الموجز
الصهيونية أيديولوجيا تَعدّ اليهود شعبًا، لا طائفة دينية فحسب، وقدمت نفسها عند نشوئها بوصفها أيديولوجيا وحركة قومية هدفها إقامة دولة يهودية في فلسطين مع تجاهل كون فلسطين مأهولة بالسكان. ويستخدمُ الخطابُ الصهيوني النصَّ التوراتي بوصفه الدليل على علاقة اليهود المتواصلة عبر التاريخ مع "أرض إسرائيل" (فلسطين)، كما يستمد جزءًا كبيرًا من مصطلحاته من الديانة اليهودية. نشأت الحركة الصهيونية في أوروبا خلال القرن التاسع عشر بهدف إنشاء كيان سياسي مستقل (دولة قومية) بوصفه الحل للمسألة اليهودية في أوروبا. وقد استثمرت الجهد السياسي الدبلوماسي، والنشاط الاستعماري الاستيطاني في فلسطين في سبيل تحقيق هذا الهدف. وأصبحت الصهيونية أيديولوجيا رسمية للدولة اليهودية بعد تأسيسها.
تمأسس التيار الصهيوني مع عقد
المؤتمر الصهيوني الأول وإنشاء
المنظمة الصهيونية العالمية عام 1897. وتُعرِّف إسرائيل نفسها بأنها تحقيق للفكرة الصهيونية من إعلان الاستقلال والقوانين وصولًا إلى الثقافة السائدة. وقد استخدم المفكرون الصهيونيون تعبير "دولة لليهود"، و"دولة اليهود"، و"دولة يهودية"، في كتبهم ومقالاتهم منذ بداية نشوء الفكرة، ولكن لم يعبَّر عن ذلك في برنامج المنظمة الصهيونية عند بداية تأسيسها، خشية من استفزاز السلطنة العثمانية، أو تنفير البرجوازية اليهودية في البلدان الأوروبية المركزية من نهج بدا مغامرًا في حينه، وقد يؤثر في علاقاتها بدولها.
جمعت الحركة الصهيونية المؤمنين بأن اليهود شعب لا أتباع عقيدة دينية فحسب، والمتطلعين إلى إنشاء دولة يهودية، من تيارات ومشارب وثقافات وبلدان أوروبية مختلفة. لذلك فموضوع الصهيونية يبلغ من التركيب والتعقيد والتشابك مع تواريخ ثقافية وسياسية واقتصادية مختلفة ومتنوعة درجة تصعِّب إيجازه والإحاطة به في الوقت ذاته. وقد تألفت القيادات الصهيونية التاريخية من نُخَبٍ ثقافية وسياسية ونقابية من عدة بلدان وثقافات قبل أن تصبح نخبًا عبرية إسرائيلية تجمعها ثقافةٌ استيطانية استعمارية واحدة. وعلى تنوع مكونات الحركة الصهيونية من يمين ويسار، وليبرالية ومحافظة، وعلمانية ودينية، فقد انتهت إلى الالتقاء عند المشتركات الآتية والتناقضات والصراعات المتولدة عنها، أما أهم جوانبها، فهي: عدم الفصل بين الانتماء الديني والقومي؛ والمشاركة المباشرة في عملية استعمار استيطاني في فلسطين أو من خلال دعمها، بصرف النظر عن الأيديولوجيات المعلنة، ونفي أي وجود وطني للسكان الأصليين في فلسطين وتاريخهم، إضافة إلى المشاركة في الوعي الذاتي للغربة عن الإقليم نتيجة للواقع الاستعماري بصرف النظر عن إدراكه؛ ورفع قيمة القومية وهدف إنشاء الدولة اليهودية فوق القيم الأخرى؛ والاعتماد على القوة العسكرية للبقاء، وتقبّل صعود النزعة العسكرية في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي الثقافي.
ناتان بيرنباوم
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يعود أصل مصطلح الصهيونية إلى تسمية جبل صهيون في القدس، وقد توسعت دلالة هذه التسمية لتشمل القدس وما يُسمى "أرض إسرائيل". وكان أول من استخدم كلمة الصهيونية للدلالة على التيار الداعي إلى جمع شتات اليهود في فلسطين هو
ناتان بيرنباوم (Nathan Birnbaum، 1864-1937) عام 1890 - وهو الذي أصبح سكرتير
المنظمة الصهيونية العالمية قبل أن يغادرها ويتبنى نمط تدين معاديًا للصهيونية - في دوريته التي أصدرها بعنوان "التحرر الذاتي". وهذا يعني أن الفكرة الصهيونية، وبعض المبادرات الصهيونية العملية، سبقت تسميتها بهذا الاسم في العقد الأخير من القرن التاسع عشر. وتجدر الإشارة إلى أن بعض رجال الدين والمثقفين البروتستانت من القرن السابع عشر، وحتى رجل دولة مثل نابليون، سبق أن دعوا إلى تجميع اليهود في فلسطين و"إحياء دولتهم القديمة" فيها، قبل أن يدلي المفكرون اليهود الأوائل الذين يُعدّون مبشرين بالصهيونية دلوَهم في مسألتي الهجرة والدولة وقبل نشوء الحركة الصهيونية، ومنهم المفكر الاشتراكي اليهودي الألماني
موزس هيس (Moses Hess، 1812–1875) والرابي يهودا القلعي (Rabbi Yehudah Alkalai، 1798–1878)، والطبيب
ليون پنسكر {{الطبيب ليون
پنسكر: (Leo Pinsker، 1821-1891) هو طبيب روسي وُلد في مناطق أصبحت اليوم تابعة لبولندا، في عائلة اندماجية، ودرس الحقوق في أوديسا ثم الطب في موسكو بعد أن أصبحت دراسة الطب متاحة لليهود. وخدم ضابطًا طبيبًا في حرب القرم، وأصبح من أهم منظري الصهيونية العلمانية.}}، وغيرهم.
يمكن مقاربة الحركة الصهيونية بوصفها نتاج تفاعل ثلاث صيرورات:
- عملية التحديث المُكثَّفة التي مرّت بها أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والإصلاحات السياسية التي أدّت إلى منح اليهود الحقوق المدنية والسياسية وخروجهم من الغيتوات وإدماجهم في مجتمعات أوروبا الغربية على نحو خاص.
- التأثر بصعود الحركات القومية وأيديولوجياتها وخطابها.
- رد الفعل على نشوء
اللاسامية الحديثة القائمة على التمييز القومي والعرقي ضد اليهود (وإن استندت إلى مواقف لاسامية دينية)، وذلك في فترة حصول اليهود الأوروبيين على الحقوق المدنية والسياسية.
تأثرت فئات من المثقفين اليهود بالحداثة والتنوير الأوروبيين من حيث التحرر من الفكر الديني التقليدي، والانخراط في الشأن العمومي/ السياسي، وتبنّي الفكرة القومية. كذلك تأثروا بموجات اللاسامية وحملات الاضطهاد في أوروبا الشرقية، واستمرار التمييز الاجتماعي ضد اليهود حتى في البلدان التي شهدت مساواتهم القانونية بغير اليهود. رفض هؤلاء اندماج اليهود أفرادًا في مجتمعاتهم، ودعوا إلى خلق الوعي الذاتي بكونهم شعبًا، ثم اندماجهم في المنظومة الدولية الحديثة بهذه الصفة، أي من خلال تعبير الشعب عن نفسه في دولة ضمن ما عُدّ في حينه "الأمم المتحضرة". كان هذا في نظرهم الحل الوحيد للمسألة اليهودية التي بدأت تبرز في أوروبا بقوة في القرن التاسع عشر مع انتشار موجات اللاسامية. وقد انتقدت الصهيونية الاندماج من منطلقين: أولهما التشوّه الناجم عن التخلّي عن الهوية، بمعنى الانتماء اليهودي المشترك، وعدّها مُجرّد ممارسة دينية في المجال الخاص؛ وثانيهما القناعة بأن الاندماج إستراتيجية غير آمنة، ولا تضمن الحقوق المتساوية على المدى البعيد. فقد أدى انعتاق اليهود وحصولهم على حرية التعليم والحق في اختيار المهنة إلى التنافس ضمن الطبقات الوسطى وما أثاره من الحسد والغيرة واستعادة الأفكار المسبقة عن اليهود، وما رسب في الثقافة الأوروبية من معاداتهم من منطلقات دينية.
تأثرت الصهيونية بالنشاط الاستعماري في القرن التاسع عشر، بما في ذلك الاستعمار الاستيطاني، بوصفه ممارسة للتمدن الأوروبي خارج أوروبا. وصحيحٌ أن الصهيونية فهمت نفسها بوصفها حركة قومية، ولكنها في الوقت ذاته أدركت منذ اللحظة الأولى أن برنامجها غير قابل للتحقيق إلا من خلال مشروع استيطاني استعماري تتبناه دول استعمارية كبرى، خصوصًا بعد أن تبيّن تعذّر إنجاحه من خلال إتاحة الهجرة اليهودية إلى فلسطين وممارسة حكم ذاتي برعاية السلطنة العثمانية كما أَمِلَ مؤسسو الحركة الصهيونية في البداية.
لاقت الفكرة الصهيونية رواجًا بين يهود أوروبا الشرقية المتأثرين عمومًا بالتيارات القومية التي نشأت متأخرًا في البلقان واليونان والجزء الشرقي من أوروبا. وكان السبب الرئيس لانتشار الصهيونية في أوساط يهود شرق أوروبا هو استمرار السياسة الرسمية التي تُميّز ضد اليهود بعد تراجعها في أوروبا الغربية، بما في ذلك انعدام الأفق أمام الاندماج في الشعوب المحلية بوصفهم مواطنين متساوين، وحملات التنكيل التي تعرضوا لها كل بضعة أعوام، والتي شملت مجازر شهيرة تحولت إلى محطات في توليد مؤيدين وناشطين وقيادات للحركة الصهيونية، ولا سيما بين المثقفين اليهود الذين حصلوا على تعليم علماني، فقد أتيحت مثل هذه الفرص لليهود حتى في بلدان أوروبا الشرقية مثل روسيا في ذلك القرن.
إنّ مَن حمل راية الصهيونية في بداية الأمر كانوا مثقفين يهودًا، تتلمذ بعضهم على التعليم الديني والتلمود قبل أن يتلقوا تعليمًا علمانيًّا، وجاء بعضهم الآخر من خلفية ثقافية علمانية، وحتى اندماجية. وعُدت الفكرة عمومًا حالمة وغير واقعية، وخشيت فئات واسعة من اليهود من انتشار الحركة لأنها تُهدِّد عملية الاندماج الجارية في العديد من بلدان أوروبا، وتُعيد طرح مسألة مدى ولاء اليهود للدول التي يعيشون فيها. كذلك خشي رأس المال اليهودي الكبير، ما عدا استثناءات قليلة، من عواقب ردة الفعل الاجتماعية والرسمية السلبية على نشاط الحركة الصهيونية وأثرها في أعمالهم.
أما ردة الفعل الأخطر والأكثر سلبية ضد الصهيونية فجاءت من المؤسسة الدينية اليهودية التي رأت في الصهيونية خصمًا أيديولوجيًّا وعمليًا؛ فمن الناحية الأيديولوجية غيرت الصهيونية تعريف اليهودية من دين إلى قومية، بوصف اليهود شعبًا كبقية الشعوب، وإن استند انتماؤهم القومي إلى الرابطة الدينية، فضلًا عن أن غالبية مفكريها من العلمانيين يدْعُون إلى تأسيس دولة بالمفهوم العلماني الأوروبي للدول، وهو ما يخالف التعاليم اليهودية التي تَعُدّ الشتات قدر اليهود السماوي منذ ما يسمى "خراب الهيكل الثاني"، أما إنشاء أي كيان يجمع اليهود في فلسطين فسيكون من عمل الله بتحقيق الخلاص من خلال التاريخ المقدس الذي لا يجوز أن يتدخل البشر فيه. وإضافة إلى هذه الاعتراضات الدينية على الصهيونية، خشيت القيادات الدينية من أن يشكّل الصهيونيون قيادة علمانية بديلة عن المؤسسة الدينية التي تزعزعت مكانتها بعد خروج اليهود من الغيتوات.
ومع أن غالبية المؤسسة الدينية تبنت موقفًا مناهضًا للصهيونية، فقد برز بعد نشوء الحركة الصهيونية تيار ديني لا يرى تناقضًا بين الدين والصهيونية، ويؤيد فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين من دون إسباغ قُدسية على هذا المشروع، ومن دون اعتباره مشروعًا دينيًّا، وأصبح هذا التيار جزءًا من المنظمة الصهيونية العالمية. ولكن قبل ذلك، ظهر تيار آخر قبل نشوء الحركة الصهيونية مُتمثِّلًا برجال دين يهود مثل يهودا القلعي وتسڤي هيرش كاليشر (Zvi Hirsch Kalischer، 1795–1874) دعوا إلى الهجرة إلى فلسطين من منطلقات دينية سياسية في آنٍ معًا. تأثّر رجال الدين هؤلاء بالحركات القومية المتأخرة في البلقان وإيطاليا واليونان، ودمجوا بين الدين والصهيونية، وعدّوا أرض إسرائيل مُقدّسة والاستيطان فيها فريضة دينية. وأصبح هذا التيار سلفًا فكريًّا لرجال دين صهيونيين نشطوا في ظل الانتداب البريطاني، مثل: أبراهام يهودا هكوهين كوك (Abraham Isaac Kook، 1865-1935)، وحركات قومية دينية متطرفة في إسرائيل تأثرت به وبابنه تسڤي يهودا هكوهين كوك (Zvi Yehuda Kook، 1891-1982).
ظلّت الصهيونية مدةً طويلة تيارًا فكريًّا مُتمثلًا في كتابات مثقفين وأدباء يدْعُون إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين مثل ليون پنسكر صاحب كتاب
التحرر الذاتي وموشيه لايب ليلينبلوم (Moshe Leib Lillenblum، 1843-1910)، ونشأت جمعيات وحركات روسية (في مناطق غرب روسيا وبولندا وأوكرانيا الحالية) تُنظِّم عمليات هجرة واستيطان في فلسطين، أهمها حركة مَحبّة صهيون (حيبات تسيون) وسُمّيت أيضًا
حركة مُحبّي صهيون (حوڤڤي تسيون) التي عقدت مؤتمرها الأول عام 1884 في مدينة كاتوڤيتش، وشملت علمانيين ومتدينين، من دون نجاح في اجتذاب أعداد كبيرة من اليهود لاستيطان فلسطين العثمانية، ومن دون نجاح المشروع الاستيطاني ذاته، فقد ظلّ متواضعًا ومعتمدًا على تبرعات المحسنين اليهود مثل البارون أدموند دي روتشيلد (Edmond James de Rothschild، 1845–1934)، وموزس مونتفيوري (Moses Montefiore، 1784-1885).
تناولت أفكار المُفكِّرين والكتّاب الذين دعوا إلى إنشاء وطن قومي اللاساميةَ بوصفها مشكلة أبدية مرافقة لليهود حيثما وُجدوا، وتطرّقوا إلى التشوّهات التي لحقت باليهود بسبب المِهَن التي حُصِر عملهم فيها، وبسبب العيش في المعازل (الغيتوات) في المدن الكبيرة، وممارسة التجارة والصرافة ومِهن وضيعة بعيدًا عن العمل في الأرض وكذلك عن الخدمة العسكرية. فامتزجت عندهم فكرة إنشاء وطن قومي مع إيمانهم بضرورة "عودة" اليهود إلى ممارسة العمل البدني، ولا سيما زراعة الأرض والخدمة العسكرية، وعَدّوا ذلك علاجًا معنويًّا وجسديًّا للتشوهات التي لحقت بالفرد اليهودي في ما يعدّونه "المنفى".
غلاف كتاب دولة اليهود
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ثيودور هرتسل
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
مثل هذه الأفكار وُجدت في كتابات ليون پنسكر وبنيامين زئيڤ هرتسل (Binyamin Ze'ev، وبالأصل قبل عبرنة اسمه:
Theodor Herzl، 1860–1904) بعد أن أصبح صهيونيًّا، أي بعد أن تخلّى عن توجّهاته الاندماجية متأثرًا بمناعة اللاساميّة واستمرارها على الرغم من مساواة اليهود قانونيًّا في دول مثل فرنسا، كما ظهر في
محاكمة درايفوس التي غطاها بوصفه صحافيًّا. وقد تميّز مشروع هرتسل ومَن عمل معه في تسعينيات القرن التاسع عشر في عقد المؤتمر الأول في بازل (1897) بأنه حوّل الصهيونية إلى مشروع سياسي، أي إلى منظمة سياسية أوروبية شاملة ذات نظام عضوية ومؤتمر يُعقد سنويًّا ومشروع سياسي يُطرَح على دول العالم ويسعى للحصول على تأييدها، أي الحصول على مشروعية دولية للهجرة اليهودية إلى فلسطين من خلال فرَمان (charter) يشرعن الهجرة بهدف إقامة كيان سياسي يهودي مستقل فيها، ويُعدّ هذا ما ميّز مشروع هرتسل لا الفكرة ذاتها، ففكرة الدولة اليهودية كانت مطروحة قبل أن يكتب كتابه الشهير
دولة اليهود (1896).
لم تحصل الحركة الصهيونية على مثل هذا "الفرمان" الدولي إلا بعد الحرب العالمية الأولى، أي بعد وفاة هرتسل بعقد ونصف تقريبًا، وتمثّل ذلك في وعد بلفور في 2 تشرين الثاني/ نوڨمبر 1917 الذي منحته حكومة بريطانيا للحركة الصهيونية، وتبنّاه صك الانتداب البريطاني على فلسطين من عصبة الأمم بعد الحرب.
وقبل تحقيق الصهيونية السياسية إنجازها الرئيس بالحصول على هذا الوعد، وقع شرخ حقيقي في الحركة الصهيونية بين مَن فضّلوا عمل هرتسل الدؤوب للحصول على شرعية دولية أوروبية وترخيص عثماني لهجرة يهودية قانونية منظمة بهدف إقامة دولة يهودية، وأولئك الذين اعتبروا أن الجهد الرئيس يجب أن ينصَبّ على النشاط الاستيطاني في فلسطين، حتى لو كان غير قانوني، وزيادة عدد السكان اليهود فيها حتى في ظل وجود عوائق دولية (الصهيونية العملانية)، وهو ما عدّه هرتسل عمل هُواة لا يمكن أن يقود إلى إقامة دولة كما تبين من نشاط "محبي صهيون". وقد اجتمع التياران على مسألة إقامة الدولة وضرورة تملُّك الأراضي في فلسطين والعمل على زيادة عدد السكان اليهود فيها لتشكيل أغلبية، واختلفوا في السبل في تحقيق ذلك. وما لبثت المنظمة الصهيونية أن تبنت رسميًّا المزج بين الإستراتيجيتين بعد وفاة هرتسل، وازدادت أهمية تيار الصهيونية العملانية ونفوذه بعد أن فتح وعد بلفور أفقًا جديدًا أمام الاستيطان وتنظيم الساكنة اليهودية في فلسطين برعاية الانتداب البريطاني.
لم تُحقِّق
المنظمة الصهيونية العالمية إنجازات سياسية تُذكَر حتى الحصول على وعد بلفور، أما ما حقق من إنجازات على الأرض فتمثل في: التيارات السياسية، ولا سيما العمالية؛ والمؤسسات والمنظمات التي أقيمت في فلسطين والمهجر تحت سقف المنظمة الصهيونية، ولكن ليس بالضرورة بمبادرة أو بدعم منها، فقد تحولت المنظمة إلى مظلة، وأصبحت رمزًا لاستمرارية الحركة الصهيونية وأيديولوجيتها.
وفي إطار التيار الداعي إلى تكثيف جهود الاستيطان وعدم تعليق الأعمال كلها على النشاط السياسي الدولي، نشأت قيادة الساكنة اليهودية المنظمة في فلسطين والحركات العسكرية أو الميليشيات الصهيونية بحُجة الدفاع عن المستوطنات. وقاد هذا التيار الاستيطان اليهودي في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والنقابية، واجتمعت قيادة هذه المجالات في الأشخاص أنفسهم في بعض الحالات، مثل
دافيد بن غوريون (David Ben-Gurion، 1886-1973)، ومناحم أوسيشكين (Menachem Ussishkin، 1863-1941)، وموشي شاريت (Moshe Sharett، 1894-1965)، ويتسحاق تبنكين (Yitzhak Tabenkin، 1888-1971)، وحاييم أرلزوروڤ (Haim Arlosoroff، 1899-1933)، وغيرهم. وكانت التيارات العمالية أو الاشتراكية ذات التقاليد التنظيمية التي جلبوها معهم من أوروبا الشرقية هي المسيطرة. واتّخذ الاستيطان الزراعي طابعًا اجتماعيًّا (اشتراكيًّا). ورغم كل ذلك، لم تسنح الفرصة لتحوّل اليهود إلى أكثرية ولو في جزء من فلسطين إلا بعد كارثة يهود أوروبا في المحرقة النازية من جهة، وانسحاب بريطانيا من فلسطين ونشوب الحرب من جهة أخرى، فقد سيطرت الحركة الصهيونية على فلسطين بالقوة، ولم يصبح اليهود غالبية في أي جزء من فلسطين إلا بتهجير السكان، مع أن سيطرة النازية في أوروبا أدت إلى هجرات يهودية واسعة من أوروبا منذ بداية الثلاثينيات، لكنها توجهت إلى أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية، وظلّ اليهود أقلية في فلسطين، إضافة إلى أنهم لم ينجحوا في تملك ما يكفي من الأرض. ولم يكن ممكنًا تحويل اليهود في فلسطين إلى غالبية من دون تهجير غالبية سكانها الأصليين، والتنكر لحقوقهم الوطنية والمدنية.
أنشأت الصهيونية دولة إسرائيل بفعل الاستيطان الاستعماري وقوة السلاح وتهجير الفلسطينيين والاستيلاء على وطنهم. وظلّ عاملا الاستيطان والقوة العسكرية ركيزتين أساسيتين في كينونة الدولة اليهودية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بعد نشوئها.
تبنت إسرائيل الدولة مبادئ الحركة الصهيونية، ومُنِحَت المنظمة الصهيونية والمؤسسات المرتبطة بها مكانة خاصة ومهمات "قومية" في بناء الدولة، ولا سيما في مسألة العلاقة مع يهود الشتات وتشجيع الهجرة إلى فلسطين ومجال تملك الأرض والاستيطان. لكن صهيونية إسرائيل لا تقتصر على دور المنظمات الصهيونية الرسمي فيها، فتعريف الدولة بوصفها دولة يهودية ودولة لليهود في جميع أنحاء العالم هو أصلًا رسالة الصهيونية، ويتجلّى ذلك على نحوٍ خاص في قانون العودة الذي على أساسه مُنح كل يهودي الحق في اكتساب الجنسية الإسرائيلية حال أن تطأ قدماه أرض فلسطين بوصفه حقًا عضويًّا له، لا تمنحه الدولة، فهذا الحق سابق عليها، وهو الذي يُنشئ الدولة. بهذا المعنى، جَعَلَت الصهيونية أساس الدولة في صياغة قوانين مهمة مثل قانون العودة، وقوانين تملك الأراضي، وفي إعادة كتابة تاريخ البلاد من منطلق الصهيونية كأن الأرض كانت خالية من السكان منذ أيام ما يُسمّى الهيكل الثاني، أي كتابة تاريخ فلسطين بوصفه تاريخًا يهوديًّا، وفي بناء مناهج التعليم على أُسُس صهيونية أهمها الإسهام في بناء قومية إثنية يهودية تقوم على الانتماء الديني.
تغيّر طابع الصهيونية في فلسطين مع الوقت، وأدى ذلك إلى قيام بعض المثقفين والمفكرين بنعي مُبكّر للصهيونية بوصفها حققت هدفها وأقامت دولة قومية واقتصادًا رأسماليًّا متقدّمًا أصبح مزدهرًا منذ سبعينيات القرن العشرين، ونشأ أيضًا مجتمع استهلاكي مُركّب تسود فيه صراعات حديثة الطابع على قضايا مثل نمط الحياة العلمانية وغيرها، ووفقًا لهذا الرأي، همّشت هذه التحولات الأيديولوجية الصهيونية، ونشأت مرحلة ما بعد الصهيونية. لكن الصهيونية ظلّت قائمة، في بنى الدولة كلها والأيديولوجيا السائدة فيها وفي التربية والتعليم والثقافة، وفي أهداف متعددة: مثل نشر الاستيطان اليهودي في أرجاء فلسطين كافة، والإصرار على يهودية الدولة، حتى لو كان الثمن إنشاء دولة فصل عنصري في فلسطين، وتحويل الاعتراف بيهودية الدولة، أي بالصهيونية، إلى شرط لصنع السلام مع العرب، وبقيت فكرة ما بعد الصهيونية فرضية أكاديمية فحسب. وتعززت قوة حركات الصهيونية الدينية المتطرفة، وأصبحت حركات سياسية قوية مُمثّلة في البرلمان يسعى قادتها إلى تبوّؤ مناصب قيادية في الدولة والجيش، فهي حركات قومية دينية تعمل على قومنة الدين وتديين الصهيونية في الوقت ذاته، أي إنها تُسبغ على قيم دنيوية طابعًا قُدسيًّا خلاصيًّا. وهي تستخدم المؤسسات الديمقراطية السائدة، ولكنها لا تؤمن بها، وذلك خلافًا للتيارات الدينية السابقة التي كانت إما معادية للصهيونية وإما متعايشة معها، بمعنى أنها تعيش في إسرائيل وتطالب باستقلاليتها الذاتية في إدارة شؤون حياتها بموجب الشريعة كما في حالة الحريديم، أو تتبنّى الصهيونية من دون أن تجمعها بالدين في الوقت ذاته كما في حالة التيار الذي كان أتباعه متدينين وصهيونيين من دون أن يكون ذلك شيئًا واحدًا، والنموذج هو
حركة همزراحي ووريثها الحزب القومي الديني، الذي فرَّخ في النهاية تيارات الصهيونية الدينية المتطرفة.
لم يتحقق هذا الجمع بين الدين والصهيونية في فراغ، فحتى أشد الصهيونيين علمانية يعترفون أن ما يُميّز الشعب اليهودي عن غيره هو دينه؛ لذلك يُعدّ خطابهم السياسي مشبعًا بالرموز الدينية والمصطلحات التوراتية. وقد استمد هذا التيار زخمًا كبيرًا من احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 وحصول ذلك التطابق بين أرض إسرائيل التوراتية المدّعاة ودولة إسرائيل، إذ يُبرَّر التمسك بها لقدسيتها، ولو بثمن عدم تحقيق السلام مع الفلسطينيين.
لا يتطرق هذا المدخل إلى الصهيونية في إسرائيل الدولة بتوسع، إلا حيث يحتم ذلك استمرار مناقشة تشعبات الموضوع المتعددة، إذ يصعب فصل الصهيونية بعد إنشاء دولتها عن سياسات هذه الدولة الخارجية وقضاياها الداخلية. ولم تعد المنظمات الصهيونية في مختلف أنحاء العالم أكثر من ملحقات بها. موضوع الصهيونية بعد تأسيس الدولة اليهودية هو نفسه موضوع إسرائيل.
خلفية تاريخية
شهدت أوروبا بعد الثورة الفرنسية مرحلة انعتاق اليهود، أي منحهم الحقوق المدنية، ولاحقًا السياسية، بعد أن كانوا محرومين منها. كما في حالة "مرسوم التسامح" الذي أصدره جوزيف الثاني، قيصر الإمبراطورية الرومانية المقدسة في 13 أكتوبر/ تشرين الأول 1781. وساد اعتقاد لدى السلطات الحاكمة في أوروبا أن المسألة لا تتوقف على إصلاحات قانونية، بل لا بد من إصلاح اليهود أنفسهم لكي يصلحوا للاندماج. وانتشرت في تلك المرحلة مقاربات تفيد بأن تردّي حال اليهود الأخلاقي ناجم عن تردّي أحوالهم الاجتماعية من جهة، وتمسكهم بشريعتهم التي تحتاج إلى إصلاح من جهة أخرى، لأسباب عديدة منها أنها تعزلهم عن الآخرين، وتتيح لهم إبطال مفعول معايير أخلاقية عند التعامل مع غير اليهود.
لقد توقعت الجمهورية الفرنسية من اليهود بعد أن مُنِحوا حقوق المواطنة أن يتحولوا إلى مواطنين مثل بقية الفرنسيين، وأن يتخلوا عن صفتهم الجماعية، وكذلك عن العزلة التي ميّزتهم. فمن منظور الجمهوريين في تلك المرحلة، لم يمكن ممكنًا الجمع بين المواطنة والتميّز الجماعي ضمن الأمة الواحدة. وبهذه الروح، جاء في خطاب أحد النواب أمام الجمعية العامة أنه يجب "حرمان اليهود بصفتهم شعبًا من كل شيء، وضمان كل شيء لهم بصفتهم أفرادًا"[1]. وفي المقابل كتب مواطن يهودي تعبيرًا عن هذه الروح والرغبة بالاندماج: "فرنسا هي فلسطيننا، جبالها هي صهيوننا، وِدْيانها هي نهر أردننا. دعونا نشرب من مياه هذه الينابيع، إنها مياه الحرية"[2]. وفي المقابل خشيت القيادات الدينية اليهودية من احتمالات الاندماج، وفي بعض الحالات سايرت مضطرة مطالب الدول بإصلاح الدين اليهودي، في حين اندفع إليها الإصلاحيون، أو ما أصبح يسمى التيار الإصلاحي في اليهودية.
وفي سياق مرحلة الانعتاق تلك، اتّخذ نابليون بونابرت موقفًا أكثر فاعلية مطالبًا بإصلاح عميق داخل اليهودية نفسها، ولتحقيق هذا الغرض دعا إلى إنشاء مؤتمر لرجال الدين اليهود (الذي أصبح يُسمّى المجمع الفقهي اليهودي الأعلى في باريس Le Grand Sanhédrin)، للاضطلاع بمهمة إصلاح الشريعة اليهودية من خلال الإجابة على أسئلة وجهها بونابرت. فاجتمعت قيادات دينية من مختلف الأقاليم الأوروبية، وأصدرت أجوبتها في مارس/ آذار 1807. كانت هذه فتاوى دينية إصلاحية منعت فرض المقاطعة على اليهودي الذي يتزوج من غير يهودية، وفرضت المساواة في التعامل مع الفرنسيين اليهود وغير اليهود في مسائل الربا، وأتاحت للجنود اليهود المتدينين عدم التقيّد بفرائض الشريعة (السبت والطعام "الكوشر"، أي الحلال وغير ذلك) إذا لزم الأمر خلال خدمتهم العسكرية. كذلك أكدت أن اليهود هم المؤمنون بدين اليهودية، لكنهم ليسوا شعبًا. وقد لوحظ فرق بين الصياغات الفرنسية والعبرية للأجوبة في محاولة للحفاظ على الشريعة من جهة، وعدم إغضاب نابليون من جهة أخرى[3]. كذلك صدرت قرارات بتحريم الزواج بامرأتين، وفق الشريعة اليهودية.
وفي عام 1804، أصدر قيصر روسيا ألكسندر الأول (حكم بين عامي 1801 و1825) إصلاحات قانونية هدفها تحسين أوضاع اليهود ودمجهم في الثقافة الروسية ودفعهم للعمل المنتِج في الزراعة والصناعة والحرف، على نحو تُطبّق معه مساواة في الضرائب بين اليهود العاملين في هذه المجالات وبقية العاملين فيها، بعد أن كان يُفرَض عليهم نوع من الجزية. كانت الأنظمة والتعليمات تحررية، فشملت السماح بترشح اليهود لعضوية المجالس البلدية شرط إتقان إحدى اللغات الثلاث الروسية والألمانية والبولندية، وحقهم في التعليم الجامعي وشراء الأراضي غير المأهولة في مناطق محددة (ما اصطُلح عليه لاحقًا "منطقة الاستيطان" (The Pale of Settlement) الواقعة حاليًّا في أراضي روسيا وأوكرانيا وبولندا)، ومنع الاستيلاء على ممتلكات اليهود أو تحويلهم إلى أقنان عاملين من دون أجر، ومنع اضطهادهم والإساءة إليهم، والسماح لليهودي بالتنقل من مكان إلى آخر شرط إثبات سداد ديونه وضرائبه. أخضعت هذه الإصلاحات اليهود للقانون والقضاء الذي يخضع له بقية السكان على نحو لا يتمتع معه أصحاب الأراضي التي يعيش عليها اليهود بحقوق قضائية فائضة، كذلك اعترفت الإصلاحات بالمحاكم الشرعية اليهودية لكن بصلاحيات تحكيمية. وتضمنت الإصلاحات أيضًا تحديدًا لوظائف الحاخامات ومجالس القيادة المحلية اليهودية، ومن وظائفها التحقق بجباية الضرائب الحكومية. وقد تبعت هذه الإصلاحات الروسية التي غيّرت أوضاع اليهود ومكانتهم موجات من ردات الفعل اللاسامية وتبعتها ارتدادات رجعية عن الإصلاحات. ولكن نشأت في روسيا في هذه الأثناء فئات من ذوي الثقافة العلمانية الروسية والبولندية من المندمجين في الحركات السياسية، ولا سيما من اليسار والاشتراكيين وغيرهم.
في تلك المرحلة التي أذنت بخروج اليهود من الغيتوات التي أقاموا فيها في المدن الكبرى، نشأ تيار التنوير اليهودي
الهسكلاه (Haskalah). وكان المفكر اليهودي الألماني
موزس مندلسون (Moses Mendelssohn، 1729-1786) أبرز ممثليه. وعلى الرغم من تبنيه فكر التنوير الذي كان اندماجيًّا ورافضًا لتميّز اليهود بمنحهم حقوقًا جماعية، فإنه في كتابه القدس أو السلطة الدينية واليهودية (1783) دعا إلى تحقيق المساواة مع الحفاظ على التنوع الديني (وإصلاح اليهودية وملاءمتها لمتطلبات العصر) على نحو لا تفرض معه الدولة دينًا بعينه على السكان. كانت هذه صياغة مبكرة لمبدأ العلمانية من دون استخدام المصطلح غير المعروف في تلك المرحلة.
وكتب مفكر آخر هو نفتالي هيرتس ڤايزل (Naphtali Herz Weisel، 1725-1805) مُرحِّبًا بمرسومٍ لفريدريك الثاني، وعدّه فرصة لإصلاح التعليم اليهودي وتبني العلوم الحديثة التي بدأت تظهر في ذلك الوقت، وخصص لهذا الموضوع كتابه
كلام في السلام والحقيقية (1782)[4]. ودانت المؤسسة الدينية اليهودية هذا الكتاب مع أنه لم يكن معاديًا للدين، بل داعيًا إلى إصلاحه وإخضاع تفسير النصوص الدينية للأخلاق والقيم الإنسانية التي يتوافق عليها اليهود وغير اليهود. وكتب الحقوقي الليبرالي اليهودي الهنغاري البارون يوسف أوتڤيش (1813-1871) في كراسة
انعتاق اليهود (1841)[5] أن اضطهاد اليهود وحرمانهم أفضى إلى إفسادهم على كافة الصُّعد، الاجتماعية والأخلاقية والثقافية، وهو الفساد الذي تذرع به المعادون لهم من أجل حرمانهم من حقوقهم. أي الحرمان هو ما أدى إلى الفساد، والفساد كان حجّة للحرمان.
في تلك المرحلة الأوروبية الغربية التي أطلق عليها في التأريخ اليهودي تسمية الانعتاق اليهودي (Jewish Emancipation) أو تحرر اليهود (Emancipation of the Jews) بمعنى منحهم الحقوق المدنية والسياسية أسوة بغير اليهود، تعلمنت فئات يهودية واسعة وانخرطت في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية في أوطانها. كذلك اندفع اليهود بقوة للتعليم في الجامعات التي فتحت أبوابها أمامهم بوصفه أداة رئيسة للترقي الاجتماعي. إن فتح الجامعات لليهود للتعليم بعد طول حرمان، وتحول التعليم الجامعي إلى أهم أدوات الاندماج والترقي الاجتماعي، هو من أهم عوامل نسب التعليم المرتفعة عندهم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والقرن العشرين وبروز نخبة علمية وثقافية واسعة نسبيًّا. ونشأ، إضافة إلى التيارات الدينية القائمة، تياران؛ تيار التنوير اليهودي، وهو عمومًا تيار اندماجي علماني، والتيار الديني الإصلاحي الذي عمل على تكييف الدين اليهودي مع الحداثة الأوروبية وتنقيته من الجوانب التي تعوق اندماج اليهود.
وانتشر تيار التنوير اليهودي من غرب أوروبا إلى شرقها، وكذلك التفاعل بين هوامشه والفكرة الصهيونية التي سوف تجد قواعدها الشعبية في شرق أوروبا نتيجة لتأخر الإصلاحات وموجات العداء للسامية.وروأ وما جمع بين الأفكار الصهيونية في وسط أوروبا وغربها والنهوض القومي في شرقها هو تجديد اليهودية وتحديثها، بمعنى قومنتها، أي جعلها قومية مثل بقية القوميات الأوروبية. وهي في الوقت ذاته رد فعل مناهض للاندماج إذا كان الاندماج يعني تذويب الهوية اليهودية. والصهيونية هي أيضًا رفض كامل لليهودية الإصلاحية التي أرادت اليهودية ديانة خالصة، وعملت على تنقية الدين اليهودي من العناصر "القومية" الكامنة فيه، مثل التوق إلى صهيون، أو التي تشي بأن ثمة وطنًا تاريخيًّا آخر لليهود غير أوطانهم التي يعيشون فيها، بما في ذلك تنقية الشعائر الدينية وحتى الصلوات ذاتها من هذه العناصر.
انتشرت في تلك الفترة أفكار تنويرية يهودية تعترف بالصفات السلبية التي تُنسَب لليهود، وتربطها بالظروف الاجتماعية والسياسية والأدوار الاقتصادية المفروضة عليهم بسبب حرمانهم من الحقوق، وتَعُد التمييز الممارس على اليهود من جانب السلطات، وفي المجتمع، العاملَ الرئيس في تدهورهم الأخلاقي. ومثل التنويريين الاندماجيين، تبنى الصهيونيون أيضًا هذه المقاربة للصفات السلبية ليهود الشتات، ولكنهم رأوا أن علاجها لا يكون بالاندماج بعد منحهم الحقوق القانونية المتساوية، بل بالتحول إلى أمة قومية تُمنَح الحق في إنشاء كيان سياسي مستقل.
يهود يأخذون الدم من أطفال مسيحيين لشعائرهم السرية من كتاب كتاب كابالا إبراهيم اليهودي. لوحة من كتاب العادات والتقاليد والملابس خلال العصور الوسطى لـ بول لاکروا. نُشر في لندن 1874.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
في المرحلة ذاتها، وضمن تقليد يعود إلى بدايات فلسفة الأنوار وبعض التيارات البروتستانتية، صدرت دعوات لتوطين فلسطين باليهود. فنُشرت -على سبيل المثال لا الحصر- "رسالة من شخص يهودي [فرنسي] إلى أبناء ملّته" (1798)[6]. نُشرت هذه الرسالة في 8 حزيران/ يونيو 1798 في صحيفة موالية لنابليون، ولم تكن بعيدة عن أفكار نابوليون نفسه، ودعت إلى تجميع اليهود في فلسطين وإقامة دولة هناك، و"بناء الهيكل المقدس"، وأن تكون لفرنسا مكانة خاصة في الكيان الذي سوف ينشأ لأنها سوف تسهم في عودة اليهود إلى "وطنهم" وإنشاء "دولتهم". وثمة تصريح منسوب إلى نابليون بونابرت القائد الأعلى لجيش الجمهورية الفرنسية (1799) موجّه إلى اليهود، "الورثة الشرعيين لفلسطين"، ويخاطبهم من مكان مرابطة جيشه في فلسطين بـ"أيها الإسرائيليون"، ويدعوهم إلى أن يهبّوا لاستعادة مكانتهم بين الشعوب مستفيدين من احتلال فرنسا لفلسطين بوصفهم أسياد ذلك البلد[7].
في تلك الفترة، وفي ظل التحولات الكبرى في أوضاع اليهود القانونية في أوروبا، ولا سيما فرنسا، تفاعلت قيادات يهودية بقوة مع حادثة دمشق (1840) المسماة "فرية الدم"، إذ اتُّهم اليهود بقتل كاهن مسيحي وخادمه واستخدام دمهما في فطر عيد الفصح. وتعرض يهود دمشق لعمليات انتقام نتيجة لذلك. ومع أن فرية الدم اللاسامية كانت رائجة في أوروبا عمومًا باتهام اليهود بقتل الأطفال واستخدام دمهم في الشعائر الدينية، فإن صدى فرية الدم في دمشق وما تعرض له يهود دمشق بعدها ظل يتردد لفترة طويلة. وفي المرحلة نفسها، انتشرت في إنكلترا فكرة حماية اليهود في بلاد الشام عمومًا، وراجت فكرة إقامة كيان سياسي لليهود في فلسطين. وكان أبرز من دعا إليها ونشط في هذا المجال موزس مونتفيوري الثري اليهودي البريطاني، عضو مجلس اللوردات، الذي قاد بعثة إلى محمد علي باشا، حاكم مصر وسوريا آنذاك، وزار فلسطين سبع مرات وتبرع لليهود فيها؛ ولورد شافتسبري الذي أصبح نائب القنصل العام البريطاني في القدس.
مقدمات الفكرة الصهيونية
تعود جذور الدعوة الصهيونية إلى مبشرين أوائل فسروا الدين اليهودي تفسيرًا قوميًّا، وذلك خلافًا لما هو رائج عن أن الفكرة الصهيونية بدأت فكرة علمانية. كان ثمة رجال دين فسّروا الدين اليهودي تفسيرًا خلاصيًّا (مسيانيًّا) وقوميًّا في الوقت ذاته، وعدّوا "العودة" إلى "صهيون" للعيش فيها، بما يتجاوز الحجيج الديني والإقامة في جوار "قبور الأجداد"، شرطًا لظهور المسيح المخلّص. لا شك أن مؤسسي الحركة الصهيونية الذاهبين إلى أن خلاص اليهود يكون بإقامة دولة قومية كانوا علمانيي الميول وأوروبيين عصريين في نمط حياتهم، ولكن الإرهاصات الأولى للفكرة كانت دينية وصادرة عن متدينين. والنموذج الأبرز لذلك الذي اكتسب أهمية كبرى مع نشوء تيارات الصهيونية الدينية في القرن العشرين هو الرابي[8] يهودا القلعي الذي وُلد في سراييڤو في البوسنة وتُوفّي قبل نشوء الحركة الصهيونية. وقد تبنى مبكرًا توجهات قومية متأثرًا بالحركات القومية التي بدأت تنتشر في أوروبا، ولا سيما بين شعوب البلقان واليونان، لكنه عرض الفكرة القومية بلغة دينية وكأنها فكرة متأصلة في اليهودية، وغير مستوردة من أي مكان. وجوهر فكرته أن الخلاص اليهودي لن يَحِل بمعجزة إلهية لا بد من انتظار وقوعها[9]، فثمة أساس في عقيدة الخلاص في اليهودية لانتظار مسيح دنيوي أرضي قبل قدوم المسيح السماوي، والأول يأتي من خلال صيرورة تدرجية محرّكُها بذلُ الجهد في الدنيا. ووفقًا لحساباته بموجب "القَبلاه" (العلم الباطني الديني اليهودي) يبدأ قَرن الخلاص عام 1839 ويكتمل في العام 1939. واعتبر أن استيطان فلسطين (أو أرض إسرائيل بلغته) أهم عناصره، ويُشكّل فريضة دينية تعادل الفرائض الدينية الأخرى كلها مجتمعة. وهاجم القلعي رجال الدين اليهود التقليديين المعارضين للهجرة، وكذلك رجال الدين الإصلاحيين اليهود الذين رأوا أن خلاص اليهود يكون بنيل الحرية والتجنّس في أماكن سكنهم؛ ولم يقتنعوا بوجود قداسة أو مزية خاصة لفلسطين.
ويصنَّف الرابي تسڤي هيرش كاليشر ضمن التقليد ذاته الذي انتمى إليه القلعي، فقد دعا أيضًا إلى استيطان فلسطين في إطار صيرورة الخلاص، ونشط شخصيًّا في ذلك، وأقنعت جهوده جماعة من اليهود في شراء أراضٍ بضواحي مدينة يافا في عام 1866، حيث أَسَّست منظمة الأليانس العالمية (التي أنشأها متبرعون فرنسيون) المدرسةَ الزراعية "مكڤيه يسرائيل" (Mikveh Israel Agricultural School). وانضم كاليشر إلى جمعية رعاية الاستيطان اليهودي في فلسطين عام 1860 التي تأسست في فرانكفورت بدعم من أنشيل روتشيلد، وبها تأثّر كتابه
السعي إلى صهيونDerishat Zion، وكتب في رسالة إلى الأخير من عام 1836[10] أن عودة المسيح لا تتخذ شكل معجزة مثل حلول مفاجئ من السماء، خلافًا للرائج عند المتدينين اليهود، بل ستحصل بالتدرّج. ومثلما أتى الخلاص من منفى بابل على يدي كورش الفارسي وفقًا للسردية التوراتية سيحل الخلاص في العصر الحديث أيضًا على يد البشر ومنهم قادة دول من غير اليهود. ونصح كاليشر روتشيلد في هذه الرسالة بشراء أرض فلسطين كلها أو جزء منها، القدس وجوارها، من محمد علي باشا. وفي كتابه السعي إلى صهيون (1862)[11]، شدد كاليشر على دور القيادات والمستشارين اليهود في الدول التي حصل فيها اليهود على حقوق سياسية (يهود البلاط كما يسميهم)[12]، فهؤلاء يمكنهم مساعدة قومهم في تحقيق هدف الاستيطان. وما من شيء من عناصر الصهيونية السياسية التي أسسها هرتسل إلا ورد لديه بلغة بسيطة من دون أن تَرِد كلمة الصهيونية؛ فقد تحدث عن أفكار عملية مثل تأسيس شركة تمول استعمار البلاد مستخدمًا هذه التعابير. وغلَّف هذا كله بتعابير دينية مثل "نهضة العالم السفلي" في الأرض المقدسة قبل "نهضة العالم العلوي" بقدوم المسيح المخلص. وهو يعترض على رجال الدين التقليديين الذين ينهون عن مثل هذه الأعمال، مثل زراعة الأرض وغيرها بحجة أنها تُشغل الشباب عن دراسة التوراة. وقد استخدم مصطلح "القومية" بوضوح في دعوته إلى التعلّم من نهضة "شعوب إيطاليا" واستعداد شبابها للموت فداءً لأرض أجدادهم، واعتبر أن "فداء الأرض المقدسة" من شعبها أدعى إلى مثل هذه النهضة.
واصل آخرون هذا التقليد في مرحلة مبكرة، مثل شموئيل موهيليڤر (Samuel Mohilever، 1824-1898)[13] الذي انصبّ جهده على تجسير الفجوة بين المتزمتين الدينيين والمثقفين الساعين إلى الانعتاق من الدين والتراث اليهودي والتوفيق بين العمل الدنيوي والانفتاح على العلوم الحديثة من جهة، وعلى الحفاظ على التراث الديني من جهة أخرى، إضافة إلى إقناع المتمولين بدعم المستوطنات الأولى مثل ﭘيتح تكڤا وغديرا ومزكيرت باتيا (على اسم والدة روتشيلد). وتوقّع موهيليڤر أن "عودة" اليهود العلمانيين إلى "أرض إسرائيل" ستؤدي في نهاية المطاف إلى عودتهم لدينهم. وقد عمل موهيليڤر مع ليون پنسكر في توحيد المنظمات اليهودية المحلية التي ظهرت منذ عام 1881 في شرق أوروبا وسعت إلى تشجيع الهجرة من روسيا وشرق أوروبا إلى الولايات المتحدة وفلسطين. ونشأت عن هذه المساعي حركة محبة صهيون، فقد عُقد مؤتمر كاتوڤيتش عام 1884، وهو أول مؤتمر يهودي يتبنى الخطاب القومي في لغته واستراتيجياته، وضمّ توجهات متنوعة: علمانية ودينية ويسارية وليبرالية.
اعتقد موهيليڤر بضرورة إقناع الملوك والرؤساء في العالم بإتاحة المجال لليهود بالعودة وبناء دولتهم، وبذلك لم يختلف كثيرًا عن توجّه القلعي وكاليشر، وكذلك عن توجهات هرتسل نفسه. لكنه اعتمد على كرم "ملوك الأرض وأمرائها"، كما سمّاهم، تجاه اليهود بسبب ما وقع عليهم من مظالم. أسهم موهيليڤر في تأسيس حركة محبة صهيون، وانتُخب ضمن هيئتها الرئاسية في ظل رئاسة ليون پنسكر عام 1884، ثم ترأسها بين عامي 1887 و1889. وعمل عند تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية على إقناع المؤتمر الصهيوني الأول بمخاطبة اليهود المتدينين أيضًا، وقد أسس تلامذته حركة همزراحي الصهيونية الدينية التي تولَّد عنها في إسرائيل الحزب القومي الديني (المڤدال).
إذا كان أمثال كاليشر والقلعي قد دعوا إلى إنشاء دولة يهودية من منطلقات دينية في أجواء صعود القومية في وسط أوروبا وجنوبها، وإذا كان موهيليڤر قد سعى للتوفيق بين المتدينين والعلمانيين في إطار السعي للاستيطان في فلسطين، فإن المفكر الاشتراكي الألماني موزس هيس طرح في كتابه
روما وأورشليم: مسألة القوميات الأخيرة (1862)[14] فكرة الدولة اليهودية من منطلقات قومية عرقية مع عودة لا مناص منها إلى الدين ورموزه في تأسيس الصلة مع الأرض التي يُفترَض أن تقوم عليها الدولة. ويتألف الكتاب من اثنتي عشرة رسالة إلى فتاة وهمية، يطرح فيها حلًا للمسألة اليهودية في أوروبا على أساس توطين اليهود في فلسطين، أما كتابه فلم يخلّف أثرًا بالغًا في البداية، لا في الحركة الاشتراكية ولا في الحركة الصهيونية، ولكن أهميته برزت لاحقًا. ويقال إن هرتسل قرأه خلال زيارة له للقدس عام 1898، وكتب في يومياته عن الكتاب: "كل شيء حاولناه يمكن العثور عليه في آثاره"[15].
