تسجيل الدخول

التناصّ

​​​​

الموجز

​التناصُّ (أو التداخل النصي، أو التفاعل النصي، أو تداخل النصوص، Intertextuality​) هو مصطلحٌ نقدي يشير إل العلاقات والتقاطعات التي تنشأ بين النصوص، سواء على مستوى البنية أو الدلالة أو المرجعية الثقافية. صاغت المصطلح​ جوليا كريستيڤا {{جوليا كريستيڤا: ناقدة أدبية وفيلسوفة من مواليد بلغاريا. كان لكتاباتها حول السيمائيات والتناص والشعرية أثر في المدارس النقدية في النصف الثاني من القرن العشرين، وخصوصا مدرسة ما بعد البنيوية. ألفت أكثر من 30 كتابًا، ومنحت عدة جوائز تقديرية لأثرها الفكري الكبير.}} (Julia Kristeva، 1941-) في مقال لها عام 1966، وذلك في سياق تعريفها لمفهومَي الحوارية وتعدّد الأصوات عند ميخائيل باختين (Mikhail Bakhtin، 1895-1975). 

وسّعت كريستيفا مفهوم التناصَّ ليكون مظلّةً أكبر تشمل الحوارية وغيرها من أشكال العلاقات النصية. ومع شيوع المفهوم وتطوّره تكوّنت حوله شبكة مصطلحات تخصّ إجراءاته، وأنواعه، ومراحله، ومقارباته المتنوعة. ومنذ ستينيات القرن الماضي، شغلَ المصطلحُ حيزًا واسعًا في نقد ما بعد البنيوية، واللسانيات النصية، وتحليل الخطاب، والسيميائية {{السيميائية: ويُعرف بعلم السيمولوجيا، وهو علم دراسة العلامات اللغوية وغير اللغوية وتحليلها، من رموز وإشارات وألوان وايماءات وحركات بصرية وجسدية، ودراسة معانيها في سياقات اجتماعية وثقافية معينة. وتعنى بمختلف المجالات الإنسانية، مثل اللسانيات، والسينما، والإعلام، ووسائل التواصل، والفنون، والأنثروبولوجيا وغيرها، ما يساعد في التواصل البشري وتبادل المعرفة.}}، وقد أسهمت هذه المجالات أيضًا في إرساء المفهوم وتثبيته في الدراسات النقدية اللغوية والأدبية. 


كان للعرب إسهام أيضًا في دراسة هذه الظاهرة. فدرسوا العلاقات النصية، وصنَّفوا أنواعها، وأحاطوا بأبعادها وخصائصها قبل ألف عام تقريبًا. وقدَّم العرب المحدثون إسهامات مهمة؛ سواء في تطوير منهجيات تحليلها، أو تطبيقاتها، أو ربط الإسهامات الحديثة بالمنجز العربي القديم.


التعريف

يشير مفهوم التناص إلى أنّ تشكّل وفهم أي نصّ لا يحدث إلا ضمن الشبكة الواسعة من الخطابات والنصوص التي تتشكّل منها الثقافة. فلا يوجد نصّ قائم بذاته، بل تكتسب جميع النصوص وجودها ومعناها من خلال علاقتها بحقل واسع من النصوص والدلالات السابقة. أمّا عند جوليا كريستيڤا، فالتناصّ يعني "تقاطعَ العديد من المنطوقات المأخوذة من نصوص أخرى مع بعضها البعض في ساحة أي نص، وتحييد بعضها بعضًا"[1]. وهي تعرِّف النص نفسه بأنه امتصاصٌ وتحويلٌ وإثباتٌ ونفيٌ لنصوص أخرى[2]، كما أن مفهومي التناصّ والنصّ عند كريستيڤا يختزلان فكرة باختين بأن موضوع أي كلام "قد تمَّ التعبير عنه من قبل، ولا يمكن بأي حال أن نتجنب اللقاء مع الخطابات السابقة التي قيلت في الموضوع نفسه"[3]. ف​بحسب باختين، فإن كلّ تلفّظٍ يتأثر في تشكله بالتلفّظات السابقة له. ومن ثمَّ، فإن المؤلف لا يبتكر نصوصًا جديدة كليا، بل يتأثر بنصوص سابقة، ويصنع علاقات جديدة بينها في سياقات جديدة. ومن البدهي أنّ التناص، وفق هذا المفهوم، لا يعني الانتحال أو سرقة النصوص التي تعني نقل قول أو كلام ونسبته إلى غير مؤلِّفه بقصد نفي صلته بمؤلفه الأصلي.

