تسجيل الدخول

محمد بديع الكسم

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الاسم محمد بديع الكَسْم
تاريخ الميلاد1924
مكان الميلاددمشق، سوريا
تاريخ الوفاة5 تشرين الأول/ أكتوبر 2000
مكان الوفاةدمشق، سوريا
الجنسيةسوري
الدور العامفيسلوف، مفكّر، أكاديمي
أهم الأعمال
البرهان في الفلسفة  (1991)؛
مجموعة مقالات جمعت في كتاب بديع الكسم (1994)
التيار الفكريالعقلانية النقدية



 محمد بديع الكسم (1924-2000) فيلسوف عربي، وأستاذ جامعي، ومفكر سوري، له عدة مؤلفات في الفلسفة، والمنطق، واللغة، ومناهج البحث. تميّز بالاطلاع الواسع والقدرة على تحديد الأفكار المحورية، وأوجه القوة والضعف، والثغرات في النصوص والحوارات، كما عُرف بأسلوبه المتقن في إجراء المقارنات بين الأفكار والفلسفات، ليقدم بعد ذلك وجهة نظر حول القضايا التي يتناولها، ويحدد موقفه منها عبر أحكام تجسّد الحقائق التي يعتقد بصحتها، حصل على الدكتوراه في الفلسفة عام 1958 من جامعة جنيڤ في سويسرا، عن أطروحة "فكرة البرهان في الميتافيزيقا". أسهم في برنامج التعريب الذي نفّذته الجزائر بعد الاستقلال. توفي في عام 2000، بعد مسيرة طويلة في التدريس والتأليف والترجمة، مؤثّرًا في جيل كامل من الطلاب والباحثين العرب وغير العرب.

 سيرته العلمية والمهنية

ولد محمد بديع الكسم في دمشق عام 1924، لعائلة مشتغلة بالعلم والسياسة، فوالده الشيخ محمد عطا الله الكسم (1844-1938)، الذي كان من كبار فقهاء الحنفية في دمشق، عمل مفتيًا للديار الشامية بين عامي 1917 حتى وفاته عام 1938. وأخوه عبد الرؤوف الكسم (1932-) رئيس الوزراء في الجمهورية العربية السورية بين عامي 1980 و1987. حصل على الثانوية العامة عام 1942 في دمشق، وسافر إلى مصر عام 1943 لإتمام دراسته في جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا)[1]. وحصل على الإجازة الجامعية الأولى في الفلسفة عام 1947. عاد إلى سورية ليعمل مدرسًا لمادتي الفلسفة وعلم الاجتماع في المدارس الثانوية في مدينة اللاذقية، ثمّ انتقل إلى دمشق عام 1950 ليعمل مدرسًا في جامعة دمشق.

درّس الفلسفة في جامعة دمشق على مدى نصف قرن بدءًا من عام 1950، إضافة إلى تدريسه مجموعة من المواد، مثل الفلسفة الغربية، ومناهج البحث والمنطق. يُعد الكسم أحد مؤسسي حزب البعث العربي الاشتراكي[2]، وأحد ممن أسهموا في صياغة توجه الحزب السياسي القومي في بدايات مرحلة التأسيس، لكن تركيزه على الجانب الفلسفي الأكاديمي، والإنساني الانفتاحي، والتزامه الصارم بالعقلانية والصدق والاتساق المنطقي، أبعده عن التحزّب بكل أشكاله، وعما يفرضه ذلك من التزامات أيديولوجية تقطع الطريق على التفكير الحر الجدلي النقدي الذي اتسم به.

أُوفِد الكسم إلى مصر عام 1954 لمتابعة الدراسات العليا، وتتلمذ لعدد من الأساتذة الكبار، ومنهم: زكي نجيب محمود[3]، الذي كان من المناصرين للوضعية المنطقية[4]، ومن المطلعين على فلسفة التحليل البريطانية[5]. سافر الكسم إلى سويسرا حيث تابع دراساته العليا في الفلسفة وحصل على درجة الدكتوراه بتقدير امتياز من جامعة جنيف عام 1958، وبعدها بعشرة أعوام أُعير إلى جامعة الجزائر للمساعدة في عمليات تعريب المناهج والمصطلحات، وذلك في الفترة ما بين 1968 إلى 1972[6].