أرسى هيس موقفه ودعوته إلى إنشاء دولة لليهود في أرض فلسطين التي يعُدّها أرض أجدادهم في فلسفة تاريخية ترى أن محرك التاريخ الرئيس هو صراع الأعراق السابق عنده على صراع الطبقات. وفي رأيه، كما ورد في "الرسالة الرابعة"، فـ"إن العرق اليهودي الذي ضُغط عليه بشدة، وحاربته الأمم القديمة لتدمره، كان يمكن أن يختفي في بحر الأمم الهندو-جرمانية، لولا أنه يتمتع بهبة الاحتفاظ بطابعه المميز الخاص وإعادة إنتاجه في جميع الظروف"[16]. وكتب أيضًا إن اليهودي المتنكّر ليهوديته ليس مجرد كافر وخارج من الملّة اليهودية، بل هو خائن لشعبة وأصله وعائلته، وإذا كان ثمن المساواة والحقوق هو التنكّر للقومية اليهودية، فيجب رفض هذه المساواة وهذه الحقوق. وكتب في "الرسالة السادسة": "ليس الوعي (النظري) إذًا هو الذي يشكّل الحياة، بل العرق هو من يفعل ذلك. وكذلك، ليست العقيدة التوراتية هي التي شكّلت الحياة الأسرية البطريركية، كما تنعكس في كتب العهد القديم [...] بل على العكس تمامًا؛ فالحياة الأسرية البطريركية لآباء أمتنا هي الأساس الذي قامت عليه العقيدة الواردة في كتب العهد القديم، وهي العقيدة التي شكّلت دومًا الديانة اليهودية التاريخية بوصفها ديانة قومية منبثقة من تراث عائلي تطوّر مع الزمن"[17]. بالنسبة إليه، تتولّد القومية إذًا عن جماعات بشرية تشكل وحدات عضوية، هي الأعراق، وهو يَعُد أنّ هذا التطور سابق على الديانة اليهودية، وأن الديانة اليهودية هي ديانة قومية. ويكمن الخطر على اليهودية عنده في الإصلاحيين الذين يعيدون صياغة اليهودية بملامح علمانية حديثة، ويعيدون تنظيم الطقوس الدينية لتنسجم مع الأذواق الجمالية الأوروبية في القرن التاسع عشر. ورأى أن مهمة من يحمل فكرًا كفكره في الظروف التي كانت سائدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تتلخص بالحفاظ على الأمل إلى حين تشكُّل الظروف السياسية التي تتيح استعادة بناء الدولة اليهودية في أرض الأجداد. وكان يثق بأن فرنسا سوف تسهم في إنجاح هذا المشروع. وقد وفّق هيس بين الفكرة العرقية القومية والفكر الاشتراكي من خلال اشتراط التقدّم الاجتماعي والسياسي بالاستقلال القومي. فالدولة هي الإطار الذي يجري فيه الصراع الاجتماعي والسياسي، وهذا الإطار سابق على التقدم في هذه المجالات. وقد تبنى اليسار الصهيوني لاحقًا هذه المسلَّمة للجمع بين الاشتراكية والصهيونية.
إن الحركة الأولى المنظمة للاستيطان في فلسطين والعمل في الزراعة باستعادة علاقة العبرانيين الأوائل مع الأرض هي حركة "محبة صهيون"، وقد نشأت الحركة بتأثيرٍ مما تعرض له اليهود في روسيا بين عامي 1881 و1882، وجمعت ناشطين ومثقفين فاعلين في عشرات الجمعيات، ولم تكن للحركة أيديولوجيا اجتماعية محددة. ومع أنها لم تعمر طويلًا ولم تتحول إلى منظمة مستقرة ذات دور فاعل، فقد مهّدت طريق الاستيطان، وأسهمت في نشوء الحركة الصهيونية المنظمة، وأصبح ناشطوها المركزيون فاعلين قياديين في المنظمة الصهيونية بعد نشوئها، وفي فلسطين ذاتها.
صفحة عنوان كتاب التحرر الذاتي (بالألمانية)
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يُعَدّ ليون پنسكر أحد أبرز منظري هذه المرحلة من نشوء الصهيونية. في عام 1882، نشر كتابه
التحرر الذاتي: نداء من يهودي روسي إلى بني قومه![18] (بالألمانية من دون توقيع) تحت تأثير مذابح 1881-1882 ضد اليهود في روسيا، وذلك بعد أن كان مؤمنًا باندماجهم في روسيا ليبرالية مستقبلًا. وجاء فيه أن العداء للسامية مرض نفسي متوارث ولا شفاء منه، وأن الوطن القومي لليهود يمكن إنشاؤه في أي مكان في العالم، فالمهم أن يعيشوا على أرضٍ لهم. وقد دعا، هو وليلينبلوم وتسڤي هيرش (هيرمان) شاﭙيرا (Zvi Hirsch (Hermann) Schapira، 1840–1898) إلى عقد مؤتمر في مدينة كاتوڤيتس تأسست فيه حركة محبة صهيون[19]، وانتُخِب پنسكر رئيسًا لها. كان پنسكر علمانيًّا، وشدّد على إيجاد أرض لإقامة كيان يهودي مستقل، وليس بالضرورة في فلسطين، لكنه أصبح داعمًا لإقامة دولة يهودية في فلسطين بتأثير أتباعه. وقد كتب هرتسل في مذكراته أنه لم يطلع على كراسة
التحرّر الذاتي إلا بعد أن نشر كتاب
الدولة اليهودية، وأنه لو قرأ كتاب پنسكر، لما كانت هناك ضرورة لنشر كتابه[20]. وبالفعل، كل فكرة مركزية من أفكار آباء الصهيونية موجودة في هذا الكتاب. فجاء فيه مثلًا أن اليهود يُشكّلون عنصرًا غريبًا بالفعل بين الشعوب، ولا يمكن لأيّ أمّة أن تقبلهم بوصفهم عنصرًا غريبًا، والمهمة هي إيجاد دواء يُمكّن من تكييف هذا العنصر الغريب مع الأمم. والحل الوحيد برأيه على المدى المنظور هو التوصّل إلى تسوية تعايش بين اليهود وبقية الشعوب، وهذا غير ممكن من دون أن يُمنَح اليهود مساواة في المكانة؛ مكانة شعب مثل بقية الشعوب. ولكي يشكل اليهود شعبًا، يجب أن يكتسبوا خصيصة قائمة عند كل القوميات، وهي الأرض والدولة، أي العيش على أرض وطنهم في ظل نظام حكم واحد.
ويُشبّه پنسكر الشعور بعدم الحاجة إلى الاستقلال القومي بحالة مَرَضية تُشبه فقدان الشهية عن الطعام والشراب، وهكذا يُحجِم اليهود عن أن يصبحوا شعبًا معاصرًا في دولة مستقلة، وهذا في رأيه داء لا دواء له إلا من خلال البرهنة على أن غياب الاستقلال الوطني هو أصل مصائبهم. وهو يَعُد رهاب اليهود (Judeophobia) عند الشعوب الأخرى مرضًا نفسيًا (ذُهان - Psychosis) ينتقل بالوراثة منذ ألفي عام، أما مصدره فمثل ضروب الخوف الأخرى التي تنشأ من الخوف من الأشباح المتأصل في البشر منذ طفولة البشرية وطفولتهم أفرادًا. ومن منظوره، فإن العنف ضد اليهود والتسامح معهم مُهينان بالدرجة نفسها. الشعوب جميعها تكره الأجانب، لكن كره اليهود يختلف عن كره الأجانب في العالم؛ فاليهودي ليس مواطنًا ولا أجنبيًّا، ليس صديقًا ولا عدوًا، إنه شخص بلا وطن، لقيط، ابن غير شرعي للبلد الذي يعيش فيه؛ لذلك فإن ما ينقص اليهود هو الكرامة القومية؛ ليسوا أمة بالقطع، بل قطيع مشتت في أرجاء العالم. ولن تفلح المساواة، ولا الاندماج، ولا نشر رسالتهم الإلهية في مساعدتهم. يجب أن يكون الهدف هو الحصول على أرض وبناء بيت قومي. وهو يفضل "أرض إسرائيل" (فلسطين)، لكن ليس بالضرورة أن تكون هي الأرض التي ينشئ عليها اليهود دولتهم.
أما بالنسبة إلى انعتاق اليهود الأوروبيين، فالمساواة، والحقوق الممنوحة لهم في إطارها، هي نوع من استخلاص منطقي مُجرّد من مبادئ مُجرّدة، إنها نتاج محاجّة منطقية في إطار فكر التنوير على نحو يظل معه متماسكًا ومنسجمًا مع ذاته في طروحاته. ولكنها ليست نتاج تجلٍّ عفويٍ للمشاعر الإنسانية؛ فهي لا تصمد وتنهار عند أول امتحان، وهذا أيضًا ما أكد عليه
ماكس نوردو (Max Nordau، 1849-1923) في خطابه في المؤتمر الصهيوني الأول (1897)، إذ قال إن منح المساواة لم يكن نتيجة لمشاعر الأخوة الإنسانية، بل من ضرورات المنطق التنويري، فقد أصبحت مبادئ الثورة الفرنسية مقياس التقدم الحضاري، وتطلّب التحضّر منح الحقوق اليهود. وكان تحرر اليهود في إنكلترا حقيقيًّا لأن الإنكليز لا يقبلون أن تُفرض عليهم أمور كهذه، وكانت المساواة الاجتماعية قائمة عندما أُقِرت القوانين التي منحت اليهود المساواة المدنية، في حين ظَل التمييز الاجتماعي ضد اليهود قائمًا في القارة الأوروبية على الرغم من القوانين التي منحت اليهود حقوقًا متساوية. وقد حطّمت المساواة القانونية أسوار الغيتو، لكن ما لبثت أن ظهرت اللاسامية خارجه. لقد سُمِحَ لليهودي بالمشاركة في الانتخابات، لكنه وجد نفسه مقصًى اجتماعيًّا من الروابط والأندية التي تعلن بوضوح وتكتب "ممنوع دخول اليهود". تخلّى اليهودي عن خصائصه المميزة دون أن يُقبَل اجتماعيًّا، فبذا يكون قد أحرق طريق العودة إلى مجتمعه القديم ورفضه المجتمع الجديد، ولم يعد ينتظر الخلاص لأنه لم يعد متدينًا، أي إن العزاء الذي كان لليهودي في الغيتو لم يعد قائمًا عنده[21]، فهذه هي محنة اليهود التي تطلبت نشوء الصهيونية.
وفي كلمته في افتتاح مؤتمر كاتوڤيتش[22]، قال پنسكر إن الشعوب الأخرى تحظى بنمو متوازن، فهي شعوب منتجة تعمل في المهن جميعها، في حين حُرم اليهود من العمل المنتِج وتشوّهت نظرتهم إلى العمل، وانحصر نشاطهم في مجال واحد، فطاول الأذى نموهم الجسدي عمومًا، وأسهم ذلك في نظرة الشعوب غير المرحبة باليهود بسبب نشاطهم التجاري. العودة إلى الأرض وزراعتها هما الحل بدلًا من نشاط الوسطاء الذي يؤدّونه به. وهذه الأفكار التي طرحها پنسكر موجودة جميعها في كتاب هرتسل
دولة اليهود، الذي صدر بعد أربعة عشر عامًا، ولم تكمن أهميته في أصالة طروحاته، بل في تأسيس الحركة الصهيونية السياسية، وقيادتها.
أما التيار الثاني داخل منظمة محبي صهيون الذي مثله الرابي موهيليڤر فأصر على الاستيطان في فلسطين (أرض إسرائيل) بسبب الرابط الديني - القومي، وللأسباب والدوافع التي سبق ذكرها لدى التعرض له وللرابي كاليشر. والأخير تحدث بوضوح عن إقامة دولة يهودية. ولكن الاندفاع نحو الاستيطان في فلسطين لم يقتصر على المتدينين، بل كان أبرز رموزه من العلمانيين. وقد انتقلت الصراعات والنقاشات التي دارت في صفوفها إلى المنظمة الصهيونية العالمية، ولا سيما أن تراث الحركة الاستيطاني أصبح جزءًا من تراث ما سُمي لاحقًا بالصهيونية العملانية، فقد كانت بعيدة عن النشاط السياسي على مستوى العلاقات الدولية الذي أسسه هرتسل وسمِّي الصهيونية السياسية.
ومن روادها المشهورين في التاريخ الصهيوني داڤيد غوردون (David Gordon، 1831–1886)، وهو أديب وشاعر صحافي من ڤيلنيوس، عاصمة ليتوانيا الحالية، ومحرر مجلة
همغيد؛ المجلة الأسبوعية العبرية الأولى، من عام 1856 حتى وفاته.
وضمن التقليد العلماني المتأثر بالتراث، وُجد أمثال الروائي پيرتس سمولينسكن (Peretz Smolenskin، 1842–1885) الذي دعا إلى نهضة ثقافية عبرية وإحياء قومية يهودية. ويُعَدُّ الأب المؤسس لتيار القومية الثقافية والفكر القومي اليهودي بالأبعاد العلمانية، ومن المؤسسين النظريين لحركة محبي صهيون مع أنه لم يكن أحد قياديها، وتوفي بعد ثلاثة أشهر من انعقاد مؤتمر كاتوڤيتش. انتقد سمولينسكن التنوير اليهودي الذي يُعَدّ الفيلسوف موزس مندلسون مؤسسه، مُشددًا على نقد التفاؤل بالحداثة القائم على رؤية حسناتها وتجاهل سيئاتها[23]. وقد ميّز الانتقال من الكتابة التنويرية إلى القومية كتابات سمولينسكن وأيضًا شاؤول رابينوڤيتش (Saul Pinchas Rabbinowicz، 1845-1910) الذي ترجم كتاب
تاريخ اليهود من الألمانية وله كتابات عديدة أخرى، وأيضًا كتابات أبراهام ماپو (Avraham Mapu، 1808-1867). ويمكن أيضًا إضافة المؤرخ المتديّن زئيڤ ياڤتس (Ze’ev Jawitz، 1847-1924) إلى المجموعة التي عاشت في وارسو في الفترة نفسها، وأسهموا جميعًا في تحرير الكتاب السنوي
كنيست يسرائيل. اهتموا في هذا الكتاب السنوي بتعزيز الانتماء الجديد للقومية اليهودية وتأكيد عدم التناقض بينها وبين التنوير[24]، لكنهم تجنبوا الصراع مع المؤسسة الحاخامية الأرثوذكسية، ودعوا إلى مصالحة التنوير مع تديّن معتدل يشمل الحفاظ على السبت والطعام الحلال (الكوشر) وطهارة العائلة[25].
أسهمت كتاباتهم التاريخية عمومًا في بلورة ما يمكن اعتباره فكرًا قوميًّا يهوديًّا، بما في ذلك كتابة سردية قومية للتاريخ اليهودي، تشمل تنصيب مرحلة "بيت داوود"، أي الملك داوود ونسله، بوصفها العصر الذهبي لليهودية، على نهج الحركات القومية عمومًا في تضمين سرديتها التاريخية عصرًا ذهبيًّا[26]، وفي رسم شخصيات وأماكن وأحداث من تاريخ متخيل بأثر تراجعي بوصفها رموزًا قومية.
يشمل هذا التقليد كذلك
موشيه لايب ليلينبلوم (Moshe Leib Lilienblum، 1843-1910)، وهو نموذج عن التحولات التي طرأت على العديد من المثقفين اليهود في روسيا في ذلك الوقت، فقد تعلّم تعليمًا دينيًّا، لكنه تبنّى أفكار التنوير بعد تخرّجه، وأصبح من أهم الصهيونيين في روسيا بعد نشوء المنظمة الصهيونية، وظهرت عنده أسس الفكر الصهيوني التي وُجدت لاحقًا عند البارزين من مؤسسي الحركة الصهونية مثل هرتسل، فقد تعامل مع المسألة اليهودية بوصفها مسألة قومية تُحَل بإقامة دولة يهودية في فلسطين، ورأى أن العداء لليهود أبدي، وأنه تحول من ديني إلى قومي عرقي. وكتب في مقالة "المسألة اليهودية وفلسطين" (1881)[27] أن القومية والعرق حلّتا محلّ الدين في ذلك العصر. وبعد مرحلة الاندماج في عصر التنوير والعلمانية التي حيّدت الدين، عاد اليهود غرباء كما كانوا في العصور الوسطى، ولا يعود وضع اليهود المريح في أوروبا الغربية إلى التنوير، بل إلى قلة عددهم نسبيًّا، ولأن شعوب تلك البلدان مشغولة بأمور أخرى أكثر أهمية. ويجد ليلينبلوم جذور القومية، بما في ذلك ربط كل شعب بأرض محددة، في التراث التوراتي. وقد أصبحت القومية هي الأرض الخصبة للعداء لليهود في القرن التاسع عشر، والعداء لليهود هو الجانب المظلم من الحضارة العصرية القائمة، ولا يمكنها أن تتخلص من هذا العداء، مثلما لا يستطيع النور التخلص من الظلام، والجواب هو في القومية ذاتها؛ إنها مصدر بؤس اليهود لكنها أيضًا مصدر خلاصهم، فهي الطريق إلى القناعة بوجوب أن يعيش اليهود على أرضهم مثل بقية الشعوب. وقد وُجدت هذه الأفكار لاحقًا عند هرتسل في كتابه
دولة اليهود.
تسڤي هيرش (هرمان) شاﭘيرا، قيادي آخر من حركة محبة صهيون، وهو يهودي ليتواني، كان أستاذًا جامعيًّا في موضوع الرياضيات في ألمانيا، وحضر المؤتمر الصهيوني الأول وانضم إلى المنظمة الصهيونية، وهو صاحب فكرتي إنشاء الجامعة العبرية والصندوق القومي اليهودي لتملك الأرض في فلسطين[28]، وقد طبّقت المنظمة الصهيونية هذه الأفكار بعد نقاشات مطولة في المؤتمرات اللاحقة، لكنه أصبح قلقًا من مجاهرة هرتسل ببرنامج إقامة دولة، لأنها تؤثر في شراء الأراضي والنشاط الاستيطاني في فلسطين؛ فالتجمع في فلسطين هو بالنسبة إليه هدف بذاته، وكذلك إنشاء مركز روحاني وفكري فيها. وهذه تقاليد الصهيونية الثقافية التي لم تضع إقامة الدولة على رأس جدول أعمالها، بل البعث القومي والروحي لليهود في فلسطين وفي الشتات، وكان لهذا التيار مؤيدوه ضمن حركة محبة صهيون. وقد عارض شاﭘيرا، لاحقًا، أن يتضمن بيان المؤتمر الصهيوني الأول (1897) الذي شارك فيه، أي إشارة لإنشاء دولة يهودية في فلسطين، لا لأنه عارض الدولة، بل لأنها لم تكن أولوية في نظره في ذلك الوقت.
وبناءً على ذلك، اجتهد ماكس نوردو، الذي كتب برنامج المؤتمر، في إدخال تعديلات تنسجم مع ملاحظات شاﭘيرا. فالمهم، وفقًا لتبرير هذا التغيير، ليس عنوان كتاب هرتسل، بل مضمونه. وهو يريد العيش بسلام في ظل السلطنة التركية وبقية الممالك[29]، والحقيقة أنهم تجنبوا استخدام تعبير دولة في برنامج بازل خشية استفزاز السلطان في إسطنبول، وتجنبًا للتضييق على الهجرة والاستيطان.
وفي مقالة له بعنوان "يا إخوتي! نحن مخطئون: عن نهضة شعب إسرائيل"[30] (أيلول/ سبتمبر 1882)، أكد شاﭘيرا أن معاناة اليهود مستمرة ولا طائل من إلقاء المسؤولية على أحد، وتتبدل أشكال المعاناة تبعًا للبلد، وليس لها حلّ محلي، وبهذا يكون الحل الوحيد هو إقامة دولة يمكن فيها تعلّم النظم الحديثة وقوانين الحياة ومعنى السلطة والنظام، وبعد ذلك تتعاظم مشاعر الكرامة القومية، ولكن الهدف في تلك المرحلة هو إقامة مركز فكري روحاني ومادي، لا تجميع كل شتات بني إسرائيل ولا إقامة دولة يهودية.
لم يكن نشاط صهيونيي
الهجرة الأولى (1882-1903) إلى فلسطين فرديًّا أو عفويًّا كما يُروج عنها، فقد كان "محبو صهيون" منظَّمين وعملوا على تأسيس شبكة تعاون بين الجمعيات المختلفة وبينهم وبين المتبرعين اليهود. لقد أصدروا الصحف والمجلات الأولى باللغة العبرية، وأقاموا المستوطنات الأولى، وشبكات جمع التبرعات، وظهرت من بين صفوفهم فكرة وضع قواعد اللغة العبرية الحديثة. وقد عُرف إليعزر بن يهودا بالتركيز على إحياء اللغة العبرية وتشكيل العبرية الحديثة من خلال تأليف المعجم، وكان إحياء اللغة والثقافة العبريتين من أهم المشاريع الصهيونية التي بدأت بدوريات عبرية في شرق أوروبا مرورًا بجهود بن يهودا، ثم إنشاء الجامعة العبرية والمدارس العبرية الحديثة الأولى في فلسطين.
وشدد بن يهودا على مشاريع تملك الأراضي في فلسطين، واقترح في رسالة مشتركة وقّعها معه يحئيل ﭘينس إنشاءَ جمعية إحياء شعب إسرائيل (1882)[31]، من أجل جمع المال لشراء الأرض و"تخليص أرض أجدادنا من الغرباء"، والعمل على طباعة الكتب العبرية ونشرها. وقد اقترحا الاستفادة من اللغة العربية في تطوير اللغة العبرية لأنها غنية بالمفردات، وعدم التردد في استعارة كل ما ينقص اللغة العبرية منها مع إسباغ الشكل العبري عليها على نحو يُحجب معه أصلها العربي.
وفي إطار تيار "محبي صهيون"، وفي الأجواء نفسها التي صاحبت نشوء جمعيات مختلفة، تأسست حركة ﭘيلو (1882) التي هدفت إلى تنظيم الهجرة والاستيطان في فلسطين. تأسست الحركة في أوديسا في آذار/ مارس 1882 لنشر أفكار النهضة اليهودية والهجرة إلى فلسطين، وخطابها بالمجمل خطاب ثوري راديكالي اجتماعيًّا ومتأثر باليسار الشعبوي الروسي، وقد وقّع بيانها التأسيسي أربعون شابًا رافعين شعار "نحو صهيون" داعين إلى الانتقال إلى هناك ومشددين على فشل أوهام التنوير التي بعدها بقي اليهود بلا حماية، مشتتين بين الشعوب، وقد أدت راديكالية هؤلاء الشباب ونشاطهم المفرط إلى صراعات مع المستوطنين المدعومين من روتشيلد، وفي النهاية غادر معظمهم فلسطين.
الجدير بالذكر أنه في الفترة الزمنية التي تُعد فترة ما يسمى الهجرة الصهيونية الأولى، هاجر أكثر من مليوني يهودي من روسيا وشرق أوروبا إلى غربها أو إلى الولايات المتحدة الأميركية، و26 ألفًا منهم فقط هاجروا إلى فلسطين. وبالمجمل، تأسست خلال ما يُسمى الهجرة الأولى -والهجرات التي سبقتها في القرن التاسع عشر التي تجعل التسمية نفسها موضع تشكيك- مستوطناتٌ مهمة ضمن المشروع الصهيوني، بدأت صغيرة لا تتجاوز ساكنتها عشرات العائلات، وأصبح بعضها مدنًا لاحقًا، مثل
بيتح تفكا، وكفار سابا، وريشون لتسيون، والخضيرة، وبني يهودا، وروش بيناه وغيرها.
هرتسل ودوره
ثيودور هرتسل
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ثيودور هرتسل مؤسس الصهيونية السياسية الحديثة، وهو يهودي هنغاري نمساوي. كانت ثقافته حتى بداية تسعينيات القرن التاسع عشر اندماجية. نال درجة الدكتوراه في القانون، لكنه توجّه إلى عالم الصحافة والمسرح والأدب في ڤيينا. بدأ اهتمامه بالمسألة اليهودية خلال إقامته في باريس؛ حيث النموذج الأبرز لاندماج اليهود في المجتمع، مع بقاء المسألة اليهودية قائمة اجتماعيًّا. وقد عبّر هرتسل عن ذلك الواقع في نصّه المسرحي "الغيتو الجديد"
Das Neue Ghetto (1894)، إذ صوّر حالة شاب يهودي راغب في الاندماج وإخفاقه في ذلك. وقد تبدّل توجّه هرتسل الاندماجي كليًا مع محاكمة الكابتن الفرنسي اليهودي
ألفريد درايفوس نهاية عام 1894، فألّف كتابه
دولة اليهود في مطلع عام 1896، وعنوانه الفرعي
محاولة لإيجاد حل حديث للمسألة اليهودية.
كتب هرتسل
دولة اليهود خلال عام 1895 في البداية على شكل محاضرة أراد تقديمها أمام شخصيات يهودية اعتبارية آملًا أن يؤدوا دورًا في التأثير في الدول الأوروبية العظمى لإقناعها بمشروع إنشاء دولة يهودية. وعرض مشروعه السياسي على مجموعة من اليهود البريطانيّين المؤثرين من أعضاء حلقة
نادي المكابيّين. ونشر يوم 17 كانون الثاني/ يناير 1896 مقالة في صحيفة
جويش كرونيكل Jewish Chronicle اللندنية بعنوان "حلّ المسألة اليهودية". وقد شملت تلك المقالة الخطوط العريضة الأساسية التي ظهرت في كتابه لاحقًا[32].
أثار عنوان الكتاب الصريح رد فعل معارضًا في أوساط الاندماجيين والمتدينين التقليديين على حد سواء. ومنذ تلك الفترة وحتى وفاته عام 1904، عمل هرتسل على إنشاء المؤسسات في خدمة تطبيق هذه الفكرة والاتصال بالدول لإقناعها بها، وكانت استراتيجيته إقناع الدول الكبرى بالحل الذي يطرحه للمسألة اليهودية من منطلق مصلحتها، والاعتراف قانونيًّا بحق اليهود بالهجرة إلى فلسطين، فقد عدّ الهجرة غير الشرعية والاستيطان الذي يقوم به أفراد أو جمعيات من دون مشروع سياسي ودعم دولي رسمي بمنزلة عمل هواة. ووفقًا لهرتسل تطلّب العمل على مشروع هجرة مقونَن دوليًّا إنشاء شخصية اعتبارية هي جمعية اليهود (Society of Jews) إضافة إلى شخصية قانونية هي شركة يهودية (Jewish Company)، بحيث يُناط بهذه الشخصية القانونية شراء الأراضي والعقارات في فلسطين وإدارتها.
يعترف هرتسل في كتابه
دولة اليهود بأن الفكرة ليست جديدة، وقد آمن وفقًا لنصه هذا بإمكانية تحقيق الفكرة قبل تحديد الشكل النهائي الذي ستتخذه الدولة، أما أساس واقعية الفكرة فهو وجود محنة حقيقية، وحاجة أوروبا إلى دولة لليهود. المسألة اليهودية قائمة منذ العصر الوسيط، لكن اليهود حملوها معهم حيثما حلوا. ومعاداة السامية هي "مزيج من الحسد الشعبي، على صعيد المسائل التجارية والمهن، والتحيّز والآراء المسبقة والتعصّب الديني الموروث، إلى جانب التظاهر بالدفاع عن النفس". ولم ينظر هرتسل إلى المسألة اليهودية بصفتها مسألة دينية أو اجتماعية، بل بصفتها مسألة قومية.
ومشروع الدولة، وفقًا لنصوصه، ليس موجّهًا لليهود المندمجين، لكنه سيعود بالفائدة عليهم بسبب رحيل اليهود غير المندمجين. هؤلاء اليهود المندمجون يشجعون غير المندمجين على الهجرة. ومن هذه الناحية فإنهم يتصرفون مثل المعادين للسامية، إنهم معادون للصهيونية لكنهم يتنكرون بزي المحسنين.
شدّد هرتسل على معرفة أسباب معاداة السامية من أجل التخلّص منها، ولكن نصّه اقتصر على معالجة الأسباب السياسية والاقتصادية التي نجمت عن نجاح اليهود في الاقتصاد بعد انعتاقهم. كان سبب معاداة السامية القديم "في عدم قدرتنا في العصور الوسطى على الاندماج؛ وأما سببها المعاصر فهو إنتاجنا لمتعلّمين متوسطي الثقافة بأعداد كبيرة جدًا لا يستطيعون التقدّم إلى الأمام ولا التقهقر إلى الخلف [...] وعندما نصبح في طبقة البروليتاريا نتحوّل إلى القوى الثورية، فنقود كل حركة ثورية، وعندما نتقدّم، نجلب معنا قوتنا المالية المخيفة"، والحالتان تؤديان إلى العداء لليهود. قد ننجح في الاندماج بالشعوب المحيطة بنا إذا تركونا نعيش بسلام على مدار جيلين فقط. ولكن هذه الشعوب تأبى أن تفعل ذلك [...] نحن شعب واحد، والعدو هو الذي يجعلنا شعبًا واحدًا بالرغم عنا"[33].
الخطة بسيطة، "فلنُمنح السيادة على قطعة أرض ما في هذا العالم تكفي لاحتياجاتنا القومية المشروعة ونحن نتكفّل ببناء ما تبقّى"[34]. لهذا الغرض يجب إنشاء جمعية لليهود واعتراف الدول بها بصفتها القوة المُنشئة للدولة؛ وبخصوص الموقع: "يتبادر إلى ذهننا منطقتان: فلسطين والأرجنتين، وقد جرت محاولات الاستعمار في كل من هاتين المنطقتين، ولكنهما قامتا على أسس خطأ، فقد تأسّستا على فكرة التسلّل اليهود التدريجي. ومن شأن التسلّل أن يفضي إلى نتائج سيئة"[35]؛ ذلك لأن الحكومات تخضع لردود فعل الأهالي ضده.
بالنسبة إلى فلسطين، كتب هرتسل أنها موطن تاريخي لليهود، وهذا يُشكّل قوى جذب عظيمة. "في حال منحنا جلالة السلطان فلسطين [لليهود] سنتولّى مقابل ذلك إدارة الشؤون المالية لتركيا بكاملها"، و"دولة اليهود هناك تمثّل جزءًا من السور المنيع ضد آسيا، إذ سنرعى هناك الحضارة ضد الهمجية. ويجب علينا بوصفنا دولة محايدة أن نظل مرتبطين بأوروبا كاملة لأنها ستضمن وجودنا". وبالنسبة إلى الأماكن المسيحية المقدّسة في فلسطين، يقترح ولاية قضائية دولية عليها، وأن دولة اليهود ستكون "حرس الشرف لهذه الأماكن المقدّسة"[36].
ومن المهم تذكّر أن المشروع الصهيوني كان أوروبيًّا في نظر آبائه. إنه أوروبي خارج أوروبا، ففقط خارج أوروبا يُتاح لليهود أن يصبحوا أوروبيين فعلًا. ولم يخطر ببالهم مخاطبة اليهود في البلدان العربية وبلدان آسيا وأفريقيا عمومًا، وحين فعلوا ذلك كان ذلك ملحقًا متممًا بالمشروع الرئيس. ولإقناعهم بالهجرة، استخدموا الدين والنزعة المسيانية الخلاصية، فقد كانت النزعة القومية للصهيونية غريبة عن عالمهم وبيئتهم.
تجاهل هرتسل مثل معظم قادة الحركة الصهيونية ومفكريها وجود سكان أصليين عرب في فلسطين. وكتب معاصره
إبراهيم سالم يهودا (أبرهام شالوم يهودا) (Abraham Shalom Yahuda، 1877–1951) الخبير في الأدب العربي الذي أصبح أستاذًا في الجامعة العبرية لاحقًا، عن التقائه بهرتسل في لندن عام 1896، بعد محاضرة للأخير، وحاول شالوم أن يشرح له أهمية الاهتمام بالعرب، وكتب أن غالبية العرب والمسلمين غير مُعادين لليهود ويمكن كسبهم "لخطتنا"، لكن هناك قلة من العرب المسيحيين الذين يعادون اليهود بتطرف، وهم أداة بيد الكنائس المختلفة، لا سيما الكاثوليكية التي تعمل على إضعاف التأثير اليهودي. كذلك عاد والتقاه بعد المؤتمر الصهيوني الأول وكرر أمامه أن السلطان لن يتنازل عن فلسطين ولن يُغضب سكانها، فلديه هناك رأي عام، وأن 80 في المئة من السكان في فلسطين هم عرب يجب التحدث معهم مباشرة، لكن هرتسل أصرّ على أن لا شأن للسكان بالأمر، وأن كل شيء بيد السلطان، وهم لا يعصون له أمرًا إذا تعاون مع الصهيونية. وكتب أن المستوطنين اليهود الذين حضروا المؤتمر من فلسطين أسهموا في تضليل هرتسل بادعاء عدم وجود مسألة عربية فيها[37].
يتجلى موقف هرتسل من العرب على نحو أوضح في روايته الأوتوبية
ألتنويلاند
Altneuland (بلد قديم جديد) التي يُصوِّر فيها مثاله المتوخى للدولة اليهودية في فلسطين؛ إذ ستسخَّر آخر مكتشفات العلوم والتكنولوجيا والإدارة العقلانية في خدمة الإنسان، وتقوم فيها ديمقراطية تشاركية من الأدنى. إنها دولة المستقبل من ناحية التكنولوجيا والمواصلات، وطرق البناء وتنظيم المدن والحدائق، وتؤدي الكهرباء دورًا أساسيًّا في الرواية. كل شيء يسير على الكهرباء من السيارات والقطارات المعلّقة، والزراعة المتطورة والحديثة. ويكتشف الزائران بطلا الرواية، أن العرب متعايشون تمامًا مع هذه الدولة، وهم ممثَّلون في الرواية من خلال شخص اسمه رشيد بك. ومع أن مبدأ المساواة بين النساء والرجال مطبق في هذه الدولة، فإن المسلمين فيها يحتفظون بتقاليدهم؛ فزوجة رشيد بك فاطمة في بيتها لا تخرج منه، وهي سعيدة بذلك، وفقًا لما يسمّيه هرتسل في الرواية "العادات المحمّدية".
وتُصور الرواية من تسميهم "المحمديين" في حالة رضا وسعادة بالاستيطان اليهودي؛ لأنه أتاح لهم أن يتطوروا ويعملوا بأجور عالية. وأمام حيرة الزائر كنغزكورت من سعادة رشيد بك، يجيبه الأخير بالحجج الصهيونية التي نُشر كثير منها بشأن تطور العرب الممكن نتيجة للاستيطان الصهيوني. وفي النقاش بين رشيد بك وكنغزكورت، شرح رشيد بك ملكية الأرض في ظلّ الاستيطان اليهودي، وهو عنده نعمة لا نقمة، فقد تضاعفت قيمة أراضيهم، والأرض تؤجّر من جانب الدولة ولا تباع، بل تؤجّر سبعة أعوام لسبع مرات، أي 49 عامًا في الحد الأقصى، وذلك وفقًا لشريعة موسى في التوراة. وبعد ذلك، تعود الأراضي المؤجرة للمالكين الأصليّين. ومن كانوا فقراء من العرب ولم يملكوا شيئًا لم يكن لديهم ما يخسرونه إذ استفادوا من العمل ومن الجمعيات الخيرية. يندهش الأوروبي الافتراضي كنغزكورت من العربي الافتراضي، ويعبر عن استغرابه من عدم تعامل العرب مع من احتلوا أرضهم بوصفهم مستعمِرين.
تعرَّضت رواية هرتسل للنقد من اتجاه آخر لا علاقة له بالعرب، فقد انتقدها الأب الروحي لما يسمى
الصهيونية الثقافية، الكاتب
آشر غينسبورغ الذي اشتهر باسمه الأدبي أحاد هعام (واحد من الشعب) (Ahad Ha-‘Am، 1856–1927)، لأنها تبدو مثل أي حلم مثالي أوروبي من تلك الفترة من دون بعد ثقافي وروحاني يهودي، ويمكن أن تكون دولة أي شعب[38]. كانت هذه بداية نقاش بشأن الرابط بين الصهيونية والثقافة اليهودية (والرابط عند أحاد هعام نوع من علمنة أو قومنة للتراث اليهودي)، وتجدد هذا النقاش مرة أخرى حين طُرح مشروع توطين اليهود في أوغندا.
كان إنجاز هرتسل الرئيس تأسيس الحركة الصهيونية المنظمة ومؤسساتها بتمثيل من غالبية الجاليات اليهودية المهمة، واجتذاب نخبة من المفكرين والمهنيين اليهود للإسهام في قيادتها وتوجيهها من خلال مؤتمرات سنوية وفروع في مختلف الدول. ناقشت المؤتمرات قضايا اللاسامية، وأوضاع اليهود في الأقطار جميعها، وتقدم العمل الصهيوني، واستمع إلى تقارير عن الحالة في فلسطين. كان هذا أول تنظيم "قومي" لليهود في التاريخ، ومع أنه اجتذب أقلية من اليهود في العالم، وأن الغالبية عدتها مغامرة غير محسوبة، وعدها بعض المعارضين هلوسة مسيانية، فإن هرتسل نجح في إيجاد عنوان يتحدث باسم اليهود على المستوى الدولي، وأنشأ مؤسسة لديها برنامج سياسي وخطط عملية، وهو ما غيّر طابع المسألة اليهودية في أوروبا. وقد نصّ برنامج بازل الصادر عن المؤتمر الأول على العمل من أجل "منح الشعب اليهودي موطنًا (Heimstätte) في فلسطين بضمان القانون العام"[39].
ماكس نوردو ودوره
ماكس نوردو
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
اجتذبت الحركة الصهيونية منذ ظهور حركة محبة صهيون، العديد من المثاليين والحالمين ببناء مجتمع أفضل بعيدًا عن أوروبا، ولكن قيادة الحركة الصهيونية عدت نفسها أوروبية غربية حضاريًّا، وأرادت أن تكون جزءًا من المشروع الاستعماري في الشرق. وكما قال ، الذي عُدَّ يد هرتسل اليمنى، في خطابه أمام المؤتمر الصهيوني الثامن (1907): "نحن ذاهبون إلى أرض إسرائيل من أجل نقل حدود أوروبا الأخلاقية حتى نهر الفرات"[40]، كان هذا قبل أن يوافق نوردو حتى على طرح مشروع الدولة، حينما كان يلح على عدم إغضاب السلطان وضرورة إقناعه بإتاحة الهجرة وإنشاء إدارة ذاتية يهودية في فلسطين في ظل السيادة العثمانية.
توافق هرتسل ونوردو على أن ما يجمع اليهود هو العرق، ففي عصرهم كانت نظرية الأعراق التي أصبح اليهود خلال الحرب العالمية الثانية أشهر ضحاياها، تُعدّ علمية، وتقليعة دارجة بين المثقفين. ولكن مسألة العرق هذه ليست واضحة عند هرتسل، ففي موضع آخر كتب: "نحن نعرِّف أنفسنا بوصفنا شعبًا بموجب الدين"[41]. وكتب هرتسل في يومياته (6 تموز/ يوليو 1895) عن لقاء حميم ساد فيه تفاهم كامل مع نوردو الذي كان خَجِلًا من تحوله إلى المسيحية حينما رأى درجة التصاق هرتسل باليهودية (كان هذا تحولًا عند هرتسل أيضًا). "قال نوردو لا توجد عقيدة يهودية (Dogma)، لكننا ننتمي إلى عرق واحد [...]، واتفقنا على نقطة أخرى وهي أن اللاسامية هي التي حولتنا إلى يهود"[42].
عدّ نوردو الفرق بين الشرق والغرب حضاريًّا ثقافيًّا أخلاقيًّا متعلّقًا بالتقدم، وكان مؤمنًا بمقولة التقدم في الحضارة الغربية في مجالات العلم والتكنولوجيا والأخلاق وإدارة الدول. وقد هاجم بحدة نقاد الحضارة الأوروبية مثل شوبنهاور ونيتشه، وانتقد التيارات التي انتقدت الحداثة.
وقد اشتهرت عبارته "يهودية العضلات"[43] التي عبّر فيها عن فكر قومي إحيائي يبدأ بإحياء جسد الفرد اليهودي وتقويته من خلال الرياضة والتدريب في ظل إحياء القومية اليهودية. ومن الوسائل التي أمل نوردو من خلالها في تحقيق هذا الهدف تعزيزُ الوعي الذاتي القومي اليهودي، وقد حذّر من الاعتماد الكامل على نخبة يهودية تفاوض قادة الدول لتجلب لليهود وطنًا، فالمهمة من وجهة نظره أعمق من ذلك؛ إنها عملية بناء أمة من مجموعة من الأفراد المتفرّقين الذين لا تربطهم صلات عضوية وفقًا لقوله. وهنا، قدّم نوردو عرضًا للتحديات التي توجه عملية بناء أمة، انطلاقًا من عدّ اليهودية قومية، ومن ضمن ذلك واجب الفرد المتمثل في الاهتمام بالشؤون العمومية والانضباط وطاعة القيادة التي ينتخبها[44].
غلاف رواية ألتنيولاند لثيودور هيرزل (1860-1904).
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ووفقًا لنوردو، فإن ما يميز الصهيونية عن غيرها من التيارات هو الموقف من الطابع القومي لليهودية، فمن يعترف بالطابع القومي لليهودية هو صهيوني بالضرورة، ومن لا يعدّ اليهود شعبًا لا يمكن أن يكون صهيونيًّا. أما بالنسبة إلى اليهودي الإصلاحي، فلا تحمل كلمة "صهيون" أي معنى أعمق من معنى كلمة "شتات"، فهو لا يعترف بوجود شعب يهودي وبانتمائه له. اليهودية بالنسبة إليه مفهوم ديني لا يتقاطع مع القومية في شيء، ووطنُه هو مهد ولادته. ومن منظور نوردو، يجد الإصلاح الديني اليهودي نفسه في مأزق، فالمتديّن الأرثوذكسي يرفضه، أما المتنور اليهودي فقد سبقه بخطوات، وتعمَّد، أي غيّر دينه وأصبح مسيحيًّا، واليهودي القومي يرفض تيار الإصلاح الديني ويرى الإصلاح في الصهيونية ذاتها. ووفقًا لنوردو، فإن الصهيونية موجهة إلى اليهود الذين يعانون من الاضطهاد واليهود غير الراغبين بالاندماج. ويُشكِّل اليهود الاندماجيون الراضون عن أوضاعهم نحو سدس الشعب اليهودي، أي نحو مليونين، والصهيونية ليست موجّهة إليهم.
تطرّق نوردو لوجود العرب في فلسطين والمنطقة، خلافًا لهرتسل الذي لم يذكر حتى كلمة العرب، إذ يرد ذكر عنده لعربي واحد في رواية
التنويلاند من دون استخدام كلمة عرب، فرشيد بك الذي يظهر في الرواية يوصَف عنده بأنه "محمدي". تطرّق نوردو للعرب في المؤتمر السابع (1905)، واعتبر أن الصهيونية قد تُصبِح حليفة للسلطنة العثمانية ضد حركة قومية عربية صاعدة، وهو ما سيدفع السلطنة للسماح لليهود باستيطان فلسطين[45].
الصهيونية السياسية
عُقِد المؤتمر الصهيوني الأول في الفترة ما بين 29 و31 آب/ أغسطس 1897 بحضور 204 مندوبين، وافتتحه هرتسل الذي دعا إليه. وألقى
ناتان بيرنباوم محاضرة حدد فيها المهمات المختلفة للصهيونية وفقًا لتوزيع اليهود في العالم. ففي أوروبا الغربية ثمة خطر على هوية اليهود بسبب الاندماج، في حين أن التحدي في أوروبا الشرقية وآسيا هو الاضطهاد والتخلف. وقدّم نوردو الذي أصبحت محاضراته في المؤتمرات الصهيونية سنويةً، مشروع قرار عن أهداف الحركة الصهيونية. وأُقرّ القرار بعد نقاش طويل وعُرِفَ لاحقًا باسم "برنامج بازل". وتلخّص الهدف بإقامة وطن لليهود في "أرض إسرائيل" (فلسطين) مُعترف به قانونيًّا، وحُدِّدت الإجراءات اللازمة للوصول إلى هذا الهدف:
- تشجيع منهجي لتوطين اليهود المزارعين والحرفيين والمهنيين في فلسطين.
- توحيد اليهود وتنظيمهم من خلال مشاريع مفيدة محلية وعامة وفقًا لقوانين كل بلد.
- تعزيز الشعور القومي اليهودي والهوية القومية اليهودية.
- اتخاذ خطوات تحضيرية للحصول على موافقة الحكومات لتحقيق هدف الصهيونيين[46].
ظلّ هذا البرنامج هو نفسه طوال نصف قرن، حتى عدّله المؤتمر الصهيوني الثالث والعشرون الذي عُقِدَ في القدس عام 1951 بعد قيام إسرائيل، وعُدِّل مرة أخرى في المؤتمر الصهيوني السابع والعشرين (1968)[47]. لاحظ أن الحديث في برنامج بازل عن وطن لليهود في إسرائيل وليس عن دولة يهودية كان مقصودًا لتجنب النقاشات الدائرة تحديدًا في غرب أوروبا خشية من إثارة موضوع ولاء اليهود والتشكيك بوطنيتهم، وكذلك خشية إغضاب السلطات العثمانية والتأثير في موقفها من الهجرة اليهودية إلى فلسطين. ولكن على الرغم من البراغماتية والاستعداد لإجراء التسويات داخل المنظمة وخارجها، ظلت الدولة هي الغاية الموجهة لعمل المنظمة.
طرح
ماكس بودنهايمر (Max Bodenheimer، 1865-1940) الذي كان عضوًا في رئاسة المؤتمر، الأفكار بشأن المؤسسات اللازمة، ومن ضمنها قيام المنظمة الصهيونية العالمية مع فروع في كل بلد لا تتدخل بالشؤون السياسية لذلك البلد. وأقر المؤتمر مشروع إقامة منظمة صهيونية عالمية بلوائحها التنظيمية، وأُتيحَت العضوية لكل يهودي يدفع رسومًا سنوية للمنظمة على نحو يَنتَخِب معه كلُّ مئة من دافعي الضريبة التي سُمّيت "شيكل"، مندوبًا واحدًا[48].
على الرغم من أن المنظمة مثّلت أقلية صغيرة من اليهود في العالم، فإنها شكّلت أول تنظيم يهودي عالمي على الإطلاق يتحدث باسم اليهود عمومًا، وليس في بلد بعينه، أو يدّعي ذلك على الأقل، وهو ما دفع السلطات في دول مختلفة إلى التعامل معها، ليس بصفتها ممثلة ليهود بلادها، بل للمسألة اليهودية عمومًا، أو لليهود بوصفهم شعبًا لديه قضية مشتركة كما كانت المنظمة تدعي. ولذلك، كتب هرتسل في يومياته بعد عودته من المؤتمر، يوم 3 سبتمبر/ أيلول 1897: "لو لخّصت مؤتمر بازل بكلمة -أحرصُ على ألّا أقولها علنًا- فستكون: في بازل أسستُ الدولة اليهودية. لو قلتُ ذلك اليوم على الملأ لقوبلتُ بضحك عمومي. ولكن، ربما خلال خمسة أعوام، وبالتأكيد خلال خمسين عامًا، سيعرف الجميع ذلك"[49]. لم يؤسس هرتسل دولة اليهود في ذلك العام، ولكنه كان حالمًا مجاهرًا مثابرًا بحلمه. أقام هرتسل في بازل أداة لتحقيق برنامجه، ولكن هذا كله لم يكفِ. فلم تنجز الصهيونية السياسية ولا حتى العملانية الاستيطانية دولة يهودية لولا الظروف الدولية التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى، وخصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن ما كانت الحَرْبان لتفرزا دولة يهودية لولا وجود حركة منظمة لديها وضوح في الهدف، واستيطان استعماري منظم لديه البراغماتية اللازمة للتعامل مع المتغيرات، والقوة التنظيمية والعسكرية اللازمة لاستغلال هذه المتغيرات. حصل ذلك فعلًا خلال خمسين عامًا.
نشب الخلاف الأول داخل الحركة الصهيونية في المؤتمر الصهيوني الثاني (1898) بين ما سُمّي لاحقًا الصهيونية السياسية (وممثلاها هرتسل ونوردو) التي اشترطت اضطلاعها بقيادة عملية الاستيطان في فلسطين بالاتفاق مع دول أجنبية تضغط على السلطنة العثمانية أو مع السلطنة العثمانية على نحو لا تكون معه الهجرة تسللًا، بل هجرة قانونية. أما معارضوها، فطالبوا بتشجيع الاستيطان والتورط فيه مباشرة بصرف النظر عن توفر ضمانات دولية، وعُرِفَ هذا التيار لاحقًا بالصهيونية العملانية، ومثّل إلى حد ما امتدادًا لحركة "محبة صهيون" مع درجة أعلى من التسييس وبعناصر قومية يسارية من شرق أوروبا، ولا سيما روسيا وبولندا. كانت طريقة العمل هذه مناقضة تمامًا لأسلوب تفكير هرتسل الذي راهن على الدول لا على الحركات السرية أو الراديكالية التي عدّها عمل هُواة. من هذه الناحية، حتى مرحلة قصيرة قبل وفاته، رفض هرتسل ونوردو تحمّل مسؤولية الاستيطان في فلسطين قبل اتّضاح مشروع الدولة اليهودية وموافقة الدول عليه، وقوننة الاستيطان فيه دوليًّا، أو ما سماه هرتسل القانون العام.
وقد شكك الصهيونيون العملانيون منذ البداية بالصهيونية السياسية لاعتقادهم أنها منفتحة على خيارات أخرى غير فلسطين. ولذلك، نشأ خلاف عند طرح هرتسل المشروع العيني العملي الوحيد وهو إنشاء بنك، وكان نطاق عمل البنك المقترح هو "الشرق". فأصر المعارضون بزعامة الناشط الصهيوني الروسي أوسيشكين على أن يكون عمل البنك محصورًا بـ"سوريا وفلسطين". على كل حال، لم يحظَ هذا البنك بتعاون الرأسماليين اليهود، ولم يُجنّد له رأسمال إلا بمرور عامين، أي عام 1901. وأنشأ هذا البنك مؤسسة مالية تابعة له هي الشركة الإنكليزية الفلسطينية (Anglo-Palestine Company)، وافتتحت فرعًا لها في يافا عام 1903، وتحول اسمها إلى البنك الإنكليزي الفلسطيني (Anglo-Palestinian Bank)، وبعد إقامة إسرائيل أصبح اسمه "بنك ليئومي ليسرائيل"[50].
وفي المؤتمر الصهيوني الرابع (1900)، أُنشئت المؤسسة الصهيونية الثالثة وهي "الكيرن كييمت"، أي
الصندوق القومي اليهودي (Jewish National Fund)، بناءً على اقتراح هرمان شاﭘيرا الذي قدّمه في المؤتمر الأول. وصدّق المؤتمر الخامس عام 1901 نهائيًّا على هذا المشروع. وفي المؤتمر السادس (1903) صُدّق على أنظمة هذه الشركة وتحديد صلاحياتها، ثم باشرت نشاطها في جمع الأموال وشراء الأراضي عام 1905، وعُيّن بودنهايمر مديرًا لها، وصيغ هدفها في عقد التأسيس: استملاك الأراضي أو أي حقوق فيها في المنطقة التي تضم كلًا من "فلسطين، وسوريا، وأي أجزاء من تركيا الآسيوية، وشبه جزيرة سيناء أو أي جزء منها، وذلك بغية توطين اليهود في تلك الأراضي". عُدِّلت هذه المادة بعد إنشاء إسرائيل، وأصبح الصندوق مخوّلًا للعمل داخل دولة إسرائيل وأي منطقة خاضعة لقوانينها. امتنعت "الكيرن كييمت" التي باشرت في شراء الأراضي منذ عام 1905 عن تأجير الأرض لغير اليهود، وهي لا تُملِّك لليهودي الأرض، بل تؤجرها له مدة 49 عامًا قابلة للتجديد، على نحو يلتزم معه المستأجر بتشغيل يهود فقط[51].