قد يحدث التناص عن طريق تضمين قول سابق في نص لاحق، ومثال على ذلك: تناص بشار بن برد {{بشار بن برد: (96هـ/ 1168هـ) نشأ في البصرة، وشهد نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباسي. كان كفيفًا، ومن فحول الشعراء العرب المولدين. تعددت أغراض شعره فكتب في الغزل والمدح والرثاء والهجاء، وامتاز شعره بصدق العاطفة وجزالة الأسلوب. توفي بعد ضربه بالسياط، ودفن في بغداد.}} مع بيت لجرير {{جرير: (33هـ/ 110هـ) شاعر عربي من قبيلة تميم من نجد. يعدّ من أهم الشعراء في عصره إلى جانب الأخطل والفرزدق. له أشعار كثيرة في مدح سلاطين بني أمية وقادتهم، ومقارعة من تعرضوا له من الشعراء. توفي في نجد.}}، نقله بمتنه، وأدرجه ضمن قصيدته التي تُعرف بـ"ذات دَلٌٍ" بوصفه صوت مغنية جميلة[4]:

​​​​وَذاتُ ​دَلٍّ كَأَنَّ البَدرَ صورَتُها

باتَت تُغَنّي عَميدَ القَلبِ سَكرانا
"إِنَّ العُيونَ الَّتي في طَرفِها حَوَرٌ​
قَتَلنَنا ثُمَّ لَم يُحيينَ قَتلانا"[5]

ومن التناص محاكاة شكل نص سابق، كما نرى في محاكاة أمل دنقل {{شاعر مصري ذو نزعة عروبية، وُلد في صعيد مصر. اشتهر بلقب "الجنوبي"، نسبة إلى جنوب/صعيد مصر، وإلى منثورته بالعنوان ذاته. من أشهر قصائده "لا تصالح" التي كتبها رفضًا لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل.}} (1940-1983) ​لآيات من إنجيل متى، ومن القرآن في قصيدته "صلاة":


أبانا الذي في المباحث، نحن رعاياك

باقٍ لك الجبروتُ

وباقٍ لنا السكوتُ

وباقٍ لمن تحرسُ الرهبوتُ

تَفَرَّدتَ وحدَكَ باليُسرِ. إنَّ اليَمينَ لفي الخُسرِ

أما اليسارُ ففي العُسرِ.. إلا الذين يُماشون[6]

فعبارة "أبانا الذي في المباحث" تتناص مع مفتتح الصلاة الإنجيلية "أبانا الذي في السماوات" (مَتَّى، الإصحاح 9: 6-13)، أما عبارة "إن اليمين لفي خسر"، فتتناص مع الآية القرآنية {إن الإنسان لفي خسر} (العصر: 2). وقد يتحقق التناص باستدعاء مفردات محملة بتاريخ دلالي معين، مثل مفردات اليسر والعسر في الأبيات السابقة التي تَحمل دلالة دينية في الذاكرة الخطابية للمسلمين، بسبب تكرار ورودهما ومشتقاتهما في القرآن (اليسر 40 مرة، والعسر اثنتا عشرة مرة)[7].

قد يستدعي التناص أحيانًا شبكة كاملة من النصوص السابقة، فكلمة الأكاذيب في مفتتح رواية ثرثرة فوق النيل لنجيب محفوظ {{​​روائي مصري شهير، من أبرز أعماله ثلاثية الحرافيش ورواية أولاد حارتنا، فقد دارت معظم أحداث رواياته في حارات مصر القديمة، التي كانت ترمز لديه إلى الحياة عمومًا. حصل على جائزة نوبل في​ الأدب عام 1988.}} (1911-2006): "إبريل شهر الغبار والأكاذيب"[8]، تستدعي شبكة من النصوص المرتبطة بكذبة إبريل، وهي ممارسة خطابية شائعة في العصر الحديث. أما عبارات مثل "قذيفة مدفعية"، "هجمة ارتدادية خاطفة"، "هزيمة ساحقة" التي يستعملها المذيعون في وصف أحداث مباراة كرة قدم فتتناص مع خطاب الحروب العسكرية.

