ألفا فولد برمجية حاسوبية من برامج نظام الذكاء الاصطناعي التي طورتها شركة "ديبمايند" (DeepMind) التابعة لشركة غوغل (Google) عام 2018. شكّلت النسخة الأولية منها إنجازًا كبيرًا في مجال دراسة طي
البروتينات، وقد أظهرت دقة استثنائية في التنبؤ بهياكل
البروتينات؛ إذ مع تطويرها شهدت مجالات علوم الأحياء والكيمياء الحيوية المختلفة، وخاصةً علم الأحياء البنيوي، تحوّلًا جذريًا لم يقتصر على حل تحدٍ علمي استمر عقودًا، وهو التنبؤ بالبنية ثلاثية الأبعاد للبروتينات فحسب، بل حفز إنتاج تطبيقات تحويلية في مجالات البيولوجيا والطب والصيدلة وغيرها. أتاحت برمجية ألفا فولد إمكانات جديدة في مجالات الطب والزراعة والاستدامة البيئية، إذ تسهم في اكتشاف العديد من الأدوية وتطويرها، وفهم الكثير من الأمراض الجينية، وحل المعضلات الطبية، إضافةً إلى إسهامها في فهم الآليات الجزيئية للحياة ومعالجتها.
مشكلة طي البروتينات
تعدّ
البروتينات جزيئات أساسية في دفع معظم العمليات البيولوجية، لتشكّلها من سلاسل
الأحماض الأمينية التي تنطوي إلى هياكل محددة ثلاثية الأبعاد تحدد وظائفها في عملية طي البروتين (Protein folding). إن فهم بنية
البروتين أمر أساسي لتبيان دوره في الصحة والمرض، غير أن تحديد بنية
البروتينات بشكل تجريبي باستخدام طرق
دراسة البلورات بالأشعة السينية {{
علم دراسة البلورات بالأشعة السينية: تقنية مخبرية لتحديد البنية الذرية لبلورات المواد البيولوجية، عن طريق تحليل أنماط حيود الأشعة السينية عن البلورات البيولوجية (البروتينات أو الأحماض النووية). يكشف هذا عن الترتيب ثلاثي الأبعاد للجزيئات، ما يُمكّن من تحقيق إنجازات في تصميم الأدوية، وفهم الآليات البيولوجية. كانت روزاليند فرانكلين رائدة هذه التقنية في دراستها للولب الحمض النووي (DNA).}} (X-ray Crystallography) أو
الرنين المغناطيسي النووي (Nuclear Magnetic Resonance, NMR) أو
المجهر الإلكتروني فائق البرودة {{
المجهر الإلكتروني المبرَّد أو فائق البرودة: تقنية تصوير رائدة تكشف عن الهياكل ثلاثية الأبعاد للجزيئات الحيوية بدقة شبه ذريّة. تُجمّد العينات بسرعة للحفاظ على حالتها الأصلية، ثم تُصوّر باستخدام مجهر إلكتروني. وقد ابتكر هذه التقنية جاك دوبوشيه، ويواكيم فرانك، وريتشارد هندرسون ما منحهم جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2017. تتجاوز هذه التقنية الحاجة إلى التبلور، ما يتيح دراسة المعقدات البروتينية الكبيرة، والفيروسات، والآليات الخلوية الأخرى.}} (Cryogenic electron microscopy) يستغرق وقتًا طويلًا ويتطلب جهدًا كبيرًا، إضافة إلى تكلفته العالية. من هنا تأتي أهمية دور النُظم والبرمجيات الحاسوبية مثل ألفا فولد وإسهامها في حل مشكلة طي
البروتين (التنبؤ بالبنية ثلاثية الأبعاد ل
لبروتين ابتداءً من تسلسل أحماضه الأمينية) التي شكّلت تحديًا علميًا رئيسًا لأكثر من 50 عامًا، وظل تحقيق تنبؤات دقيقة بعيد المنال حتى ظهورها
[1].
