يحيى بن عيسى الكركي (ت. 1018هـ/ 1610م) عالم من الكرك في جنوب الأردن، مثّل نموذجًا مبكرًا للرفض الاجتماعي والديني للسلطة العثمانية. تلقى تعليمه في مصر، حيث تأثر بأفكار مثيرة للجدل، واتُّهم بمخالطة الملاحدة ونشر أفكار كفرية. بعد عودته إلى الكرك، بدأ في التعبير عن آرائه، ما عرضه لأن يضربه قاضي عجلون، وأجبره الضغط الاجتماعي والديني على التوجه إلى دمشق.
في دمشق، استقر في حي الميدان، وجذب حوله بعض الفقراء والعامة والعسكر، ما أثار قلق السلطة من تحوّله إلى زعيم احتجاجي. حُوكم بتهمة الزندقة أمام مجلس شرعي، وتكفل القاضي والعلماء بالحكم عليه بالإعدام، فنُفذ فيه الحكم في ساحة المحكمة، وطمست معالم قبره عند نهر قليط، لمنع تحوّله إلى رمز شعبي.
نشأته وتكوينه العلمي
وُلد يحيى الكركي في بلدة الكرك جنوبيّ
الأردن، كما تورد
كتب السيَر والتراجم {{كتب السير والتراجم: مؤلفات تاريخية تهتم بتوثيق حياة الشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي، سواء كانوا علماء، أو قادة عسكريين، أو مفكرين. وتهدف إلى سرد سيرهم الذاتية، مع تسليط الضوء على أعمالهم وإنجازاتهم ومواقفهم في مختلف المجالات.}}، وكان يُوصَف بأنه "رجل أسود، خفيف العارضين"[1]. شدّ رحاله إلى
مصر طلبًا للعلم، وهناك بدأ احتكاكه بأفكار ومذاهب مثيرة للجدل، فتكوّنت لديه ملامح فكر مستقل أثار الريبة. وقال فيه المؤرخون: "عاشر الملاحدة، فغلبت عليه اعتقادات فاسدة، وبث فيها شيئًا من اعتقاداته حتى ضُرب"[2].
إشكالية حضوره في المصادر التاريخية
تُعد شخصية يحيى بن عيسى الكركي من الشخصيات التي مرّ ذكرها في متون التاريخ بشكل مختصر من دون توسع، برغم أن النقاش والسجال الذي دار حولها في الزمن العثماني، قد يبدو أنه اختزل في نصوص الترجمة والسير، ولعل السبب لا لكون الشخصية اعتزلت الناس أو كانت غير حاضرة في فضائها الحضري سواء في المدينة الطرف
الكرك، أو المدينة المركز آنذاك
دمشق، بل لأنها فكرت في الدعوة إلى الخروج عن السلطة أواخر القرن السادس عشر، فجاء جُل ما رُوِيَ عنها متأثرًا بالسلطة السياسية.
تقدم سيرة الكركي صورة واضحة عن المسار الذي واجهه الرافضون للسلطة واستبدادها من العلماء في حالتين من المحاصرة أو الحصار، وهما: إما النفي من مدنهم، كما حدث مع علماء دمشق في القرن الثامن عشر حين نُفوا إلى
طرابلس، وإما الاتهام
بالزندقة {{الزندقة: مصطلح ديني إسلامي يُستخدم للإشارة إلى الأشخاص الذين ينكرون المبادئ الأساسية للدين الإسلامي، خاصة في مسألة الإيمان بالله أو مسألة النبوة. في العصور الإسلامية، كان الزنادقة يُعتبرون مارقين عن الدين، وواجهوا عقوبات قاسية نفذتها في حقهم السلطات الدينية. كان هذا المصطلح يشمل أيضًا بعض التيارات الفلسفية والفكرية التي اعتُبرت مخالفة للتعاليم الإسلامية السائدة.}}، كما هي حال يحيى بن عيسى الكركي الذي أعدم عام 1018هـ/ 1610م بأمر السلطة العثمانية، وقد مرّت فصول المحاكمة بشكل سريع عبر مجلس شرعي قرر وجوب القتل وإلقاء الجثة في نهر من أنهار دمشق يتّسم بكثرة القاذورات في مجراه.