انضم الكسم إلى هيئة الموسوعة العربية (السورية) بموجب قرار جمهوري عام 1983، وأصبح رئيسًا لقسم العلوم الإنسانية فيها، كما اختير عضوًا في مجمع اللغة العربية بدمشق عام 1990، واستمر في عضويته حتى وفاته في الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2000[7].



عُرف الكسم باطّلاعه الواسع، وحرصه على متابعة كل ما هو جديد في الفلسفة والمنطق من خلال مطالعاته المستمرة باللغتين الإنكليزية والفرنسية، إلى جانب العربية، وشبكة علاقات واسعة مع الأساتذة والمختصين في مختلف الدول العربية، خاصة في مصر. ومن الشواهد على متابعته لكل جديد، الندوة الأسبوعية التي كانت تُعقد في منزله أيام الجمعة، فقد كان يجتمع الأساتذة والطلبة المهتمون ويتحاورون في مختلف المواضيع الفلسفية والفكرية. إلى جانب الفلسفة، اهتم الكسم بعلوم النفس، والاجتماع، والجمال، والدراسات اللغوية، وهذا ما يتجلى بوضوح في ترجماته وأبحاثه ومحاضراته وحواراته[8] .

تميّز الكسم بذاكرته القوية، كما اتسم بحرصه على ضبط المصطلحات والتعابير، وبيان مضامينها؛ وذلك منعًا لأي سوء تفاهم بين المتحاورين، أو بين القارئ والنص. ومن المعروف عن الكسم أنه كان يؤكد باستمرار ضرورة عدم إخضاع قراءة النصوص وتحليلها ونقدها للاعتبارات أو الالتزامات الأيديولوجية، وكان يركز، في المقابل، على ضرورة دراسة الأفكار الواردة في النص وأهمية ذلك، ومتابعة العلاقات التي تربط بينها، للتأكد من خلوّها من أي تناقض أو تعارض، أو خلل في الاتساق المنطقي[9].

كتاب البرهان في الفلسفة

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

حملت أطروحته في الدكتوراه عنوان: "فكرة البرهان في الميتافيزيقا"[10]، وقد ترجمها جورج صدقني (1931-2010) إلى العربية تحت عنوان: البرهان في الفلسفة، وصدرت هذه الترجمة عن وزارة الثقافة السورية في دمشق عام 1991. ونظرًا إلى أهمية الكتاب، أعاد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات طباعته عام 2024[11].

وقد كانت تلك الأطروحة موضع ترحيب أساتذته وكبار المشتغلين بالفلسفة وإعجابهم من أمثال: جان إيكول (Jean Ecole، 1920-2015)، وكلود بورجلان (Claude Burgelin، 1940-)، جون بيير ليفرا (Jean-Pierre Leyvraz، 1925-2012) وغيرهم، ممن أشادوا بقدرة الكسم على تناول موضوع يعد من أصعب الموضوعات الفلسفية بنَفَسٍ بحثي تحليلي متميز، وتمكّنه من تقديم وجهة نظر فلسفية أصيلة تستحق الاحترام. حتى أن الفيلسوف البولندي جوزف بوخنسكي (Joseph Bochenski، 1902-1995) قال بعد أن اطّلع على الرسالة: "الآن نستطيع أن نقول إن العرب قد عادوا بعد غياب طويل إلى الإسهام في الفعل الفلسفي، وبالتالي إلى القيام بدورهم في بناء الحضارة الإنسانية"[12].

تمكّن الكسم من تناول موضوع أطروحته بأسلوب محكم، مكثّف، على الرغم من أنها تتناول واحدًا من أعقد موضوعات الفلسفة، غير أنه أسلوب يلزم القارئ المختص بالتركيز المستمر؛ فهو يظهر قدرة كبيرة على متابعة الأفكار، والوقوف على التمايزات الدقيقة بينها؛ وهذا ما يعني أن فحوى رسالته لا يمكن قراءتها في حالة من الخمول. وحول هذه الخاصية التي اشتركت فيها النصوص الفلسفية التي أنتجها بديع الكسم يقول أنطون مقدسي[13]: "فالفلاسفة من أفلاطون، وأرسطو، وقبلهما إلى إدموند هوسرل، ومارتن هايدغر، وهيغل [...] حاضرون في عالم الكسم، حضور الأحداث اليومية، يشرح هذا، يفسر ذاك، ينقد ثالثًا ورابعًا يكشف عن هفواته أو تناقضاته"[14]. ويتابع مقدسي قائلًا: "بديع الكسم جدلي بارع يتلاعب بالنظريات تلاعب عازف الكمان البارع بآلته، ويكشف بسرعة خاطفة عن حدود فكر كبار الفلاسفة، ولا يخلو أحيانًا تحليله لنظرياتهم من سخرية تظهر، لا في الكلمات، بل بينها"[15]. ويضيف مقدسي أن كلمة ميتافيزيقا عند بديع الكسم "مرادفة لكلمة فلسفة، كما أنها تدل أحيانًا على المعنى الأرسطي"[16].