وفق تصور باختين للعلاقات النصية، فإن التناص ظاهرة طبيعية؛ إذ لا يمكن بناء نصّ ما دون أن يدخل في علاقة معينة مع النصوص التي سبقته، ولا يمكن قراءته أو تأويله دون استدعاء نصوص أخرى. ويتأكد هذا بالنظر إلى أن التناصّ يتحقّق حتى في مستوى المفردة الواحدة. والسمة الثانية من سمات التناصّ هي أنه فعل نفعي، يهدف -بوعي أو دون وعي- إلى نقل إدراك معين أو إنجاز هدف تواصلي محدّد، ما يعني أن دراسته -أي التناصّ- تُعنى بفحص دوره في إنتاج النصوص وبنائها، قدر عنايتها بدوره في فهم النصوص وتحليلها وتأويلها والاستجابة لها.

تطور المفهوم

تاريخه

على خلاف حداثة عُمْر مصطلح التناصّ، فإن المفهوم الذي يشير إليه، أي العلاقات بين النصوص، حظي باهتمام بحثي موغل في الزمن؛ فقد كانت مباحث التأثير والتأثر، والمحاكاة، والاقتباس {{الاقتباس: وسيلة بحثية يسعى بها الكاتب إلى دعم رأيه من خلال الاستشهاد، ونقل آراء ونصوص من باحثين آخرين بصورة مباشرة أو بإعادة صياغة ما قد قيل وكتب. وجاء المصطلح ليفرق بين النقل الموثق والسرقة الأدبية.}}، والتضمين، والسرقات الأدبية {{السرقة الأدبية: نسبة ما قيل من كتاب آخرين للنفس، والتعدي على ملكية الآخرين الفكرية دون توثيق. يتردد كثيرًا في مجال الأبحاث العلمية تحت مصطلحات مثل الانتحال والسرقة والنقل دون توثيق. وهي إما صراحة أو ضمنية، مباشرة وغير مباشرة، ولا تشمل الأفكار المكتوبة فقط، بل سرقة الأفكار المنطوقة أيضًا دون ذكر مصدرها.}}، رائجة في النقدين اليوناني والعربي القديمين، وتشير إلى حقيقة التأثرية بين النصوص. وقد تشعّب البحث في العلاقات النصية في التراث النقدي العربي، على نحو يظهر بوضوح في التقسيمات والتفريعات العديدة التي وضعها النقاد والبلاغيون العرب لتأثّر المبدعين بنظرائهم السابقين، ومثال على ذلك محمد بن الحسن المظفر البغدادي (ت. 388هـ/ 998م)، المعروف بالحاتمي، الذي عقد في كتابه حِلية المحاضرة في صناعة الشعر فصلًا عن العلاقات النصية في الشعر العربي، مميزًا بين الانتحال، والاستلحاق، والإغارة، والمواردة، والمرافدة، والاجتلاب، والاهتدام، والاشتراك، والالتقاط، والتلفيق، وغيرها من العلاقات. ويصدِّرُ الحاتمي فصله بعبارة عن أحمد بن أبي طاهر الماروزي (ت. 280هـ/ 893م)، الملقّب بـ "ابن طيفور"، تكشف الوعي المبكّر الثاقب بظاهرةِ التناصّ، مع اختلاف المسميات، وهي: "كلام العرب ملتبس بعضه ببعض، وآخذ أواخره من أوائله". ويُعقّب الحاتمي على العبارة بقوله: "مَنْ ظن أنّ كلامه لا يلتبس بكلام غيره فقد كذب ظنُّه وفضحه امتحانُه"[9]. وقولة أبي طاهر توشك أن تتلاقى مع بيت كعب بن زهير {{كعب بن زهير: شاعرٌ مخضرم من نجد، وهو ابن الشاعر زهير بن أبي سُلمَى، أدرك عصر الجاهلية وعصر صدر الإسلام. كتب لاميته (قصيدة البردة) المشهورة ندمًا على هجاء النبي محمد. اختلف الباحثون في تاريخ وفاته الدقيق بين عامي 24 و26 للهجرة. تمحورت معظم أشعاره حول الهجاء والمدح والحماسة، وجمع شعره في ديوان يحمل اسمه.}} الشهير:

