تسجيل الدخول

أبو عبيد البكري

​اسم الولادة
عبد الله بن عبد العزيز بن محمّد بن أيوب بن عمرو البكري
الكنيةأبو عبيد البكري
تاريخ الميلاد
430هـ/ 1039م
مكان الميلادولبة، الأندلس
تاريخ الوفاة487هـ/ 1094م
مكان الوفاةولبة، الأندلس
المجال العلمي
التاريخ، الجغرافيا
الإقليمالأندلس

عبد الله بن عبد العزيز بن محمّد بن أيوب بن عمرو البكري (430هـ/ 1039م - 487هـ/ 1094م)، المكنّى بأبي عبيد، كاتب موسوعي أندلسي برز في حقل الجغرافيا خصوصًا، وله مؤلفات في اللغة والأدب. يعدّ برفقة محمد الشريف الإدريسي (1100-1165) أكبرَ جغرافيّي الغرب الإسلامي. عاش ونشأ في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، وشهد بعد تقدمه في العمر دخولَ المرابطين إلى الأندلس. قضى حياته كلها في الأندلس، وخصّصها لتلقي العلم والتأليف في شتى المجالات، ولم يَزُرْ أيَّ منطقة من المناطق التي كتب عنها في أعماله الجغرافية.

حياته

ينحدر البكري من مدينة وِلْبَة {{وِلْبَة: (Huelva) مدينة إسبانية تقع جنوب غرب الأندلس، عُرفت في العهد الإسلامي باسم "وانبة"، كانت مركزًا ثقافيًّا وتجاريًّا مهمًا، وارتبطت بأسماء علماء بارزين. اليوم تعتمد على الزراعة والتعدين والسياحة، وتُعدّ من المدن المتوسطة الحجم قرب الحدود البرتغالية.}} الأندلسية، وعاش الحقبة الأولى من حياته بجزيرة شلطيش (Saltés) الصغيرة التي تقع في وادي ولبة، في الكورة الواقعة جنوب غرب إسبانيا وشرق البرتغال[1]. تولّى جدّه الأوّل أيّوب بن عمرو قضاء بلده، ووُلّي جدّه أبو زيد محمّد بن أيّوبولبةَ وشلطيشَ وما بينهما من الثغر الغربي. وعلى إثر سقوط الخلافة الأمويّة، كان عام 403هـ/ 1012م على رأس هذه الإمارة الصغيرة التي نشأت في الركن الجنوبي الغربي بالأندلس، على ساحل المحيط الأطلسي. وظلّ ابنه عزّ الدولة عبد العزيز البكري أميرًا لها إلى أن انتزعها منه المعتضد بن عبّاد {{المعتضد بن عبّاد: (ت. 461هـ/ 1069م) ثاني ملوك بني عباد في إشبيلية، حكم من عام 433هـ/ 1041م حتى وفاته عام 461هـ/ 1069م، عُرف بالدهاء والقوة، وسعى لتوسيع ملكه، لكنه اشتهر أيضًا بالقسوة. كان راعيًا للأدب، وخلفه ابنه المعتمد بن عباد.}} صاحب إشبيلية عام 443هـ/ 1051م. واستمرّ حكم البكريين بشلطيش وما إليها 41 عامًا[2].


مثّلت إشبيلية محطّة أولى في تنقّلات عبد العزيز البكري قبل أن يستقرّ بقرطبة تحت حماية أميرها أبي الوليد محمّد بن جوهر {{الوليد محمّد بن جوهر: (391هـ/ 1001م – 462هـ/ 1070م) ثاني حكام قرطبة، تولّى الحكم بعد والده وسعى للصلح بين ملوك الطوائف، اهتم بالعلم والأدب، وقرّب العلماء، لكن حكم أسرته انتهى بسقوط قرطبة في يد المعتمد بن عباد ونُفي بعدها إلى شلطيش.}}، إذ أشار ابن عذاري أن "المعتضد بن عبّاد صيّره إلى إشبيلية وأجرى عليه الأرزاق إلى أن مات في حدود خمسين وأربعمائة"[7]. وفي عام 456هـ/ 1094م، انتقل أبو عبيد البكري إلى ألْمرية {{ألْمرية: (بالإسبانية: Almería) مدينة ساحلية جنوب شرق الأندلس، أسّسها عبد الرحمن الناصر عام 344هـ/ 955م كميناء عسكري وتجاري، ازدهرت في عصر الطوائف والمرابطين، وتضم قلعة إسلامية ومسجدًا تاريخيًّا. سقطت بيد الإسبان عام 1489م، وتحول مسجدها إلى كنيسة.}}، فقد كان مقرّبًا من أميرها محمّد بن معن من بني صمادح {{محمّد بن معن من بني صمادح: (ت. 484هـ/ 1091م) أمير طائفة ألمرية، لُقّب بالمعتصم بالله، اشتهر بالعدل ورعاية الأدب، وازدهر بلاطه بالشعراء، سقطت دولته على يد المرابطين، وفرّ إلى المغرب بعد حصار ألمرية، تاركًا أثرًا ثقافيًّا بارزًا في الأندلس.}}. ولمّا استولى المرابطون على الأندلس، عاد إلى قرطبة، إذ ذُكر بها عام 484هـ/ 1091م، وقضّى فيها بقيّة أيّامه. كان شاهد عيان على دخول المرابطين الأندلسَ وعلى نهاية ملوك الطوائف، وقد أرّخ لبداية الحركة المرابطيّة في كتابه المسالك والممالك.