 فلسفته

لم يقدّم الكسم مذهبًا فلسفيًًا متكاملًا، ولم يبشر بأي مذهب فلسفي غربي أو شرقي، كما فعل بعض معاصريه، هذا مع اطّلاعه الواسع والتفصيلي على المذاهب الفلسفية، وقدرته على التقاط الجوهري والأساس في كل واحد منها، وإبداعه وتميزه في إجراء المقارنات والحوارات الافتراضية بين آراء مختلف الفلاسفة والمدارس الفلسفية حول قضايا محددة، ليحدد بعد ذلك أوجه التعارض والتوافق والقصور التي تعاني منها تلك الآراء ووجهات النظر كما يفعل في مقالته "الحقيقة الفلسفية"[17].

كذلك لم يهمل تأثير الظروف الاجتماعية والسياسية والنفسية في تناوله لآراء المفكرين، وتفسير التوجهات العامة ضمن نطاق المجتمع الإنساني؛ وهذا ما نلاحظه في مقالته "طاغور الفيلسوف"[18]، ومجموعة من المقالات التي كتبها حول الفكر القومي، ودور الفلسفة في بلورة هذا الفكر، مثل: "الثقافة القومية والثقافة الإنسانية"[19]، و"الإنسانية الصحيحة في القومية الصحيحة"[20]، و"دور الفلسفة في توحيد الفكر العربي"[21].

من سماته التي عُرف بها، أنه كان يستمع بتركيز واهتمام للآراء التي كانت تقدم في الحوارات والمناقشات الفكرية والفلسفية العامة والخاصة، ويتدخل عند اللزوم بعبارات مكثفة موجزة، واضحة بيّنة، تراعي الشروط المنطقية، ويشدد باستمرار على ضرورة التزام الصدق مع الذات ومع الآخر، ويحترم الرأي الآخر بغض النظر عن الخلاف أو التوافق معه. كان يشجع طلابه دائمًا على متابعة ما هو جديد من الكتب في مختلف الميادين المعرفية، لا سيما في الفلسفة، ويشجعهم على قراءة المراجعات الخاصة بالكتب الفلسفية والفكرية التي كانت تنشر في المجلات المتخصصة.

لم يرفض الكسم، أو يهمش، التعامل مع الموضوعات الميتافيزيقية كما فعل أنصار الوضعية المنطقية والماركسيون وغيرهم، بل كان يعتبرها من الموضوعات الفلسفية الأساسية، إلا أنه كان يشدّد على ضرورة مراعاة الاتساق المنطقي، والوضوح المنهجي، ودقة المصطلحات في عرض الأفكار وتقديم البراهين[22].

يؤخذ على الكسم أنه لم يكتب كثيرًا رغم اطّلاعه ولغته الفلسفية المتميزة التي اتسمت بالدقة والوضوح والإيجاز. وعلى جانب آخر، تميّز بجرأته في عرض الأفكار ونقدها وتحديد موقفه منها في محاضراته وندواته ومناقشاته مع الأساتذة والمهتمين والطلبة. وحول هذا الموضوع يرى صادق جلال العظم (1934- 2016) أن الكسم ربما تأثر بالفيلسوف هنري برغسون (Henri Bergson، 1859-1941) الذي كان معجبًا به، وخاصة بكتابه منبعا الأخلاق والدين[23]، فبرغسون يرى أن كل فيلسوف قد قال في حياته شيئًا واحدًا، والباقي تفاصيل. فربما كان الكسم نفسه يشعر بأن ما كان عليه أن يقوله قد قاله بالفعل، لذا كان أميل إلى الصمت الذي لم يكن برغسون بعيدًا عنه، وكذلك هايدغر[24]. وبديع الكسم، وفق العظم، هو أكثر تطرفًا في صمته من البقية[25].