ما أرانا نقول إلا رَجيعًا                     ومُعادًا من قولنا مَكرورا

تكادُ عبارة ابن طيفور تُجملُ التصور ما بعد الحداثي للعلاقات بين النصوص التي يجسدها مصطلح التناص، وهو حَملُ كل نص آثارًا من نصٍ آخر، أو بعبارة باختين فإن "كل كلمة ملفوظة حاضرة تستجيب وترد بكل مكوّناتها على متكلّم خفي، وتشير إلى شيء خارج ذاتها، وراء حدودها الخاصّة، للكلمات غير المنطوقة لمتكلّم آخر"[10]. وقد أسهم تصور النقاد العرب القدماء لمعنى التناصّ في زيادة وعيهم بهذه الظاهرة، فاهتموا بعمليات التحويل والتغيير التي يجريها اللاحق على نصّ سابق، وأشكال حضور النصوص السابقة في النصوص الجديدة. وقد أشار صبري حافظ في دراسته المبكّرة في التناصّ إلى أهمية هذا الإسهام العربي وما يضيفه إلى دراسات التناصّ[11]، مقترحًا الإفادة من مفاهيم تطوّرت داخل علم البديع العربي، مثل الاقتباس والاكتفاء والاحتباك والتمثيل وائتلاف المعنى مع المعنى والتلميح والعنوان والتوليد والنوادر والإيداع (التضمين) والمعارضة والحذف والاستخدام والمواربة والتورية والإشارة والاستتباع والإدماج والتتبّع؛ فهي ظواهر تصف العلاقات داخل النصّ والعلاقات بين النصّ والنصوص الأخرى.

التعريفات والمفهومات المتنوعة

أسهم رولان بارت (Roland Barthes، 1915-1980) في إثراء مفهوم التناصّ بربطه بمفهوم "موت المؤلِّف"؛ فقد أشار إلى أن النُصوص تَتَناسل من نصوص أخرى، فالنصّ "فضاء متعدّد الأبعاد تمتزج وتتصادم فيه كتابات شتّى، لا شيء منها أصيل. والنص عبارة عن نسيج من الاقتباسات مستقاة من مراكز لا حصر لها في الثقافة] ...[ وقوّة الكاتب الوحيدة هي مزج الكتابات السابقة، ومواجهة بعضها ببعض"[12].

أثَّر مفهوم التناصّ في إدراك نقادّ ما بعد البنيوية لعملية الإبداع والكتابة، مثل ما أثّر في إدراكهم لعملية القراءة والتلقّي. فالتناصّ عند ميشيل ريفاتير (Michael Riffaterre، 1924-2006) يرتبط بفعل قراءة المتلقّين وتأويلهم. ويصرّح ريفاتير بأن التأويل الكامل لبعض النصوص لا يكتمل إلا بالوعي بتناصّها مع غيرها[13]. والتناصّ يحمل ثنائية في ذاته، فقد يشير إلى إنتاج النصوص ويشير أيضًا إلى قراءتها وتأويلها في الآن نفسه، والثنائية متداخلة. فما يجعل من التناصّ أداة من أدوات قراءة النصوص، هو كونه بالأساس أداةً لإنشائها وتكوينها، وإن هذه الثنائية المترابطة في دلالة مصطلح آخر مشتقّ من التناصّ هو المتناصّ (Intertext)؛ فهو يُستعمل للإشارة إلى النصّ الذي يشتمل على نصوص أخرى، وللإشارة إلى النصوص التي تستحضرها الذاكرة عند قراءة نصّ آخر، أو يستدعيها النصّ عند قراءته.

وتطوَّر مفهوم التناصّ في حقول معرفية متنوّعة؛ فقد اقترح جيرارد جينيت (Gérard Genette، 1930-2018) مفهومًا أوسع أطلق عليه النصوص العابرة (Transtextuality)، وعرَّفه بأنه "كل ما يجعل نصًّا يتعالق مع نصوص أخرى بشكل مباشر أو ضمني"[14]، وبحسب جينيت، توجد خمسة أنماط من النصوص العابرة، وهي:

 أ. التناصّ: ويشير إلى حضور نصّ في نصّ.