قضى هرتسل الأعوام السبعة بين المؤتمر الأول ووفاته عام 1904 في محاولة إقناع القادة الأوروبيين والعثمانيين بقبول مشروعه، وفي جمع التبرعات، ولكنه لم يوفَّق في أي من المسعيين. وتواصل مع السلطات العثمانية، والإمبراطور الألماني، والبابا، والملك ڤكتور إيمانويل، وجوزيف تشمبرلين، واللورد وكرومر، ووزيري المالية والداخلية في روسيا[52]، ولكن ظل نجاحه الوحيد متمثلًا في إنشاء المنظمة ومأسسة العمل الصهيوني. في لقاءاته مع المسؤولين الأوروبيين، مِثْلِ القيصر الألماني الذي تبعه إلى إسطنبول والقدس لكي يلتقيه. طلب هرتسل أن تتبنى الدولة المعنية، ألمانيا مثلًا، الحركة الصهيونية وأن يكون الاستيطان اليهودي في فلسطين العثمانية في ظل حمايتها، متعهدًا بأن تُبعِد الحركة الصهيونية اليهود عن الأحزاب الثورية، وطلب كذلك أن يتوسط القيصر لدى السلطان العثماني بالموافقة على الاستيطان الذي ستقوم عليه شركة يهودية صاحبة امتياز بذلك. لكن من مقابلة هرتسل مع القيصر في أثناء زيارته للقدس، اتّضح أن وساطة الأخير مع السلطان لم تكن مفيدة، فقد كان رفض السلطان قاطعًا كما في الاتصالات الأولى التي أجراها هرتسل مع مسؤولين عثمانيين[53]. الجدير بالذكر أن لقاء هرتسل ببابا الفاتيكان بيوس العاشر (Pope Pius X، 1835-1914) يوم 26 كانون الثاني/ يناير 1904 لم يسفر عن شيء أيضًا. قال البابا: "لا نستطيع منح موافقتنا لهذه الحركة، لا نستطيع منع اليهود من الذهاب إلى القدس، ولكن لن نسهم في ذلك [...] لا يجوز أن تقع القدس في أيدي اليهود"[54]. رفض البابا مشروع هرتسل لأسباب دينية كما قال، وأكّد له أن الكنيسة لن تعترف باليهود شعبًا، ولن تسهم في توطين اليهود في فلسطين في الأماكن المقدسة. وفي نهاية الجلسة، كتب هرتسل: "بالنسبة لاقتراحي، قال لي: لا نستطيع (non possumus)"[55].
وبعد ، قابل هرتسل وزير الداخلية الروسي ڤيـاتشيسلاف فون پليڤه (Vyacheslav von Plehve، 1846-1904) في أوائل آب/ أغسطس 1903. ومع أن پليڤه كان معاديًا للسامية، فقد استقبله ووافقه على فكرة هجرة اليهود، وعلى عدم اضطهاد الحركة الصهيونية في روسيا لأنها تُشجِّع على الهجرة، وأصدر مرسومًا يبيح نشاط الحركة الصهيونية في روسيا إذا كان نشاطها مُوجّهًا لتشجيع اليهود على الهجرة[56]. واللافت أن پليڤه أعطى هرتسل رسالة موقّعه منه، بناءً على التشاور مع القيصر، أعلن فيها "أن الحكومة الروسية تنظر بعين العطف إلى الصهيونية، ما دام هدفها إقامة دولة مستقلة في فلسطين، وأنها على استعداد لمساعدتها وهذه المساعدة قد تتخذ شكل حماية للممثّلين الصهيونيين أمام الحكومة العثمانية، وتسهيل نشاط جمعيات الهجرة [...] ومساعدتها ماليًّا [...] من الضرائب التي تُجبى من اليهود‘". واستغلّ هرتسل هذه الرسالة في مناسبات عديدة فيما بعد[57]، ويمكن تسميتها "وعد پليڤه"، لكنها لم تثمر نتائج عملية من أي نوع. وأصبح هذا النمط من تلاقي المصالح بين المعادين للسامية وقادة الحركة الصهيونية والمتمثل أساسًا في الاتفاق على هجرة اليهود من بلدانهم، موضوعًا مركزيًّا في نقد التيارات الفكرية والسياسية اليهودية المعارضة للصهيونية من الاتجاهات الرئيسة الثلاث: الدينية، واليسارية، والليبرالية.
ظل هرتسل متمسكًا باستراتيجية الحصول على موافقة دول عظمى على مشروعه، ففي عام 1902 تواصل مع وزير المستعمرات البريطاني جوزيف تشمبرلين (Joseph Chamberlain، 1836-1914)، وطرح فكرة الاستيطان في شبه جزيرة سيناء أو قبرص، ونصحه تشمبرلين بالعريش. وقد عارضت الحكومة المصرية الخاضعة للحماية البريطانية منذ عام 1882 توطين اليهود في العريش، ولم يتحمس له المعتمَد كرومر أيضًا. ثم طرح الإنكليز فكرة أوغندا، ولم يتشجّع هرتسل لأوغندا ومناطق مقترحة أخرى في شرق أفريقيا، ولم تكن تقارير البعثات الصهيونية إلى هذه المناطق مشجعة فيما يتعلق بجاهزيتها لاستقبال المستوطنين[58]. ولكن بعد مجزرة كيشنيڤ في أبريل/ نيسان 1903 التي تبعتها سلسلة من المجازر في روسيا حتى ثورة عام 1905، أصبح هرتسل أكثر تقبلًا للفكرة، واتصل كذلك بالبرتغاليين لعرض فكرة توطين اليهود في موزمبيق.
وقدّم هرتسل اقتراحًا لوثيقة "امتياز شرعي" لليهود بالحصول على أرض يمكن إقامة كيان يهودي مستقل عليها إلى حكومة بريطانيا يوم 13 تموز/ يوليو 1903، وهو الذي قاد إلى تقديم وزارة الخارجية البريطانية اقتراحًا بالدخول في مفاوضات فورية بشأن إنشاء مستعمرة يهودية في أفريقيا الشرقية البريطانية. إنها الوثيقة، التي أعدّها القادة الصهيونيون الإنكليز ليوپولد غرينبرغ Leopold Greenberg)) وجوزيف كووِن (Joseph Cowen)، ويسرائيل زانغويل (Israel Zangwill)، بالتعاون مع المحامي والبرلماني البريطاني
ديڨيد لويد جورج الذي أصبح فيما بعد رئيسًا للحكومة البريطانية، وقدّم مساعدة مهمة في استصدار وعد بلفور بإنشاء "بيت قومي" لليهود في أرض إسرائيل، وقد نصّت الوثيقة على ما يلي:
- يُقام "استيطان يهودي" يتيح "توطين اليهود في ظروف تساعد في صيانة الفكرة القومية اليهودية وتنميتها".
- يستند "الاستيطان اليهودي" إلى "قوانين وأنظمة يجري اعتمادها من أجل ضمان رفاهية الشعب اليهودي".
- يتمتّع "الاستيطان اليهودي" بـ"تأسيس شكل من أشكال الحكومة شعبية [...] يهودية بطابعها ويكون حاكمها يهوديًّا".
- يتبنّى "الاستيطان اليهودي" القانون البريطاني، باستثناء حالات يدخل فيها تغييرات وتعديلات مستندة إلى قوانين الشريعة اليهودية".
- يكون "للاستيطان اليهودي" اسم يهودي وعلَم يهودي[59].
تحول المؤتمر السادس الذي عُقد عام 1903 إلى محطة مهمّة في تاريخ الصهيونية، لأن الحكومة البريطانية أبلغت المنظمة الصهيونية موافقتها الرسمية على توطين اليهود في أوغندا. وقدّم هرتسل هذا المشروع مثيرًا عاصفة من ردود الفعل المعارضة. علّل هرتسل الفكرة بأنها تتضمن إدارة يهودية، وحكومة محلية يهودية، ومندوبًا ساميًا يهوديًّا تحت رقابة السيادة البريطانية العليا. وهي على كل حال أمور شبيهة بما جرى بعد عقد ونصف في فلسطين في ظل الانتداب البريطاني، فطريقة التفكير البريطانية هي ذاتها. وكان التبرير هو أن مشروع أوغندا هو نوع من "الملجأ الليلي" يُحتمى فيه من موجات اللاسامية، ريثما يكون ممكنًا الحصول على فلسطين. صوّت مع الاقتراح 295 عضوًا بعد أن رمى هرتسل بثقله كله في دعمه، وصوت ضدّه 178 عضوًا. وهدّد المعارضون بالانشقاق، لكن هرتسل تفادى ذلك باقتراح إقامة لجنة لدراسة الأوضاع في أوغندا قبل اتخاذ القرار. أهم المعارضين كان أوسيشكين الذي كان في فلسطين في أثناء انعقاد المؤتمر. لكن ما حصل لاحقًا - ولم يكن متوقعًا - هو أن المستوطنين البريطانيين في أوغندا نفسها عارضوا هذا الاقتراح، وذلك قد اضطر الحكومة البريطانية إلى سحبه[60]. كان حسم هذا النقاش مهمًا بالنسبة إلى مسار الحركة الصهيونية، فقد عمّق التمسك بالاستيطان في فلسطين وإقامة دولة يهودية على أرضها، ورفض فكرة إقامة دولة على أي أرض "متاحة" بصرف النظر عن علاقة اليهود المعنوية بها، وعزّز كذلك البعدَ الأيديولوجي القومي/ الديني الذي عُرفت به الصهيونية. ولكن التيار الذي سُمي Territorialist، الساعي للحصول على أي أرض لإقامة دولة يهودية قائمًا بقيادة اليهودي البريطاني إسرائيل زانغويل، ظل قائمًا، وأنشأ
المنظمة الإقليمية اليهودية Jewish Territorial Organization عام 1905 التي حُلّت بعد تأسيس إسرائيل.
حاييم وايزمان عام 1949
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
الصراع الثاني الذي شهدته المنظمة الصهيونية هو "الصراع الثقافي"، والمقصود هو الصراع بين المتدينين والعلمانيين، فقد شدّد المتدينون على عدم تدخل المنظمة الصهيونية في الشؤون الثقافية تحت شعار "إحياء الثقافة اليهودية"، لأن هذا عمليًّا سيكون علمنة للثقافة اليهودية الدينية التي يجب أن تُترك للمؤسسات الدينية. لذلك، عارضوا تدخّل المنظمة في التعليم أو إقامة المدارس وغيرها. ثار هذا النقاش منذ المؤتمر الصهيوني الثاني، ولكن المؤتمر رفض توجههم، وقرر "أن الصهيونية تهدف إلى بعث الشعب اليهودي، ليس فقط اقتصاديًّا وسياسيًّا، وإنما روحيًّا أيضًا"، مع إضافة تحفّظ مفاده "أن الصهيونية لن تقوم بأي عمل يتعارض مع تعاليم الدين اليهودي"[61]. وفي المؤتمر الصهيوني الرابع، تطوّرت هذه المواجهة بين المتدينين والعلمانيين، ونجح المتدينون في دفع المؤتمر إلى شطب اقتراحات عضو المؤتمر
حاييم وايزمان {{حاييم وايزمان: (1874-1952) وُلد في روسيا البيضاء وأصبح الرئيس الأول لإسرائيل بين عامي 1949 و1952، وشغل منصب رئيس المنظمة الصهيونية العالمية (1920-1946). وكان وايزمان عالم كيمياء شهيرًا، نسج علاقات مع القادة البريطانيين أثمرت في النهاية وعدَ بلفور. يمكن القول إنه جمع بين صهيونية شرق أوروبا، حيث ولد ونشأ؛ وصهيونية الغرب، وقد كان قريبًا من أحاد هعام.}} بتوسيع النشاط الثقافي الصهيوني لأن مثل هذا القرار سيؤدي إلى انشقاق.
وعلى إثر ذلك، أنشا وايزمان الذي لم يكن معجبًا بهرتسل[62] وليون موتسكين مع مجموعة أكاديميين، معظمهم من الطلاب الجامعيين، الكتلة الصهيونية الديمقراطية داخل المنظمة الصهيونية، وذلك في اجتماع في ميونخ عام 1901. هكذا تأسس أول تنظيم سياسي داخل المنظمة الصهيونية، وهو الكتلة الديمقراطية. تتلخص مقولة هذا التيار بأن الصهيونية هي حركة قومية، والشعب اليهودي يمتلك مكونات القومية، ورفض اعتبار العوامل السالبة مثل اللاسامية أساسًا للصهيونية. وطالبت المجموعة باعتماد وسائل ديمقراطية في إدارة المنظمة وإتاحة تأسيس أحزاب داخلها. كذلك عارض مؤيدو هذا التيار، وغالبيتهم من الروس، فكرة تأسيس دولة في شرق أفريقيا[63]، وما لبث وايزمان أن غادر إلى لندن حيث عكف على أبحاثه في الكيمياء مواصلًا نشاطه الصهيوني هناك.
وكان المؤتمر الخامس (1901) قد أرضى الكتلة الديمقراطية التي هددت بالانسحاب من المؤتمر بالتشديد على مسألة الثقافة، بمعنى التربية القومية لليهود. أثار ذلك غضب المتدينين الذين خشوا من أنّ تدخل المنظمة في مسائل الثقافة والتربية يعني سيطرة العلمانيين على مجال ديني، فعقدوا مؤتمرًا خاصًّا بهم في ڤيلنيوس في شباط/ فبراير 1902، بقيادة الحاخام يتسحاق راينس (Yitzchak Yaacov Reines، 1839-1915)، أحد القيادات الصهيونية، و72 ممثلًا عن الصهيونيين المتدينين، منهم 24 حاخامًا من مدن روسية عديدة. هكذا تأسست الحركة التي أصبحت لها أهمية في التاريخ الصهيوني، وهي حركة همزراحي، وهي اختصار لكلمتي "مركز روحاني"، على نحو تكون معه كتلة متدينة صهيونية داخل المنظمة، وبذلك تأسس ثاني حزب صهيوني داخل المنظمة. كان شعارها "أرض إسرائيل لشعب إسرائيل بموجب توراة إسرائيل"، وأكدت على أن بقاء الشعب اليهودي رهن بالمحافظة على التوراة وأداء الفروض الدينية، وأقرّت الحركة البقاء في المنظمة الصهيونية على أن تمارس نشاطها المستقل في الشؤون الدينية والثقافية[64].
في مرحلة مبكرة أيضًا، نشأت الصهيونية الاشتراكية في محاولة للدمج بين الصهيونية والحركة الاشتراكية اليهودية التي تأسست عام 1897 في العام نفسه الذي عُقِدَ فيه المؤتمر الصهيوني الأول. كان اسم الحركة "البوند" الاتحاد العام للعمال اليهود في روسيا وبولونيا، ولاحقًا أضيفت ليتوانيا. كان البوند غير صهيونيين واتخذوا موقفًا ضد الصهيونية بتأثير من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي (حزب لينين)ا. وفي المقابل، وجزئيًّا كرد فعل، نشأ تيار يجمع بين الاشتراكية والصهيونية.
الصهيونية الثقافية
اعتَبَر التيار الذي أُطلِقت عليه تسمية الصهيونية الثقافية أن مهمته الرئيسة تكمن في التصدي لأزمة ثقافية أخلاقية يعاني منها اليهود في العالم نتيجة لغياب مركز ثقافي روحاني. هذه هي المسألة اليهودية من منظور مفكريه. ومن أهم ممثلي هذا التيار ناتان بيرنباوم، وأشهرهم أحاد هعام. كان نقاش هؤلاء مع الصهيونية السياسية نقاشًا في الأولويات، فقد كانوا صهيونيين سياسيًّا أيضًا، ولكنهم اعتبروا أن المهمة الرئيسة هي المهمة الثقافية المتعلقة بالحفاظ على الهوية، وهو ما يتطلّب مركزًا روحانيًّا في فلسطين.
وُلد بيرنباوم في ڤيينا، ودرس في مدارس ألمانية، وأشرف على تحرير أول جريدة يهودية قومية في ألمانيا بعنوان
المستعمِر: مجلة لتمكين اليهود المقموعين (Der Colonist) هدفها ترويج فكرة الاستيطان في فلسطين. وقد اختلف مع هرتسل على أهمية العنصر القومي في الشتات، وغادر المؤتمر الصهيوني مشددًا على يهودية الشتات أو قومية الشتات. كذلك شجَّع على استخدام لغة يهود الشتات في أوروبا الشرقية؛ الإيديش. وخلال الحرب العالمية الأولى عاد ليصبح متدينًا وانضم إلى حزب المتدينين المعارضين للصهيونية "أغودات يسرائيل"، وأصبح سكرتيرًا له بين عامي 1915 و1922. كان رأيه في مرحلته العلمانية: أن العرق هو الأصل، والاختلافات العرقية هي مصدر التعدد القومي، ورأى أن التوراة مثل الملاحم الأدبية أو الأساطير التاريخية للشعوب الأخرى هي اختراع العرق وليست هي التي تُوجِد الشعب. وكتب بيرنباوم أن القوميين اليهود لا ينزعجون من اللقاء مع اللاسامية في إدراك وجود عرق يهودي تقوم عليه قومية يهودية: "إننا لا نتردّد بالاعتراف بأنَّ توجّهنا اليهودي القومي يتقاطع مع نظرية المعاداة لليهودية في نقطة واحدة ألا وهي الوعي بالقومية اليهودية؛ أو بعبارات أخرى، نزع الشرعية عن الانصهار وعدم الاعتقاد بفرص نجاحه"[65]. كذلك اعتبر أن مهمة القوميين بناء الذات، لا مكافحة كراهية اليهود؛ فهذه يجب تحويلها إلى "تفاهة" لا يُكترَث بها[66]. إضافة إلى ذلك، آمن بإمكانية الجمع بين إنشاء وطن قومي يخلّص اليهود من "الأعماق المظلمة لوجود غجَري مهين" من جهة، ووطنية اليهود في بلدانهم من جهة أخرى[67].
وفي محاضرة شهيرة عن "مبادئ الصهيونية"[68] (1892)، استخدم بيرنباوم تعبير الصهيونية، الذي راج بعد ذلك، مشتقًا من كلمة "صهيون"، وهو اسم أحد جبال القدس. فتطلُّعُ اليهود إليها منذ أقدم العصور هو عنده جذر الصهيونية في اليهودية؛ وهو يحدد انطلاق الحركة قبل إطلاق هذه التسمية عليها، وقبل نشوء المنظمة الصهيونية: "الصهيونية حركة فتية وحديثة. لقد نشأت قبل عقد من الزمان بين يهود روسيا، إذ ساعدت الأحداث في قيامها وانتشارها هناك"، وقد وجدت طريقها إلى إنكلترا والنمسا وألمانيا. ومقومات الصهيونية الأساسية عنده هي:
- الاعتراف بالشعب اليهودي بوصفه حالة خاصة متميزة، ومن حقة وواجبه الطبيعيين الاستمرار بالتحلي بالخصوصية والتميز، والتصرّف على هذا الأساس بحكم مهاراته الثقافية.
- الاعتراف بأنَّ الشعب اليهودي في وضع بائس ومهين.
- القناعة بضرورة إعادة صياغة ظروف الشعب اليهودي القانونية الدولية والاقتصادية من خلال التوطين في إقليم على نحو يصبح معه المجتمع المتوطن مركزًا وسندًا للشعب اليهودي كله.
- لا يصلح لذلك مكان سوى فلسطين، ولذلك فالأرض هي كلمة السر للصهيونية.
وقد رد بيرنباوم على التهم التي كان تُوجَّه إلى الصهيونية في حينه مشددًا على ما يلي:
- معاداة الاندماج ليست بالضرورة رجعية.
- لا تؤدي الصهيونية إلى رد فعل معادٍ للسامية، فالعداء للسامية وُجد قبل الصهيونية.
- الصهيونية لا تتعارض مع محبة الأوطان القائمة وحمايتها. وحتى لو كان للفرد اليهودي وطن، فإنه ليس للشعب اليهودي وطن. وليس المطلوب تجميع اليهود في بلد واحد، بل إنشاء مركز قومي واحد لهم. ويكرر ما بات لازمة صهيونية بشأن الزراعة والعمل المنتج الكفيلين بتحقيق التعافي المادي والروحي.
- ليست الصهيونية حلمًا غير واقعي، بل هي قابلة للتطبيق، وفلسطين - وسوريا عمومًا بمناخها وجغرافيتها - قادرة على استيعاب ملايين اليهود، ويمكن أن يزدهر مشروع استعماري فيها[69].
ووفق بيرنباوم، يمتلك الشعب اليهودي القدرات والكفاءات، وقد أنضجت التجربة الأوروبية حس الدولة لديه، فاليهود شرقيون من حيث خواصّهم الروحية والعاطفية الموروثة، وأوروبيون بحكم تربية استمرت 800 عام، ومن ثم فإنهم الوسطاء الطبيعيون بين أوروبا والشرق لصالح تنمية شعوب آسيا وأفريقيا. ومن منظوره، سوف يصبح اليهود المؤشر الأخلاقي للشرق برمّته. ربما ليس الصهيونيون كوزموبوليتيّين، لكنهم يؤمنون بالفكرة الإنسانية الكونية، والقومية هي الطريق اليها[70]. القومية عنده هي الطريق للانخراط في الإنسانية.
وعلى الرغم من أهمية بيرنباوم وأصالة الطروح التي سبق فيها هرتسل وغيره من قادة الحركة الصهيونية في توقيتها ودقة صياغتها وشموليتها، فإن الممثل الأشهر لتيار الصهيونية الثقافية هو آشر غينزبيرغ الذي عُرف باسمه المستعار أحاد هعام. وقد تميز بالجمع بين التعمق في الثقافة اليهودية التقليدية والثقافة الأوروبية الحديثة. وكان أول مقالاته بعنوان "ليس هذا هو السبيل" (1889) مخصصًا لنقد حركة محبة صهيون[71]. ودعا فيه إلى التركيز على تحويل فلسطين إلى مركز فكري وروحاني، مؤكدًا على الخصوصية الحضارية لليهود. قاطع أحاد هعام المؤتمرات الصهيونية بعد حضور جلسات المؤتمر الأول لأنه عارض صهيونية هرتسل السياسية المتسرّعة في الدعوة إلى دولة قبل بناء مركز روحاني (روحاني عنده لا تعني "ديني") في فلسطين. ليست أرض إسرائيل من منظوره مكانًا لتجميع اليهود من أجل بناء دولة مثل بقية الدول، بل لإعادة تشكيل التراث اليهودي على أساس قومي. وراج عنه في الأوساط الصهيونية أنه أسهم (إلى جانب حاييم وايزمان) في استصدار وعد بلفور ضمن نشاطه في إنكلترا، ولكن دوره في هذا المجال كان هامشيًّا مقارنة بدور صديقه حاييم وايزمان. وقد شارك في تأسيس المجلة العبرية الشهرية
هشيلُوَّح عام 1896؛ أبرز دوريات الأدب والنقد العبري في تلك المرحلة، ورأس تحريرها حتى عام 1902. وفي التقرير عن زياراته لفلسطين (بين عامي 1891 و1893)، أشار إلى التوتر القائم بين المستوطنين والعرب وسوء معاملة العرب وعدم أخذهم بالحسبان.
في مقالته "حقيقة من أرض إسرائيل"[72] (1891)، كتب أن فلسطين قادرة على منح الحياة لعشرات آلاف اليهود، وأجاب عن سؤال: هل التوجه يجب أن يكون "صوب أرض إسرائيل أم صوب أميركا"؟، بالحث على السفر إلى أي منهما حيث يمكن العثور على حل للجانب الاقتصادي في أميركا والجانب المعنوي في فلسطين، ويمكن العمل في الأرض في الحالتين. وأشار إلى خطأ الاعتقاد الرائج أن جميع العرب بدائيون ومتخلّفون، قائلًا إن العرب في المدن يرون ويدركون ما يفعله الصهيونيون، لكنهم يتظاهرون بعدم المعرفة لأن الصهيونية لم تشكّل خطرًا حتى ذلك الحين. والفلاحون الفلسطينيون يستفيدون من الأجور المرتفعة التي تُدفع لهم في المزارع اليهودية، ولكنه حذر من التعامل مع العرب بقسوة، منبهًا إلى أن استكانة العرب لن تستمر.
كتب أحاد هعام في مقالته "دولة اليهود ومحنة اليهود" (1897)[73] أنه بعد المؤتمر الصهيوني بدا وكأن الصهيونية الغربية حلّت بدلًا من محبة صهيون، أي حركة محبي صهيون (الأوروبية الشرقية) التي باشرت في الاستيطان الزراعي في فلسطين. وانتشر وعد مفاده أن هؤلاء اليهود الغربيين المجتمعين في بازل يمكن أن ينجحوا في إقامة الدولة اليهودية وأن يحلوا مشكلات اليهود كلها. لكن قومية الشرقيين (أي الأوروبيين الشرقيين)، قومية "محبي صهيون"، أعرض انتماءً وأعمق عاطفة. لن تحل الصهيونية مشكلة اليهود في أوطانهم، وفي رأيه، ليست اليهودية بحاجة إلى دولة مستقلة لتحقق ذاتها في فلسطين. الأمة تحتاج إلى مجتمع مُنظّم من اليهود العاملين في المجالات جميعها بفلسطين، وهذا المجتمع يصبح مَركزًا للأمة إلى حين توفر الشروط اللازمة لتأسيس دولة، وهذه يجب ألا تكون مجرد دولة، بل دولة متميزة بكونها يهودية فعلًا، لكن الصهيونيين الذين يريدون بناء الدولة منسلخون ثقافيًّا عن اليهودية.
اعتقد أحاد هعام بضرورة الحفاظ على تميز اليهود بالحفاظ على تفوقهم الروحي، فالمساواة عنده ممكنة في كل شيء إلا في المجال الروحي. ومن هذه الناحية، فإن عدم الاندماج سابقٌ على الصهيونية، وكل كافر بالاندماج هو عنده كمن يعترف بالصهيونية جملة. اليهود المطالِبون بالحقوق في إطار قومية أخرى غربية أو شرقية هم عبيد لناحية إبطال ذواتهم القومية. وأوروبا منحت اليهود الحقوق المدنية شرط أن يتنازلوا عن حقوقهم القومية، فالأخيرة لا يمكنهم ممارستها في أوروبا. وهذه الممارسة ممكنة في بلدٍ حقُّ اليهود التاريخي فيه ليس موضع شك، وفقًا له، ولا يحتاج إلى أدلة عويصة، وتتطوّر في أجوائه التاريخية حياة اليهود القومية المنسجمة مع روحهم.
وعيَّر أحاد هعام قادة المنظمة الصهيونية ببناء برامجها ومشاريعها الكبرى على ما هو غير متوقع الحدوث في أوروبا والسلطنة العثمانية. وبعد مرور مدة طويلة، اضطر أحاد هعام إلى تغيير موقفه الذي ورد في مقالاته السابقة بعد أن حصل فعلًا ما هو غير متوقع: الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية وتقديم وعد بلفور للصهيونية. وهو إنجاز الصهيونية السياسية الرئيس حتى تلك المرحلة. لكنه حذر من أن الوعد يختلف عن الصيغة التي قدمها الصهيونيون، وشملت إعادة بناء فلسطين وطنًا قوميًّا لليهود، فصيغة الوعد التي صُدِّر بها تنص على تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، وهذا لا يُلغي حق السكان الأصليين في رأيه. البعض اعتبر أن تعديل عبارة "إعادة بناء وطننا القومي القديم" التي اقترحها القادة الصهيونيون في بريطانيا إلى "بناء وطن قومي في أرض إسرائيل" هو اختلاف صياغة أسلوبي فقط ولا توجد له غايات أخرى، لكن في كل مرة جلسوا فيها مع البريطانيين وجدوا أن الاختلاف حقيقي، بمعنى أن الوعد محدود بهذه الصياغة. فالبريطانيون لم يقبلوا بالصيغة التي اقترحها القادة الصهيونيون، لأنه توجد في فلسطين حقوق تاريخية للمقيمين في فلسطين أيضًا. المهم فيما كتبه أحاد هعام هو أن تفسير الوعد على أنه وعد بدولة، وأنها باتت قريبة التحقق هو تفسير خطأ، فضلًا عن أنه يُحمّل الوعد ما لا يحمله، ويخيف السكان العرب الذين بدؤوا يعتقدون أن اليهود قادمون لطردهم من بلادهم[74].
ولكن وعد بلفور والانتداب البريطاني على فلسطين، أوجدا ديناميكية جديدة، ولم يطل الوقت حتى طُرِحت الدولة على المستوى الدولي، فحين شارك مناحيم أوسيشكين في مؤتمر السلم في باريس عام 1919 دعا بوضوح إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين، وحتى ذلك الوقت لم يجاهر الصهيونيون بذلك في المحافل الدولية. والحقيقة أن وعد بلفور لم يكفِ لبناء وطن قومي، فظلّ العرب أغلبية في فلسطين، وطوّروا مطالب قومية واضحة. ولكن عوامل مثل الاستيطان الكولونيالي المنظم والقوة العسكرية والإرادة السياسية في ظل أحداث أخرى كبرى مثل الحرب العالمية الثانية، ثم قرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين، وانسحاب بريطانيا منها من دون ترتيب مسبق، جاءت مرة أخرى بما لم يكن متوقعًا بالنسبة إلى من يحلل الأوضاع في سكونها من دون الفعل البشري (السياسة والاستيطان والقوة العسكرية) والمتغيرات الخارجية.
كان مأزق الصهيونية الثقافية، ولا سيما بصيغتها التي مثّلها أحاد هعام، كامنًا في الإصرار على قومية علمانية قائمة على الثقافة اليهودية على نحو تجمع معه اليهود، وليس بالضرورة على أساس الدولة اليهودية[75]. وقد ثبت تاريخيًّا أن القومية تبلورت حول مشروع الدولة، ثم الدولة ذاتها التي تحولت إلى إطار لبناء الأمة. وحتى هذه لم يكن ممكنًا أن تكون علمانية تمامًا، لأن الأمة لم تنفصل عن المكوّن الديني مطلقًا، أما الثقافة اليهودية المستقلة عن الدين وعن الدولة في الوقت ذاته، فظلّت من نصيب بعض النخب مثل مارتن بوبر بعد أحاد هعام. وحتى هؤلاء لم يعارضوا في الحقيقة مشروع الدولة، بل تحوَّل دورهم إلى التأكيد على أهمية الثقافة والقيم اليهودية في الدولة. وفي النهاية، نشأت قيم وثقافة يهودية مميزة في إسرائيل، ولكن ليس من صنف التميز الذي حلم به منظرو الصهيونية الثقافية.
بدايات الصهيونية الاشتراكية
لاقت الفكرة الصهيونية قبولًا لدى أقلية من المثقفين اليهود الذين تأثروا أيضًا بالفكر الاشتراكي. لقد كان تأثر المثقفين اليهود بالفكر الاشتراكي منذ منتصف التاسع عشر ملحوظًا، وتجلى ذلك على نحو خاص بوجود تمثيل مرتفع نسبيًّا لليهود في الأحزاب الاشتراكية والشيوعية. وكانت القاعدة هي أن مَن ينضم للأحزاب الاشتراكية والشيوعية يؤمن بأن حل المسألة اليهودية يندرج ضمن حل قضايا الاستغلال والصراع الطبقي في المجتمعات عمومًا، وهذا موقف متعارض تمامًا مع الصهيونية.
لوحظ دور اليهود الفاعل في الحركات الثورية على نحو خاص في دول شرق أوروبا. وفي روسيا، اندمج العمال اليهود أو قيادات كثيرة منهم ومن المثقفين في الأحزاب الثورية الروسية، ونشأت مؤسسات كبرى مثل الاتحاد العام للعمال اليهود "البوند" في روسيا وبولندا[76]. كان اليساريون اليهود قوة معارضة صلبة ضد الصهيونية. ومن جهتها، كانت قيادة الحركة الصهيونية التاريخية أيضًا معادية للشيوعية والاشتراكية، إلى درجة استخدام حجة تخليص أوروبا من دور اليهود في الحركات الثورية في إقناع قادة الدول بدعم الهجرة اليهودية إلى فلسطين. لم يتوقع جيل هرتسل وزملائه أن يأتي يوم تسيطر فيه تيارات اشتراكية صهيونية على قيادة الحركة انطلاقًا من ريادتها في النشاط الاستيطاني وسيطرتها على الساكنة اليهودية المنظمة في فلسطين.
كان التحدي أمام اليسار الصهيوني، أو الاشتراكيين الصهيونيين، هو الجمع بين نقيضين؛ النضال الطبقي الاندماجي، ونزعتهم القومية الانفصالية بوصفهم جزءًا من مشروع استيطاني يسعى إلى التحالف مع المشاريع الإمبريالية في المشرق. ولذلك، شدد اليسار الصهيوني على أن الحركة الصهيونية حركة تحرر قومي، وهو ما يبرر تأجيل التركيز الصراع الطبقي، فركز اليسار جهوده على الاستيطان وتنظيمه على نحو تعاوني، متجنبًا العمل ضمن مشاريع الصهيونية السياسية الدولية وتحالفاتها، وركز جهوده كذلك على بناء قدرات المستوطنات العسكرية، وبناء المؤسسات والنقابات. وانتظم التيار الاشتراكي الصهيوني في فلسطين في أحزاب قبل غيره من التيارات الصهيونية، وحمل معه إلى فلسطين تقاليد حزبية ونقابية، وتقاليد اجتماعية وثقافية علمانية. وحالما أصبحت أحزابه تتصدر قيادة الساكنة اليهودية في فلسطين عشية إنشاء الدولة، لم يتردد في الاندماج ضمن المشروع السياسي الإمبريالي بحجة أولوية إنشاء الدولة. ولكن قبل ذلك، وفي سياق عملية بناء المشروع الاستيطاني خَلْف شعارات يسارية ضد ما سماه البرجوازية اليهودية والإقطاع العربي، لم يختلف التيار الاشتراكي عن غيره في تجاهل حقوق السكان الأصليين في فلسطين، بل أصبح رأس الحربة في الصراع ضد الحركة الوطنية الفلسطينية التي عدها حركة رجعية، وفي عملية تهجير الفلسطينيين.
ظهرت القيادات اليسارية الصهيونية الأولى في روسيا، ولكن قبل ذلك ظهر في روسيا تنظيم البوند الذي تأسس عام 1897 بوصفه تنظيمًا اشتراكيًّا غير صهيوني للعمال اليهود. وآمن بأن حلّ المسألة اليهودية يكون في إطار الاشتراكية مع الاعتراف بأن اليهود شعب. وناضل أعضاؤه ضد القوانين التي تميز ضد اليهود. وقد تبنّى البوند في مؤتمره الرابع (1901) فكرة أن روسيا مؤلفة من قوميات متعددة، وأنها يجب أن تكون اتحادًا فدراليًّا من القوميات من ضمنها القومية اليهودية. وطالبوا بإدارة ذاتية لليهود[77]. وانضم التنظيم إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي الذي أصبح لاحقًا الحزب الشيوعي، وأصبح أكبر تنظيم يهودي في روسيا. ودان البوند الصهيونية، واعتبرها ردة فعل برجوازية على اللاسامية، ودانها أيضًا في مؤتمره الخامس (1903) بوصفها بالحركة البرجوازية الصغيرة والمتوسطة التي تُعاني من التنافس وقوانين التمييز من جانب الحكومة والبرجوازية المسيحية، وعد الهجرة إلى فلسطين هروبًا وانهزامية[78]. لكن الحزب الشيوعي بقيادة لينين اختلف مع البوند بشأن مسألة تعريف اليهود ووجود تنظيم منفصل للطبقة العاملة اليهودية. شاب التوتر العلاقة بين البوند والبلاشفة على الرغم من وجودهم في الحزب نفسه، وبعد الثورة حُظِر التنظيم، وبعد حظره اعترف الاتحاد السوڤياتي باليهود بوصفهم قومية مستقلة لهم حقوق الإدارة الذاتية في إطار اتحاد الجمهوريات السوڤياتية، وبلغة الإيديش لغةً قومية لليهود، وسمح بإصدار الكتب والمنشورات بهذه اللغة، وذلك قبل قيام إسرائيل بعقدين.
جاءت محاولة التوفيق بين البوند والحركة الصهيونية من جانب منظّرين يساريين على رأسهم
نحمان سيركين {{نحمان سريكين: (1868-1924) طبيب يهودي روسي من مؤسسي اليسار الصهيوني، نشط في المنظمة الصهيونية ممثلًا عن حزب عمال صهيون (پوعالي تسيون) الذي تأسس في عام 1906. وانتقل إلى الولايات المتحدة عام 1907.}} الذي روّج لأفكاره مع أنها هُمِّشت في المؤتمرات الصهيونية، ونشر كراسًا بالألمانية تحت عنوان
المسألة اليهودية ودولة اليهود الاشتراكية (1898)[79]. وما عدا التوليف بين الصهيونية والاشتراكية، ناصر سيركين التيار الإقليمي بالصهيونية الذي قَبِل بإنشاء دولة يهودية في أي مكان وليس بالضرورة في فلسطين. في كتابه، راجع سيركين عملية نشوء اللاسامية الدينية في العصر الوسيط. وكتب أنه بعد العصور الوسطى، مُنِح الانعتاق لليهود من الدول بفضل الثورة الفرنسية من دون بذل جهد يُذكر من طرفهم. كان هذا ناجمًا عن انتصار فكرة الحقوق من دون أن يتمتع اليهود بقوة ذاتية تعزز انعتاقهم. لقد وجدوا أنفسهم مضطرين إلى التخلي عن قوميتهم للانسجام مع الأساس النظري للحقوق التي حازوها؛ وهو الدولة - الأمة الأوروبية. وأحدث المجتمع البرجوازي تحولًا في القيم اليهودية، وبدأت الصيرورة تتجه نحو الذوبان في ظل الحرية البرجوازية في مسار معاكس لوجهة الآمال المسيانية اليهودية، ولكن الانعتاق اليهودي بدأ يتلاشى بعد تآكل
الليبرالية، وصعدت اللاسامية ورد الفعل القومي اليهودي عليها. يُلحَظ من تحليل سيركين أنه حتى في ذلك العصر عُزيت بعض الظواهر إلى أزمة الليبرالية، وكما يبدو لم يمر عصر لم يُجرَ فيه حديث عن أزمة الليبرالية.
وحذا سيركين حذو
كارل ماركس وفريدريك إنغلز؛ فرأى أن اللاسامية تنتشر في أوساط الطبقات القديمة المتضررة من الرأسمالية مثل الإقطاعية والطبقة الوسطى وطبقة الفلاحين المنهارة. ووفقًا له، كانت النخب اليهودية تحمل لواء الليبرالية، وأصبح عليها أن تحمل لواء الاشتراكية والقومية اليهودية. وعلى الاشتراكيين التخلص من إرث الذوبان الذي لا ينجم عنه إلا عدم احترام الشعوب الأخرى لليهود. وتتعاطف الاشتراكية الحقة مع الشعوب المظلومة وتؤيد حقها في تقرير المصير. أما بالنسبة إلى اليهود، فالموت القومي هو أفظع مأساة في تاريخهم. لا تستطيع الجماهير اليهودية الفقيرة ولا تريد أن تندمج وتذوب في المجتمعات التي يعيشون في وسطها، ولا يمكن تحسين أوضاع اليهود من خلال النضال لبناء النظام الاشتراكي، فتصعيد الصراع الطبقي يزيد من محنة اليهود ولا يخفف منها.
السّمة المميزة للقومية ليست اللغة ولا الدين ولا الدولة، وفقًا لسيركين، بل هي "الوعي" بالوحدة التاريخية والقواسم التاريخية المشتركة. والصهيونية عنده: حركة قومية حقيقية تمثل الوعي والإرادة، وتهدف إلى بناء وطن، وللأرض القومية جذور في مشاعر القومية لليهود. ويتهم سيركين البرجوازية اليهودية بالسعي للذوبان والنفاق، فليس البرجوازيون وطنيين فعلًا كما يدّعون. ومع ذلك، يمكن أن تقبل الطبقات جميعها بالصهيونية التي تتجاوز الصراع الطبقي ولا تلغيه. من ناحية أخرى، يجب أن تنصهر الصهيونية مع الاشتراكية، فلا يمكن بناء الدولة اليهودية من دون العمال، ولا يجوز أن تؤسَّس الدولة اليهودية على السوق الحرة، فسوف يفضي ذلك إلى غالبية من العمالة رخيصة من المحليين (الفلسطينيين)، على نحو يؤدي إلى هجرة العمال اليهود. كذلك، كلما كانت الملكية الزراعية أكبر (كما في حالة ملكية الدولة للأرض) أمكن استخدام الآلات والتكنولوجيا بشكل أنجع. يجب استبعاد المنافسة الحرة والملكية الخاصة للأرض ووسائل الإنتاج في إطار المشروع الصهيوني، وكل ما عدا ذلك خاضع للنقاش، فيعود الشعب اليهودي "شعبًا مختارًا" مرة أخرى بحمله هذه القيم. يمكن ملاحظة عملية تسخير مبادئ الاشتراكية مثل رفض السوق الحرة واستبعاد الملكية الخاصة للأرض في خدمة مشروع استيطاني، وهذا ما حصل فعلًا في عملية بناء الدولة، واستمر بدرجات متفاوتة حتى بداية سبعينيات القرن العشرين. طرح سيركين مبكرًا فكرة "تبادل السكان" في فلسطين بعد التعرّف إلى أوضاع "الشعوب المضطهدة" الخاضعة للأتراك والتعاون مع هذه الشعوب في تقسيم الأرض على أسس قومية على نحو يحصل معه تبادل سكاني. أمّا فلسطين "أرض إسرائيل" التي يُشكِّل فيها اليهود 10 في المئة، فيجب أن تُفرّغ تمامًا لصالح اليهود. وإذا أخفقت المحاولات كلها في الحصول عليها، يُختار بلد آخر مقابل المال.
كان سيركين من قيادات المجموعة العمالية في المؤتمر الصهيوني الأول، ومن أول الدعاة إلى إنشاء مستوطنات تعاونية (اشتراكية) في فلسطين. وقد ألقى محاضرة موضوعها الصهيونية والاشتراكية في إحدى ورشات العمل في المؤتمر الصهيوني الثالث (1899). وكان جمع الصهيونية مع الاشتراكية مرفوضًا تمامًا من جانب هرتسل الذي عوّل على الحكومات القائمة، واعدًا أن الصهيونية سوف تُبعِد اليهود عن الاشتراكية لا العكس. وظلّ الصهيونيون الاشتراكيون أقلية داخل مؤتمرات الصهيونية مدة طويلة، وقد تخوّف أوسيشكين بدايةً من نشاط الصهيونيين الاشتراكيين مثل هرتسل، لكنه عاد وتعاون معهم في النشاط الاستيطاني وتنظيم اليشوڤ، أما ڤلاديمير (Vladimir (Ze'ev Jabotinsky، 1880-1940) قائد التيار اليميني في المنظمة الصهيونية الذي أسس الصهيونية التصحيحية، فاعتقد أن نشاطهم مهم لأنهم يؤمنون بالدولة اليهودية ومفيدون في تجنيد العمال اليهود[80]، ولكنه لم يعتقد أنهم سوف ينتقلون من قيادة الاستيطان إلى قيادة الدولة.
أدّت قرارات البوند في إدانة الصهيونية في مؤتمره الرابع (1901) إلى تنظيم تجمّعات عمالية يهودية مؤيدة للصهيونية تحت اسم "ﭘوعَلي تسيون"، ومن بين هؤلاء ظهرت طلائع المهاجرين فيما يُسمّى بالهجرة الثانية. الحديث هو عن جمعيات من دون إطار تنظيمي متماسك. انتشرت مثل هذه الجمعيات خارج روسيا أيضًا، في النمسا وهنغاريا وصولًا إلى الولايات المتحدة وفلسطين.
صورة من مذبحة كيشنيڤ
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ويُعَدُّ
دوڤ بير بوروخوڤ {{دوڨ بير بوروخوڤ: (Dov Ber Borochov، 1881-1917) مؤسّس حركة "پوعلي تسيون" (عمّال صهيون). وُلد في بلدة زولوتونوشا التي تقع في أوكرانيا حاليًا. هاجرت أسرته إلى نيويورك في أعقاب مذبحة كيشنيڤ (1903)، لكنه بقي في روسيا وانضم إلى مجموعة "صهيونيي صهيون" بقيادة مناحيم أوسيشكين التي عارضت فكرة إنشاء كيان يهودي في أوغندا أو أي مكان آخر غير فلسطين. انضم إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي؛ حزب البلاشفة. وانتقل إلى الولايات المتحدة بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 وتابع نشاطه هناك. وتوفي في كييڤ بعد عودته إلى روسيا بعد الثورة عام 1917.}} مؤسّسَ حركة "پوعلي تسيون" (عمّال صهيون) وزعيمها الذي تبنى الأفكار نفسها. وقد دعا إلى تشكيل كتائب صهيونية مسلحة منذ عام 1906. طُرِدَ بوروخوڤ من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي عام 1901 وأسس في العام نفسه ما سمّاه "جمعية عماليّة صهيونية اشتراكية". ووقف إلى جانب أوسيشكين في صراعه ضد مشروع أوغندا، واختلف في ذلك مع سيركين.
عُقِدَ المؤتمر الأول لـ"ﭘوعَلي تسيون" عام 1906. وبعد مرور عام ونصف، أسس ناشطو الحزب اتحادًا عماليًّا يهوديًّا عالميًّا، وذلك بعد أن عقدوا مؤتمرًا في لاهاي. عَقد هذا "الاتحاد العالمي للاشتراكيين اليهود" مؤتمره الثاني عام 1909، ووضع في برنامجه السعي إلى تركيز أكثرية أبناء الشعب في أرض إسرائيل وخلق مجتمع يهودي يتمتع بإدارة ذاتية فيها، والانضمام بوصفه هيئة مستقلة إلى المنظمة الصهيونية العالمية على أساس فيدرالي، والتمثل في جميع هيئاتها، واعتبار المنظمة الصهيونية اتحادًا لكل طبقات الشعب اليهودي وأحزابه وتياراته[81].
وتأسس تيار آخر اشتراكي صهيوني هو "تسعيري تسيون"، أي "شباب صهيون"، من جمعيات كانت ناشطة بين عامي 1903 و1905. كان هؤلاء متحفظين على طرح الاشتراكية مُبكِّرًا مع أنهم نشطوا أساسًا بين العُمال للدفاع عن مصالحهم وتحسين أوضاع حياتهم، وعارضوا مواقف "ﭘوعَلي تسيون" المناهضة للملكية الخاصة والبرجوازية اليهودية. وعقدوا مؤتمرهم الأول عام 1913 في ڤيينا. وأصبح هذان التياران المصدر الرئيس لناشطي ما سمي بالهجرة الثانية إلى فلسطين وقيادات المستوطنات اليهودية فيها.
اعتقد بوروخوڤ أن العرب في فلسطين لا يُشكِّلون أمة واحدة ولن يصبحوا كذلك، وليس لديهم بنية واضحة؛ إذ إنهم غير مؤهلين لتنافس قومي مع اليهود، وسيتكيفون ويندمجون في النهاية باليهود لأن الأخيرين يقدّمون النموذج الأكثر تقدمًا اقتصاديًّا وحضاريًّا. وفي محاولته التنظير ماركسيًّا للمشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، أدخل بوروخوڤ في مقالة "المسألة القومية والصراع الطبقي"[82] (1905) مفهوم "ظروف الإنتاج" إلى جانب مفهومي "قوى الإنتاج" و"علاقات الإنتاج" المعروفين في نظرية ماركس في التطور التاريخي من خلال الانتقال من نمط إنتاج إلى آخر. أراد صاحب مفهوم ظروف الإنتاج وضع أساس لنظرية مادية في القومية. من هذا المنظور، تنشأ مسألة قومية عندما يتعارض تطور قوى الإنتاج مع ظروف الإنتاج التي يقسمها إلى ظروف مادية وظروف روحية. الجماعة التي تنشأ في ظل ظروف الإنتاج نفسها تُسمّى شعبًا، أما المجموعة الاجتماعية التي تتحد من خلال الوعي الذاتي بالقرابة بين أعضائها فتُسمّى أمة، ولا يصبح الشعب أمة إلا بعد أن يرتفع مستوى تطوّره. ينشأ وعي قومي من خلال الشعور بالقرابة والماضي المشترك حتى لو كان محض خيال.
وكتب في مقالة "برنامجنا"[83] (1906) أن القومية غريبة على البرجوازية اليهودية، فقوميتها كونية إمبريالية، ولكنها عمومًا تتكيف مع الظروف المحيطة. تتضرر البرجوازية اليهودية من العداء للسامية، فتضطر إلى التعامل مع المسألة اليهودية، المتعلقة في نظرها باليهود "المساكين المُعرّضين للاضطهاد". أما الطبقة الوسطى، وهي مصدر الإنتاج الثقافي، فتشعر بالعداء للسامية من خلال المنافسة التي تعيشها في مجتمعات الشتات. وعلى الرغم من الديمقراطية، تزداد المنافسة حدة في النظام الرأسمالي، وتُحوِّل الهجرة اليهودية المسألة اليهودية إلى مسألة عالمية. ومن منظوره يُعَدّ تأسيس دولة قومية يهودية خطوة نحو الاشتراكية.
في تلخيصه للتوليفة الصهيونية بين القومية والدين اليهودي وأهمية صعود الصهيونية بين يهود روسيا تحديدًا وتأثير الثقافة الروسية والتيار الاشتراكي عليها، كتب
بيرل كتسنلسون (1887-1944)، أحد أهم قادة حركة العمل الصهيونية ونقابة العمال العامة (الهستدروت)، عرضًا موجزًا لتاريخ الحركة الصهيونية ودور التيار العمالي[84]. اعتبر كتسنلسون أن الحركة الصهيونية تعبير تاريخي عن القوى الروحانية المتبقية في الشعب اليهودي بعد الشتات الطويل، وقد نشأت نتيجة لضغوطات خارجية وداخلية. وبالمجمل، لا يمكن حصر تفسير الصهيونية في سبب واحد. البعض يؤكد على الجانب الاقتصادي، وآخرون يؤكدون على معاداة السامية، وجميعها عوامل مهمة، حتى التوراة من العهد القديم أدت دورًا عظيمًا في الحركة الصهيونية، وكذلك الحركة الاشتراكية، فلولا التوراة ما كان شعب إسرائيل قادرًا على البقاء، ولما وُجِدت الآداب العبرية الحديثة، ولا كان من الممكن أن تنشأ رؤية صهيونية للاستيطان في إسرائيل، "فلا علاقة فعلية تربط أرض إسرائيل باليهود، واليهود على علم بذلك. ولكن كتاب التوراة هو الذي حافظ على العلاقة مع الوطن". وأبرز كتسنلسون أهمية مذبحة كيشنيڤ (1903) في انتشار الصهيونية، مع أنها لم تكن من أهم المجازر التي اقتُرفت، فبعدها تحوّل إنشاء كيان قومي إلى هدف مركزي في التاريخ اليهودي. صُدِمَ الشعب اليهودي من المذبحة مع أنه لم يمر أكثر عقدين على مذابح أخرى عام 1881؛ فبسبب نشوء الحركة الصهيونية أصبح هناك وعي يهودي أكبر للاضطهاد والتفكير بمستقبل اليهود بوصفهم شعبًا. وقد تبلورت الصهيونية بوصفها حركة شعبية في روسيا وليس في أي مكان آخر، ذلك لأن اليهود انخرطوا في الحركات الثورية الروسية قبل الحركة الصهيونية بعشرات السنين. وتربى جيل يهودي شاب في روسيا على مفاهيم الاشتراكية، ولا سيما أن حركة "الهسكلاه" أو "الانعتاق" وصلت متأخرةً إلى تلك البلاد. ولا يمكن فصل تشكل شخصية طلائع الاستيطان الصهيوني عن تلك الخلفية الثقافية الروسية.
لقد سيطر اليسار الصهيوني على قيادة اليشوڤ والدولة لاحقًا من خلال الاستيطان التعاوني، والميليشيات العسكرية التي أسست الجيش الإسرائيلي، ونقابة العمال العامة (الهستدروت) ومؤسساتها الثقافية والاقتصادية، والأحزاب التي نشأت عن ﭘوعَلي تسيون وتسعيري تسيون، مثل مپاي ومپام وغيرهما، وأخيرًا حزب العمل. كما تحدرت غالبية قيادات الدولة الساحقة، إن لم يكن كلها، من أصول روسية وشرق أوروبية. واستمر هذا هو الحال حتى بدأ التحول في منتصف سبعينيات القرن العشرين، مع ارتفاع قوة اليمين، والأحزاب الدينية، وصعود دور اليهود الشرقيين السياسي.
