تعاظمت علاقات العراق العربية، وبرزت رهانات الحركات القومية العربية الجديدة في الثلاثينيات، على أن يكون العراق بروسيا العرب في تحقيق وحدتهم. وعبّرت عن ذلك الطموح حركات قومية، مثل عصبة العمل القومي في سورية، وارتفعت الدعوات إلى ذلك في العراق، وتنامت التطلّعات إلى أن يكون الهاشمي في العراق ما كانه
أوتو فون بسمارك (Otto von Bismarck، 1815-1898) في ألمانيا[62]. وأعرب الهاشمي نفسه عن أنه لو قُيّض له أن يبقى في الحكم عشرة أعوام، فسيغيّر وجه العراق. ولكن أبرزت تصريحاته وترتيباته وإجراءاته السياسية، وتضييقه على الصحافة، وحلّه البرلمان، لدى معارضيه تطلّعه للتشبّث بالسلطة، كما أنه لم يُظهر اعتراضًا على الدعاية التي وقفت وراءها صحيفة حزبه للدكتاتورية[63]. ثارت حملة معارضة شديدة ضدّه، انضمت إليها بعض العشائر التي ضيّق عليها بموجب تحديثاته، وحاول أن يطبّق عليها قانون التجنيد الإلزامي، فحدثت عدة تمرّدات قبلية ضد الحكومة، كما انضم إلى المعارضة الكثير من كوادر الجيش، وبعض السياسيين القدامى، والعناصر المدنية المؤلفة من جماعة الأهالي التي ضمّت بعض العناصر اليسارية[64].
وفي 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1936، قاد بكر صدقي الجيش في انقلاب على الحكومة، تحت اسم قائد القوة الوطنية الإصلاحية، وأرغم الهاشمي على الاستقالة، وكان أول انقلاب عسكري في تاريخ العراق والبلدان العربية. ثم أبعدته الحكومة الجديدة التي شكلها حكمت سليمان إلى سورية في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1936. غير أنه اختار بيروت مقرًا لسكناه.
قبر ياسين الهاشمي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وفاته
توفي في 21 كانون الثاني/ يناير 1937 إثر نوبة قلبية حادة، واشترطت الحكومة العراقية لدفن جثمانه في العراق ألا يرافقه أي موكب، فاختارت الحكومة السورية تشييعه في موكب رسمي وشعبي كبير، ودفن إلى جانب ضريح صلاح الدين الأيوبي بدمشق.
المراجع
العربية
أحمد، فيروز.
صنع تركيا الحديثة. ترجمة سلمان داود الواسطي وحمدي حميد الدوري. بغداد: بيت الحكمة، 2000.
أنطونيوس، جورج.
يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية. ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس. بيروت: دار العلم للملايين؛ نيويورك: مؤسسة فرانكلين، 1962.
أوزتونا، يلماز.
موسوعة تاريخ الإمبراطورية العثمانية السياسي والعسكري والحضاري (629-1341هـ/ 1231-1922م). ترجمة عدنان محمود سلمان. مراجعة وتنقيح محمود الأنصاري. بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2010.
برو، توفيق علي.
القضية العربية في الحرب العالمية الأولى 1914-1918. دمشق: دار طلاس، 1989.
بطاطو، حنا.
العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات القومية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، الكتاب الأول. ترجمة عفيف الرزاز. ط 2. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1995.
الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية (نجد والحجاز). نجدة فتحي صفوة (محرر). ط 2. بيروت: دار الساقي، 2010.
جودت، علي.
ذكريات علي جودت 1900-1958. بيروت: مطابع الوفاء، 1967.
الحسني، عبد الرزاق.
تاريخ العراق السياسي الحديث. ط 7. بيروت: الرافدين، 2008.
الحسني، عبد الرزاق.
تاريخ الوزارات العراقية. ط 2. صيدا: مطبعة العرفان، 1953.
الحصري، خلدون ساطع (تحقيق).
مذكرات طه الهاشمي 1919-1943. بيروت: دار الطليعة، 1978.
الحصري، ساطع.