أُصدرت النسخة المحسّنة، ألفا فولد 2، في عام 2020، وأظهرت قفزة نوعية في تحصلها على دقة شبه تجريبية في التنبؤ بالبنية ثلاثية الأبعاد للبروتينات[2]. وفي عام 2024، ظهرت نسخة ألفا فولد 3، التي عززت قدرة النظام على التعامل مع تعقيدات أكبر في بنية
البروتينات، إضافة إلى التنبؤ بهياكل وتفاعلات جميع الجزيئات الحيوية. وقد مُنح مؤسسا ألفا فولد جون جمبر (John M. Jumper) وديميس هاسابيس (Demis Hassabis, 1976) جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2024 لتطويرهما هذه البرمجية في الذكاء الاصطناعي، وقد شاركهما ديفيد بيكر (1962 ,David Baker) في مجال تصميم
البروتينات باستخدام الحوسبة[3].
آلية عملها
تعتمد برمجية ألفا فولد على التعلم العميق (Deep learning)، وهو فرع من
الذكاء الاصطناعي يحاكي الطريقة التي يتعلم بها البشر أنماط البيانات، عن طريق استخدام بيانات التسلسل من قواعد بيانات
البروتينات، والمعلومات البنيوية من هياكل
البروتينات المعروفة والعلاقات التطورية، للتنبؤ بأشكال
البروتينات بدقة عالية (الشكل1)[4].
تشمل ميزات برمجية ألفا فولد الرئيسة ما يلي[5]:
- تراصف السلسلة المتعدد (Multiple sequence alignment, MSAs): تحلل برمجية ألفا فولد أنماط الحفظ والتنوّع عبر التسلسلات البروتينية ذات الصلة تطوّريًا لاستنتاج القيود البنيوية.
- آليات الانتباه: مستوحاة من تقنيات معالجة اللغة الطبيعية، إذ تستخدم برمجية ألفا فولد طبقات الانتباه بهدف التركيز على الأجزاء ذات الصلة من التسلسل وعلاقاتها.
- هيكلية متكاملة: على عكس الطرق التقليدية التي تتطلب خطوات وسيطة، تتنبأ برمجية ألفا فولد بالهياكل مباشرةً من بيانات التسلسل.
- دقة بنيوية: في مسابقة التقييم الحرج لتنبؤ بنية
البروتين (Critical Assessment of Structure Prediction, CASP) في عام 2020، حققت برمجية ألفا فولد متوسط درجة اختبار المسافة العالمية (GDT) بنسبة 92.4 في المئة، وهي النسبة التي تقترب من دقة التجارب (Experimental accuracy)[6].
أحد أشكال البروتين التي تنبأت بها برمجية ألفا فولد
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
قاعدة بيانات ألفا فولد
في عام 2021، أصدرت "ديبمايند" قاعدة بيانات بُنية
البروتين ألفا فولد بالتعاون مع
المعهد الأوروبي للمعلوماتية الحيوية، التابع لمختبر البيولوجيا الجزيئية الأوروبي (EMBL-EBI)[7]. تحتوي هذه الموارد المجانية على هياكل متوقعة لأكثر من 200 مليون
بروتين، وتشمل جميع
البروتينات المعروفة تقريبًا من
الجينومات المتسلسلة، وتُعدّ هذه البيانات البنيوية خرائط غوغل لعالم البروتين.[8]
التطبيقات
شملت قدرات برمجية ألفا فولد العديد من المجالات والتطبيقات، منها:
- اكتشاف الأدوية وتطويرها: تسّرع برمجية ألفا فولد عملية اكتشاف الأدوية من خلال توفير هياكل بروتينية مفصلة، ما يتيح للباحثين تحديد الأهداف القابلة للعلاج بثقة أكبر، وإجراء فحص افتراضي، كذلك ربط جزيئات صغيرة بالبروتينات، وتصميم أدوية جديدة لتثبيط بروتينات محددة أو تعديلها. على سبيل المثال، استُخدمت برمجية ألفا فولد لنمذجة هياكل