ب. المُناصّ (Paratext) أو النص الموازي: النصوص المصاحبة للنصّ مثل كلمة الناشر والهوامش والصور والمقدمات والتصديرات.

ت. الميتانص (Metatext): نص يعلق على نص آخر بالنقد ويربط نصًّا بآخر على نحو مستتر.

ث. النصّ اللاحق: علاقات الاقتباس والتحويل والمحاكاة التي تربط بين نصّ لاحق (Hypertext) ونص سابق (Hypotext).

ج. معمارية النصّ: التقاليد المؤسسة للنوع، الموجهة للكاتب والقارئ معًا[15].

وظائف دراسة التناصّ

تتنوع وظائف دراسة التناصّ بحسب زوايا النظر إليه، ومنها أن دراسة التناصّ تهتم، بوصفه أداةً لبناء النصوص، بالكيفية التي يُنتَج بها النصّ من رحم النصوص السابقة، وتقترح كريستيڤا أن النصّ الجديد يُجري عمليات تحويل وإثبات ونفي للنصوص السابقة، ويقترح لوران جيني (Laurent Jenny، 1949-) أن النصّ الجديد (المتناصّ) يتفاعل مع النصوص السابقة عبر ثلاث علاقات رئيسة، وهي: "أولًا: علاقة التحقّق (Realization): وتتمثّل في توظيف النصّ لمتناصّات مختلفة في طريقة بنائه وانتمائه إلى جنس معين. ثانيًا: علاقة التحويل (Transformation): وتأخذ ثلاثة مظاهر هي تحويل اللغوي إلى اللغوي، وتحويل غير اللغوي إلى اللغوي، وتحويل اللغوي إلى غير اللغوي. ثالثًا: علاقة الخرق (Transgression): وتبدأ في شكل محو ممنهج لمكوّنات الذاكرة الجاهزة وإعادة كتابتها من جديد"[16].


وفي المقابل اختزل جينيت هذه العلاقات في علاقتين، وهما: 1) المحاكاة؛ وتضمّ المعارضة، والمغالاة الهزلية؛ 2) التحويل وتضمّ المحاكاة الساخرة، والتحريف[17]. يمكن التمثيل لعلاقة التحقّق بخطب الجمعة في المساجد؛ فالخطباء عادة يستعملون أجزاء من خطب سابقة مثل الافتتاحية والخاتمة كي يبنوا خطبهم، ويؤكّدون انتماءها إلى نوع محدّد هو خطب الجمعة، أما علاقة تحويل اللغوي إلى لغوي فتمثّلها كتابات نظم المنثور ونثر المنظوم في التراث العربي، ففي هذه الكتابات تُعادُ صياغة قصيدة في شكل قصّة {{القصة: فن قديم من فنون الآداب العالمية. وهي مجموعة من الأحداث المترابطة تأتي في صيغة رواية تسرد شفاهية أو مكتوبة على شكل نثر. تختلف القصة عن الرواية في طولها، فهي أقصر من الرواية، وتعقيد حبكتها وعدد شخوصها، كما تحمل عبرة ورسالة في نهايتها مثل الرواية.}} أو خطبة، وصياغة رسالة {{الرسالة: فن أدبي نثري قديم. ازدهر في العصر العباسي، وهي نصوص نثرية موجزة توجه لشخص أو لعدة أشخاص، وتنوعت في غاياتها مثل الرسائل الديوانية ذات الطابع الرسمي، والرسائل الشخصية بين الأفراد، والرسائل الأدبية التي تعنى بالوجدان والأخلاق والتعليم. وتستخدم الرسائل في التعزية والتهنئة والاعتذار والشكوى وغيرها من الغايات.}} أو قصّة أو خطبة في شكل قصيدة. وتتجلى علاقة تحويل غير اللغوي إلى اللغوي في الأعمال التي تعيد صياغة لوحة تشكيلية أو قطعة موسيقى في شكل قصيدة أو قصّة. أما علاقة تحويل اللغوي إلى غير لغوي فتظهر في كثير من الأعمال التي تصوغ الأدب في أشكال أخرى، مثل تحويل رواية إلى فيلم سينمائي، أو تحويل قصيدة إلى قطعة موسيقية مثلًا.​