يوم ميسلون: صفحة من تاريخ العرب الحديث. بيروت: مطبعة الكشاف، 1947.
حيدر، رستم.
مذكرات رستم حيدر، تحقيق نجدة فتحي صفوة. بيروت: الدار العربية للموسوعات، 1988.
داغر، أسعد.
مذكراتي على هامش القضية العربية. القاهرة: دار القاهرة للطباعة، 1959.
دروزة، محمد عزة.
حول الحركة العربية الحديثة، صيدا: المكتبة العصرية، 1950.
دروزة، محمد عزة.
مذكرات محمد عزة دروزة: سجل حافل بمسيرة الحركة العربية والقضية الفلسطينية خلال قرن من الزمن (1305هـ-1404هـ/1887م-1984م). بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1993.
"رئاسة ديوان الشورى الحربي".
العاصمة. العدد 42 ( 14/7/1919).
الريحاني، أمين.
ملوك العرب: رحلة في البلاد العربية مزينة برسوم وخرائط وفهرست أعلام. ج 1. ط 8. بيروت: دار الجيل، 1987.
سعيد، أمين.
الثورة العربية الكبرى: تاريخ مفصل جامع للقضية العربية في ربع قرن. مج 1: النضال بين العرب والتّرك. القاهرة: مكتبة مدبولي، 1997.
سلطان، علي.
تاريخ سورية. دمشق: دار طلاس، 1996.
سليمان موسى.
المراسلات التاريخية: مج 2: 1919: الثورة العربية الكبرى. عمان: س. موسى للنشر والتوزيع، 1975.
_______.
المراسلات التاريخية:
مج 3: 1920-1923: الثورة العربية الكبرى. عمّان: س. موسى للنشر والتوزيع، 1978.
العراق في رسائل المس بيل، ترجمه وعلّق عليه جعفر الخياط. بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2003.
العمري، صبحي.
أوراق الثورة العربية. لندن/ قبرص: رياض الريس للكتب والنشر، 1991.
العمري، طاهر.
تأريخ مقدرات العراق السياسية. بغداد: المكتبة العصرية، 1925.
قدري، أحمد.
مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى. دمشق: مطابع ابن زيدون، 1956.
القيسي، سامي عبد الحافظ.
ياسين الهاشمي وأثره في تاريخ العراق المعاصر 1922-1936. عمّان: دار دجلة، 2013.
لونكرك، ستيفن همسلي. العراق الحديث من سنة 1900 إلى 1950:
تاريخ سياسي، اجتماعي واقتصادي. ترجمة سليم طه التكريتي. بغداد: دار الرافدين، 2019.
محمد مهدي البصير.
تاريخ القضية العراقية. ط 2. لندن: دار اللام، 1990.
نظمي، وميض.
الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية (الاستقلالية) في العراق. سلسلة أطروحات الدكتوراه 5 . بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1983.
هندي، إحسان.
كفاح الشعب العربي السوري 1908-1948: دراسة عسكرية تاريخية. دمشق: إدارة الشؤون العامة والتوجيه المعنوي، 1962.
ويلسن، أرنولد.
الثورة العراقية، ترجمة جعفر الخياط، ط 2. بيروت: دار الرافدين، 2004.
الأجنبية
Gontaut-Biron, Roger de Comte.
Comment la France s'est installée en Syrie (1918-1919). Paris: Plon-Nourrit, 1922.
Jane, Priestland (ed.). Records of Syria 1918–1973, vol. 1: 1918-1920 ([Slough]: Archive Editions, 2005.
Provence, Michael.
The Last Ottoman Generation and the Making of the Modern Middle East. Cambridge: Cambridge University Press, 2017.
[1] Michael Provence,
The Last Ottoman Generation and the Making of the Modern Middle East (Cambridge: Cambridge University Press, 2017), p. 33.
[2]Ibid., p. 33, 43.