أما جورج صدقني (1931- 2010)[26]، فيعلّل إحجام الكسم عن الكتابة بأنه ناجم عن شعوره المفرط بمسؤولية الكتابة، وأن الكسم ربما كان يعاني من وسواس الدقة، أو تهيّب الوقوع في الخطأ؛ لذلك كان يجيب كل من يستفسر عن سر إحجامه عن الكتابة: "لمن أكتب؟ وهل قرأ الناس ما كتبته؟"[27].

الفيلسوف الحقيقي والحقيقة الفلسفية

يرى الكسم أن الفيلسوف الحقيقي، الفيلسوف الأصيل، الذي يحيا التجربة الفلسفية حياة صادقة، لا يهتمّ إطلاقًا، أو قَلَّ ما يهتمّ، بالتساؤل عن طبيعة الفلسفة، فهو يتّجه إلى موضوعه مباشرة، فيشيّد مذهبه ويقيم نظريته، ثم يستقرُّ داخلها[28]. أما الفلسفة فهي عنده البحث في المشكلات الأهم والحقائق الأساسية[29]. أما مقياس قبول حقيقة ما فهو أن يجد العقل فيها توازنه وراحته، أو هو أنها – أي الحقيقة - تجردني من السلاح وتخنق في ذاتي كل تمرّد ممكن وتفحمني[30]. وحتى تصبح القضية حقيقة بالنسبة إلى صاحبها، لا بد من أن يصدر حكمًا عليها، هذا ما يؤكده الكسم قائلًا: "لا معنى لأية قضية، إلا إذا عُدّت تعبيرًا لفظيًّا عن الحكم. وهذا الفعل فردي في جوهره، فلا يمكن أن ينفصل عن قائله الذي يفعله على الفور، ويعطيه معنى معينًا"[31].

هذا الحكم لا يستثني القضية الميتافيزيقية، وما يذهب إليه الكسم في هذا المجال هو أن القضية الميتافيزيقية هي قضية، والحقيقة الميتافيزيقية هي حقيقة، "وهي تكون ميتافيزيقية بقدر ما يتضح أنها جوهرية وأساسية بالنسبة إلى وعي معين. وبما أن الحقيقة لا تكون إلا لذلك الذي يقررها، فإنّ
القيمة الإنسانية التي تؤلف بنيتها كحقيقة ميتافيزيقية، يمكن أن تختلف من فرد إلى آخر. وربما كان هذا يتضمن أن كل إنسان، بل كل طفل أيضًا، هو ميتافيزيقي بطريقته الخاصة"[32].

الجدير بالذكر هنا هو أن الحقيقة بصورة عامة، وليست الحقيقة الفلسفية وحدها، هي عند الكسم ذاتية، ووظيفتها أن تملأ أفق الوجدان لدى صاحبها. "إن القضية حاضرة حضورًا في وجدان من يقررها وأمام وجدانه. إنها صادقة تمامًا إلى إشعار آخر، إلى أن يتخطاها إلى رؤيا جديدة"[33]. ويرى الكسم أن هذا المقياس يسري على الحقائق العلمية التجريبية والرياضية والعامية وغيرها، "والعلم، بدوره، ليس علمًا إلا بالوجدان وللوجدان والقضية العلمية، مثل العامية، ملتصقة بوجدان صاحبها الذي قررها"[34].

الأساس المشترك بين الحقول المعرفية

يعدُّ التفكير وفق الكسم أساس الفلسفة والمنطق والعلم، والتفكير عنده "امتناع عن الانسياق الآلي"[35]. و"نحن نفكر عندما نرى أن الأمور ليست في مواضعها"[36]. وأساس التفكير هو الدهشة أو الشك؛ فالدهشة التي يثيرها فينا الوجود الكلي منطلق التفكير الفلسفي، والدهشة التي يخلقها فينا الخطأ والتناقض واللامعقول منطلق التفكير المنطقي، والدهشة التي نحس بها عندما تأمل ظواهر الطبيعة والحياة الإنسانية بمنطق التفكير العلمي[37]. أما الخطوة الأولى في التفكير، فهي الشك، "والقاعدة الذهبية للتفكير هي ألا نقطع الشك إلا باليقين"[38].