أخذ البكري في قرطبة عن المؤرّخ أبي مروان بن حيّان القرطبي (ت. 469هـ/ 1076م)، صاحب كتاب المقتبس في تاريخ الأندلس، وعن الجغرافي أبي العبّاس أحمد بن عمر العذري {{أبي العبّاس أحمد بن عمر العذري: (ت. 478هـ/ 1085م) مؤرخ وجغرافي أندلسي، اشتهر بكتابه نظام المرجان في المسالك والممالك، ودلائل النبوة، رحل إلى مكة المكرمة والمشرق، وخلّف تراثًا علميًّا مهمًا في الجغرافيا والتاريخ الإسلامي.}} بألمريّة، ويبدو أنّه تأثّر به في الأسلوب الذي اتّخذه في تأليفه المصنّفاتِ الجغرافيّة. كما أخذ عن علماء آخرين مثل أبي بكر المصحفي والحافظ أبي عُمَر بن عبد البرّ {{الحافظ أبي عُمَر بن عبد البرّ: (ت. 463هـ/ 978م) فقيه ومحدث أندلسي من قرطبة، يُعدّ من كبار علماء المالكية، ألّف كتبًا مهمة مثل التمهيد والاستذكار والاستيعاب، وامتاز بسعة العلم ودقة الرواية، فخلّف تراثًا علميًّا مؤثرًا في الفقه والحديث.}} الذي أجازه.

لم يمنع التفكّك السّياسي زمن ملوك الطوائف من تواصل البريق الثّقافي بالأندلس، ولعلّ هذه الأوضاع المتردّية ومحنة البكريين تفسّر ابتعاد البكري عن السّياسة وإقباله على العلم والكتب. وقد كان حريصًا على اختيار المصنّفات التي كُتِبت بخطوط المشاهير[8].

آثاره

عُدّ البكري، بسبب تعدّد مواهبه، من "مفاخر الأندلس" و"أحد الرؤساء الأعلام"[9]، إذ قال عنه ابن بشكوال إنه "من أهل اللّغة والآداب الواسعة والمعرفة بمعاني الأشعار والغريب والأنساب والأخبار، مُتْقِنًا لما قيّده، ضابطًا لما كتبه، جميل الكُتب، متهيّمًا بها"[10]. ونعته ابن بسّام (ت. 542هـ/ 1147م) بـ "الوزير"[11]، مضيفًا جملة من شعره[12]، معتبرًا أنّه "آخر علماء أفقنا بالأوان، وأوّلهم بالبراعة والإحسان"[13]. وأضاف ابن خاقان {{ابن خاقان: (ت. 529هـ/ 1135م) أديب ومؤرخ أندلسي من إشبيلية، ألّف قلائد العقيان ومطمح الأنفس، وامتاز بأسلوبه البليغ، تولّى الوزارة في عهد المرابطين، وقُتل في مراكش إثر خلاف سياسي، تاركًا أثرًا أدبيًّا بارزًا.}} أنه "عالم الأوان ومصنّفه، ومقرّظُ البيان ومشنّفه، بتواليف كأنّها الخرائد، وتصانيف أبهى من القلائد [...] وأمّا الأدب، فهو كان منتهاه، ومحلّ سهاه، وقطب مداره"[14]. وهو فقيه لدى ابن عذاري[15].

