مريانا فتح الله مرَّاش (1848-1919)، كاتبة وشاعرة سورية من مدينة حلب، وأول فتاة عربية مشرقية تكتب في الصحافة (نُشرت مقالتها الأولى في تموز/ يوليو 1870)، وصاحبة الدعوة الأولى لانتزاع المرأة العربية حريتها، فكانت بذلك من أوائل النسويات العربيات. أطلقت نقاشًا عامًا حول حقوق المرأة ودورها في المجتمع، استمر في المشرق العربي، خاصة في سوريا العثمانية ومصر، سنوات لاحقة.
وللوقوف على أصالة مساهمات مريانا مرَّاش ورياديتها، لا بد من موضعة تلك المساهمات في سياقها التاريخي، ومقارنتها مع ما كان يدور في الغرب الأوروبي والأميركي من جدل حول هذه المفاهيم التي تطلبت وقتًا طويلًا حتى تبلورت في أُطر واتجاهات نسوية، ما بين أنثوية مثالية ونسوية ليبرالية.
نشأتها وتعليمها
ولدت مريانا مرَّاش في مدينة حلب، شمال سورية الحالية، لأب تاجر صاحب ثروة طائلة، ومثقف جمع خلال حياته مكتبة كبيرة، تحوي نفائس كتب اللغة والأدب العربيين. ساهمت قراءاتها في تفتيح ذهنها على الأدب العربي، وتعمّقت معرفتها به من خلال شقيقها الأديب والشاعر المعروف فرنسيس مرّاش (1836- 1874). بدأت مريانا دراستها في الخامسة من عمرها، في مدرسة مارونية في حلب، ثم تابعت تعليمها مع راهبات القديس يوسف في حلب أيضًا، قبل أن تنتقل إلى المدرسة البريطانية السورية للبنات في بيروت، لتحصل على شهادة تخوّلها التعليم في المدارس الابتدائية والثانوية. وكان برنامج تلك المدرسة يتضمن اللغتين الإنكليزية والفرنسية، إضافة إلى الرياضيات والعلوم الطبيعية والموسيقى. وحين عادت إلى حلب تهافت الشبّان على طلب يدها، فاقترنت بحبيب غضبان، وأنجبت منه ولدًا وابنتين[1].
شامة الجنان
احتفت مجلة
الجنان البيروتية بمقالة وصلتها من مريانا مرَّاش عنونتها بـ "شامة الجنان"، نظرًا إلى فرادتها، بوصفها أول مقالة رأي تخطّها امرأة عربية، وكذلك لموضوعها السجالي حول المساواة بين الجنسين الذي لم يُطرق من قبل في صحافة تلك الأيام[2]. وهذا ما عبّر عنه فيليب دي طرازي حين وصفها بـ "الكاتبة الأولى التي نشرت أفكارها في الصحف العربية"[3].
كان مدخل مريانا مرَّاش إلى طرح فكرتها المحورية حول الدعوة إلى نهضة المرأة العربية بيتيّن للشاعر أبي الطيب المتنبي، يصف فيهما المرأة بالخوف والبخل[4]. ناقشت مريانا البيتين اللذين يَعُدّان الجبن والبخل من صفات النساء المستحبة، وهما في الوقت نفسه من صفات الرجال المستقبحة، مُرجعة هذه الصفات إلى قيم المجتمع العربي القديمة، حين كانت النساء "محجوبات في خدورهن، أو يشتغلن فيما لا يعوّدهن على الشجاعة والكرم"، على عكس الرجال الذين كان دأبهم "الغزو والضرب والنهب وأخذ الثأر". ودعت إلى إعادة النظر في المصطلحات التي لم تعد تناسب العصر، مستشهدة بنساء أوروبا اللواتي "أخذن في درس العلوم والصنائع كالرجال، وعُدن يصلحن للأعمال العقلية والتجارية التي تطلب الحرص وترفض البخل". وعَزَتْ حصول الأوربيات على "المراتب المذكورة"، وفق تعبيرها، إلى مساعدة الظروف هناك وشيوع التمدّن.