والمفكر في منظور الكسم هو مفكر حقًا إذا كان يحمل إلينا أفكارًا نضجت في ذهنه، وإذا "كان يوضح لنا روابط كانت غائبة عن إدراكنا؛ إذا كان ينقلنا من الغموض إلى الوضوح، ومن التخبط إلى التبصر، وبكلمة موجزة إذا كان ينقلنا من السؤال إلى الجواب"[39]. والفكر مسؤولية، و"هذه الأخيرة عبء لا يتحمله إلا الأحرار؛ إنها تفترض الحرية وتزول بزوالها. الفكر إذن حرية، والمفكر الحر هو وحده المفكر، وهنا لا بد لنا أن نسقط من عالم الفكر كل فكر زائف تخلى عن حريته"[40]. وطالما أن الفكر لا ينفصل عن الحرية والمسؤولية، فهذا فحواه أنه لا ينفصل عن القيم.

والحقائق التي يتوصل إليها المفكرون، بأنواعها وميادينها المختلفة، تتشارك في الموقف المشترك الذي يتخذه منها أصحابها عبر إطلاق الأحكام الخاصة بحقيقتها؛ فالحقيقة في نهاية المطاف تتجسد في الحكم الذي يصدره المقتنع أو المؤمن به بشأن قضية من القضايا، بغض النظر عن الميدان أو الحقل المعرفي الذي تنتمي إليه هذه القضية. والكسم في هذا السياق لا يفرق بين الحقائق العلمية والفلسفية والدينية والقيمية، وحتى العامية، استنادًا إلى الإجماع الحاصل عليها، وإنما يُعدّ أن الذات العارفة هي التي تصدر حكمها بشأن هذه القضية أو تلك، لتصبح حقيقة بالنسبة إليها إذا أقرت بذلك، ولتصبح خارج نطاق الحقائق التي تؤمن بها إذ أقرت بذلك[41].

ولكن هذه العملية تستوجب الموقف الجاد من جانب صاحب الحقيقة بصرف النظر عن ماهيتها، والجدية تستوجب الصدق؛ فالذي قرر حقيقة هذه القضية أو تلك، يفعل ذلك بناءً على قناعته التامة بذلك، فالحقيقة قد ملكته بصيغة من الصيغ، وبناءً على ذلك، يرى ذاته أنها امتلكت الحقيقة، فالمرء لا يستطيع أن يتقبل حقيقة القضايا العلمية أو الفلسفية أو الإيمانية، ما لم يكن مقتنعًا بذلك. وهو يعدّها حقائق مطلقة طالما هو مقتنع بذلك، وهذه الصفة لا تعني الانغلاق أو التعصب؛ فإذا ثبت مستقبلًا للمرء، نتيجة البحث الجاد الصادق الذي يقوم به هذا الشخص أو ذاك، سواء العالم أم الفيلسوف أو المؤمن أو صاحب القيم، أو نتيجة ما توصل إليه هو بنفسه، ويقرّ بحقائق مطلقة جديدة تكون هي الأخرى قابلة للمراجعة وإعادة النظر، وإخضاعها لأحكام جديدة، عليه أن يفعل ذلك[42].

وهنا لا بد من التمييز بين المتعصب الذي يحاول، وفق ما ذهب إليه الكسم، فرض حقائقه على الآخرين، والمتسامح الذي يقر بحق الآخرين في البحث عن الحقائق، وتقريرها: "إن المؤمن الصادق بالحقيقة يحترم كل باحث صادق عن الحقيقة"[43]. والحقيقة الفلسفية عند الكسم بهذا المعنى: "لا تنفصل عن القيمة، والقيمة لا تترسخ في النفس، إلا بالحرية، فإذا آمنا بالحقيقة والحرية، فقد ملكنا الطريق إلى تحقيق الإنسان"[44]. و"الفلاسفة الصادقون عاشوا فلسفاتهم وطوروها وفق إلهامات العقل والتجربة والضمير"[45]. وبالانسجام مع هذا التوجه، يرى الكسم أن اللغة الفلسفية، وربما بتعبير أدق، المصطلحات الفلسفية ودلالاتها، تختلف هي الأخرى من فيلسوف إلى آخر، وهو الأمر الذي لا بد من أخذه بعين الاعتبار، فإله أفلاطون غير إله أرسطو، وإله بليز باسكال (Blaise Pascal، 1623-1662) غير إله رينيه ديكارت (René Descartes، 1593-1650)، والأمر ذاته بالنسبة إلى الحرية وبقية المفاهيم.