ألّف البكري عدة مصنّفات في شتّى الأغراض، ولا سيّما في الأدب وفقه اللغة والجغرافيا.

المؤلّفات اللغويّة

أ. سمط اللآلي في شرح أمالي القالي

وهو شرح لكتاب الأمالي لأبي علي القالي (ت. 356هـ/ 967م)، الذي يعدّ من أمّهات المصنّفات في الأدب العربي التي عُنيت برواية الشعر والأدب وبذكر نوادره وتفسير غوامضه. أملاه صاحبه القالي البغدادي بقرطبة بعد أن انتقل إلى الأندلس. اتّبع البكري في شرحه طريقة تقييد كلّ ما يمرّ به من الفوائد، تاركًا ما لم يقف له على أثر من الأبيات بياضًا، وهو ما أكمله محقّق الكتاب الذي اعتبر أنّ أبا عبيد وقع في بعض الأغلاط[16]. قدّم البكري للكتاب بقوله: "هذا الكتاب شرحتُ فيه من النّوادر التي أمَلَّها أبو علي بن إسمعيل بن القاسم القالي ما أغفل، وبيّنتُ من معاني منظومها ومنثورها ما أشكل، ووصلتُ من شواهدها وسائر أشعارها ما قطع، ونسبتُ من ذلك إلى قائليه ما أهمل [...] ونبّهتُ على ما وهم فيه تنبيه مصنّف لا متعسّف ولا معاند، محتجّ على جميع ذلك بالدّليل والشاهد"[17]. واتّبع أبو عبيد نسقَ كتاب الأمالي في شرحه، مستعملًا عبارات: "قال المؤلّف"، "قال أبو علي"، "يقول"، "ذكر أبو علي"، "أنشد أبو علي"[18].

ب. كتاب التّنبيه على أوهام أبي علي في أماليه

نبّه فيه البكري إلى الأخطاء الواردة في الأمالي، إذ قال في هذا الصّدد: "وهذا ممّا أهمله أبو علي ولم يفسّر معناه، وكثيرًا ما يشغله تفسير ظاهر اللّغة عن تفسير غامض المعاني، وقد أفردتُ لشرح معاني نوادره كتابًا غير هذا"[19].

ج. فصل المقال في شرح كتاب الأمثال

شرح فيه البكري كتاب الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلاّم (ت. 224هـ/ 838م)، وقد أبان فيه عن سعة اطّلاعه، فأغنى شرحه بالتّحقيقات في اللّغة والأنساب والشّعر، منبّهًا إلى ما أجمله ابن سلّام ومتتبّعًا زلّاته، محاولًا إصلاحها. قال البكري مبيّنًا منهجه: "تصفّحتُ كتاب الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلّام فرأيته قد أغفل تفسير كثير من الأمثال فجاء بها مهملة، وأعرض عن كثير من أخبارها فأوردها مرسلة، فذكرتُ من تلك المعاني ما أشكل، ووصلتُ من تلك الأخبار بأمثالها ما فصل"[20]، إلاّ أنّ محقّقَيْ الكتاب أشارا إلى الهنات التي وقع فيها البكري في تعقّبه لأبي عبيد.

المؤلّفات الجغرافية

أ. معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع[21]

ورد ذكره في سمط اللآلي وفي مقدّمة معجم البلدان لياقوت الحموي. وهو معجم لأسماء المواقع (المنازل والديار والقرى والأمصار والجبال والآثار وغيرها) بالجزيرة العربية، مع مقدّمة خصّت جغرافيّة هذه المجالات ومواضع القبائل فيها. اعتمد المؤلف على أقوال اللّغويين والجغرافيين القدامى، وذلك فضلًا عن الأخبار والرّوايات والشعر وحرص، على عادة أهل الأندلس، على الحفاظ على الرّوابط مع المشرق، وفكّ رموز الأسماء الواردة في الأدب والشّعر والأحاديث النبويّة. ونضج هذا المنهج في تأليف المعاجم الجغرافيّة عند ياقوت الحموي في معجم البلدان.