صهيونية عملانية
يمكن القول إن
الصهيونية العملانية، أو العملية، بدأت بحركة محبة صهيون، وتواصلت من خلال قيادة الساكنة اليهودية بعد الهجرة الثانية (1904-1914) من روسيا وبولندا، التي جمعت بين التنظيم السياسي والعمل في الزراعة وإنشاء المؤسسات الصهيونية الثقافية والاقتصادية والنقابية، وتمثلت من خلال مندوبين في المؤتمرات الصهيونية، وشكّلت الأحزاب العمالية عمودها الفقري. وقد سلّمت في البداية بقيادة المنظمة الصهيونية في المجال السياسي على الأقل، ثم ما لبثت أن استولت عليه بالتدريج في ظل الانتداب البريطاني ومن خلال التواصل المباشر معه ومع الدول الأجنبية. وما كاد الانتداب البريطاني ينتهي حتى كان حزب مپاي (الحروف الأولى من: حزب عمال أرض إسرائيل) الناجم من عمليات انشقاق وتوحيد في ﭘوعَلي تسيون، وحلفائه، قد سيطر على المؤسسات الرئيسة لليشوڤ، وهي مجلس الشعب والإدارة القومية، وهي المؤسسات التي أعلنت الدولة[85] عام 1948.
وفي التمييز بين الهجرة الثانية وما سبقها من الهجرات، قال يتسحاق تبنكين، القيادي العمالي، في إحدى خطبه عام 1937، إن الاستيطان اليهودي نشأ من الهجرات التي بدأت في عام 1870. كانت البداية مع تأسيس المدرسة الزراعية "مكڤيه يسرائيل"، وموجات الهجرة الأولى في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وصولًا إلى الهجرة الثانية بين عامي 1904 و1914. وهو لا يَعدّ الهجرات الأولى حركات استيطانية، فهذه تميّز الهجرة الثانية، لأن الاستيطان عنده يتميز عن مجرد الهجرة بإقامة اقتصاد مستقل، أي بخلق اقتصاد جديد. بهذا يختلف الاستيطان في فلسطين عن هجرة اليهود إلى الولايات المتحدة إذ يندمجون بالاقتصاد القائم[86].
ومن نماذج فكر الصهيونية العملانية أيضًا مقالة أوسيشكين "برنامجنا"[87] (1904)، وعدَّد فيه ثلاثة عناصر في النهضة السياسية لأي شعب، وهي: الشعب، والأرض، والظروف الخارجية. بالنسبة إلى الشعب اليهودي، يجب بناء منظمة تقوده وتنشر الوعي القومي، إضافة إلى إنشاء صندوق قومي. أما بالنسبة إلى الأرض، فيجب أن تكون ملكًا للشعب الذي يخلق المركز الثقافي والاقتصادي عليها قبل بناء الدولة، أما بخصوص الظروف الخارجية الملائمة فيجب العمل على توفيرها من خلال النشاط الدبلوماسي. وهكذا، فإن عملية بناء القاعدة الثقافية والاقتصادية وتملّك الأرض يجب أن تبدأ قبل تأسيس الدولة، وهذا بالضبط ما ميّز الصهيونية العملانية التي لم تنتظر قيام الدولة لتعمل على الأرض، ولكن أوسيشكين لم يتجاهل أهمية النشاط الدبلوماسي، ورغب أن تُعَدّ صهيونيته مركبة عملانية وسياسية.
ويفترض أن تنفّذ حركات التحرر برنامجًا متزامنًا في المجالات الثلاثة، وخطأ الصهيونية في رأيه أنها كانت تقتصر على مجال دون آخر، فحركة محبة صهيون ركزت على الأرض حصرًا، وأهملت الجوانب الأخرى، فجمعت صدقات أو تبرعات، ولم تؤسس صندوقًا قوميًّا، وأخفقت عمليًّا عام 1891 عندما لم تتمكن من استيعاب عشرة آلاف لاجئ مهاجر من روسيا. أما الصهيونية الثقافية التي هيمنت بعد ذلك فكانت صهيونية نخبوية. وقد جمع المؤتمر الصهيوني هذه الأبعاد في برنامج بازل، لكن سرعان ما عادت الصهيونية السياسية إلى التركيز على الجانب الدبلوماسي حصرًا وإهمال الاستيطان في فلسطين. يتضمن "برنامجنا" العمل على تملك غالبية الأرض في فلسطين بشراء الأراضي التي يمكن شراؤها من دون انتقائية، ما دام اليهود ليست لديهم القوة لاحتلالها. كذلك أكّد ضرورة تشغيل اليهود بدلًا من العرب في المستوطنات، فقد ينتفض العرب على المشغلين اليهود في يوم من الأيام، ثم إن العرب الذين يعملون لدى اليهود بأجر جيد لن يحتاجوا إلى بيع أرضهم لليهود في يوم من الأيام. وللتعويض عن الأيدي العاملة العربية، يجب أن ينشأ اتحاد عالمي للعمال العبريين الذين يسافرون إلى فلسطين للعمل في المستوطنات كأنها خدمة عسكرية.
جرى التحضير للمؤتمر الصهيوني السابع برفض فكرة أوغندا والأفكار الإقليمية الأخرى التي طُرِحَت في المؤتمر السادس والتأكيد على فلسطين فقط من الناحية التنظيمية. وكانت وفاة هرتسل صدمة للحركة الصهيونية، وقد رفض نوردو أن يرثه، فأدى غياب الكاريزما إلى زيادة مأسسة العمل. وفي خطابه عن "الصهيونية المركّبة"[88] (ضمن أعمال المؤتمر الصهيوني الثامن، لاهاي 1907)، تحدّث وايزمان عن إخفاق هرتسل والحركة الصهيونية في إقناع الشعب اليهودي خلال عقد أو عقد ونصف بواقعية مشروعها، وهو ما ضيّق قاعدة العمل الصهيوني بين اليهود حتى تلك الفترة. لا يصح انتظار الحصول على إذن شرعي دولي للاستيطان، وهو ما عمل عليه هرتسل كثيرًا؛ إذ كان المهم العمل على الاستيطان تدريجيًّا وجزئيًّا، فالدبلوماسية لن تفيد والحكومات لن تُقدِّم المساعدات لمجرد أن المطالب عادلة، ودعا وايزمان إلى توليفة بين الصهيونية السياسية والعملانية.
لكن وايزمان نفسه انخرط بقوة في العمل السياسي، ولم يسهم مباشرة في الصهيونية العملانية حتى انتقل إلى العيش في رحوڤوت عام 1937 حيث أقام مركز الأبحاث الذي أصبح يحمل اسمه. وقد أسهم إسهامًا مباشرًا في تأسيس الجامعة العبرية في القدس، وقد دعا إلى تأسيسها منذ المؤتمر الخامس عام 1905. وفي عام 1918، أصبح رئيسًا للبعثة اليهودية التي زارت فلسطين لتهيئة تنفيذ فكرة الوطن القومي اليهودي بموجب وعد بلفور الذي أدى دورًا رئيسًا في استصداره. ووضع في العام نفسه حجر الأساس للجامعة العبرية، وأصبح أول رئيس مجلس أمناء لها، وافتتحها اللورد بلفور عام 1925.
وقد جمعت راحيل ينائيت–بن تسڤي (Rachel Yanait Ben-Zvi، 1886-1979) الناشطة الصهيونية وزوجة إسحاق شمشيليڤتش الذي أصبح اسمه
يتسحاق بن تسڤي {{يتسحاق بن تسڤي: (Yitzhak Ben-Zvi، 1884–1963) القيادي الذي أصبح الرئيس الثاني للدولة ضمن تيار الصهيونية العملانية.}}، بين الموقف اليساري اجتماعيًّا واليميني المتطرف قوميًّا. وكتبت في مقالة "حول المسألة الثقافية في أرض إسرائيل"[89] (1911) أن ثقافة اليهود في الشتات خضعت لظروف خارجية وفقدت مركز ثقلها لأنها لم تكن نابعة من الداخل، فتأثرت بثقافة البيئة واختلفت ثقافة اليهود في إنكلترا وتركيا وغيرها من الدول لهذا السبب، وأنه في الساكنة اليهودية المنظمة في فلسطين يمكن التأسيس لثقافة عبرية جامعة. ثم تصف الوضع الثقافي في فلسطين، وتقول إن أرض إسرائيل بعيدة عن مركز السلطنة، فلا أثر فيها للغة التركية، وإن الأمة الحاكمة أقلية بين شعوب الإمبراطورية، ولا تضع أي عراقيل أمام تطور أي ثقافة في إسرائيل، ويمكن للثقافة العبرية أن تتطور بحرية في فلسطين. ولا تشكل ثقافة "عرب أرض إسرائيل" - كما تُسمّي الفلسطينيين - عائقًا لأن التعليم في فلسطين بلا شعب، والشعب بلا تعليم. وقصدت أن تقول إن التعليم هو للمؤسسات الثقافية الأوروبية والتبشيرية التي يرتادها المسيحيون وربما المسلمون الميسورون، أما عامة المسلمين فيفتقرون إلى التعليم الحديث. والثقافة العربية نفسها ليست نابعة منهم، بل مستوردة "من الخارج"؛ من سوريا ومصر على حد زعمها، علمًا بأن سورية لم تكن دولة أخرى بالنسبة للفلسطينيين في تلك المرحلة. ووفقًا للكاتبة، تسود بين المدنيين والفلاحين والبدو ثلاث ثقافات مختلفة تمامًا، وتنتشر الأمية بينهم، ولذلك فالظروف مريحة لتطوّر الثقافة العبرية.
أما بالنسبة إلى أوضاع المستوطنات، تقول إنه يوجد في فلسطين، في مرحلة كتابتها هذه المقالة عام 1911، 90 ألف يهودي يشكلون 13 في المئة من السكان الذين تُقدِّر عددهم بـ 700 ألف (تتشابه تقديرات القادة الصهيونيين للنسب السكانية في كتابتهم من تلك المرحلة). ويعوض عن قلة اليهود تمركزهم في مناطق محددة، وكذلك فروع عملهم الاقتصادية المتطورة، لكنهم مشتتون ثقافيًّا ومنقسمون بين أوروبيين وآسيويين، وسفارديين وأشكناز، ولكل فئة لغتها وثقافتها. وتعمل لديهم أربع منظومات تعليمية، وتنتقد المدارس الدينية بشدة، وكذلك تنتقد شبكة "الإليانس" اليهودية الفرنسية، و"عِزرا" اليهودية الألمانية، وتشيد ببدايات نشوء المدارس العبرية القومية في فلسطين. تقول إن البوادر مشجعة لأنه يوجد في حقل الأدب وحده 7 إلى 8 دوريات ودور نشر في مجتمع مؤلف من 90 ألف يهودي. لكن هذه الدوريات الأدبية، من وجهة نظرها، بعيدة عن حياة المجتمع وليست ثمرة عضوية للاستيطان، وغالبًا هي ثمرة ثقافة اكتُسبت في الخارج قبل المجيء إلى فلسطين. ويبدو أن الاستعمار الاستيطاني يتبنى بالضرورة مادية فجة، فالعمل العبري عندها هو الأساس والأرضية المادية الاجتماعية لأي ثقافة قومية حقيقية، وهو أيضًا الأساس المادي لبناء الدولة اليهودية مستقبلًا. وقد أكدت على الجمع الذي نشأ في الهجرة الثانية بين العمل الزراعي والحراسة المسلحة، فهما نموذجان عبريان جديدان لم يوجدا سابقًا في الشتات، بل تأسسا على أرض إسرائيل. جمع هذا النموذج من الصهيونية العملانية الاستيطان والعمل العبري (وهو قاعدة الثقافة العبرية) والتنظيم العسكري، وهذه جميعًا شكلت الأساس للدولة.
في مرحلة الهجرة الثانية، نشأت أولى المنظمات المسلحة، وهي كتائب الدفاع التي أسسها أعضاء في حزب "ﭘوعَلي تسيون". وعملت على إقناع بعض المستوطنات على استبدالها بالحراسة التي قامت عليها قبائل بدوية أو شركسية. وقد نشأ تنظيم "بار غيورا" الذي أُعلِن في عام 1907 في أوساط التيار الصهيوني الاشتراكي بهدف الدفاع عن المستوطنات وعدم الاعتماد على الحرّاس العرب. أُطلِقَ على التنظيم اسم "شمعون بار غيورا" الذي كان قائدًا عسكريًّا لما يُسمّى في التاريخ اليهودي بـ"التمرد العظيم" (66-73م) ضد السلطات الرومانية في فلسطين. أقيم هذا التنظيم السري في غرفة سكن يتسحاق بن تسڤي في يافا. وكان شعاره "بالدَّم والنَّار سقطت يهودا - وبالدَّم والنَّار سوف تنهض". ومع أن هدف التنظيم المعلن كان الدفاع عن المستوطنات الزراعية، فإنه اختار شعارًا هجوميًّا. هؤلاء الذين أسسوا منظمة "بار غيورا" أسسوا أيضًا منظمة علنية اسمها "هشومير" أي "الحارس"، وهدفها حراسة المستوطنات اليهودية عام 1909. وحملت الشعار نفسه. وعندما أقيمت ميليشيا
الهَغَناه عام 1920، رفض أعضاء "هشومير" تسليم سلاحهم لها حتى عام 1929 حين احتكر الهَغَناه العمل المسلح، وظلت تنظيمات اليمين خارج سيطرته حتى تأسيس الجيش الإسرائيلي عام 1948، وعدها تنظيمات إرهابية.
داڤيد بن غوريون
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
خاضت القيادات الصهيونية لما يسمى الهجرة الثانية معارك متواصلة على ثلاثة محاور: تهويد الأرض، وتهويد العمل، بما في ذلك محاولات الضغط على المزارعين اليهود من الهجرات السابقة لتشغيل عمال يهود بدلًا من العرب، وتنظيم العمل المسلح، بصورة الحراسة المنظمة في بداية الأمر وعدم الاعتماد على الحماية العثمانية، ولاحقًا الإنكليزية. كانت غالبية المهاجرين الذين وصلوا إلى فلسطين ضمن الهجرة الثانية مؤلفة من ناشطين مُنظّمين سياسيًّا أو مؤدلجين، وأقاموا أحزابًا سياسية بدأت بالاهتمام بإيجاد وظائف لأعضائها. وبدأ صراعهم مع المُشغِّلين اليهود الذين شغّلوا عربًا في مزارعهم أو مشاغلهم. كان أول حزب أقيم هو منظمة "هـﭘوعيل هتسعير" أي "العامل الشاب" عام 1905، وتألف الحزب من عشرات العمال. وفي العام نفسه، تأسس فرع حزب "ﭘوعَلي تسيون" (الذي كان قائمًا في روسيا وبعض المدن الأوروبية منذ عام 1903) من تسعين عضوًا عقدوا مؤتمرًا في يافا، ومن أهدافه إقامة مجتمع على أُسُس اشتراكية، لكنه كان أيضًا أول حزب في داخل فلسطين يُعلِن أنه يسعى لإقامة دولة يهودية، ومحاربة العوائق التي تقف في طريق الهجرة اليهودية إليها[90]. كان برنامج الحزب اشتراكيًّا راديكاليًّا إلى درجة اعتراض بعض أعضاء الحزب في فلسطين عليه، ومنهم داڤيد غرين الذي أصبح اسمه داڤيد بن غوريون (1886-1973) ويتسحاق بن تسڤي اللذان طالبا بخطاب أقل تطرّفًا من الناحية الطبقية. وشددت الفئات الأكثر حرصًا على البعد القومي الصهيوني داخل الحزب على استعمال اللغة العبرية لغة رسمية والاستغناء عن الإيديش. وبدأ حزب "ﭘوعَلي تسيون" إصدار مجلة بالعبرية. شدد النشطاء الصهاينة على فرض اللغة العبرية في المؤسسات التعليمية؛ فعند افتتاح التخنيون (معهد الهندسة التطبيقية في حيفا) عام 1913، كانت ثمّة محاولة أن تكون لغة التدريس بالألمانية، فنظموا الاحتجاجات، وأجبروا إدارة المعهد على اعتماد اللغة العبرية[91].
برزت قيادات صهيونية من نمط مختلف في اليشوڤ، فقد جمعت بين ممارسة العمل البدني، ولا سيما في الزراعة، وتبني نمط حياة تقشفي بموجب إيثوس الاشتراكيين الشرق أوروبيين، وثقافة روسية وبولندية و/أو ألمانية، وتبني العبرية (بما في ذلك عبرنة أسمائهم) والاطلاع على التراث اليهودي، فضلًا عن سلوكيات فظة وخطاب مباشر بعيد عن "آداب التهذيب البرجوازية"، في سياق محاولة بناء شخصية يهودية جديدة تعمل في الأرض وتحمل السلاح، ومحاولات مستميتة للتوفيق بين البراغماتية السياسية والخطاب الأوتوبي، والاشتراكية واستعمار أراضي العرب، والعداء للعنصرية في الغرب ولما سموه "الرجعية والإقطاع العربي" وتبني موقف عنصري من العرب، أو تجاهل وجودهم.
وتُشكّل شخصية بن غوريون بتقلباتها نموذجًا لقيادي من هذا النوع. في مقالته "بلد مُعطاة"[92] (1915) أمِل داڤيد بن غوريون بحل المسألة اليهودية في مؤتمر السلم بعد الحرب العالمية وذلك من خلال معاهدة دولية تصبح بموجبها "أرض إسرائيل ملكًا لشعب إسرائيل". لا تسعى الحركة الصهيونية في نظره إلى السيطرة على العرب ولا إلى إنشاء سوق لمنتجات اقتصاد يهودي الشتات، بل إلى تأمين وطن والتخلص من لعنة الشتات والاقتراب من الأرض بما في ذلك من منافع روحية وجسدية حسب الإيثوس الصهيوني. وكتب أن الوطن لا يشترى، ولا يحتل بالقوة، بل يُعمّر بعرق الجبين. فهو ثمرة عمل جسدي وأخلاقي على مدى الأجيال الطويلة. الأرض هبة الطبيعة ولا يحق لشعب أن يقول هذا وطني، والإنسان لا يَخلِق المادة من لا شيء. الإنسان هو أداة يسخر بيديه وعقلة مواد الطبيعة لخدمته ومتعته. وحين تُستصلح الأرض للزراعة والبناء والصناعة يخلق الوطن. إن البدايات التأسيسية هي قدوم الهجرة الجماهيرية، وهي وظيفة الرّواد، وهم الذين يمهدون الطريق أمام الهجرات الواسعة. هؤلاء هم المستعدين للتضحية ولمشاركة حياتهم الشخصية مع الآخرين، هم رواد العمل والبناء والعلوم.
قبل أن تنشب الحرب العالمية الأولى علّقت القيادة الصهيونية أملها على ضغط القوى الأوروبية على السلطنة لتسهيل الهجرة والاستيطان، ورأى بعض قادة المستوطنين أن يبقوا خلال الحرب موالين للدولة العثمانية التي تحارب دفاعًا عن وجودها، وأمل بن غوريون مثلًا، أن تمنح تركيا الاستيطان العبري حكمًا قوميًّا ذاتيًّا. لم تصدق السلطنة ولاء بن غوريون هذا. فبعد تولي جمال باشا منصب والي بلاد الشام، أصدر أمرًا في يوم 21 آذار/ مارس 1915 بطرد داڤيد بن غوريون ويتسحاق بن تسڤي، فأرسلا رسالة احتجاج إلى الوالي. وجاء فيها: "قبل أكثر من ثمانية أعوام تركنا روسيا، ذلك البلد المشهور في ملاحقاته الفظيعة لليهود، وقدمنا إلى هنا من أجل الاستقرار والتجنّس في السلطنة التي نجلّها منذ طفولتنا، ونحمل لها مشاعر المودة بسبب كونها الوحيدة التي تتعامل مع الشعب اليهودي بإنسانية فريدة لا مثيل لها في التاريخ البشري. فنحن لم نتعلّق بأرض إسرائيل الحبيبة والمقدّسة لنا فقط، بل بالسلطنة العثمانية أيضًا التي تمنح لأمّتنا ملجأً منذ مئات السنين. فقد سافرنا إلى إسطنبول لدراسة اللغة التركية، وبدأنا الدراسة في كلية القانون في الجامعة العثمانية من أجل استكمال دراستنا هنا في تركيا. وعلى هذا النحو، ربطنا جميع حياتنا ومستقبلنا بالسلطنة العثمانية والقانون العثماني واللغة العثمانية"[93]. وفي كل حال فقد تغير موقفهما لصالح الانحياز إلى الحلفاء خلال الحرب.
جابوتنسكي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وقد انتقلت القيادة الصهيونية العالمية إلى لندن خلال الحرب، حيث نشط وايزمن في التأثير في القيادة البريطانية بشأن خططها لفلسطين بعد الحرب، كما أن أغلبية اليشوڤ عوّلت على نصر الحلفاء، وعمل بعض النشطاء على أن يكونوا جزءًا من النصر العسكري على العثمانيين ودخول القدس مع جيش الجنرال ألنبي. فغادر فلسطين آلاف اليهود إلى مصر التي كانت تحكمها بريطانيا عدو السلطنة خلال الحرب. وجرت هناك محاولات قادها يوسف ترومبلدور وڤلاديمير جابوتنسكي لإقامة كتائب يهودية ضمن الجيش البريطاني. عارض بن غوريون هذه الخطوات، كما عارض هجرة اليهود إلى مصر داعيًا إلى أخذ احتمال انتصار العثمانيين في الحرب في الاعتبار. وأقيمت كتيبة البغال التي يقودها جنود يهود في الجيش البريطاني في مصر، لكنها لم تشارك في احتلال فلسطين. وفي عام 1917 نجح جابوتنسكي في إقناع الإنكليز بإنشاء فيلق يهودي، لكنه لم يشارك في احتلال فلسطين[94].
تغيرت مكانة الحركة الصهيونية عالميًّا، مثلما تغير طابع الاستيطان بعد صدور وعد بلفور، ولا سيما بعد تولي الانتداب البريطاني تنفيذه. ولفت أحد قادة اليشوڤ والحركة العمالية الصهيونية، بيرل كتسنلسون الانتباه إلى تأثير وعد بلفور ليس فقط على مكانة الصهيونية والاستيطان في فلسطين فحسب، بل في توسع الصهيونية داخل الشعب اليهودي أيضًا. فقد أصبحت أكثر إقناعًا لليهود بعد أن تبنت أهدافها دولة عظمى بقوة بريطانيا.
وجاء في مقالة بن غوريون "تحضيرًا للمستقبل"[95] (1915) أن الحرب العالمية طرحت مستقبل "أرض إسرائيل" السياسي. ولدى إنكلترا وفرنسا وروسيا طموحات في أرض إسرائيل. فهناك القرب من قناة السويس بالنسبة إلى بريطانيا، أما فرنسا فتعتبر فلسطين جزءًا من سوريا ومن استراتيجية فرنسا الإمبريالية في الشرق، أما روسيا فتأمل بموانئ على شواطئ الشرق المتوسط[96]. هكذا حلل بن غوريون المشهد. وقد دخلت الحركة الصهيونية في هذه اللعبة الدولية في مقابل القيادات العربية الصاعدة، ولكن الفلسطينيين لم يكونوا جزءًا منها.
وكتب بن غوريون في المقالة نفسها أن الحرب تدور ليس فقط نتيجة الصراع بين دول عظمى، إنما أيضًا على أساس تطلعات الشعوب الصغيرة للاستقلال. ولا يمكن للصهيونية أن تحقق طموحاتها وأهدافها دفعة واحدة، بل عبر صيرورة طويلة، والمُهمّة هي تحويل "أرض إسرائيل" إلى أرض إسرائيلية فعلًا، والشعب العبري إلى شعب "أرض إسرائيلي" بغرس الشعب في وطنه، وخلق حياة وطنية وأضاف: "يمكن تغطية هذه البذرة بقشور مختلفة، قشرة الحكم الذاتي، أو قشرة نظام فيدرالي، أو قشرة نظام سيادي مستقل، ولكن لا يمكن للقشرة أن تغيّر الّلب"[97]. والتشبث "بأرض إسرائيل" ليس مسألة قضائية سياسية، بل مسألة اقتصادية استيطانية. هكذا عمليًّا يلخص بن غوريون نقاشه مع الصهيونية السياسية التي كانت سائدة حتى الهجرة الثانية. فالحقوق السياسية والضمانات القانونية هي نتاج العمل واحتلال المكان. هذه الضمانات القانونية ليست شرطًا مسبقًا، فضلًا عن أن تكون شرطًا ضروريًّا. وذهب بن غوريون إلى أن فترة البحث عن فرمان قانوني (Charter) للاستيطان كانت فترة تخبّط الحركة الصهيونية، مع أنه عوَّل هو أيضا على إقناع السلطة العثمانية قبل الحرب.
وأضاف بن غوريون أن ما سوف تطالب به الحركة الصهيونية في مؤتمر السلام القادم، سواء أبقيت الدولة العثمانية هي المسيطرة على فلسطين أم لا، هو أولًا ضمان حرية الهجرة والاستيطان في فلسطين، وثانيًّا حق اليهود بالتجنّس والمشاركة في إدارة البلاد، وثالثًا ضمان حق القيادة الذاتية للاستيطان أو الإدارة الذاتية. ولكنه في الوقت ذاته كتب متبنيًّا خطاب الرسالة الحضارية للمستعمِر الغربي، ما مفاده أن الاستيطان العبري لن يكون ضد العرب، بل سينقذ البلدان العربية من ضائقتها الاقتصادية ويخلّص "سكانها من دونيتهم الاجتماعية، ومن انحلالهم الجسدي وانحطاطهم الأخلاقي"[98]. وبن غوريون هو ذاته الذي عمل بمثابرة على تهويد الأرض وتهويد العمل، فاهتمّ بطرد فلاحين عرب من أرضهم وعمال عرب من عملهم؛ وهو بن غوريون الذي أسهم في تنظيم المستوطنين عسكريًّا وفيرضهم و التنظير للحرب. واقترح إنشاء نقابة عاملين عامة لليهود فقط. يدلل ما سبق على حقيقة مفادها أنه سواء أكان المستعمِر يساريًّا اشتراكيًّا أم يمينيًّا محافظًا فإن الغايات الاستعمارية تفرض خطابًا استعماريًّا. في البداية سمى بن غوريون ورفاقه مسعاهم "تهويد العمل"، و"عبرنة العمل"، وسمّاه أحدهم (وهو شلومو تسيمح) "احتلال العمل"، ثم راج لديهم مصطلح "العمل الغريب" في وصف العمل العربي، بالعبرية "عڤودا زَراه"، وهو مصطلح توراتي، ويعني في الأصل عبادة غريبة، أي عبادة أوثان[99]. كانت التوراة معينًا لا ينضب للرموز والمصطلحات التي استخدمها اليسار واليمين في تشكيل الخطاب الصهيوني الاستيطاني بشأن الأرض وسكانها الأصليين.
جاء
وعد بلفور وانتداب عصبة الأمم لبريطانيا على فلسطين وقَلَبا الصورة تمامًا، فخلال فترة الانتداب أصبحت المستوطنات أكبر عددًا وأوثق تنظيمًا، مع قيادة قُطرية مسموعة الكلمة، وبعض التنظيمات المسلحة، وحين نشبت ثورة 1936 وقع الاستيطان في حيرة، هل ينخرط في المعركة أم لا؟ فاختار ترك أمر مواجهة الثورة لبريطانيا بوصفها قوة احتلال، واستغل فترة الثورة والاضطرابات بين عامي 1936 و1939 التي شلّت الاقتصاد الفلسطيني واستنزفت خلالها الحركة الوطنية الفلسطينية وجناحها المسلح الذي قمعه الإنكليز بالقوة، في تقوية الاقتصاد والمؤسسات اليهودية بما فيها التنظيم العسكري. وفي حين خرج المجتمع الفلسطيني من مرحلة الأعوام الثلاثة منهكًا، خرج اليشوڤ أقوى مما كان عليه قبل الثورة.
قادت الإدارة الصهيونية الحركة الصهيونية في فلسطين في تلك المرحلة، وهي اللجنة التنفيذية المصغّرة للمنظمة الصهيونية العالمية، وكانت تنفذ قرارات المنظمة ومؤتمراتها ولجنتها التنفيذية. أُنشِئت الإدارة عام 1920، وقامت حتى عام 1929 بدور الوكالة اليهودية عملًا بمواد صك الانتداب. ومع إنشاء الوكالة اليهودية لأرض إسرائيل عام 1929، انتقلت الوظائف السياسية إليها. عقدت هذه المنظمة في 19 نيسان/ إبريل 1936 اجتماعًا للأحزاب الصهيونية لبحث إنشاء منظمة صهيونية موحّدة في فلسطين، لكن مع تفجّر ثورة 1936 والاضراب العام في اليوم نفسه، بدءًا من يافا، تحوّل النقاش إلى مناقشة سياسات المنظمة الصهيونية تجاه الثورة. كان التوجه العام ضبط النفس وعدم استخدام العنف بالسلاح إلا من أجل الدفاع عن الممتلكات والمستوطنات من دون التورط في حرب، لأن الحركة الصهيونية لم تكن جاهزة للحرب في تلك الفترة. وكان الميل العام في الاجتماع نحو الاعتماد على الإنكليز في مكافحة ثورة 1936. والنقاش هذا بالآراء والمخاوف المختلفة مدون في محضر الجلسة المنشور[100].
في هذا الاجتماع قال مناحيم أوسيشكين الذي شغل في حينه رئاسة الصندوق القومي إن هذه الثورة ليست ثورة قُطّاع طرق أو مجرمين، بل ثورة إرهابيين سياسيين، وأعمالهم سوف تصبح أكثر خطورة مع الوقت. لكنه انتقد اليائسين في الاجتماع الذين رأوا أن مذابح الشتات انتقلت إلى فلسطين، بذكر قلة أعداد الذين قتلوا قياسًا بالهدف، ففي العام 1929 (خلال ما يسمى فلسطينيًا
ثورة البراق) أصيب 170 يهوديًّا وحتى ذلك التاريخ كان قد جرح فقط 30، لكن عدد اليهود في حينه كان 180 ألف يهودي في حين أصبح عدد اليهود بداية عام 1936 400 ألف. عدد اليهود يزداد، وهذا هو الأساس عنده. وأكد أن الأوضاع سوف تزداد صعوبة كلّما اقتربت الصهيونية من تحقيق هدفها التاريخي، لأن الطرف المعارض فلسطيني سيحشد كل قواه لمنع تحقيقه.
وميّز بن غوريون في هذا الاجتماع بين سلوك الإنكليز وسلوك العثمانيين، قائلًا إن وضع الاستيطان الصهيوني أفضل بكثير عمّا كان عليه؛ فحين كانت تُشنّ هجمات من السكان المحليين على المستوطنات، لم يدافع العثمانيون عنها في حين أن الإنكليز يبذلون جهدًا كبيرًا في الدفاع عن الاستيطان اليهودي.
وبعد إيفاد الإنكليز
لجنة ﭘيل (Peel Commission) للتحقيق في الأوضاع التي أدت إلى نشوب الثورة وتقديم التوصيات، وقدمت مشروعها لتقسيم فلسطين؛ أيدت القيادة الصهيونية الاقتراح وعارضه اليمين. وكتب بن غوريون في تبرير الموافقة على التقسيم، ففي رسالة إلى عاموس (1937)[101] دافع بن غوريون عن قبول مشروع تقسيم فلسطين وإقامة دولة يهودية بصرف النظر عن مساحتها، لأن الدولة اليهودية هي الأداة لتحويل فلسطين إلى بلد يهودي. وإقامة الدولة، ومهما كانت مساحتها، فهي نقطة الانطلاق. وأصبح هذا موقفه الذي تكرر عند قبول قرار التقسيم عام 1947. وكتب أنه يمكن أن يصل عدد اليهود الذين يدخلون إليها مليونين يهودي، بحيث تبني الدولة اقتصادًا زراعيًّا وصناعيًّا وبحريًّا وجيشًا حديثًا من أفضل الجيوش في العالم. وعندها يمكن التوصل إلى تفاهم مع العرب بشأن الاستيطان في بقية أرجاء فلسطين. في النهاية لم يفرض الانتداب الاستيطان، ولا تصريح بلفور، فهذه أمور طارئة ومؤقتة وزائلة، من منظوره، إنما الأمور الرئيسة هي: ضائقة الشتات ووجود فرصة للاستيطان في فلسطين لأنه بلد غير مأهول لدرجة كبيرة، كما أن العرب لا يعانون من مسألة شتات، ولا هم ملاحقون، بل لديهم وطن قومي مترامي الأطراف؛ وثالثًا، قدرات اليهود الإبداعية على استصلاح الأرض والبناء والصناعة والإبداع الثقافي. ومن المهم أن نذكر أن الوجه الآخر للقبول بالتقسيم بوصفه فرصه لتحقيق الهدف الرئيس، أي إقامة الدولة، هو عدم تحديد حدود الدولة، واعتبار أن كل حدود هي حدود مؤقتة ريثما تسنح الفرصة لتوسيع مساحتها بحدود جديدة.
الموقف من العرب
سبق التطرق إلى جهل هرتسل بالعرب في فلسطين واعتبار وجودهم هامشيًّا في مشاريعه السياسية، وصورتهم المكتفية الراضية بالمشروع الصهيوني والمستفيدة منه في سرديته اليوتوبية؛ ولكن المؤتمرات الصهيونية عمومًا تجاهلت وجودهم. وسرعان ما صبغ الاستعمار الاستيطاني الخطاب السياسي والثقافي بلونه. وتراوح هذا الخطاب بين تجاهل وجود العرب ورفض وجودهم، والتعالي الوصائي أو العدائي تجاههم. ولم تلحظ أي محاولة للتعاون مع العرب. لقد أجريت اتصالات مع بعض الزعماء العرب ومع السلطنة العثمانية. ولم يخصص بحث جدّي حقيقي داخل الحركة الصهيونية للموقف من الوجود العربي. كتب صبري جريس أن "ﭘوعلي تسيون" و"هپوعيل هتسعير" عقدوا 25 مؤتمرًا واجتماعًا منذ تأسيسهما عام 1905 حتى نشوء الحرب العالمية الأولى، ولم يُبحث في أي منها موضوع العرب.
إضافة إلى الشعور العام القائم لدى المهاجرين القادمين من أوروبا بالتفوق الحضاري على سكان البلاد الأصليين، فيما عدا بعض الاستثناءات الرومانسية تجاه الشرق (التي لم تخل هي أيضًا من التنميط والأفكار المسبقة)، تراوح موقف الصهيونيين من العرب بين إقناع الذات قبل إقناعهم أن المشروع الصهيوني مفيد لهم اقتصاديًّا وفي تحديث نمط حياتهم، وأن عرب فلسطين لا يشكّلون جماعة قومية يمكن أن يكون لها تطلعات قومية، ومن ثم فعليهم أن يرضوا بنِعم المشروع الصهيوني التي سوف تحل عليهم من دون التطلع لممارسة حقوق قومية، من أي نوع، وعليهم أن يرضوا بأن الحقوق القومية هي لليهود فقط من جهة، وبين الاقتناع بالوجود العربي وأصالته، وبأن العرب يشكلون جماعة قومية من جهة أخرى. ويترتب على الاقتناع بالوجود العربي الأصيل في فلسطين ثلاثة احتمالات: أولًا، التخلي عن الفكرة الصهيونية تمامًا، ورفض أن يكون حل المسألة اليهودية الأوروبية في فلسطين على حساب شعب آخر؛ وثانيًا، قبول العرب بتقسيم البلاد بحيث تمارس الحقوق القومية لشعبين في دولتين؛ وثالثًا، التسليم بجود تناقض بين إدراك السكان الأصليين هويتهم الوطنية وتنمية تطلعات استقلالية مثل جميع الشعوب، وذلك ما يعني أن العداء بين العرب والمشروع الصهيوني هو عداء بنيوي، ولا خيار أمام اليهود سوى الاعتماد على قوة الردع وإجبار العرب على القبول بمشروعهم الاستيطاني بالقوة. قلة قليلة اختارت السبيل الأول، أما الثاني فلم يتحقق، بل قاد إلى الخيار الثالث الذي أصبح هو السائد عمومًا في الحركة الصهيونية، ولم ينحصر في اليمين الصهيوني فقط خلافًا لما هو رائج.
إن تجاهل ما أصبح يسمى في الأدبيات الصهيونية "المسألة العربية" مرده تجنب مواجهة هذه الاحتمالات من جانب حركة إيديولوجية رأت في نفسها الحل للمسألة اليهودية في أوروبا. لكن بعض مفكريها ناقشوا المسألة وعدوا تجاهلها قصر نظر. ومنهم يتسحاق (1863- 1943) في مقاله "المسألة المحجوبة"[102] (1907) الذي ترددت أصداؤه في الحركة الصهيونية، إذ حذّر من تجاهل الوجود العربي، ومن أساليب شراء الأراضي واستبعاد الفلاحين منها بعد اقتنائها من الأثرياء غير المقيمين فيها. رأى إپشتين أن مسألة العلاقة مع العرب غُيِّبت مع أنها لا تقل في أهميتها المسائل الأخرى مجتمعة؛ فالحركة الصهيونية تناقش تفاصيل جغرافية البلاد ومناخها، ولا تتطرق إلى شعب كامل يقيم فيها. العرب هم أسيادها الحقيقيون، وثمانون في المئة منهم يعملون في الزراعة ويفلحونها. صحيح أنه توجد أراضٍ غير مزروعة، ولكن إپشتين لا يردُّ ذلك إلى التخلف أو الكسل كما درجت الحركة الصهيونية على تفسير كون البلاد "مقفرة وجدباء"، بل إلى نقص الأيدي العاملة. فالفلاح العربي في نظر هذا الكاتب مجتهد جدًا، ويوجه جهوده دائما نحو الأرض البور المجاورة لاستصلاحها، ويزرع منحدرات الجبال. ولا يترك الفلاحون العرب شبرًا صالحًا للزراعة إلا ويحيونه. وأشار إپشتين إلى غياب حركة عربية بالمعنى السياسي والقومي للمفهوم، لكن الوجود العربي موجود وقوي وكبير، لم يمت، وليس بحاجة إلى بعث قومي خلافًا لليهود. لقد استولى الإقطاعيون على الأرض بطرق ملتوية وأجّروها للفلاح مع أنها أرضه. لكن بعد شراء اليهود الأرض من الإقطاعيين فإنهم يطردون الفلاحين. وإذ يصف عملية تهجير فلاحي قرية الجاعونة التي أقيمت على أراضيها مستوطنة "روش ﭘيناه"[103]، فإنه يستنتج ضرورة تجنب شراء الأراضي المأهولة، والعمل على إقناع العرب بفوائد الاستيطان، وبمصلحتهم السماح لليهود بإقامة مشاريعهم في أراضٍ فارغة، "لأن السكان عاجزون بمفردهم عن التطوير الذاتي ومحاربة الفقر والجهل". ويضيف "إننا شعب بلا جيش ولا سفن حربية، ظاهرنا كباطننا، لسنا دعاة غزو وإخضاع وقهر الطابع القومي لجيراننا. إننا قادمون بقلوب طاهرة للإقامة فيما بينهم من أجل إصلاحهم"[104]. بصرف النظر أكان المؤلف صادقًا أم لا، فإن مقالته كُتبت في مرحلة ضعف الحركة الصهيونية وضعف الاستيطان في فلسطين، قبل أن يبني قوة مسلحة قادرة على المواجهة.
ومن ضمن المحاولات للتشكيك بوجود شعب عربي له حقوق على البلاد ثمة محاولة مثيرة للاهتمام هي محاولة بن غوريون إثبات أن أصول الفلاحين العرب في فلسطين يهودية[105]، وأن المهمة سوف تكون إعادتهم إلى اليهودية واستيعابهم في المشروع الصهيوني. وقد شاركه في هذا الرأي صديقه ورفيق دربه بن تسڤي في سياق تأليفهما كتابًا عن تاريخ "أرض إسرائيل" (فلسطين) (1918)، أثناء وجودهما في الولايات المتحدة. ولم يستمر في التعبير عن هذا الرأي مدة طويلة، ولكن الفكرة عاودته من حين لآخر حتى بعد نشوء تأسيس دولة إسرائيل. فمرة واحدة على الأقل اقترح فكرة تهويد العرب الذين بقوا في إسرائيل بعد عام 1948، ولكن لم يعد إلى طرح الفكرة ثانية[106].
في مقالته "عن استيضاح أصل الفلاحين" (1917) كتب بن غوريون أن السكان في فلسطين ينقسمون إلى الفئات الرئيسة الآتية: سكّان المدن وهم خليط من هجرات مختلفة بما في ذلك أيضًا حكام سابقين مثل المماليك والترك والعثمانيين والمسيحيين وغير ذلك، وهؤلاء، أي سكان المدن، وهم يشكّلون أقلية، ولكن الغالبية تتألف من الفلاحين الذين عاشوا في ظل الاحتلال الروماني واليوناني، ثم العربي. وغيّروا في كثير من الحالات لغتهم، وتقبلوا في النهاية الثقافة العربية. ولكنهم سكان نفس القرى اليهودية التي كانت قائمة في زمن التوراة. أصول الفلاحين العرب يهودية، وما زالت أسماء قراهم تُذكّر بالأسماء العبرية، كما أن لغتهم العامية تتضمن الكثير من التعابير الآرامية. أما العرب الأقحاح فهم العشائر البدوية، هؤلاء الذين يُسمّيهم السكان المحليون عربًا، وهم كاسمهم ينتمون إلى الأمة التي "احتلت بلادنا"، على حد تعبيره، في القرن السابع، وفَرَضَت عليها لغتها وديانتها. عدد هؤلاء ضئيل جدًا نسبةً إلى السكان. هذا الجزء من السكان هو الوحيد ذو الأصل العربي المؤكد. ووفقًا لبن غوريون توجد مجموعة حضرية واحدة يمكن أن تتباهى بأنها تعيش في فلسطين منذ عهد الأسر البابلي وهم السامريون في نابلس، وفي زمن بن غوريون كان عددهم 180 شخصًا فقط.
في فلسطين التي تشمل في رأيه الضفة الغربية والشرقية وجزءًا من جنوب لبنان، 900 قرية منها 220 قرية سكانها ليسوا عربًا مسلمين، 80 للمتاولة الشيعة الذي يعتبر بن غوريون من دون مبرر أن أصلهم فارسي، و50 لليهود و20 للمسيحيين و11 للدروز، وست قرى للألمان (مستوطنات ألمانية) وثلاث للشركس، وواحدة للسلاڤ، وخمس بلدات مختلطة. البقية، أي ما مجموعه 680 قرية مؤلفة من مسلمين يتحدثون العربية، يسميهم الأجانب أو السياح عربًا. وإذا كان المقصود هو الدين واللغة فهذا صحيح. أما إذا كان المقصود الأصل ونمط الحياة والتقاليد القديمة، فلا يوجد قاسم حقيقي بينهم وبين أبناء "العرق العربي"[107]. وقد استوطن معظم "المحتلين العرب" في المدن، أما سكان القرى فتحولوا إلى دافعي ضرائب وتبنّوا لغة المنتصرين. وبقي تديّنهم سطحيًّا. هذه هي من منظور بن غوريون في حينه حقيقة مستوطنات أو بلدات عبرية اعتنق قسم من سكان منها المسيحية ثم الإسلام[108]. والحقيقة أن العرب لا ينكرون أن أسماء قسم كبير من القرى والبلدات والأماكن آرامي الأصل، ولكن هذا غير العبري، ولا يعني القبول بالأساطير التوراتية. والآرامية تنتمي إلى نفس عائلة العربية والعبرية. ولا تعود أصول العرب جميعًا إلى الجزيرة العربية، بل هم نتاج اختلاط وتفاعل حضاري مديد بين عرب هذه البلاد وعرب الجزيرة العربية وبقايا الكنعانيين والآراميين والفلسطينيين القدماء واليونان والرومان وربما أيضًا بعض من تبقى من الصليبيين والمماليك الشركس والألبان والترك وغيرهم، وأيضا العبرانيين أيضًا.
أصدر داڤيد بن غوريون ويتسحاق بن تسڤي كتاب أرض إسرائيل: ماضيًا وحاضرًا[109] (1918) أثناء إقامتهم في الولايات المتحدة بلغة
الإيديش. وعبّرا في مستهل الكتاب عن استغرابهما من عدم وجود كتابات يهودية عن "أرض إسرائيل"، وأن غالبية الكتابات هي لباحثين مسيحيين وموجّهة لجمهور مسيحي. هذه واقعة مهمة جدًا ولها دلالات لا يفسّرها المؤلفان، ومتعلّقة بضعف صلة الباحثين والمثقفين اليهود بفلسطين وقلة اهتمامهم بها قبل نشوء الصهيونية. ووفقًا للمؤلفَيْن، حتى العلمانيين الأوروبيين المسيحيين الذين كتبوا عن فلسطين نظروا إليها من زاوية لاهوتية مسيحية، ومنهم من انشغل بعلم الآثار والتنقيب من هذا المنطلق.
في هذا الكتاب، كما في مقالة "عن استيضاح أصل الفلاحين"، عبّر المؤلفان اللذان سوف يصبحان أهم قادة الحركة الصهيونية عن موقف عرقي (إثني) من القومية بربطها بالأصل المتخيل. ويتجاهلان تماما عملية تشكل الشعوب والقوميات في التاريخ الحي من خلال التفاعل الحضاري وهيمنة ثقافة بعينها. موطن القومية العربية في رأيهما هو صحراء الجزيرة العربية، أما الشعوب العديدة الناطقة بالعربية فهي وحدات قومية لا يجمعها سوى الدين. متناسين أنهما قالا إن هذه شعوب ناطقة بالعربية، وأن هذا رابط قائم مختلف عن الدين. المنطلق والنتيجة هنا إلغاء تاريخ البلاد الممتد بين ما يسمونه خراب الهيكل الثاني والهجرة الصهيونية إليها، والتقليل من شأنه.
ظل موقف بن غوريون وغيره من القادة في جوهره متعاليًا على العرب بعدما أصبح رئيس حكومة. وفيما نشر من محاضراته الداخلية لضباط الجيش أو داخل الحزب تبرز التأكيدات بأن العرب لن يغفروا للصهيونية احتلال فلسطين، وسوف يواصلون التعامل معها كأنها دولة صليبية، وأن سر قوة إسرائيل سوف يبقى صلتها التاريخية بالأرض وبناء قوة عسكرية ومجتمع متقدم صناعيًّا وزراعيًّا وثقافيًّا، وأنه ينبغي عدم تجاهل الاختلافات الاجتماعية والثقافية التي تفصل إسرائيل عن العرب. ووفقًا لبن غوريون يعيش المجتمع الإسرائيلي في القرن العشرين أما العرب فيعيشون في القرن الخامس عشر، إذ يشيع النظام الأبوي أو الإقطاعي، والسلطة مركّزة في أيدي زعماء الحمائل (هذا هو المصطلح المستخدم عنده للعائلات الممتدة والعشائر) أو الباشوات الأغنياء. أما المجتمع الإسرائيلي "فتسود فيه قيم العمل والمساواة والحرية مقابل الاستعباد والاستغلال والعبودية التي يقوم عليها المجتمع العربي"[110].
مع تحول الاستيطان الزراعي التعاوني (الكيبوتس والموشاڤ) إلى أهم وسائل التيارات الاشتراكية في استيطان فلسطين ورأس حربة الاستيطان، برزت قيادات تتبنى الاشتراكية في تنظيم حياة المستوطنات وتتبنى إيثوس تقشفي يقدس العمل وينبذ المظاهر، وتتجاهل العرب أو تحتقرهم، ولكنها تغطي على ذلك بالعداء ضد القيادات العربية التي تضطهد شعبها وتضلله. في كلمة ألقاها يتسحاق تبنكين القيادي الأبرز في اتحاد الكيبوتسات في الأول من أيار/ مايو[111] بمناسبة مقارنة بين علم ألمانيا النازية والعلم الأخضر القومي العربي: "كلاهما سيّان، إنهما علم واحد وهو علم الكراهية للشعوب". لكنه دعا في الوقت ذاته إلى تعزيز التحالف بين اليهود والعرب على أساس وحدة العمال؛ أي من منطلق أممي اشتراكي في الوقت الذي كان يدعو فيه إلى قومية يهودية ودولة يهودية على أرض فلسطين كلها، فقد كان من المؤمنين بأرض إسرائيل الكاملة.
حين ظهرت بعض الأصوات للتعامل مع المسألة العربية، لا سيما من جانب عالم الاجتماع آرثر روبين المسؤول عن مكتب شؤون الاستيطان في يافا ويعقوبسون المسؤول عن مكتب إسطنبول للمنظمة الصهيونية، كان غرض هؤلاء من مناقشة الموضوع اقتراح سبل العمل على تخفيف المعارضة العربية للهجرة اليهودية من خلال الاحتواء، ولكن سرعان ما وصل آرثر روبين إلى قناعة أنه من غير الممكن إقناع العرب بقبول الصهيونية، لذلك سيكون العداء بينهما حتميًّا.
أجرت القيادة الصهيونية اتصالات مبكرة مع بعض قادة التيارات السياسية في مصر وسورية، بما فيها لبنان، قبل الحرب العالمية الأولى. لكن هذه الاتصالات باءت في النهاية بالفشل، فلم يكن هناك أساس لأي اتفاق بين الزعماء العرب والصهيونية. وقد علّق موشي ديان الذي ارتبط اسمه بالنزعة العسكرية على تجربة آرثر روبين في محاولة التفاهم مع العرب ولو في دولة ثنائية القومية حين انضم لفترة قصيرة إلى تنظيم "بريت شَلوم" (عصبة السَّلام)[112]، محاوِلًا التوفيق بين موقفه من أولوية الهجرة والاستيطان والتعايش مع العرب، لكنه سرعان ما اختلف مع أعضاء حركة "عصبة السَّلام" في تقييم فرص التوصل إلى اتفاق مع العرب. هؤلاء، يقول ديان، اعتقدوا أن المزايا الاقتصادية والضمانات السياسية بحد ذاتها يمكن أن تُقنع العرب بالقبول بالوطن القومي اليهودي. عام 1936، يقول ديان، توصل روبين إلى أن من غير الممكن إقناع العرب بالموافقة على التعاون. وأنه لا توجد صيغة قانونية، ولا ضمانات سياسية، ولا مزايا اقتصادية، ولا مفاوضات تقنعهم بالموافقة على الهجرة اليهودية، وأن الصراع أَبَدي بلغة ديان. ويقتبس من يوميات آرثر روبين الفقرات الآتية: "أشعر بنفسي وكأن سكينة حلّت بقوة في أعماقي هذه الأيام. فقد قمت بصياغة نظرية: إن طبيعة الأشياء وحتمية الأمور هي أن تجد المعارضة العربية للهجرة اليهودية متنفّسًا لها من وقت إلى آخر فتتخذ شكل هذه الانفجارات؛ قَدَرُنا أن نعيش في حالة حرب مستمرة مع العرب، ولا بد لنا من تقديم التضحيات الدموية. قد يكون هذا الوضع غير مرغوب فيه، ولكن هذا هو الواقع، وإذا أردنا مواصلة عملنا في أرض إسرائيل بخلاف إرادة العرب - فيجب علينا أن نأخذ في الاعتبار تقديم مثل هذه التضحيات"[113]. وتابع ديان: إن روبين لم ير في الهجرة والاستيطان والتنمية الاقتصادية وما شابه ذلك تحقيقًا لرغبات اليهود فحسب، بل حقائق ستجبر العرب على التوقف عن محاربة اليهود: "يجب أن نعزّز قوتنا وأعدادنا حتى نصل إلى حالة من التوازن مع العرب". فإن "وجود أو عدم وجود الحركة الصهيونية يعتمد على هذا". هذا الموقف المبكر من عالم اجتماع وأنثروبولوجي شهير ترأّس دائرة الاستيطان في المنظمة الصهيونية وأدار مكتبها في يافا عام 1936، ويشيد به موشي ديان في عام 1968، أي بعد عام على الحرب التي قادها بوصفه وزيرًا للأمن، هي في الجوهر تصريحات جابوتنسكي المعروفة باسم الجدار الحديدي نفسها. لم يكن تحليل جابوتنسكي إذن هو الوحيد في هذا الاتجاه.