أما دراسة التناصّ بوصفه أداةً لقراءة النصوص، فيُعنى بفهم الكيفية التي يبني بها القارئ معنى نصّ ما بوساطة استدعاء نصّ آخر. وقد يشمل ذلك استدعاء معانٍ أو أشكال وصياغات أو تقاليد جمالية سابقة. فالقارئ يقرأ النصّ "الجديد" بوساطة النصوص السابقة التي تشكّل ذاكرته وذخيرته من المعاني، وفهم كيف تتفاعل نصوص هذه الذخيرة مع النصوص الجديدة مشكلةً مجال اهتمام لدارسي التناصّ من المشتغلين في حقل القراءة والتلقّي.

دراسة التناصّ في الخطاب

على خلاف تصور التناصّ بوصفه قدرًا لا مهرب للكُتاب منه، في رأي رولان بارت ونقاد ما بعد البنيوية، يركّز محللو الخطاب على تصور التناصّ بأنه يتصل مباشرةً بمصالحِ الكاتبِ ومَنْ يمثله. التناصّ من هذا المنظور استراتيجية خطابية تهدف إلى تحقيق أغراض ووظائف عملية مثل ممارسة السلطة في الخطاب. وقد شهدت العقود الأخيرة تطورات كبرى في فحص العلاقات النصية بحيث تشمل تصاعد الاهتمام بدراسة الوظائف والأغراض الأيديولوجية للعلاقات النصية والعلاقات الوثيقة بين الخطاب والسلطة. ومثل ما أُعير فحص العلاقات النصية بين النصوص والخطابات اليومية مزيدًا من الاهتمام، فلم تعد العنايةُ مقصورةً على دراسة العلاقات النصية بين النصوص العليا مثل الأدب والكتب المقدسة، بل شكّلت الخطابات اليومية المدونة الرئيسة لدراسة التناصّ في حقول معرفية مثل تحليل الخطاب وتحليل المحادثة. كما تطورت منظورات دراسة التناصّ لتهتمّ بفحص عمليات التفاعل بين النصوص[18].

ولعلّ نورمان فيركلف (Norman Fairclough، 1941-) من أوائل من اهتمّوا بدراسة التناصّ في الخطاب من منظور نقدي، فهو يعدُّه مفهومًا مهمًا في تحليل الخطاب بوصفه ممارسة خطابية، ويفحص علاقته بالافتراضات والتمثيل الخطابي. يشير فيركلف في معالجته للتناصّ إلى مصطلحات وثيقة الصلة مثل التضفير الخطابي (Interdiscursivity) الذي يعني التضفير بين خطابات تنتمي إلى حقول مختلفة، مثل مزج النصوص السياسية والدينية، أو أنواع لها تقاليدها الخطابية الخاصة، وإعادة بناء السياق (Recontextualization) الذي يعني إعادة إنتاج نص ما، ووضعه في سياقات أخرى مغايرة لسياق إنتاجه الأصلي[19].

إجراءات دراسة التناص في الخطاب

لقد أرسيت منهجية لتحليل التناصّ في الخطاب تتكون من خمس مراحل؛ وهي: 1) تحليل النصّ؛ 2) تحليل السياق؛ 3) تحليل التلقّي؛ 4) تحليل الاستجابة؛ 5) تحديد خصائص الخطابات المتضافرة. تتضمّن كل مرحلة حزمة من الأسئلة البحثية وإجراءات التحليل؛ فالمرحلة الأولى (تحليل النص) تختصّ بفحص تشكُّل النصّ، والتغييرات التي يُجريها المؤلّف على النصّ المصدر كي يتسنى إدراجه في سياق نصي جديد. ويطرح الباحث أسئلة لاستكشاف هذه التغييرات، منها التساؤل عن علّة اختيار هذا النصّ بعينه للتناصّ معه، وعن نوع الإجراء المستعمل في إنجاز التناصّ مثل الاقتباس أو إعادة الصياغة أو التلميح أو الإشارة الضمنية أو الانتقاد الصريح أو المستتر وغيرها، كذلك تدرسُ التعديلات أو التغييرات التي أُجريت على النصّ الأصلي كي يُنجز وظيفته في النصّ الجديد المنقول إليه[20].

