محمد المولود بن الموهوب (1866-1939) شخصية دينية ثقافية جزائرية، كان له دور بارز في الربع الأول من القرن العشرين، فهو ممّن مهدوا لظهور الحركة الإصلاحية بالجزائر في أوائل عشرينيات القرن الماضي. وقد بوّأتْهُ مكانتُه الدينية وشهرتُه الأدبية والعلمية توليَ أعلى المناصب والوظائف. عمل مدرسًا في المدرسة الرسمية بقسنطينة عام 1895، وتولى وظيفة الفتوى فيها عام 1908، وبمسجد باريس كذلك عام 1926. وبذلك شغل أهم المناصب الثقافية والدينية المتاحة لرجل دين آنذاك، حتى لُقِّب بـ "شيخ الجماعة".
ارتبط ابن الموهوب بفكر الإصلاح الديني المتأثر بمحمد عبده، فاختار الإصلاح التدريجي مُركِّزًا على التربية والتعليم بدل السياسة. انتقد انحراف بعض الطرق الصوفية وممارساتها، وألقى محاضرات وخطبًا تحث على العمل والعلم، مستشهدًا بالتراث الإسلامي والفكر الأوروبي.
لم ينل ابن الموهوب اهتمام الباحثين الجزائريين، بسبب انتمائه إلى سلك الموظفين الرسمي الذين تعينهم وتشرف عليهم السلطات الاستعمارية الفرنسية، في حين لقي ابن الموهوب في زمنه اهتمامًا بنشاطاته الأدبية والشعرية، ونُوِّه بدوره الإصلاحي الذي تجلّى في مواقفه المعادية للجمود الفكري والتخلف الاجتماعي.
نشأته وتكوينه
قسنطينة، الجزائر عام 1899
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وُلد محمد المولود بن محمد السعيد بن الشيخ المدني بن العربي بن مسعود بن الموهوب عام 1866 بقسنطينة[1]، ونشأ فيها، وكان أعزّ أولاد أبيه، إذ لم يكن له ذكرٌ سواه آنذاك. ولما صار طفلًا، أتى له بمعلّم يُحفّظه القرآن الكريم، وكان والده يومئذٍ قاضيًا بوادي العثمانية {{وادي العثمانية: إحدى البلدات التابعة حاليًا لولاية ميلة شرق الجزائر.}}[2].
ينتمي المولود بن الموهوب إلى أسرة علمية تولت القضاء والإفتاء، فجدّه محمد بن الموهوب، أسس زاوية في بني بزاز، بمنطقة
جبال البابور {{جبال البابور: سلسلة جبلية تتبع الأطلس التلي، وتقع في ولاية سطيف شرق الجزائر. تبلغ أعلى قمة فيها 2004 أمتار فوق سطح البحر.}} شمال شرق الجزائر، كانت مركزًا ثقافيًا، ومأوى للمساكين[3]. أما والده محمد السعيد، فتتلمذ على يد أشهر مدرّسي قسنطينة في منتصف القرن التاسع عشر، مثل: المكي البوطالبي {{المكي البوطالبي: (1799-1865) المكي بن سعد البوطالبي. تولى عدة وظائف قبل احتلال الجيش الفرنسي لقسنطينة عام 1837 وبعده، منها التدريس في الجامع الكبير، وفي مدرسة قسنطينة عند افتتاحها عام 1850، كما شغل منصب القضاء.}}، ومحمد الشاذلي {{محمد الشاذلي: (1797-1877) محمد بن عيسى الشاذلي البوزيدي. تعود أصوله إلى نواحي بسكرة بالجنوب الجزائري. واصل تعليمه في قسنطينة قبل احتلالها، ثم تركها وعاد إليها ليُعينه الفرنسيون فيها قاضيًا للمالكية. تولى إدارة مدرسة قسنطينة عند افتتاحها في عام 1850 وحتى وفاته عام 1877.}}. وتولى خلال فترة الحكم العسكري للجزائر (1830-1870) وظيفة القضاء بإدارته عدة محاكم[4]. وقد توفي عام 1878[5] مقتولًا على يد أحد المتقاضين[6]. تولى كفالة الطفل محمد بعدها أحد أصدقاء والده[7].
أما الابن محمد المولود، وفور إتمام تعليمه في المدرسة القرآنية، تتلمذ لبعض شيوخ المدينة المعروفين، كالشيخ محمد الدراجي، وحضر دروس الشيخ عبد الله، إمام
الجامع الكبير لقسنطينة وخطيبه. وبعدها، لازم ابن الموهوب الشيخ عبد القادر المجاوي التلمساني (1848-1914) الذي كان قد حلّ عام 1870 – تقريبًا - بقسنطينة، فقرأ عليه العلوم الشرعية واللغة العربية، فأجازه وأذن له بالتدريس والوعظ، وأصبح بعد ذلك زميلًا له في
المدرسة الكتانية منذ عام 1895. وقد كان ابن الموهوب يتقن اللغة الفرنسية مطلعًا على آدابها[8].