في تلك المقالة المعنونة بـ"عن الجدار الحديدي (نحن والعرب)" (1923)، كتب جابوتنسكي مؤسس التيار التصحيحي في الصهيونية يقول إن موقفه من العرب، مثل موقفه تجاه بقية الشعوب: فتور مؤدب[114]. أما سياسيًّا فلديه موقفان: الأول أنه لا يمكن طرد العرب من فلسطين وسوف يقيم الشعبان سويةً؛ والثاني، تحقيق المساواة في الحقوق لليهود والعرب بموجب مضامين
خطة هلسنكي {{خطة هلسنكي: خطة وضعتها لجنة تشكّلت من أعضاء يهود ينتمون إلى المنظمة الصهيونية، ومنهم جابوتنسكي، اجتمعت في مدينة هلسنكي الفنلندية، وسعت إلى صياغة برنامج سياسي يضمن الحقوق المدنية والجماعية لليهود ضمن البلدان المقيمين فيها وخاصة في بلدان شرق أوروبا عمومًا وروسيا خصوصًا.}}. من الأهمية بمكان أن ممثل التيار القومي الذي عُد ليبراليًّا في الصهيونية قال إنه "لا يمكن طرد العرب"، ولم يقل "لا يجوز طرد العرب". وقد شارك مقاتلو هذا التيار في عملية طردهم عام 1948 من خلال منظمتَي
إيتسل (الحروف الأولى من: المنظمة القومية العسكرية بالعبرية) وليحي (مقاتلو حرية إسرائيل). أما عن عدم تحقيق المساواة للعرب في الدولة اليهودية فالشرح يطول. وتبديدًا لأوهام التيارات الصهيونية التي اعتقدت بإمكانية إقناع العرب بتقبل المشروع الصهيوني، أكّد استحالة أن يكون الاستيطان في أي منطقة من العالم بموافقة السكان الأصليين، فالأصيل المحلي يحارب الدخيل سواء أكان الأخير خيّرًا أم شريرًا. وبصرف النظر عن توفر أراضٍ خالية، فإن المنافع الاقتصادية والثقافية لن تُقنِع العرب بقبول الاستيطان، ومن يؤمن بذلك يزدري العرب ويعتقد أنهم مستعدون للتنازل عن وطنهم من أجل المال. "إنَّ استيطاننا - إمَّا أن يتوقف، وإمَّا أن يتواصل ضد رغبة السكان الأصليّين، وبمقدوره أن يتواصل ويتطوّر بحماية قوة مدافعة مستقلّة عن السكان المحليّين - جدار حديدي لن يكون بمقدور السكان المحليّين اختراقه"[115].
وحذر جابوتنسكي من وهم حركات التحرر من خلال التعاطف مع القومية العربية في وجه الاستعمار بحجة أنها مثل القومية الإيطالية تسعى إلى الوحدة والاستقلال، وهو ما يعني طرد بريطانيا وفرنسا، فالإسهام في طرد بريطانيا وفرنسا من المشرق مع أنهما كانا عونًا كبيرًا للصهيونية، هو انتحار وخيانة، لقد كان واعيًا تمامًا للتحالف بين الصهيونية والاستعمار في المشرق، بل مجاهرًا به أيضًا[116].
وفي رأيه الذي عبّر عنه في مقالة أخرى بعنوان "النظرية الأخلاقية للجدار الحديدي" (1923)[117]، تقوم العلاقة بين المجتمعات على المعاملة بالمثل، ولا يجوز التسامح مع من يريدون القضاء على اليهود، بل يجب القضاء عليهم قبل أن ينفذوا مآربهم[118]. ولا يمكن التنازل عن هدف فرْض الأغلبية اليهودية في فلسطين، ولا يجوز السماح بإنشاء برلمان ذي أغلبية عربية. وهو في هذه المقالة يعارض أي نظام فدرالي عربي، أو اتحاد عربي قد يشمل فلسطين. بهذا المعنى، فهو يصرح بالتناقض بين الصهيونية وأي تفكير بالوحدة العربية، وأيضًا بالتناقض بين الصهيونية والديمقراطية إذا كانت ثمة أغلبية عربية في فلسطين، ومن هنا تأتي ضرورة فرض أغلبية يهودية. ومن الواضح أن هذا لن يتحقق إلا باستخدام القوة في تهجير الأغلبية العربية. وكتب أيضًا أن مصادرة الأرض مِمّن يملك كثيرًا من الأراضي بغرض توطين شعب دائم الترحال هو أمر عادل، وإذا رفض هذا الشعب التنازل عن الأرض فيجب إرغامه[119]، وهذا يقود إلى جذور فكر اليمين القومي الصهيوني.
اليمين الصهيوني
يجوز التقدير أن نشوء تيار يميني منظم في إطار المنظمة الصهيونية ارتبط بمسألتين: طرح التطلعات الصهيونية دفعة واحدة؛ ومعارضة الدبلوماسية الصهيونية التي سايرت الضغوط التي تعرضت لها السياسة الإنكليزية، واضطرار الأخيرة بوصفها دولة عظمى إلى أخذ متغيرات عديدة في الحسبان، على الرغم من إصرارها على تنفيذ وعد بلفور. كان هذا التيار قوميًّا وعلمانيًّا مثل البقية، ولكنه كان عمومًا مناهضًا للاشتراكية والشيوعية، منقسمًا بين تيارات أكثر وأقل تأثرًا بالليبرالية الإنكليزية الكلاسيكية وأخرى متأثرة بالنزعات القومية الفاشية الصاعدة في أوروبا منذ عشرينيات القرن العشرين. وقد بدأ بوصفه استمرارًا لتيار الصهيونية السياسية، كذلك عوّل على دور الدول العظمى، ولا سيما بريطانيا بعد وعد بلفور في إنشاء الدولة اليهودية. وحين أُحبِطت آماله من بريطانيا، سارع إلى تبني العمل المسلح الإرهابي الطابع، وعارض التسويات التي تتضمن تقسيم ما يسميه "أرض إسرائيل" (فلسطين)، وتشمل في خريطته شرق الأردن أيضًا.
طرح جابوتنسكي برنامج إقامة الدولة اليهودية على ضفتي نهر الأردن منذ بداية الثلاثينيات، وحاول إقناع بريطانيا به. وبعد أن رفضت اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية برنامجه، انشق عام 1935 وأقام المنظمة الصهيونية الجديدة عام 1936. وقد اتخذ الصراع مع القيادات الصهيونية وقيادات اليشوڤ شكل الاستعداد لحمل السلاح في وجه الإنكليز، وتنفيذ عمليات إرهابية تستهدف العرب خلال الفترة حتى حرب عام 1948 وخلالها، وارتبطت بعمليات مثل تفجير فندق الملك داوود (22 تموز/ يوليو 1946)، ومجزرة دير ياسين (9 نيسان/ أبريل 1948)، وغيرها.
يرى المؤرخ الإسرائيلي يوسف غورني أن جابوتنسكي تأثر بالمؤرخ الفرنسي
إرنست رينان (Ernest Renan، 1823-1892) وفهمه للقومية بوصفها ظاهرة إرادويّة، وكذلك بالمفكر الاشتراكي النمساوي كارل رينر (Karl Renner، 1870-1950) الذي اعتبر أن الأمة مرتبطة بموروث روحي وثقافي مشترك، واعتبر الأرض عنصرًا مهمًا لكن ليس جوهريًّا في بلورة القومية[120]. والمغزى هو ليس التقليل من أهمية "أرض إسرائيل"، بل التأكيد على أن اليهود في الشتات يشكلون قومية إذا توفرت الإرادة السياسية لقومنة الموروث الثقافي المشترك. وهو تصور إثني للقومية تشاركت فيه التيارات الصهيونية عمومًا، ولم يميّز تبني جابوتنسكي له عن البقية. ما ميزه هو الإرادوية المتطرفة في مقابل الواقعية السياسية للقيادة الصهيونية والخطاب المباشر في مقابل الدبلوماسية.
وقد أكد جابوتنسكي الذي أسس
حركة بيتار للشبيبة اليهودية عام 1923 في مدينة ريغا في لاتڤيا على فكرة الواحدية (Monism): أي إن فكرة الدولة العبرية تعلو على الأفكار الأخرى جميعها، والعمل كلّه يصب في خدمة هذه الفكرة، وهذا يتطلب خلق الظروف لتشكيل أكثرية عبرية في أرض إسرائيل على ضفتي الأردن. وشابهت الحركة من حيث تبني الزي الرسمي والانضباط شبه العسكري نمطَ حركات الشبيبة لليمين القومي التي انتشرت في أوروبا في تلك الفترة.
مناحيم بيغن
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يُصنِّف برايان هوروڤتس جابوتنسكي ضمن القادة السياسيين الذين يؤمنون بالقفزات التاريخية الكبرى؛ أي الذين يرون أن التحرّك نحو هدف ما لا يكون تدريجيًّا وإنما من خلال قطع صيرورة التطور السياسي والاجتماعي العادية. لم يؤمن جابوتنسكي بإنشاء إنسان يهودي جديد فحسب، وإنما بإمكانية إنشاء عرق يهودي جديد من خلال تغيير النفسية اليهودية[121]. وكان مستعدًا للتفاوض مع مسؤولين بولنديين بشأن هجرة يهودية واسعة، وهو ما عنى عمليًّا تهجير يهود بولندا، فقد اعتقد أنه يمكن أن يصل عدد اليهود في فلسطين إلى 10 ملايين خلال عشرة أعوام[122]. عارض جابوتنسكي، كما هو معروف، تقرير لجنة ﭘيل من العام 1937، ولكنه عارض أيضًا التمرّد على الإنكليز الذي اقترحه الشاب مناحيم بيغن (وريثه القادم في قيادة التيار التصحيحي) في مؤتمر بيتار العالمي في وارسو عام 1938؛ إذ كان جابوتنسكي مؤمنًا بإمكانية التعاون مع بريطانيا وتلقي دعمها[123].
أصرّ جابوتنسكي على تأكيد الهوية الأوروبية للحركة الصهيونية، وإن كان معجبًا بالشق السفاردي ليهود أوروبا (ومنه غالبية يهود إنكلترا وفرنسا) في مقابل يهود أوروبا الشرقية (الإشكناز) الذين انتمى إليهم وعدّهم نصف أوروبيين. لقد امتدح اليهود السفارديين (أي ذوي الأصول الأندلسية - الإسبانية، الذين هاجر أجدادهم من شبه الجزيرة الإيبيرية) لأنهم أوروبيون كاملون وفقًا لوصفه، لا لأنهم شرقيون. فقد رفض جابوتنسكي في مقالته "الشرق"[124] (1926) رومانسيات اليهود الذين يعدون الشعب اليهودي شعبًا شرقيًّا أصيلًا، وروحه تظل شرقية، وأنه يعود إلى وطنه في المشرق. وشكر الله إذ ليس لليهود أي قواسم مشتركة مع الشرق، ويجب تخليص جماهير اليهود من أي موروثات روحانية متخلفة من الشرق، "فنحن ذاهبون إلى أرض إسرائيل، أولًا من أجل مصلحتنا القومية؛ وثانيًا، كما قال نوردو، من أجل توسيع "حدود أوروبا الأخلاقية حتى نهر الفرات"[125]. و"حين نعيش بين الشرقيين نتصرف كما يتصرف الناس المتحضّرون حين يمرون بشارع مُغبر ويثني الشخص أطراف معطفه حتى لا يتسخ بالغبار"[126]. ليس الشرق والغرب عنده مصطلحين جغرافيين، بل ثقافيان. وبهذا المفهوم كانت بغداد هارون الرشيد غربية ثقافيًّا مقارنة ببيزنطة، ويقول إنه إذا كانت هناك مميزات جوهرية للشرق فهي الاستكانة للقدَر والطغيان وغياب الاحتجاج الأخلاقي. الشرق يسوده الاستبداد، حتى حيث توجد برلمانات، ووضعُ المرأة هو "العصا الأهم في دواليب الشرق وأكثرها مأساوية". فتأثيرات دونية المرأة في الثقافة الشرقية شاملة، ولا توجد خصائص عضوية شرقية أو غربية في رأيه، إنما يَعدّ الشرق في مرتبة حضارية مُتدنية، مع أنه قابل للتغيير والتطور. ولئن كان للثقافة الشرقية صفات عضوية متأصلة، كذلك يفترض البعض، فاليهود من منظوره ينتمون إلى الغرب، وليست لديهم قواسم مشتركة مع الشرق. هناك 14 مليون يهودي من أصل 15 مليونًا يعيشون في الغرب وقد قطعوا خلال ألفي عام أي صلة بالشرق، هذه خلاصة موقفه من مسألة الانتماء إلى أوروبا. ومع ذلك، فإن هذا التيار الذي أسسه جابوتنسكي هو الذي حاز (متمثلًا بحزب الليكود) ثقةَ غالبية اليهود من أصل عربي واليهود الشرقيين عمومًا في إسرائيل.
منذ عام 1924، دعا أحد رموز التيار اليميني، وهو
يوسف كلاوزنر {{يوسف كلاوزنر: (Joseph Klausner، 1874-1958) مؤرخ وباحث، كان عضوًا ناشطًا في حلقة أوديسا الصهيونية إلى جانب جابوتنسكي وأوسيشكين، وهاجر إلى فلسطين عام 1919. وفي عام 1949 ترشح لرئاسة إسرائيل وخسر أمام حاييم وايزمان، وأصبح أستاذًا في الجامعة العبرية.}} في مقالة بعنوان "بماذا تطالب المعارضة"[127] (1924) إلى التصدي لأي انتهاك لأي مادة من صك الانتداب، ورفض تصرف الحركة الصهيونية الدبلوماسي المساوم في العلاقة مع بريطانيا بالمجمل، فلا يجوز أن تسلك القيادة الصهيونية مسلك السياسة الإنكليزية، فليست الصهيونية دولة، وعليها ألا تساوم أو تقدم تنازلات أو تتملق العرب، وعليها ألا تخشى إغضاب الإنكليز. ويرفض أن تُحدِّد الأموالُ - ويقصد أموال المتبرعين اليهود غير الصهيونيين - سُبلَ الصهيونية.
ومبالغةً في تعظيم شأن العمل العسكري، نَسَبَ نصٌّ شبهُ رسمي لليمين الصهيوني بعنوان "الصهيونية السياسية - أسس التصحيحية"[128] الفضل باستصدار وعد بلفور للكتيبة العبرية التي نشأت وخاضت الحرب ضد العثمانيين وتألفت بجهود زئيڤ جابوتنسكي ويوسف ترومبلدور وجيمس روتشيلد والكولونيل باترسون. وفي الحقيقة، لم يكن ثمة نشاط عسكري صهيوني يُذكَر في الحرب العالمية الأولى، ولكن الكاتب قصد أن يهمش دور القيادة الصهيونية ولا سيما وايزمان وناحوم سوكولوف في استصدار الوعد.
لم يتفهم اليمين تكتيكات القيادة الصهيونية وامتناعها عن إحراج الإنكليز في إدارة الصراع مع العرب، ففي النقاش مع القيادة الصهيونية يذكر الكراس تصريح وايزمان أنه يجب أن تكون "أرض إسرائيل يهودية، كما أن إنكلترا إنكليزية". ولكن حصل تغيير في السياسة الصهيونية منذ وعد بلفور، وبدأ التنكّر للهدف؛ فوايزمان نفسه أعلن في المؤتمر الصهيوني السابع عشر عام 1931 أن لا حاجة لأغلبية عبرية في أرض إسرائيل. وقال في عام 1936 إنه لا يؤمن بدولة عبرية، وذلك لتجنب الصدام مع ما اعتُبر الآمال المشروعة للعرب. ونَشَرت قيادات منظمة الصهيونية في ألمانيا عام 1929 أن اليهود لا يسعون إلى تحويل أرض إسرائيل إلى دولة يكون شعبها من اليهود مع أقلية عربية، أي إن القيادة الصهيونية أساءت بنفسها تفسير وعد بلفور وشوهته. وفي بند بعنوان "اعتماد سياسة مشوّهة نحو العرب"، يُشير هذا الكراس إلى أن المنظمة الصهيونية انطلقت من وجهة نظر إنسانية كونية سادت في القرن التاسع عشر ولم تعُد مناسِبة في العصر الحالي، واعتقدت أن العرب سيقتنعون بصواب الصهيونية بسبب الفوائد التي ستجلبها، وتجاهلت أن الأمم لا تتنازل عن مكانتها السياسية وكبريائها القومي مقابل قيم مادية، وهو ما يمنح القيادة الصهيونية بعض العذر بأنها ربما لم تخُن هدفها، بل تكتمت على هدفها النهائي، معتقدةً أن في هذه الحالة سيوافق العرب على مشروع الصهيونية.
وتحت عنوان "نشوء الحركة التصحيحية"، جاء في النص أن المؤتمر الأول لتحالف الصهيونيين التصحيحيّين (تساهر) صاغ الغاية الصهيونية كما يلي: "تهدف الصهيونية إلى تحوّل تدريجي لأرض إسرائيل (ومن ضمنها شرق الأردن) إلى دولة عبرية، أي إلى إقليم مستقل تقيم فيه أكثرية عبرية".
ثمة قناعة تجمع اليمين الصهيوني بأن الصهيونية تعني أن تصبح القومية قيمة مركزية تخضع لها القيم الأخرى جميعها، وفقًا لمبدأ الواحدية، والمهمة هي بناء الأمة. كتب كلاوزنر أن "الصهيونية ابنة التنوير اليهودي وعدوّته في الوقت ذاته"[129]. وبتقديره، قَدِمَ إلى فلسطين حتى تلك المرحلة مهاجرون يهود من اثنين وعشرين بلدًا، يتحدثون سبع عشرة لغة ومتأثرون بثقافات مختلفة، ثم يقول: "هذه ليست أمّة، بل هي جملة شظايا لأمّة يجمعها بعض الدين، وبعض الأصل المشترك، وبعض الذكريات التاريخية المشتركة"[130]. عندما ينكر وجود أمة يهودية فإنما يقصد أن مهمة الصهيونية بناء أمة.
ويجب أن تكون القومية هي القيمة العليا لغرض الاضطلاع بالمهمة، ولا يمكن من دونها فعل ذلك في ظل الصعوبات، فـ"الصهيوني هو شخص اتخذ قرارًا صارمًا مفاده الإقامة بين أنصاف متوحّشين، وتغيير جميع أساليب الحياة في البلد الآسيوي، وزراعة الأراضي المهملة والمقفرة، ونشر الثقافة، وإحياء لغة شبه ميتة [...] هذا عمل طليعي [...] يمكن أن يتماثل تقريبًا مع العمل الطليعي للأوروبيين في أميركا الشمالية وأستراليا وأميركا الجنوبية"[131]. العنصر الإرادوي هو الأساس في بناء أمة كهذه من خلال تغليب قيمة على بقية القيم. ووفقًا لكلاوزنر، لن يتمكن اليهود من تحصيل أرض فلسطين بوعد بلفور والمال وحدهما، بل يتطلب الأمر خوض حرب طويلة الأمد ومستمرة. "وإذا تمثّلت الجهة الأقوى بشعب نصف متوحّش، مثل الشعب العربي الذي يُعدّ تسعون في المئة منه كذلك في الوقت الراهن، يتجسّد حينئذٍ هذا التسلّط بصورة وقحة في الكبرياء والمفاخرة، ويفضي إلى طرح مطالبات مبالغ بها وغير مبرّرة"[132]. ويمكن لأمة قوية مثل الإنكليز، لديها احتلالات عديدة ولا تريد أن تبذل كثيرًا من الجهد على احتلال فلسطين، أن تقدّم تنازلات، أما الطليعيون في بلد نصف متوحش فلا يمكنهم ذلك؛ لأن التنازلات تُمثّل خطرًا عليهم.
التأثر بالثقافات المختلفة جائز وطبيعي وفقًا لكلاوزنر، ولكن ليس إلى حد طمس الذات، لأنه يتحول إلى تقليد مُصطنع يتمثّل في الذوبان الذي حاربته الصهيونية، فهو عدوها الأكبر، وهو لا يقتصر على إلحاق الأذى بـ"الأمة الإسرائيلية"، بل هو غير أخلاقي في جوهره. وهو يتقلد قناع الإنسانية الكونية، لكنه في الحقيقة غالبًا ما يكون ثقافة قومية لشعب آخر ما، ألماني أو إنكليزي أو غيره. وهو لا يستغرب أن اليهود الذين يدْعُون إلى مثل هذه الثقافة والأخلاق الكونية هم من اليهود النمساويين والألمان الذين تأثّروا بأجواء محاسبة الذات ونقد القومية التي سادت في ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، ويتبنون سياسية إنكليزية ونزعة تولستوية شبه بلشفية، معلقًا بذلك على مارتن بوبر وهانس كوهين وهوجو بيرغمان الذين دعوا إلى صهيونية إنسانية تتعايش مع العرب. ويقول إن هذه ليست أخلاقًا يهودية، بل هي نوع من المسيحية المختلطة مع بوذية شوبنهاور. ووفقًا لتحليله، فالتقويّة اليهودية (الحسيدية) متأثرة بالكاثوليكية وتجعل وسيطًا بين الله والإنسان، لذلك ليس صدفة أن بوبر ورفاقه من "عصبة السلام" يُجِلّون القبَلاه والتَقَوِيّة اليهودية. "إن اليهودية [...] ليست مجرد دين ولا قومية، بل هي نظرة قومية إلى العالم انطلاقًا من قاعدة دينية. نشأت هذه اليهودية من قلب الحياة السياسية والاقتصادية والروحية للأمة، ولهذا فهي نظرية حياة متكاملة وليست منهجًا دينيًّا نظريًّا مجردًا فقط"[133]. إن الصهيونية عنده هي "يهودية سياسية بالأساس". وهذا تلخيص مهم لجمع اليمين بين الدين والقومية في الصهيونية، وكأن القومية نوع من الدين السياسي.
كانت إحدى أهم محطات الصراع بين اليمين والقيادة العمالية لليشوڤ الخلاف على "سياسة ضبط النفس" التي تبنتها القيادة الصهيونية في المستوطنات في فلسطين في مقابل الثورة الفلسطينية عام 1936، فقد انتقد جابوتنسكي هذه السياسة عادًا إياها تظاهرة ضعف. فحتى إنكلترا لن تقتنع، في نظره، بالفائدة من وجود اليهود في فلسطين لحماية طريقها إلى الهند إن لم يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم. وهو هنا يفصح عن رغبة في أن تكون بريطانيا مقتنعة بفائدة المشروع الصهيوني في خططها الاستعمارية، وقد انتقد بشدة الاكتفاء بالاحتماء بالإنكليز خلال ثورة 1936، ولكنه كان مستعدًا أن يقبل بسياسة ضبط النفس التي تتبعها القيادة الصهيونية إذا وافقت بريطانيا في المقابل على إنشاء فيلق يهودي مُسلّح في إطار الجيش البريطاني. وفي هذا السياق، كتب
بنيامين لوبوتسكي (إلياب) {{بنيامين لوبوتسكي (إلياب): (Binyamin/Benno Lubotsky، 1909-1974) ناشط صهيوني في التيار التصحيحي، هاجر إلى فلسطين على فترات متباعدة بين عامي 1925 و1935. وكان من قادة بيتار في فلسطين وعضوًا في الإتسل. إضافة إلى نشاطه السياسي والإرهابي، عمل كذلك في مجال الكتابة وتحرير كتابات جابوتنسكي. احتل مناصب دبلوماسية في الخمسينيات والستينيات ونشط في مجال العمل على تهجير يهود الاتحاد السوڤياتي.}} تحت عنوان "مملكة كهنة وأُمَّة مقدَّسة – محاولة لتلخيص نفساني الاضطرابات (1936)" أن ضبط النفس الذي مارسه المستوطنون خلال ثورة 1936 نسف الفكرة الصهيونية في عيون يهود الشتات، إذ تبيّن أن "أرض إسرائيل" هي أيضًا شتات، فقد تعرضوا لاعتداءات وأظهروا ضعفًا خلال ذلك[134].
وكتب
داڤيد رزئيل {{داڤيد رزئيل: (David Raziel، 1910-1941)، أحد مؤسسي عصابة الإتسل وقائدها الأعلى الرابع، وانتمى حزبيًّا إلى التيار التصحيحي. قُتِل في العراق خلال محاولته تنفيذ مهمة تخريبية هناك مبعوثًا من المخابرات البريطانية في فترة انقلاب رشيد عالي الكيلاني.}} تحت عنوان "لنفضح خزي ضبط النفس" (1936) مبيّنًا فوائد "الدفاع النشط" الذي أصبح لاحقًا يُسمى "الضربة الاستباقية" في الاستراتيجية العسكرية الصهيونية، فقد ميز بين الدفاع السلبي والدفاع النشط. اليهود يمكنهم أن ينفذوا هجومًا هدفه دفاعي وعدم انتظار الهجوم عليهم. فوفقًا له، لا فرق بين المهاجم والمدافع في فلسفة الحرب، "لأن المدافع يجب أن يهاجِم حتى ينجو من الاستعباد. والفرق بين الاثنين قائم على صعيد الإرادة السابقة للحرب، أهي إرادة استعباد الآخرين أم إرادة التمتّع بحياة تملؤها الحرية والكرامة [...]"[135].
وكتب
آبا أحيمئير {{آبا أحيمئير: (Abba Ahimeir، 1897-1961)، هو آبا شاؤول غاسينوڤيتش (Abba Shaul Gaisinovich)، من قيادات الحركة الصهيونية التصحيحية وحركة "شبيبة بيتار" و"منظمة الصهيونيّين التصحيحيّين في أرض إسرائيل"، ومؤسس
عصبة البلاطجة أو تحالف أصحاب البأس في عام 1930. في البداية، عندما هاجر إلى فلسطين عام 1924 أنه انضم إلى حزب "هﭙوعيل هتسعير"، لكن سرعان ما اختلف مع اليسار الصهيوني وانضم عام 1928 إلى الحركة التصحيحية.}} نصًا مهمًا في نقد سياسة ضبط النفس يستقي مصادره من الفاشية الأوروبية، وعنوان مقالته "صهيونية القصر في مقابل صهيونية ضبط النفس" (1936) يدل على مصادره، فتسمية "القصر" (Alcázar) العربية تطلق على ذلك الحصن في مدينة توليدو/ طليطلة الذي استمات المقاتلون الفاشيون الإسبان في الدفاع عنه في وجه الثوار خلال الحرب الأهلية الإسبانية على الرغم من أن المعركة كان ميؤوسًا منها. فكرة ضبط النفس برأيه هي فكرة شتاتية أقلياتية، وقد غُرست في عقل الشعب اليهودي حتى أصبحت مثل الفرائض الدينية. ووفقًا لأحيمئير ورث الصهيونيون مصطلح ضبط النفس من الشتات. وأكّدت عليها أيديولوجيا المؤتمر الصهيوني السابع عشر الذي رفض مقترح الهدف النهائي لجابوتنسكي، بتحقيق غالبية يهودية في فلسطين، ما أدى إلى انسحابه ورفاقه. ولاحقًا تبنى اليمين الإسرائيلي خطاب سياسة القوة هذا. ورأى أحيمئير أن الحرب العالمية الأولى أحدثت تغيّرًا كبيرًا في الثقافة الإنسانية من ناحية الانزعاج من عدد الضحايا، فأصبحت المذابح ومشهد مئات آلاف القتلى أمرًا عاديًّا. هكذا أُبيد الشعب الأرمني مرة واحدة، وهُجّر مليون ونصف مليون نسمة من اليونانيين من آسيا الصغرى إلى مقدونيا. لذلك لا يجوز الاعتماد على دور الضحية، ولا على تحقيق الصهيونية اعتمادًا على العدالة الدولية[136].
بعد نشوء التيار الإصلاحي في الصهيونية، تأسست في مطلع ثلاثينيات القرن العشرين "بريت هبريونيم" (عصبة البلاطجة أو أُولي البأس) بوصفها ردّ فعل مباشرًا على "ثورة البراق" (1929)، ولمهاجمة البريطانيين بصفتهم قوة احتلال. وتبنت الحركات المسلحة رموزًا وتسميات من أساطير التاريخ اليهودي القديم، ولا سيما من أعوام التمرد على الرومان بين عامي 66م و73م. وأعلت من شأن عصابات اغتيال يهودية قديمة مثل حركة "سكريكيم" من اللفظ اللاتيني sica الذي يعني حرفيًّا "خنجر". وقد حاولت الحركة الصهيونية في بحثها عن رموز من التاريخ اليهودي إضفاء الشرعية بأثر رجعي على هذه الحركة بوصفها حركة مقاومة، مع أنها كانت حركة دينية متطرفة تقتل كل من يخالفها الرأي.
نشر أحيمئير أبرز مؤسسي عصبة البلاطجة في عام 1928 سلسلة من ثماني مقالات تحمل عنوان "من دفتر فاشي". فقد كان معجبًا بالفاشية وبموسوليني لأنه رأى الفاشية نقيض نظام الشيوعية، لكن جابوتنسكي أقنعه بالتخلي عن التحالف مع النظام الفاشي لأن النظام الفاشي كان متحالفًا مع النازية بعد عام 1939. ودعا في إحدى مقالاته بعنوان "الجسر الحديدي" (10 أيلول/ سبتمبر 1929) إلى تخصيص الحصة الأكبر من ميزانية الاستيطان الصهيوني للدفاع[137]. وفي مقالة أخرى بعنوان "نحن نحمل مرضهم" (11 أيار/ مايو 1930) موضَعَ أحيمئير الحركة الصهيونية في كل صراع بين الشرق والغرب إلى جانب الغرب المتفوق على الشرق منذ أن دمّر المغول الخلافة في بغداد. وبريطانيا هي طليعة الغرب في الشرق، لكنها تخوض في الآونة الأخيرة حروبًا دفاعية. وعدَّ مطالب الهند بالاستقلال "وقاحة"، وكذلك مطالبة مصر بالسودان. ويقول إن هذه الدول دخلت الحضارة بسبب بريطانيا، واليهود في فلسطين مهتمون بالتقدم الغربي في الشرق، بل هم الأكثر اهتمامًا به[138].
وعلى منوال القيمة العليا عند كلاوزنر والقيمة الواحدة المسيطرة في كراس "أسس الحركة التصحيحية"، ألحّ أحيمئير في "رسالة إلى الشبيبة الصهيونية" (21 تشرين الأول/ أكتوبر 1930) على أن تكون الصهيونية المثال الأعلى الوحيد للشباب. وهي، عنده، لا تحتمل مثالًا أعلى آخر إلى جانبها. "تُعدّ الصهيونية هدفًا قائمًا بذاته. وجميع الوسائل لتحقيقها مشروعة بنظرنا [...] لا نكترث للمثل العليا الأخرى إلا بالقدر الذي تساعدنا فيه على معرفة مَكمَن ضعف العدو أو نقاط قوّته. نحن مأمورون برفض كل مثال أعلى عام مخالف للصهيونية ومحاربته"[139].
وانتقد أحيمئير تجنب الصهيونية مهاجمة الدول التي يعيش فيها يهود[140]، فالمرة الوحيدة التي تجرأت فيها على ذلك كانت في معرض المؤتمر الصهيوني الثامن عشر (1933)، في جلسة خُصِّصت لألمانيا النازية. كانت هذه المرة الأولى في رأيه التي تهجمت فيها الصهيونية على نظام حكم "للأغيار"، فهي لم تهاجم حكومة القيصر عقب مذبحة كيشنيڤ عام 1903، ولا حكومة البلاشفة بسبب قمعها لليهودية، ولا قوى عظمى أخرى. وحتى هذا النقد يجب فهمه من خلال محاولة الصهيونية القديمة التعامل مع النظام النازي، للاستفادة من عدائه لليهود في تنظيم "ترانسفير" إلى فلسطين. وما قصده هو "اتفاق الترانسفير" الذي أبرمته الوكالة اليهودية مع السلطات النازية في 25 آب/ أغسطس 1933. ووفقًا لأحيمئير، لم تهتم القيادة الصهيونية الأولى بالعسكرة وتنمية الروح العسكرية للشبيبة، وبعد أن أسس هرتسل ونوردو وقبلهما پنسكر وأحاد هعام الفكرة القومية السياسية، التي كانت ثورية في حينه، أسس ترومبلدور وجابوتنسكي الفكرة العسكرية. قبل ذلك، كانت العسكرة مرفوضة. ولاحقًا، اختلفت الأمور وأصبحت منظمات الشباب جميعها تتبنى التربية العسكرية. وينسِب أحيمئير لشقيقين من مستوطنة "زخرون يعقوب"، أهرون وسارة أهرونسون، إحداثَ ثورة جديدة، فقد أظهرا أن الوسائل جميعها مشروعة لبلوغ الدولة اليهودية. وعند التحقق مما كتبه يتبين أن سارة أهرونسون وشقيقها أهارون انضما إلى شبكة تجسس بريطانية ضد العثمانيين، وقد أطلقت عليها تسمية شبكة "نيلي"، واكتُشِفَت هذه الشبكة عام 1917. كان يقصد إذن أن الوسائل جميعها مشروعة بما في ذلك التجسس لصالح الدول حين تكون ثمة مصلحة للصهيونية في ذلك.
بعد قيام إسرائيل، انبثق عن الحركة التصحيحية حزب حيروت بقيادة مناحيم بيغن، ولاحقًا (منذ عام 1977) حزب الليكود الذي تبنى خطابًا شعبويًّا ضد النخب الصهيونية العمالية المهيمنة، ونجح في استقطاب اليهود الشرقيين المتضررين وفئات واسعة من الطبقات الوسطى المتوسعة باستمرار في المدن، ومن ثم الوصول إلى السلطة بعد قضاء ثلاثين عامًا في المعارضة. فقد فاز في الانتخابات البرلمانية في 15 أيار/ مايو 1977 وأخرج حزب العمل وحلفاءه من السلطة لأول مرة منذ عام 1948.
في هذه المرحلة، ومع ابتعاد ما يسمى اليسار الصهيوني والأحزاب العمالية عن اقتصاد القطاع العام، واتباعها اقتصاد السوق الحرة، ولا سيما بعد حرب 1967، لم يعد ثمة تيار يسار اجتماعي وازن، وأصبح الصراع بين اليسار واليمين يدور حول قضايا الصراع وتسوية القضية الفلسطينية وعلى الاستعداد لتقديم تنازلات للأحزاب الدينية عند صنع الائتلافات. وقد تابع الليكود في الحكم لبرلة الاقتصاد والمجتمع إلى حد بعيد. كذلك عَزّز الاستيطان في المناطق المحتلة عام 1967، وفي ظل حكمه المتقطع أصبحت إسرائيل دولة رأسمالية متطورة مع مواصلة عسكرة الاقتصاد والمجتمع، وهيمنة الأيديولوجيا القومية، وتزايدت قوة الأحزاب الدينية بالتوازي مع توسع الطبقة الوسطى وانتشار أنماط حياة ليبرالية منفتحة في المدن الكبرى، وهو ما قاد إلى استقطاب ديني - علماني.
وقد أسهم توقيع
اتفاق السلام مع مصر (1979) في زيادة الاستثمارات مع تعمق الثقة بالاستقرار. في إطار هذا السلام التاريخي مع دولة عربية كبرى، كان بيغن مستعدًا للتنازل عن سيناء كاملة ثمنًا لإخراجها من الصراع، ولكنه رفض التنازل عن أي جزء من الضفة الغربية التي أصبحت تُسمى باللغة السياسية الإسرائيلية "يهودا والسامرة"، كذلك ضم الجولان المحتل لإسرائيل بسن قانون يفرض السيادة الإسرائيلية في 14 كانون الأول/ ديسمبر 1981.
وفي عام 1982، وفي ظل غياب مصر عن ساحة المواجهة، أعلن بيغن حربًا على لبنان بهدف إخراج منظمة التحرير الفلسطينية منه، وكان التورط في لبنان سببًا في استقالته واعتكافه، ولكن صراحة بيغن في شن حرب غير دفاعية كانت لافتة مقارنة بلغة اليسار الصهيوني الذي كان يصر على أن حروبه دفاعية، حتى وإن لم تكن كذلك. وفي خطاب له عن هذه الحرب، اعترف أن الحرب على لبنان لم تكن عملية عسكرية دفاعية، بل هجومية، مقدمًا شهادة صريحة عن فهم إسرائيل للحرب: "نعم، إنها ليست حربًا دفاعية، ولكن هل يُعتبر هذا عيبًا؟"، وأهمية هذا الخطاب أنه لا يعترف بوجود حروب غير هجومية. فقد قال فيه إن حرب 1967 أيضًا كانت حربًا اختيارية لا اضطرارية، داحضًا بأثر تراجعي مزاعم حكومة حزب العمل التي خاضتها على أنها نموذج للحروب الدفاعية الاضطرارية: "كان الخيار بأيدينا مرّة أخرى في حزيران 1967. بخصوص تمركز قوات الجيش المصري في مقدّمة سيناء، لا يوجد أيّ دليل على أنّ
جمال عبد الناصر كان ينوي مهاجمتنا بالفعل. يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا. نحن من قرّر مهاجمته [...] لم نفعل ذلك لأن الهجوم كان لا بدّ منه. فقد كان بإمكاننا الانتظار. كان من الممكن أن نعيد الجنود إلى بيوتهم. من يدري ما إذا كان الهجوم سيقع علينا أصلًا، ولا يوجد أيّ دليل على ذلك، بل هناك عدّة أدلّة تشير إلى العكس. صحيح أن إغلاق مضيق تيران كان عملًا عدوانيًّا (ذريعة للحرب - Casus belli)، ولكن هناك دائمًا مجال للتبرير، ويمكن استخدام "ذريعة للحرب" (Casus belli) من أجل خوض الحرب"[141].
منذ عام 1967، يمكن التقدير أن المجتمع الإسرائيلي عمومًا اتجه نحو اليمين، وتجسد ذلك حزبيًّا في تراجع متواصل لليسار الصهيوني، وزيادة قوة اليمين والأحزاب الدينية ونشوء تحالف بينها، وفي ظل هذا التحالف ومواصلة الاحتلال وبناء المستوطنات جرت عملية صهينة تدريجية لبعض التيارات الدينية غير الصهيونية من ناحية، وتعمق التفاعل العضوي بين الصهيونية والتدين المسياني (ذي النزعة الخلاصية) من ناحية أخرى. وهو ما أثّر بدوره في اليمين الصهيوني إذ انحسر نفوذ ذوي النزعة الليبرالية داخله، وسادت فيه أيديولوجيا مهجّنة تجمع بين القومية المتطرفة المسيانية والتأثر بالتيارات المحافظة في الولايات المتحدة من جهة، وبالشعبوية من جهة أخرى. ومثّل بنيامين نتنياهو وتياره داخل حزب الليكود هذا المزاج السياسي.
رفض نتنياهو اتفاقات أوسلو مع منظمة التحرير، وقاد المظاهرات ضد يتسحاق رابين، رئيس الحكومة الذي وقعها، وقادت الحملة ضده في النهاية إلى اغتياله. ولكنه اضطر إلى القبول بالاتفاقات على مضض بوصفها أمرًا واقعًا بعد أن أصبح رئيسًا للحكومة عام 1996، وعمل على عرقلة تنفيذها. وقد اضطر في بعض الحالات إلى تقديم تنازلات على المستوى اللفظي بسبب الضغوط الأميركية في مرحلتي رئاسة بيل كلينتون وباراك أوباما، لكنه ظل متمسكًا بعدم الانسحاب من الأراضي التي احتلت عام 1967، ورفض قيام دولة فلسطينية. وقد قبل بدولة فلسطينية مرة واحدة[142]، وذلك بتأثير وجود باراك أوباما في البيت الأبيض، ولكن بشروط تفرّغها من أي مضمون. وما لبث أن عاد وتنصل من قبول هذه الفكرة لاحقًا.
وانتقل في مراحل حكمه اللاحقة إلى التشديد على سياسات القوة، ورفض التفاوض مع السلطة الفلسطينية، وعلى أن السلام مع العرب ممكن من دون حل القضية الفلسطينية. وشجَّعَه على ذلك قبول بعض الدول العربية هذا المنطق والانخراط في اتفاقيات سلام مع حكومته اليمينية المتطرفة من دون حل القضية الفلسطينية. وهذا يُعدّ عودة لموقف اليمين الإسرائيلي منذ ما قبل اتفاقيات أوسلو. وهو الموقف الذي لا يعترف بوجود قضية فلسطينية أصلًا. وفي مقالة لنتنياهو بعنوان "المثلث الحديدي للسلام" (2022)[143] تيمنًا بمقالة "الجدار الحديدي" لجابوتنسكي، كتب ما يلي: "آمنت أنَّ طريق السلام لا يمر عبر رام الله، بل يتجاوزها"؛ السلام في نظره يجب أن يبدأ بالدول العربية، وهو ما سيعزل الرفض الفلسطيني ويقود الفلسطينيين في النهاية إلى الاعتراف بإسرائيل بوصفها دولة القومية اليهودية. وهذا الاعتراف بالقومية اليهودية هو شرط رئيس لإنهاء الصراع معهم. كتب هذا بعد توقيع الاتفاقيات المسماة بالإبراهيمية (2020) مع الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين ومملكة المغرب. وكتب نتنياهو أنه بعد خطابه في الكونغرس عام 2015 الذي اعترض فيه على سياسات أوباما تجاه المشروع النووي الإيراني، انطلقت سلسلة لقاءات سرية مع قادة عرب مهَّدت الطريق لاتفاقات أبراهام (أيلول/ سبتمبر 2020). كذلك فُتِحت الأجواء السعودية أمام الطيران الإسرائيلي في تموز/ يوليو 2022.
التيار الليبرالي الصهيوني واليهودية الإصلاحية
يصعب حصر المفكرين اليهود الليبراليين غير الصهيونيين، فالليبرالية الكلاسيكية عمومًا تقوم على الحقوق الفردية والحريات وتنزع إلى عدم التعاطي مع حقوق جماعية، أو جماعتية، داخل الدولة. ومنذ القرن التاسع عشر، كان الليبراليون اليهود غير صهيونيين، بل معادون للصهيونية إذا رأوا فيها خطرًا على اندماج اليهود في مجتمعاتهم. ومن النماذج البارزة على ذلك الليبراليون اليهود الإنكليز. ولا سيما أولئك الذين كانوا خلف تأسيس
الاتحاد الديني اليهودي (Jewish Religious Union) عام 1899، والذي نُسبت إليه الليبرالية اليهودية الإنكليزية، التي عدتها المنظمات الإنكليزية الصهيونية خصمها الرئيس. تُذكر هنا ثلاثة رموز لهذا التيار، وهم:
ليلي مونتاغو (Lily Montagu، 1873-1963)، وكلود مونتيفيوري (Claude Montefiore، 1858-1938)، والرابي
يسرائيل ماتوك (Israel Matok، 1884-1954)، إذ رأى الثلاثة أن تأسيس أمة يهودية وانتصار الصهيونية ينذران بكارثة على الديانة اليهودية وعلى اليهود. لم يكن هؤلاء دعاة إلى ذوبان اليهود في مجتمعاتهم، بل أصرّوا على الاندماج مع الحفاظ الهوية اليهودية بوصفها هوية دينية، على نموذج الكاثوليك في بريطانيا، وذلك في مرحلة منح الحقوق لأتباع الديانات والمذاهب غير الأنغليكانية[144]. ودانت ليلي مونتاغو تعريف اليهودية بأنها قومية من جانب الصهاينة، لأنه يُشتَمّ منها أن اليهود لا ينتمون للوطن الذي يعيشون فيه. ووصف كلود مونتيفيوري، أحد مؤسسي الاتحاد، نفسَه بتعبير "إنكليزي ذو عقيدة يهودية (Englishman of the Jewish Persuasion)"، وتفاخر بوطنيته الإنكليزية[145].
ولم تكن الليبرالية اليهودية محصورة في بريطانيا، فقد كان رائدها الرابي أبراهام غايغر (Abraham Geiger، 1810-1874) من ألمانيا الذي رفض فكرة العودة إلى فلسطين لتأسيس دولة معتبرًا ألمانيا هي "صهيون الجديدة" بالنسبة إلى يهود ألمانيا. وكان برنامج پتسبيرغ (Pittsburg Platform) في الولايات المتحدة لليهودية الإصلاحية في المزاج السياسي نفسه، فقد عارض تأسيس دولة يهودية. وفي تلك المرحلة، رَفَضت الجماعات الإصلاحية في الولايات المتحدة أن يُرسَم أيُّ صهيوني رجلَ دين[146].
وحين وردت موجات من اليهود المهاجرين من أوروبا الشرقية، وصل إلى بريطانيا نحو 150 ألف مهاجر بين عامَي 1881 و1914. شعر اليهود الإنكليز المستقرّون عمليًّا -وغالبيتهم من أصول سفاردية- ببعض التهديد، ونظروا بشكّ إلى القادمين الجدد الذين سكنوا غالبًا في مناطق شرق لندن. في حين أن الاتحاد الديني اليهودي تأسس من فئات من الطبقات العليا المستقرة[147]. واعتبر ماتوك اليهود الغربيين أوروبيين، مُستثنيًا يهود أوروبا الشرقية، فيهود أوروبا الغربية منسجمون مع الفكرة الأوروبية التي تَفصِل الجنسية عن الدين من منظوره، وفي ذلك تبنٍّ لمبدأ العلمانية الذي راح ينتشر في تلك الفترة، واعتبر أن الدين عبادة وشأن خصوصي غير مُسيَّس[148].
بيد أنه مثلما ظهر اشتراكيون صهيونيون على الرغم من أن غالبية الاشتراكيين اليهود كانوا غير صهيونيين أو كانوا معادين للصهيونية، نشأ أيضًا تيار صهيوني ليبرالي، أي ليبرالي تحت سقف الصهيونية، وعاش مع هذا التناقض محاولًا التوفيق بين شقيه. يعيش الليبراليون في الدول جميعها مثل هذا التناقض: هل يُخضِعون حقوق المواطن وحرياته لمصالح الدولة العليا كما يُقال، أم يرفضون ما يُستخدَم منها في تبرير المس بالحقوق والحريات؟ ولكن الصهيونية تضيف مشقة أخرى، فقد طُبِّقت بأساليب الاستعمار الاستيطاني، والتوفيق بينها وبين الليبرالية مهمة عسيرة للغاية إذا أخذت الأخيرة حقوق السكان الأصليين وحرياتهم بالحسبان. ولكن الليبرالية الكلاسيكية حين عاش جون لوك وألّف، وعند تأسيس الولايات المتحدة، تجاهلت حقوق السكان الأصليين. وقد تعدلت الليبرالية منذ ذلك الحين، ولكن السوابق التاريخية ظلت قائمة.
في مراحل مبكرة من انتشار الصهيونية في الولايات المتحدة، كان ثمة تزاوج بين تيار ليبرالي صهيوني والإصلاح الديني الذي عكف على تحديث الدين اليهودي وملاءمته مع الحياة الحديثة في الولايات المتحدة، متجنبًا الحديث عن دولة يهودية، أو تشجيع الهجرة إلى فلسطين، فالجالية اليهودية الأميركية التي تضخمت باستمرار كانت دليلًا قاطعًا على تفضيل اليهود الهجرة إلى أميركا الشمالية، إضافة إلى أن اليهودية الإصلاحية كانت مهتمة بدحض فكرة الولاء المزدوج والتأكيد على الولاء للدولة. لكن هذه التوجهات تغيرت بعد المحرقة النازية وتأسيس إسرائيل، وبدرجة أكبر بعد حرب عام 1967 وتعمُّق التحالف بين إسرائيل والولايات المتحدة.
وفي نص المبادئ الموجّهة لليهودية الإصلاحية في الولايات المتحدة "برنامج كولومبوس" (1937)، ورد أن توجّه اليهودية الإصلاحية هو توجه تقبّل العلوم، وأن اليهودية منفتحة على الحقيقة كاملة، سواء أكانت في الكتب المقدسة أم في العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية. ويتابع النص: "ولكن شعب إسرائيل له إطلالة فريدة على عالم الحقيقة الدينية تتمثل في التوراة المكتوبة والشفوية والوعي بالقانون الأخلاقي. وجميع اليهود ملزمون بتقديم المساعدة من أجل بناء فلسطين بوصفها وطنًا يهوديًّا، ليس من خلال السعي لجعله ملجأً للمضطهدين فحسب، بل مركزًا للثقافة اليهودية والحياة الروحية"[149]. وتتضمن المبادئ الموجهة نصائح عديدة بشأن السلام والأخلاق والعدالة الاجتماعية. كانت هذه بداية تبني الفكرة الصهيونية، ولكن من دون ذكر للدولة اليهودية.
وفي عام 1976، اعتمد التيار الإصلاحي البرنامج المئوي في سان فرانسيسكو[150] الذي أكّد الإصلاح الديني وتحديث اليهودية والتفاعل مع الثقافة الحديثة والجماليات المعاصرة، وحق المرأة المطلق بممارسة الشعائر اليهودية وحرية الفرد. وجاء في البرنامج أيضًا: "لقد حطّمت المحرقة تفاؤلنا السطحي بشأن الإنسانية وتقدّمها التصاعدي الحتمي. وعزّزت دولة إسرائيل، من خلال إنجازاتها العديدة، إحساسنا باليهود بصفتهم شعبًا ورفعته إلى آفاق جديدة من الطموح والتفاني".
وفي البرنامج المئوي المسمى برنامج ميامي[151] من عام 1997، قدّم التيار الإصلاحي تعريفًا لليهود بوصفهم أتباع دين وشعبًا في الوقت ذاته، ويشمل التعريف تبني الصهيونية فعليًّا وتبريرها دينيًّا بمبدأ "شعب الله المختار" تحديدًا:
"اليهودية: دين وشعب: إنَّ عودة شعب إسرائيل إلى وطن أجداده، بعد ما يقرب من ألفي عام [...] تمثل انتصارًا تاريخيًّا للشعب اليهودي، وتوفّر ملجأ ماديًّا، وإمكانية تجدّده الديني والثقافي على تراب أرضه، وتحقيق وعد الرَّب لإبراهيم: "لنَسلِكَ أُعطي هذه الأرضَ" (التكوين، 15: 18). منذ تلك اللحظة البعيدة وصولًا إلى اليوم، لم ينضب الحب الشديد بين شعب إسرائيل وأرض إسرائيل. نؤمن أنَّ العهد الأبدي الذي قُطع في سيناء قد حدّد غرضًا دينيًّا فريدًا لـشعب إسرائيل. ومن ثم، فإنَّ دولة إسرائيل، الدولة اليهودية، لا تشبه جميع الدول الأخرى. واجبها هو السعي نحو تحقيق أعلى المثل الأخلاقية للشعب اليهودي ليكون مملكة كهنة (مملخت كوهانيم)، وشعبًا مقدّسًا (غوي كدوش)، ونورًا للأمم/ للأغيار (أور لغوييم). أما كيفية توفيق معظم أتباع هذا التيار الذين يعدون أنفسهم ليبراليين بين هذا النص القومي الديني الأصولي الذي يحول التوراة إلى وثيقة سياسية، والمبادئ الليبرالية، فتظل لغزًا.