كما حثَّت مرَّاش نساء بلادها على الاقتداء بالأوروبيات في هذا الجانب، أي دراسة العلوم والصنائع مثل الرجال، وأن يبدين الاستعداد لتغيّر الظروف، "حتى إذا ما اضطرنا الحال، وساعدتنا الظروف نكون أكفاء، أن نقوم بذواتنا" - بحسب تعبيرها - وبينما نبّهت نساء قومها إلى عدم تقليد الأوروبيات بالتجمّل الصناعي والتمويه "الذي تستعمله بعض الجاهلات من النساء"، اللاهثات "وراء الزخارف والزينات"، مشددة على تحصيل المعارف والآداب، وألّا يُصْغين إلى كلام المغرضين المشكّكين بقدرات النساء[5].
شرارة الجدل العام
أطلقت مقالة مريانا مرَّاش الجدل العام حول حقوق المرأة في سوريا العثمانية ومصر، إذ لم تكن مجرد مقالة رأي عابرة، بل تجاوزت ذلك إلى ما يمكن تسميته برنامجًا مرحليًا من نقاط عدة للفكرة النسوية في نشأتها الأولى؛ أول هذه النقاط: دراسة العلوم والصنائع مثل الرجال، وهو إجراء يتضمن بشكل لا لبس فيه مقولة المساواة بين الذكور والأناث، وثانيها: انتظار الظروف المناسبة للاستفادة من هذه الدراسة، وثالثها: التعبير عن هذه الأفكار بشكل عملي، حتى إن اضطرت النساء إلى انتزاع حقوقهن بالقوة.
تلقّف عدد من النساء المتحمسات دعوة مرَّاش، فكتبت السيدة وستين مسرة في مجلة
الجنان أيضًا مقالة بعنوان "التربية"، أيّدت فيها دعوة مرَّاش لطرد "الخوف والوجل"، داعية بنات جنسها أن يرمَحْنَ "في ميادين الأدب بالقول والعمل"، متسائلةً: "فما لنا لا نخلع عنّا أثواب التواني والكسل، ونلبس أثواب النشاط، ونُقدم على العمل، ونحن من بنات القرن التاسع عشر الذي فاق بالتمدّن كل قرون البشر! كيف لا نبيّن للرجال لزوم دخول النساء إلى جنات العلوم الأدبية؟"[6].
ولم تلبث دعوة مرَّاش أن وصلت إلى مصر، فتبنّتها السيدة فريدة شكور، المعلمة في مدرسة البنات الأمريكية في القاهرة، ثم مديرتها، إذ كتبت في مجلة
الجنان أيضًا مقالة بعنوان "في النساء"، أعادت فيها صوغ أفكار مريانا مرَّاش، لتعالج موضوعها عن تربية البنات من أجل إعداد الأسرة المتمدنة مستقبلًا[7]. وبعد عام، نشرت شكور، في
الجنان أيضًا، مقالتها الثانية بعنوان "التقدّم الحقيقي"، تحدّثت فيها عن تعليم البنات، بمناسبة افتتاح مدرسة السيوفية للبنات في القاهرة[8].
تتابعت مقالات مرَّاش وغيرها في مجلة
الجنان طوال عقد السبعينيات من القرن التاسع عشر، وجميعها كانت تكرر الدعوات السابقة ذاتها إلى تعليم البنات، وضرورة تحلي النساء بالشجاعة الأدبية، والإسهام بالقول والعمل في مجالَي الآداب والمعارف، والمشاركة في الكتابة في الصحافة، واتخاذ أفضل الأساليب في تربية الأبناء[9].
صالون أدبي
لم تتوقف مريانا مرَّاش عند الدعوة إلى تحرير المرأة وتعليمها؛ بل كتبت مقالات نقدية أدبية، وأصدرت مجموعة شعرية بعنوان
بنت فكر[10]، وكتابًا عن تاريخ سوريا في أواخر العهد العثماني، بعنوان
تاريخ سوريا الحديث، لم تُتح له فرصة الظهور، وبقي مخطوطًا عند عائلتها. لكن مأثرتها الكبرى التي تُذكر لها أنها أسست في منزلها أول صالون أدبي في الشرق العربي والعثماني، ضم مثقفين حلبيين شهيرين من كلا الجنسين، وسياسيين وأعضاء في السلك الدبلوماسي الأجنبي[11]، كانت تقدّم فيه، إضافة إلى المطارحات الفكرية والمناظرات الشعرية، جلسات الغناء والعزف على آلتَي القانون والبيانو[12].