صدامه مع السلطة واتهامه بالزندقة
بدأ يحيى الكركي بعد عودته من مصر إلى الكرك في نشر أفكاره ومراسلاته، إذ "أخذ يسعى إلى ترويج أمره فكان يكتب أوراقًا مشحونة بألفاظ الكفر ويرسلها، فلما شوهد ما كتب يحيى أرسل إليه من جانب حاكم البلاد [...] فلما وصل المذكور إلى
عجلون أدّبه القاضي بضربه خمسمئة سوط على رجليه وعلى بدنه ورجع إلى مقره في بلاد الكرك، فأخذ أهل الكرك يشنعون عليه ويقولون: ’لولا إلحادك ما ضربك القاضي، فإن كنت تريد إغماض العين عنك وترك التعرض لك اذهب إلى دمشق واستكتب علماءها على كلامك هذا بأنه من قواعد أهل الإيمان‘، وكان قبل ذلك يراسل
الشيخ شمس الدين الميداني من علماء دمشق بالثناء عليه [...]"[3]، وكان أمره مثيرًا للشكوك حتى قيل فيه "لعله جاهل أو مجنون"، وكان يحدّث العامة بمعتقداته حتى أصبح الناس يقصدونه من أحياء دمشق، واشتبه أمره كذلك على طلبة العلم[4].
لم يمكث يحيى الكركي طويلًا حتى جاء دمشق طلبًا للعلم، وسكن في
محلة القبيبات {{محلة القبيبات: إحدى المناطق التاريخية في دمشق، تقع ضمن المدينة القديمة، وتتميز بكونها منطقة سكنية ذات طابع تقليدي، وتعد جزءًا من النسيج الاجتماعي في دمشق. عرفت بوجود مساجد وأسواق قديمة، وكانت تُعتبر مركزًا حضريًا مهمًا في العصور الماضية، إذ كانت محطًا للسكان والتجارة.}} جنوب سور المدينة في
حي الميدان {{حي الميدان: أحد الأحياء القديمة في دمشق، يُعتبر من أحياء الطبقات الشعبية، ويتميز بموقعه في الجنوب الشرقي للمدينة، ويعتبر من أقدم الأحياء وأشهرها. يشتهر بأسواقه الشعبية ومبانيه التقليدية، ويحتوي على العديد من المعالم الثقافية والدينية. شهد تحولات كبيرة خلال العصور الإسلامية، وكان له دور مهم في الحياة اليومية الدمشقية.}}، واتخذ من مكان يدعى القبة الطويلة مقرًا له[5]. ويمضي المؤرخ المحبي في وصف مآل الكركي الذي أدخل
البيمارستان {{البيمارستان: مصطلح مستخدم لدى المسلمين ويعني "المستشفى"، ويشير إلى المؤسسة الطبية التي تُقدّم العلاج والرعاية الصحية للمرضى. يعود أصل الكلمة إلى اللغة الفارسية، وتعني "مكان المرض". كان البيمارستان يُختص بالعلاج المجاني خاصة للفقراء، ويضم أطباء ومختبرات تعليمية للطب، ويُعتبر من أولى المؤسسات الطبية في التاريخ الإسلامي.}}، ويذكر تكاتف السلطة وعلمائها ضده، وفي مقابلهم التف العوام والهوام والعسكر معه، ويصف المحبي ذلك بقوله: "وتحزبوا واجتمعوا لإزالة هذا الخبيث وانتدبوا ثم ذهب منهم إلى القاضي أولًا وهو
القاضي الشهاب العيثاوي، ومنهم الشمس الميداني والحسن البوريني وتاج الدين التاجي فبادر القاضي للخروج إليهم وقال لهم: ’والله لقد أزلتم عني كربة بت فيها وشبهة قامت عندي أسأت بها الظن في علماء هذه البلد [...] لأني تأملت كفريات هذا الملعون وإعلانه بها وقد قبضت عليه واستودعته البيمارستان دون السجن خوفًا من أن تغلب علينا العامة وتستخرجه خصوصًا وقد بلغني أن بعض أكابر الجند وأشقاهم يعتقده‘"[6].