[3] يلماز أوزتونا، موسوعة تاريخ الإمبراطورية العثمانية السياسي والعسكري والحضاري(629-1341هـ/ 1231-1922م)، ترجمة عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح محمود الأنصاري، مج 3 (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2010)، ص 210؛ فيروز أحمد،
صنع تركيا الحديثة، ترجمة سلمان داود الواسطي وحمدي حميد الدوري (بغداد: بيت الحكمة، 2000)، ص 82-85.
[4] سامي عبد الحافظ القيسي،
ياسين الهاشمي وأثره في تاريخ العراق المعاصر 1922-1936 (عمّان: دار دجلة، 2013)، ص 29-39.
[5] عبد الرزاق الحسني،
تاريخ العراق السياسي الحديث، ج 1، ط 7 (بيروت: دار الرافدين، 2008)، ص 148-149؛ جورج أنطونيوس،
يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية، ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس (بيروت: دار العلم للملايين؛ نيويورك: مؤسسة فرانكلين، 1962)، ص 186.
[6] حنا بطاطو،
العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات القومية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، الكتاب الأول، ترجمة عفيف الرزاز، ط 2 (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1995)، ص 230.
[7] بطاطو، ص 221؛ القيسي، ص 49-52.
[8] توفيق علي برو،
القضية العربية في الحرب العالمية الأولى 1914-1918 (دمشق: دار طلاس، 1989)، ص 438؛ أحمد قدري، مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى (دمشق: مطابع ابن زيدون، 1956)، ص 63.
[9] قدري، ص 64. يُنظر أيضًا: أمين سعيد، الثورة العربية الكبرى: تاريخ مفصل جامع للقضية العربية في ربع قرن، مج 1: النضال بين العرب والتّرك (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1997)، ص 112-113.
[10] وميض جمال عمر نظمي،
الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية (الاستقلالية) في العراق، سلسلة أطروحات الدكتوراه 5 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1983)، ص 152.
[11] بطاطو، ص 299؛ محمد مهدي البصير،
تاريخ القضية العراقية، ط 2 (لندن: دار اللام، 1990)، ص 64.
[12] علي جودت،
ذكريات علي جودت 1900-1958 (بيروت: مطابع الوفاء، 1967)، ص 69.
[13] نوري السعيد،
مذكرات نوري السعيد عن الحركات العسكرية للجيش العربي في الحجاز وسورية 1916-1918، ط 2 (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 1987)، ص 97؛ جودت، ص 69.
[14] للاطّلاع على النص الكامل لبيان إعلان الحكومة العربية، يُنظر: سعيد، ص 9-10.
[15] جودت، ص 69.
[16] إحسان هندي،
كفاح الشعب العربي السوري 1908-1948: دراسة عسكرية تاريخية (دمشق: إدارة الشؤون العامة والتوجيه المعنوي، 1962)، ص 87؛ صبحي العمري،
أوراق الثورة العربية، ج 3: ميسلون نهاية عهد (لندن/ قبرص: رياض الريس للكتب والنشر، 1991)، ص 140-141. والفرق هي: الفرقة الأولى، ومقرها دمشق، تمتد حدود منطقتها العسكرية من حمص شمالًا حتى الشيخ مسكين جنوبًا؛ الفرقة الثانية، ومقرها درعا، تمتد حدودها من الشيخ مسكين حتى معان جنوبًا، وغربًا إلى فلسطين؛ الفرقة الثالثة، ومقرها حلب، تمتد حدودها من حلب إلى الفرات شرقًا، وطرابلس شمالًا، والأراضي الساحلية أو المنطقة الغربية غربًا، وحماة جنوبًا. وكان الملاك النظري لهذه الفرق هو 25 ألف رجل. العمري، ميسلون، ص 140-141.
[17] "رئاسة ديوان الشورى الحربي"،
العاصمة، العدد 42، 14/7/1919، ص 7.
[18] ورد نص الكتاب الذي يحمل عنوان: "من الفيلد مارشال القائد العام للحملة العسكرية المصرية إلى سكرتير وزارة الحربية في لندن"، في: الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية (نجد والحجاز)، مج 4: 1919، نجدة فتحي صفوة (محرر)، ط 2 (بيروت: دار الساقي، 2010)، ص 525-526.