ب. كتاب المسالك والممالك

يعتبر من أهمّ المصنّفات الجغرافيّة العربيّة التي وصلتنا، بعد أن بلغ علم الجغرافيا درجة متقدّمة في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي مع ابن حوقل {{ابن حوقل: (ت. 367هـ/ 977م) رحالة وجغرافي مسلم من نصيبين، ألّف كتاب صورة الأرض الذي وثّق فيه مشاهداته خلال رحلاته في العالم الإسلامي، ويُعد من أبرز كتب الجغرافيا في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي.}} والمقدسي (ت. 380هـ/ 990م). ويرجّح أنّه ألّفه في مرحلة النّضج، وعلى مراحل تيسيرًا للرّحلات، وذلك على منوال كتابالمسالك والممالك لابن خرداذبه (ت. 280هـ/ 893م). لم يتجاوز تاريخ الأحداث التي ذكرها عام 460هـ/ 1068م. عالج في الكتاب بدقّة الجغرافية البشريّة لشعوب العالم، ولا سيّما في الأندلس وأوروبا والمغرب وأفريقيا جنوب الصحراء، وتطرّق إلى معلومات تاريخيّة متفرّقة تخصّ الحقبتين القديمة والوسيطة. بدأ بذكر البلدان والشعوب بصفة عامّة، ثمّ تناول كلًّا منها إليها على انفراد، فتحدّث عن سكّانها وعن حدود الأقطار والملوك، ووصف المناخ والطّبيعة وحياة الناس وعاداتهم، وأولى أهمّية إلى الطرقات البحريّة والمراسي إلى حدّ الترجيح بأنه اعتمد على خريطة بحريّة، إذ جاءت المعطيات المتعلّقة بالموانئ والمراسي الممتدّة على طول سواحل بلاد المغرب والمقابلة في جهة الشمال لمواني الأندلس دقيقةً في وصفها وقياس المسافات بينها.

ولئن تضمّن هذا المصنّف معطيات جغرافيّة وتاريخيّة واقتصاديّة واجتماعيّة حول العالم المعروف وقتذاك، فإنّ مصادره ليست الرّحلة والمشاهدة المباشرة، بل اعتمدت الكتب والوثائق، ممّا يعني أنّها لا تخصّ في كثير من الأحيان القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي بقدر ما اقترنت بتاريخ سابق، بقرن من الزمن أو أكثر، وذلك باستثناء المادّة الخاصّة بالمغرب الأقصى التي وقع تحيينها عن طريق شهادات مباشرة. ومهما يكن من أمر، حرص البكري على ذكر مصادره، سواء أنقل بعض فقراتها حرفيًّا أم لخّصها.

ذكر البكري كتاب تاريخ الطبري نحو 130 مرّة في كتابه المسالك والممالك، مستعملًا عبارات مثل: "الطبري"، "أبو جعفر"، "محمّد بن جرير"، "ط"، وذكر كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر للمسعودي نحو 330 مرّة بقوله: "المسعودي"، "أبو الحسن"، "س". كما أشار إلى كتاب المعارف لابن قتيبة، وكتاب فتوح البلدان للبلاذري، وكتاب فتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم، وكتاب العجائب للوصيفي (ذكره 120 مرّة)، وكتاب التاريخ للقوطي أوروشيوش[22] الذي تُرجم إلى العربيّة بالأندلس، كما اعتمد على مصادر أخرى مترجمة[23]. واعتمد المصادر الجغرافيّة المشرقيّة مثل كتاب البلدان لليعقوبي وكتاب الأعلاق النّفيسة لابن رسته الذي ذكره 60 مرّة، وكتاب المسالك والممالك لابن خرداذبه، وكذلك كتاب مسالك الممالك للإصطخري، وكتاب البلدان لابن الفقيه، وكتاب صورة الأرض لابن حوقل.

شكّلت بعض المصنّفات الضائعة أساسَ كتاب المسالك، وخصوصًا أعمال محمّد بن يوسف الورّاق (ت. 363هـ/ 973م) في القسم الخاصّ بأفريقيا والمغرب وبلاد السودان والتّجارة الصحراويّة، إبراهيم بن يعقوب الطرطوشي الذي ارتحل إلى أوروبا الغربية وبلاد الصقالبة، وهو نصّ انفرد بذكره البكري. كما استفاد البكري من وثائق أرشيفيّة لكتابة تاريخ الأدارسة وبرغواطة. أمّا في حديثه عن الأندلس، فقد أحال على أحمد بن محمّد الرازي. ويُرجَّح أنّه استفاد من كتب شيخه أبي العبّاس أحمد العذري في ما يتعلّق ببعض البلدان المتوسّطيّة والأوروبيّة.