وقارئ النصوص الفلسفية هو الآخر له مفاهيمه ولغته، الأمر الذي يؤدي إلى عدم التوافق، وعدم إمكانية تقديم تعريفات عامة تحظى بقبول عام للمعاني التي تدل عليها الألفاظ الفلسفية؛ فهذه الألفاظ، وفق الكسم، هي إبداع شخصي لا يخص إلا صاحبه[46]. فالمصطلحات والمفاهيم الفلسفية قد تبدو مشتركة من جهة اللفظ، ولكنها متباينة من جهة المضمون؛ فـ"المعاني الفلسفية إذن اختراع فردي وليس اصطلاحًا تواضع عليها الناس"[47]، وكذلك الأمر بالنسبة إلى القارئ، فهو "يقرأ الفيلسوف ويفهمه متأثرًا بمفاهيمه ومعتقداته الخاصة"[48].

لم يقتصر اهتمام الكسم على البرهان الفلسفي والأحكام والحقائق واللغة الفلسفية، وغيرها من المسائل الخاصة بالفلسفة النظرية، بل تناول جملة من القضايا الأخرى الأقرب إلى الاهتمام العام، مثل الفكر القومي وعلاقته مع التوجه الإنساني، ودور الفلسفة في توحيد الفكر القومي. ومما ذهب إليه في هذا المجال هو أن الإنسانية الصحيحة تكمن في القومية الصحيحة – وفق تعبيره -، ومن الواضح أن القيم تمثل ركنًا أساسيًّا في فكر الكسم الفلسفي، فالإنسان لديه هو كائن روحي ديني، وهو يعني بذلك أن جوهر الإنسان العميق هو الفكر، "والفكر يتمثل في التأمل والحب والفعل، أما وظيفة الفكر الأزلية فهي أن يتصل بالمطلق، والمطلق هو الحق والخير والجمال"[49].

وتبقى الحرية في جميع الأحوال هي الطاقة التي تمكّن الإنسان من التفكير بحرية، وفقدان الحرية "ولّد ما يسميه هيجل الشعور بالأسى والشقاء"[50]. فمع انهيار الحرية تأخذ فكرة الموت طابعًا مخيفًا لأنه يصبح موتًا في سبيل لا شيء، ولتجاوز ذلك يلجأ الإنسان "إلى مطلق خارج عنه يعوّضه عن المطلق الذي فقده وهذا ما يفسر لجوءه إلى مطلق خارج عنه يعوضه عن المطلق الذي فقده"[51].

وفي سياق تناوله لمفهوم الوطنية في فلسفة يوهان غوتليب فيشته (Johann Gottlieb Fichte، 1762-1814)، يرى الكسم أن الوطنية الصادقة لديه لا تتمثل في محبة الأرض التي تعيش عليها الأمة، أو العِرق الذي تنتمي إليه الأمة، وإنما تتمثل في النزعة لتحقيق ملكوت العقل في الأمة، وهذا لن يكون دون الحرية، وكان من اللافت أن الكسم وجد منذ ذلك الحين، مطلع ستينيات القرن العشرين، إمكانية استفادة الفكر العربي المعاصر مما تضمنته وجهة نظر فيشته حول هذا الموضوع في شأن أن الإنسان بطبيعته خيّر[52].

 آثاره

ترك الكسم مجموعة من الآثار التي تخلِّد ذكره في أوساط الفلاسفة وعلماء الفلسفة، ومنها: البرهان في الفلسفة؛ تلخيص كتاب التطور الخالق لهنري برجسون (1998)؛ ترجمة كتاب الخلق الفني: تأملات في الفن لبول ڤاليري (1998). إضافة إلى عدد من المقالات والمحاضرات نُشرت في مجلات عدة، منها مجلة الثقافة ومجلة المعرفة في دمشق، وقد جمعها وأعدّها للنشر عزّت السيد أحمد ضمن كتاب بعنوان بديع الكسم (1994).

المراجع

أحمد، عزت السيد. بديع الكسم. دمشق: وزارة الثقافة، 1994.