البروتينات الرئيسة في أمراض مثل
مرض فيروس كورونا (COVID-19) والسرطان والأمراض التنكسية العصبية (Neurodegenerative diseases)، ما ساعد في تطوير استراتيجيات علاجية جديدة.[9]
- فهم الأمراض الجينية: قد تسبب
الطفرات {{الطفرة: هي تغيرات دائمة في تسلسل الحمض النووي لجينوم الكائن الحي، وقد تؤدي إلى تأثيرات بيولوجية متنوعة تتراوح بين الطفيفة والمهددة للحياة. يُعدّ وجود الطفرات أساسيًّا في عمليات التطور وزيادة التباين الجيني بين الأفراد، إذ تمثل المصدر الرئيس للتنوع الوراثي الذي يعمل عليه الانتخاب الطبيعي.}} تعطيل وظيفة
البروتينات وطيّها، التي تكون سببًا في نشوء العديد من الأمراض. تساعد برمجية ألفا فولد الباحثين على التنبؤ بكيفية تأثير
الطفرات المحددة في بنية البروتين، ما يوفر رؤى حول الاضطرابات الجينية، مثل التليّف الكيسي(Cystic fibrosis) وفقر الدم المنجلي (Sickle cell anemia)، وتطوير العلاجات المستهدفة لهذه
الطفرات[10].
- علم الأحياء التركيبي: يصمم العلماء في علم الأحياء التركيبي (Synthetic biology)
بروتينات جديدة لأغراض صناعية أو زراعية أو علاجية، وتبسّط التنبؤات الدقيقة لبرمجية ألفا فولد تصميم
الإنزيمات والأجسام المضادة {{الأجسام المضادة: (Antibodies) هي بروتينات على شكل حرف Y تُنتجها الخلايا البائية كجزء من الاستجابة المناعية التكيفية، وهي مصممة خصيصًا للتعرف على المستضدات (مثل مسببات الأمراض والسموم) وتحييدها. يتكون كل جسم مضاد من سلسلتين ثقيلتين وسلسلتين خفيفتين. يُشكل ذراعا الجسم المضاد Y مواقع ربط المستضد (مناطق Fab)، بينما يُمثل الذيل المنطقة الثابتة (Fc) التي تُدير وظائف المستجيب المناعي. هناك عدة فئات من الأجسام المضادة تختلف في بنيتها ووظيفتها: IgG (الأكثر وفرة في الدم)، IgM (المستجيب الأول)، IgA (مناعة الغشاء المخاطي)، IgE (الحساسية)، IgD (تنشيط الخلايا البائية).}} والجزيئات الحيوية الأخرى ذات الخصائص المطلوبة، ما يسرّع الابتكار في مجالات الوقود الحيوي والمواد المستدامة.[11]
- الزراعة والأمن الغذائي: تسهم برمجية ألفا فولد في توضيح هياكل
البروتينات المشاركة في نمو المحاصيل الزراعية ومقاومة الأمراض واستخدام المغذيات، وتعزيز الأمن الغذائي العالمي[12].
- العلوم البيئية: يُعدّ فهم
البروتينات في النظم البيئية حاسمًا في معالجة التحديات العالمية، مثل تغيّر المناخ والتلوّث. كما تساعد برمجية ألفا فولد في دراسة الإنزيمات المشاركة في احتجاز الكربون، والمعالجة البيولوجية، وتحلل البلاستيك، ما يمهّد الطريق لحلول مستدامة[13].
- البحث الأساسي: تمكّن برمجية ألفا فولد من الكشف عن هياكل
البروتينات التي لم تصنَّف من قبل، ما يتيح اكتشافات جديدة في مجال
بيولوجيا الخلية (Cell biology)، وعلم المناعة (Immunology)، وعلم الأحياء التطوري (Developmental biology). فمثلًا، استخدم الباحثون ألفا فولد في دراسة
البروتينات القديمة للبحث في أصول الحياة[14].