وقد حظي صالون مريانا مرَّاش الأدبي بعناية عدد من الأكاديميين أمثال جوزيف. ت زيدان[13] (Joseph T. Zeidan) من جامعة أوهايو الأميركية، وهيغنار زيتليان واتنبو (Heghnar Zeitlian Watenpaugh) من جامعة كاليفورنيا دافيس[14]، اللذين ناقشا باستفاضة طبيعة المنتدى وهُويته، وتوصلا إلى استنتاجات حول أصالة هذه التجربة، وعدم اقتباسها من أنموذج أوروبي زعم البعض أنها تأثرت به بعد زيارتها لفرنسا[15].
شكّلت مقالة مريانا مراش، والجدل الذي دار حولها، الموجة الأولى من الفكر النسوي في العالم العربي، ومع أنها مقالة مفردة لم تُتبعها بمقالات أخرى تدعم دعوتها تلك أو تعمّقها، إلا أنها عبّرت بسلوكها اليومي عن أفكارها، خصوصًا حين افتتحت صالونها الأدبي في حلب، الذي كانت تدور فيه مطارحات فكرية، لا شك أن من بينها موضوع حرية المرأة. كما يمكن القول إن الجدل الذي أثارته مقالة مرَّاش هو الذي مهّد للموجة الثانية من الفكر النسوي العربي التي بدأت في عهد الوالي مدحت باشا، بعد عقد من الزمان، وعبّرت عن نفسها بتأسيس أول جمعية نسائية في العالم العربي هي جمعية باكورة سورية[16].
المراجع
العربية
الأنصاري، إبراهيم بن علي بن تميم.
زهر الآداب وثمر الألباب. ج 2. ط 4. بيروت: دار الجيل، [د. ت.].
الحمصي، قسطاكي.
أدباء حلب ذوو الأثر في القرن التاسع عشر. حلب: المطبعة المارونية، 1925.
خلف، تيسير.
الحركة النسائية المبكرة في سوريا العثمانية: تجربة هنا كسباني كوراني (1893-1896). بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.
شعراوي، أنطوان. "آل المراش والصالونات الأدبية في حلب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر".
الضاد. السنة 65، العدد 9 (أيلول/ سبتمبر 1995). ص 23-65.
شكور، فريدة. "التقدم الحقيقي".
الجنان. السنة السادسة، ج 11 (1 حزيران/ يونيو 1875). ص 274-276.
________. "في النساء".الجنان. السنة الخامسة، ج 8 (15 نيسان/ أبريل 1874). ص 271-272
طرازي، فيليب دي.
تاريخ الصحافة العربية. ج 2. بيروت: المطبعة الأدبية، 1913.
مرَّاش، مريانا. "شامة الجنان"،
الجنان. السنة الأولى، ج 15 (15 تموز/ يوليو 1870). ص 467-468.
________.
بنت فكر. بيروت: المطبعة الأدبية، 1893.
مسرة، وستين. "التربية".
الجنان. السنة الثانية، ج 2 (15 كانون الأول/ ديسمبر 1871). ص 54-56.
الأجنبية
Watenpaugh, Heghnar Zeitlian. “The Harem as Biography: Domestic Architecture, Gender and Nostalgia in Modern Syria.” in: Marilyn Booth,
Harem Histories: Envisioning Places and Living Spaces. Duke: Duke University Press, 2010.
Zeidan, Joseph T. Arab Women Novelists: the Formative Years and Beyond. New York: State University of New York Press, 1995.
[1] فيليب دي طرازي،
تاريخ الصحافة العربية، ج 2 (بيروت: المطبعة الأدبية، 1913)، ص 241-245.