________. قراءات في فكر بديع الكسم. دمشق: دار الفكر الفلسفي للدراسات والترجمة والنشر، 1998.

برجسون، هنري. التطور الخالق. تلخيص بديع الكسم. دمشق: دار طلاس، 1998.

________. منبعا الأخلاق والدين. ترجمة سامي الدروبي وعبد الله عبد الدايم. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1971.

العظم، صادق جلال. ثلاث محاورات فلسفية دفاعًا عن المادية والتاريخية. بيروت: دار الفكر الجديد، 1991.

علّام، محمد مهدي. طاغور في الذكرى السنوية لميلاده. القاهرة: وزارة التربية والتعليم، 1961.

ڤاليري، بول. الخلق الفني: تأملات في الفن. ترجمة بديع الكسم. دمشق: دار طلاس، 1998.

القيم، علي. الأستاذ أنطون مقدسي. دمشق: وزارة الثقافة، 2006.

الكسم، بديع. البرهان في الفلسفة. ترجمة جورج صدقني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، 2024.

________. البرهان في الفلسفة. ترجمة جورج صدقني. دمشق: وزارة الثقافة، 1991.

مجموعة من الأكاديميين العرب. موسوعة الأبحاث الفلسفية للرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة، الفلسفة العربية المعاصرة، تحولات الخطاب من الجمود التاريخي إلى مآزق الثقافة والإيديولوجيا. الرباط: دار الأمان؛ الجزائر: منشورات الاختلاف؛ بيروت: منشورات ضفاف، 2014.

محمود، زكي نجيب. المنطق الوضعي. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1951.

________. نحو فلسفة علمية. لندن: مؤسسة هنداوي، 2022.

هيدغر، مارتن. التقنية – الحقيقة - الوجود. ترجمة محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1995.

________. الفلسفة، الهوية والذات. ترجمة محمد مزيان. تقديم محمد سبيلا. [د. م.]: بيروت: منشورات ضفاف؛ الرباط: دار الأمان؛ تونس: دار كلمة؛ الجزائر: منشورات الاختلاف، 2015.

________. مدخل إلى الميتافيزيقا. ترجمة عماد نبيل. بيروت: دار الفارابي، 2015.

________. نهاية الفلسفة ومهمة التفكير. ترجمة وعد علي الرحية. تقديم ومراجعة محمد علي أسبر. دمشق: مكتبة الفكر الجديد، 2017.

[1] "نشأة الجامعة وتطورها"، جامعة القاهرة، شوهد في 21/8/2024، في: https://acr.ps/1L9BPS9

[2] حافظ الجمالي، "كلمة حافظ الجمالي في حفل تأبين المرحوم الدكتور بديع الكسم"، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، العدد 3 (2001)، ص 669-675. حول تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي وأبرز محطاته قبل وصوله إلى السلطة وبعد ذلك.

[3] ميلود شكار، "زكي نجيب محمود من أجل وضعية منطقية عربية"، في: مجموعة من الأكاديميين العرب، موسوعة الأبحاث الفلسفية للرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة: الفلسفة العربية المعاصرة، تحولات الخطاب من الجمود التاريخي إلى مآزق الثقافة والإيديولوجيا، إشراف وتحرير إسماعيل مهنانة، تصدير فتحي المسكيني (الرباط: دار الأمان؛ الجزائر: منشورات الاختلاف؛ بيروت: منشورات ضفاف، 2014)، ص 207-234.

[4] زكي نجيب محمود، المنطق الوضعي (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1951)، ص هـ-و.

[5] زكي نجيب محمود، نحو فلسفة علمية (لندن: مؤسسة هنداوي، 2022).

[6] عزت السيد أحمد، بديع الكسم (دمشق: وزارة الثقافة، 1994)، ص 5-6.

[7] "الدكتور محمد بديع الكسم"، مجمع اللغة العربية بدمشق، شوهد في 22/8/2024، في: https://acr.ps/1L9BPdh

[8] Badi Kasm, L´ide de Preuve en m´taphisque (Paris: P.U.F., 1959).

[9] محمد بديع الكسم، البرهان في الفلسفة، ترجمة جورج صدقني (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024).

[10] الكسم، البرهان في الفلسفة، ص 31.

[11] علي القيم، أنطون مقدسي الأستاذ (دمشق: وزارة الثقافة، 2006).