التدريس والفتوى
عُيِّن ابن الموهوب أستاذًا في مدرسة قسنطينة الرسمية في تشرين الثاني/ نوڤمبر 1895، بناءً على اقتراح مدير المدرسة المستشرق الفرنسي دي موتيلنسكي (A. Motylinski، 1854-1907). تولى فيها تدريس مادتي الشريعة والأدب، ثم خَلفَ محمود الشاذلي (ت. 1905) في تدريس مادة الفقه الإسلامي في كانون الثاني/ يناير 1903[9].
مثّلت الفترة الممتدة من التحاقه بالمدرسة معلمًا إلى غاية اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914-1918) أخصب مراحل حياته. إذ شهدت نشاطًا مكثفًا على الصعيدين الديني والتعليمي، وفي مجال الجمعيات الثقافية كذلك. كان متفتحًا على عصره ومجتمعه من خلال إسهاماته في الحياة الثقافية والفكرية؛ فإلى جانب مهماته التعليمية والدينية، شارك في نشاطات الجمعيات والنوادي الثقافية التي بدأت آنذاك في الظهور، وكان من مؤسسي
نادي صالح باي عام 1907، ومن أبرز الناشطين فيه لاحقًا بما ألقاه من محاضرات وخُطب.
تولّى ابن الموهوب عام 1908 أعلى منصب ديني يمكن الطموح إليه، وهو منصب الإفتاء، الذي كان من قبل حكرًا على بعض العائلات القسنطينية المعروفة. وقد ألقى بمناسبة تعيينه خطبة دعا فيها إلى اليقظة، والإقبال على التعليم، ونبذِ التعصّب والجهل[10]. ولم يكن هذا التعيين خاليًا من الاعتبارات السياسية، إذ نافسه على المنصب عدد من علماء قسنطينة البارزين، من بينهم إماما الجامع الكبير، صالح بن مهنا (1840-1910)، والزواوي ابن الفقون، إضافة إلى المُدرّس في الجامع نفسه حمدان بن الونيسي (1856-1920)[11].
وبعد الحرب العالمية الأولى، عينته جمعية أوقاف الحرمين الشريفين {{جمعية أوقاف الحرمين الشريفين: هيئة تأسست خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية بهدف الإشراف على شؤون الحج ورعاية الحجاج الوافدين من المستعمرات الفرنسية في شمال أفريقيا، ثم تحولت إلى أداة لتأطير السياسة الإسلامية الفرنسية، وإدارة مسجد باريس، مع دور بارز في تنظيم العلاقات الدينية.}}[12] مفتيًا لمسجد باريس، الذي دُشّن في 15 تموز/ يوليو 1926. وقد افتتح ابن الموهوب المسجد بخطبة الجمعة، دعا فيها – كعادته - إلى نبذ الجهل والخرافات والبدع، وإلى التزود بالعلم والمعرفة. وكان من بين الشخصيات التي حضرت الافتتاح السلطان المغربي يوسف بن الحسن (1881-1927)، الذي أعجب بخطبة ابن الموهوب إعجابًا كبيرًا، فزاره في منزله ليعبر له عن سروره بما ألقاه وبتعيينه مفتيًا للمسجد[13]. ظلّ ابن الموهوب في هذا المنصب إلى أن توفي في 21 نيسان/ أبريل 1939.
الإصلاح عنده
ارتبط موضوع الإصلاح في الجزائر بظهور حركة الشيخ عبد الحميد بن باديس (1889-1940) في مطلع عشرينيات القرن العشرين، إلى درجة غدا فيها الحديث عن العلماء الذين سبقوه في الدعوة إلى الإصلاح الديني والثقافي، والساعين إلى تخليص الإسلام مما شابه من بدع وخرافات، أمرًا يبدو لدى بعضهم مجازفة وتجاوزًا للحقيقة. غير أن تلك الدعوات كانت قائمة بالفعل لدى عدد من العلماء، مثل الشيخ المجاوي، وعبد الحليم بن سماية (1866-1933)، وابن الموهوب، الذين مثلوا إرهاصات مبكّرة للفكر الإصلاحي في الجزائر. وتجدر الإشارة إلى أنّ الحقبة التي عاش فيها ابن الموهوب كانت مرحلة حافلة بالتقلّبات والأحداث السياسية داخليًا وخارجيًا، وهي نفسها التي شهد فيها العالم العربي الإسلامي بروز حركة إصلاحية واسعة قادها جمال الدين الأفغاني (1838-1897)، ومحمد عبده (1849-1905).