[19] نُشر النص الكامل للاتفاق تحت عنوان: "مذكرة الحكومة البريطانية حول احتلال سورية وفلسطين والعراق ريثما يتم اتخاذ القرار بشأن الانتدابات"، في:
الجزيرة العربية، ص 562-563.
[20] ساطع الحصري،
يوم ميسلون: صفحة من تاريخ العرب الحديث (بيروت: مطبعة الكشاف، 1947)، ص 78؛ أنطونيوس، ص 416.
[21] علي سلطان،
تاريخ سورية 1918-1920: ج 2: حكم فيصل بن الحسين (دمشق: دار طلاس، 1987)، ص 233؛ محمد طاهر العمري،
تأريخ مقدرات العراق السياسية، ج 3 (بغداد: المكتبة العصرية، 1925)، ص 184؛
Comte R. de Gontaut-Biron, Comment la France s'est installée en Syrie (1918-1919), (Paris: Plon-Nourrit, [1923]), pp. 325-326.
[22] محمد عزة دروزة،
حول الحركة العربية الحديثة، ج 1 (صيدا: المكتبة العصرية، 1950)، ص 107.
[23] محمد عزة دروزة،
مذكرات محمد عزة دروزة: سجل حافل بمسيرة الحركة العربية والقضية الفلسطينية خلال قرن من الزمن 1305-1404هـ/1887-1984م، مج 1 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1993)، ص 372.
[24] "استقالة وزارة الركابي، مجلس المديرين، رئاسة الديوان، دمشق (17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1919)"، في: سليمان موسى،
المراسلات التاريخية: الثورة العربية الكبرى، مج 2: 1919 (عمّان: س. موسى للنشر والتوزيع، 1975)، ص 236-237.
[25] "من زيد إلى فيصل، كانون الثاني/ يناير 1920"، في: سليمان موسى،
المراسلات التاريخية: الثورة العربية الكبرى، مج 3: 1920-1923 (عمّان: س. موسى للنشر والتوزيع، 1978)، ص 49.
[26] المرجع نفسه، ص 47.
[27] أسعد داغر،
مذكراتي على هامش القضية العربية (القاهرة: دار القاهرة للطباعة، 1959)، ص 112.
[28] "من زيد إلى فيصل، في كانون الثاني/ يناير 1920"، في: موسى،
مج 3: 1920-1923، ص 48-49.
[29] قدري، ص 152.
[30] يُنظر: عبد الكريم رافق،
دراسات اقتصادية واجتماعية في تاريخ بلاد الشام الحديث (دمشق: مكتبة نوبل، 2002)، ص 305. غير أننا نحيل إلى النص الدقيق للبلاغ استنادًا إلى النسخة التي أرسلها الكولونيل
ريتشارد ماينرتزهاغن (Richard Meinertzhagen، 1878-1967) إلى اللورد
جورج كرزون (George Curzon، 1859-1925) وزير الدولة للشؤون الخارجية، في 2 كانون الأول/ ديسمبر 1919، إذ وزّع نداء مصطفى كمال مجددًا في إثر نشر المؤتمر السوري العام قراره بالدفاع ودعوة الشعب السوري إلى المقاومة بكل السبل، في:
“A letter to the Syrians, in Enclosure no 191 From Colonel Meinertzhagen to Earl Curzon, Cairo, Dec. 2, 1919. Public Record Office (Kew Gardens, England): F.O 406/4", in: Jane Priestland (ed.),
Records of Syria 1918–1973, vol.1:
1918-1920 ([Slough]: Archive Editions, 2005), p. 819.
[31] "من زيد إلى فيصل في كانون الثاني/ يناير 1920"، في: موسى،
مج 3: 1920-1923، ص 47-48.
[32] “Foreign Office minutes by Major H. Young, and Mr M. Peterson, 3 December 1919, regarding the situation in Syria and Palestine, covering a confidential report by Colonel Meinertzhagen, Cairo, to Secretary of State for Foreign Affairs, 10 November 1919, on the present situation in Syria and Palestine [FO371/4185]", in: Priestland, pp. 782-785.