احتوى كتاب المسالك على جزأين؛ تضمّن الأوّل مقدّمة، وهي مفقودة، تلتها توطئة تاريخيّة تخصّ بدء الخليقة وذكر الأنبياء، وذلك على غرار المصنّفات السّابقة، مثل تاريخ الطّبري ومروج الذّهب للمسعودي. وتناول بعدها المعتقدات والهياكل الدينيّة، ثمّ شرع في دراسة الجغرافيا العامّة لمختلف البلدان: الهند، والصّين، والتّرك، والشّام، وفارس، والإغريق، والسّودان، والبربر، والصّقالبة، والفرنج، والجلالقة، فملوك اليمن والحجاز والعراق وغيرها.

أمّا في الجزء الثّاني، فقد خصّص فصولًا دقيقة لبلاد الشّام والرّوم والرّوس، وتناول بعدها مصر، ومنها انتقل إلى بلاد المغرب التي حظيت بقسط وافر من المعطيات حول المسالك والمدن. وانطلاقًا من الصحراء الغربية (أغمات وسجلماسة)، انتقل إلى قيام الدولة المرابطية والتّجارة الصحراويّة وبلاد السودان. وتعتبر هذه المادة أهمّ فصول الكتاب وأغزرها مادّة، مقارنة ببقيّة المصادر العربيّة. وانتهى بالحديث عن الأندلس وبلاد جلّيقيّة (غاليسيا بشمال غرب شبه الجزيرة الإيبيرية) والفرنجة بأوروبا الغربية، وهو فصل ناقص. عُدّ مسالك البكري من أهمّ المصادر الجغرافيّة التي اعتمدها المؤرّخون والجغرافيون اللّاحقون، ومن بينهم ابن خلدون (ت. 808ه/1406)، فقد أخذ عنه في عدّة مواضع، واعتبر أنّ التحوّلات الحاصلة في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي عبّر عنها كتاب المسالك والممالك للبكري. إلاّ أنّه لم يَسْلَم من النّقد في سياق تفسير ظاهرة الوخم بقابس، إذ قال ابن خلدون: "والبكري لم يكن من نباهة العلم واستنارة البصيرة بحيث يدفع مثل هذا أو يتبيّن خرقه، فنقله كما سمعه"[24].

نَشر القسم الخاصّ ببلاد المغرب المستشرق الفرنسي من أصل إيرلندي وليام دي سلان (William McGuckin Baron de Slane، 1801-1878) بالجزائر عام 1911، وترجمه إلى الفرنسيّة عام 1913[25]، ونُشرت فصول منه متفرّقة خاصّة بأفريقيا السّوداء والأندلس وأوروبا. ونشره كاملًا في جزأين أدريان ڤان ليوڤن وأندريه فيري، وتولّت زينب الهكّاري تحقيق قسم منه[26]، إلّا أنّ هذه النّشرات العديدة لم تحقّق الضّبط النّهائي لأسماء المواضع والمواقع.

الكتب المفقودة

للبكري عدة كتب مفقودة في اللغة نذكر منها:

أ. كتاب الإحصاء لطبقات الشّعراء: ورد ذكره في اللّآلي[27].

ب. شفاء عليل العربيّة: كتاب في اللّغة، ذكره حاجي خليفة[28] والبغدادي في هديّة العارفين[29].

ج. كتاب صلة المفصول في شرح أبيات الغريب المصنّف: مؤلَّف آخر في الشّروح اللّغويّة لكتاب الغريب المصنّف لأبي عبيد القاسم بن سلّام. ذكره البكري في اللّآلي وابن خير في الفهرسة[30].

مؤلّفات أخرى

أ. كتاب في أعلام نبوّة نبيّنا: مصنّف في الدّين، ذكره ابن بشكوال وابن الأبّار، وهو مفقود.

ب. كتاب النّبات: تناول فيه أصناف النّبات وفق التّرتيب الأبجدي. اعتمده ابن عبدون الإشبيلي في تأليف كتابه عمدة الطّبيب في شرح الأعشاب. وذكره ابن خير الإشبيلي في الفهرسة وابن أبي أصيبعة (ت. 668ه/ 1270م) في طبقاته، إذ سمّاه كتاب أعيان النّبات والشّجريات الأندلسية، وهو مفقود[31].

ج. التّدريب والتّهذيب في ضروب أحوال الحروب: ورد ذكره في معجم ما استعجم[32].