كانت هذه الأفكار تصل إلى أسماع النخبة الجزائرية المثقفة بشتى الوسائل، من صحف ورحلات علمية ورحلات حجّ، وقد تركت تلك الأحداث أثرها العميق في رجال الفكر والإصلاح، ومن بينهم ابن الموهوب، الذي كان أحد أبرز مستقبلي محمد عبده عند زيارته قسنطينة في 27 آب/ أغسطس 1903. وقد رافقه ابن الموهوب في جولته إلى المدرسة الكتانية والمكتبة العربية، كما كان حاضرًا في وداعه يوم 9 آب/ أغسطس من محطة القطار حين غادر متوجهًا إلى تونس[14].
كانت إحدى أبرز الجبهات التي وجّه ابن الموهوب جهوده الإصلاحية نحوها هي الزوايا والنزعة
الطُرُقية {{الطُرقية: تنظيمات دينية ذات طابع روحي، تقوم على الولاء للشيخ والطاعة المطلقة له، وتتّبع أساليب خاصة في الذكر والعبادة والتربية الروحية. اعتبرت بعض تيارات الحركة الوطنية، خاصة التيار الإصلاحي، الطرقيةَ نمطًا من التديّن القائم على الخرافة والجمود والانغلاق، لذا دعت إلى تنقية الممارسة الدينية من البدع.}}. فقد عاصر فترة شهدت انتشار معتقدات وممارسات سلبية في بعض الطرق الصوفية، التي بعدما كانت من أهم المراكز التعليمية والثقافية، واستبسلت في مقاومة الاستعمار في القرن التاسع عشر، بدأت منذ أواخره تتخلى عن أدوارها التربوية والعلمية، متقربة من السلطات الاستعمارية ساعية وراء الامتيازات. وأسهم هذا التحوّل في انتشار الغيبيات والخرافة، من خلال التركيز على كرامات الشيوخ، وتكريس ثقافة التسليم والخضوع باعتبارها قضاءً وقدرًا[15].
أسهم هذا الوضع، من ناحية أخرى، في بروز طبقة مثقفة وواعية، مُصمّمة على محاربة تلك الأفكار والممارسات البالية، معتبرة أن من مسؤوليتها انتشال الجزائريين من حالة الجهل والتخلّف. وفي هذا الإطار، كان لابن الموهوب مواقف صريحة عبّر عنها في مطلع القرن العشرين، من خلال محاضراته وخطبه في نادي صالح باي، وكذلك عبر الخطب الدينية التي كان يلقيها في الجامع الكبير بقسنطينة أو في فضاءات أخرى. وقد نشرت الصُحف آنذاك عديدًا من هذه الخطب التي أشاد فيها بمنافع العلم وحذّر من أخطار الجهل، داعيًا إلى العمل ونبذ الكسل، مستشهدًا بالقرآن الكريم والأحاديث النبوية، وأحيانًا بأفكار
ڤيكتور هوغو (Victor Hugo، 1802-1885)، وڤولتير (Voltaire، 1694-1778)، إذ كان يحثّ مواطنيه على الاقتداء بالأوروبيين، والتعلّم باللغتين العربية والفرنسية[16].
تبنى ابن الموهوب مواقف ناقدة للمعتقدات والممارسات البِدعية التي كانت منتشرة في المجتمع آنذاك، واتهم بعض الطرق الصوفية بالمسؤولية عن ترويجها. وقد عرّضهُ هذا الموقف لهجوم شديد من شيوخ تلك الطرق ومن بعض أعيان قسنطينة، الذين رؤوا في انتقاداته مساسًا بمكانتهم، وعدّوها صادرة من شخص غريب عن المدينة بحُكم الأصول غير القسنطينية لعائلته. وفي قصيدة عنونها بـ"الـمُنصِفَة"، نشرتها جريدة
كوكب إفريقيا عام 1910، تناول ابن الموهوب فكرة "تطهير المجتمع من الخرافات والدعوة إلى النهوض"[17]، وانتقد الأفكار المسبقة والمتوارثة في المجتمع القسنطيني، ما أثار ردود فعل واسعة وانقسامًا واضحًا بين مناصر له ومعارض. وقد دفع هذا الجدل الشيخ عبد القادر المجاوي إلى شرح القصيدة في كتاب بعنوان
اللَمع في نظم البدع (1912)، قصد إظهار البدع التي أُدخلت في الدين[18].