في مرحلة تحليل السياق، يمكن المقارنة بين سياق إنتاج النصّ المتناصّ معه (أي النصّ المصدر) وظروف تداوله وتلقيه، وسياق النصّ الفاعل للتناصّ (أي النصّ المستهدف) وظروف تداوله وتلقيه؛ وذلك بهدف فحص مظاهر التشابه والاختلاف بينهما ودراسة دلالاتها. ويمكن للباحث أن يطرح أسئلة مثل: ما سياق إنتاج النصّ المصدر؟ ما سياق إنتاج النصّ المستهدف؟ ما العلاقة بين سياقيهما؟ هل أعيد بناء سياق النصّ المصدر؟ وكيف؟ ولماذا؟ وعلى خلاف ذلك، تُعنى مرحلة تحليل التلقي بدراسة أثر التناصّ في إنتاج المعنى، وفي توجيه المخاطَبين. وطرح أسئلة مثل: مَنْ الجمهور الفعلي، والمستهدف، والمحتمل للخطاب؟ ما الأثر المحتمل لأفكارهم ومواقفهم المسبقة في توجيه تأويلاتهم وتفسيراتهم للتناصّ؟ ما العلاقات بين المتكلم والمخاطبين؟ وما أثرها المحتمل في عمليات إنتاج المعنى؟ كيف يُنتج الجمهور معنى التناص الخطابي؟[21].

وفي المقابل فإن المرحلة الرابعة تدرُس "استجابات المتلقين بوصفها تجليًا لتأثير الخطاب، ويُجاب فيها عن سؤال هو: ما العلاقة بين استراتيجية التناصّ (في تشكّلها، وأدائها، وتداولها) واستجابة المتلقين؟ وأخيرًا تُفحص الأغراض العملية للتناصّ لفهم كيفية عمل الخطاب الهجين، ويمكن أن تطرح أسئلة، مثل: ما خصائص الخطاب الذي ينتمي إليه الخطاب الهدف؟ ما خصائص الخطاب الذي ينتمي إليه الخطاب المصدر؟ ما خصائص الخطاب الهجين الذي ينشأ من التضفير بين الخطابين؟ ما الحوافز الدافعة إلى المزج بين الخطاب المصدر والخطاب الهدف؟ كيف يعمل الخطاب الهجين في ظل شروط تاريخية محدّدة؟"[22].

المراجع

العربية

ابن برد، بشار. ديوان بشار بن برد. تحقيق محمد الطاهر ابن عاشور. راجعه وصححه محمد شوقي أمين. القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1966.

ابن عطية، جرير. ديوان جرير بشرح محمد بن حبيب. تحقيق نعمان محمد أمين طه. ط 3. القاهرة: دار المعارف، 1986.

بقشى، عبد القادر. التناص في الخطاب النقدي والبلاغي: دراسة نظرية وتطبيقية. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2007.

تودوروف، تزفيتان. "التناص". مجلة فكر. ترجمة أنور المرتجي. العدد 1 (2005). ص 107-121.

الحاتمي، محمد بن الحسن. حلية المحاضرة في صناعة الشعر. تحقيق جعفر الكتاني. بغداد: دار الرشيد للنشر، 1979.

حافظ، صبري. "التناص وإشاريات العمل الأدبي". مجلة ألف في البلاغة المقارنة. العدد 4 (1984).

دنقل، أمل. أمل دنقل: الأعمال الشعرية الكاملة. ط 3. القاهرة: مكتبة مدبولي، 1987.

عبد اللطيف، عماد. "كيف ندرس التناص في الخطاب؟". في: محمد مشبال [وآخرون]. بلاغة الخطاب الديني. الجزائر: منشورات الاختلاف؛ بيروت: منشورات ضفاف، 2015.

محفوظ، نجيب. ثرثرة فوق النيل. وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2022 [1966].

يقطين، سعيد. انفتاح النص الروائي: النص والسياق. ط 2. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2001.

الأجنبية

Bakhtin, Mikhail. Problems of Dostoevsky’s Poetics. Caryl Emerson (ed. & trans.). Minneapolis: University of Minnesota Press, 1984.