محاكمته وإعدامه وتفاعل العامة مع قضيته
مضت فصول المحاكمة وقد بدا تعاطف العامة والجند مع يحيى الكركي، وهو ما استدعى خوف القاضي من تحوله إلى زعيم شعبي، وتفصح الترجمة له عن طريقة توجيه التهمة إليه بشكل أوضح في نهاية مجلس المحاكمة، إذ صار حسب ما ذكر المحبي إلى: "أن اتفق أهل المجلس على إكفاره وحكم القاضي بإراقة دمه بعد تحقق إصراره، وكتب سجلًّا بمحضر من العلماء وجمّ غفير من الناس، وأرسل ما كتب إلى الوزير الحافظ ليأمر بقتله حذرًا من الفتنة فوقع بمقتله وأشار بتطويفه كما يفعل بمثله وحضر عند القاضي أعوان الوالي، وأرادوا تشهيره في البلد فأشار بعض العقلاء بأنه ربما تظاهر بعض العوام بتخليصه فيقع الخصام واللدد، فالأولى أن يهرق دمه عند مجلس الشرع الشريف ليظهر بذلك أن سيف الشريعة طائل الوقع لأهل الضلال والتحريف، فضربت عنقه بفناء المحكمة وأطفئت نار ضلالته المظلمة، وكان ذلك في يوم الثلاثاء الثامن من ذي القعدة سنة ثمان عشر بعد الألف، وطمس قبره على حافة نهر قليط في حدود مقبرة باب الصغير"[7].
فتاوى تكفيره ومخاوف الجماهير
دفنت جثة يحيى الكركي، الذي أصبح مثار قلق، على جانب حافة
نهر قليط {{نهر قليط: نهر صغير يقع في منطقة الشام، وتحديدًا في سورية. ينبع من الجبال الغربية ويصب في البحر المتوسط. يتميز النهر بمياهه العذبة ويعد من الأنهار التي توفر مياه الري للزراعة في المناطق المحيطة به. يعتبر موردًا مائيًا مهمًا في تلك المناطق الجبلية، وله دور بيئي واقتصادي في حياة سكان المناطق القريبة.}}، وهو فرع صغير من
نهر بانياس {{نهر بانياس: أحد أنهار بلاد الشام، يقع في سورية بالقرب من الجولان. يُعتبر من الأنهار المهمة التي تغذي المنطقة بالمياه العذبة. ينبع من جبل الشيخ ويمر عبر منطقة بانياس. يتميز بمياهه الغزيرة والموقع الاستراتيجي، وله أهمية تاريخية واقتصادية كبيرة لسكان المنطقة، إضافة إلى كونه مقصدًا سياحيًا بسبب المناظر الطبيعية المحيطة به.}} ممتلئ بالأوساخ والقاذورات. لم يكن ذلك بسبب آرائه الدينية فقط، بل لأنه تحول إلى مشروع رفض تعلقت به آمال العامة والفقراء. وهذا ما تكشف عنه فصول المحاكمة، فهي ظاهريًا تكشف عن اتهام بالزندقة والتكفير، واجتماع لمجلس الشرع، ودور عقلاء المجلس في تنفيذ الحكم وتحديد مكان التنفيذ. ويبدو أن السلطة كانت تخشى تعلق العامة به، إذ إن سخطه على الظلم ورفضه إياه جذبا إليه العوام. وعندما كتب أوراقًا إلى السلطان، اتُهمت تلك الأوراق باحتوائها على عبارات فاسدة، فاتهمه العلماء بالزندقة، رغم أن معظم أتباعه كانوا من المظلومين الذين كانوا على استعداد لتأييده أملًا في تحسين أحوالهم. وليس ثمة وثائق من المحاكم الشرعية في دمشق بشأن حادثة الحكم[8].