ورغم المعارضة التي واجهها ابن الموهوب، ظلّ متمسكًا بمواقفه وأفكاره الاصلاحية. ومن الأساليب التي انتهجها في محاورة شيوخ الطرق والزوايا ومُقدّميها {{مُقدِّْمون: جمع مُقدّم، وهو شخصية دينية وإدارية داخل نظام الزوايا، مكلف بالإشراف على الزاوية وإدارة شؤونها اليومية، ويعمل حلقةَ وصل بين شيخ الزاوية والمجتمع المحلي.}} أنه جمعهم في أحد أيام عام 1926، داخل الجامع الكبير بقسنطينة، وألقى عليهم دروسًا قبّح فيها بِدَع بعض الطُرق، مثل العيساوية {{العيساوية: طريقة صوفية أسسها محمد بن عيسى الحسني في المغرب الأقصى في القرن السادس عشر، وتنتشر زواياها في العديد من بلدان المغرب العربي.}} والعمّارية والطيبية، وما يصاحبها من ممارسات كأكل الزجاج واللعب بالنار والثعابين. وقد نصحهم بترك تلك المظاهر التي تُسيء للدين، فوجدت موعظته القبول عند مستمعيه بحسب ما أوردته جريدة
النجاح التي نشرت الخبر آنذاك[19].
إقدامُ ابن الموهوب في ميدان الإصلاح الديني ومقاومته البدع والأمراض الاجتماعية، قابله في الشأن السياسي غلبة للنزعة المحافظة، فقد شهد عصرُه العديد من القضايا الشائكة التي شغلت المجتمع الجزائري المسلم، مثل قضايا التجنيس والتجنيد الإجباري التي أثارت نقاشًا كبيرًا في أوساط الأهالي في الفترة بين عامَي 1910 و1914، ومع ذلك لا يوجد رأي صريح لابن الموهوب حول هذه المسائل والقضايا.
وعن موقفه من فرنسا عند اندلاع الحرب العالمية الأولى، ولا سيما بعد دخول الدولة العثمانية الحرب، فإن
مجلة العالم الإسلامي (Revue du Monde Musulman) في عددها الصادر في كانون الأول/ ديسمبر 1914[20]، نشرت فتاوى شيوخ الطرق الصوفية ورجال الدين، ورسائل الأعيان، الموالية لفرنسا والمؤيدة لها، وقد أشارت إلى أن ابن الموهوب وعبد الكريم باش تارزي، المفتيين المالكي والحنفي لقسنطينة، قد أوصيا مواطنيهما بمساعدة فرنسا في تلك الظروف الصعبة. وقد ورد في وثيقة استعلامات صادرة عن عمالة قسنطينة في 25 نيسان/ أبريل 1930 بشأن مدى أهلية ابن الموهوب لنيل وسام جوقة الشرف درجة قائد، أنه "قضى مسيرة طويلة تتّسم بالكرامة والتفاني في كل الظروف، ولا سيما أثناء الحرب، وضع باستمرار نفوذه وسلطته المعنوية العالية في خدمة الإدارة. إنه رجل رفيع الفكر، يجمع إلى ثقافته الواسعة أسمى صفات الحماسة والانضباط، مُسخّرًا إياها في خدمة القضية الفرنسية"[21].
التزم ابن الموهوب الصمت كذلك خلال فترة ما بين الحربين العالميتين (1919-1939)، رغم الأحداث والقضايا الكثيرة التي كانت تستوجب التعبير عن رأيه فيها حينها، مثل إلغاء الخلافة في آذار/ مارس 1924، وتأسيس
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (1931)، وانعقاد
المؤتمر الإسلامي (1936)، واغتيال الإمام عمر بن دالي {{عمر بن دالي: المدعو: كحول. هو إمام الجامع الكبير في مدينة الجزائر ومفتيه. اغتيل في 2 آب/ أغسطس 1936. اتُّهم الشيخ الطيب العقبي (1890-1961)، أحد مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بالوقوف وراء العملية، في حين اعتبرت أوساط الجمعية والتيار الإصلاحي العملية مؤامرة للتضييق عليها.}}.