[33]العاصمة، العدد 78، 24/11/1919، ص 2-3.
[34] دروزة،
حول الحركة العربية، ص 107. قارن بـ: سعيد،
مج 2: النضال بين العرب والفرنسيين والإنكليز، ص 108. طلب المؤتمر السوري من رئيس الحكومة إثارة موضوع اعتقال الهاشمي مع البريطانيين، فبرّر المعتمد البريطاني هذا الاعتقال بأنه للاستيضاح منه عن إعطائه "بعض أوامر تخالف تعليمات القيادة العليا". يُنظر:
العاصمة، العدد 78، 24/11/1919، ص 3.
[35] "الجنرال الهاشمي"،
العاصمة، العدد 78، 24/11/1919، ص 2.
[36] العمري،
ج 1:المعارك الأولى: الطريق إلى دمشق، ص 102.
[37] "المظاهرات العظيمة في البلدة"،
المصباح، العدد 86، 30/11/1919، ص 1.
[38] العمري،
تأريخ مقدرات العراق، ص 186.
[39] سعيد،
مج 2، ص 108؛ "الجنرال الهاشمي"، العاصمة، العدد 78، 24/11/1919، ص 2؛ قدري، ص 149.
[40] يُنظر يومية السبت 13/12/1919، في: رستم حيدر،
مذكرات رستم حيدر، تحقيق نجدة فتحي صفوة (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 1988)، ص 506.
[41] نظمي، ص 182.
[42]العراق في رسائل المس بيل، ترجمه وعلّق عليه جعفر الخياط (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2003)، ص 133؛ أرنولد ويلسن،
الثورة العراقية، ترجمة جعفر الخياط، ط 2 (بيروت: دار الرافدين، 2004)، ص 19.
[43] Gertrude Bell,
Review of the Civil Administration of Mesopotamia (London: His Majesty's Stationery Office, 1920), p. 137.
[44] خلدون ساطع الحصري (تحقيق)،
مذكرات طه الهاشمي 1919-1943، ج 1 (بيروت: دار الطليعة، 1978)، ص 58.
[45] القيسي، ص 100.
[46] المرجع نفسه، ص 124-163.
[47] المرجع نفسه، ص 142-143؛ بطاطو، ص 232.
[48] أمين الريحاني، ملوك العرب: رحلة في البلاد العربيةمزينة برسوم وخرائط وفهرست أعلام، ج 1، ط 8 (بيروت: دار الجيل، 1987)، ص 869-870.
[49] الحسني،
تاريخ العراق، ج 1، ص 31.
[50] المرجع نفسه، ص 31-33.
[51] المرجع نفسه، ص 35-36.
[52] بطاطو، ص 231.
[53] القيسي، ص 290.
[54] المرجع نفسه، ص 337-338.
[55] بطاطو، ص 229، 233؛
القيسي، ص 337-338.
[56] للاطّلاع على مقاطع من برنامج الهاشمي، وما واجهه من تحدّيات، يُنظر: القيسي، ص 349-350، 365-383؛ الحسني،
تاريخ العراق، ج 2، ص 220.
[57] عبد الرزاق الحسني،
تاريخ الوزارات العراقية، ج 3، ط 2 (صيدا: مطبعة العرفان، 1953)، ص 49.
[58] ستيفن همسلي لونكرك،
العراق الحديث من سنة 1900 إلى 1950: تاريخي، سياسي، اجتماعي واقتصادي، ترجمة سليم طه التكريتي، ج 1 (بيروت: دار الرافدين، 2019)، ص 340؛ الحسني،
تاريخ الوزارات، ص 89.
[59] الحسني،
تاريخ العراق، ج 2، ص 62.
[60] المرجع نفسه، ص 217.
[61] لونكرك، ج 2، ص 41.
[62] القيسي، ص 506-507.
[63] لونكرك، مرجع سابق. وللمزيد، يُنظر: القيسي، ص 457-466، 512-513.
[64] حول الاضطرابات العشائرية والسياسية التي واجهتها حكومة الهاشمي، يُنظر: الحسني،
تاريخ العراق، ج 3، ص 140-145.