التحديات والقيود
بالرغم من فوائدها الكثيرة وإسهاماتها الواسعة، فإن برمجية ألفا فولد تواجه بعض القيود، منها:[15]
- الهياكل الديناميكية:
البروتينات جزيئات ديناميكية تتبنى تشكيلات متعددة، لذلك قد تتنبأ برمجية ألفا فولد بهياكل ثابتة لا تعكس النطاق الكامل للحالات الوظيفية.
- المجمعات والتفاعلات: بالرغم من تحسن أداء نسخة ألفا فولد 3 في التنبؤ بالمجمعات البروتينية، فإن التحديات ما تزال قائمة بالنسبة للتجمعات الكبيرة والتفاعلات العابرة.
- التعديلات بعد الترجمة: لا تأخذ برمجية ألفا فولد في الاعتبار التعديلات التي يمكن أن تغيّر بنية البروتين ووظيفته، مثل الفسفرة أو الارتباطات السكرية.
التوجهات المستقبلية
تتطلب التحديات التي تواجهها برمجية ألفا فولد مزيدًا من التقدّم في
الذكاء الاصطناعي، إلى جانب دمجها مع الأساليب التجريبية، غير أن نجاحها ألهم تطوير أدوات ونُهج جديدة في
علم الأحياء البنيوي وما بعده، منها[16]:
- النمذجة التكاملية: الجمع بين تنبؤات ألفا فولد والبيانات التجريبية لتحسين الهياكل ودراسة الديناميكيات.
-
الذكاء الاصطناعي للجزيئات الحيوية الأخرى: توسيع نهج الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بهياكل الأحماض النووية RNA وDNA، وكذلك تفاعلاتها مع
البروتينات.
- الطب الشخصي: استخدام برمجية ألفا فولد لتخصيص العلاجات بناءً على المتغيّرات البروتينية الفردية لدى المرضى[17].
المراجع
“AlphaFold and its Impact on Structural Biology.” European Molecular Biology Laboratory (EMBL-EBI). at: https://acr.ps/1L9BPiK
“AlphFold Protein Structure Database.” DeepMind. at: https://acr.ps/1L9BP42
“Critical Assessment of Techniques for Protein Structure Prediction.” CASP14. at: https://acr.ps/1L9BPMP
Jumper, John et al.“Highly Accurate Protein Structure Prediction with AlphFold.”
Nature. vol. 596 (2021). pp. 583-589.
Senior, Andrew W. et al. “Improved Protein Structure Prediction Using Potentials from deep learning.”
Nature. vol. 577 (2020). pp. 706-710.
Tunyasuvunakool, Kathryn et al. “Highly Accurate Protein Structure Prediction for the Human Proteome.”
Nature. vol. 596 (2021). pp. 590-596.
[1] John Jumper et al.,“Highly Accurate Protein Structure Prediction with AlphFold,”
Nature, vol. 596 (2021), pp. 583-589, doi:
10.1038/s41586-021-03819-2
[2] Andrew W. Senior et al., “Improved Protein Structure Prediction Using Potentials from deep learning,”
Nature, vol. 577 (2020), pp. 706-710. doi:
10.1038/s41586-019-1923-7
[3] Jumper et al.
[4] Ibid.
[5] Ibid.
[6] “Critical Assessment of Techniques for Protein Structure Prediction,” CASP14, accessed on 27/4/2025, at:
https://predictioncenter.org/casp14/index.cgi
[7] “AlphaFold and its Impact on Structural Biology,” European Molecular Biology Laboratory (EMBL-EBI), accessed on 27/4/2025, at: https://acr.ps/1L9BPiK
[8] “AlphFold Protein Structure Database,” DeepMind, accessed on 22/4/2025, at:
https://alphafold.ebi.ac.uk/
[9] Kathryn Tunyasuvunakool et al., “Highly Accurate Protein Structure Prediction for the Human Proteome,”
Nature, vol. 596 (2021), pp. 590-596, doi:
https://doi.org/10.1038/s41586-021-03828-1
[10] Ibid.
[11] Jumper et al.
[12] “AlphaFold and its Impact on Structural Biology.”
[13] Ibid.
[14] Jumper et al.
[15] Ibid.
[16] Ibid.
[17] Tunyasuvunakool et al.