مؤلفاته
ترك ابن الموهوب بعض المؤلفات، منها: مختصر الكافي في العروض والقوافي، والتبر الصافي في شرح الكافي، ونظم الأجرومية، وشرح منظومة التوحيد لشيخه عبد القادر المجاوي.[22]
وإضافة إلى مقالات الرأي في الصحافة المكتوبة، والمحاضرات والخُطب، عُرف عن ابن الموهوب نظم الشعر، وفيما يأتي بعض من شعره[23]:
قصيدة "أبناؤه أبناؤه"
سُبحَان ربي الصّمَدْ
| طَابَ الحِمَامُ يَا وَلدْ |
وَعَاجِزٌ لَهُ يرد | نَبْكِي الدّماء أسفا |
به الجَميعُ كَالجَسَدْ؟ | أيْن التّعاوُنُ الذي |
أقْبَحَهُ مِنْ مُعْتَمَدْ | أضَاعَهُ الشّقا فَمَا |
جَمْره قد اتّقد | هدم أسّه خلاف |
إلا عَنِ الدّينِ شَرَدْ | فَمَا هُنَاكَ أَحَدٌ |
بَصَرْتُ فِي كلِّ أَحَدْ | هل أَبْصَرَتْ عَيْناكَ مَا |
وبِدَعِ لا تَنْتَقِدْ | مِنْ سُنَنٍ مَهْجُورَةٍ |
قَتْلُه قَدْ اِطَّرَدْ | ومِنْ حَيَاءٍ بالخُمُور |
ثِمَارُه شَرُّ يُعَد | ومن قُمار شَائِعٍ |
زادَه إِهمَال حَدْ | ومِنْ سِفَاحِ بافْتِضَاِح |
وفَسَادِ المُعْتَقَدْ | ومن نِفاق وشِقَاقِ |
نَحْسًا، فهلْ لِذا مَرَدْ؟ | أرى بِنَا أيَّامَنَا |
والقرينُ. لا أحد! | أين المُعِينُ، والأَمينُ |
فَرَّق أهْلَهُ الحَسَدْ | يَا وِحشَةَ الإِسْلامِ إذْ |
وَقْتٍ بِه الأُنْثَى أَسَدْ | يا ضَيْعةَ الإِسْلامِ فِي |
أصْبرهُ مُنْذُ مَرَدْ | يا حَيرةَ الإسلامِ مَا |
مِنْ أَصْلِهِ يُهَدْ؟ | دينٌ قَوِيمٌ مَنْ أَضَاعَهُ |
مَا بِه الشّقَا حَصَد؟ | رُكْنٌ جَسِيمٌ مَنْ أهَان |
سلْ سِير الأُولى تَفدِ | أبنَاؤُه، أنبَاؤُه |
فالكلُّ للقُبْحِ حَفَد | ثمَّ التّفِتْ لِوَقتنا |
مُنقَادَةٌ بِلا أَمَدْ | جَهْلٌ لَهُ نُفُوسُنَا |
تَطُولُ، يَا بِئْسَ الجِيَدْ | شرٌّ لَهُ أعنَاقُنَا |
بالجَهْلِ غَيرنَا خَلَدْ؟ | كأنَّنا خُلْدٌ فَهَلْ |
وحرَّد الذِي رَفَدْ | قَدْ ذَادَ قَلْبٌ نَاصح، |
وَضَاعَ مَا كَانَ سَرَدْ | وخَابَ كُلُّ رَاشِدٍ، |
كِتَابَهَا، نِعْمَ السّند! | يَا أُمَّةً قَدْ تركَتْ |
أنْذَالِ مَا هَذا المَرَد | وعَشِقَتْ سَفاسِفَ الْ |
هلْ بِالعُيُون عَنْ مَحَاسِنِ كِتابِكُم رَمَد |
وَمَا مِنَ الخير حَشَد | تأَمَّلُوا أَحْكَامَهُ، |
عن مِثْلكُمْ لمَا فَسَدْ | ثمَّ انظروا أخْبَارَه |
لِمَنْ عَنِ العِلْمِ رَتَدْ | واعتَبروا وَعِيدَهُ |
رَصْدَ مَنْ لَكُمْ رَصَدْ | تَدبروه، واتركُوا |
مُخَالِفٌ لِمَا وَرَدْ | ما العَقْلُ فِي أَبْحَاثِهِ |
وأشهر قصائده هي قصيدة "المُنْصِفة"، التي شرحها الشيخ المجاوي تحت عنوان
اللمع على نظم البدع، وشطّرها إبراهيم بن عامر ونشرها في العدد 56 من جريدة
الفاروق عام 1914، تحت عنوان "مطالع السعود بتشطير أدبية الشيخ المولود"[24]، ومنها[25]:
صُعُود الأسفلين به دُهينا
| لأنَّا للمعارف ما هُدينا |
رمتْ أمواجُ بحر اللَّهوِ مِنَّا | أُناسًا للخُمورِ مُلازِمينا |
أضَاعوا عِرضهم، والمالَ حبًّا | لِبِنْت الحَانِ فازْدادُوا جُنُونا |
تَوَاصَوْا بالتّنَافُرِ فاطْمَأَنَّتْ | لِحِقْدِهِمُ قُلُوبُ الكَائِدِينَا |
فكمْ أَكَلَ العُقَار، عُقَارَ قومٍ | أُصُولُهُمْ لَهُ أَفْنُوا سِنينا! |