الوفاة

توفّي البكري، حسب ابن بشكوال، بقرطبة ودفن في مقبرة أمّ سلمة في شهر شوّال من عام 487هـ/ أكتوبر-نوفمبر 1094م[3]. وقد نقل هذا التاريخ الصفدي (ت. 764هـ/ 1363م) والسيوطي (ت. 911هـ/ 1505م)[4]. وانفرد الضبّي (ت. 599هـ/ 1203م)[5] بذكر تاريخ وفاة مختلف للبكري، إذ أورد أنه توفي عام 496ه/1102م، ونعته بـ "ذي الوزارتين". أمّا تاريخ ولادته فلم يكن أكثر وضوحًا، فقد ذكره ابن الأبّار (ت. 658هـ/ 1260م) في سياق أحداث عام 443هـ/ 1052م قائلًا: وكان من "الفتيان [يبذّ] الأقران جمالًا وبهاءً وسرْوًا وأدبًا ومعرفةً"[6]، ما يعني أنّه وُلد بين عامي 423ه/ 1032م و430هـ/ 1039م، وأنّ عمره عند الوفاة لم يتجاوز 64 عامًا.


المراجع

العربية

ابن الأبّار، أبو عبد الله محمّد بن عبد الله. كتاب الحلّة السيراء. حققه وعلّق حواشيه حسين مؤنس. ط 2. القاهرة: دار المعارف، 1985.

ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء، شرح وتحقيق نزار رضا. بيروت: دار مكتبة الحياة، [1965].

ابن بسّام الشنتريني، أبو الحسن علي. الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة. تحقيق إحسان عبّاس. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2000.

ابن بشكوال، أبو القاسم خلف بن عبد الملك. كتاب الصلة في تاريخ أئمة الأندلس وعلمائهم ومحدثيهم وفقهائهم وأدبائهم. عُني بنشره وصحّحه وراجع أصله عزّت العطّار الحسني. ط 2. القاهرة: مكتبة الخانجي، 1955.

ابن خاقان، أبو نصر الفتح محمد. قلائد العِقيان ومحاسن الأعيان. حقّقه وعلّق عليه حسين يوسف خريوش. الزرقاء: مكتبة المنار، 1989.

ابن خير الإشبيلي، أبو بكر محمّد. فهرسة ما رواه عن شيوخه من الدواوين المصنفة في ضروب العلم وأنواع المعارف. وقف على نسخها وطبعها ومقابلتها على أصل محفوظ في خزانة الاسكوريال فرنسشكة قدارة خليان ربارة طرغوة. ط 3. القاهرة: مكتبة الخانجي، 1997 [1893].

ابن عِذَارِي المراكشي، أحمد. البيان المُغرِب في أخبار الأندلس والمغرب، ج 3: تأريخ إفريقية والمغرب من الفتح إلى القرن الرابع الهجري. تحقيق ومراجعة إيفاريست ليفي بروفنسال وجورج سيرافين كولان. ط 3. بيروت: دار الثقافة، 1983.

البغدادي، إسماعيل باشا. هديّة العارفين: أسماء المؤلفين وآثار المصنفين. مج 1. بيروت: دار إحياء التراث العربي، [د. ت.] [1951].

البكري، أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز. الجزء الثالث من سمط اللآلي وهو ذيل اللآلي: شرح لذيل أمالي القالي ولصلة ذيله وتنبيه على أغلاطه المعدودة فيهما. تحقيق عبد العزيز الميمني. القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1935.

________. الجزء الأول من سمط اللآلي، ويحتوي على النصف الأول اللآلي في شرح أمالي القالي. نسخه وصححه ونقحه وحقق ما فيه واستخرجه من بطون دواوين العلم عبد العزيز الميمني. القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1936.

________. فصل المقال في شرح كتاب الأمثال. حققه وقدم له إحسان عبّاس وعبد المجيد عابدين. بيروت: مؤسّسة الرّسالة؛ دار الأمانة، 1971.

________. معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع. عارضه بمخطوطات القاهرة وحققه وضبطه مصطفى السقّا. ط 3. بيروت: عالم الكتب، 1403هـ [1983م].

________. كتاب المسالك والممالك. حققه وقدّم له أدريان فان ليوفن وأندري فيري. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1992.

________. كتاب التّنبيه على أوهام أبي علي في أماليه. ط 2. القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 2000.

________. المسالك والممالك: الجزء الخاصّ ببلاد المغرب. الرّباط: مطبعة رباط نيت، 2012.

حاجي خليفة. مصطفى بن عبد الله. المجلد الثاني من كتاب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون. عُني بتصحيحه وطبعه وتعليق حواشيه محمد شرف الدين يالتقايا ورفعت بيلكه الكليسى. بيروت: دار إحياء التراث العربي، [د. ت.].