لويس برندايس
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
برزت في التيار الليبرالي الصهيوني مبكرًا شخصية
لويس برندايس (Louis D. Brandeis، 1856-1941)، وهو أول يهودي يصبح قاضيًا في المحكمة الأميركية العليا. ويُعرَض هنا بعض أفكاره لأهمية محاولته في الجمع بين الصهيونية والليبرالية المعدَّلَة بأفكار جماعتية (Communitarian) لغرض التوافق مع الصهيونية: ففي محاضرة له بعنوان "المسألة اليهودية وكيفية حلّها"[152] (1915) قال إن المسألة اليهودية تتألف من بُعدين: فردي وجماعي. ولا بدّ من تحقيق المساواة في البعدين، أي مساواة اليهود أفرادًا، ومساواة الجماعة اليهودية مع غيرها من الجماعات على نحو تحظى معه بفرص التطوّر نفسها مثل الجماعات الأخرى. وثمة علاقة بين الأمرين، إذ يعتمد نمو الفرد وتطوّره إلى حد كبير على الجماعة وتطوّرها، وحل المسألة اليهودية ينطوي بالضرورة على استمرار وجود اليهود بصفتهم يهودًا.
وتشخيصه للانتماء القومي اليهودي مبنيّ على صفات مشتركة أو تجارب مشتركة، لكنه يظل في أساسه مبنيًّا على التعاطف، والتعاطف عنده غريزة. يقول: "حين يُظهر الدم اليهودي تفوقًا أخلاقيًّا أو فكريًّا، أو يعبّر عن عبقرية أو موهبة مميّزة، فإننا نشعر بالفخر بالعباقرة وأصحاب المواهب اليهود، حتى ولو تخلّوا عن إيمانهم الديني مثل سبينوزا، وماركس، ودزرئيلي، وهاينه. على الرغم من تأملات المثقّفين، أو مراسيم المجالس (الدينية أو السياسية)، فإن غرائزنا وأفعالنا، وغرائز غيرنا وأفعالهم، هي التي تحدّد لنا معنى التعبير 'يهودي'".
أما
اللاسامية فهي مرض عالمي ومتوطن، تتنوع مظاهره في البلدان المختلفة وفي فترات مختلفة في البلد نفسه بحسب درجات التنوير السائدة والنظم السياسية وغيرها من الأمور. ومع ذلك، فإن الاختلافات تتفاوت في الدرجة لا في النوع، لذا فـ"إن المسألة اليهودية واحدة وعالمية، لكنها ليست أبدية بالضرورة، بل يمكن حلّها". ولم تنجح الليبرالية في حل المسألة اليهودية لأنها تكتفي بمنح المساواة الفردية أمام القانون فحسب، لكنها ما تزال لا تعترف بالمساواة بين الشعوب أو الجنسيات. وهنا بداية التعديل على الفكر الليبرالي، وهو تعديل مقبول على العديد من المفكرين الليبراليين الذين يميلون إلى القبول بمعادلة توازن بين الحقوق المدنية والسياسية والحريات من جهة، والحقوق الجماعية من جهة أخرى. ولكن ما يتجاهله الصهيونيون الليبراليون هو البعد الاستعماري، أي إن الحديث هنا عن مشروع يقوم على أنقاض الحقوق الجماعية والفردية لشعب آخر. هنا المعضلة التي يتجنبون مواجهتها.
يُشبِّه برندايس القومية اليهودية بقومية اليونانيين والإيرلنديين المشتتين في أوروبا وأميركا. والصهيونيون "مدركون لوجود جملة من المشاعر والتجارب والخصال المشتركة التي تجعلنا نشعر بأننا شعب متميز، شئنا الاعتراف بذلك أم أبينا"، ويضيف قائلًا إنه على الرغم من الاختلاط الذي حصل عبر العصور، فإن نسبة الدماء الأجنبية في اليهود في هذا العصر منخفضة جدًا. وهو كلام لا يقوم على أي بحث أو ملاحظة علمية، فيكفي النظر إلى تنوع أشكال اليهود وألوانهم في مختلف أنحاء العالم لتسخيف أسطورة العرق. ولكنه يضيف أن "العرق المشترك هو مركّب واحد فقط من بين المركّبات الأخرى التي تحدّد القومية. ويُعَد إدراك وجود جملة من المشاعر والتجارب والخصال المشتركة مساويًا بالأهمية وربما أكثر أهمية من الاشتراك في العرق الواحد".
وفي تعريفه للصهيونية، يقول: "ليست حركة تسعى إلى ترحيل اليهود من جميع أنحاء العالم"، بل إنها تعطي الحرية لليهود لممارسة الحق الذي يمارسه كل شخص في العالم: "أن يختاروا العيش إما في أرض أجدادهم وإما في أي بلد آخر [...] وتسعى الحركة الصهيونية لتأسيس وطن في فلسطين تكفله القوانين لصالح اليهود الذين يختارون الانتقال إلى هناك [...] مكان يمارسون فيه معًا حياة يهودية، ومن المتوقّع في نهاية المطاف أن يشكّلوا غالبية السكان هناك، وقد يتطلّعون إلى ما يجب أن نسميه الحكم الذاتي (أو الاستقلال Home rule)"، ويصف فلسطين بأنها أرض قاحلة جدباء أحياها الاستيطان اليهودي. وهي أسطورة أخرى.
ولا تتعارض الصهيونية عنده مع شعور اليهودي الوطني في أي بلد، بل بالعكس، فاليهودي الذي يُسهم في دعم الاستيطان في فلسطين يصبح مواطنًا أميركيًّا أفضل بسبب التضحية التي يقدمها. ويذهب إلى تطرف أكبر حين يقول إن "الولاء لأميركا يتطلّب أن يصبح كل يهودي أميركي صهيونيًّا".
في إسرائيل، تأسس في عام 1961 حزب ليبرالي (الحزب الليبرالي في إسرائيل) من اتحاد حزبَي الصهيونيين العموميين والحزب التقدمي، واستند أساسًا إلى الطبقات الوسطى المثقفة والمهنية والتجارية من أصول أوروبية، ولكنه كان ليبراليًّا في مسألتين: رفض الاقتصاد الاشتراكي في إسرائيل، ورفض هيمنة حزب مپاي (العمل لاحقًا) على المؤسسات والحياة العامة، ورفض إملاءات الأحزاب الدينية في كل ما يتعلق بنمط الحياة في إسرائيل. ولكنه لم يختلف عن بقية الأحزاب في مسألة حقوق المواطنين العرب، ولا في قضايا الحرب والاستيطان. وانتهى الحزب إلى التحالف مع حزب حيروت مكملًا طريق الصهيونية التصحيحية في إسرائيل في تشكيل قائمة "غاحل" الانتخابية عام 1974، ثم الليكود عام 1977. وما لبث أن اندمج في الليكود. كان هذا حزبًا ليبراليًّا في الموضوع الاقتصادي - الاجتماعي لا غير، وقد انقرض عمليًّا، ولم يعد التيار قائمًا بصورة حزب صهيوني ليبرالي. ومنذ انقراض هذا الحزب، تعاقبت على الخريطة السياسية الإسرائيلية عدة أحزاب وسطية تخاطب قاعدته الاجتماعية، مثل الحركة الديمقراطية للتغيير (تأسست عام 1976، وأدى خوضها الانتخابات عام 1977 إلى خسارة حزب العمل لصالح الليكود)، وحزب التغيير (شينوي) الذي كان من مركبات الحركة الديمقراطية للتغيير وانشقّ عنها عام 1978، وحزب يوجد مستقبل (يش عتيد) الذي تأسس عام 2012، وورث حزب "شينوي". ويمكن تلخيص ديناميكية تطور هذه الأحزاب التي تنشأ وتندثر في تبني موقف معادٍ للأحزاب الدينية كلما توثق التحالف بينها وبين اليمين الصهيوني، وكلما ازدادت خشية الطبقات الوسطى العلمانية في المدن على نمط حياتها من قدرة الأحزاب الدينية على إملاء شروطها على الائتلافات الحكومية. وهي تتبنى عمومًا موقفًا داعمًا للسياسات الأميركية بخصوص التسويات في قضايا الصراع في فلسطين، ويتغير موقفها مع تغير الموقف الأميركي بشأن القضية الفلسطينية.
تحت سقف الصهيونية، يُمثِّل رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية السابق
أهرون باراك (Aharon Barak، 1936-) التيارَ الليبرالي الإسرائيلي، ولا سيما في قضايا حقوق المواطن. وليبراليته شكلانية قانونية لا تشمل المناطق المحتلة عام 1967، التي لا يُعترَف باستقلالها الوطني، ولا بسريان حقوق المواطن عليها، ولا القانون الدولي، فتظل الحقوق فيها خاضعة لتعسف الاحتلال تحت مظلة الاعتبارات الأمنية. وهو المدافع الأول عن نهج الفاعلية القضائية والتدخل في قرارات السلطتين التشريعية والتنفيذية الذي أثار ردود فعل معارضة بقوة من جانب اليمين الشعبوي في إسرائيل. ولكن ليبراليته لم تطاول الصهيونية وظلت فاعلة تحت سقفها، وهو الأمر الذي مكّن اليمين الإسرائيلي من مقاومتها من منطلق المبادئ التي تشاركه إياها، أي التسليم بمبدأ يهودية الدولة مبدأً أسمى. وقد أخذ على عاتقه مهمة تعريف يهودية الدولة، ومعنى عبارة "دولة يهودية وديمقراطية" التي تُستهَل بها قوانين الأساس التي سنّها الكنيست.
لخّص القاضي بلغته ما ينبغي أن يكون عليه الإجماع في تفسير معنى يهودية الدولة كما يلي:
"1. دولة يهودية هي دولة الشعب اليهودي؛
- هي دولة يحق لكل يهودي أن يهاجر إليها، وجمع الشتات اليهودي غاية في قيمها الأساسية؛
- يتشابك تاريخها ويندمج في تاريخ الشعب اليهودي. لغتها عبرية، وأعيادها تعكس انبعاثها القومي؛
- تعد الاستيطان اليهودي في حقولها ومدنها على رأس سلم أولوياتها؛
- تُكرِّس ذكرى اليهود الذين ذُبِحوا في المحرقة، وتُشكِّل حلًا لمشكلة الشعب اليهودي فاقد الوطن والاستقلال، وذلك بتجديد الدولة اليهودية في أرض إسرائيل؛
- تنمي الثقافة اليهودية والتربية اليهودية وحب الشعب اليهودي؛
- هي تحقيق تطلع الأجيال لخلاص إسرائيل؛
- هي دولة تتبنى قيم الحرية والعدالة والاستقامة والسلام من إرث إسرائيل؛
- تنهل من التقاليد الدينية، والتوراة هي الكتاب الرئيس بين كتبها، وأنبياء إسرائيل هم أساس أخلاقياتها؛
- تؤدي فيها الشريعة اليهودية دورًا مهمًا، وتقوم فيها قوانين الزواج والطلاق بموجب قانون التوراة؛
- ترى قيم توراة إسرائيل والتراث اليهودي وقيم الشريعة اليهودية من بين قيمها الأساسية"[153].
ويكرِّر كلام بن غوريون عمليًّا بخصوص فتح أبواب إسرائيل لأبناء الشعب اليهودي للهجرة بوصف قانون العودة جوهر الصهيونية وجوهر التراث اليهودي. ومن منظوره، لا توجد ممارسة التمييز بحقّ غير اليهود، ويتمسك بالمساواة في الحقوق المدنية لغير اليهود في إسرائيل. فإذا كانت علة تأسيس الدولة هي إقامة وطن قومي لليهود أينما كانوا، فإن منح حق الهجرة لا ينطوي على تمييز تجاه من هو غير يهودي، بل فيه اعتراف بالاختلاف فقط[154]. ولا يرى باراك في ذلك تمييزًا بحق اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة إلى وطنهم، فالليبرالية هي ليبرالية في إطار الدولة اليهودية.
ما يشغل الفكر الليبرالي الصهيوني، إضافةً إلى مسألة الدين والدولة، هو كيفية التوفيق بين الديمقراطية التي يفترض أن تشمل المساواة للمواطنين العرب في الدولة اليهودية نفسها من جهة، وتعريف الدولة بوصفها دولة اليهود (المواطنين وغير المواطنين فيها) من جهة أخرى. أما مسألة الشعب الفلسطيني والظلم التاريخي الذي لحق به نتيجة للمشروع الصهيوني الذي ينتمون إليه ويدافعون عنه، فالإجابة عنه هي التسوية السياسية التي لا يُجمِعون على طبيعتها بالضرورة. وقد تصدت
روت غڤيزون (Ruth Gavison، 1945-2020) أستاذة الحقوق في الجامعة العبرية، لمشروع دولة المواطنين الذي طرحه التجمع الوطني الديمقراطي إضافة إلى مطلب حل قضية فلسطين حلًا عادلًا مؤكدًا أنّ المساواة في إسرائيل نفسها غير ممكنة إلا بتحويل الدولة إلى دولة لجميع مواطنيها، وذلك يعني إبراز التناقض بين الصهيونية والمساواة. وهو في الحقيقة البرنامج السياسي الليبرالي الوحيد القائم، الذي يُعدّ برنامجًا معاديًا للصهيونية، وأصبح عمليًّا غير قانوني منذ سَنّ قانون أساس "إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي" عام 2018. وأصبح الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل شرطًا لخوض انتخابات الكنيست.
شددت غڤيزون في جمعها بين الليبرالية والصهيونية على أن مبّرر وجود الدولة اليهودية يجب ألا يرتكز على الحق الإلهي، بل على حجج يتفهمها أيضًا أولئك الذين لا يشاركون المتدينين معتقداتهم، وأهمها ضرورة وجود ملجأ آمن لليهود بعد كل ما تعرضوا له في الشتات. أما أسباب ذلك فمتنوعة: اعتبارات متعلّقة بتماسك المجتمع الإسرائيلي، والحاجة إلى أن تنظر غالبية المواطنين إلى إسرائيل بوصفها دولة يمكن تبرير وجودها أخلاقيًّا. "وخلاصة القول، إن مثل هذه الحجة فقط تتمتّع بقوة مقنعة من منظور غير اليهود، وكذلك من منظور اليهود الذين لا يؤمنون بالوعد الإلهي وحق أسلافهم، وهم يهود يسعون إلى الاحتفاظ بالأساس الصهيوني دون إسناده إلى حزمة عقائد لا يتماثلون معها"[155]. وهي ترفض الادّعاء أن قانون العودة الذي يضمن المواطنة الإسرائيلية لأي يهودي في العالم يتضمن تمييزًا ضد المواطنين العرب، فدولة إسرائيل دولة قومية تمنح الأفضلية لأبناء الشعب الذي ترتبط دولته بالهجرات. هذا قائم في العديد من دول أوروبا، ولا سيما تلك التي نشأت بعد تفكك الاتحاد السوڨياتي والكتلة السوڨياتية في شرق أوروبا ووسطها، أي إن إسرائيل ليست الدولة الوحيدة التي تمنح الأفضلية للشعب الذي تعبِّر عن حق تقرير مصيره والذي تُعتبر دولته القومية في الهجرة وتعطيه أفضلية في الهجرة إلى إسرائيل. وهذا صحيح، لكن ما يميز إسرائيل عن تلك الدول هو كونها دولة استعمار استيطاني شردت غالبية السكان الفلسطينيين ولا تسمح لمن يريد منهم العودة بأن يمارس حقه في العودة إلى وطنه.
الصهيونية الدينية المسيانية واللاهوت الاستيطاني
يتسحاق يعقوب راينس
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تأسست منظمة همزراحي عام 1902، وقد تأثر مؤسسها يتسحاق يعقوب راينس بنصوص الحاخامَيْن كاليشر وموليڤر. وانضم عام 1899 إلى المنظمة الصهيونية معتقدًا أن تخلي اليهود عن الانصهار والانضمام إلى الصهيونية يقرّبهم من العقيدة اليهودية، حتى وإن لم يعوا ذلك هم أنفسهم، فقد رأى في الصهيونية عودة إلى اليهودية قبل أن تكون حركة استيطانية. عمومًا، تجنبت الصهيونية على علمانيتها الخوض بالشأن الديني، إضافة إلى أن المؤتمر الثاني دعا إلى نهضة روحية، ولكنه أكّد أن الأمور الدينية ليست من اختصاص المؤتمر. وفي المؤتمر السادس، أيدت حركة همزراحي التي كانت تشدد على عدم تدخل الصهيونية بالدين فكرةَ الاستيطان في أوغندا مع بقاء الهدف هو فلسطين، وتعليله لذلك بالحاجة إلى ملجأ بعد مذابح كيشنيڤ. ولكن هذا كان دليلًا على أن الحركة لم تكن مسيانية على نمط القلعي والراب كوك والحركات المسيانية التي انبثقت لاحقًا عن هذه الحركة، ولا سيما بعد حرب 1967. فقد جاء في مقالة "سبل شعب إسرائيل" (أورحوت يسرائيل) المنشور في عام 1888[156]، أي قبل تأسيس المنظمة الصهيونية، أنه لا علاقة بين الخلاص الإلهي والخلاص الطبيعي (خلافًا لرأي القلعي الذي سبق عرضه)؛ فالخلاص الإلهي مكانه في عالم الإعجاز العجائبي السماوي، أما الانضمام إلى المنظمة الصهيونية فهدفه تقريب العلمانيين إلى الدين لا محاربتهم. وناقش راينس مثل غيره من الحاخامين المؤيدين للصهيونية رجال الدين اليهود الذين مثّلوا الغالبية المناهضة للصهيونية مستخدمًا حجة أن تحسين الأوضاع الدنيوية المزرية وتخليص اليهود من الاضطهاد يأتي قبل نهضة العالم العلوي (مصطلحات القلعي وكاليشار)، ولا يُعدّ تدخلًا في عمل الخالق[157].
وجاء في البيان التأسيسي لمنظمة همزراحي (1902) أن المنظمة تأسست بعد مساءلة وفد صهيوني عن مخاوف المتدينين وتلقي إجابات مقنعة في هذا الشأن، وقد قبلت المنظمة برنامج بازل بكلّيته، وتسعى إلى نشر الصهيونية بين المتدينين وتمثيل حركة همزراحي داخل القيادة في فلسطين.
بدأ التنظير للصهيونية بوصفها حركة مسيانية خلاصية تحقق مشيئة الله بالخلاص على يد الرابي
أبراهام كوك الذي أسس مدرسة مركز هراڤ الدينية، وورث إدارتها عنه ابنه تسڤي كوك الذي أصبح الأب الروحي لحركة الاستيطان في المناطق المحتلة عام 1967. واتسم تنظير الأب وابنه في تقديس كل ما يمت بصله لـ"أرض إسرائيل" و"شعب إسرائيل"، والتسامح مع علمانية قادة الصهيونية، لأنهم ينفذون مشيئة الله، ويضطلعون موضوعيًّا بعمل مقدس دون أن يدروا.
في خطاب شهير له بعنوان "المزمور 19"[158] ألقاه عشية حرب حزيران 1967، قال تسڤي كوك إنه قبل 19 عامًا، مع استقلال إسرائيل حين خرج الجميع إلى الطرقات للاحتفال، جلس وحيدًا صامتًا ولم يستطع تجاوز تقسيم البلاد، لم يستطع تجاهل أن إسرائيل التي تحتفل باستقلالها لا تشمل الخليل ونابلس وأريحا، ويسمّيها "خاصتنا"، ويقول إنهم غير مخوّلين بالتخلي عن شبر واحد منها، ويشمل بذلك شرق نهر الأردن. في هذا الخطاب شدد على قدسية يوم الاستقلال على الرغم من فقدان هذه المناطق، على حد تعبيره، وعلى الرغم من علمانية قادة إسرائيل، فقد عُد يوم الاستقلال مُقدّسًا لأن الله قرر "أننا شعب مقدّس، حضور موضوعي لأنفس مقدّسة في أجساد مقدّسة تتفرّع من نفس إسرائيلية عامة مقدّسة كلها. هناك وجود للأرض المقدّسة، قطعة أرض اختارها الرَّب". كل ما هو ماديّ جسماني عند شعب إسرائيل هو مقدّس. شعب إسرائيل الحقيقي هو إسرائيل المخلَّصة التي مرّت بعملية الخلاص، سيادة إسرائيل وجيشها، والشعب كله، لا الجاليات في الشتات.
تحدث
زڤولون هامر {{زڨولون هامر: (Zevulun Hammer، 1936-1998) كان عضوًا في الكنيست ووزيرًا في حكومات إسرائيلية متعدّدة منذ عام 1969 وحتى مماته. وكان قياديًّا في حركة الشباب في الحزب الديني القومي المڨدال، وأصبح لاحقًا زعيم الحزب.}} القيادي في حزب المڤدال[159] عن تأثر جيله الذي أسس حركة غوش إيمونيم الاستيطانية بتوجهات الراب أبراهام كوك. ففي مقابل الاحتجاجات التي اجتاحت إسرائيل بعد حرب 1973 والتحولات نحو القيم المادية الاستهلاكية، نشأ جيل من الشباب يتمتع بتوجُّه قومي يهودي قوي، ويرفع أرض إسرائيل فوق القيم الأخرى "على نحو تندمج معه أرض إسرائيل السماوية مع تلك الأرضية". ورأى هامر أنّ في وعي الصهيونيين غير المتدينين، الذين أحلوا دين العمل محل الدين اليهودي، شعورًا غامضًا يدفعهم إلى الهجرة إلى أرض إسرائيل، فيمكن للعناية الإلهية أن تبعث أشخاصًا غير متدينين ليدفعوا عملية تحقيق الخلاص إلى الأمام. "ولكن المؤكّد أنَّ المعنى الحقيقي لقيام دولة إسرائيل واستمرار وجودها على مدار الأيام هو أننا نبني في وقتنا الحاضر المملكة الثالثة، وهذا البناء يعني خلاص شعب إسرائيل".
أسست حركات الاستيطان الجديدة نوعًا جديدًا من الطليعة؛ إنها طليعة متدينة، بيد أنها تقلد الطليعة الاستيطانية الأولى العلمانية الاشتراكية التي أنشأت الدولة في التقشف وتكريس الذات للشأن العمومي، وتعلن أنها تبعث الصهيونية من جديد في مجتمع استهلاكي أصابه الانحلال بتبني أنماط الحياة الغربية، وانتشر فيه إيثوس (أخلاقيات) الفردانية الأنانية. إنها حركات دينية تعدّ ما تفعله جزءًا من خطة إلهية للخلاص.
وفي حين كانت الحركات الدينية تُلام على إهمالها الخدمة العسكرية أو الامتناع عن أدائها، اندفع هؤلاء نحو الخدمة العسكرية في الوحدات القتالية ووحدات النخبة التي كان يؤمها أبناء الكيبوتسات في الماضي، وأُنشِئَت مدارس دينية هدفها إعداد الشباب المتدين للخدمة العسكرية بالجمع بين دراسة التوراة والتدريب العسكري.
كتب يهودا عميطال (Yehuda Amital، 1924-2010) صاحب فكرة المدرسة الدينية العسكرية (يشيڤات هسدر) في مقالة بعنوان "تفكّرٌ في أقوال السلف"[160] أنه لا غرابة في غضب الشعوب من توطّن شعب إسرائيل في "أرضه"، فوفقًا لسفر المزامير في التوراة: "الرَّبُّ قد مَلَكَ، ترتعدُ الشعوبُ" (99: 1). وما دام شعب إسرائيل في الشتات لا يكون ملكوت السماء كاملًا؛ ولذلك تعيش أمم العالم في سلام، ولكن عندما يصل شعب إسرائيل إلى الخلاص، يصبح ملكوت السماء كاملًا وأمم العالم تغضب. وهكذا، فوفقًا لهذا المنطق يرتبط ملكوت السماء باستيطان "شعب إسرائيل في أرض إسرائيل". و"غضب الأمم" أمر متوقع في حالة تحقق ذلك. ولخّص الفرق بين الصهيونية الدينية والعلمانية[161] في أن منطلق الصهيونية عند هرتسل كان جعل شعب إسرائيل طبيعيًّا، بمعنى أنه شعب له وطن ودولة، ووفقًا لمنطق هرتسل يزول تميُّز الشعب اليهودي بعد إنشاء الدولة، وتختفي معاداة السامية. ولكن هذا لم يحصل، ومعاداة السامية لم تختفِ، ولن تختفي برأيه. وتطبيع شعب إسرائيل حلم فارغ، لأن إسرائيل دولة متميزة وكذلك شعبها. ويدعي عميطال أن اليهود القوميين الدينيين الأوائل من حزب المڤدال لم يفهموا ذلك، فقد تبنى هؤلاء وجهة نظر هرتسل مع إضافة مظاهر وعبارات دينية. أما الصهيونية الخلاصية، بمُبشّرها ومفسّرها الراب أبراهام كوك وابنه تسڤي يهودا، فلا تهدف إلى حل مسألة اليهود، وفقًا لعميطال، بل تعُدّ إقامة الدولة جزءًا من خلاص شعب إسرائيل. والاستيطان، وإحياء الصحراء، كلها خطوات ضمن سلسلة من صيرورة الخلاص التي لا تجري من خلال تحويل شعب إسرائيل إلى شعب كبقية الشعوب، بل عن طريق إدراك أنه شعب مقدس ومتميّز بصرف النظر عن رأي الشعوب الأخرى.
وجاء في البيان التأسيسي الأول لحركة غوش إيمونيم الاستيطانية[162] التي برزت في سبعينيات القرن العشرين بهدف الضغط على الحكومة لإنشاء مستوطنات في الضفة الغربية والسماح بإنشائها، ولتنظيم احتجاجات ضد أي تنازل عن أي أراضٍ احتُلّت عام 1967 في إطار تسوية مع الدول العربية، أن خلفية إنشاء الحركة هي:
- تنكّر الحكومة، الموكل لها تحقيق الصهيونية، لحقّنا على مناطق شاسعة تقع في قلب أرض إسرائيل. ويُعبَّر عن هذا التنكّر وحيثياته، في دوائر واسعة للجمهور، في منع الاستيطان في هذه المناطق والاستعداد للانسحاب منها.
- انتشار مقلق لعدم المبالاة والاغتراب والجهل بين أوساط واسعة للجمهور والشبيبة بشأن التراث اليهودي وإدراك خصوصية شعب إسرائيل اليهودي ورسالته.
- انتشار ظاهرة "المحاكاة الرخيصة" لثقافة الغرب المعاصرة بأطيافها ومادياتها وعنفها وانحطاطها. هذه الظاهرة آخذة بالتفشّي أكثر فأكثر في مناحي الحياة جميعها، وتترك آثارها على الطابع الخارجي للدولة ومستواها الثقافي.
- السعي إلى التمتّع بحياة سهلة ومريحة، ومستوى معيشي رفيع، واللهث خلف الكماليات، وينجم عنه عدم الاستعداد للتحقيق الذاتي والهرب من الأعمال اليدوية والإضرابات الجامحة والفساد، وهو ما يفضي بالضرورة في نهاية المطاف إلى زعزعة خطِرة للمجتمع والكيان الاقتصادي الوطني للدولة.
وجاء في برنامج الحركة السياسي، ما عدا التشديد على الاستيطان في أرجاء "أرض إسرائيل" كافة وعدم التنازل عن أراضٍ في أي تسوية سياسية:
"يجب منح عرب أرض إسرائيل [هكذا يسمون الفلسطينيين] وجميع الغرباء المقيمين فيها الحقوق الفردية والقانونية كافة التي يستحقها أي إنسان، بما في ذلك حقّهم في الهجرة [هكذا يسمون التسبب بتهجير الفلسطينيين من بلادهم]، وتملّك العقارات، والتقاضي، وسائر الحقوق الفردية، ويجب عدم منعها عنهم إلا لأسباب أمنية مباشرة. كذلك يجب دراسة إمكانية منح الجنسية الإسرائيلية للسكّان الأغراب [المقصود هو غير اليهود] جميعهم الذين يبدون استعدادًا لتحمّل الواجبات المترتبة على ذلك جميعها، ومن ضمنها الخدمة في صفوف الجيش الإسرائيلي أو في أي مجال بديل لذلك. ويجب من جهة أخرى تشجيع هجرة الأشخاص الذين يرفضون الحصول على الجنسية الإسرائيلية لدواعٍ قومية، وذلك من خلال اعتماد وسائل التوعية وتقديم المساعدات المالية لهم". الحديث هو عن خدمة الفلسطينيين [الذين يسمونهم الأغراب بالمصطلحات التوراتية] في جيش دولة قامت على أنقاض شعبهم، وتعرّف نفسها بأنها دولة اليهود. وهذا هو إذن شرط الجنسية في نظرهم، ومن لا يريد الحصول عليها بهذه الطريقة يجب "تشجيعه" على الهجرة.
في بيئة الصهيونية الدينية المتطرفة من مدرسة مركاز هراڤ، نشأت تنظيمات إرهابية مسلحة عديدة نفّذت عمليات قتل واغتيالات وخططت لتفجير المسجد الأقصى، وبخطابها بَرَّر يغآل أمير الذي اغتال رئيس الحكومة الإسرائيلية يتسحاق رابين بأنه جاء لأنه تنازل عن أجزاء من "أرض إسرائيل" ضمن اتفاقيات أوسلو[163].
تفرعت عن حركة غوش إيمونيم عشرات الحركات وبضعة أحزاب، ونما تأثيرها بالتدريج ضمن الخريطة الحزبية الإسرائيلية وصولًا إلى الإسهام في تشكيل ائتلافات يمينية على غرار الحكومة التي تشكلت في عام 2022 برئاسة نتنياهو وبمشاركة حزبين استيطانيين متطرفين، وهما "حزب القوة اليهودية" و"حزب الصهيونية الدينية". وعمل هذا الائتلاف على نحو فعال على مضاعفة الاستيطان في الضفة الغربية وتهويد القدس وتنظيم اقتحامات جماهيرية للمسجد الأقصى وأداء صلوات يهودية خلالها، كذلك أسهم الحزبان مع رئيس الحكومة نتتياهو في إطالة حرب الإبادة على غزة (2023-2025) لأطول مدة ممكنة.
وقد نشر بتسلئيل سموتريتش زعيم حزب الصهيونية الدينية في عام 2017 مقالة في مجلة
هشيلوَّح، بعنوان "مخطّط الحسم: اليمين يملك مفتاح السّلام"[164]، بيّن فيه استحالة عيش شعبين يحملان تطلعات قومية متناقضة في بلد واحد. فيجب أن يتنازل أحدهما عن تطلعاته القومية. إن شرطه لوجود فلسطينيين في إطار السيادة الإسرائيلية هو التنازل عن تطلعاتهم وطموحاتهم القومية، والقبول في أفضل الحالات بالحقوق الفردية، ولذلك فهو لا يرى مشكلة في ضمّ المناطق المحتلة عام 1967 وإخضاع العرب لحكم إسرائيل، لكن شرط القبول ببقائهم على أرضهم هو التخلّي عن تطلعاتهم. والخرائط بذاتها ليست مهمة، المهم هو قبول هذا المبدأ.
الدولة
خلال الحرب العالمية الثانية، انتقل مركز ثقل النشاط الصهيوني السياسي إلى بريطانيا والولايات المتحدة، وعُقِد المؤتمر الصهيوني "مؤتمر بلتيمور" في الفترة ما بين 9 و11 أيار/ مايو 1942. وفي ظل الانطباع الثقيل عما يجري في أوروبا المحتلة، وقبل أن تتسرب معلومات كاملة عما يجري في معسكرات الاعتقال، خرج المؤتمر بثلاثة قرارات مركزيّة؛ أولًا: المطالبة بفتح أبواب الهجرة اليهودية إلى فلسطين من دون تقييد؛ وثانيًا: تحويل صلاحية تطوير الأراضي غير المزروعة في فلسطين إلى الوكالة اليهودية؛ وثالثًا: إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين الانتدابية كاملة. أدى بن غوريون دورًا أساسيًّا في صياغة هذه القرارات، وصدّقت اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية في القدس عليها، وما لبثت أن تحولت إلى برنامج عمل معلن للحركة الصهيونية[165].
في تلك المرحلة، تصاعد النشاط الصهيوني في الضغط لفتح أبواب الهجرة إلى فلسطين بسبب ما يتعرض له اليهود في أوروبا. وفي الوقت ذاته، تصاعد نشاط المنظمات الصهيونية المسلحة المتطرفة ضد العرب والإنكليز. وفي خطاب له في المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرين في بازل (16 كانون الأول/ ديسمبر 1946)، حاول وايزمان أن يطرح لأول مرة على نحو عقلاني وجهة النظر العربية تجاه الصهيونية؛ فمثلًا، ردًا على ادعاء الصهيونية أنها ستُعمّر البلد وسيحصل العرب على حقوق متساوية في الدولة اليهودية، تساءل لماذا لا يكون العكس؟ لماذا لا يحصل اليهود على حقوق متساوية في دولة عربية؟ فمثلما لا يرغب اليهود أن يكونوا أقلية في أرض إسرائيل لا يرغب العرب أيضًا بذلك[166]، وعبّر في هذا الخطاب عن موقف حاد ضد الإرهاب اليهودي، وعدَّه مصيبة على الصعيدين الأخلاقي والسياسي، وعلى صعيد إقامة الدولة، لأنه قد يسيطر على الشارع اليهودي ولن تستطيع الوكالة اليهودية التغلّب عليه. وكان يخشى تأثيره في العلاقة مع بريطانيا، وحذّر من أن الإرهاب هو سرطان يتفشى في جسد الاستيطان، ويمكن أن يهدم كل ما بنته الحركة الصهيونية. في هذه المرحلة، بدأ الخطاب الرسمي الدولاني أو الدولتي بالظهور عنده وعند بن غوريون وآخرين، لناحية النزعة لاحتكار العنف، ووحدانية تمثيل اليهود في العلاقة مع الإنكليز ودول العالم، وفي إدارة المعركة مع العرب، حتى لو تطلّب الأمر الصدام مع اليمين الصهيوني.
وهذا ما حصل فعلًا، فقد قبلت القيادة الصهيونية قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة غير آبهة بالمعارضة اليمينية. وخاضت المستوطنات الصهيونية حرب عام 1948 موحدة عسكريًّا وسياسيًّا، ما عدا استثناءات لم تؤثر كثيرًا في سير المعركة؛ كُتِب كثيرًا عن قرار الحرب والخطط التي أُعدِّت لتهجير الفلسطينيين، وما يلفت النظر هو درجة العسكرة التي بلغها اليشوڤ قبل الحرب وتفوّقه على الجيوش العربية التي دخلت إلى فلسطين حتى بعدد المجندين الجاهزين للقتال[167]. كذلك نجحت القيادة في تعبئة المجتمع بإخضاع مجالات الحياة جميعها للحرب أو ما سماه بن غوريون "في إحدى جلسات مجلس حزب مپاي "واجب الاستعباد الكلّي والمطلق للحرب" (16 كانون الثاني/ يناير 1948)[168].
كانت الخطوة الأولى في تطبيق البرامج الصهيونية احتلال الأرض وإحداث أغلبية يهودية بطرد العرب منها ثم إعلان الدولة اليهودية. احتلت الميليشيات الصهيونية أراضي تابعة للدولة العربية بموجب قرار التقسيم الذي وافقت عليه قيادتها، وعملت على تهجير العرب منها. ونشأ نمط متكرر لمعارضة اليمين الصهيوني التسويات وطرح برامج الحد الأقصى والتلويح بالقوة العسكرية، في حين يقبل اليسار الصهيوني التسويات ويخرقها متذرعًا برفض العرب لها، ويتحدث عن السلام ويمارس الحرب.
من المؤسسات الصهيونية التي أنشأها الاستيطان الصهيوني المنظّم في فلسطين منذ عام 1920، كانت جمعية النواب واللجنة القومية. اجتمعت جمعية النواب مرّة في العام لانتخاب الهيئة التنفيذية المتمثلة في المجلس الوطني اليهودي. كانت هذه المؤسسات التي أدارت اليشوڤ نواة مؤسسات الدولة. واتخذت الإدارة الصهيونية، أي اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية، قرارًا بإنشاء مجلس الشعب في نيسان/ أبريل 1948 الذي تحول إلى جمعية تأسيسية لإعلان الدولة. كذلك شُكّلت مديرية الشعب لتحلّ محل اللجنة القومية لتولي الإدارة في زمن حرب 1948، وقد تحولت إلى نوع من الحكومة المؤقتة بعد إعلان الاستقلال في 14 أيار/ مايو 1948، وأصبح "مجلس الشعب" هو مجلس الدولة المؤقّت، أي السلطة التشريعية للدولة. وكان من المفترض أن تتشكل جمعية تأسيسية لوضع الدستور حتى 1 تشرين الأول/ أكتوبر 1948، لكن أعضاءها انتُخبوا فقط في 25 كانون الثاني/ يناير 1949، فحلّت محلّ مجلس الدولة المؤقت. وسَنّت في 16 شباط/ فبراير 1949 قانون فترة الانتقال، وبموجبه تحوّلت الجمعية نفسها إلى الكنيست الأولى، أي تحولت إلى برلمان، ولم تضع دستورًا للدولة، بسبب رفض بن غوريون والأحزاب الدينية. وأُوكِلَت المهمة إلى لجنة برلمانية هي لجنة الدستور والقانون والقضاء، وقد بادرت هذه اللجنة إلى طرح قوانين تُسمّى قوانين أساس، هي في الحقيقة فصول في دستور غير مكتمل حتى كتابة هذه السطور.
تبنت وثيقة الاستقلال السردية الصهيونية، وشددت على العلاقة مع التراث اليهودي ومصادره الدينية على نحو واضح في تحديد هوية الشعب والرابط مع "أرض إسرائيل". ولم تتبن وثيقة الاستقلال حدود التقسيم بموجب قرار الأمم المتحدة الذي شكّل أساسًا قانونيًّا لإنشاء دولة يهودية، بوصفها حدودًا ترابية للدولة التي أعلنت استقلالها، فحدود التقسيم كانت قد خُرقت من جانب قوات الهغناه، وأبقت القيادةُ الصهيونيةُ مسألةَ الحدودِ مفتوحةً.
كان أحد أهم أسباب عدم اكتمال الدستور النقاش المتعلق بعلاقة الدين والدولة، وعدم القدرة على حسم سؤال "مَن هو اليهودي؟"، وهو سؤال مهم يعتمد قانون العودة والمواطنة على الإجابة عنه. ولضمان عدم حصول شرخ مع الأحزاب الدينية غير الصهيونية، توصل بن غوريون إلى تسوية معها، وما تزالُ هذه التسوية قائمة، ويؤدي أيُّ مسٍّ بها إلى أزمة، إذ تحاول الأحزاب الدينية باستمرار توسيعها على نحو تشمل معه هذه التسوية قوننة إعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية، وتحاول القوى العلمانية حماية نمط الحياة العلماني من إملاءات الأحزاب الدينية وتطرح من حين إلى آخر مسائل مثل إتاحة الزواج المدني وغيرها.
وفي خطاب الحاخام
يتسحاق مئير لڤين (Yitzchak-Meir Levin، 1893-1971)، أحد قادة حزب "أغودات يسرائيل"، في معرض المداولات بشأن تشكيل الائتلاف الحكومي الأول في 9 آذار/ مارس 1949، علل سبب انضمام حزبه إلى الائتلاف الحاكم، على الرغم من معارضته الصهيونية، بما أصبح يُسمّى في إسرائيل عمومًا "الوضع القائم" أو الـ status-quo في العلاقة بين الدين والدولة. إنها التسوية التي اتُّفق عليها بين الأحزاب الدينية وحزب مپاي الحاكم بقيادة بن غوريون. وهذه هي الشروط التي وافق عليها حزب مپاي:
- الحفاظ على قدسية السبت والأعياد اليهودية في المناطق جميعها.
- اعتماد "الطعام الحلال" في جميع مؤسّسات الدولة.
- الحكم الذاتي الكامل في الشؤون التربوية والتعليمية في إطار التيارات التربوية المعترف بها، والمقصود هو تلك التابعة للأحزاب الدينية.
- تقديم الاحتياجات الدينية كلها لسكان الدولة جميعهم، وأن تكون أحكام التوراة هي المعتمدة في قضايا الأحوال الشخصية للسكان اليهود في الدولة[169].
في كلمته الافتتاحية أمام الجمعية التأسيسية في 14 شباط/ فبراير 1949، أوجز وايزمن طريق الصهيونية إلى الدولة، فأشار إلى أن دولة إسرائيل هي ثمرة النهوض القومي اليهودي الذي أرّخ له بمؤتمرين عدّهما محطتين مصيريتين في الطريق لإقامة الدولة، وهما: مؤتمر كاتوڤيتش (6 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1884)، والمؤتمر الصهيوني الأول (29-31 آب/ أغسطس 1897) الذي قاد إلى تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية، وهي صانعة الوكالة اليهودية، المؤسسة السياسية العليا والأداة الاستيطانية للحركة الصهيونية؛ إذ عُقد الاجتماع الأول للجمعية التأسيسية في مقرّها. ورأى هرتسل في هذه المنظمة الدولةَ اليهوديةَ في طور الإنشاء. وعلى هذا الطريق حصلت الحركة الصهيونية على وعد بلفور. وهو ما يُسمّيه "السبيل الأول"، أي سبيل العمل السياسي. أمّا "السبيل الثاني" فهو الاستيطان؛ أي عمل أولئك الذين لم ينتظروا تحصيل اعتراف عالمي للدولة، وهاجروا بطرق غير شرعية، وشرعوا في الاستيطان منذ حركة "ﭘيلو" أي رواد الهجرة الأولى؛ هؤلاء الذين سلكوا سبيل الاستيطان أقاموا مؤسسات حكم ذاتي مثل لجان المستوطنات والمدن وجمعية المنتخبين (النواب) واللجنة القومية، ومقرّها أيضًا في مبنى الوكالة اليهودية. هذان المساران قادا إلى إنشاء الدولة. وحين يستذكر في نهاية خطابه قادة الحركة الصهيونية الذين توفوا في هذه الأثناء، فإنه يسمي ثيودور هرتسل، وماكس نوردو، وناحوم سوكولوف، ويذكر أحاد هعام الذي يسمّيه "معلمنا متحدِّينا" أو "معملنا مستفزّنا". كذلك يذكر أدباء من مثل حاييم نحمان بياليك، وإليعزر بن يهودا مُحدِّث اللغة العبرية، ومناحيم أوسيشكين، ولويس برانديس. كذلك يذكر إدموند دي روتشيلد[170].
وكانت الخطوة الثانية هي سَن سلسلة قوانين تجسد الطابع الصهيوني للدولة الوليدة. وأولها
قانون العودة وقانون الجنسية (المواطنة). وفي خطاب ألقاه بن غوريون رئيس الحكومة في حينه في الكنيست، في سياق طرح مشروعي القانونين (3 تموز/ يوليو 1950)[171]، قال إنه لا يمكن فهم نشأة الدولة من دون فهم حركة الاستيطان منذ حركة محبة صهيون "ﭘيلو"، ثم نشوء الحركة الصهيونية، والتنوير اليهودي والأدب العبري، والحركات القومية الثورية في أوروبا القرن التاسع عشر. وتحدث عن تأثير الحركات القومية مثل الحركة القومية في هنغاريا وإيطاليا والبلقان وغيرها (ولكنه لا يذكر بولندا مع أن الحركة القومية البولندية أثّرت كثيرًا في الحركة الصهيونية)، كذلك يذكر نتائج الحربين العالميين الأولى والثانية، وتأسيس عصبة الأمم والأمم المتحدة. هذا كله إلى جانب معرفة تاريخ شعب إسرائيل، كما يُسمّيه، منذ أيام الهيكلين الأول والثاني، وتاريخ النبوّة، وما يُسمّيه الروح الإسرائيلية، ورؤى شعب إسرائيل وتاريخ الشتات اليهودي. ويذكر أيضًا الفكرة المسيانية ومظاهرها المختلفة، أي التوق إلى الخلاص، والمحاولات المتعددة على مرّ الأجيال للهجرة إلى فلسطين، ما يُسمّيه العودة إلى الوطن، و"الحضارة اليهودية الخالدة"، بتعبيره، التي نشأت في هذا البلد. ثم يصل إلى لبّ فهمه ليهودية الدولة بنيويًّا، أي بما يتجاوز المسار التاريخي الذي أوجزه، فيقول إنه ليس صدفة أن وثيقة الاستقلال بدأت بعبارات قصيرة بشأن الرابط الدائم بين الشعب اليهودي ووطنه العتيق، وإلى ما يُسمّيه الحجر الأساس المركزي للدولة، وهو فتح أبوابها للهجرة اليهودية ولمّ الشتات. ثم يذكر النقاشات التي دارت في اللجنة التنفيذية للحركة الصهيونية بشأن مسؤولية الدولة في جمع شتات اليهود، وضرورة سنّ قانون العودة الذي يتضمن ما يعدّه الرسالة المركزية للدولة. وأساسه المنطقي أن هذا القانون لا يمنح الحق لليهودي للإقامة في إسرائيل؛ فهذا الحق متأصل في اليهودي لأنه يهودي، والدولة تُمكّنه فقط من ممارسة هذا الحق. وهو في نظره لا يتعارض مع المساواة الكاملة، فهي لا تمنح هذا الحق خلافًا لغيرهم، بل هذا الحق عند اليهود سابق على قيام إسرائيل، وهذا الحق هو الذي أنشأ الدولة لا العكس، وأساسه هو "الصلة التاريخية التي لم تنقطع قط بين الشعب والوطن".
قانون العودة إذًا، هو كما عرضه بن غوريون، ليس أحد قوانين الهجرة المعتمدة في الدول والمتغيرة من وقتٍ لآخر، هو ليس قانون هجرة، بل قانون الاستمرارية الدائمة لتاريخ إسرائيل، وهو يُرسي مبدأ الدولتية. يعرف بن غوريون كما هو واضح أن قانون العودة هو قانون ينفي حق السكان الأصليين الذين أصبحوا لاجئين في العودة، وهذا لم يشغله، فهو يعدّ ما كان قبل نشوء الدولة كأنه لم يكن. ولكنه يعرف أيضًا أنه يميز ضد الفلسطينيين الذين بقوا على أرضهم، ولذلك اخترع فكرة أن هذا القانون الذي تسنّه الدولة، هو في الحقيقة سابق عليها، وهو الذي يؤسّسها، وعلى من بقي من العرب أن يفهم أنه يعيش في دولة اليهود.
وهو يرى أن قانون المواطنة مكمِّل لقانون العودة، واليهودي سواء أهاجر أم لم يهاجر إلى إسرائيل مواطنٌ بفعل قانون العودة، أي بفعل حق اليهود بالوجود في فلسطين. وبهذا ينقسم المواطنون في إسرائيل إلى قسمين: أولئك الموجودين في إسرائيل بفعل حق العودة سواءٌ أوُلدوا فيها أم لا؛ وغير اليهود الذين تنتقل إليهم الجنسية من الأب إلى أبنائه. وبموجب المادة 4 من قانون العودة (عام 1950)[172]، فإن "كل يهودي هاجر إلى إسرائيل قبل بدء العمل بهذا القانون، وكل يهودي وُلد في إسرائيل، سواء قبل بدء العمل بهذا القانون أم بعده، فإنَّ حكمه كحكم من هاجر وفقًا لهذا القانون". وهكذا تجلت الصهيونية بنوعين من المواطنة؛ مواطنة جوهرية، وأخرى عارضة: مواطنة اليهودي (سواء أكان مهاجرًا أم مولودًا في إسرائيل) التي لا تمنحها له الدولة، بل هي التي تؤسس الدولة، ومواطنة غير اليهودي الناجمة عن وجوده العارض وبقائه على أرضه بعد تشريد غالبية شعبه، وهي مواطنة تمنحها له الدولة.
وضمن سلسلة القوانين التي كرّست العلاقة بين إسرائيل والصهيونية ومنحت المؤسسات الصهيونية مكانة خاصة:
- قانون "وضع الجمعية الصهيونية العالمية – الوكالة اليهودية لإيريتس يسرائيل" (1952)[173]. وينص البند 4 من هذا القانون على أن "دولة إسرائيل تعترف بالجمعية الصهيونية العالمية كوكالة ذات اختصاص لتستمر في العمل داخل دولة إسرائيل في سبيل إنشاء البلاد وتعميرها، وتوطينها، واستيعاب المهاجرين من كافة الأقطار وتنسيق أعمال المؤسّسات والجمعيات اليهودية العاملة ضمن هذا النطاق في إسرائيل".
- قانون الصندوق القومي اليهودي[174].
- التصديق على المعاهدة المبرمة بين حكومة إسرائيل والصندوق القومي اليهودي[175] (28 تشرين الثاني/ نوڨمبر 1961) التي منحت الحق للصندوق باستمرار الاضطلاع بمهمته في استملاك الأراضي وإدارتها بتكليف من الدولة. وينص البند الرابع على أن "تُدار أراضي إسرائيل وفقًا للقانون، أي وفق المبدأ القائل إنه لا تُباع الأراضي، بل تُؤجَّر فقط"، وسُنّت سلسلة من القوانين التي نظمت عملية مصادرة الأراضي، فقد ظل هاجس الاستيلاء على الأرض لإقامة المستوطنات عليها وتضييق رقعة الأرض التي يعيش عليها العرب يشغل الدولة منذ قيامها.
حكم حزب مپاي بتحالفات مع حزب مپام العمالي والحزب القومي الديني (المڤدال) في مرحلة إرساء البنى التحتية للدولة وتطوير الزراعة والصناعة، وكانت أدوات التنمية الرئيسة هي القطاع العام للدولة. وسيطر الحزب على الحكومة والنقابات والعديد من مجالات الحياة بما فيها الحياة الثقافية من خلال مؤسسات الدولة والهستدروت. كذلك ظلت العسكرة والتسلح (بما في ذلك التسلح النووي) وبناء الجيش وأجهزة الأمن تستحوذ على الاهتمام الرئيس لدولة في حالة حرب مع محيطها. وقد أفادت إسرائيل من براغماتية قيادتها التي كانت مستعدة لإقامة علاقات وطيدة مع ألمانيا على الرغم من ذاكرة الهولوكوست للحصول على تعويضات تضخ المال في شرايين الاقتصاد والدولة. كان هذا الموضوع أيضًا موضوع صراع مع اليمين بقيادة مناحم بيغن الذي رفض هذا الاتفاق وعدّه مشينًا.
تغيرت الأوضاع الاجتماعية والثقافة السياسية السائدة في إسرائيل بعد حرب عام 1967، وتوطد التحالف مع الولايات المتحدة على حساب أوروبا الغربية، فقد بدأت مرحلة ازدهار اقتصادي ناجم عن تدفق الاستثمارات، وبدأت عملية لبرلة منضبطة للاقتصاد، وشهدت الحياة السياسية تحالفًا عريضًا بين اليمين الصهيوني وفئات واسعة من اليهود الشرقيين الذين خرجوا عن طاعة حزب العمل والمؤسسات الرسمية لاستيعاب الهجرة المرتبطة به، وهو ما قاد إلى وصول اليمين إلى الحكم بعد انتخابات 15 مايو/ أيار 1977. وبدأت عملية صعود اليمين وتراجع اليسار الصهيوني منذ تلك الفترة وانتهت إلى تلاشي الأحزاب العمالية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
وفي خضم النقاش بشأن إعادة أراضٍ محتلة إلى الدول العربية في إطار اتفاق سلام، برزت مواقف معارضة من جانب قوى علمانية، وتأسست حركة أرض إسرائيل الكاملة، وبرز من بين زعمائها يتسحاق تبنكين أحد القادة التاريخيين لليسار الصهيوني. وفي تبريره للاستيطان في كلّ مكان في أرض إسرائيل بما في ذلك المناطق المحتلة عام 1967، تساءل تبنكين: "لماذا لم نستوطن بعد في "غوش عتسيون" وفي منابع نهر الأردن[176]؟ لا حرمة للحدود الانتدابية، ولا حرمة للحدود الدولية. هل بولندا تقع ضمن حدود دولية؟ هل تقع روسيا ضمن حدود دولية؟"[177]. وفي كلمة ألقاها ضمن جلسة لسكرتاريا منظمة الكيبوتس الموحّد في تموز/ يوليو 1967، في تل أبيب، بعنوان "الاستيطان في المناطق جميعها"[178]، أكّد على أن الانتصار عام 1967 يطرح مُهمّتين: الأولى الاستيطان في المناطق التي "حررها" الجيش الإسرائيلي؛ والأخرى العمل على هجرة مليونين من اليهود خلال الأعوام القادمة. ولا توجد خشية، من منظوره، من ضمّ مناطق يسكنها عرب مع أنها ستُسبب مشكلات ديموغرافية وأمنية معقّدة، ولكن هذا أسهل من وجودهم على حدود إسرائيل مُسلّحين. فسلخ أي أرض عن إسرائيل سوف يحوّل المشكلة الديموغرافية إلى كارثة تاريخية من خلال إنشاء دولة عربية مُستقلة مصطنعة، وهذه ستُهدِّد إسرائيل أكثر من وجود عرب في إسرائيل. ولا تواجَه "المشكلة الديموغرافية" بالتنازل عن الأرض، بل بزيادة الهجرة اليهودية وتشجيع الإنجاب. يوجد هنا تبرير بلغة القوة والمصالح للمواقف التي تبناها المستوطنون من منطلقات دينية.