وكمْ ساقَ الكُحُولُ إلى أُناسِ | كَحِيلًا مِثْلَ جَمْعِهِمُ أُهينا |
وكمْ رَقمَ القُمَار على بيوتٍ | دُيونًا وفق قَولِ الغَالِبينا |
وكمْ داسَ الرّبَا أعْنَاقَ قومٍ، | وَلوْلاهُ لَسَادُوا مُنْعِمينا |
سَرَتْ فِيهم حلاوَتُه فأَرْسَتْ، | وأسرت الحَلاحِل خَاضِعِينا |
تَعَدَّوْا حدَّ طورِهمُ فَطَارَتْ | سَعَادتُهُم، وَجَاء المقْتُ حِينا |
حرُوبٌ، في بحورٍ مُفْجِعَاتٍ | تُحتِّم إِرثَ غَير الوَارِثينا |
فهلْ من مُنْتَهى لحروبِ سِلْم، | وهلْ سِلْمٌ يروق الجَامعينا
|
ألا يا دَهْرُ يكفي ما بُلِينا | به من نشْرِ ذِي الأمراض فِينا |
ألَيْسَ اليُسْرُ يأتي بعد عُسْرٍ | فهلْ كَانَ الشّقاءُ لنا قَرِينا؟ |
نعم: إنَّا شَقِينا إذْ سُقِينا | كُؤوسَ الجَهْلِ، لكنْ ما روِينا |
يُنادِينا "الكِتَاب" لكلِّ خير | فَهَلْ كُنَّا لِذلك سَامعينا؟ |
يُنادِينا "الحديثُ" لكلِّ فضلٍ | فَهَلْ كُنَّا بفعلٍ قائِمينا؟ |
يقُولُ لنا النّصُوح ألا اسْتَفِيدُوا | فجَرْنَا، واتَّخذنا الضّدَّ دِينَا
|
فإنَّا الجَاهلُون إذا فَعَلْنا، | وإِنَّا الفَاعلون إذَا نُهينا |
وإنَّا النّاكِرون لِكلِّ بر، | وإنَّا الرّاكنون إلى اللَّذِينا |
وإنَّا العاشِقون لكلِّ غيٍّ، | وإنَّا السّاخِطون إذَا ابْتُلِينا |
وإنَّا المُخْلِفون إذا وَعَدْنَا، | وإنَّا القاصِرون إذا دُعِينا |
وإنَّا الحَاسِدُون إذا رَأينا | نَعيمًا عند قومٍ آخَرِينا |
وإِنَّا القَادحُون إذا سُئِلنا | على شخصٍ، وإنْ كان الأَمينَا |
وإنَّا المُكْرِمون لذي فُجُور، | وإِنَّا الخائِنون لِمَنْ يَلِينا |
وإنَّا التّابعون لكلِّ وهم | فسلْ عَنَّا عِبادتنا الجُنُونا |
وسلْ "زَارَا" و"نِسْر مَسِيد طَبْلٍ" | "وَزِينَتُنَا" تَبيعُ التّابِعِينَا
|
وسلْ عنَّا "السّلاحِفَ في غُراب" | "وأعْطَارًا" تراق، عَائِمينا
|
وسلْ "غَابَا" لحكم الجِنِّ أضحى | يَقِينًا، كلّ ضُرٍّ قد يَقِينا
|
وسلْ ذَاك "الحَمَامَ" لَدَى حِمَام | تُذَبِّحه بِلا اسْمٍ عَامِدِينا
|
وسلْ "سِدْرَا" به خِرقٌ أُنيطت، | وغيرا، حيث نَفْزع نَاذِرِينا
|
وسلْ بِدعًا نبدع ناكِريها، | ونَحمل في إقامتها الدّيُونا |
ولائمنا، ولائمنا عليها | نُنَفِّذها، وندعوه المَهينا |
نُعَظّم من تَكَهَّن دُون نكر، | ونحقر من يُعرّفنا اليَقينا |
ونفْزع للخطوط لِعِلْم غيْبٍ | فهلْ جِئنا لعلمٍ فَازعينا؟ |
ونطْلب بالعَزَائم كَنْز أرضٍ | ونُبطِل نُصْرة للكَاذِبينا |
ويأخذ مالنّا منْ بالأناثي | يزيّن حَانه، والمُطَرِبينا |
نرى الأبناءَ بالإهْمال صَرْعَى | فيَمْنعنا التّخَاذل أن نُعِينا |
تَفَاخَرْنا بكِبر واحتِقَار، | وقذْفٍ، واعْتبار الخَائِنينا |
ألا يا قومُ، ما الإسلامُ هذا، | ودين الله ربّ العالمينا؟! |
أتى الإسلام يأمرنا بعلم، | وسير في النّافع ما حَيينا |
وجمْع بين دُنيانا وأُخرى | تَدَبر قول خَير المُرْسلينا |
ورِفقٍ، واقتصادٍ، واجتهادٍ، | وإحسانٍ لكلِّ مُجاورينا |
وصدقِ القولِ معْ تحرير نفسٍ | من الأوْهامِ ضِدَّ المُفْسِدينا
|
وجدٍّ في التّعاون للمعالي | بما يَشفي الضّعاف العَاجِزينا |
وتزيين العُقولِ بِمَا يرينا | عِظَامًا في عُيون الزّائرينا |