الضبّي، أحمد بن يحيى. بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس. تحقيق إبراهيم الأبياري. القاهرة: دار الكتاب المصري؛ بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1989.

الأجنبية

Bazzana, André & Patrice Cressier. Shaltîsh/ Saltés (Huelva): Une ville médiévale d’Al-Andalus. Madrid: Casa de Velazquez, 1989.

Vernet, Juan. “Bakrī, al-.” in: Charles Coulston Gillispie et al. (eds.). Dictionary of Scientific Biography. vol. I. New York: Charles Scribner’s Sons, 1970.

[1] يُنظر حول شلطيش وولبة الواقعة غرب إشبيلية:

André Bazzana & Patrice Cressier, Shaltîsh/ Saltés (Huelva): Une ville médiévale d’Al-Andalus (Madrid: Casa de Velazquez, 1989), pp. 11, 48.

[2] محمّد بن الأبّار، كتاب الحلّة السيراء، ج 2: يضم تراجم أهل المئات الخامسة والسادسة والسابعة ومن لم يُؤثر عنهم شعر، حقّقه وعلّق حواشيه حسين مؤنس، ط 2 (القاهرة: دار المعارف، 1985)، ص 184. يقول ابن عذاري: "فكانت دولته أربعين سنة"، يُنظر: أحمد بن عِذَارِي المراكشي، البيان المُغرِب في أخبار الأندلس والمغرب، ج 3: تأريخ إفريقية والمغرب من الفتح إلى القرن الرابع الهجري، تحقيق ومراجعة إيفاريست ليفي بروفنسال وجورج سيرافين كولان، ط 3 (بيروت: دار الثقافة، 1983)، ص 240-242، 299.

[3] خلف بن بشكوال، كتاب الصلة في تاريخ أئمة الأندلس وعلمائهم ومحدثيهم وفقهائهم وأدبائهم، عُني بنشره وصحّحه وراجع أصله عزّت العطّار الحسني، ج 1، ط 2 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1955)، ص 278.

[4] خليل الصفدي، كتاب الوافي بالوفيات، ج 17، تحقيق واعتناء أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 2000)، ص 156؛ جلال الدين السيوطي، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، ج 2 (صيدا: المكتبة العصريّة، [1964])، ص 49.

[5] أحمد الضبّي، بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، تحقيق إبراهيم الأبياري (القاهرة: دار الكتاب المصري؛ بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1989)، ص 449.

[6] ابن الأبّار، ص 182. يُنظر: ابن عِذَارِي، البيان المُغرِب في أخبار الأندلس والمغرب، ج 3 (1983)، ص 242؛ علي بن بسّام الشنتريني، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تحقيق إحسان عبّاس، ج 3 (طرابلس/ تونس: الدار العربية للكتاب، 1978)، ص 234.

[7] ابن عِذَارِي، البيان المُغرِب، ج 3، ص 299. يُنظر: ابن الأبّار، ص 182؛ ابن بسّام الشنتريني، ج 3، ص 234.

[8] يُنظر: ابن بشكوال، ص 277-278؛ ياقوت الحموي، معجم البلدان، مج 2 (بيروت: دار صادر، 1977)، ص 460؛ محمد الذهبي، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، مج 10: 451-500ه، حقّقه وضبط نصه وعلّق عليه بشّار عوّاد معروف (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2003)، ص 577.

[9] ابن الأبّار، ص 185.

[10] ابن بشكوال، ص 277.

[11] ابن بسّام الشنتريني، ج 1، ص 25.

[12] المرجع نفسه، ج 3، ص 237.

[13] المرجع نفسه، ج 8، ص 470.

[14] الفتح محمد بن خاقان، قلائد العِقيان ومحاسن الأعيان، حقّقه وعلّق عليه حسين يوسف خريوش، القسم الثالث (الزرقاء: مكتبة المنار، 1989)، ص 615.

[15] ابن عِذَارِي، البيان المُغرِب، ج 3، ص 299.

[16] أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري، الجزء الثالث من سمط اللآلي وهو ذيل اللآلي، تحقيق عبد العزيز الميمني (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1935)؛ محمّد بن خير الإشبيلي، فهرسة ما رواه عن شيوخه من الدواوين المصنفة في ضروب العلم وأنواع المعارف، وقف على نسخها وطبعها ومقابلتها على أصل محفوظ في خزانة الاسكوريال الشيخ فرانسشكه قداره زيدين وتلميذه خليان ربارة طرغوه، ط 3 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1997 [1893])، ص 326، 519.