وبرّر موشي ديَّان أيضًا الذي لم يكن متدينًا ولا من أنصار أرض إسرائيل الكاملة، بل من التيار المركزي في حزب العمل، عدم التنازل عن أراضٍ من أجل السلام، وأشاد بدور الاستيطان في الحفاظ على الأرض. وجاء في خطاب[179] له من عام 1969 أن حدود عام 1948 ليست مُقدّسة ويجب إعادة رسم خريطة جغرافية مختلفة لدولة إسرائيل. فكما نجمت خريطة عام 1948 عن حرب، ستكون الخريطة القادمة نتيجة حرب 1967. وقال في خطاب عام 1968: "المكان الذي نقيم فيه مستوطنة أو بؤرة لن نتخلّى عنه"، فالاستيطان هو الوسيلة الأفضل لفرض الحقائق السياسية من منظوره[180]. وكانت ثمة قوى سياسية - اجتماعية أخرى جاهزة لاستغلال سياسات القوة هذه من منطلقات مختلفة ولغايات أخرى، فقد تولّد من تفاعل الاستيطان وواقع الاحتلال في الضفة الغربية صهيونية دينية من نوع جديد تقارب الاستيطان في أرجاء "أرض إسرائيل" كلها بوصفه واجبًا دينيًّا، وتعلي قيمة قدسية أرض إسرائيل على أي قيمة أخرى بما في ذلك السلام مع العرب.
نشأ في إسرائيل واقع جديد اقتصادي اجتماعي وثقافة عبرية وهوية جماعية يهودية إسرائيلية، ولكن هذا الواقع الجديد لم يقد إلى تخلي الدولة والقوى السياسية الرئيسة عن الصهيونية وفكرة الشعب اليهودي الواحد. ومثلما لم تُحدّد حدود الدولة، ظلت حدود الأمة أيضًا غير واضحة، فإسرائيل لا تعترف بوجود أمة إسرائيلية، بل تُصرّ على أنها تُمثّل أمة يهودية في أنحاء العالم جميعها، وهو ما يضيف عائقًا آخر إلى عوائق اندماجها في المنطقة العربية، وأهمها الإصرار على عدم الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة ورفض أي شروط للسلام.
لذلك، تطالب إسرائيل الدول العربية عمومًا، والفلسطينيين خصوصًا، بالاعتراف بها بوصفها دولة يهودية، أي إنها تطالبهم بالاعتراف بالصهيونية، ومن منطلق أن حق العودة للفلسطينيين يشكل خطرًا على يهودية الدولة، رفضت بمثابَرةٍ حقَّ العودة، وبادرت إلى خطوات تهدف إلى تصفية قضية اللاجئين من خلال رفض الاعتراف بوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة ومنع نشاطها في المناطق المحتلة منذ عام 2024، كذلك لم تَعُد تكتفي بمقدمة
قوانين الأساس التي تنص على أن إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، وكرست يهودية الدولة وحدها من دون ربطها بالديمقراطية في قانون أساس (أي قانون دستوري) جديد ذي طابع أيديولوجي، هو قانون "إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي" من تموز/ يوليو 2018[181].
الصهيونية ويهود الدول العربية والمسلمة
الصهيونية حركة أوروبية المنشأ، والمصادر الفكرية، والموارد البشرية، والقيادة؛ ولكن فهمها لذاتها بوصفها حركة قومية مستندة إلى المشترك بين اليهود، وهو الدين، وعلمنة نزعته الخلاصية المجاهَر بها من حين إلى آخر، كَفِلا لها خطوط تواصل مع يهود أفريقيا وآسيا، بوصفهم يهودًا، وإن لم "يرتقوا" إلى مستوى التمدن الأوروبي، ولا إلى مستوى الشعور والفكر القوميين في نظر قادة الحركة الصهيونية ومفكريها، فقد كانت غالبية هؤلاء اليهود المقيمين في آسيا وأفريقيا تقليدية التوجهات ونمط الحياة، متناسجةً مع المجتمعات العربية والمسلمة المحلية، ومنغرسة فيها. وعلى الرغم من التمييز الذي عانى منه اليهود في هذه البلدان بوصفهم أقلية دينية، أو "أهل ذمة"، وتفاوت الدرجة تبعًا للمكان والمرحلة بين الاضطهاد استثناءً والعيش المشترك قاعدةً، فإن هذه البلدان لم تعرف العداء المسيحي لليهود واليهودية، ولا اللاسامية المتوارثة والمتغيرة الطابع من مرحلة إلى أخرى، مثلما لم تعرف انعتاق اليهود، ولا رد الفعل عليه.
كانت ثمة هجرة دينية شحيحة بين يهود المشرق نحو القدس للتبرك بالعيش "في جوار قبور الأجداد". وحالة الهجرة الصهيونية الوحيدة، أو للدقة، المَقُودة صهيونيًّا، قبل عام 1948 كانت من اليمن، ففي السعي لتوفير عمالة يهودية بديلة للعربية خلال مرحلة ما يسمى الهجرة الثانية، على نحو تتحمل معه ظروف العمل في فلسطين، أرسل المكتب الفلسطيني للمنظمة الصهيونية مندوبًا إلى اليمن لحث يهودها على الهجرة عام 1911. وفي هذه الحالة، قدّم المندوب دعاية دينية؛ إذ حمل رسائل دينية من حاخامين من فلسطين، وهو ما أقنع نحو ألفي يهودي بالهجرة من اليمن إلى فلسطين بين عامي 1911 و1914[182]. حصلت هذه الهجرات في إطار حدود السلطنة العثمانية. وبعد مرسوم الإمام
يحيى حميد الدين {{يحيى حميد الدين: (1869-1948) مؤسس المملكة المتوكلية اليمنية وحاكم
اليمن من عام 1904 وحتى عام 1948.}} عام 1922 الذي قضى بأسلمة اليهود الأيتام، حصلت هجرة أخرى. ولكن ما عدا هجرة يهود اليمن قليلة العدد، لم يهاجر يهود من البلدان العربية والإسلامية إلى فلسطين إلا بعد قيام إسرائيل. كانت هناك بعض الاستثناءات، مثل هجرة بعض العائلات من يهود فاس في المغرب (نحو 100 عائلة بين عامي 1908 و1918)، وهجرة محدودة أيضًا هربًا من التضييق على اليهود في مرحلة حكم ڤيشي العميل لألمانيا النازية في فرنسا، وتجنيد شباب يهود مغاربة للهغناه خلال حرب عام 1948.
مبنى Joint Distribution Committee (JDC) في القدس
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
حصلت الهجرة الواسعة من البلدان العربية فقط بعد إعلان استقلال إسرائيل، وذلك نتيجة لعاملين أساسيين، ليست الأيديولوجيا الصهيونية أحدهما، الأول هو رد فعل الجمهور العربي على النكبة الذي تمثل بفورات غضب تخللتها هجمات على اليهود في بعض البلدان؛ والثاني تواطؤ بعض الأنظمة العربية مع الحركة الصهيونية في إتاحة تهجيرهم والاستيلاء على أملاكهم. وقد عملت الوكالة اليهودية على تنظيم الهجرات، وعملت مؤسسات يهودية أميركية مثل Joint Distribution Committee (JDC) على تمويلها، وأسهم ناشطون صهيونيون في تأجيج ذعر اليهود من الانتقام القادم على تهجير الفلسطينيين بأساليب مختلفة لإقناعهم بالهجرة. حصلت الهجرات الكبرى إذن بعد تأسيس الدولة، وتضاعف عدد اليهود في فلسطين خلال أعوام معدودة. كان نشوء الدولة هو المحرك الرئيس للهجرة الواسعة، فبعد عام 1948 غادر البلدان العربية نحو 850 ألف يهودي، وصل منهم إلى إسرائيل 600 ألف[183]، فغيروا ديموغرافية البلاد كليًّا.
بين عامي 1948 و1967، هاجر من المغرب إلى إسرائيل نحو 275 ألف يهودي. وبعد أن كانت الهجرة تنظَّم سرًا بتهريب المهاجرين من جانب ناشطي الوكالة اليهودية ومخابرات الهَغَناه بين عامي 1945 و1948، فإن الهجرة أصبحت قانونية من ميناء الدار البيضاء بعد اتفاقية سرية مع الملك الحسن الثاني عام 1961 تلقّى بموجبها المغرب مبلغًا من المال مقابل كل يهودي يهاجر في إطار ما سمي "عملية يخين" التي نظمها الموساد[184].
في العراق، كان اليهود مندمجين في الحياة الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية في العهد الملكي. كان هذا مجتمعًا يُقدر عمره بنحو ألفي عام. ولا شك أن الأوضاع ساءت في عام 1941 بعد الانقلاب العسكري المؤيد لألمانيا والمعادي للإنكليز، كذلك وَقَعت تفجيرات استهدفت اليهود في بغداد عام 1951، وثمة نقاش بشأن هوية الذين وقفوا خلف هذه التفجيرات، فإسرائيل وَجَّهت أصابع الاتهام إلى قوى معادية جهارًا لليهود في العراق، في حين اتهم باحثون عرب ويهود عراقيون وكلاءَ الموساد بفعل ذلك لحث اليهود على الهجرة[185]، على كل حال، سَجّلت غالبية اليهود للهجرة إلى إسرائيل قبل وقوع التفجيرات[186].
لقد شكّل النشاط الصهيوني قَطْعًا أو كَسْرًا مع مجرى تاريخ اليهود في البلدان العربية، فقد كانت الصهيونية معادية للاندماج، وعمل الناشطون الصهيونيون على تعبئة اليهود عمومًا باتجاه الانتماء إلى هوية أخرى، والهجرة إلى وطن آخر "وطنهم الحقيقي"، مستخدمين عُدةً من المصطلحات التوراتية، في وصفها الحياة اليهودية في العراق بالأسر البابلي، ودعوتهم إلى إسرائيل بالعودة إلى صهيون. وقد نُقل بين عامي 1950 و1951 مئة وعشرون ألف يهودي عراقي جوًا إلى إسرائيل عن طريق إيران في البداية، ثم مباشرة من مطار بغداد. وسميت هذه العملية "عزرا ونحميا" على اسم أنبياء التوراة الذي قادوا اليهود من بابل إلى "أرض إسرائيل" بعد أن حررهم الملك كورش من هذا الأسر وفقًا للرواية التوراتية. ولا شك في أن حكومتي توفيق السويدي ونوري السعيد فاوضتا الإنكليز والحركة الصهيونية للسماح بهجرة يهود العراق لأسباب مختلفة، منها ما هو متعلق بحالة عدم الاستقرار التي سادت في العراق بعد حرب 1948، ومنها الرغبة في التخلص من دور اليهود في المعارضة، ولا سيما في الحزب الشيوعي العراقي. كان اليهود في العراق عمومًا، من سكان المدن، وقد شكلوا جزءًا فاعلًا من الطبقة الوسطى وفئة المثقفين، وقد نشطت الحركة الصهيونية باكرًا في صفوفهم، عبر تنظيمات سرية شتى، كذلك نشط اليسار المعادي للصهيونية. وكان الذين أقاموا عصبة مكافحة الصهيونية من الشيوعيين العراقيين اليهود الذين عدوا أنفسهم عربًا عراقيين ويهودًا، ورأوا أن الصهيونية تضر بمصالح اليهود وغير اليهود في العراق[187].
ومع أن الهجرة كانت منظمة من جانب دولة ومؤسساتها ومنظمات صهيونية لأهداف سياسية وأيديولوجية متعلقة ببناء الدولة ومنح المهاجرين مواطنة، فقد حاولت الحركة الصهيونية تشبيهها بتهجير الفلسطينيين من أرضهم وسلبهم وطنهم لإقامة دولة يهودية، وذلك لكي تكتسب صفة التبادل السكاني الذي تكرّر عدة مرات في التاريخ. وسعت بعض الأوساط الصهيونية، ولا سيما في الولايات المتحدة لمنحهم رسميًّا صفة لاجئين، مع أن إسرائيل الرسمية تسميهم "عوليم" بما تحمله هذه الكلمة المشتقة من فعل "علاه" أي "صعد"، من دلالات أيديولوجية إيجابية تميزها عن الهجرة، فضلًا عن اللجوء. فاليهود المهاجرون إلى إسرائيل يسمون "عوليم" أي صاعدون، في حين يُسمى المهاجرون منها إلى بلدان أخرى "يورديم" أي هابطون أو نازلون.
ومن أدق التعبيرات الصريحة عن موقف القيادة الصهيونية الأوروبية من اليهود الشرقيين ما جاء على لسان بن غوريون (رئيس الحكومة حينئذٍ) في محضر الجلسة الشهيرة التي جمعته بالمستشار الألماني كونراد أديناور وجرت فيه مناقشة دفع ألمانيا أموال التعويضات لإسرائيل[188] (14 آذار/ مارس 1960)، بعد أقل من عقد ونصف على المحرقة النازية. قال بن غوريون، حسبما ورد في المحضر، ما يفيد أن الصهيونية حركة أوروبية، وأن يهود البلدان الإسلامية متخلفون ومندمجون في مجتمعاتهم، ناكرًا الاندماج الذي حصل في أوروبا: "يمكن تقسيم يهود العالم إلى ثلاثة أقسام: يهود أوروبا، ويهود أميركا، ويهود البلاد الإسلامية. يرى اليهود الأميركيون أنفسهم أميركيين في كل شيء، وهذا أمر سهل ومفهوم، لأنّ الولايات المتحدة هي بلد مهاجرين. عاش يهود البلدان الإسلامية في دول متخلّفة تفتقر إلى الثقافة واندمجوا في الشعوب التي عاشوا في وسطها. ولم يعتبر اليهود الأوروبيون أنفسهم قط جزءًا من الدول التي يعيشون فيها. لقد ولدتُ ونشأتُ في روسيا، ولكنني لم أرَ نفسي روسيًّا قط [...] شكّل يهود أوروبا أساس الحركة الصهيونية"[189]. وبالنسبة إلى المحرقة النازية، شكا بن غوريون فقدان ملايين اليهود الذين كانوا مرشحين للإسهام في بناء الدولة. هذا ما ادعاه في تلك الجلسة في مخالفة بيّنة لحقيقة كون الغالبية الساحقة من يهود أوروبا لم تتجاوب على الإطلاق مع الفكرة الصهيونية. وعبَّر عن أسفه لأن اليهود العرب (هذا هو التعبير الذي استخدمه) أصبحوا هم الجمهور البديل المكمّل لليهود الأوروبيين الموجودين في فلسطين في عملية بناء الدولة: "استوعبنا في إسرائيل في البداية ثلاثمئة ألف يهودي أوروبي من مخيمات النازحين. بعد ذلك جاء معظم المهاجرين من دول آسيوية وأفريقية، وعلى الرغم من أنهم حملوا هم أيضًا حلمًا مسيانيًّا بالعودة إلى صهيون، فإنهم، تحديدًا، لم يحملوا أيديولوجيا ومهارات ورؤية لبناء دولة إسرائيل. يُعَد العمل اليدوي عند العرب شيئًا مهينًا [...] سوف يستغرق الأمر من جيلين إلى ثلاثة أجيال إضافية لكي يتسنّى لنا دمج يهود آسيا وأفريقيا حقًا فنجعلهم طلائعيّين كيهود أوروبا. نتمتّع بدافع روحاني لإعادة اليهود إلى العمل الزراعي. هذه مهمة من العسير تحقيقها في حالة اليهود القادمين من العراق والمغرب"[190].
وفي تلك الجلسة، قال بن غوريون للمستشار الألماني إنه "لا تتجلّى جريمة هتلر في حقيقة قتله ستة ملايين يهودي فقط. ففي نهاية القرن التاسع عشر كنّا عشرة ملايين يهودي. وفي الوقت الراهن، بعد الحرب العالمية الثانية، وصل عددنا إلى 12 مليون يهودي مرة أخرى. ربما في نهاية القرن الحالي سيصل عددنا إلى 18 مليون يهودي. ولكن من وجهة نظر تاريخية، كاد هتلر يقضي على حلم الدولة اليهودية؛ الدولة التي تاقت أرواحنا إليها وتراثنا طوال ثلاثة آلاف عام"[191]. وما عدا إسقاطه الفكرة الصهيونية على التاريخ بالقول إن اليهود تاقوا إلى تأسيس دولة طوال ثلاثة آلاف عام، فإنه لا يرى الكارثة الحقيقية في القضاء على ستة ملايين يهودي، بل في أن هتلر كاد يقضي على حلم الدولة.
عدّت القيادة الصهيونية الوافدين اليهود من الدول العربية متخلفين يحتاجون إلى إعادة تأهيل، وإضافة إلى الظروف الاقتصادية والبيئية الصعبة التي واجهوها، عومل "القادمون الجدد" معاملة مواطنين من الدرجة الثانية، فازدحمت بهم المجمعات التي زُجوا فيها خلال المرحلة الانتقالية (معبروت) قبل استيعابهم في الدولة، من دون احترام لتقاليدهم وبناهم الاجتماعية البطريركية، وهو الأمر الذي أدى إلى أزمات اجتماعية وثقافية، ومشاعر مظلومية، ونقمة على الأحزاب التي كانت حاكمة وعاملتهم بفوقية ووصاية كأنهم قاصرون. واشتهرت في هذا السياق قضية أطفال اليمن التي أشغلت الرأي العام، فقد ادعت أمهات يمنيات أن أطفالهم اختفوا بعد الولادة، سُلبوا منهم عنوة ومُنحوا لعائلات إشكنازية لتربيتهم باعتبار أن العائلات اليمنية غير مؤهلة لتربية الأطفال. شغلت هذه القضية الرأي العام، وظلت تُثار موسميًّا طوال نصف قرن، وشكلت عدة لجان تحقيق، من دون الوصول إلى نتيجة. وفقط في عام 2021 اعتذرت الحكومة الإسرائيلية وعرضت تعويضات[192].
وقد استغل اليمين الإسرائيلي مشاعر المظلومية هذه لاجتذاب اليهود الشرقيين إلى قاعدته الاجتماعية. وبما أن الدولة يهودية، وهي دولة اليهود في تعريفها لذاتها، فسرعان ما استخدم الجيل الثاني من أبناء المهاجرين هذه النقطة للاحتجاج على معاملتهم بصفة مواطنين من الدرجة الثانية مع أنهم يهود ويُفترض أن الدولة دولتهم. لذلك، لم يتطور من هذا النضال ضد الظلم والوصاية والاستعلاء موقف كوني من المساواة والمواطنة، بل استمر بوصفه خطابًا حقوقيًّا في إطار الصهيونية، لم يتردد في التعبير عن كراهية ضد العرب، للتطهر من الهوية العربية، والتأكيد على هوية أصحابه اليهودية والصهيونية. وما بدأ احتجاجًا اجتماعيًّا راديكاليًّا، كما في حالة حركة الفهود السود، سرعان ما تحول إلى احتجاج سياسي يؤكد على الانتماء اليهودي القومي والديني، والتطرف في التشدد عليه وسيلةً لنيل الحقوق والترقي السياسي من خلال حزب الليكود، وإنشاء أحزاب دينية شرقية مثل حركة شاس، تمثل مصالحهم في الائتلافات الحكومية، وظلت هناك استثناءات متمثلة بمثقفين وناشطين يعملون على الجمع بين مطلب المساواة، والهوية الشرقية (وحتى العربية) والتعاطف مع الفلسطينيين بوصف اليهود الشرقيين ضحايا الصهيونية مثل الفلسطينيين.
وفي المجمل، يمكن القول إن ما بدا في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته شرخًا عميقًا في المجتمع الإسرائيلي عجزت الصهيونية عن جسره، لم يعد أحد الشروخ الكبرى مثل الشرخ الديني العلماني بشأن نمط الحياة في إسرائيل، والشرخ بشأن الأراضي المحتلة عام 1967 والعلاقة مع الفلسطينيين. فعلى الرغم من الحفاظ على "هوية شرقية" ذات طابع فولكلوري في مقابل أعوام الوصاية والإذلال، نجحت إسرائيل عمليًّا مع تعاقب الأجيال في دمج اليهود الشرقيين في مؤسسات الدولة، بما في ذلك الحكومة والبرلمان والجيش، وكذلك المجتمع، فقد نشأت أجيال لا تعرف لغة أهلهم ولهجاتهم المحلية المغربية واليمنية والعراقية والفارسية والكردية وغيرها، وأصبحت لغتها وثقافتها السائدة هي
العبرية. وتتنافس الأحزاب على الاعتراف بمظلوميات اليهود الشرقيين على نحو يمكّن من احتوائهم والتعايش مع ذاكرة المظلومية في إطار الصهيونية والهوية اليهودية الإسرائيلية. يمكن تقييم هذه الصيرورة المعقدة المنطلقة من هجرات متعددة المشارب بوصفها نجاحًا في عملية بناء الأمة، على الرغم من حصولها في إطار كيان استيطاني استعماري.
عدد اليهود المهاجرين من الدول العربية والإسلامية إلى إسرائيل بين عامي 1948 و1968
كان عدد اليهود في الدول الإسلامية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عشيّة إعلان الدولة يقدّر بنحو مليون يهودي. بدأت أولى موجات الهجرة من هذه الدول في الفترة بين عامي 1948 و1951، وقد وصل 340 ألف يهودي إلى إسرائيل. وشملت هذه الموجة مجموعتين: الأولى مثّلت نحو ثلثي عدد المهاجرين (نحو 210 آلاف)، كانت جزءًا من عملية بعنوان "إعادة توحيد الشتات اليهودي"، إذ هاجرت إلى إسرائيل مجتمعات يهودية كاملة تقريبًا، منها نحو 31 ألف يهودي من ليبيا، و50 ألفًا من اليمن، و125 ألفًا من العراق. أما المجموعة الثانية، فتُقدّر بنحو 130 ألف يهودي، وهاجر من تركيا 34 ألفًا، ومن إيران 25 ألفًا، ومن سورية ولبنان نحو 2500، ومن مصر 17 ألفًا، ومن المغرب والجزائر وتونس (45 ألفًا). وبذلك، تضاعف عدد اليهود خلال ثلاثة أعوام، لكن تغيّرت التركيبة الديموغرافية في إسرائيل، إذ أصبح المهاجرون من الدول الإسلامية وأبناؤهم يشكلون ثلث السكان اليهود[193].
بعد عام 1951، بقي في إيران 70 ألف يهودي، و50 ألفًا في تركيا، و45 ألفًا في مصر، في حين كان أكبر تجمع لليهود في شمال أفريقيا (المغرب والجزائر وتونس) تحت السيطرة الفرنسية، إذ كان يقيم أكثر من نصف مليون يهودي. وصل إلى إسرائيل من دول شمال أفريقيا خلال الأعوام الأولى بعد إعلانها دولةً 45 ألف مهاجر فقط، لكن بالتزامن مع نهاية الاستعمار الفرنسي لهذه المنطقة ازداد عدد المهاجرين اليهود من شمال أفريقيا في الفترة ما بين 1954 إلى 1956. وبعد عام 1956، مع استقلال تونس والمغرب، انخفض عدد المهاجرين وانحصرت عمليات الهجرة في القنوات غير الرسمية. كذلك نظّمت إسرائيل، بين عامي 1952 و1960، تدفق الهجرة من الدول الإسلامية من خلال سياسة انتقائية استندت إلى معايير اقتصادية، إذ وُجّه هؤلاء المهاجرون، ومعظمهم من شمال أفريقيا، إلى مستوطنات في المناطق النائية في إسرائيل. انتهت هذه السياسة الانتقائية عام 1961 بعد اتفاق بين إسرائيل والمغرب لتنسيق عملية تهجير جماعية لليهود، إذ هاجر نحو 100 ألف يهودي أغلبهم إلى إسرائيل، بينما توجه الباقون إلى فرنسا، ووصل عدد قليل منهم إلى وجهات أخرى في الغرب. وبعد استقلال الجزائر عام 1962، تكررت ظاهرة تهجير مجتمع كامل، لكن هذه المرة ليس إلى إسرائيل، ففي إطار هجرة ما يقارب مليون شخص من حاملي الجنسية الفرنسية، هاجر ما يقارب 140 ألف يهودي من الجزائر إلى فرنسا[194]. وفي الفترة ما بين عامي 1949 و1951، هاجر نحو 30,000 يهودي من ليبيا من أصل 35,000 إلى إسرائيل[195].
بدأت عملية الهجرة الجماعية ليهود العراق في أيار/ مايو 1950، وبلغت ذروتها في ربيع عام 1951 وصيفِه، إذ هاجر في تلك الفترة نحو 120 ألف يهودي من العراق إلى إسرائيل؛ نحو 105 آلاف جوًا من العراق إلى إسرائيل مباشرة، في حين وصل 15 ألفًا عبر إيران. وبحلول نهاية عام 1951، لم يبقَ في العراق إلا أقل من 10 آلاف يهودي[196].
بين كانون الأول/ ديسمبر 1948 وأواخر عام 1951، هاجر نحو 50,000 يهودي يمني إلى إسرائيل، وصلت غالبيتهم في عام 1949. كانت هجرة يهود اليمن على ثلاث مراحل: 7,000 يهودي "يمني وعَدَني" من كانون الأول/ ديسمبر 1948 حتى آذار/ مارس – نيسان/ أبريل 1949، ثم 30,000 يهودي يمني من تموز/ يوليو حتى تشرين الثاني/ نوڨمبر 1949، و10,000 يهودي حتى أواخر عام 1950[197].
وبعد حرب سيناء عام 1956، هاجر أكثر من 30 ألف يهودي من مصر. كذلك هاجر في الستينيات من تبقى من يهود العراق، الذين بلغ عددهم 3000، عبر إيران إلى وجهات مختلفة منها إسرائيل وبريطانيا وأميركا الشمالية، وذلك بعد حرب 1967. أما يهود ليبيا الذين بقوا بعد الهجرة الجماعية في أوائل الخمسينيات، فقد هاجر معظمهم إلى إيطاليا. وأغلبية اليهود في إيران غادروها بعد
الثورة الإسلامية عام 1979، لكن اختار معظمهم الولايات المتحدة بدلًا من إسرائيل. وفي سورية، منع اليهود، الذين لم يتجاوز عددهم 5000 نسمة، من مغادرة البلاد ولم يُسمح لهم بالهجرة إلا في التسعينيات، وقد هاجر بعضهم إلى إسرائيل ومعظمهم إلى الولايات المتحدة. أما اليهود المتبقون في اليمن، فقد شكلوا مجتمعًا صغيرًا، هاجر معظمهم إلى إسرائيل في التسعينيات، وبعضهم إلى الولايات المتحدة[198].
في المحصلة، هاجر منذ عام 1948 وحتى عام 2024 ما يقارب مليون يهودي من الدول العربية والإسلامية خلال فترة قصيرة، ثلثاهم إلى إسرائيل، في حين توزّعت البقية على دول أوروبا الغربية، ولا سيما فرنسا، إضافة إلى أميركا الشمالية والأرجنتين والبرازيل. ولم يتبق في البلدان الإسلامية إلا 30 ألف يهودي تقريبًا، معظمهم في إيران وتركيا (الجدول 1)[199].
[الجدول 1]
أعداد اليهود المهاجرين من الدول العربية إلى فلسطين قبل إعلان إسرائيل دولةً وبعده (1919-2000)
| 1919-1948
| 1948-1951 | 1952-1967 | 1968-1988
| 1989-2000 | الإجمالي* 1948-2000 |
العراق | .. | 123,371 | 3,838 | 1,955 | 291 | 129,455 |
اليمن | 15,838 | 48,315
| 2,118 | 142 | 90 | 50,665 |
سورية[200] | .. | 2,913 | 4,862
| 3,703 | 93 | 11,571 |
المغرب | 994
[201] | 28,264
| 210,115 | 24,420 | 3,290 | 266,089 |
الجزائر | .. | 3,811 | 10,566 | 7,331 | 1,655 | 23,363 |
تونس | .. | 13,294 | 32,841 | 16,239 | 1,610 | 63,984 |
ليبيا | 873 | 30,976 | 3,329 | 1,430 | 72 | 35,807 |
مصر والسودان | .. | 8,760 | 19,198 | 1,899 | 243 | 30,100 |
الإجمالي* | 17,705 | 259,704 | 286,867 | 57,119 | 7,344 | 611,034 |
المصدر :
Yinon Cohen, “From Haven to Heaven: Changing Patterns of Immigration to Israel,” in: Challenging Ethnic Citizenship: German and Israeli Perspectives on Immigration, Daniel Levy & Yfaat Weiss (eds.) (New York: Berghahn Books, 2002), p. 40, table 2.1.
المراجع
العربية
بشارة، عزمي.
من يهودية الدولة حتى شارون: دراسة في تناقض الديمقراطية الإسرائيلية. القاهرة: دار الشروق، 2005.
________. "قانون القومية: كم مرة سوف يعلنون قيام إسرائيل؟".
تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 24/7/2018. في:
https://acr.ps/1L9Ba9G
بشير، نبيه. "قراءة جديدة لعقيدة الجدار الحديدي" [يضم ترجمة صياغتيْن لمقالة جابوتنسكي حول النظرية الأخلاقية للجدار الحديدي].
قضايا إسرائيلية. العدد 69 (2018). ص 40–51.
بن غوريون، داڨيد.
رسائل بن غوريون. ترجمة الملكة دينا عبد الحميد. بيروت: دار القدس، 1979.
________. "نحو المستقبل". ترجمة ياسين الحاج.
قضايا إسرائيلية. العدد 61 (2016). ص 123–128.
________. "عن استيضاح أصل الفلاحين (1917)". ترجمها عن العبرية وقدم لها نبيه بشير.
مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 138 (2024). ص 164–180.
جابوتنسكي، زئيف. "عن الجدار الحديدي". ترجمة نبيل الصالح.
قضايا إسرائيلية. العدد 37–38 (2010). ص 31-35.
جريس، صبري.
تاريخ الصهيونية 1862-1917. بيروت: مركز الأبحاث - منظمة التحرير الفلسطينية، 1977.
دولة إسرائيل. الوقائع الإسرائيلية. كتاب القوانين. العدد 51. 6 تموز/ يوليو 1950. القدس: القائم بمطبوعات الحكومة، 1950. [ترجمة عربية حكومية معتمدة].
________.
كتاب القوانين. العدد 112. 2 كانون الأول/ ديسمبر 1952. القدس: القائم بمطبوعات الحكومة، 1952. [ترجمة عربية حكومية معتمدة].
________. كتاب القوانين. العدد 138. 3 كانون الأول/ ديسمبر 1953. القدس: القائم بمطبوعات الحكومة، 1953. [ترجمة عربية حكومية معتمدة].
روبنشتاين، داني.
غوش إمونيم: الوجه الحقيقي للصهيونية. ترجمة غازي السعدي. عمّان: دار الجليل للنشر، 1983.
سموتريتش، بتسلئيل. "مخطط الحسم: اليمين يملك مفتاح السلام". ترجمه عن العبرية علاء حليحل.
قضايا إسرائيلية. العدد 89 (2023). ص 86–103.
شبيط، يعقوب (محرّر).
ضبط النفس أم الرد: الجدل في المستوطنات اليهودية 1936-1939. رمات غان: دار النشر التابعة لجامعة بار إيلان، 1938.
شلحت، أنطوان (محرر).
هرتسل، الصهيونية والدولة اليهودية. سلسلة أوراق إسرائيلية (69). رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، 2019.
لخلافسكي، سيفي.
حمار المسيح: الأصولية اليهودية – الحاضر والجذور. ترجمه عن العبرية إسماعيل دبج. دمشق: دار كنعان، 2003.
محارب، محمود. "وثيقة حول الفلاحين الفلسطينيين".
قضايا: مجلة فكرية لمعالجة القضية الفلسطينية وأحداثها وقضاياها المتعدّدة. العدد 8 (1991). ص 105-117.
هعام، أحاد. "مقتطفات من مقالة "الحقيقة من أرض إسرائيل". ترجمة سعيد عياش.
قضايا إسرائيلية. العدد 49 (2013)، ص 115–126.
العبرية
إپشتين، يتسحاق. "المسألة المحجوبة".
هشيلوح، مج 17، العدد 1 (1907). ص 193–206.
اتحاد ترومبلدور في أرض إسرائيل – الرئاسة، الصهيونية السياسية -.
أسس التصحيحية (مع ملاحق). تل أبيب: مكتبة شلومو بن يوسف. الإصدار رقم (1)، 1939.
بن غوريون، داڤيد. "بلد معطاة (متان إيرتس)".
كامفَر شتيميKämpferstimme ("صوت المقاتل"، دورية بالإيديش). العدد 27 (1915).
________.
ممعماد لعام (من طبقة إلى شعب). تل أبيب: دفار، 1933.
________.
رسائل إلى بولا والأولاد. تل أبيب: عام عوڤيد، 1968.
________.
مذكرات. تل أبيب: عام عوفيد، 1971.
بن غوريون، داڤيد ويتسحاق بن تسڤي.
أرض إسرائيل ماضيًا وحاضرًا. ترجمه من الإيديش داڤيد نيف. القدس: معهد بن تسڤي ومعهد تراث بن غوريون، 1979 [1918].
بروش، تمار (محرر).
خطاب لكل حين. تل أبيب: الجامعة المفتوحة؛ يديعوت أحرونوت–سفري حيمد، 1993.
تبنكين، يتسحاق.
دﭬريم، الجزء الثاني: (1936-1939). تل أبيب: هكيبوتس همئوحاد، 1972.
جابوتنسكي، زئيڤ.
كتابات: تاريخ ودين وثقافة يهودية. أريه ناؤور (محرّر). تل أبيب: معهد جابوتنسكي في إسرائيل ومعهد مناحِم بيغن، 2021.
داڤيد بن غوريون: رئيس الحكومة الأول، وثائق مختارة 1947-1963. القدس: أرشيف دولة إسرائيل، 1997.
ديّان، موشي.
خريطة جديدة، علاقات مختلفة. تل أبيب/ حيفا: سفريات معاريف م.ض؛ "شكمونه" شركة للنشر م. ض، 1969.
دولة إسرائيل. الوقائع الإسرائيلية.
محاضر الكنيست 30. الدورة الثانية، الجلسة 160، 3 تموز/ يوليو 1950. المجلد 6.
________.
مجموعة النشرات. رقم 1456. 7 حزيران/ يونيو 1968. المجلد 19.
رابيتسكي، أبيعزر (محرّر).
أرض إسرائيل في الفكر اليهودي في القرن العشرين. القدس: معهد بن تسفي، 2004.
راينس، يتسحاق يعقوب.
نور جديد على صهيون. فيلنوس: مطبعة الأرملة والأخوة رام، 1901.
رعنان، تسفي.
غوش إمونيم. تل أبيب: الكيبوتس الموحّد – سفريات بوعاليم، 1980.
روبين، آرثر.
فصول حياتي. يعكوف رابي (مترجم). ألكس بين وم. فينكلر (محرران). تل أبيب: إصدارات عام عوفيد، 1968.
شابيرا، أنيتا (محررة).
نصرّح بما يلي: 60 خطابًا مختارًا في تاريخ إسرائيل. أور يهودا: زمورا-بيتان، 2008. بيردشڤسكي، ميخا يوسف (محرر).
بيت همدراش. كراكوف: Eisig Gräber، 1888.
شاپيرا، تسڤي هرمان.
كتابات صهيونية. ب. دينبورغ (محرر). القدس: الدائرة الرئيسية في الصندوق القومي اليهودي، 1925.
شالوم، زاكي. "بروتوكول لقاء بن غوريون وأديناور".
عيونيم بتكومات يسرائيل. العدد 6 (1996)، ص 604-626.
شالوم يهودا، أبرهام. "موقف هرتسل من المسألة العربية".
هيد همزراح. العدد 10 (1949)، ص 1-2.
شفيط، غرشون.
غوش إمونيم: القصة من خلف الكواليس. بيت إيل: مكتبة بيت إيل، 1995.
عميطال، يهودا.
من الأعماق: كلام حول قضايا راهنة مرتبطة بالخلاص والحروب. القدس: أغودات يشيڤبات هار عتسيون، 1974.
القلعي، يهودا.
أعمال يهودا القلعي الكاملة. يتسحاق رفائيل (محرر). ط 2. القدس: معهد الراب كوك، 1974.
كتسنلسون، بيرل.
الأعمال الكاملة،
المجلد 11: فصول في تاريخ الحركة العمالية. تسجيل لمحاضرات بيرل كتسنلسون ضمن سمينار شبيبة الحزب على جبل الكرمل، أيار-حزيران 1944. تل أبيب: حزب عمال أرض إسرائيل، 1950-1953.
كزاز، نيسيم.
نهاية
المنفى: اليهود في العراق بعد الهجرة الجماعية، 1951–2000. أور يهودا: مركز تراث يهود بابل، 2002.
كلاوزنر، يوسف. "بماذا تطالب المعارضة".
هشيلوح. العدد 259 (1924). ص 293–301.
________. "الصراع على النظرة إلى العالم".
هتكوفاه. العددان 26-27 (1935).
ليلينبلوم، موشيه.
جميع كتابات موشيه لايب ليلينبلوم. أوديسا: مطبعة مورياه، 1912/1913.
________.
حول نهضة شعب إسرائيل في أرض أجداده. القدس: دائرة شؤون الشبيبة والروّاد في النقابة الصهيونية، 1953.
مارجولين، رون (محرر).
دولة إسرائيل بوصفها دولة يهودية ديمقراطية. القدس: الاتحاد العالمي لدراسات اليهودية (هأيغود هعولامي لمداعي هُيهدوت)، 1998.
مڤوراخ، بروخ (محرّر).
نابليون وعصره. القدس: معهد/ مؤسسة بياليك، 1968.
ميئور، يتسحاق.
الحركة الصهيونية في روسيا. القدس: المكتبة الصهيونية، 1974.
ناؤور، مردخاي (محرر).
المهاجرون/ "العوليم" ومعسكرات الانتقال، 1948–1952. القدس: معهد يتسحاك بن-تسڤي، 1986.
نوردو، ماكس.
مؤلفات نوردو. القدس: المكتبة الصهيونية، 1954.
هعام، أحاد.
الأعمال الكاملة:على مفترق طرق. برلين: يوديشر فرلاغ Judischer Verlag، 1930 [1921].
ياﭬتس، زئيڤ.
تاريخ الشعب اليهودي. تل أبيب: عام عولام، 1954.
يعري، أبراهام.
رسائل أرض إسرائيل. تل أبيب: غزيت، 1943/ 1944.
ينائيت– بن تسڤي، راحيل. "حول مسألة الثقافة في أرض إسرائيل".
هأحدوت. الأعداد 15-21، 23-24 (3, 10, 17, 24 شباط/ فبراير، 3، 15، 31 آذار/ مارس، 7 نيسان/ إبريل 1911).
الأجنبية
Ahroni, Reuben.
Jewish Emigration from the Yemen 1951–1998: Carpet without Magic. Richmond: Curzon Press, 2001.
Alroey, Gur. “Journey to New Palestine: The Zionist Expedition to East Africa and the Aftermath of the Uganda Debate.”
Jewish Culture and History. vol. 10, no. 1 (2008). pp. 23–58.
Anchel, Robert.
Napoléon et les Juifs. Paris: les Presses universitaires de France, 1928.
“Assemblée nationale: Présidence de M. Demeunier, Séance du mercredi 23 décembre 1789.”
Archives parlementaires de 1787 à 1860. vol. 10. Paris: 1878. at:
https://acr.ps/1L9B9ys
Bashkin, Orit.
New Babylonians: A History of Jews in Modern Iraq. Stanford Cal.: Stanford University Press, 2012.
Beinin, Joel.
The Dispersion of Egyptian Jewry: Culture, Politics, and the Formation of a Modern Diaspora. Berkeley: University of California Press, 1998.
Berkovitz, Jay R.
The Shaping of Jewish Identity in Nineteenth-Century France. Detroit: Wayne State University Press, 1989.
Biderman, Israel M.
Hermann Schapira: Father of the JNF. Zionist Personalities Series. New York: Jewish National Fund, 1962.
Birnbaum, Nathan. “Antisemitismus und Nationaljudenthum.”
Selbst-Emancipation. vol. 3, no. 2 (1890).
________. “Die Ziele der jüdisch-nationalen Bestrebungen, II: national-politischer Theil.”
Selbst-Emancipation. vol. 3, no. 4 (1890).
________. “Die Principien des Zionismus I.”
Selbst-Emancipation. vol. 5, no. 3 (1892).
________. “Die Principien des Zionismus II.”
Selbst-Emancipation. vol. 5, no. 5 (1892).
________. “Die Principien des Zionismus III.”
Selbst-Emancipation. vol. 5, no. 6/7 (1892).
________.
Die nationale Wiedergeburt des jüdischen Volkes in seinem Lande, als Mittel zur Lösung der Judenfrage: Ein Appell an dis Guten und Edlen aller Nationen. Wien: Selbstverlage des Verfassers, 1893.
Bishara, Azmi.
Palestine: Matters of Truth and Justice. London: Hurst, 2022.
Cohen, Israel (ed.). The Rebirth of Israel: A Memorial Tribute to Paul Goodman. London: Goldstein and Sons, 1952.
Cohen, Mitchell (ed.).
Class Struggle and the Jewish Nation: Selected Essays in Marxist Zionism. New Jersey/ London: Transaction Books, 1984.
Conforti, Yitzhak. “Searching for a Homeland: The Territorial Dimension in the Zionist Movement and the Boundaries of Jewish Nationalism.”
Studies in Ethnicity and Nationalism. vol. 14, no. 1 (2014). pp. 36–54.
________.
Zionism and Jewish Culture: A Study in the Origins of a National Movement. Boston: Academic Studies Press, 2024.
Dowty, Alan & Yitzhak Epstein. "‘A Question That Outweighs All Others’: Yitzhak Epstein and Zionist Recognition of the Arab Issue.”
Israel Studies. vol. 6, no. 1 (2001). pp. 34–54.
Eötvös, József.
Die Emancipation der Juden. Pest: Gustav Heckenast, 1841.
Frankel, Jonathan. Prophecy and Politics: Socialism, Nationalism, and the Russian Jews, 1862-1917. New York: Cambridge University Press, 1981.
Friedman, Mordechai (Motti).
Theodor Herzl’s Zionist Journey – Exodus and Return. Berlin/ Boston: De Gruyter Oldenbourg, 2021.
Gat, Moshe.
“The Connection between the Bombings in Baghdad and the Emigration of the Jews from Iraq: 1950-51,”
Middle Eastern Studies. vol. 24, no.3 (1988). pp. 312–329.
Gavison, Ruth. “Can Israel be both jewish and democratic? or: Israel between jewishness and democrarcy.” at:
https://acr.ps/1L9B9W3
Gorny, Yosef,
Zionism and the Arabs, 1882–1948. Oxford: Clarendon Press, 1987.
Ha'am, Achad. “This is not the Way (The Wrong Way) (lo zu Haderech) (1889).“
Zionism on the Web. at:
https://acr.ps/1L9Ba1q
Halphen, Achille-Edmond (ed.).
Recueil des lois, décrets et ordonnances, concernant les Israélites. Paris: Aux Bureaux des Archives israélites, 1851.
Hazony, Yoram. "Did Herzl Want A “Jewish” State?"
Azure. Spring 2000.
Herzl, Theodore.
The Jewish State: An Attempt at a Modern Solution of the Jewish Question. New York: Federation of American Zionists, 1917.
________.
The Complete Diaries of Theodor Herzl. Raphael Patai (ed.). Harry Zohn (trans.). London/ New York: Herzl Press; Thomas Yoseloff Publisher, 1960.
Hess, Moses.
Rome and Jerusalem: A Study in Jewish Nationalism. Meyer Waxman (trans.). New York: Bloch Publishing Company, 1918.
________. Rom und Jerusalem: Die letzte Nationalitätenfrage. Wien/ Jerusalem: R. Löwit, 1935.
Horowitz, Brian. “A Leap over History: Vladimir Jabotinsky’s Political Paradigms, 1916–1940.”
Israel Studies Review. vol. 36, no. 1 (2021). pp. 110-127.
Hurwitz, Maximilian.
Eretz Israel: Jubilee Volume of the Jewish National Fund. New York: Jewish National Fund, 1932.
Jaffe, Leib.
Rabbi and Mathematician: The Life of Hermann Schapira. Jerusalem: Joint Committee for Youth Affairs, 1939.
Katz, Jacob.
Out of the Ghetto: The Social Background of Jewish Emancipation, 1770-1870. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1973.
Kociszewski, Jaroslaw & Philip Earl Steele. “Rabbi Samuel Mohilever – Toward ‘the Gates of Hope’.”
New Eastern Europe. 15/12/2021. at:
https://acr.ps/1L9B9U1
Kraus, Yitzhak. “Rabbi Alkalai on Returning to Zion and Returning to the Lord.” Parshat Hashavua Study Center Bar-Ilan University. 2014. at:
https://acr.ps/1L9B9OC
Laqueur, Walter.
A History of Zionism. New York: Holt, Rinehart and Winston, 1972.
Lehn, Walter. “The Jewish National Fund.”
Journal of Palestine Studies. vol. 3, no. 4 (1974). pp. 77–81.
“Letter from Napoleon to the Jewish Nation, April 20, 1799.”
Jewish Virtual Library. at:
https://acr.ps/1L9B9Qz
Levy, Daniel & Yfaat Weiss (eds.).
Challenging Ethnic Citizenship: German and Israeli Perspectives on Immigration. New York: Berghahn Books, 2002.
Liebel, Manfred. “Violent Abduction of Yemenite Jewish Children in Israel: A Historical Study on the Intergenerational Dynamics of Oppression and Resistance.”
Global Studies of Childhood. vol. 15, no. 3 (2024). pp. 317-331.
Louis D. Brandeis,
The Jewish Problem: How to Solve It (Speech to the Conference of Eastern Council of Reform Rabbis, April 25, 1915) (New York: Zionist Essays Publication Committee, 1915), accessed via Internet Archive at:
https://acr.ps/1L9B9Y2
Meir-Glitzenstein, Esther. “Operation Magic Carpet: Constructing the Myth of the Magical Immigration of Yemenite Jews to Israel.”
Israel Studies. vol. 16, no. 3 (2011). pp. 149-173.
________. “Turning Points in the Historiography of Jewish Immigration from Arab Countries to Israel.”
Israel Studies. vol. 23, no. 3 (2018). pp. 114-122.
________. “From Narratives to History: New Perspectives on Mass Emigration of Jews from Islamic Countries in the Early 1950s.”
Journal of Israeli History. vol. 42 no.1–2, (2024). pp. 1-24.
Moreno, Aviad. “Beyond the Nation-State: A Network Analysis of Jewish Emigration from Northern Morocco to Israel.” International Journal of Middle East Studies. vol. 52, no. 1 (2020). pp. 1-21.
Myers, Jody.
Seeking Zion:Modernity and Messianic Activism in the Writings of Tsevi Hirsch Kalischer. Liverpool: Liverpool University Press, 2003.
Newman, Aryeh. “Zvi Hirsch Kalischer – Father of the Third Return to Zion.”
Tradition: A Journal of Orthodox Jewish Thought. vol. 5, no. 1 (1962). pp. 76–89.
Nordau, Max. “Address by Max Nordau at the First Zionist Congress, (August 29, 1897).”
Jewish Virtual Library. at:
https://acr.ps/1L9Ba5I
________.
Max Nordau's Zionistische Schriften. Köln/Leipzig: Jüdischer Verlag, 1909.
________.
Max Nordau's Zionistische Schriften. Herausgegeben vom Zionistischen Aktionskomitee. Köln and Leipzig: Jüdischer Verlag, 1909.
Patai, Raphael (ed.).
Encyclopedia of Zionism and Israel. New York: McGraw Hill, 1971.
Piétri, François.
Napoléon et les Israélites. Paris: Berger-Levrault 1965.
Pinsker, Leon. Auto-Emancipation. D. S. Blondheim (trans.). New York: The Macabaean Publishing Company, 1906.
________. “Auto-Emancipation: An Appeal to his People by a Russian Jew.”
Jewish virtual library. at:
https://acr.ps/1L9B9Tp
Pinsker, Lev Semenovich. Road to Freedom: Writings and Addresses. with an introduction by Benzion Netanyahu. New York: Scopus, 1944.
“Rabbi Tzvi Yehuda HaKohen Kook.”
Mercaz Harav. at:
https://acr.ps/1L9B9r1https://mercazharav.org.il/en/our-leaders/rabbi-tzvi-yehuda-kook/
Razzouk, Ass’ad.
Greater Israel: A Study in Zionist Thought. Beirut: PLO Research Center, 1970.
“Reform Judaism & Zionism: A Centenary Platform (“The Miami Platform” – 1997).”
Central Conference of American Rabbis. 24/6/1997. at:
https://acr.ps/1L9B9LV
“Reform Judaism: A Centenary Perspective (Adopted in San Francisco, 1976).”
Central Conference of American Rabbis. at:
https://acr.ps/1L9B9FC
Reinharz, Jehuda.
Chaim Weizmann: The Making of a Zionist Leader. New York/ Oxford: Oxford University Press, 1985.
Rogachevsky, Neil & Dov Zigler.
Israel’s Declaration of Independence: The History and Political Theory of the Nation’s Founding Moment. Cambridge: Cambridge University Press, 2022.
Rose, Norman. Chaim Weizmann: A Biography. New York: Viking, 1986.
Roumani, Maurice.
The Jews of Libya: Coexistence, Persecution, Resettlement. Brighton: Sussex Academic Press, 2009.
Rovner, Adam.
In the Shadow of Zion: Promised Lands Before Israel. New York/ London: New York University Press, 2014.
Segev, Tom.
A State at Any Cost: The Life of David Ben-Gurion. Haim Watzman (trans.). London: Apollo, 2019.
Shamir, Ronen.
The Colonies of Law: Colonialism, Zionism and Law in Early Mandate Palestine. Cambridge: Cambridge University Press, 2000.
Simon, Leon (ed. & trans).
Selected Essays of Ahad Ha-‘Am. New York: Atheneum - A Temple Book, 1912.
Sokolov, Nahum.
The History of Zionism, 1600-1918. New York: Longmans, Green and Co., 1919.
Sternfeld, Lior.
Between Iran and Zion: Jewish Histories of Twentieth-Century Iran. Stanford: Stanford University Press, 2019.
Syrkin, Nachman.
Essays on Social Zionism. New York: Young Poale Zion Alliance of America, 1935.
Tama, Diogène (ed.).
Collection des procès-verbaux et décisions du Grand-Sanhédrin. Paris: Treuttel & Würtz / L’Éditeur, 1807.