Barthes, Roland. Image – Music – Text. Stephen Heath (trans.). London: Fontana Press, 1977.

Fairclough, Norman. “Intertextuality in Critical Discourse Analysis.” Linguistics and Education. vol. 4, nos. 3-4 (1992). pp. 269-93.

Genette, Gerard. Palimpsestes: La littérature au second degré. Paris: Seuil, 1982.

Kristeva, Julia. Desire in Language: A Semiotic Approach to Literature and Art. New York: Columbia University Press, 1980.

Riffaterre, Michael. Semiotics of Poetry. Bloomington: Indiana University Press, 1978.

Wahyudin, Dedih & Tina Asmaul Husna Hamzah. “معاني ألفاظ اليسر والعسر وما يشتق منهما في القرآن الكريم”. LI​SANUNA. vol. 10, no. 2 (2020).‏ pp. 291-306.‏


مصادر للاستزادة

العربية

كريسطيفا، جوليا. علم النص. ترجمة فريد الزاهي. الدار البيضاء: دار توبقال، 1991.​

الأجنبية

Allen, Ghraham. Intertextuality. London/ New York: Routledge, 2011.


[1] Julia Kristeva, Desire in Language: A Semiotic Approach to Literature and Art (New York: Columbia University Press, 1980), p. 36.

[2] Ibid., p. 79.

[3] تزفيتان تودوروف، "التناص"، مجلة فكر، ترجمة أنور المرتجي، العدد 1 (2005)، ص 109.

[4] بشار بن برد، ديوان بشار بن برد، تحقيق محمد الطاهر ابن عاشور، راجعه وصححه محمد شوقي أمين، ج 4 (القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1966)، ص 194.

[5] جرير بن عطية، ديوان جرير بشرح محمد بن حبيب، تحقيق نعمان محمد أمين طه، ج 1، ط 3 (القاهرة: دار المعارف، 1986)، ص 163. ويرد في ديوان جرير "مرض" بدلًا من "حور".

[6] أمل دنقل، أمل دنقل: الأعمال الشعرية الكاملة، ط 3 (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1987)، ص 265.

[7] Dedih Wahyudin & Tina Asmaul Husna Hamzah, “معاني ألفاظ اليسر والعسر وما يشتق منهما في القرآن الكريم”, LISANUNA, vol. 10, no. 2 (2020), pp. 291-306.‏


[8] نجيب محفوظ، ثرثرة فوق النيل (وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2022 [1966])، ص 1.

[9] محمد بن الحسن الحاتمي، حلية المحاضرة في صناعة الشعر، تحقيق جعفر الكتاني، ج 2 (بغداد: دار الرشيد للنشر، 1979)، ص 28.

[10] Mikhail Bakhtin, Problems of Dostoevsky’s Poetics, Caryl Emerson (ed. & trans.) (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1984).

[11] صبري حافظ، "التناصّ وإشاريات العمل الأدبي"، مجلة ألف في البلاغة المقارنة، العدد 4 (1984)، ص 7-32.

[12] Roland Barthes, Image – Music – Text, Stephen Heath (trans.) (London: Fontana Press, 1977), p. 146.

[13] Michael Riffaterre, Semiotics of Poetry (Bloomington: Indiana University Press, 1978), p. 149.

[14] Gerard Genette, Palimpsestes: La littérature au second degré (Paris: Seuil, 1982), p. 7.

[15] يُنظر: سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي: النص والسياق، ط 2 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2001)، ص 97.

[16] عبد القادر بقشى، التناص في الخطاب النقدي والبلاغي: دراسة نظرية وتطبيقية (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2007)، ص 26.

[17] Genette, pp. 33-34.

[18] عماد عبد اللطيف، "كيف ندرس التناص في الخطاب؟"، في: محمد مشبال [وآخرون]، بلاغة الخطاب الديني (الجزائر: منشورات الاختلاف؛ بيروت: منشورات ضفاف، 2015)، ص 261-288.

[19] Norman Fairclough, “Intertextuality in Critical Discourse Analysis,” Linguistics and Education, vol. 4, nos. 3-4 (1992), p. 269.

[20] عبد اللطيف، ص 261-284.

[21] المرجع نفسه.

[22] المرجع نفسه، ص 289.




المحتويات

الهوامش