غلاف رواية يحيى للروائية سميحة خريس
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ما تبقى من أثره وتراثه
لم يُعثر على تراث مكتوب ليحيى الكركي، غير أن بعض الأسئلة التي خاطب بها علماء عجلون وردت في مخطوط ضمن مجموعة وثائق، وكانت هذه الأسئلة تتعلق بالرسوم والضرائب المفروضة على الفلاحين، ولعل هذا السبب كان كافيًا لمعاقبته وضربه[9].
عاد الاهتمام بقصة يحيى الكركي خلال العقدين الماضيين في الدراسات التاريخية والأعمال الأدبية الأردنية، ويرتبط ذلك بتطور الكتابة التاريخية في الأردن وتمثلات التاريخ في الهوية الثقافية الأردنية. جاء ذلك من خلال دراسة الباحث الأردني مهند مبيضين (1973-) التي قدمها عام 2008 في المؤتمر الثقافي الوطني الرابع الذي نظمته الجامعة الأردنية تحت عنوان: "الرفض والاحتجاج في الأردن: من الدولة السلطانية إلى الدولة الوطنية"[10].
كذلك ظهرت شخصية الكركي في رواية للأديبة الأردنية سميحة خريس (1956-) بعنوان "يحيى"، التي أعادت نسج حكاية الكركي في قالب روائي حكائي بوصفها نموذجًا من نماذج الرافضين للظلم والاستبداد[11] (الصورة١).
المراجع
خريس، سميحة.
يحيى. دبي: دار ثقافة للنشر، 2010.
الدمشقي، نجم الدين محمد بن محمد الغزي.
لطف السمر وقطف الثمر من تراجم أعيان الطبقة الأولى من القرن الحادي عشر. تحقيق محمود الشيخ. ج 2. دمشق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، [د. ت.].
الزركلي، خير الدين.
الأعلام. ط 15. بيروت: دار العلم للملايين، 2002.
"مجموع فتاوى". مخطوط رقم 3425/34/ ك م. محفوظ في مكتبة الأسد (سورية). ق 41-32.
المحبي، محمد أمين فضل الله.
خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر. بيروت: دار صادر، 1868.
المؤتمر الثقافي الوطني الرابع: جذور
الثقافةالوطنية. عمّان: الجامعة الأردنية، 2008.
[1] نجم الدين محمد بن محمد الغزي الدمشقي،
لطف السمر وقطف الثمر من تراجم أعيان الطبقة الأولى من القرن الحادي عشر، تحقيق محمود الشيخ، ج 2 (دمشق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، [د. ت.])، ص 698؛ محمد أمين فضل الله المحبي،
خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، ج 4 (بيروت: دار صادر، 1868)، ص 478.
[2] الدمشقي؛ المحبي.
[3] المحبي، ص 478؛ خير الدين الزركلي،
الأعلام، ج 8، ط 15 (بيروت: دار العلم للملايين، 2002)، ص 162-163.
[4] الدمشقي، ص 699.
[5] المحبي، ص 478.
[6] المرجع نفسه.
[7] المرجع نفسه، ص 480؛ الزركلي، ص 162.
[8] المحبي، ص 478-479؛ الزركلي، ص 163.
[9] في مخطوط "مجموع فتاوى"، تُذكَر مجموعةُ أسئلة الكركي لعلماء عجلون ودمشق، إذ تدور حول جواز عقد صلاة الجمعة للسلطان في ظل عسف جباة الضرائب، وتعطل الناس عن الفلاحة والعمل الذي هو عبادة. يُنظر: "مجموع فتاوى"، مخطوط رقم 3425/34/ ك م.، محفوظ في مكتبة الأسد (سورية)، ق 41-32.
[10] مهند مبيضين، "الرفض والاحتجاج في الأردن من الدولة السلطانية إلى الدولة الوطنية"، في:
المؤتمر الثقافي الوطني الرابع: جذور الثقافة الوطنية (عمّان: الجامعة الأردنية، 2008).
[11] سميحة خريس،
يحيى (دبي: دار ثقافة للنشر، 2010).