Taylor, Lev. “Why were the Founders of Liberal Judaism in Britain Opposed to Zionism?.”
European Judaism. vol. 53, no. 2 (2020). pp. 109-123.
Teveth, Shabtai.
Ben-Gurion and the Holocaust. New York: Harcourt Brace & Company, 1996.
“The Guiding Principles of Reform Judaism (The Columbus Platform – 1937).”
Central Conference of American Rabbis. at:
https://acr.ps/1L9BafN
Ussishkin, M.
“Our Program,:” An Essay.” D. S. Blondheim (trans.). New York: The Federation of American Zionists, 1905.
Vital, David.
The Origins of Zionism. Oxford: Clarendon Press, 1975.
Walters, James (ed.).
Religious Imaginations: How Narrative of Faith are Shaping Today’s World. London: Gingko, 2018.
Yedidya, Asaf. “Between Peretz Smolenskin and Ahad Ha’am: The Forgotten Historiography of the Jewish National Movement Hibbat Zion.”
Nationalities Papers. vol. 53, no. 1 (2025). pp. 208–224.
Yehuda, Zvi.
The New Babylonian Diaspora: The Rise and Fall of the Jewish Community in Iraq, 16th-20th CenturiesC.E. Leiden: Brill, 2017.
Zamkanei, Shayna. “The Politics of Defining Jews from Arab Countries.” Israel Studies. vol. 21, no. 2, Special Section—Dislocations of Immigration (2016). pp. 1-26.
[1] “Assemblée nationale: Présidence de M. Demeunier, Séance du mercredi 23 décembre 1789,”
Archives parlementaires de 1787 à 1860, vol. 10 (Paris: 1878), p. 756, accessed on 24/2/2025, at:
https://acr.ps/1L9B9ys
[2] Ophir Yarden, “The Balfour Declaration: From Imagining a State to Re-Imagining Majority-Minority Relations in Jewish Thought and the Jewish State,” in: James Walters (ed.),
Religious Imaginations: How Narrative of Faith are Shaping Today’s World (London: Gingko, 2018), p. 66.
[3] Diogène Tama (ed.),
Collection des procès-verbaux et décisions du Grand-Sanhédrin (Paris: Treuttel & Würtz / L’Éditeur, 1807); Achille-Edmond Halphen (ed.),
Recueil des lois, décrets et ordonnances, concernant les Israélites (Paris: Aux Bureaux des Archives israélites, 1851), pp. 20–34; Robert Anchel,
Napoléon et les Juifs (Paris: les Presses universitaires de France, 1928); François Piétri,
Napoléon et les Israélites (Paris: Berger-Levrault 1965), pp. 84–115;
بروخ مڤوراخ (محرّر)،
نابليون وعصره (القدس: معهد/ مؤسسة بياليك، 1968)، ص 77–132 [بالعبرية]. للمزيد عن هذا الموضوع يُنظر أيضًا:
Jay R. Berkovitz, The Shaping of Jewish Identity in Nineteenth-Century France (Detroit: Wayne State University Press, 1989).
[4] صدر تحت هذا العنوان بالعبرية في برلين عام 1782. ودعم فيه أفكار موزس مندلسون التنويرية.
[5] Baron József Eötvös, “Über die Emanzipation der Juden in Ungar,” in:
Die Emancipation der Juden (Pest: Gustav Heckenast, 1841), pp. 11 f., 20 f.
يمكن الاطلاع على مقتطفات من هذا النص القديم في الموقع الآتي:
https://acr.ps/1L9B9Pz
[6] “A Letter addressed by a [French] Jew to his Co-Religionists in 1798,” in: Nahum Sokolov,
The History of Zionism, 1600-1918, vol. 2 (New York: Longmans, Green and Co., 1919), pp. 220–222.
[7] “Letter from Napoleon to the Jewish Nation, April 20, 1799,”
Jewish Virtual Library, accessed on 17/3/2026, at:
https://acr.ps/1L9B9Qz; Sokolov, vol. 2, p. 220.
[8] نستخدم في هذا النص لفظ رابي للدلالة على رجل الدين اليهودي في تعريب لفظَي راڤ وحاخام.
[9] Yitzhak Kraus, “Rabbi Alkalai on Returning to Zion and Returning to the Lord,” Parshat Hashavua Study Center, Bar-Ilan University, 2014. accessed on 9/9/2025, at:
https://acr.ps/1L9B9OC
الحديث عن الخلاص الثالث في: يهودا القلعي،
أعمال يهودا القلعي الكاملة، يتسحاق رفائيل (محرر)، ط 2 (القدس: معهد الراب كوك، 1974) [بالعبرية].
[10] Jody Myers,
Seeking Zion:Modernity and Messianic Activism in the Writings of Tsevi Hirsch Kalischer (Liverpool: Liverpool University Press, 2003), pp. 59–88.
[11] Aryeh Newman, “Zvi Hirsch Kalischer – Father of the Third Return to Zion,”
Tradition: A Journal of Orthodox Jewish Thought, vol. 5, no. 1 (1962), pp. 76–89.
[12] يَعُد المؤرخ يعقوب كاتس ظهورَ يهود البلاط في القرنين السابع عشر والثامن عشر أحد العوامل المهمة في إحداث تغيير جذري على حياة اليهود في أوروبا. يُنظر بشأن أهمية هذا العنصر الجديد في الحياة اليهودية في أوروبا:
Jacob Katz,
Out of the Ghetto: The Social Background of Jewish Emancipation, 1770-1870 (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1973), pp. 28–41.
[13]Jaroslaw Kociszewski & Philip Earl Steele, “Rabbi Samuel Mohilever – Toward ‘the Gates of Hope’,”
New Eastern Europe, 15/12/2021, accessed on 18/3/2026, at:
https://acr.ps/1L9B9U1
[14]Moses Hess,
Rom und Jerusalem: Die letzte Nationalitätenfrage (Wien/ Jerusalem: R. Löwit, 1935).
تُرجم إلى الإنكليزية تحت عنوان:
روما والقدس: دراسة في القومية اليهودية، يُنظر:
Moses Hess,
Rome and Jerusalem: A Study in Jewish Nationalism, Meyer Waxman (trans.) (New York: Bloch Publishing Company, 1918).
ويمكن الاطلاع على الكتاب في الموقع الآتي:
https://acr.ps/1L9BalI
[15] Theodor Herzl, “Entry of May 2, 1901,” in:
The Complete Diaries of Theodor Herzl, Raphael Patai (ed.), Harry Zohn (trans.), vol. 3 (London/ New York: Herzl Press; Thomas Yoseloff Publisher, 1960), p. 1090.
[16] Moses Hess,
Rome and Jerusale, p. 60.
[17]Ibid., p. 85.
[18] ترجم إلى الإنكليزية عام 1906:
Leon Pinsker, Auto-Emancipation, D. S. Blondheim (trans.) (New York: The Macabaean Publishing Company, 1906).
وأيضًا ضمن مجموعة كتاباته وخطاباته التي صدرت لاحقًا عام 1944:
Lev Semenovich Pinsker, Road to Freedom: Writings and Addresses, with an introduction by Benzion Netanyahu (New York: Scopus, 1944), pp. 74–106.
ويمكن الاطلاع عليه في:
Leon Pinsker, “Auto-Emancipation: An Appeal to his People by a Russian Jew,”
Jewish virtual library, accessed on 18/3/2026, at:
https://acr.ps/1L9B9Tp
[19] لتاريخ موجز للحركة تحت عنوان "Lovers of Zion" يُنظر أحد الكتب الأولى عن تاريخ الصهيونية:
Walter Laqueur,
A History of Zionism (New York: Holt, Rinehart and Winston, 1972), pp. 75–83.
[20] يُنظر:
Herzl, “Entry of February 10, 1896,” in:
The Complete Diaries, vol. 1, p. 299.
[21] Max Nordau, “Address by Max Nordau at the First Zionist Congress, (August 29, 1897),”
Jewish Virtual Library, accessed on 10/9/2025, at: h
https://acr.ps/1L9Ba5I
[22] Pinsker, Road to Freedom, pp. 107–110.
[23] Asaf Yedidya, “Between Peretz Smolenskin and Ahad Ha’am: The Forgotten Historiography of the Jewish National Movement Hibbat Zion,”
Nationalities Papers, vol. 53, no. 1 (2025), pp. 208–210.
[24] Ibid., pp. 211–215.
[25] Ibid., p. 212.
[26] كما في كتاب: زئيڤ ياڤتس،
تاريخ الشعب اليهودي (تل أبيب: عام عولام، 1954) [بالعبرية].
[27] صدرت بعنوان آخر باللغة العبرية: موشيه لايب ليلينبلوم،
حول نهضة شعب إسرائيل في أرض أجداده (القدس: دائرة شؤون الشبيبة والروّاد في النقابة الصهيونية، 1953)، ص 59–71، [بالعبرية].
يُنظر أيضًا: موشيه لايب ليلينبلوم،
جميع كتابات موشيه لايب ليلينبلوم، ج 4 (أوديسا: مطبعة مورياه، 1912/1913)، ص 26.
وفي كتاب
The Origins of Zionism نص مترجم من مقالة ليليِنبلوم هذا وفيه هذا النص المطلوب، إذ يشير الكاتب إلى أن النص مقتبس من مقال ليليِنبلوم "Obshcheyevreiski vopros i Palestina" الذي نُشر في جريدة
رازڤيت (Razsvyet) في تاريخ 9 تشرين الأول/ أكتوبر 1881: "في العصر الوسيط، عصر الجهل والظلمات، كان المعيار هو الدين: المسيحي كان ابن البيت، وغير المسيحي كان غريبًا [...] عاد العصر الوسيط، والفارق الوحيد هو أن الدين لم يعد المعيار لتمييز المحلي عن الغريب، بل القومية والعرق. هم الآن ربا البيت في غرب أوروبا وشرقها. ليس اليهودي جرمانيًّا من الأمة الألمانية، ولا مجريًّا من الأمة الهنغارية، ولا سلاڤيًّا، بل ساميًّا من نسل سام، ولذلك فهو غريب سواء أراد ذلك أم لا".
David Vital,
The Origins of Zionism (Oxford: Clarendon Press, 1975), pp. 118–119.
[28] Sokolov, vol. 1, p. 270; Israel M. Biderman,
Hermann Schapira: Father of the JNF, vol. 2, Zionist Personalities Series (New York: Jewish National Fund, 1962); Maximilian Hurwitz, “The Father of the National Fund: A Biographical Sketch of Hermann Schapira,” and “The Jewish National Fund: Its Origin, Object, History and Achievements,” in:
Eretz Israel: Jubilee Volume of the Jewish National Fund (New York: Jewish National Fund, 1932), pp. 24–43; Raphael Patai (ed.),
Encyclopedia of Zionism and Israel (New York: McGraw Hill, 1971), p. 620.
[29] تسڤي هرمان شاپيرا،
كتابات صهيونية، ب. دينبورغ (محرر) (القدس: الدائرة الرئيسية في الصندوق القومي اليهودي، 1925)، ص 64–68 [بالعبرية].
[30] Hermann Schapira, “Fragments from the Essays and Letters of Professor Hermann Schapira - Concerning the Rebirth of Israel,” in: Leib Jaffe (ed.),
Rabbi and Mathematician: The Life of Hermann Schapira (Jerusalem: Joint Committee for Youth Affairs, 1939), pp. 32–35.
[31] يحئيل ميخائيل ﭘينس وإليعيزر بن يهودا، "رسالة مؤسّسي جمعية إحياء شعب إسرائيل يوئيل ميخال ﭘينس وإليعيزر بن يهودا من القدس إلى شموئيل يوسف فين، 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1882)،" في: أبراهام يعري،
رسائل أرض إسرائيل (تل أبيب: غزيت، 1943/ 1944)، ص 451–453 [بالعبرية].
[32] يورام حزوني، "هرتسل أراد ’دولة يهودية‘ لا ’دولة اليهود‘"، في: أنطوان شلحت (محرر)،
هرتسل: الصهيونية والدولة اليهودية، سلسلة أوراق إسرائيلية 69 (رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، 2019)، ص 22–23. للاطلاع على النص بالإنكليزية:
Yoram Hazony, "Did Herzl Want A ‘Jewish’ State?"
Azure (Spring 2000), pp. 37–73.
[33] Theodore Herzl,
The Jewish State: An Attempt at a Modern Solution of the Jewish Question (New York: Federation of American Zionists, 1917), p. 10.
[34] Ibid., p. 11.
[35] Ibid., p. 12.
[36] Ibid.
[37] أبرهام شالوم يهودا، "موقف هرتسل من المسألة العربية"،
هيد همزراح، 10 (1949)، ص 1-2 [بالعبرية].
[38] Yitzhak Conforti,
Zionism and Jewish Culture: A Study in the Origins of a National Movement (Boston: Academic Studies Press, 2024), pp. 20, 297–299.
[39] المقصود هو القانون الدولي كما يتضح من شروح هرتسل لهذا المصطلح في عدة سياقات من ضمنها المؤتمر الأول.
[40] Ass’ad Razzouk,
Greater Israel: A Study in Zionist Thought (Beirut: PLO Research Center, 1970), p. 86.
[41] Herzl,
The Complete Diaries, vol. 1, p. 56.
[42] Ibid., vol. 2, p. 196.
[43] Max Nordau,
Max Nordau's Zionistische Schriften (Köln/Leipzig: Jüdischer Verlag, 1909), pp. 379–388.
صدر المقال بالعبرية ضمن مجموعة مقالات نوردو السياسية (تحرير پ لحوڨر، ترجمة ي بلوبشتاين) (المجلد الأول، تل أبيب: متبيسه، 1936)، ص 169–178.
[44] Max Nordau, “Die Aufgaben des Zionismus (‘Achiassaf’, 1898),” in: Nordau,
Max Nordau's Zionistische Schriften, pp. 320–328.
[45] صبري جريس،
تاريخ الصهيونية 1862-1948، ج 1: التسلل الصهيوني إلى فلسطين 1862-1917 (بيروت: مركز الأبحاث - منظمة التحرير الفلسطينية، 1977) ص 191؛ ماكس نوردو،
مؤلفات نوردو، ج 3 (القدس: المكتبة الصهيونية، 1954)، ص 32–33 [بالعبرية].
[46] Laqueur, p. 106.
[47] جريس، ص 145–155.
[48] المرجع نفسه، ص 155–156.
[49] Herzl, “Entry of September 3, 1897,” in:
The Complete
Diaries, vol. 2, p. 581.
[50] جريس، ص 161–162.
[51] Walter Lehn, “The Jewish National Fund,”
Journal of Palestine Studies, vol. 3, no. 4 (1974), pp. 77–81.
[52] Laqueur, p. 97.
[53] Ibid., pp. 111–112.
[54] Herzl, “Entry of January 26, 1904,” in:
The Complete
Diaries, vol. 4, pp. 1602–1603.
[55] Ibid., p. 1605.
[56] جريس، ص 168–169.
[57] المرجع نفسه، ص 170؛ يتسحاق ميئور،
الحركة الصهيونية في روسيا (القدس: المكتبة الصهيونية، 1974)، ص 228 [بالعبرية].
[58] جريس، ص 166–167.
[59] Oskar K. Rabinowicz, “New Light on the East Africa Scheme,” in: Israel Cohen (ed.), The Rebirth of Israel: A Memorial Tribute to Paul Goodman (London: Goldstein and Sons, 1952), pp. 81, 85, 88, 90.
[60] كُتب الكثير عن هذه المرحلة التكوينية في تاريخ الحركة الصهيونية، يُنظر:
Gur Alroey, “Journey to New Palestine: The Zionist Expedition to East Africa and the Aftermath of the Uganda Debate,”
Jewish Culture and History, vol. 10, no. 1 (2008), pp. 23–58; Adam Rovner, “Greetings from the Promised Land: Uasin Gishu, East Africa (1903–1905),” in:
In the Shadow of Zion: Promised Lands Before Israel (New York/ London: New York University Press, 2014), pp. 45–78; Yitzhak Conforti, “Searching for a Homeland: The Territorial Dimension in the Zionist Movement and the Boundaries of Jewish Nationalism,”
Studies in Ethnicity and Nationalism, vol. 14, no. 1 (2014), pp. 36–54; Mordechai (Motti) Friedman, “Uganda and the Sixth Congress,” in:
Theodor Herzl’s Zionist Journey – Exodus and Return (Berlin/ Boston: De Gruyter Oldenbourg, 2021), pp. 236–282.
[61] جريس، ص 175.
[62] Laqueur, p. 107; Norman Rose, Chaim Weizmann: A Biography (New York: Viking, 1986), pp. 72–73.
[63] جريس، ص 178–179.
[64] المرجع نفسه، ص 181–182.
[65] Nathan Birnbaum, “Antisemitismus und Nationaljudenthum,”
Selbst-Emancipation, vol. 3, no. 2 (1890), p. 3.
[66] Ibid., p. 4.
[67] Nathan Birnbaum, “Die Ziele der jüdisch-nationalen Bestrebungen, II: national-politischer Theil,”
Selbst-Emancipation, vol. 3, no. 4 (1890), p. 1.
[68] أُلْقيت هذه المحاضرة (بثلاثة الأجزاء المنشورة هناك) في جمعية "أدمات يشورون" (أرض إسرائيل) في مقرها بڤيينا (23 كانون الثاني/ يناير 1892). وتجدر الإشارة إلى أنَّ مؤتمر بازل تبنى جوهر تعريف الصهيونية الوارد فيها. يُنظر:
Nathan Birnbaum, “Die Principien des Zionismus I,”
Selbst-Emancipation, vol. 5, no. 3, (1892), pp. 27–28; Nathan Birnbaum, “Die Principien des Zionismus II,”
Selbst-Emancipation, vol. 5, no. 5 (1892), pp. 52–54; Nathan Birnbaum, “Die Principien des Zionismus III,”
Selbst-Emancipation, vol. 5, no. 6/7 (1892), pp. 57–58.
يمكن الاطلاع على جميع أعداد الدورية في الموقع التابع لجامعة فرانكفورت:
https://acr.ps/1L9B9vL
[69] Nathan Birnbaum,
Die nationale Wiedergeburt des jüdischen Volkes in seinem Lande, als Mittel zur Lösung der Judenfrage: Ein Appell an dis Guten und Edlen aller Nationen, vol. 1 (Wien: Selbstverlage des Verfassers, 1893) [إصدار شخصي للمؤلف], pp. 28–32.
يمكن الاطلاع على الكتاب في الموقع التابع لجامعة فرانكفورت:
https://acr.ps/1L9Ba05
[70] Ibid. pp. 7–24.
[71] أحاد هعام،
الأعمال الكاملة:على مفترق طرق، ج 1 (برلين: يوديشر فرلاغ Judischer Verlag، 1930 [1921])، ص 156–161 [بالعبرية]؛
Achad Ha'am, “This is not the Way (The Wrong Way) (lo zu Haderech) (1889),”
Zionism on the Web, accessed on 18/3/2026, at:
https://acr.ps/1L9Ba1q
[72] نشرت المقالة للمرّة الأولى في مجلة
همليتس في خمسة أقسام، المجلد 31، الأعداد 125، 127، 128، 131، 134 (19، 22، 23، 26، 30 حزيران/ يونيو 1891)، ونشرت لاحقًا ضمن أعماله الكاملة:
الأعمال الكاملة:على مفترق طرق، ج 1، ص 26–43 [بالعبرية]. أما بالعربية، فيُنظر: أحاد هعام، "مقتطفات من مقالة "الحقيقة من أرض إسرائيل"، ترجمة سعيد عياش،
قضايا إسرائيلية، العدد 49 (2013)، ص 115–126.
[73] نُشرت للمرة الأولى بالعبرية في مجلة
هشيلوَّح، مج 3، العدد 1 (كانون الثاني/ يناير 1898) تحت عنوان "حول المسائل الراهنة – أ"، ص 1–11، وصدرت ضمن أعماله الكاملة: هعام،
الأعمال الكاملة:على مفترق طرق، ج 2، ص 22–35 [بالعبرية]. وتُنظر بالإنكليزية:
Achad Ha-‘Am, “The Jewish State and the Jewish Problem (1897),” in: Leon Simon (ed. & trans),
Selected Essays of Ahad Ha-‘Am, (New York: Atheneum - A Temple Book, 1912 [1962]), pp. 262–269.
[74] هعام، ج 1، ص xiix– xxiv.
[75] يُنظر بشأن هذا الموضوع:
Ronen Shamir,
The Colonies of Law: Colonialism, Zionism and Law in Early Mandate Palestine (Cambridge: Cambridge University Press, 2000), pp. 153–156.
[76] جريس، ص 35–36.
[77] Jonathan Frankel, Prophecy and Politics: Socialism, Nationalism, and the Russian Jews, 1862-1917 (New York: Cambridge University Press, 1981), pp. 219–220.
[78] جريس، ص 223.
[79] Nachman Syrkin, “The Jewish Problem
and the Jewish Socialist State,” in:
Essays on Social Zionism (New York: Young Poale Zion Alliance of America, 1935), pp. 9–28.
يمكن الاطلاع على صيغة كاملة من هذا الكراس الذي لُخّص مضمونه في الفقرات التالية في الموقع الآتي:
https://acr.ps/1L9B9CF
[80] جريس، ص 184، 230.
[81] المرجع نفسه، ص 233–234.
[82] صدرت في الأصل مقالةً بالروسية. للنسخة الإنكليزية، يُنظر:
Ber Borochov, “The National Question and the Class Struggle,” in: Mitchell Cohen (ed.),
Class Struggle and the Jewish Nation: Selected Essays in Marxist Zionism (New Jersey/ London: Transaction Books, 1984), pp. 51–74.
[83] نشر البرنامج بالأصل بالروسية، ونشرت مقتطفات واسعة منه بالإنكليزية، يُنظر:
Ber Borochov, “Our Platform,” in: Mitchell Cohen (ed.), pp. 75–103.
[84] بيرل كتسنلسون،
الأعمال الكاملة،
مج 11: فصول في تاريخ الحركة العمالية (تسجيل لمحاضرات بيرل كتسنلسون ضمن سمينار شبيبة الحزب على جبل الكرمل، أيار-حزيران 1944) (تل أبيب: حزب عمال أرض إسرائيل، 1950-1953)، الفصلان الثالث والرابع، ص 31–33، 35–45 [بالعبرية].
[85] Neil Rogachevsky & Dov Zigler,
Israel’s Declaration of Independence: The History and Political Theory of the Nation’s Founding Moment (Cambridge: Cambridge University Press, 2022), p. 79.
[86] يتسحاق تبنكين،
دﭬريم، ج 2: (1936-1939) (تل أبيب: هكيبوتس همئوحاد، 1972)، ص 11–19 [بالعبرية].
[87] M. Ussishkin, “Our Program,:” An Essay,” D. S. Blondheim (trans.) (New York: The Federation of American Zionists, 1905).
صدر بالأصل بالروسية. والترجمة الإنكليزية متاحة بصورة كتاب على الرابط الآتي:
https://acr.ps/1L9B9GA
[88] Jehuda Reinharz,
Chaim Weizmann: The Making of a Zionist Leader (New York/ Oxford: Oxford University Press, 1985), pp. 307–309.
يمكن الاطلاع على الفصل بعنوان "الصهيونية المركبة":
“The Theory and Practice of Synthetic Zionism,” pp. 289–317.
[89] راحيل ينائيت– بن تسڤي، "حول مسألة الثقافة في أرض إسرائيل"،
هأحدوت، الأعداد 15-21، 23-24 (3، 10، 17، 24 شباط/ فبراير، 3، 15، 23 آذار/ مارس، 7 نيسان/ أبريل 1911) [بالعبرية].
[90] جريس، ص 240–241.
[91] المرجع نفسه، ص 242.
[92] داڤيد بن غوريون، "بلد معطاة (متان إيرتس)"،
كامفَر شتيميKämpferstimme ("صوت المقاتل"، دورية بالإيديش)، العدد 27 (1915) [بالعبرية]؛ نُشر من جديد ضمن أعمال بن غوريون: داڨيد بن غوريون،
ممعماد لعام (من طبقة إلى شعب) (تل أبيب: دفار، 1933)، ص 9–11 [بالعبرية].
[93] داڤيد بن غوريون،
مذكرات، ج 1 (تل أبيب: عام عوفيد، 1971)، ص 60–70 [بالعبرية]. مقتبس لدى يسرائيل بارطال، "من 'أرض مقدّسة' إلى أرض تاريخية: 'الحكم الذاتي' الصهيوني في مطلع القرن العشرين"، في: أبيعزر رابيتسكي (محرّر)،
أرض إسرائيل في الفكر اليهودي في القرن العشرين (القدس: معهد بن تسفي، 2004)، ص 273–274 [بالعبرية].
[94] Tom Segev,
A State at Any Cost: The Life of David Ben-Gurion, Haim Watzman (trans.) (London: Apollo, 2019), pp. 117–123.
[95] مجلة
هتورن (Hatoren)، العدد 5 (حزيران/ يونيو 1915) [بالعبرية]؛ وصدرت من جديد ضمن كتاب يضم بعض أعمال بن غوريون: بن غوريون،
ممعماد لعام (من طبقة إلى شعب) [بالعبرية].
يُنظر أيضًا ترجمة عربية كاملة في: داڨيد بن غوريون "نحو المستقبل"، ترجمة ياسين الحاج،
قضايا إسرائيلية، العدد 61 (2016)، ص 123–128.
[96] المرجع نفسه، ص 123.
[97] المرجع نفسه، ص 125.
[98] المرجع نفسه، ص 127.
[99] Segev, pp. 78–79.
[100] أعمال مؤتمر الأحزاب الصهيونية في القدس، 19 نيسان/ أبريل 1936؛ نُشر المحضر في: بن غوريون،
مذكرات، ج 3، ص 122– 129؛ وأعيد نشره في: يعقوب شبيط (محرّر)،
ضبط النفس أم الرد: الجدل في المستوطنات اليهودية 1936-1939 (رمات غان: دار النشر التابعة لجامعة بار إيلان، 1938)، ص 39– 49 [بالعبرية].
[101] داڤيد بن غوريون، "رسالة إلى عاموس (5 تشرين الثاني/ أكتوبر 1937)" في:
رسائل إلى ﭘولا والأولاد (تل أبيب: عام عوڤيد، 1968)، ص 211–213 [بالعبرية]. نُشِرت ترجمة عربية في:
رسائل بن غوريون، ترجمة الملكة دينا عبد الحميد (بيروت: دار القدس، 1979)، ص 142–145.
[102] يتسحاق إپشتين، "المسألة المحجوبة"،
هشيلوح، مج 17، العدد 1 (أيلول/ سبتمبر 1907)، ص 193–206 [بالعبرية]؛
Alan & Yitzhak, "‘A Question That Outweighs All Others’: Yitzhak Epstein and Zionist Recognition of the Arab Issue,”
Israel Studies, vol. 6, no. 1 (2001), pp. 34–54.
[103] Dowty & Epstein. p. 41.
[104] Ibid., p. 50.
[105] صدرت المقالةُ بدايةً في دورية ناطقة بالإيديش في نيويورك باسم
لوح أحيعيبر، السنة الأولى، 1918، ص 118–127، ونُشرت صيغة موسعة في: داڤيد بن غوريون ويتسحاق بن تسڤي،
أرض إسرائيل ماضيًا وحاضرًا، ترجمه من الإيديش داڤيد نيف (القدس: معهد بن تسڤي ومعهد تراث بن غوريون، 1979 [1918]، ص 195–206) [بالعبرية]. تُنظر باللغة العربية في: دافيد بن غوريون، "عن استيضاح أصل الفلاحين (1917)"، ترجمها عن العبرية وقدم لها نبيه بشير،
مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 138 (ربيع 2024)، ص 164–180. وقبل ذلك في: محمود محارب، "وثيقة حول الفلاحين الفلسطينيّين"،
قضايا: مجلة فكرية لمعالجة القضية الفلسطينية وأحداثها وقضاياها المتعدّدة (القدس)، العدد 8 (آب/ أغسطس 1991)، ص 105–117.
[106] خطاب أُلْقي خلال إحدى جلسات الدائرة السياسية لحزب مپاي (تل أبيب، 24 كانون الثاني/ يناير 1952). يُنظر:
داڤيد بن غوريون: رئيس الحكومة الأول، وثائق مختارة 1947-1963 (القدس: أرشيف دولة إسرائيل، 1997)، ص 148–150 [بالعبرية].
[107] داڤيد بن غوريون، "عن استيضاح أصل الفلاحين (1917)"، ص 165–166.
[108] المرجع نفسه، ص 168.
[109] بن غوريون وبن تسڤي، ص 25–26، 227–228.
[110] داڤيد بن غوريون، "خطاب على شرف انتهاء دورة الضباط، 15 أيار 1949"، في:
داڤيد بن غوريون: رئيس الحكومة الأول، ص 85–91.
[111] تبنكين،
دﭬريم، ج 2: (1936-1939)، ص 263–265.
[112] محاضرة موشي ديّان بعنوان "إشكالية السَّلام في ضوء التحوّلات في فكر الدكتور آرثر روبين" في معرض حفل تخرّج الفوج الخامس عشر من الكلية العسكرية للقيادة والأركان، 1 آب/ أغسطس 1968. نُشرت ضمن: موشي ديّان،
خريطة جديدة، علاقات مختلفة (تل أبيب/ حيفا: سفريات معاريف م.ض؛ "شكمونه" شركة للنشر م. ض، 1969)، ص 19–29 [بالعبرية].
[113] آرثر روبين،
فصول حياتي، ترجمة يعكوڤ رابي، ألكس بين وم. فينكلر (محرران)، ج 3 (تل أبيب: عام عوڤيد، 1968)، ص 258 (25 نيسان/ أبريل 1936).
[114] زئيف جابوتنسكي، "عن الجدار الحديدي"، ترجمة نبيل الصالح،
قضايا إسرائيلية، العدد 37–38 (2010)، ص 31.
[115] المرجع نفسه، ص 34.
[116] المرجع نفسه.
[117] منشور ضمن: نبيه بشير، "قراءة جديدة لعقيدة الجدار الحديدي" [يضم ترجمة صياغتيْن لمقالة جابوتنسكي حول النظرية الأخلاقية للجدار الحديدي]،
قضايا إسرائيلية، العدد 69 (2018)، ص 40–51.
[118] المرجع نفسه، ص 69.
[119] المرجع نفسه، ص 70.
[120] Yosef Gorny,
Zionism and the Arabs, 1882–1948 (Oxford: Clarendon Press, 1987), p. 159.
[121] Brian Horowitz, “A Leap over History: Vladimir Jabotinsky’s Political Paradigms, 1916–1940,”
Israel Studies Review, vol. 36, no. 1 (2021), p. 117.
[122] Ibid., p. 118.
[123] Ibid., p. 120.
[124] زئيڤ جابوتنسكي، "الشرق"، صدرت بداية بالروسية في دورية
رازسفيت (26 أيلول/ سبتمبر 1926)، وترجمت لاحقًا إلى العبرية، وأُعيد نشرُها في: زئيڤ جابوتنسكي،
كتابات: تاريخ ودين وثقافة يهودية، أريه ناؤور (محرّر) (تل أبيب: معهد جابوتنسكي في إسرائيل ومعهد مناحِم بيغن، 2021)، ص 276–285 [بالعبرية].
[125] سبق اقتباس هذه المقولة لنوردو. يُنظر أيضًا:
Gorny, pp. 33–36.
[126] جابوتنسكي،
كتابات: تاريخ ودين وثقافة يهودية، ص 278.
[127] يوسف كلاوزنر، "بماذا تطالب المعارضة"،
هشيلوح، العدد 259 (1924)، ص 293–301 [بالعبرية].
[128] اتحاد ترومبلدور في أرض إسرائيل – الرئاسة، الصهيونية السياسية -
أسس التصحيحية (مع ملاحق) (تل أبيب: مكتبة شلومو بن يوسف، الإصدار رقم (1)، 1939)، ص 6. ومن المتعارف عليه بين الباحثين أن جابوتنسكي هو من كتب هذا النص.
[129] من مقالة كُتبت في تشرين الأول/ أكتوبر 1929 كما جاء في توقيع الكاتب، في: يوسف كلاوزنر، "الصراع على النظرة إلى العالم"،
هتكوفاه، العددان 26-27 (1935)، ص 439 [بالعبرية].
[130] المرجع نفسه، ص 439.
[131] المرجع نفسه، ص 436.
[132] المرجع نفسه.
[133] المرجع نفسه، ص 412.
[134] : نشر بداية بالعبرية في الدورية الناطقة بلسان الحركة التصحيحية "هيردين"، العدد 598، يوم 31 تموز /يوليو 1936 تحت العنوان نفسه، وأُعيد نشرُه جزئيًّا عند: يعقوب شابيط (محرّر)،
ضبط النفس أم الرد: الجدل في المستوطنات اليهودية 1936- 1939 (رمات غان: دار النشر التابعة لجامعة بار إيلان، 1938)، ص 75-79. أما الترجمة الحالية فتعتمد على الجزء المنشور عند شابيط.
[135] نُشِر بداية بالعبرية في مجلة سرية بعنوان "بحيرڤ" (بالسيف) أصدرتها عصابة "الإتسل" الإرهابية في العدد الصادر في تشرين الثاني/ نوڤمبر؛ وأعيد نشره عند يعقوب شابيط (محرّر)، المرجع نفسه، ص 99-100.
[136] نُشِرت المقالة تحت عنوان "القصر وضبط النفس"، في صحيفة
هيردين، 6 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1936.
[137] آبا أحيمئير، "جسر حديدي"،
جريدة دوأر هَيوم، 10 أيلول/ سبتمبر 1929 [بالعبرية].
[138] آبا أحيمئير، "نحن نحمل مرضهم"،
جريدة دوأر هايوم، 11 أيار/ مايو 1930 [بالعبرية].
[139] آبا أحيمئير، "رسالة إلى الشبيبة الصهيونية"،
جريدة دوأر هايوم، 21 تشرين الأول/ أكتوبر 1930 [بالعبرية].
[140] يُنظر: آبا أحيمئير، "المرحلة الثالثة"،
هيردين، العدد 517 (1935)، ص 2 [بالعبرية].
[141] بالأصل هي محاضرة أُلْقيت بمناسبة انتهاء السنة الدراسية في كلية الأمن القومي في يوم 11 آب/ أغسطس 1982 (متوفرة في الموقع الرسمي لمركز مناحيم بيغن:
https://db.begincenter.org.il)، وقد نُشرت نسخة منقّحة منها في جريدة
معاريف (20 آب/ أغسطس 1982).
[142] محاضرة في جامعة بار إيلان يوم 14 حزيران/ يونيو 2009. المصدر: ديوان رئيس الحكومة، عبر الرابط الآتي:
https://acr.ps/1L9B9De
[143] صحيفة
هآرتس، 14/10/2022.
[144] Lev Taylor, “Why were the Founders of Liberal Judaism in Britain Opposed to Zionism?”
European Judaism, vol. 53, no. 2 (2020), p. 110.
[145] Ibid., p. 113.
[146] Ibid., p. 112.
[147] Ibid., p. 111.
[148] Ibid., pp. 115-116.
[149] يُنظر الموقع الرسمي للمؤتمر المركزي للحاخامات الأميركيّين (CCAR):
“The Guiding Principles of Reform Judaism (The Columbus Platform – 1937),”
Central Conference of American Rabbis, accessed on 11/9/2025, at:
https://acr.ps/1L9BafN
[150] ينظر الموقع الرسمي للمؤتمر المركزي للحاخامات الأميركيّين (CCAR):
“Reform Judaism: A Centenary Perspective (Adopted in San Francisco, 1976),”
Central Conference of American Rabbis, accessed on 11/9/2025, at:
https://acr.ps/1L9B9FC
[151] ينظر الموقع الرسمي للمؤتمر المركزي للحاخامات الأميركيّين (CCAR):
“Reform Judaism & Zionism: A Centenary Platform (“The Miami Platform” – 1997),”
Central Conference of American Rabbis, 24/6/1997, accessed on 11/9/2025, at:
https://acr.ps/1L9B9LV
[152] Louis D. Brandeis,
The Jewish Problem: How to Solve It (Speech to the Conference of Eastern Council of Reform Rabbis, April 25, 1915) (New York: Zionist Essays Publication Committee, 1915), accessed via Internet Archive at:
https://acr.ps/1L9B9Y2
[153] محاضرة أهرون باراك في المؤتمر العالمي للعلوم اليهودية، 1 آب/ أغسطس 1997، في: رون مارجولين (محرر)،
دولة إسرائيل بوصفها دولة يهودية ديمقراطية (القدس: الاتحاد العالمي لدراسات اليهودية (هأيغود هعولامي لمداعي هُيهدوت)، 1998)، ص 11 [بالعبرية]؛ لشرح هذه النقاط ونقدها: عزمي بشارة،
من يهودية الدولة حتى شارون: دراسة في تناقض الديمقراطية الإسرائيلية (القاهرة: دار الشروق، 2005)، ص 47-48. وبشأن موضوع تعريف الدولة عمومًا بوصفها دولة يهودية، يُنظر: "دولة يهودية وديمقراطية"، في: المرجع نفسه، ص 29–54.
[154] محاضرة ألقاها ضمن أعمال المؤتمر الصهيوني الـ 34 (18 يونيو/ حزيران 2002) في: أنيتا شابيرا (محررة)،
نصرّح بما يلي: 60 خطابًا مختارًا في تاريخ إسرائيل (أور يهودا: زمورا-بيتان، 2008)، ص 255–260 [بالعبرية].
[155] ألقيت هذه المقالة بالأصل محاضرة في مركز "شليم" الصهيوني اليميني المحافظ في القدس عام 2002، ونشرتها المؤلفة في مقالة بالعبرية: روت غڤيزون، "الدولة اليهودية: المسوّغات والصورة المأمولة" مجلة
تخيلت، العدد 13 (2002)، ص 50-89. أما النسخة الإنكليزية فنشرت لاحقًا على موقع المؤلفة:
Ruth Gavison, “Can Israel be both jewish and democratic?or: Israel between jewishness and democrarcy,” at:
https://acr.ps/1L9B9W3
[156] يتسحاق راينس، "سبل شعب إسرائيل (أورحوت يسرائيل)"، في: ميخا يوسف بيردشڤسكي (محرر)،
بيت همدراش، ج 1 (كراكوف: Eisig Gräber، 1888)، ص 60–70 [بالعبرية]، وهو القسم الثاني من مقالة "مكفيه ليسرائيل"، ونشر قسمه الأول في: المرجع نفسه، ص 49–60.
[157] يتسحاق يعقوب راينس،
نور جديد على صهيون (فيلنوس: مطبعة الأرملة والأخوة رام، 1901)، الباب الثامن، الفصل الأول، ص 225– 226، والفصل الثاني، ص 230–233 [بالعبرية].
[158] ألقي الخطاب شفهيًا، ونشر في أماكن كثيرة ضمن تيار الصهيونية الدينية منذ ذلك الحين. متوفر على موقع المدرسة الدينية "مركاز هراڤ"، في:
https://mercazharav.org.il
موجز بالإنكليزية تحت عنوان "For the Sake of our Country"، في:
“Rabbi Tzvi Yehuda HaKohen Kook,”
Mercaz Harav, accessed on 18/3/2026, at:
https://acr.ps/1L9B9r1
[159] تسفي رعنان،
غوش إمونيم (تل أبيب: الكيبوتس الموحّد – سفريات بوعاليم، 1980)، ص 189–194 [بالعبرية].
[160] نشرت بالأصل في مجلة
بشعرايخ، 16 أيار/ مايو 1969، وأُعيد نشرها في: يهودا عميطال،
من الأعماق: كلام حول قضايا راهنة مرتبطة بالخلاص والحروب (القدس: أغودات يشيڤبات هار عتسيون، 1974) [بالعبرية].
[161] محاضرة لطلاب المدرسة بعنوان "صهيونية خلاصية" ألقيت في المدرسة الدينية العليا "هار عتسيون"، 1973. نُشِرت في: عميطال، ص 11–32.
[162] تتوفر صورة عن المنشور الذي صدر في حينه في مراجع عديدة، منها: غرشون شفيط،
غوش إمونيم: القصة من خلف الكواليس (بيت إيل: مكتبة بيت إيل، 1995)، الملحق الأول، ص 359–364 [بالعبرية]؛ ونشرت الصفحة الأولى والأخيرة منه بالأصل العبري مع ترجمة عربية في المرجع الآتي: داني روبنشتاين،
غوش إمونيم: الوجه الحقيقي للصهيونية، ترجمة غازي السعدي (عمّان: دار الجليل للنشر، 1983)، ص 90–93.
[163] حوّل الخطاب المسياني الديني القومي جذوره، وعلاقته باغتيال رابين، يُنظر: سيفي لخلافسكي،
حمار المسيح: الأصولية اليهودية – الحاضر والجذور، ترجمه عن العبرية إسماعيل دبج (دمشق: دار كنعان، 2003).
[164] تُرجمت الوثيقة عن العبرية ونُشرت في: بتسلئيل سموتريتش، "مخطط الحسم: اليمين يملك مفتاح السلام"، ترجمه عن العبرية علاء حليحل،
قضايا إسرائيلية، العدد 89 (ربيع 2023)، ص 86–103.
[165] يُنظر إعلان المؤتمر في الموقع الآتي:
https://acr.ps/1L9BabY
Michael Oren,
Power, Faith and Fantasy, Decision at Biltmore: America in the Middle East 1776 to the Present (NY: WW. Norton& Co. 2007), pp 442-445.
[166] يمكن الاطلاع على نص الخطاب في الموقع الآتي:
https://acr.ps/1L9Bafc
[167] Azmi Bishara,
Palestine: Matters of Truth and Justice (London: Hurst, 2022).
[168] داڤيد بن غوريون، "كلمة عرضت في إحدى جلسات مجلس مپاي، 16 كانون الثاني/ يناير 1948"، في: شابيرا (محررة)، ص 37–41 [بالعبرية].
[169] خطاب لڤين في الجلسة السابعة للكنيست الأولى 9 آذار/ مارس 1949. محاضر جلسات الكنيست،
ديﭭري هكنيست، المجلد الأول.
Divrei HaKnesset, Volume 1
[170] تمار بروش (محرر)،
خطاب لكل حين (تل أبيب: الجامعة المفتوحة؛ يديعوت أحرونوت–سفري حيمد، 1993)، ص 24–27 [بالعبرية].
[171] دولة إسرائيل، الوقائع الإسرائيلية،
محاضر الكنيست 30 (الدورة الثانية، الجلسة 160، 3 تموز/ يوليو 1950)، مج 6، ص 2035– 2037 [بالعبرية فقط].
في تحليل معنى قانون العودة وخطاب بن غوريون هذا تحديدا يُنظر: بشارة،
من يهودية الدولة حتى شارون، ص 35–42.
[172] دولة إسرائيل، الوقائع الإسرائيلية، كتاب القوانين، العدد 51 (6 تموز/ يوليو 1950) (القدس: القائم بمطبوعات الحكومة، 1950) [ترجمة عربية حكومية معتمدة]. أقرّته الكنيست في جلستها المنعقدة في يوم 5 تموز/ يوليو 1950.
[173] أقرّت الكنيست هذا القانون في جلستها رقم 142 (الدورة الثانية) ليوم 24 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1952؛ والمقصود بوضع المنظمة الصهيونية هو مكانة المنظمة الصهيونية في الترجمة الدقيقة من العبرية. يُنظر: الوقائع الإسرائيلية، كتاب القوانين، العدد 112 (2 كانون الأول/ ديسمبر 1952) (القدس: القائم بمطبوعات الحكومة، 1952)، ص 2–3 [ترجمة عربية حكومية معتمدة].
[174] قانون "الصندوق القومي اليهودي" وقد تُرجم إلى العربية، وصدر تحت الاسم (قانون قيرن قييمت ليسرائيل، لسنة 5714-1953) ضمن: الوقائع الإسرائيلية، كتاب القوانين، العدد 138 (3 كانون الأول/ ديسمبر 1953) (القدس: القائم بمطبوعات الحكومة، 1953)، ص 264–265 [ترجمة عربية حكومية معتمدة].
[175] الوقائع الاسرائيلية،
مجموعة النشرات، رقم 1456 (7 حزيران/ يونيو 1968)، المجلد 19، ص 1597 [بالعبرية، ترجمة عربية حكومية غير متوفرة].
[177] كلمة أُلْقيت على هامش اجتماع لمجلس منظمة الكيبوتس الموحّد، حزيران/ يونيو 1967، رمات هكوفيش. يُنظر: يتسحاق تبنكين،
دﭬريم، ج 7: (1967-1971) (تل أبيب: هكيبوتس همئوحاد، 1972)، ص 11–13 [بالعبرية].
[178] المرجع نفسه، ص 14–20.
[179] خطاب في معرض مؤتمر الطلاب الجامعيّين في مستوطنة الشبيبة "شفيا" بمحاذاة مستوطنة زخرون يعقوب 6 نيسان/ أبريل 1969. نشر في: ديّان، ص 179.
[180] خطاب في نادي الصحافة، بيت سوكولوف، تل أبيب، 27 كانون الأول/ ديسمبر 1968. نُشر في: المرجع نفسه، ص 179–180.
[181] يُنظر بشأن هذا الموضوع: عزمي بشارة، "قانون القومية: كم مرة سوف يعلنون قيام إسرائيل؟"،
تقييم حالة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 24/7/ 2018، شوهد في 11/9/2025، في:
https://acr.ps/1L9Ba9G
[182] يُنظر: جريس، ص 260.
[183] Shayna Zamkanei, “The Politics of Defining Jews from Arab Countries,” Israel Studies, vol. 21, no. 2, Special Section—Dislocations of Immigration (2016), p. 3.
[184] في أيار/ مايو 1961، أجرى ممثلون من المغرب نيابةً عن الملك الحسن الثاني مفاوضات سرية في أوروبا مع المبعوث الأعلى لمنظمة الهجرة السرية الإسرائيلية وتوصلوا إلى اتفاق باسم "عملية يخين" يقضي بفتح مكتب فرعي في المغرب تابع لـ "الجمعية العبرية لمساعدة المهاجرين" (HIAS) لتنظيم عمليات الهجرة إلى إسرائيل. وبناءً عليه، جرى الاتفاق بتقديم دفعة أولى للمغرب قدرها 500 ألف دولار أميركي وتعويضات قدرها 100 دولار أميركي للفرد الواحد عن أول 50 ألف يهودي يختارون المغادرة، و250 دولارًا أميركيًّا للفرد الواحد بعد ذلك. يُنظر:
Aviad Moreno, “Beyond the Nation-State: A Network Analysis of Jewish Emigration from Northern Morocco to Israel,” International Journal of Middle East Studies, vol. 52, no. 1 (2020), p. 8.
[185] Moshe Gat,
“The Connection between the Bombings in Baghdad and the Emigration of the Jews from Iraq: 1950-51,”
Middle Eastern Studies, vol. 24, no. 3 (1988), pp. 312–329; Esther Meir-Glitzenstein, “From Narratives to History: New Perspectives on Mass Emigration of Jews from Islamic Countries in the Early 1950s,”
Journal of Israeli History, vol. 42 no.1–2, (2024), pp. 1-24; Zvi Yehuda,
The New Babylonian Diaspora: The Rise and Fall of the Jewish Community in Iraq, 16th-20th CenturiesC.E., (Leiden: Brill, 2017), pp. 1–5.
[186] Meir-Glitzenstein, “From Narratives to History,” pp. 17-18.
[187] Orit Bashkin,
New Babylonians: A History of Jews in Modern Iraq (Stanford Cal.: Stanford University Press, 2012), p. 142.
[188] زاكي شالوم، "بروتوكول لقاء بن غوريون وأديناور"،
عيونيم بتكومات يسرائيل، العدد 6 (1996)، ص 604-626 [بالعبرية].
[189] المرجع نفسه، ص 605.
[190] المرجع نفسه، ص 605-606.
[191] المرجع نفسه، ص 607. عبّر بن غوريون عن وجهات نظر مشابهة لهذه في معرض رسالة وجّهها إلى يسرائيل غاليلي. وجاء فيها ما يلي: "لا أرى الأهمية التاريخية الرهيبة للمذبحة التي اقترفها النازيون في العدد المرعب من اليهود الذين قُتلوا خلالها، بل في إبادة صفوة الشعب تحديدًا، فهذه الصفوة وحدها من بين بقية أجزاء الشعب اليهودي كانت قادرة على بناء الدولة وتتمتّع بكل المزايا والمهارات الضرورية لفعل ذلك. فقد كان يهود أوروبا يحتاجون إلى دولة يهودية، وكانت لديهم جميع الأدوات المادية والروحانية اللازمة لتأسيسها. فإنَّ المحرقة النازية، أكثر من كونها ضربة بالغة القسوة للشعب اليهودي، فإنها كانت سعيًا خطِرًا إن لم يكن مصيريًّا لإفشال إمكانية إقامة الدولة." رسالة بن غوريون إلى يسرائيل غاليلي، 29 كانون الثاني/ يناير 1960، مقتبس لدى زاكي شالوم، المذكور أعلاه، مترجم البروتوكول إلى العبرية. للاستفاضة حول نظرة وتعامل بن غوريون مع المحرقة النازية، يُنظر:
Shabtai Teveth,
Ben-Gurion and the Holocaust (New York: Harcourt Brace & Company, 1996).
[192] Manfred Liebel, “Violent Abduction of Yemenite Jewish Children in Israel: A Historical Study on the Intergenerational Dynamics of Oppression and Resistance,”
Global Studies of Childhood, vol. 15, no. 3 (2024), pp. 326-329.
[193] Esther Meir-Glitzenstein, “Turning Points in the Historiography of Jewish Immigration from Arab Countries to Israel,”
Israel Studies, vol. 23, no. 3 (2018), p. 115; Meir-Glitzenstein, “From Narratives to History,” p. 4;
موشيه سيكرون، "الهجرة الجماعية – أبعادها، خصائصها وانعكاساتها على بنية سكان إسرائيل"، في: مردخاي ناؤور (محرر)،
المهاجرون/ "العوليم" ومعسكرات الانتقال، 1948–1952 (القدس: معهد يتسحاك بن-تسڤي، 1986)، ص 31–52 [بالعبرية].
[194] Meir-Glitzenstein, “From Narratives to History,” p. 6;
سيكرون، ص 35.
[195] Meir-Glitzenstein, “From Narratives to History,” p. 11.
[196] Ibid., pp. 13-14.
[197] Esther Meir-Glitzenstein, “Operation Magic Carpet: Constructing the Myth of the Magical Immigration of Yemenite Jews to Israel,”
Israel Studies, vol. 16, no. 3 (2011), p. 150.
[198] Meir-Glitzenstein, “From Narratives to History,” pp. 5-6; Joel Beinin,
The Dispersion of Egyptian Jewry: Culture, Politics, and the Formation of a Modern Diaspora (Berkeley: University of California Press, 1998), pp. 93-94; Maurice Roumani,
The Jews of Libya: Coexistence, Persecution, Resettlement (Brighton: Sussex Academic Press, 2009), pp. 187-222; Lior Sternfeld,
Between Iran and Zion: Jewish Histories of Twentieth-Century Iran (Stanford: Stanford University Press, 2019); Reuben Ahroni,
Jewish Emigration from the Yemen 1951–1998: Carpet without Magic (Richmond: Curzon Press, 2001);
نيسيم كزاز،
نهاية
المنفى: اليهود في العراق بعد الهجرة الجماعية، 1951–2000 (أور يهودا: مركز تراث يهود بابل، 2002)، ص 181–188 [بالعبرية].
[199] Meir-Glitzenstein, “Turning Points,” p. 115; Meir-Glitzenstein, “From Narratives to History,” p. 6.
[200] تشمل بيانات سورية تلك من لبنان حتى عام 1972.
[201] يشمل أيضًا المهاجرين من الجزائر وتونس.