[2] كان الشاعر قسطاكي الحمصي من رواد منتداها، وقد وصفها بقوله: "كانت مريانا مرَّاش رقيقة الشمائل، عذبة المنطق، طيبة العشرة، تميل إلى المزاح، وقد تمكّن منها داءُ العُصاب في آخر سني حياتها، حتى كانت تتمنى الموت كل ساعة". يُنظر: قسطاكي الحمصي،
أدباء حلب ذوو الأثر في القرن التاسع عشر (حلب: المطبعة المارونية، 1925)، ص 42-44.
[3] يُنظر:
الجنان، السنة الأولى، ج 15 (تموز/ يوليو، 1870)، ص 467.
[4] طرازي،
تاريخ الصحافة، ص 241.
[5] ركّزت مرَّاش على بيت المتنبي "سَلامٌ فَلَولا الخَوفُ وَالبُخلُ عِندَهُ، لَقُلتُ أَبـو حَفصٍ عَلَينا المُسَلِّمُ". يُنظر: إبراهيم بن علي بن تميم الأنصاري،
زهر الآداب وثمر الألباب، ج 4، ط 4 (بيروت: دار الجيل،[ د. ت.])، ص 404.
[6] مريانا مرَّاش، "شامة الجنان"،
الجنان، السنة الأولى، ج 15 (15 تموز/ يوليو 1870)، ص 467.
[7] وستين مسرة، "التربية"،
الجنان، السنة الثانية، ج 2 (15 كانون الأول/ ديسمبر 1871)، ص 54-56.
[8] فريدة شكور، "في النساء"،الجنان، السنة الخامسة، ج 8 (15 نيسان/ أبريل 1874)، ص 271-272.
[9] فريدة شكور، "التقدم الحقيقي"،
الجنان، السنة السادسة، ج 11 (1 حزيران/ يونيو 1875)، ص 374-376.
[10] في هذه المرحلة، ظهر نوع من التمايز بين آراء الداعيات إلى تعليم النساء؛ بين الخروج على سوق العمل كتفًا إلى كتف مع الرجال، وهذا جوهر دعوة مرَّاش، أو تخصيص تعليم البنات للاستفادة في تربية الأولاد عند الزواج، وهو رأي فريدة شكور. وهذا النقاش تبلور في العقود اللاحقة، وأنتج اتجاهين في النسوية العربية: اتجاه أنثوي مثالي، وآخر نسوي ليبرالي.
[11] مريانا مرَّاش الحلبية،
بنت فكر (بيروت: المطبعة الأدبية، 1893).
[12] من الأسماء التي شاركت في هذا الصالون: جبريل الدلال، وكامل الغزي، ورزق الله حسّون، وقسطاكي الحمصي، وعبد الرحمن الكواكبي، وفيكتور خيّاط، وأنطوان السقّال، وميخائيل السقّال، وعبد السلام الترمانيني. يُنظر: أنطوان شعراوي، "آل المرَّاش والصالونات الأدبية في حلب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر"،
الضاد، السنة 65، العدد 9 (أيلول/ سبتمبر 1995)، ص 23-65.
[13] Joseph T. Zeidan,
Arab Women Novelists: the Formative Years and Beyond (New York: State University of New York Press, 1995).
[14] Heghnar Zeitlian Watenpaugh, "The Harem as Biography: Domestic Architecture, Gender and Nostalgia in Modern Syria,” in: Marilyn Booth, Harem Histories: Envisioning Places and Living Spaces (Duke: Duke University Press, 2010), pp. 211-236.
[15] هذه الردود كانت تقصد ما ورد في مقالة للشاعر الحلبي أنطون شعراوي، في العدد السنوي الممتاز لمجلة
الضاد الحلبية، عام 1995 بعنوان: "آل المراش والصالونات الأدبية في حلب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر"، ذكر فيه معلومات مغلوطة حول شرب العرق في هذا المنتدى، واقتباس فكرة الصالون الأدبي من صالونات أوروربية. علمًا أن شعراوي كان في الثالثة من عمره حين توفيت مريانا مرَّاش.
[16] تيسير خلف،
الحركة النسائية المبكرة في سوريا العثمانية: تجربة هنا كسباني كوراني (1893-1896) (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 18-25.