ويأمرنا.. ويأمرنا... ولكن | عصِينا البينَات مُعَانِدينا |
ولَوْ أنَّا تدَبرناه حقًّا | لكُنَّا بالمَحاسن آخذِينا
|
ولوْ أنَّا تتَبَّعناه أَمْرًا، | ونَهيًا لم تعْدْ فِينا اللَّعينا |
ولَوْ أنَّا استفدنا مَا فَسَدْنا | فسادًا سَرَّ جمع الشّامتينا |
ولو أنَّا سعينا، ما سَعينا | لفقرٍ في قفار الجهْلِ هُونا |
أَلا يا عينُ ما يُجْدي بُكَاء، | ولو كُنَّا "لِخَنْسَا" مُشْبِهينَا |
وما بِنَدَامة "الكُسْعيّ" يأتي | شِفَاء يُبرئ الدّاءَ الدّفِينا |
ولكنْ باتِّفَاق، واقْتِفاء، | وبذلِ المال مثل البَاذِلينا |
لنصر العِلم فالجُهَّال موْتى | تَعَالَوْا للحياة مُبَادرينا |
تَعَالَوْا للسَّعاداتِ اطْلُبُوها | بِعِلْمٍ، واتَّقُوا الله المَتينا |
تعالَوْا واصْرِفُوا الأمْوال فِيما | يرقِّيكم، فقد ضعْتُم سِنينا |
تعالَوْا واسْتَفِيدوا من سِوَاكم | وسِيروا لِلمعارف رَاغِبينا
|
الأوسمة التي نالها
نال ابن الموهوب عدة أوسمة نظير خدماته في الجزائر وتونس والمغرب. وفيما يأتي تفصيل الأوسمة والنياشين التي مُنحت له[26]:
- وسام جوقة الشرف، درجة فارس (فرنسا، 21 كانون الثاني/ يناير 1911).
- نيشان الافتخار، درجة قائد (تونس، 1915).
- وسام جوقة الشرف، درجة ضابط (فرنسا، 6 كانون الثاني/ يناير 1922).
- النيشان العلوي، درجة قائد (المغرب، 1925).
- نيشان الافتخار، درجة قائد كبير (تونس، 1926).
- النيشان العلوي، درجة قائد كبير (المغرب، 1929).
- وسام جوقة الشرف، درجة قائد (فرنسا، 13 آب/ أغسطس 1930).
وفاته
توفي بن الموهوب في 21 نيسان/ أبريل 1939 بقسنطينة، ودفن فيها.
المراجع
العربية
جلاط، مريم. "المولود بن الموهوب 1866-1939 وجهوده التربوية".
مجلة الحكمة للدراسات التربوية والنفسية. مج 10، العدد 4 (2022).
سعد الله، أبو القاسم.
أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر. الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1986.
________.
تاريخ الجزائر الثقافي، 1830-1954. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1998.
مامي، إسماعيل. "ترجمة مفتي قسنطينة".
النجاح. العدد 317. 14/7/1926.
________. "ترجمة مفتي قسنطينة".
النجاح. العدد 318. 16/7/1926.
________. "باريس: حول الاحتفال بالجامع".
النجاح. العدد 319. 18/7/1926.
________. "باريس: حول الاحتفال بالجامع".
النجاح. العدد 323. 28/7/1926.
________. "مفتي قسنطينة يقتل البدع ومقادم الطرق يعضدونه".
النجاح. العدد 356. 17/10/1926.
الموسوعة الجزائرية. مج 1. الجزائر: المجلس الأعلى للغة العربية، 2019.
نويهض، عادل.
معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر. ط 2. بيروت: مؤسسة نويهض الثقافية، 1980.
الأجنبية
Archives d’Outre-mer, Aix-En-Provence. 14H46.
Archives Nationales. Base de données Léonore. “Renseignements produits à l’appui du projet de décret tendant à nommer Benmouhoub Muphti Commandeur de la légion d’honneur.” Préfecture de Constantine (25 avril 1930). at:
https://acr.ps/1L9BPpa
Benhabilès, Chérif.