[17] البكري، الجزء الأول من سمط اللآلي (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1936)، ص 3.

[18] المرجع نفسه.

[19] البكري، كتاب التّنبيه على أوهام أبي علي في أماليه، ط 2 (القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 2000)، ص 6. يُنظر: ابن خير الإشبيلي، ص 483.

[20] البكري، فصل المقال في شرح كتاب الأمثال، حققه وقدم له إحسان عبّاس وعبد المجيد عابدين (بيروت: مؤسّسة الرّسالة؛ دار الأمانة، 1971)، ص 13؛ يُنظر: ابن خير الإشبيلي، ص 344-345؛ إسماعيل باشا البغدادي، هديّة العارفين: أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، مج 1 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، [د. ت.] [1951])، ص 453.

[21] البكري، معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، عارضه بمخطوطات القاهرة وحققه وضبطه مصطفى السقّا، ط 3 (بيروت: عالم الكتب، 1403ه [1983م]).

[22] اعتمد محقِّقا الكتاب لهذا المؤلّف الإسباني المبكّر اسم بولس أوروزيوس. يُنظر: البكري، كتاب المسالك والممالك، حققه وقدّم له أدريان فان ليوفن وأندري فيري، ج 1 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1992)، ص 19.

[23] Juan Vernet, “Bakrī, al-,” in: Charles Coulston Gillispie et al. (eds.), Dictionary of Scientific Biography, vol. I (New York: Charles Scribner’s Sons, 1970), pp. 313-314.

[24] عبد الرّحمن بن خلدون، تاريخ العلامة ابن خلدون: كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيّام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السّلطان الأكبر، مج 1 (بيروت: دار الكتاب اللبناني؛ القاهرة: دار الكتاب المصري، 1999)، ص 618.

[25] Al Bakri, Description de l'Afrique septentrionale [bilingue arabe-français; extraits de Description géographique du monde connu], trad. par William Mac Guckin de Slane, Alger, 1857; nouvelle édition, Paris: Typographie A. Jourdan, 1913.

[26] أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن البكري، المسالك والممالك: الجزء الخاصّ ببلاد المغرب (الرّباط: مطبعة رباط نيت، 2012).

 [27]البكري، الجزء الأول من سمط اللآلي، ص 77، 231.

[28] مصطفى بن عبد الله حاجي خليفة، المجلد الثاني من كتاب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، عُني بتصحيحه وطبعه وتعليق حواشيه محمد شرف الدين يالتقايا ورفعت بيلكه الكليسى (بيروت: دار إحياء التراث العربي، [د. ت.])، ص 1050.

[29] البغدادي، ص 453.

[30] ابن خير الإشبيلي، ص 343، 502.

 [31] يذكر ابن أبي أصيبعة في طبقاته: "أبو عبيد الله بن عبد العزيز البكري من مرسية، من أعيان أهل الأندلس وأكابرهم، فاضل في معرفة الأدوية المفردة وقواها ومنافعها وأسمائها ونعوتها وما يتعلّق بها. وله من الكتب كتاب أعيان النّبات والشجريات الأندلسيّة". يُنظر: أبو العباس أحمد بن القاسم بن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء، شرح وتحقيق نزار رضا (بيروت: دار مكتبة الحياة، [1965])، ص 500. ورغم الاضطراب الوارد في هذه الفقرة، فالأرجح أنّ المصنَّف هو من تأليف البكري، إذ يقول ابن خير الإشبيلي: "كتاب النبات لأبي عبيد البكري رحمه الله؛ حدّثني به الوزير الكاتب أبو بكر محمّد بن عبد الملك بن عبد العزيز اللّخمي والفقيه أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن عبد الرّحمن القرشي؛ قالا: حدّثنا به أبو عبيد البكري مؤلّفه رحمه الله". يُنظر: ابن خير الإشبيلي، ص 377. وينسبه ابن خير إليه في فهارس الكتب. يُنظر: المرجع نفسه، ص 534.

[32] يُنظر مقدمة المحقق صفحة "ق"، في: البكري، معجم ما استعجم. ويُنظر مقدمة المحقق صفحة "ل"، في: البكري، الجزء الأول من سمط اللآلي.


المحتويات

الهوامش