[12] عزت السيد أحمد، قراءات في فكر بديع الكسم (دمشق: دار الفكر الفلسفي للدراسات والترجمة والنشر، 1998)، ص 80.

[13] المرجع نفسه.

[14] المرجع نفسه، ص 82.

[15] أديب اللجمي، "كلمة الأستاذ أديب اللجمي في حفل تأبين المرحوم الدكتور بديع الكسم"، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، العدد 3 (2001)، ص 665-668.

[16] أحمد، بديع الكسم، ص 5-18.

[17] المرجع نفسه.

[18] المرجع نفسه، ص 183-190؛ محمد مهدي علّام، طاغور في الذكرى السنويةلميلاده (القاهرة: وزارة التربية والتعليم، 1961)؛ "طاغور.. صاحب فلسفة الحضارة القادمة من المشرق"، الجزيرة الوثائقية، 9/5/2019، شوهد في 22/8/2024، في: https://acr.ps/1L9BPBK

[19] محاضرة ألقاها بديع الكسم في اللاذقية بتاريخ 11/2/1961؛ ينظر: أحمد، بديع الكسم، ص 151-164.

[20] المرجع نفسه، ص 165-168.

[21] المرجع نفسه، ص 127-140.

[22] أنطون مقدسي، "من المنطق إلى الميتافيزيقا"، مجلة المعرفة السورية، العدد 334 (1991)، ص 1-31.

[23] هنري برغسون، منبعا الأخلاق والدين، ترجمة سامي الدروبي وعبد الله عبد الدائم (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1971).

[24] مارتن هايدغر، مدخل إلى الميتافيزيقا، ترجمة عماد نبيل (بيروت: دار الفارابي، 2015)؛ مارتن هيدجر، التقنية – الحقيقة - الوجود، ترجمة محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1995)؛ مارتن هايدجر، الفلسفة، الهوية والذات، ترجمة محمد مزيان، تقديم محمد سبيلا (بيروت: منشورات ضفاف؛ الرباط: دار الأمان؛ تونس: دار كلمة؛ الجزائر: منشورات الاختلاف، 2015)؛ مارتن هيدغر، نهاية الفلسفة ومهمة التفكير، ترجمه وعد علي الرحية، تقديم ومراجعة على محمد أسبر (دمشق: مكتبة الفكر الجديد، 2017).

[25] صادق جلال العظم، ثلاث محاورات فلسفية: دفاعًا عن المادية والتاريخ. مداخلة نقدية مقارنة في تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصرة (بيروت: دار الفكر الجديد، 1990)، ص 21-25.

[26] سياسي وكاتب ومترجم سوري. يُنظر: "جورج صدقني"، مجمع اللغة العربية بدمشق، شوهد في 22/8/2024، في: https://acr.ps/1L9BPs3

[27] الكسم، البرهان في الفلسفة، ص 22.

[28] المرجع نفسه، ص 33.

[29] المرجع نفسه، ص 88.

[30] المرجع نفسه، ص 71.

[31] المرجع نفسه، ص 62.

[32] المرجع نفسه، ص 101.

[33] المرجع نفسه، ص 44.

[34] المرجع نفسه، ص 45.

[35] بديع الكسم، "من خصائص التفكير"، مجلة الثقافة، العدد 7، السنة 6 (1965)؛ أحمد، بديع الكسم، ص 83.

[36] أحمد، بديع الكسم، ص 84.

[37] المرجع نفسه، ص 83.

[38] المرجع نفسه، ص 84.

[39] المرجع نفسه.

[40] المرجع نفسه، ص 85.

[41] المرجع نفسه.

[42] المرجع نفسه.

[43] المرجع نفسه، ص 53.

[44] المرجع نفسه.

[45] المرجع نفسه، ص 52.

[46] المرجع نفسه، ص 30.

[47] المرجع نفسه.

[48] المرجع نفسه، ص 34.

[49] المرجع نفسه، 167.

[50] بديع الكسم، "الشعب وحرية الفرد في فلسفة هيجل"، مجلة الثقافة، العدد 1، السنة الرابعة (1961)؛ أحمد، بديع الكسم، ص 198.

[51] أحمد، بديع الكسم، ص 199.

[52] بديع الكسم، "مفهوم الوطنية في فلسفة فيشته"، مجلة الثقافة، العدد 12 (1961)؛ أحمد، بديع الكسم، ص 204.




المحتويات

الهوامش