L’Algérie française vue par un indigène. Alger: Impr. orientale Fontana frères, 1914.
Gouvion, Marthe & Edmond Gouvion.
Kitab Aayane El-Marhariba. Alger: Impr. de Fontana frères, 1920.
Le président de la Commission Consultative du Culte musulman, Gourliau, A Monsieur le Préfet du Département de Constantine.”
Archives d’Outre-mer, Aix-En-Provence. B3/227. 13/5/1908.
Merdaci, Abdellali.
Auteurs algériens de langues française de la période coloniale 1833-1962. Alger: Ed. Chihab, 2010.
“Rapport du Commissaire central de la ville de Constantine.”
Archives d’Outre-mer, Aix-En-Provence. 9H4.
“Recommandation des Muftis des deux rites, malékite et hanéfite, aux Musulmans.”
Revue du monde Musulman. vol. 29 (1914). pp. 173-180.
[1] عادل نويهض،
معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر، ط 2 (بيروت: مؤسسة نويهض الثقافية، 1980)، ص 324.
[2] مولود عويمر، "الشيخ المولود بن الموهوب من خلال ’التقويم الجزائري‘"،
جريدة البصائر، 14/8/2024، شوهد في 7/11/2025، في:
https://acr.ps/1L9BP6R
[3] Marthe Gouvion & Edmond Gouvion,
Kitab Aayane El-Marhariba (Alger: Impr. de Fontana frères, 1920), p. 110.
[4] Ibid., p 111.
[5] نويهض.
[6] يُنظر الفصل ذي العنوان: “Benelmouhoub Mohamed El Mouloud,”، في:
Abdellali Merdaci,
Auteurs algériens de langues française de la période coloniale 1833-1962 (Alger: Ed. Chihab, 2010), p. 70.
[7] عويمر.
[8] رابح دوب، "المولود بن الموهوب"، في:
الموسوعة الجزائرية، مج 1 (الجزائر: المجلس الأعلى للغة العربية، 2019)، ص 357.
[9] Gouvion & Gouvion, p. 112.
[10] يُنظر نص الخطبة، في: أبو القاسم سعد الله،
أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، ج 2 (الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1986)، ص 193-198.
[11] “Le président de la Commission Consultative du Culte musulman, Gourliau, A Monsieur le Préfet du Département de Constantine,”
Archives d’Outre-mer, Aix-En-Provence, B3/227, 13/5/1908.
[12]Archives d’Outre-mer, Aix-En-Provence, 14H46.
ويُنظر: إسماعيل مامي، "ترجمة مفتي قسنطينة"،
النجاح، العدد 317، 14/7/1926؛ إسماعيل مامي، "ترجمة مفتي قسنطينة"،
النجاح، العدد 318، 16/7/1926؛ إسماعيل مامي، "باريس: حول الاحتفال بالجامع"،
النجاح، العدد 319، 18/7/1926؛ إسماعيل مامي، "باريس: حول الاحتفال بالجامع"،
النجاح، العدد 323، 28/7/1926.
[13] مامي، "باريس: حول الاحتفال بالجامع".
[14] “Rapport du Commissaire central de la ville de Constantine,”
Archives d’Outre-mer, Aix-En-Provence, 9H4.
[15] يُنظر: أبو القاسم سعد الله،
تاريخ الجزائر الثقافي، 1830-1954، ج 4 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1998)، ص 325-342.
[16] Chérif Benhabilès, L’Algérie française vue par un indigène (Alger: Impr. orientale Fontana frères, 1914), p. 145.
[17] دوب، ص 357.
[18] Benhabilès, p. 85.
[19] إسماعيل مامي، "مفتي قسنطينة يقتل البدع ومقادم الطرق يعضدونه"، النجاح، العدد 356، 17/10/1926.
[20] “Recommandation des Muftis des deux rites, malékite et hanéfite, aux Musulmans,”
Revue du monde Musulman, vol. 29 (1914), pp. 173-180.
[21] Archives Nationales: Base de données Léonore, “Renseignements produits à l’appui du projet de décret tendant à nommer Benmouhoub Muphti Commandeur de la légion d’honneur,” Préfecture de Constantine (25 avril 1930), p. 2. at:
https://acr.ps/1L9BPpa
[22] مريم جلاط، "المولود بن الموهوب 1866-1939 وجهوده التربوية"، مجلة الحكمة للدراسات التربوية والنفسية، مج 10، العدد 4 (2022)، ص 4.
[23] دوب، ص 357-358.
[24] جلاط، مرجع سابق.
[25] دوب، ص 358-359
[26] “Renseignements produits à l’appui du projet de décret tendant à nommer Benmouhoub Muphti Commandeur de la légion d’honneur”.